← Таджвид и кираат

Таджвид и кираат · id 35101

الحجة للقراء السبعة

أبو علي الفارسي

Полный текст (2 942 стр.). Показаны 1996–2035 · переход к 2001.

стр. 1996

قوله ربك، وهو سبحانه الواهب. وزعموا أن في حرف أبي وابن مسعود: (وليهب لك)، ولو خفّفت الهمزة من لأهب لكان في قول أبي الحسن: (ليهب) فتقلبها ياء محضة، وفي قول الخليل لأهب تجعلها بين الياء والهمزة. [مريم: ٢٣] اختلفوا في كسر النون وفتحها من قوله : نسيا منسيا [مريم/ ٢٣] فقرأ ابن كثير وأبو عمرو ونافع وابن عامر والكسائي: (نسيا) بكسر النون. وقرأ حمزة بفتح النون. واختلف عن عاصم فروى أبو بكر عنه: (نسيا) كسرا، وروى حفص عن عاصم نسيا فتحا مثل حمزة «١». وقال أبو الحسن: النسي: هو الشيء الحقير ينسى نحو النعل والسوط، وقال غيره: النّسي ما أغفل من شيء حقير، وقال بعضهم: ما إذا ذكر لم يطلب، وقالوا: الكسر أعلى اللغتين. وقال الشنفرى: كأنّ لها في الأرض نسيا تقصّه ... على أُمّها وإن تحدّثك تبلت «٢» [مريم: ٢٤] اختلفوا في فتح الميم والتاء وكسرها من قوله جل وعز: من تحتها [مريم/ ٢٤]. فقرأ ابن كثير وأبو عمرو وعاصم في رواية أبي بكر وابن عامر: (من تحتها) بفتح الميم والتاء.

стр. 1997

وقرأ نافع وحمزة والكسائي وحفص عن عاصم من تحتها بكسر الميم والتاء «١». قال أبو علي: من تحتها لأنه إنما هو جبريل ﵇، أو عيسى، وقال بعض أهل التأويل: لا يكون إلا عيسى، ولا يكون جبريل لأنه لو كان جبريل لناداها من فوقها. وقد يجوز أن يكون جبريل، وليس قوله من تحتها يراد به الجهة المحاذية للتمكن من تحته، ولكن المعنى: فناداها من دونها، ويدلّ على ذلك قوله: قد جعل ربك تحتك سريا [مريم/ ٢٤] فلم يكن الجدول محاذيا لهذه الجهة، ولكن المعنى جعله دونك، وقد يقال: فلان تحتنا، أي: دوننا في الموضع، قال ذلك أبو الحسن، فمن تحتها، أبين لأن المنادي أحد هذين، وأن يكون المنادي عيسى أشبه وأشدّ إزالة لما خامرها من الوحشة والاغتمام، لما يوجد به طعن عليها، لأن ذلك يثقل على طباع البشر، ألا ترى قوله للنبي ﷺ : قد نعلم إنه ليحزنك الذي يقولون [الأنعام/ ٣٣] وقوله: ولقد نعلم أنك يضيق صدرك بما يقولون [الحجر/ ٩٧] وإذا قال: من تحتها، كان عاما، فلم يبلغ في إزالة وحشتها وهمّها ما يبلغه نداء عيسى ﵇. ووجه من قرأ: (من تحتها): أنه وضع اللفظة العامة موضع اللفظ الخاص، فقال: (من تحتها) وهو يريد عيسى صلى الله عليه كما تقول: رأيت من عندك، وأنت تعني واحدا بعينه. [مريم: ٢٥] اختلفوا في قوله تعالى: تساقط عليك [مريم/ ٢٥].

стр. 1998

فقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر والكسائي: (تساقط) بالتاء «١» مشددة السين. وقرأ حمزة: (تساقط) بالتاء «١» مخففة السين. واختلف عن عاصم فروى عنه أبو بكر: (تسّاقط) مثل أبي عمرو وروى عنه حفص تساقط بضم التاء، وكسر القاف مخفّفة السين «٣». قال أبو علي: هذه الوجوه كلّها متفقة في المعنى إلا ما رواه حفص عن عاصم، ألا ترى أن قول حمزة: (تسّاقط) إنما هو تتساقط، فحذف التاء التي أدغمها غيره، وكلّهم جعل فاعل الفعل الذي هو (تسّاقط) أو تساقط في رواية حفص: النخلة، ويجوز بأن يكون فاعل تساقط أو تساقط هو: جذع النخلة، إلا أنه لما حذف المضاف أسند الفعل إلى النخلة في اللفظ، ويجوز في قراءة عاصم: تساقط هزُّهُ النخلة فيحذف، أو: تساقط النخلة، فأمّا تعديتهم تساقط وهو تفاعل، فإن يتفاعل مطاوع فاعل، كما أن تفعل مطاوع فَعَّل، فكما عدّى تفعل في نحو: تجرعته وتمليته، وتمزّزته، كذلك عدي تفاعل، فمما جاء من ذلك في الشعر قول ذي الرمة: ومن جودة غفل بساط تحاسنت ... بها الوشي قرّات الرياح وخورها «٤» ومن ذلك قول الآخر:

стр. 1999

تطالعنا خيالات لسلمى ... كما يتطالع الدين الغريم «١» وأنشد أبو عبيدة لأوفى بن مطر: تخاطأت النبل أحشاءه ... وأخّر يومي فلم يعجل «٢» قال هو في موضع أخطأت، وأنشد للأعشى: ربّي كريم لا يكدّر نعمة ... وإذا تنوشد بالمهارق أنشدا «٣» قال: هو في موضع نشد، أي: يسأل بالكتب، وهي المهارق، وأنشد لامرئ القيس: ومثلك بيضاء العوارض طفلة ... لعوب تناساني إذا قمت سربالي «٤» قال: يريد تنسيني. وقد قرأ غيرهم: (يتساقط). فمن قرأ كذلك أمكن أن يكون فاعله الهزّ، لأن قوله: هزي قد دل على الهزّ، فإذا كان كذلك جاز أن يضمره كما أضمر الكذب في قوله: من كذب كان شرا له، ويمكن أن يكون الجذع، أي: يساقط عليك الجذع، ويجوز في الفعل إذا أسند إلى الجذع وجهان: أحدهما أن الفعل أضيف إلى الجذع كما أضيف إلى النخلة برمتها، لأن الجذع معظمها. والآخر:

стр. 2000

أن يكون الجذع منفردا عن النخلة يسقط عليها، ويكون سقوط الرطب من الجذع آية لعيسى ﵇، ويصير سقوط الرطب من الجذع أسكن لنفسها وأشد إزالة لاهتمامها، وسقوط الرطب من الجذع منفردا عن النخل مثل رزقها الذي كان يأتيها في المحراب في قوله: كلما دخل عليها زكرياء المحراب وجد عندها رزقا [آل عمران/ ٣٧] إلى قوله: قالت هو من عند الله [آل عمران/ ٣٧]. وقوله: رطبا في هذه الوجوه منصوب على أنه مفعول به، ويجوز في قوله: (تساقط عليك): أي تساقط عليك ثمرة النخلة رطبا، فحذف المضاف الذي هو الثمرة، ويكون انتصاب رطب على الحال، وجاز أن تُضمر الثمرة وإن لم يجر لها ذكر، لأن ذكر النخلة يدلّ عليها كما دلّ البرق على الرعد فيما ذكرناه فيما مر. فأما الباء في قوله: هزي إليك بجذع النخلة، فتحتمل أمرين: أحدهما: أن تكون زائدة، كقولك: ألقى بيده، أي: ألقى يده، وقوله: بواد يمان ينبت الشّثّ حوله ... وأسفله بالمرخ والشّبهان «١» ونحو ذلك، ويجوز أن يكون المعنى: وهزي إليك بجذع النخلة أي: بهز جذع النخلة رطبا كما قال:

стр. 2001

وصوّح البقل نئّاج تجيء به ... هيف يمانية في مرّها نكب «١» أي: تجيء بمجيئه هيف، أي: إذا جاء النئّاج جاء الهيف، وكذلك إذا هززت الجذع هززت بهزّه رطبا، أي: فإذا هززت الرطب سقط. [مريم: ٣١، ٣٠] قال: قرأ الكسائي وحده وأوصاني [مريم/ ٣١] ممالة. وآتاني [مريم/ ٣٠] ممالة، الباقون لا يميلون «٢». الإمالة في آتاني أحسن منها في أوصاني لأن في أوصاني مستعليا، وهو مع ذلك يجوز كما جازت إمالة صاد، وطغا وصغا ونحو ذلك. [مريم: ٣٤] اختلفوا في قوله تعالى: قول الحق [مريم/ ٣٤]. فقرأ عاصم: قول الحق نصبا، وكذلك ابن عامر. ابن كثير وأبو عمرو ونافع وحمزة والكسائي: (قول الحق) رفعا «٣». الرفع: على أن قوله: ذلك عيسى ابن مريم: كلام، فالمبتدأ المضمر ما دلّ عليه هذا الكلام، أي: هذا الكلام قول الحق، ويجوز

стр. 2002

أن تضمر هو وتجعله كناية عن عيسى، فيكون الرافع قول الحق، أي: هو قول الحق، لأنه قد قيل فيه: روح الله وكلمته، والكلمة قول. وأما النصب فعلى أن قوله: ذلك عيسى ابن مريم يدلّ على: أحقّ قول الحقّ. وتقول: هذا زيد الحقّ لا الباطل، لأن قولك هذا زيد عندك، بمنزلة أحقّ، فكأنك قلت: أحقّ الحقّ، وأحقّ قول الحقّ. [مريم: ٥١] اختلفوا في كسر اللام وفتحها من قوله : كان مخلصا [مريم/ ٥١]. فقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر وعاصم في رواية الكسائي عن أبي بكر والمفضل عن عاصم: (مخلصا) بكسر اللام. وقرأ عاصم في رواية يحيى عن أبي بكر وحفص عنه: مخلصا بفتح اللام. وقرأ حمزة والكسائي بفتح اللام أيضا «١». من كسر اللام فحجّته قوله: وأخلصوا دينهم لله [النساء/ ١٤٦] ومن فتحها فحجته قوله: إنا أخلصناهم بخالصة ذكرى الدار [ص/ ٤٦]. [مريم: ٣٦] اختلفوا في فتح الألف وكسرها من قوله: وإن الله ربي وربكم [مريم/ ٣٦]. فقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو: (وأنّ الله ربي) بنصب الألف. وقرأ ابن عامر وعاصم وحمزة والكسائي: وإن الله خفضا «٢».

стр. 2003

حجة من كسر: أنّه حمله على قوله: إن الله ربي وربكم فجعله مستأنفا، كما أن المعطوف عليه مستأنف. وحجة من فتح أنه حمله على قوله: وأوصاني بالصلاة والزكاة وبأن الله ربي وربكم. [مريم: ٥٦] عليّ بن نصر عن أبي عمرو: هل تعلم له [مريم/ ٦٥] يدغم اللام ويقول: إن شئت أدغمته، وما كان مثله، وإن شئت بيّنته. وقال هارون عن أبي عمرو إنه كان يدغم هل تعلم ثم رجع إلى البيان «١». قال أبو علي: يرى سيبويه: أن إدغام اللام في الطاء والدال والتاء والصاد والزاي والسين جائز، وجواز إدغامها فيهن على أن آخر مخرج اللام قريب من مخارجهنّ، وهن حروف طرف اللسان، وليس إدغام اللام في الطاء والدال والتاء. في الحسن كإدغامها في الحروف الستة، لأن هذه أخرج من الفم من تلك. وقد جاز إدغامها أيضا في الطاء وأختها. قال: وقرأ أبو عمرو هل ثوب الكفار [المطففين/ ٣٦] فإذا أدغمها في التاء مع أنها أخرج من الفم، فإدغامها في التاء التي هي أدخل فيه أجدر. ومما أدغم فيه اللام في التاء: بل تؤثرون «٢» الحياة الدنيا [الأعلى/ ١٦] وأنشد لمزاحم العقيلي: فذر ذا «٣» ولكن هتّعين متيّما ... على ضوء برق آخر الليل ناصب «٤» [مريم: ٦٧] اختلفوا في قوله: (أولا يذكر الإنسان) [مريم/ ٦٧].

стр. 2004

فقرأ عاصم ونافع وابن عامر: أولا يذكر الإنسان ساكنة الذال خفيفة. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وحمزة والكسائي بفتح الذال مشدّدة الكاف (يذّكّر) «١». قال أبو علي: التذكّر يراد به التدبّر والتفكر، وليس تذكرا عن نسيان. والثقيلة كأنه في هذا المعنى أكثر، فمن ذلك قوله: أولم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر [فاطر/ ٣٧] وقال: إنما يتذكر أولو الألباب [الرعد/ ١٩] [الزمر/ ٩] فإضافته إلى (أولي) يدلّ على أن المراد به النظر والتفكّر. والخفيفة في هذا المعنى دون ذلك في الكثرة، وقد قال: إن هذه تذكرة [الإنسان/ ٢٩] فمن شاء ذكره [عبس/ ١١]. وزعموا أن في حرف أبي: (أولا يتذكّر الإنسان). فأما قوله: ولم يك شيئا [مريم/ ٦٧] فمعناه: لم يك شيئا موجودا، وليس يراد أنّه قبل الخلق لم يقع عليه اسم شيء، وهذا كما قال: هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئا مذكورا [الإنسان/ ١] وقد قال: إن زلزلة الساعة شيء عظيم [الحج/ ١] والمعنى: أولا يذكر الإنسان الجاحد للبعث أول خلقه، فيستدلّ بالابتداء على أن الإعادة مثل الابتداء، كما قال: قل يحييها الذي أنشأها أول مرة [يس/ ٧٩] وقال: وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه [الروم/ ٢٧] وقال: وضرب لنا مثلا ونسي خلقه [يس/ ٧٨]. [مريم: ٧٣] اختلفوا في قوله : خير مقاما [مريم/ ٧٣] في ضم الميم وفتحها في مريم والدخان والأحزاب.

стр. 2005

فقرأ ابن كثير: (خير مقاما) بضم الميم وفي مقام أمين [الدخان/ ٥١] بفتح الميم، و (لا مقام لكم) [الأحزاب/ ١٣] بفتح الميم أيضا. وقرأ نافع وابن عامر: (في مقام أمين) بضم الميم، وخير مقاما بفتح الميم و (لا مقام لكم) بفتح أيضا. وقرأ عاصم في رواية أبي بكر وحمزة والكسائي وأبو عمرو: خير مقاما بفتح الميم، وفي مقام أمين بالفتح، و (لا مقام لكم) بالفتح فيهن. وروى حفص عن عاصم في الأحزاب: لا مقام لكم بالضم و (خير مقاما) وفي مقام أمين بفتح الميم فيهما «١». وروى غيره: (لا مقام لكم) بفتح الميم. اعلم أنهم قد قالوا: قام يقوم، وأقام يقيم، والمصدر واسم الموضع جميعا من فعل يفعل على: مفعل، وذلك نحو: قتل يقتل مقتلا، وهذا مقتلنا، وكذلك: المقام، يستقيم أن يكون اسما للمصدر ويستقيم أن يكون اسم الموضع. وأما أقام يقيم فالمصدر والموضع يجيئان منه على مقام، وكذلك ما زاد من الأفعال على ثلاثة أحرف بحرف زائد أو حرف أصل، فالمقام يصلح أن يكون الإقامة فتقول: أقمت إقامة، ومكان الإقامة مقام أيضا وعلى هذا قوله: (بسم الله مجراها ومرساها) [هود/ ٤١] تقديره: إجراؤها وإرساؤها، وقد يكون المقام: المكان الذي تقيم فيه، فهذا هو الأصل المقام والمقام، وقال: فيه آيات بينات مقام إبراهيم [آل عمران/ ٩٧] فهذا على موضع قيامه،

стр. 2006

وليس المصدر. وزعم أبو الحسن أنهم يقولون للمقعد: المقام، وللمشهد: المقام. وتأوّل قوله: قبل أن تقوم من مقامك [النمل/ ٣٩] أي: من مشهدك، وهذا مما لا يسوغ فيه أن يكون اسما للموضع، ألا ترى أن المصدر لا يكون هاهنا، وأمّا قوله: إن المتقين في مقام أمين [الدخان/ ٥١] فالمعنى على الموضع، ألا ترى أن الموضع يوصف بالأمن، كما يوصف بخلافه الذي هو الخوف، كما قال: يا ربّ ماء صرىّ وردته ... سبيله خائف جديب «١» فأمّا من قرأه: (في مقام أمين) [الدخان/ ٥١] فإن المقام اسم لما يقيم فيه، ويثوي. يدلّك على ذلك ما قدّمناه من وصفه بالأمن، ويدلّ عليه أيضا قول حسّان: ما هاج حسّان رسوم المقام «٢» فالرسم إنما يضاف إلى الأمكنة، ولا يضاف إلى الأحداث، وعلى هذا قال الشاعر: رسم دار وقفت في طلله «٣»

стр. 2007

وأمّا قول الشاعر: وفيهم مقامات حسان وجوهها ... وأندية ينتابها القول والفعل «١» فإنّما هذا على حذف المضاف، أي: أهل مقامات ومشاهد. وروى السكري عن الأصمعي أنه قال: المجلس: القوم، وأنشد: واستبّ بعدك يا كليب المجلس «٢» قال أبو علي: والمجلس: موضع الجلوس، والمعنى: على أهل المجلس، كما أن المعنى على أهل المقامات. قال السكري: المقامة المجلس والمقام: المنزل. فأما قوله: الذي أحلنا دار المقامة من فضله [فاطر/ ٣٥] فهو من الإقامة. وسمّي دار المقامة كما سمّي دار الخلد، وجنات عدن، وكلّ ذلك من اللّبث والمكث، وأنشد أبو زيد: إنّ التي وضعت دارا مهاجرة ... بكوفة الخلد قد غالت بها غول «٣» قالوا: زعم الأصمعي أن هذا تصحيف، وإنّما هو بكوفة الجند، قال الجرمي: ليس بتصحيف، وإنما هو بكوفة الخلد، وإنما المعنى

стр. 2008

أن أهلها قاطنون فيها، لا ينتقلون للنجع، وطلب المراعي، وأما ما أنشده أبو زيد من قول الشاعر: وذاك فراق «١» لا فراق ظعائن ... لهنّ بذي القرحى مقام ومحتمل «٢» فإن المقام مصدر كما أن خلافه الذي هو محتمل كذلك فأما قوله (لا مقام لكم فارجعوا) [الأحزاب/ ١٣] فالمعنى: لا مشهد لكم، لأن المقام قد أريد به المشهد، ومن قرأ لا مقام: أراد الإقامة، وكلا الأمرين سائغ، وقد يكون المقام حيث يقوم الإنسان، مما يدلّ على ذلك قول الراجز: هذا مقام قدمي رباح ... للشمس حتى دلكت براح «٣» المعنى: هذا موضع قيامه، وأما قوله: (أي الفريقين خير مقاما) [مريم/ ٧٣] فمن ضم الميم كان اسما للمثوى ومن فتح، كان كذلك أيضا، ألا ترى أن النديّ والنادي هما المجلس، من ذلك قوله: (وتأتون في ناديكم المنكر) [العنكبوت/ ٢٩] ومن ذلك قول كثير: أناديك ما حجّت حجيج وكبّرت ... بفيفا غزال رفقة وأهلّت «٤»

стр. 2009

فأما المقام فيمن ضمّ، وفيمن فتح على اسم المكان، وليس اسم الحدث، ويدلّ على ذلك: وكم أهلكنا قبلهم من قرن هم أحسن أثاثا ورئيا [مريم/ ٧٤] فلا يراد بهذا الحدث، إنما يراد به حسن الشارة والمنظر، وهذا إنما يكون في الأماكن فعلى هذه المسالك تسلك وجوه هذه القراءات. [مريم: ٧٤] اختلفوا في همز ورئيا وتركه (مريم/ ٧٤). فقرأ ابن كثير وأبو عمرو وعاصم وحمزة والكسائي: ورئيا مهموزة بين الراء والياء في وزن رعيا. وقرأ ابن عامر ونافع: (وريّا) بغير همز، وروى ابن جمّاز وورش وأبو بكر بن أبي أويس: ورئيا بالهمز بين الراء والياء. أخبرني محمد بن عبد الله، قال: حدثنا يونس بن عبد الأعلى قال: سمعت أشهب «١» يقول: سمعت نافعا يقرأ: ورئيا مهموزا. وروى إسماعيل بن جعفر وقالون والمسيّبي والأصمعي عن نافع: (وريّا) غير مهموز. وأخبرنا محمد بن يحيى الكسائي عن أبي الحارث عن أبي عمارة عن يوسف عن ابن جماز عن أهل المدينة: (وريّا) غير مهموز «٢». وذكر غير أحمد بن موسى أن الأعشى روى عن أبي بكر عن عاصم: (وريئا) مثل: وريعا. أبو عبيدة: رئيا ما ظهر مما رأيت «٣». قال

стр. 2010

أبو علي: رئي فعل من رأيت، وكأنه اسم لما ظهر وليس المصدر، إنما المصدر الرأي والرؤية، يدلّك على ذلك قوله: يرونهم مثليهم رأي العين [آل عمران/ ١٣] والرأي الفعل، والرئي: المرئي، كالطّحن والطّحن والسّقي والسّقي، والرّعي والرّعي. فأما ما روي عن عاصم من قوله: (وريئا)، فإنه قلب الهمزة التي هي عين إلى موضع اللام فصار تقديره، فلعا. فأما قولهم: له رواء، فيمكن أن يكون فعالا من الرؤية، فإن كان كذلك جاز أن تحقق الهمزة، فيقال: رآء، فإن خففت الهمزة أبدلت منها الواو، كما أبدلتها من جون وتودة، فقلت: رواء، ويجوز في الرواء أن يكون فعالا من الريّ فلا يجوز همزة، كما جاز في قول من أخذه من باب رأيت، فيكون في المعنى أنه له طراءة وعليه نضارة، لأن الريّ يتبعه ذلك، كما أن العطش يتبعه ذلك الذبول والجهد. ومن خفّف الهمزة من رئيا لزم أن يبدل منها الياء لانكسار ما قبلها كما تبدل من ذيب وبير، فإذا أبدل منها الياء وقعت ساكنة قبل حرف مثله فلا بد من الإدغام، وليس يجوز الإظهار في هذا كما جاز الإظهار للواو في نحو رؤيا وروية، ونوي، إذا خففت الهمزة فيها، لأن الياء في ريّا قبل مثل، ووقعت في رؤيا قبل ما يجري مجرى المقارب، فإن خفّفت الهمزة على ما روى عن عاصم من قوله: (ريئا) حذفتها وألقيت حركتها على الياء التي قبلها فقلت: ريّا ومن قال: سوء وسيّ قلب على قياس قوله: ريّا. [مريم: ٧٧] اختلفوا في ضم الواو وفتحها من قوله : وولدا [مريم/ ٧٧] في ستة مواضع في مريم أربعة مواضع [٧٧، ٨٨، ٩١، ٩٢]، وفي الزخرف [٨١] ونوح [٢١].

стр. 2011

فقرأهنّ ابن كثير وأبو عمرو: وولدا بالفتح إلا في سورة نوح: (ماله وولده) فإنهما قرءاه بضم الواو في هذه وحدها. وقرأهن نافع وعاصم وابن عامر بفتح الواو في كلّ القرآن. وقرأهن حمزة والكسائي بضم الواو في كلّ القرآن «١». قال أبو الحسن: الولد: الابن والابنة، قال: والولد: هم الأهل والولد. وقال بعضهم: بطنه الذي هو منه. قال أبو علي: الولد: هو ما ذكر في التنزيل في غير موضع مع المال، قال: المال والبنون زينة الحياة الدنيا [الكهف/ ٤٦] وقال: إنما أموالكم وأولادكم فتنة [التغابن/ ١٥] وقال: إن من أزواجكم وأولادكم عدوا لكم [التغابن/ ١٤]. وروى محمد بن السّريّ، عن أحمد بن يحيى عن الفراء قال: من أمثال بني أسد: ولدك من دمّى عقبك «٢». قال الفراء: وكان معاذ يعني: الهراء «٣» يقول: لا يكون الولد إلا جماعا، وهذا واحد، يعني: الذي في المثل، أي: لا تقل لكل إنسان: ابني ابني وأنشد: فليت فلانا كان في بطن أمّه ... وليت فلانا كان ولد حمار «٤»

стр. 2012

قال أبو علي: الذي قال معاذ وجه، ويجوز أن يكون جمعا كأسد وأسد، ونمر ونمر، وثمر وثمر، والفلك، ويجوز أن يكون واحدا، فيكون ولد وولد، كبخل وبخل، وحزن وحزن، وعرب وعرب، فيكون لفظ الواحد موافقا للفظ الجمع، كما كان الفلك كذلك، فلا يكون القول فيه كما قال معاذ، لأنه لا يكون إلا جمعا، ولكن على ما ذكرناه. وأما قوله: واتبعوا من لم يزده ماله وولده [نوح/ ٢١] فينبغي أن يكون جمعا، وإنما أضيف إلى ضمير المفرد لأن الضمير يعود إلى (من) وهو كثرة في المعنى، وإن كان اللفظ مفردا، وإنما المعنى: إنهم عصوني واتبعوا الكفار الذين لم تزدهم أموالهم وأولادهم إلا خسارا، فأضيف إلى لفظ المفرد وهو جمع، وقد حكى الكسائي أو غيره من البغداديين: ليت هذا الجراد قد ذهب فأراحنا من أنفسه، فولد، في أنه جمع، مثل الأنفس. وما أنشده الفراء من قوله: وليت فلانا كان ولد حمار «١». يدلّ على أنه واحد ليس بجمع، وأنه مثل ما ذكرناه من قولهم: الفلك، الذي يكون مرّة جمعا ومرّة واحدا. ولهذا يشبه أن يكون ابن كثير وأبو عمرو قرءاه بالضم. (ماله وولده) وفتحا ما سوى ذلك. وأما قراءة نافع وعاصم وابن عامر بفتح الواو في كلّ القرآن، فإن فتحهم الواو في قوله: ماله وولده على أنه واحد يراد به الجمع، ويجوز ذلك من وجهين: أحدهما: أنه إذا أضافه إلى اسم، هو جمع في المعنى، علم أن المفرد في موضع جمع، كقوله: قد عضّ أعناقهم جلد الجواميس «٢»

стр. 2013

وكقوله: كلوا في بعض بطنكم تعفّوا «١» ويجوز أن يكون كقوله: وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها [النحل/ ١٨]. وأما قراءة حمزة والكسائي: (ولدا) في جميع القرآن فإن ما كان منه مفردا قصدا به المفرد، وما كان جمعا قصدا به الجمع. [مريم: ٩٠] اختلفوا في قوله: تكاد السموات يتفطرن منه [مريم/ ٩٠] في الياء والتاء، وفي (عسق) [الشورى/ ٥] مثله. فقرأهنّ ابن كثير في السورتين: تكاد السموات بالتاء يتفطرن بالياء والتاء مشدّدة الطاء «٢». وقرأ عاصم في رواية أبي بكر وأبو عمرو: تكاد بالتاء، (ينفطرن) بالياء والنون في السورتين جميعا. ابن اليتيم عن أبي حفص عن عاصم: تكاد بالتاء، يتفطرن مشدّدة «٣». وفي (عسق) مثله.

стр. 2014

هبيرة عن حفص مثل أبي بكر في السورتين جميعا. أبو عمارة عن حفص عن عاصم مثل ابن اليتيم. وقرأ نافع والكسائي: (يكاد) بالياء، يتفطرن بالياء والتاء، مشدّدة الطاء في الموضعين: وقرأ حمزة وابن عامر في مريم مثل أبي عمرو، وفي عسق مثل ابن كثير «١». أما اختلافهم في: (تكاد) و (يكاد) وإلحاق علامة التأنيث، وترك الإلحاق فكلاهما حسن. وقد تقدّم ذلك، وإلحاق العلامة أحسن، لأن الجمع بالألف والتاء في الأصل للجمع القليل، والجمع القليل يشبه الآحاد، فكما أن الأحسن في الآحاد إلحاق العلامة في هذا النحو، فكذلك مع الألف والتاء. وروينا عن مجاهد في هذه السورة: الانفطار: الانشقاق، وقال أبو عبيدة: يتفطرن يتشققن «٢». وفي التنزيل: بل ربكم رب السموات والأرض الذي فطرهن [الأنبياء/ ٥٦] وفيه فاطر السموات والأرض [فاطر/ ١] فمطاوع فطر: انفطر، كما أنّ مطاوع فطّر: تفطّر وفطّر للتكثير، فمطاوعه في الدلالة على الكثرة مثل ما هو مطاوع له، فكأنه أليق بهذا الموضع لما فيه من معنى المبالغة، وتكثير الفعل ولا يدلّ ما جاء في قوله: إذا السماء انفطرت [الانفطار/ ١] وقوله: السماء منفطر به [المزمل/ ١٨] على ترجيح قراءة من قرأ: (ينفطرن) وذاك أن قوله: إذا السماء انفطرت كقوله: إذا السماء انشقت [الانشقاق/ ١] وذلك في القيامة لما يريد الله

стр. 2015

سبحانه من إبادتها وإفنائها وجاء ذلك على تفعّل أيضا في قوله: ويوم تشقق السماء بالغمام [الفرقان/ ٢٥] وما في سورة مريم، إنما هو لعظم فريتهم وعتوّهم في كفرهم، فالمعنيان مختلفان. وذهب أبو الحسن في معنى قوله: تكاد السموات إلى أن تكاد معناها: تريد، وكذلك قال: في قوله: كذلك كدنا ليوسف [يوسف/ ٧٦] أي: أردنا له، وأنشد: كادت وكدت، وتلك خير إرادة ... لو عاد من لهو الصّبابة ما مضى «١» وكذلك قال في قوله: أكاد أخفيها [طه/ ١٥] أي: أريد أخفيها، وعلى هذا فسّر غير أبي الحسن قول الأفوه: بلغوا الأمر الذي كادوا «٢» أي: أرادوا. قال أبو الحسن: المعنى: يدنون، لأنهن لا يكون أن ينفطرن ولا يدنون من ذلك، ولكن هي هممن به إعظاما لقول المشركين «٣». ولا يكون على من همّ بالشيء أن يدنو منه، ألا ترى أن رجلا لو أراد أن ينال السماء لم يدن من ذلك وقد كانت منه إرادة. وقال بعض المتأوّلين في قوله: (تكاد السموات ينفطرن منه): هذا مثل، كانت العرب إذا سمعت كذبا ومنكرا تعاظمته، عظّمته

стр. 2016

بالمثل الذي كان عندها عظيما، تقول: كادت الأرض تنشقّ، وأظلم ما بين السماء والأرض، فلمّا افتروا على الله الكذب ضرب مثل كذبهم بأهول الأشياء وأعظمها، قال أبو علي: ومما يقرّب من هذا قول الشاعر: ألم تر صدعا في السماء مبيّنا ... على ابن لبينى الحارث بن هشام «١» وقريب من هذا قول الآخر: وأصبح بطن مكة مقشعرّا ... كأنّ الأرض ليس بها هشام «٢» والآخر: بكى حارث الجولان من موت ربّه ... وحوران منه خاشع متضائل «٣» وقال: لما أتى خبر الزبير تواضعت ... سور المدينة والجبال الخشع «٤»

стр. 2017

ذكر اختلافهم في سورة طه [طه: ١] اختلفوا في كسر الطاء والهاء من طه [طه/ ١] فقرأ ابن كثير وابن عامر (طه) بفتح الطاء والهاء. وقرأ نافع: (طه) بين الفتح والكسر، وهو إلى الفتح أقرب، كذلك قال خلف عن المسيّبيّ وقال ابن سعدان كان المسيبي إذا لفظ ب (ها)، فكأنه يشمّها الكسر، فقلت له: إنك قد كسرت، فيأبى إلا الفتح. وقال محمد بن إسحاق عن أبيه عن نافع: (طه) بفتح الطاء والهاء، وكذلك قال القاضي عن قالون: مفتوحتان. وقال أحمد بن صالح عن قالون: الطاء والهاء وسط، وقال يعقوب بن جعفر عن نافع (طه) بكسر الطاء والهاء. وقال الأصمعي: (طه) كأنك تقطعها. وقرأ عاصم في رواية أبي بكر وحمزة والكسائي: (طه) بكسر الطاء والهاء. وقرأ أبو عمرو في غير رواية عباس (طه) بفتح الطاء وكسر الهاء. وروى عباس عن أبي عمرو: (طه) بكسر الطاء والهاء مثل حمزة. وقرأ عاصم في رواية حفص بالتفخيم «١».

стр. 2018

قال أبو علي: قد قلنا في الإمالة في نحو (طه)، والتفخيم فيما تقدم، والتفخيم لغة أهل الحجاز، ولغة النبي ﵌. [طه: ١١، ١٢] اختلفوا في فتح الألف وكسرها من قوله : يا موسى إني أنا ربك [طه/ ١١، ١٢]. فقرأ ابن كثير وأبو عمرو: (أنّي) بفتح الألف والياء. وقرأ عاصم وابن عامر وحمزة والكسائي: إني بكسر الألف، وفتح نافع الياء «١». من كسر فلأن الكلام حكاية، كأنه نودي فقيل: يا موسى إنّي أنا ربك، والكسر أشبه بما بعد مما هو حكاية، وذلك قوله: إنني أنا الله لا إله إلا أنا، وقوله: وأنا اخترتك [طه/ ١٣]، فهذه كلّها حكاية، فالأشبه أن يكون قوله: إني أنا ربك كذلك أيضا. ومن فتح كان المعنى: نودي بكذا، ونادى قد يوصل بحرف الجر، قال: ناديت باسم ربيعة بن مكدم ... أنّ المنوه باسمه الموثوق «٢» وقال: ونادى بها ماء إذا ثار ثورة «٣» المعنى: ونادى بندائها ماء، فقوله: ماء قد وقع النداء عليه، ومن الناس من يعمل هذه الأشياء التي هي في المعنى قول، كما يعمل

стр. 2019

القول ولا يضمر القول معها، وينبغي أن يكون في نودي ضمير يقوم مقام الفاعل، لأنه لا يجوز أن يقوم واحد من قولك: يا موسى ولا إني أنا ربك مقام الفاعل لأنها جمل، والجمل لا تقوم مقام الفاعل، فإن جعلت الاسم الذي يقوم مقام الفاعل موسى، لأن ذكره قد جرى كان مستقيما. [طه: ١٣، ١٢] اختلفوا في إجراء طوى [طه/ ١٢] وضمّ طائها. فقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو: (طوى وأنا) غير مجراة والطاء مضمومة وفي النّازعات [١٦، ١٧] مثله. وروى أبو زيد عن أبي عمرو: (طوى) وقال: هي أرض. وقرأ عاصم وابن عامر وحمزة والكسائي: طوى مجراة مضمومة الطاء «١». حدّثنا الكندي، قال: حدثنا مؤمّل قال: حدّثنا إسماعيل عن ابن أبي نجيح قلت له: فاخلع نعليك إنك بالوادي المقدس، قال: يقول: امض بقدميك إلى بركة الوادي، أظنه- يعني مجاهدا- طوى، مصروف وغير مصروف، فمن صرف فمن وجهين أحدهما: أن يجعله اسم الوادي فيصرف لأنه سمّى مذكرا بمذكر. والوجه الآخر: أن يجعله صفة، وذلك في قول من قال: إنه قدّس مرّتين، فيكون طوى كقولك: ثنا، ويكون صفة كقولهم: مكانا سوى، وقوم عدى. وجاء في طوى الضم والكسر، كما جاء في قوله: (مكانا سوى) [طه/ ٥٨] الكسر والضم، قال الشاعر «٢»:

стр. 2020

أفي جنب بكر قطّعتني ملامة ... لعمري لقد كانت ملامتها ثنا أي: ليس هذا بأوّل ملامتها، وكذلك طوى وطوى. وقد أنشدوا: ترى ثنانا إذا ما جاء بدأهم ... وبدؤهم إن أتانا كان ثنيانا «١» ثنانا مكسورة الثاء، أنشدناه محمد بن السري، وزعم أبو الحسن أن الضم في هذا لغة، وبالضم أنشد قول الشاعر: ترى ثنانا ... وقال: الثنى: هو الثاني. قال أبو علي: ومعنى ثنى وثنى: الذين يثنى بهم بعد السادة، لأنهم قالوا للسيد: البدء، من حيث بدئ بهم فيما يهمّ من الأمور. ومن لم يصرف احتمل أمرين: أحدهما: أن يكون اسما لبقعة أو أرض، وهو مذكّر، فهو بمنزلة امرأة سمّيتها بحجر، ويجوز أن يكون معدولا كعمر. فإن قلت: إن عمر معدول عن عامر، وهذا الاسم لا يعرف عمّ عدل، بأنه لا يمتنع أن يقدر العدل عما لم يخرجوه إلى الاستعمال، ألا ترى أنّ جمع وكتع معدولتان عمّا لم يستعمل، وكذلك يكون طوى. [طه: ١٠] ابن سعدان عن إسحاق عن نافع وحمزة: (لأهله امكثوا) [طه/ ١٠] وكذلك في القصص [٢٩]، بضم الهاء.

стр. 2021

والباقون يكسرون الهاء فيهما «١». وقد تقدم القول في ذلك. [طه: ١٣] اختلفوا في التاء والنون من قوله : وأنا اخترتك [طه/ ١٣]. فقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وعاصم وابن عامر والكسائي: وأنا خفيف اخترتك بالتاء بغير ألف. وقرأ حمزة (وأنّا) النون مشددة (اخترناك) بألف ونون «٢» قال أبو علي: الإفراد زعموا أكثر في القراءة، وهو أشبه بما قبله من قوله: إني أنا ربك ووجه الجمع: أن نحو ذلك قد جاء نحو قوله: سبحان الذي أسرى بعبده [الإسراء/ ١] ثم قال: وآتينا موسى الكتاب [الإسراء/ ٢]. وزعموا أنّه قراءة الأعمش، وزعموا أنه في حرف أبيّ: (وأنّي اخترتك) فهذا يقوي الوجه الأول. [طه: ٣٠، ٣١] وقرأ ابن عامر وحده: (هارون أخي أشدد به) [طه/ ٣٠، ٣١] مقطوعة مفتوحة، والياء ساكنة (وأشركه) الألف مضمومة على الجواب والمجازاة. وقرأ الباقون: أخي اشدد به أزري. وأشركه في أمري مفتوحة على الدعاء، إلا أبا عمرو وابن كثير فإنهما فتحا الياء من أخي. وقرأ نافع في رواية المسيبي وابن كثير: (وأشركهو في أمري) بزيادة واو في اللفظ.

стр. 2022

وقرأ الباقون: وأشركه مضمومة الهاء من غير واو «١». قال أبو علي: الوجه: الدعاء دون الإخبار، لأن ذلك معطوف على ما تقدّمه من قول: رب اشرح لي صدري ويسر لي أمري [طه/ ٢٥، ٢٦] فكما أن ذلك كلّه دعاء، فكذلك ما عطف عليه. وأما الإشراك فيبعد فيه الحمل على غير الدعاء، لأن الإشراك في النبوّة لا يكون إلا من الله سبحانه، اللهم إلا أن يجعل أمره شأنه الذي هو غير النبوة، وإنما ينبغي أن يكون النبوة، ألا ترى أنه قد جاء: اذهب إلى فرعون [النازعات/ ١٧] فقال: فأرسله معى ردءا يصدقني [القصص/ ٣٤] فأما (أشدد به أزري) فحمله على الإخبار، وغير الدعاء أسهل، لأن الشدّ يكون من هارون لموسى. وقال أبو عبيدة: اشدد به أزري أي: ظهري «٢» قال: يقولون آزرني أي: صار لي ظهرا، ويشبه أن يكون آزر لغة في وازر، كأكدت ووكدت، وآصدت وأوصدت وأرّخت وورّخت، ونحو ذلك، ولا يسوغ أن يحمل أشركه في أمري على غير السورة، لأنه قد جاء ما يعلم منه مسألة موسى لذلك، وذلك قوله: وأخي هارون هو أفصح مني لسانا فأرسله معي ردءا يصدقني، قال سنشد عضدك بأخيك [القصص/ ٣٣، ٣٤]. وقال: بمحنية قد آزر الضّال نبتها ... مضمّ جيوش غانمين وخيّب «٣»

стр. 2023

كأن المعنى أن كلأها قد طال حتى صار في قوام الضال، ويدل على أن قول الجماعة غير ابن عامر أرجح أن قوله: كي نسبحك كثيرا [طه/ ٣٣] كالجواب بعد هذه الأشياء التي سألها موسى ربّه، فينبغي أن يكون ذلك كلّه في جملة ما دعا به. اختلفوا [في] «١» قوله: (مهادا) [طه/ ٥٣] في زيادة الألف ونقصانها هاهنا وفي الزخرف [١٠] ولم يختلفوا في غيرها. فقرأ ابن كثير وأبو عمرو ونافع وابن عامر: (مهادا) بالألف في كل القرآن. وقرأ عاصم وحمزة والكسائي: مهدا بغير ألف فيهما «٢». قال أبو علي: المهد: مصدر كالفرش، والمهاد مثل الفراش في قوله: الذي جعل لكم الأرض فراشا [البقرة/ ٢٢] والله جعل لكم الأرض بساطا [نوح/ ١٩] فالمهاد مثل الفراش والبساط، وهما اسم ما يفرش ويبسط، ويجوز أن يكون المهد استعمل استعمال الأسماء، فجمع كما يجمع فعل على فعال، والأوّل أبين، ويجوز في قول من قرأ: مهدا أن يكون المعنى: ذا مهد، فيكون المعنى كقول من قال مهادا. [طه: ٥٨] اختلفوا في قوله: (مكانا سوى) [طه/ ٥٨] في ضم السين وكسرها. فقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو والكسائي: (مكانا سوى) كسرا.

стр. 2024

وقرأ ابن عامر وعاصم وحمزة: سوى بضم السين «١». أبو عبيدة: مكانا سوى وسوى يضم أولها ويكسر مثل طوى وطوى. قال: وهو المكان النّصف فيما بين الفريقين «٢»، وأنشد لموسى بن جابر الحنفي «٣»: فإن أبانا كان حلّ ببلدة ... سوى بين قيس قيس عيلان والفزر «٤» قال أبو علي: قوله: سوى، هو فعل من التسوية، فكأن المعنى مكانا تستوي فيه مسافته على الفريقين فتكون مسافة كل فريق إليه كمسافة الفريق الآخر، وهذا بناء يقل في الصفات، ومثله: قوم عدى، وأما فعل فهو في الصفات أكثر من فعل، نحو: رجل سلع، ودليل خنع، ومال لبد، ورجل حطم. فأما انتصاب قوله: (مكانا سوى)، فلا يخلو من أن يكون مفعولا للموعد في قوله: فاجعل بيننا وبينك موعدا [طه/ ٥٨] أو يكون ظرفا واقعا موقع المفعول الثاني، أو يكون منتصبا بأنه المفعول الثاني، فلا يجوز أن يكون متعلّقا بالموعد لا على أنه مفعول به، ولا على أنه ظرف له، وذلك أن الموعد قد وصف بالجملة التي هي: لا نخلفه نحن [طه/ ٥٨] وإذا وصف لم يجز أن يعمل عمل الفعل لاختصاصه بالصفة، ولأنه إذا وصف لم يجز أن يتعلق به بعد الوصف شيء منه، كما أنه إذا عطف عليه لم يجز أن يتعلق به بعد العطف شيء منه،

стр. 2025

وكذلك إذا أخبر عنه لم يجز أن يقع بعد الخبر عنه شيء يتعلق بالمخبر عنه، ولم يجز سيبويه: هذا ضارب ظريف زيدا، ولا: هذا ضويرب زيدا، إذا حقر اسم الفاعل، لأن التحقير في تخصيصه الاسم بمنزلة إجراء الوصف عليه، وقد جاء من ذلك في الشعر شيء، سمعت أبا إسحاق ينشد: وراكضة ما تستجنّ بجنّة ... بعير حلال غادرته مجعفل «١» وقرأت على محمد بن السري من خط السكري لبشر بن أبي خازم: إذا فاقد خطباء فرخين رجّعت ... ذكرت سليمى في الخليط المباين «٢» وقال ذو الرّمة: وقائلة تخشى عليّ أظنه ... سيودي به ترحاله ومذاهبه «٣» وهذا الذي جاء منه في الشعر يحمل النحويون مثله على إضمار فعل آخر: كما ذهبوا إليه في نحو قول الشاعر: إن العرارة والنّبوح لدارم ... والمستخفّ أخوهم الأثقالا «٤»

стр. 2026

وكذلك قوله: لسنا كمن حلت إياد دارها ... تكريت ترقب حبّه أن يحصدا «١» فإن قلت: فقد جاء إن الذين كفروا ينادون لمقت الله أكبر من مقتكم أنفسكم إذ تدعون إلى الإيمان فتكفرون [غافر/ ١٠] والظرف في المعنى يتعلق بالمقت الأول لأن المعنى: لمقت الله إياكم إذ تدعون إلى الإيمان فتكفرون، أكبر من مقتكم أنفسكم الآية. وقوله: إذ تدعون متعلّق بالمقت الأول، وقد وقع بعد خبره، قيل: إن الظروف يتجوّز فيها ما لا يتجوّز في غيرها، ألا ترى أنها تقع مواقع لا يقعها غيرها، وهو أيضا مع ذلك ينبغي أن يحمل على فعل آخر دلّ المقت عليه كأنه: مقتكم إذ تدعون إلى الإيمان فتكفرون. فعلى هذا الضرب من الأفعال يحمل هذا النحو إذا جاء، ولم نعلم في التنزيل مجيء شيء منه إلا في الظروف، فقد علمت أن مكانا في قوله: مكانا سوى ليس يتعلق بالموعد لما ذكرنا، وليس بالسهل أن تجعل انتصاب مكانا في قوله: (مكانا سوى) على أن يكون ظرفا، وقع موقع المفعول الثاني، كقولك: ظننت خروجك اليوم، وعلمت ركوبك غدا، لأنك إن حملته على ذلك جعلت المبتدأ الذي يلحقه، جعلت، وظننت ونحوه، موعدا لا نخلفه نحن ولا أنت مكانا قصدا، فتنصب المكان كما تنصب اليوم، في قولك: القتال اليوم. ولم يجروا قولهم: الموعد مجرى سائر هذه الأحداث، ألا ترى

стр. 2027

أنه قد جاء في التنزيل: إن موعدهم الصبح [هود/ ٨١] برفع الصبح، وجاء: موعدكم يوم الزينة وأن يحشر الناس ضحى [طه/ ٥٩] فالقراءة بالرفع على أن الثاني هو الأول، وهذا حذف واتساع، ولا تقول على قياس موعدك الصبح: مرجعك الصبح، ولا مجيئك باب الأمير، ولا مقعدك السوق. وقد رأيت أنهم قد أخرجوا الموعد من أحكام نحوه، فلا يحسن فيه ما حسن في نحو ما يشبهه، ومما يدلّك على أنهم أخرجوا ما بعد الموعد من أن يكون ظرفا قوله: موعدكم يوم الزينة وأن يحشر الناس ضحى [طه/ ٥٩] ألا ترى أن قوله: وأن يحشر الناس ليس من الظروف في شيء فلولا أن اليوم في قوله: موعدكم يوم الزينة، قد خرج من أن يكون ظرفا لم يعطف عليه ما لا يكون ظرفا. ولو نصب ناصب (اليوم) من قوله: موعدكم يوم الزينة فجعل (اليوم) خبرا عن الحدث مثل: القتال اليوم، مع عطف قوله: وأن يحشر الناس ضحى عليه جاز على أن يتعلق يوم الزينة بالمحذوف، ويضمر لقوله: وأن يحشر الناس ضحى ما يكون مبنيا عليه، كأنه: موعدكم يوم الزينة، وموعدكم أن يحشر الناس ضحى، وهذا هو الأصل، وإذا صار الاستعمال فيه على ما وصفناه مما جاء التنزيل به كان غير ذلك كالأصول المرفوضة، ولو قال قائل: إن الموعد في الآي اسم الزمان، فيكون مجيء الموعد اسما للزمان كقولهم: كان هذا مبعث الجيوش، ومضرب الشّول «١»، ومحبل فلانة، أي وقت بعضهم، ومضرب الشّول: أي وقت ضربها، ومحبل فلانة، أي: زمان حبلها. فإذا جاز أن يكون اسما للزمان ارتفع الصبح، ويوم

стр. 2028

الزينة من حيث كان الثاني لأنه هو الأول، وأنشد أبو الحسن: كلما قلت غد موعدنا ... غضبت هند وقالت بعد غد «١» فهذا يتجه أيضا على الوجهين اللذين قدمنا: أن يكون جعل الموعد الحدث، وجعله غدا، قبل على الاتساع، أو يكون جعل الموعد اسم زمان مثل المحبل، وعلى هذا الاتساع فيه، ويجوز أن يكون الموعد اسم المكان فمما جاء فيه اسم مكان: وإن جهنم لموعدهم أجمعين [الحجر/ ٤٣] فالموعد ينبغي هاهنا أن يكون مكانا، لأن جهنم مكان، والثاني فيه هو الأول، وهذا أبين من أن تحمله على أن جهنم مكان موعدهم لأن الكلام على الظاهر ولا حذف فيه، فإذا جعلت قوله: مكانا مفعولا ثانيا لجعلت كان بمنزلة قوله: جعلوا القرآن عضين [الحجر/ ٩١] وقوله: وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثا [الزخرف/ ١٩] في أنه انتصب على أنه مفعول ثان لجعلت. [طه: ٦١] اختلفوا في ضم الياء وفتحها من قوله فيسحتكم [طه/ ٦١]. فقرأ ابن كثير ونافع وعاصم في رواية أبي بكر وأبو عمرو وابن عامر: (فيسحتكم) بفتح الياء من يسحت. وقرأ عاصم في رواية حفص وحمزة والكسائي: فيسحتكم بضم الياء من أسحت، وكسر الحاء.

стр. 2029

أبو عبيدة: يسحتكم: يهلككم قال: وبنو تميم يقولون: يسحتكم، وأنشد: وعضّ زمان يا ابن مروان لم يدع ... من المال إلا مسحتا أو مجلّف «١» وفسر لم يدع: لم يبق، وقال أبو الحسن نحو ذلك، أبو عثمان: سحت وأسحت نحو قول أبي عبيدة. [طه: ٦٣] اختلفوا في قوله تعالى: إن هذين [طه/ ٦٣] في تشديد النون وتخفيفها. فقرأ ابن عامر ونافع وحمزة والكسائي: (إنّ) مشدّدة النون. هذان بألف خفيفة النون من هذان. وقرأ ابن كثير (إن هذانّ) بتشديد نون (هذانّ) وتخفيف نون (إنّ). واختلف عن عاصم فروى أبو بكر (إنّ هذان) نون إنّ مشدّدة، وروى حفص عن عاصم إن ساكنة النون وهي مثل قراءة ابن كثير، وهذان خفيفة. وقرأ أبو عمرو وحده (إنّ) مشدّدة النون (هذين) بالياء.

стр. 2030

قال قائلون: (إنّ) في قوله: (إنّ هذان لساحران) بمعنى: أجل، وأن تكون (إنّ) للتأكيد والناصبة للاسم أشبه بما قبل الكلام وما بعده، فأما قبل فقوله: فتنازعوا أمرهم بينهم وأسروا النجوى [طه/ ٦٢] فالتنازع إنما هو في أمر موسى وهارون، هل هما ساحران على ما ظنوه من أمرهما، وقد تقدم من قولهم ما نسبوهما فيه إلى السحر، وهو قولهم: أجئتنا لتخرجنا من أرضنا بسحرك يا موسى فلنأتينك بسحر مثله [طه/ ٥٧، ٥٨] فهذا وإن لم يتقدمه سؤال عن سحرهم كما تقدم السّؤال مثل قوله: قالوا نعم وهو قوله: فهل وجدتم ما وعد ربكم حقا قالوا نعم [الأعراف/ ٤٤] فقد تقدم أجئتنا لتخرجنا من أرضنا بسحرك يا موسى فلنأتينك بسحر مثله [طه/ ٥٧، ٥٨] فيكون نعم منصرفا إلى تصديق أنفسهم فيما ادّعوه من السحر و (إن) بمنزلة نعم. وقال: قد قال سيبويه: نعم عدة وتصديق، وأن تصرف إلى الناصبة للاسم أولى. قال الجرميّ: هو قراءة أبي عمرو وعيسى وعمرو بن عبيد وقوله: يريدان أن يخرجاكم إلى آخر الكلام، أن يكون تأكيدا لأنهما ساحران أشبه بالكلام فإن حمله على التصديق ضرب من التأكيد فإن حملت (إنّ) على أنّه بمعنى نعم بقي الكلام: هذان لساحران، فتحصل لام الابتداء داخلة على خبر المبتدأ، وهذا قد قال النحويون فيه: إنّه يجوز في الشعر على الضرورة، فإن قلت: أقدر الابتداء محذوفا، فإن هذا لا يتجه «١» لأمرين: أحدهما: أن الذي حمله النحويون على الضرورة لا يمتنع من أن يستمر هذا التأويل فيه، ولم يحملوه مع ذلك عليه. والآخر: أن التأكيد باللام لا يليق به الحذف، ألا ترى أن الأوجه في الرتبة أن يتم الكلام ولا يحذف، ثم يؤكّد فأما أن

стр. 2031

يحذف ثم يؤكّد، فليس باللائق في التقدير، ووجه قول من قال: إن ذان، وإن هذان مخفف (إن): أنّ إنّ إذا خفّفت لم يكن النصب بها كثيرا، وكان الأوجه أن يرفع الاسم بعدها، والدليل على ذلك كثرة وقوع الفعل بعدها في نحو: إن كاد ليضلنا [الفرقان/ ٤٢] وإن كانوا ليقولون [الصافات/ ١٦٧] وإن كنا عن دراستهم لغافلين [الأنعام/ ١٥٦]، وإذا كان الأوجه الرفع بعدها رفع هذان بعدها، وأدى مع ذلك خطّ المصحف، ومن زعم أنّ هذان في الآية الألف التي فيه الألف التي كانت في هذا، ليس إلا ألف التي جلبته التثنية، فإن الأمر لو كان على ما زعم لم تنقلب هذه الألف في تثنيته، كما أن الألف التي في هذا لا تنقلب على حال، وفي كون هذه الألف مرّة ياء، ومرة ألفا دلالة على أنه كسائر التثنية، ولا فصل بين هذا وبين غيره من الأسماء المعربة، وذلك أن هذه الأسماء في الانفراد إنما بنيت لمشابهتها الحروف، فإذا ثنيت زال بالثنية مشابهتها للحروف، من حيث لم تثنّ الحروف فتصير كسائر الأسماء المعربة، ويدلّ على أن هذه الألف للتثنية أن التي كانت في الواحد قد حذفت، كما حذفت الياء من التي والذي إذا قلت: اللتان واللذان، فالياء التي كانت في الاسم قد حذفت وجيء بالتي للتثنية. ومثل حذف هذه الألف حذف الألف من أولات ومن ذوات ومن هيهات، هذه كلّها حذفت فيها الألف والياء لقلة تمكّنها، فكذلك تحذف من قولهم: هذا، ألفه، وتلحق التي تكون علما للتثنية، ومن ثم انقلبت مرّة ياء ومرة ألفا، والتي تثبت في الواحد لا يتعاورها القلب، ولا تزول عن أن تكون ألفا، وقال أبو الحسن: إن هذان لساحران بتخفيف إن لأن الكتاب: هذان فيحملها على لغة من يخفّف إنّ فيرفع بها، وإن ثقلت فهي لغة لبني الحارث بن كعب

стр. 2032

يرفعون الاثنين في كل موضع قال: فأيّ التفسيرين فسرت فهو جيد. [طه: ٦٤] اختلفوا في همز الألف من قوله تعالى: فأجمعوا كيدكم [طه/ ٦٤] في كسر الميم وإسقاط الألف وفتح الميم. فقرأ أبو عمرو وحده (فاجمعوا) مفتوحة الميم من جمعت. القطعيّ عن عبيد وهارون عن أبي عمرو: فأجمعوا ألف مقطوعة مثل حمزة. وقرأ الباقون: فأجمعوا بقطع الألف وكسر الميم من أجمعت «١». احتج أبو عمرو، زعموا، للقراءة بالوصل بقوله: فجمع كيده [طه/ ٦٠] والفعل في الموضعين جميعا معدّى إلى الكيد. قال أبو الحسن، وإنما يقولون بالقطع إذا قالوا: أجمعنا على كذا وكذا، فأما إذا قالوا: أجمعوا أمركم، وأجمعوا كيدكم، فلا يقولون إلا بالوصل، قال: والقطع أكثر القراءة، قال: فأما أن يكون لغة في ذا المعنى لأن باب فعلت وأفعلت كثير، أو يكون أجمعوا أي: أجمعوا على كذا وكذا، ثم قال: كيدكم على أمر مستأنف، فإن قيل: فقد تقدّم ذكر قوله: فجمع كيده فإذا قالوا: فأجمعوا كيدكم، كان تكريرا، قيل: لا يكون كذلك، لأن ذاك في قصة وذا في أخرى، ذاك إخبار عن فرعون في جمعه كيده وسحره، وهذا فيما يتواصى به السحرة في جمع كيدهم، وما يستظهرون في المبالغة في سحرهم، ويشبه أن يكون ذلك على لغتين كما ظنه أبو الحسن كقول الشاعر:

стр. 2033

وأنتم معشر زيد على مائة ... فأجمعوا أمركم طرّا فكيدوني «١» فقوله: فأجمعوا أمركم بمنزلة: فأجمعوا كيدكم لأن كيدكم من أمركم. قال: وروى القطعي عن عبيد عن شبل عن ابن كثير: ثم ائتوا صفا [طه/ ٦٤] بفتح الميم «٢»، ثم يأتي بياء بعدها ساكنة. وروى خلف عن عبيد عن شبل عن ابن كثير: (ثمّ ايتوا) بكسر الميم بغير همز، ثم يأتي بالياء التي بعدها تاء، وهذا غلط، لا تكسر الميم من ثمّ، وحظها الفتح، ولا وجه لكسرها، وإنما أراد ابن كثير أن يتّبع الكتاب فلفظ بالياء التي خلفت الهمزة بعد فتحة الميم. وروى الحسن بن محمد بن عبيد الله بن أبي يزيد عن شبل عن ابن كثير: ثم ايتوا صفا مفتوحة الميم وبعدها ياء. وكذلك روى محبوب عن إسماعيل المكي عن ابن كثير وهذا هو الصواب. وروى النّبال وغيره عن ابن كثير: ثم ائتوا صفا مثل حمزة، وكذلك قرأ الباقون «٣» قول ابن كثير: (ثمّ ايتوا صفّا) بفتح الميم ثم يأتي بياء بعدها ساكنة، وجهه فيه أنه مثل قوله: (أيذا) كأنّه قلب الهمزة ياء بعد ما خفّفها بأن جعلها بين بين إلا أنه في هذا قلبها ياء، وإن لم يكن خففها، وهذا مثل ما حكاه سيبويه في المتصل بيس، وقد كان أبين من هذا أن يقلبها ألفا لسكونها وانفتاح ما قبلها، مثل: راس وفاس في

стр. 2034

المتصل، فأمّا قوله: (ثمّ ايتوا صفا) فخطأ بيّن وأصل هذا أنك تقول: أتى يأتي، فإذا أمرت منه قلت: ايت، تجتلب همزة الوصل لسكون الهمزة التي هي فاء فلزم أن تقلب الفاء ياء لاجتماع الهمزتين، فقلت: ايت، وإن وصلته بشيء سقطت همزة الوصل، فلا يخلو ما يتصل به من أن يكون ساكنا أو متحركا، فإن كان متحركا لم يخل من أن يكون ضمّة أو فتحة أو كسرة، فإن كانت ضمّة وخففت الهمزة قلبتها واوا، فقلت: يا زيد وت، وعلى هذا: (يا صالح وتنا) [الأعراف/ ٧٧] وعلى هذا (ومنهم من يقول اوذن لي ولا) [التوبة/ ٤٩] وإن كانت كسرة فخفّفت الهمزة قلت: يا غلام يت بكذا، فقلبتها ياء، وإن شئت حقّقت «١» الهمزة فقلت: يا غلام ئت بكذا، كما حققت بعد الضمة من قولك يا زيد ؤت، وإن كانت فتحة قلبتها ألفا إذا خففت الهمزة فقلت: يا غلام ات، وإن شئت حقّقت الهمزة. وعلى قياس قراءة ابن كثير: يا غلام يت، فتقلبها ياء ولا تقلبها ألفا، والوجه ما عليه الجمهور والكثرة، وقد قال قوم فيما روى بعض البغداذيين في أتى يأتي: ت بكذا وكذا، وأنشد: ت لي آل زيد «٢» وهذا على قياس من حذف الهمزة حذفا من حيث كان حرف علّة، كما حذف من: خذ، ومر، وكل، وليس ذلك بالكثير ولا المعروف، والوجه في الآية قراءة النّبال وغيره عن ابن كثير.

стр. 2035

[طه: ٦٩] اختلفوا في تشديد القاف وتخفيفها من قوله: (تلقف) [طه/ ٦٩]. فقرأ ابن عامر وحده: (ما في يمينك تلقّف ما) برفع الفاء وتشديد القاف. وروى حفص عن عاصم: تلقف خفيفة. وقرأ الباقون وأبو بكر عن عاصم: (تلقّف ما) مجزومة الفاء. وروى النّبال عن ابن كثير: ما في يمينك تلقف خفيفة التاء كذلك قرأت على قنبل. وكان [ابن كثير] يشدّد التاء [والقاف] في رواية البزي وابن فليح «١»: (ما في يمينك تلقّف). وجه قول ابن عامر: (تلقّف) يرتفع على أنه في موضع حال، والحال يجوز أن يكون من الفاعل الملقي ومن المفعول الملقى، فإن جعلته من الفاعل الملقي جعلته المتلقف، وإن كان التّلقّف فى الحقيقة للعصا، ووجه جعل المتلقف للفاعل على أن التلقف بإلقائه كان، فجاز أن ينسب إليه، كما قال: وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى [الأنفال/ ١٧] فأضاف الرمي إلى الله سبحانه، وإن كان للنبيّ ﵌ لما كان بقوّة الله وإقداره، ويجوز أن تكون الحال من المفعول، وقال فيه: (تلقّف) على حدّ قولك: هند تذهب، لأنه حمل الكلام على المعنى، والذي في يمينه عصا فأنثه، كما قال: (ومن تقنت منكن لله ورسوله) [الأحزاب/ ٣١] وكما قال: (فله عشر أمثالها) [الأنعام/ ١٦٠] فأنث الأمثال لما كانت في المعنى حسنات، ومثل هذا
следующие страницы →