ألا ترى أن (لا) في المعنى زيادة «١»، وقد عملت، وفي قوله: ليلة لا هجوع، وبابه معنى النفي فيه صحيح ولم تعمل «٢».
ومما جاءت فيه (لا) زائدة- إنشاد من أنشد:
أبى جوده لا البخل واستعجلت به ... نعم من فتى لا يمنع الجود قاتله
«٣» [قال أبو الحسن: فسرته العرب: أبى جوده البخل، وجعلوا (لا) زائدة حشوا وصلوا بها الكلام] «٤». واختلفوا في قول الشماخ:
أعائش ما لأهلك لا أراهم ... يضيعون الهجان مع المضيع
«٥»
стр. 212
فروى التّوزيّ عن أبي عبيدة: أنّ (لا) زائدة، وذهب غيره إلى أنّها ليست زائدة.
ومما يجوز أن تكون (لا) فيه زيادة «١» قول الشاعر:
ولا ينطق الفحشاء من كان منهم ... إذا جلسوا منّا ولا من سوائنا
«٢» فأمّا القول في (منّا)، فإنّه يجوز أن يتعلق بشيئين:
أحدهما أن يكون: إذا جلسوا منّا، أي: إذا جلسوا مخالطين لنا؛ لأنّ (منّا) قد استعمل في هذا المعنى، ألا ترى أنّه قد قال «٣»: وتقول: أنت منّي فرسخين، فالمعنى: أنت مخالطي في هذه المسافة، وملابسي، فيكون التقدير: إذا جلسوا مخالطين لنا ومخالطين سوانا، و (لا) زائدة كما زيدت في قوله: «أفعنك لا برق» «٤».
стр. 213
والوجه الآخر «١»: (منّا) متعلّقا بما قبل، كأنه، من كان منهم منّا.
فإن قلت: كيف يصحّ أن يكون من كان منهم منّا؟ قيل:
هذا يكون على وجهين:
أحدهما: أن يكون (منّا) في معنى المخالطة والملابسة كما تقدّم، فيكون (منهم) مستقرّا، و (منّا) في موضع حال، ولا يكون (منّا) مستقرّا و (منهم) في موضع حال «٢» من قوله (منّا) لأنّ الحال لا تتقدم «٣» على العامل إذا كان معنى، فإن جعلت العامل في الحال كان جاز ذلك.
ويجوز أيضا في قوله: (من كان منهم منّا) أن يكون بينهم محالفة، فيجوز للحلف أن يقول: من كان منهم منّا: لأنّه يجوز- وإن كان من معشر آخرين- أن تقول: منا للحلف، أو للولاء.
وقد جاء: «مولى القوم منهم» «٤».
وعلى هذا
قوله: «الأذنان من الرأس» «٥»
وقال تعالى:
стр. 214
الْمُنافِقُونَ وَالْمُنافِقاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ [التوبة/ ٦٧]، أي بعضهم يلابس بعضا ويوالي بعضا. وليس المعنى على النسل والولادة، لأنه قد يكون من نسل المنافق مؤمن، ومن نسل المؤمن منافق. فهذا كقوله: الْمُنافِقُونَ وَالْمُنافِقاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ [التوبة/ ٦٧]. وكذلك قوله: ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِنْ بَعْضٍ [آل عمران/ ٣٤] أي بعضها يوالي بعضا، ولا يتبرأ بعضهم من بعض. ويجوز في قوله: بعضها من بعض- أن يكون المعنى:
أنّهم في الآخرة متوالون، لا يتبرّأ بعضهم من بعض، كما يتبرأ الكافرون والفاسقون. ألا تراه قال: إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا [البقرة/ ١٦٦] وفَما لَنا مِنْ شافِعِينَ
وَلا صَدِيقٍ حَمِيمٍ
[الشعراء/ ١٠٠] ونحو ذلك من الآي التي تدلّ على هذا المعنى فقوله: ذرّية بعضها من بعض، أي: هم على خلاف صفة المنافقين والكافرين، لأنّهم إخوان متوالون.
فأمّا قوله: وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمانِكُمْ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ [النساء/ ٢٥] فقد يكون المعنى والله أعلم: بإيمانكم بعضكم من بعض، أي: بعضكم يوالي بعضا ويلابس بعضا في ظاهر الحكم من حيث شملكم الإسلام فاجتمعتم فيه وصرتم متكافئين متماثلين لجمع الإسلام لكم، واستوائكم في حكمه في الديات والقصاص والمناكح والتّوارث ونحو هذا، مما جمعهم الإيمان فيه. وقال:
إذا حاولت في أسد فجورا ... فإني لست منك ولست مني
«١»
стр. 215
وقال جرير:
عرين من عرينة ليس مني ... برئت إلى عرينة من عرين
«١» وقال آخر- أظنّه الراعي-:
فقلت ما أنا ممن لا يواصلني ... ولا ثوائي إلا ريث أحتمل
«٢» وأما قوله: ما أَصابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ [الحديد/ ٢٢]. فإن موضع قوله: في الأرض يحتمل ضربين: أحدهما: أن يكون مفعولا فيه ظرفا، والآخر: أن يكون وصفا. فإن جعلته ظرفا احتمل أن يكون ظرفا لأصاب، واحتمل أن يكون لمصيبة، ولا ذكر فيه على شيء من هذين التأويلين، كما أنّ قولك: بزيد، من: مررت بزيد، كذلك.
ويؤكد ذلك ويحسنه دخول لا في قوله: (وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ)، فصار ذلك مثل: ما ضربت من رجل ولا امرأة.
والضرب الآخر: أن يكون صفة للنكرة، ويكون متعلقا بمحذوف وفيه ذكر يعود إلى الموصوف. وقوله: (وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ) صفة «٣» معطوفة على صفة، فإذا كان كذلك احتمل موضعه ضربين: أحدهما أن يكون جرا على لفظ قوله: من مصيبة، والآخر: أن يكون رفعا على موضع من مصيبة.
стр. 216
فإن قلت: فإذا كان كذلك فما وجه دخول لا في قوله:
(وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ) وليس الكلام على هذا التأويل بنفي؟ فالقول في ذلك أنّه لما كان معطوفا على ما هو منفيّ في المعنى- وإن لم يكن «١» منفيا في اللفظ- جاز أن يحمل الكلام على المعنى، فتدخل «لا» كما حملته على ذلك في قوله:
يحكي علينا إلّا كواكبها «٢» ألا ترى أنّ الضمير في يحكي لمّا كان لأحد المنفي أجريته مجرى المنفي «٣» في استجازتك البدل منه، كاستجازتك البدل من نفس المنفيّ فكذلك قوله: في الأرض، لما كان صفة لمنفي أجريته مجرى النفي «٤» فاستجزت العطف عليه (بلا). وإن شئت قلت: إنّ (لا) زائدة، والأول أبين، لأنّ الحمل على المعنى في النفي قد جاء في غير شيء، ألا ترى أنّهم قد قالوا: إنّ أحدا لا يقول ذاك إلّا زيد، لمّا كان في المعنى منفيا؟ ومن الحمل على المعنى قولهم: قد علمت زيد أبو من هو، فكذلك يكون ما ذكرنا «٥».
стр. 217
سورة البقرة
بسم الله الرّحمن الرّحيم «١»
[البقرة: ٢]
ومن السورة «٢» التي يذكر فيها البقرة قوله تعالى «٣»: فِيهِ هُدىً [٢].
قال أحمد بن موسى «٤»: قرأ نافع: (فيه هدى)، و (عليه إنه) «٥» [الحج/ ٤] (وما أنسانيه إلا) [الكهف/ ٦٣] وما أشبه ذلك إذا كان قبل الهاء ياء ساكنة حركها حركة مختلسة من غير أن يبلغ بها الياء.
واختلف عن نافع: فروى المسيّبي «٦» عن نافع أنه أثبت الياء بعد الهاء [في قوله] «٧»: عليهي، فيقول من «٨» (كتب عليهي أنه من تولاه) [الحج/ ٤]. وروى الكسائي عن إسماعيل «٩» عن نافع أنه قرأ: عليهي، يثبت الياء في كل
стр. 218
القرآن، فإذا كان قبلها واو ساكنة مثل نَدْعُوهُ إِنَّهُ «١» [الطور/ ٢٨] أو ألف مثل اجْتَباهُ وَهَداهُ [النحل/ ١٢١] ضم الهاء ضما من غير أن يبلغ بالضمة الواو. فإذا كان قبل الهاء حرف غير الواو والياء والألف «٢» وهو ساكن حرك الهاء أيضا حركة خفيفة من غير بلوغ واو، مثل: منه وعنه، إلّا في قوله: وأشركهو في أمري [طه/ ٣٢] فإن المسيّبي روى عنه الصلة بالواو في هذا الحرف وحده. فإذا كان ما قبل الهاء متحركا، وكانت الحركة كسرة كسر الهاء ووصلها بياء في اللفظ، كقوله «٣»:
وأمهي «٤» ... وصاحبتهي [عبس/ ٣٥]، وكتبهي ورسلهي [البقرة/ ٢٨٥، والنساء/ ١٣٦] وما أشبه ذلك. فإذا كانت الحركة قبل الهاء ضمة أو فتحة ضم الهاء ووصل الهاء «٥» بواو.
فمثل ما تحرك ما قبل الهاء فيه بالضمة قوله تعالى «٦»: فإن الله يعلمهو [البقرة/ ٢٧٠]، فهو يخلفهو [سبأ/ ٣٩]. ومثل ما تحرك ما قبل الهاء فيه بالفتحة قوله: خلقهو فقدر هو [عبس/ ١٩]، ويسرهو [عبس/ ٢٠]، فأقبرهو [عبس/ ٢١] وما أشبه ذلك، يصل ذلك كله بواو ويقف بغير واو. وكذلك مذهب أبي عمرو وعاصم إلّا في قوله: (وما أنسانيه إلا الشيطان) [الكهف/ ٦٣] فإن أبا بكر بن عياش وحفصا اختلفا فيه عن
стр. 219
عاصم فروى أبو بكر «١» عن عاصم: (وَما أَنْسانِيهُ) «٢» بكسر الهاء من غير بلوغ ياء ومثله (بما عاهد عليه الله) [الفتح/ ١٠] وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهاناً [الفرقان/ ٦٩].
وروى عنه حفص «٣» (وَما أَنْسانِيهُ «٤» إِلَّا) بضم الهاء من غير واو. وكذلك اختلفا في قوله: بِما عاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فضم حفص الهاء وكسرها أبو بكر في سائر القرآن. ومثله: وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهاناً، فإن حفصا روى عن عاصم أنه يصل الهاء بياء، وحذفها أبو بكر عن عاصم. وهو مذهب حمزة والكسائي وابن عامر، إلّا ما روى حفص عن عاصم
في «أنسانيه» و «عليه الله» وفيهي «مهانا» يشبع الكسرة.
فأمّا ابن كثير فإنّه كان [يصل الهاء بياء في كل ذلك إذا كان قبلها ياء أو واو أو ألف أو حرف ساكن أو متحرك] «٥»
стр. 220
فيقول «فيهي هدى»، و (إليهي، ولديهي، وعليهي، واجتباهو، وهداهو، وما أنسانيهي إلّا، ومنهو، وعنهو) وكل ما كان مثله في القرآن.
قال أبو بكر محمد بن السري: الاختيار في (فيه) الكسر بغير ياء ولا إدغام. وحكى عن أبي حاتم «١» أن ذلك قراءة العامة. قال أبو بكر: وهو الأخف، وخط المصحف بغير ياء.
قال: وأكره الإدغام، لأن من كسر، فالياء يريد، ومن أثبت الياء لم يجز له أن يدغم، لأنّه لم يلتق حرفان، ومع ذلك فهي من الحروف التي يكره إدغام بعضها في بعض، لثقل ذلك.
قال: وقال أبو حاتم: يروى عن نافع أنّه كان يدغم: ((فيه هدى)) ويشمّها شيئا من الضم. قال: وإدغامه وإدغام أبي عمرو يدل «٢» على أنّهما لم يكونا يزيدان على ضمّة الهاء بلا واو وعلى كسرها بلا ياء كقراءة العوام.
قال أبو حاتم: والضّم لغة مشهورة، وليس بعد الضم واو في اللفظ. قال: ومن كان من لغته إدخال الواو مع المضموم والياء مع المكسور فقال: فيهو، وفيهي، لم يجز له الإدغام، لأنّ بين الهاءين في اللفظ حرفا حاجزا.
قال أبو بكر «٣»: وقال بعض أصحابنا: قراءة من قرأ ((فيه هدى))، بإدغام الهاء في الهاء، هو ثقيل في اللفظ وجائز في
стр. 221
القياس، لأنّ الحرفين من مخرج واحد، إلّا أنّه يثقل في اللفظ، لأنّ حروف الحلق ليست بأصل في الإدغام، والحرفان من كلمتين.
وحكى الأخفش أنّها قراءة.
قال أبو بكر- في رواية من روى عن أبي عمرو وغيره أنه كان يشمّ ويدغم-: هذا محال، لا يمكن الإدغام مع شيء من هذا، وذلك أنّه لا فصل بين الحرفين إذا أدغما بحال من الأحوال، لا بقطع ولا حركة ولا ضرب من الضروب، وإنّما يصيران كالحرف الواحد للزوم اللسان لموضع واحد، وإنّما كان أبو عمرو يختلس ويخفي فيظن به الإدغام، وكيف يكون متحرك مدغم فيجب أن يكون متحركا ساكنا. قال: وقال أبو حاتم:
أراد أبو عمرو ونافع الإخفاء، فلذلك أشما الضمّ والكسر، ولو أدغما إدغاما صحيحا أسكنا الهاء الأولى. قال: وكان من شأن أبي عمرو الإخفاء، لكراهية كثرة الحركات والإشباع. انتهت الحكاية عن أبي بكر.
قال أبو علي: قوله تعالى «١»: لا رَيْبَ فِيهِ. قال سيبويه: قالوا: أراب كما قالوا «٢»: ألام، أي صار صاحب ريبة، كما قالوا: ألام، أي: استحق أن يلام، وأما رابني فيقول: جعل فيّ ريبة، كما تقول: قطعت النخل، أي:
أوصلت إليه القطع واستعملته فيه.
стр. 222
وقال أبو زيد: قد رابني من فلان أمر رأيته منه ريبا إذا كنت مستيقنا «١» منه بالرّيبة. فإذا أسأت به الظنّ، ولم تستيقن منه بالريبة «٢» قلت: قد أرابني من فلان أمر هو فيه، إرابة وقد أربت فأنت مريب، إذا بلغك عنه شيء أو ظننته من غير أن تستيقنه. وقال: أنشدنا أبو عليّ «٣» كأنّني أربته بريب «٤».
وقال أبو عبيدة: لا ريب: لا شك.
وأما الهدى فقال سيبويه «٥»: قلّما يكون ما ضمّ أوله من المصدر منقوصا، لأن فعل لا تكاد تراه مصدرا «٦» من غير بنات الياء والواو «٧».
стр. 223
وقال أيضا: قد جاء في هذا الباب- يعني باب اعتلال اللام- المصدر على فعل، قالوا: هديته هدى. ولم يكن هذا في غير هدى وذلك لأنّ الفعل لا يكون مصدرا في هديته فصار هدى عوضا منه «١» قالوا: قريته قرى وقليته قلى، فأشركوا بينهما في هذا فصار عوضا من الفعل في المصدر فدخل كلّ واحد منهما على صاحبه، كما قالوا: كسوة وكسى وجذوة «٢» وجذى وصوّة وصوى «٣»، لأنّ فعل وفعل «٤» أخوان. ومن العرب من يقول: رشوة ورشا، ومنهم من يقول: رشوة ورشا وحبوة وحبا، وأكثر العرب تقول: رشا وكسا وجذا «٥».
قال أبو علي: وقد يجوز أن يكون فعل مصدرا اختصّ به المعتل وإن لم يكن في الصحيح، كما كان كينونة ونحوه مصادر، ولا يكون فيعلولة عنده «٦» ولا فعلولة عند من خالفه
стр. 224
مصدرا في الصحيح.
ويؤكد الأول ما قاله من أنّه قد يستغنى بفعله نحو:
الجلسة والرّكبة عن المصدر «١».
ويقوّيه أيضا أنّ ناسا من النحويين يزعمون أنّه قد يجرى الأسماء التي ليست بمصادر مجرى المصادر فيقولون: عجبت من دهنك لحيتك وينشدون:
وبعد عطائك المائة الرتاعا «٢» فيجرونه مجرى الإعطاء.
وقال لبيد:
باكرت حاجتها الدجاج «٣»
стр. 225
وفسّروه على: باكرت حاجتي إليها، فأضيف إلى المفعول، كما يضاف المصدر إليه، فكذلك يكون الهدى والسرى والتّقى، وفي التنزيل: إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقاةً [آل عمران/ ٢٨]. فكذلك يكون هذا النحو قد استغني به عن المصدر، كما قالوا: هو يدعه تركا شديدا.
فإن قلت: فلم لا تجعل (تُقاةً) مثل رماة في الآية، فيكون حالا مؤكّدة. فإنّ المصدر أوجه: لأنّ القراءة الأخرى:
(إلا أن تتقوا منهم تقية) «١» بهذا «٢» أشبه، وإن كان هذا النحو من الحال قد جاء، وسنذكره في موضعه إن شاء الله.
وقال أبو عبيدة: (هُدىً لِلْمُتَّقِينَ): بيانا لهم «٣». وقال أبو الحسن: زعموا أنّ من العرب من يؤنّث الهدى.
وأما الفعل من الهدى: فيتعدى «٤» إلى مفعولين، يتعدى إلى الثاني منهما بأحد حرفي جر: إلى، واللام. فمن تعدّيه بإلى قوله: «٥» فَاهْدُوهُمْ إِلى صِراطِ الْجَحِيمِ [الصافات/ ٢٣]. ومنه قوله: «٦» وَاهْدِنا إِلى سَواءِ الصِّراطِ
стр. 226
[ص/ ٢٢]. ومن تعديه باللام قوله: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدانا لِهذا [الأعراف/ ٤٣]، وقوله: قُلِ اللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ [يونس/ ٣٥]. فهذا الفعل بتعديه مرة باللام وأخرى بإلى مثل أوحى في قوله: وَأَوْحى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ [النحل/ ٦٨]، وقوله: بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحى لَها [الزلزلة/ ٥].
وقد يحذف الحرف من قولهم: «١» هديته لكذا وإلى كذا، فيصل الفعل إلى المفعول الثاني، كما قال: اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ، أي: دلنا عليه واسلك بنا فيه، فكأنّه «٢» سؤال واستنجاز لما وعدوا به في قوله: يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَهُ سُبُلَ السَّلامِ [المائدة/ ١٦] أي سبل دار السلام، بدلالة قوله: لَهُمْ دارُ السَّلامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ [الأنعام/ ١٢٧].
وتكون إضافة الدار إلى السلام على أحد وجهين: إمّا أن يراد به الإضافة إلى السلام الذي هو اسم من أسماء الله «٣» على وجه التعظيم لها والرفع منها، كما قيل للكعبة: بيت الله، وللخليفة: عبد الله. وإمّا أن يراد بالسلام جمع سلامة، كأنّه:
دار السلامة التي لا يلقون في حلولها عنتا ولا تعذيبا، كما قال:
الَّذِي أَحَلَّنا دارَ الْمُقامَةِ مِنْ فَضْلِهِ لا يَمَسُّنا فِيها نَصَبٌ وَلا يَمَسُّنا فِيها لُغُوبٌ [فاطر/ ٣٥]. وسألوا ذلك ليكونوا خلاف من قيل فيه: فَاهْدُوهُمْ إِلى صِراطِ الْجَحِيمِ [الصافات/ ٢٣]، وقِيلَ: ارْجِعُوا وَراءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُوراً [الحديد/ ١٣].
стр. 227
وقد يكون قوله: اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ سؤالا لأن يلطف «١» لهم بالتثبيت على الإيمان وطرق الهدى والدين فلا يكونوا كمن وصف بقوله: وَضَلُّوا عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ [المائدة/ ٧٧]، وقوله: وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ [الممتحنة/ ١].
ويقوي ذلك قوله: وَأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ [الأنعام/ ١٥٣]، وقوله:
وَآتَيْناهُمَا الْكِتابَ الْمُسْتَبِينَ وَهَدَيْناهُمَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ [الصافات/ ١١٧، ١١٨].
ويقوي الوجه الأوّل قوله: وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمالَهُمْ، سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بالَهُمْ [محمد/ ٤، ٥]، فهذا على الدلالة إلى طريق الجنة «٢» والثواب.
فأمّا قوله: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمانِهِمْ «٣» [يونس/ ٩] فإنّه يكون مثل قوله: سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بالَهُمْ بدلالة اتصال الحال به، وهو قوله: تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ، ويكون الظرف على هذا متعلقا بيهديهم. ويجوز أن يكون يهديهم في دينهم كقوله:
وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زادَهُمْ هُدىً [محمد/ ١٧]، ويكون الحال فيه كقوله: هَدْياً بالِغَ الْكَعْبَةِ «٤» [المائدة/ ٩٥]. وكما أجاز سيبويه
стр. 228
من قولهم: «١» مررت برجل معه صقر صائدا به غدا، ويكون الظرف على هذا متعلقا بتجري.
فأمّا قوله: وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِراطاً مُسْتَقِيماً [النساء/ ١٧٥] فقوله: صراطا مستقيما على فعل دلّ عليه يهديهم كأنه: يعرّفهم صراطا مستقيما، ويدلّهم عليه. وإن شئت قلت: إنّ معنى يهديهم إليه: يهديهم إلى صراطه، ويكون انتصاب صراط كقولك: مررت بزيد رجلا صالحا.
وقال أبو الحسن: يقال هديت العروس إلى بعلها، وتقول أيضا: أهديتها إليه، وهديت له. وتقول: أهديت له هديّة. وبنو تميم يقولون: هديت العروس إلى زوجها، جعلوه في معنى:
دللتها، وقيس تقول: أهديتها جعلوه بمنزلة الهديّة.
وممّا يدلّ على أن الهدى الدلالة- كما فسره أبو الحسن- أنّه قد قوبل به الضلال في نحو قوله: وَاذْكُرُوهُ كَما هَداكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ [البقرة/ ١٩٨]. أي: من قبل هداه، فلما دلّ الفعل على المصدر أضمر. وقال ابن مقبل «٢»:
قد كنت أهدي ولا أهدى فعلّمني ... حسن المقادة أنّي فاتني بصري
وقيل في قوله:
стр. 229
حتى استبنت الهدى والبيد هاجمة ... يخشعن في الآل غلفا أو يصلّينا
«١» إن معنى استبنت الهدى: أضاء لي النهار. هاجمة: كأنّها مطرقة من البعد، وغلفا: تلبس أغطية من السراب. وقال أبو عمرو: غلفا: ليس عليها شيء يسترها. وقوله: أو يصلّينا، «٢» كأنّهن- ممّا يرفعهنّ السراب ويضعهن- يصلين، وحكى أحمد بن يحيى عن بعض البغداديين يقال: هديّ بيت الله، وأهل الحجاز يخففون، وتميم تثقّله. وواحد الهديّ هديّة. وقد قرئ بالوجهين، حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ [البقرة/ ١٩٦] والهدي محله «٣».
ويقال: فلان هديّ بني فلان وهديهم، «٤» أي جارهم يحرم عليهم منه ما يحرم من الهدي. وأهديت الهدي إهداء، وأهديت الهديّة إهداء، وهديت العروس إلى زوجها هداء، ويقال: أهديتها بالألف. ويقال: نظر فلان هدية «٥» أمره أي:
جهة أمره، «٦» وما أحسن هديه أي: سمته وسكونه «٧» وهديت الضالّة أهديها هداية، وهديته الدين أهديه هدى، ورجل
стр. 230
مهداء: كثير الهدايا، والمهدى: «١» الطبق الذي يهدى عليه.
وقال أحمد «٢» هدى وأهدى واحد، وأنشد:
لقد علمت أمّ الأديبر أنّني ... أقول لها هدّي ولا تذخري لحمي
«٣» انتهت الحكاية عنه. «٤»
قال أبو علي: وواحد الهديّ هديّة، مثل مطيّ ومطيّة قال:
حلفت بربّ مكة والمصلّى ... وأعناق الهديّ مقلّدات
«٥» وقال: «٦»
متى أنام لا يؤرّقني الكري ... ليلا ولا أسمع أجراس المطي
стр. 231
ومن خفف الهدي فواحده هدية مثل شرية «١» وشري، وقالوا: هدي للواحد، وقالوا: هديّ للعروس قال:
برقم ووشم كما نمنمت ... بميشمها المزدهاة الهديّ
«٢» قيل: إن ذلك من قوله: وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ [سبأ/ ٣٥].
فأمّا قوله: (لا رَيْبَ فِيهِ) فيجوز أن تجعل (فِيهِ) خبرا، ويجوز أن تجعله صفة، فإن جعلته صفة أضمرت الخبر، وإن جعلته خبرا كان موضعه رفعا في قياس قول سيبويه من حيث يرتفع خبر المبتدأ «٣»، وعلى قول أبي الحسن موضعه رفع من حيث كان خبر إنّ رفعا، فإن «٤» جعلت (فِيهِ) صفة، ولم تجعله خبرا كان موضعه نصبا في قول من وصف على اللفظ كما عطف على اللفظ في قوله:
لا أب وابنا «٥»
стр. 232
ومن وصف على الموضع كما عطف على الموضع في قوله:
لا أمّ لي إن كان ذاك ولا أب «١» كان موضعه رفعا على هذا. «٢» والموضع للظرف نفسه لا لما كان يتعلق به، لأن الحكم له دون «٣» ما كان يكون الظرف منتصبا به في الأصل، ألا ترى أنّ الضمير قد صار في الظرف.
فأمّا قوله: لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ [يوسف/ ٩٢] فلا يخلو قوله: عليكم واليوم من أن يكون تعلقهما بتثريب الذي هو المصدر أو بغيره. فلا يجوز أن يتعلق «٤» بالمصدر، لأنّه لو تعلق به لكان صلة له، ألا ترى أنّ ما يتعلق بالمصدر يكون من تمامه ومن صلته، وإذا كان من تمامه لم يجز بناؤه على الفتح
стр. 233
من دونه، كما أنّ ما يتعلق باسم الفاعل في نحو: لا آمرا بالمعروف لك، إذا جعلت الباء من صلة الآمر، ولا ضاربا رجلا عندك، لا يجوز أن يبنى الاسم دونه، «١» لأنّ البناء إنّما يكون في آخر الاسم، كما أنّ التثنية والجمع كذلك، فكما لا يثنّى قبل أن يتمّ بصلته، كذلك لا يجعل مع الأول اسما واحدا، كما أنّ: (لا خيرا من زيد) كذلك. فإذا لم يجز تعلّقهما ولا تعلّق واحد منهما بالمصدر تعلّق بغيرهما «٢». فيمكن أن يكون (عَلَيْكُمْ) صفة للمصدر، لأنّه نكرة، والجارّ كان في الأصل متعلّقا بمضمر يكون في موضع الصفة، ويكون (اليوم) في موضع الخبر، لأنّه مصدر، فتكون أسماء الأحيان خبرا عنه.
ويجوز أيضا أن يكون (اليوم) متعلقا بما هو في موضع صفة، كما كان (عليكم) كذلك، فإذا حملته على هذا أضمرت خبرا وجعلت (عليكم) أيضا مثله.
ويجوز أن يتعلق اليوم بعليكم على أن تكون ظرفا له، فإذا حملته على هذا أضمرت أيضا خبرا.
ويجوز أيضا أن يتعلق اليوم بعليكم على أن يكون (عليكم) خبرا لا صفة. ومثل ذلك قوله: لا عاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ [هود/ ٤٣] (اليوم): معمول (مِنْ أَمْرِ اللَّهِ)، والجارّ متعلق بمحذوف، وإن شئت «٣» جعلته صفة وأضمرت الخبر. ولا يكون (اليوم) ولا قوله (مِنْ أَمْرِ اللَّهِ)
стр. 234
من صلة (عاصم) في قول سيبويه.
والبغداديّون- فيما حكي لنا عنهم- يجيزون في هذا ونحوه أن يكون الظرف من صلة المنفي المبني غير المنون «١».
فأما قوله تعالى: لا بُشْرى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ [الفرقان/ ٢٢] فإن جعلت «بُشْرى» في موضع تنوين، جاز أن يكون يومئذ من صلته، وإن جعلته في موضع الفتح للنفي، جاز أن يكون خبرا، لأنّ «بُشْرى» حدث، فلا يمتنع أن يكون خبره ظرفا من الزمان، ويكون (لِلْمُجْرِمِينَ) صفة لبشرى. وقد يكون تبيينا: مثل: لك بعد سقيا.
ويجوز أن يكون (لِلْمُجْرِمِينَ) الخبر، ويكون (يَوْمَئِذٍ) تبيينا، مثل: وَكانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ [يوسف/ ٢٠].
وأكثر ما يكون هذا التبيين بحروف الجر، ولا يمتنع ذلك في الظروف أيضا، لأنّ حرف الجر يقدر معها ويراد، فكأنه في حكم الثبات. وقول أمية:
فلا لغو ولا تأثيم فيها ... وما فاهوا به لهم مقيم
«٢» إن «٣» قلت ما موضع (فِيها) في هذا الموضع؟ وكيف
стр. 235
القول فيه؟. فإن قياس قول سيبويه «١» أن يكون فيها في موضع رفع، لكونها خبرا عن الاسمين، كما أنّك لو قلت: لا رجل ولا «٢» غلام فيها كان (فِيها) خبرا عنهما، ألا ترى أنّ ((لا)) مع ((رجل)) في موضع اسم مرفوع على قول سيبويه، وخبره مرفوع، كما يرتفع خبر: لا رجل في الدار.
وقياس قول أبي الحسن ألا يكون (فِيها) خبرا عنهما جميعا، لأن ارتفاع الخبرين مختلف في قولهما. وذلك أن خبر (لا تَأْثِيمٌ) يرتفع عند أبي الحسن «٣» بلا، دون كونه خبرا للابتداء، وخبر (لغو) مرتفع بالابتداء فإذا «٤» اختلف إعراب خبريهما لم يجز أن يكون قوله (فِيها) خبرا عنهما، لأنّه يجب من ذلك أن يعمل في (فِيها) عاملان مختلفان، فإذا كان ذلك غير سائغ، علمت أن كونه خبرا عنهما غير سائع، وإذا لم يجز أن يكون خبرا عنهما لاختلاف إعرابيهما «٥» وجب أن يكون لكل واحد خبر. فلك أن تجعل (فِيها) خبرا عن تأثيم، ويكون ذكره يدلّ على خبر الأوّل، كما أن قوله:
............. وأنت بما ... عندك راض
«٦» .......
стр. 236
دلّ على خبر: نحن بما عندنا.
ويجوز أن تجعل (فِيها) خبرا عن الأوّل وتحذف خبر (لا تَأْثِيمٌ)، ويدلّ عليه ما تقدّم من خبر الأول. وقولهم: لا خير بخير بعده النار، ولا شرّ بشر بعده الجنة. يجوز أن يكون بخير متعلقا بمحذوف في موضع رفع بأنّه خبر لا وقولك: بعده النار الجملة في موضع جر بكونه وصفا لخير المجرور.
وقياس قول سيبويه أن تكون النار والجنة على هذا الوجه يرتفعان بالظرف لكونهما صفتين «١» للنكرة.
ويجوز أن تجعل لا بمنزلة ليس على قوله: «لا مستصرخ» «٢» فتكون الباء حينئذ في القياس كالباء التي تزاد في خبر ليس.
فإن لم تجعل لا بمنزلة ليس وجعلتها الناصبة «٣» لم يجز
стр. 237
أن تكون الباء في خبرها، لأن خبرها مرفوع كخبر المبتدأ، ألا ترى أنه قد حكي عن يونس «١» أنّهم يقولون: لا رجل أفضل منك، فيرفعون (أفضل) لأنه خبر، فكما لا تدخل الباء على خبر المبتدأ كذلك لا تدخل على خبر لا، لأنّها مع ما عملت فيه بمنزلة المبتدأ.
وإن شئت أجزت دخول الباء لمضارعتها ليس وكون الكلام بها في النفي بمنزلة ليس، فكما دخلت على خبر ليس وكانت هي مثلها في النفي دخلت على خبرها أيضا الباء، ألا ترى أنّه قد جاء: أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقادِرٍ [الأحقاف/ ٣٣] فدخلت الباء حيث كان معنى الكلام النفي وكان المعنى: أليس الله بقادر.
وإن شئت أجزت دخول الباء على خبر المبتدأ على قياس قول أبي الحسن، لأنّه قد أجاز في قوله: جَزاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِها [يونس/ ٢٧] أن تكون الباء داخلة على خبر المبتدأ، لأنّه قد جاء: وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها [الشورى/ ٤٠] فيجوز على هذا أن تكون الباء داخلة على الخبر الذي هو في موضع رفع.
وإن جعلت الهاء في قوله: (بعده النار) لخير المنفي بلا كانت الجملة التي هي: (بعده النّار) (وبعده الجنّة) في موضع نصب بكونها صفة للاسم الذي عمل فيه (لا)، كأنّه: لا خير
стр. 238
بعده النار بخير، فيجوز في الباء في قولك: (بخير) ما جاز فيها إذا جعلت قولهم (بعده النار) صفة لخير الذي دخلت عليه الباء. وتقديره في هذا الوجه تقدير: لا رجل قام غلامه أفضل منك.
وأمّا ما ذهب إليه البغداديّون من استجازتهم إعمال أسماء الفاعلين والمصادر إذا بنيا مع لا على الفتح، فممّا يبيّن أنّه لم يكن ينبغي أن يعملوه كما كان يعمل قبل- أنّ ذلك بالبناء مع لا على الفتح قد فارق شبه الفعل، كما أن اسم الفاعل والمصادر «١» بالتصغير والوصف قد فارقا «٢» ذلك، فكما لا يعمل اسم الفاعل والمصدر مصغّرين ولا موصوفين كذلك اسم الفاعل والمصدر إذا بني كل واحد منهما مع لا على الفتح.
فإن قلت: إنّ هلمّ في قول أهل الحجاز قد بني الفعل فيه مع حرف قبله، وأعمل عمل الفعل «٣»، وحقروا رويدا وأعملوه عمل الفعل في نحو: رويد عليّا، فكذلك ما تنكر أن بني «٤» الاسم مع ما قبله على الفتح ويعمل. وأنشد بيت الهذليّ:
رويد عليّا جدّ ماثدي أمّهم ... إلينا ولكن ودّهم متماين
«٥»
стр. 239
قيل: إنّ ما ذكرته في هلمّ على هذا القول قليل، وكذلك رويد، ومع ذلك فإنّ هلمّ إذا أعمل على قول أهل الحجاز فإنّه ليس يعمل كما يعمل الفعل، ولكن كما تعمل الأسماء التي سمّي بها الفعل «١»، نحو عليك ورويد: يدلّك على أنّه على هذا الحدّ أعمل، ليس على ما أعمل الفعل أنّهم جعلوه للاثنين والجمع والمذكر والمؤنث على لفظ واحد. فهذا
ممّا يدلك أنّه بالبناء عندهم على هذا الحدّ الذي بني عليه خرج عندهم من حكم الفعل وعن «٢» عمله على حدّ عمل الفعل. ففي هذا دلالة على أنّهم إذا بنوه مع ما قبله لم يعملوه على حدّ ما يعمل الفعل، كما أعمله بنو تميم لمّا لم يبنوه مع الحرف الذي قبله.
وإذا كان أهل الحجاز قد فعلوا ذلك بهلمّ لمكان البناء الذي أحدثوه فيه «٣» فكذلك ينبغي على قياس ما فعلوه من «٤» ذلك ألا يجوز إعمال اسم الفاعل والمصدر عمل الفعل إذا بنيا مع (لا) لخروجه بذلك عن شبه الفعل.
فأمّا إعمالهم الفعل إذا لحقه النون «٥» الخفيفة أو الثقيلة مع أنّه يبنى مع كل واحد منهما، فإن ذلك ليس بمنزلة هلمّ المبنيّ مع ما قبله «٦»، ولكن بمنزلة البناء مع علامة الضمير،
стр. 240
وبمنزلة التغيير الذي يلحق الآخر للإعراب، نحو لحاق النون للإعراب، وحذف اللامات للجزم، ألا ترى أن الخفيفة تجري مجرى التنوين في: لَنَسْفَعاً [العلق/ ١٥] وفي اضربا القوم «١» فليس ذلك إذا كهلمّ المبني على الفتح مع ما قبله.
فأمّا ما أجازه أحد شيوخنا- وهو أبو إسحاق الزجّاج- «٢» في قوله: ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً من أنّه بمنزلة حلو حامض «٣» - أي هو كتاب وهو هدى- فالقول في إجازة هذا على الوجه الذي ذكره مشكل. وذاك «٤» أن ارتفاعهما لا يخلو من أن يكون بأنّهما خبر المبتدأ، أو يكون الثاني تابعا للأول.
فإن قيل: يرتفع الاسمان بأنّهما خبر المبتدأ قيل: لم نر شيئا رافعا يرفع اسمين على هذا الحدّ. وقد شبّهوا ارتفاع خبر
стр. 241
المبتدأ بارتفاع الفاعل، وزعموا أنّه ارتفع لمشابهة الفاعل.
فإن قلت: إنّ الثاني تابع للأول فليس يجوز أن يكون الثاني بدلا من الأول، لأنّ الأول مراد، كما أن الثاني كذلك، ومن ثمّ لم يجز أن يكون الثاني صفة للأول. والصفة أبعد أن تجوز، لأنّك لا تصف الحلو بأنه حامض، وإنما تخبر عن الأول أنه قد جمع الطعمين، ولا مدخل هاهنا «١» لشيء من باقي التوابع. فإذا بعد هذان ولم يخل منهما ثبت إشكال المسألة.
ولا يستقيم أن يجعل (حامض) خبر مبتدأ محذوف وأنت تريد هذا المعنى؛ لأن الكلام يصير جملتين وإنّما يراد في المخبر عنه أنّه قد جمع الطعمين في جملة واحدة «٢»، كأنّك قلت: مزّ.
فإن قلت: أجعل الاسمين موضعهما رفع «٣»، لوقوعهما موقع اسم مفرد يرتفع بأنّه خبر مبتدأ، كما يجعل موضع الجملة رفعا إذا وقع موقع الخبر فإنّ في ذلك بعدا «٤» لأنّ هذا وإن كان مشبها للجملة في أنّهما اسمان فليس بها «٥»، ألا ترى أنّك إذا سميت رجلا: عاقلة لبيبة، أعملت فيه العوامل، ولم تجعله بمنزلة أن تسمّيه بزيد منطلق وأنت
تريد الجملة. فممّا نقول في ذلك أن هذين الاسمين لا يمتنع أن يقعا جميعا خبرا لمبتدإ.
وإذا جاز أن يقع خبر المبتدأ جملة ولم يمتنع ذلك- وإن كان الفاعل يمتنع أن يكون جملة- كان هذا أيضا جائزا أن يكون في موضع
стр. 242
خبر المبتدأ. وقد جاء أشدّ من هذا، وهو أنّ هذه الجمل قد وقعت موقع خبر إنّ في مثل: إن زيدا أبوه منطلق، وإن زيدا قام أبوه. وإذا جاز هذا في إنّ مع أنّ فيه نصبا ظاهرا، وحكم النصب ألّا يكون إلا برفع لفاعل أو مشبه به، ووقعت الجملة موقع الرافع الفاعل فهذا أجوز.
واختلفوا في ضرب من هذا. وهو قولهم: أقائم الزيدان، وإنّ قائما الزيدان. فأجازوا: أقائم الزيدان، على أن يرتفع (قائم) بالابتداء ويسدّ (الزيدان) مسدّ الخبر، فإذا ألحقت هذا الكلام (إنّ) ذهب أبو عثمان فيه إلى أنّه لا يجوز، وقال: لأنّ الكلام يبقى بلا رافع، ألا ترى أن (الزيدان) يرتفعان بقائم، فلا يبقى شيء رافع يكون هذا النصب عنه.
وأجاز أبو الحسن: إنّ قائما الزيدان، ومن حجّته أن يقول: إنّ «إنّ» إذا جاز أن يقع في موضع المرتفع بها الجملة مع أن الجملة لا تكون في موضع الفاعل، وقد وقعت في موضع الفاعل في باب إنّ، فأن يقع الاسم المرتفع بقائم هنا أشبه، لأنّه قد ثبت أنّه قد سدّ مسدّ الخبر في الابتداء، فإذا سدّ مسدّ الخبر في الابتداء فأن يسدّ مسدّه هاهنا «١» أشبه، لأنّه مفرد، وقد سدّت الجملة مسدّه. فسدها هنا «٢» مسدّ فاعل إنّ كما سدّ مسد الخبر مع المبتدأ.
فأمّا ما يرجع من هذا الخبر الذي هو: (حلو حامض) ونحوه إلى المبتدأ فالقول فيه أنّه لا يخلو من أن يكون
стр. 243
الضمير «١» في أحد الاسمين، أو في كلّ واحد منهما ضمير، أو يكون فيهما ضمير واحد، أو لا يكون في واحد منهما ضمير.
فلا يجب أن يكون في أحد الاسمين دون الآخر، لأن كلّ واحد منهما إذا خصصته بتحمّله الضمير لم يكن بأولى بذلك من صاحبه. ولا يستقيم أن يكون في كل واحد منهما ضمير: لأنّك إن حمّلت كلّ واحد منهما ضميرا لم يكن ذلك الغرض في الإخبار، ألا ترى أن الضمير إذا حمّلته كلّ واحد منهما فالضمير فاعل، فتصير كأنّك قد أخبرت عن المبتدأ بفعل كل واحد من اسمي الفاعل، كأنّك قلت: حلا وحمض، وليس الغرض كذلك ولا المراد، إنّما المراد: أن الأول قد جمع الطعمين، ألا ترى أن أبا عمر «٢» قال في تفسير ذلك: ترش شيرين «٣».
فإذا كان ذلك مؤديا إلى خلاف المعنى المراد لم يستقم.
ولا يجوز أن يكون ضمير واحد فيهما جميعا، لأنّه يجب أن يعمل «٤» الصفتان جميعا فيه، وهذا ممتنع، كما يمتنع أن يعمل فعلان في فاعل وإذا كانت هذه الوجوه غير مستقيمة ثبت أنه لا ضمير في ذلك.
стр. 244
فإن قلت: فعلام يحمل؟ قلنا: نحمله على المعنى، ونردّ الضمير في ذلك «١» إلى المبتدأ في المعنى، كما فعل ذلك في الصفة في قولك: مررت برجل قائم أبواه لا قاعدين، ألا ترى أنه لا عائد في لفظ «٢» هذه الصفة إلى الموصوف، وإنما يرجع إليه الذكر في المعنى، كأنك قلت: لا قاعد أبواه.
ونظير ما قلنا أيضا في المبتدأ قوله: «٣» سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ [البقرة/ ٦] ألا ترى أن الذكر يرجع إلى هذا المبتدأ أيضا على المعنى فكما أن الكلام وتقديره محمول على المعنى كذلك في قولنا: هذا حلو حامض، الذكر عائد من المعنى «٤» كما أنّه مما ذكرنا في الصفة وفي قولهم:
مررت برجل قائم وقاعد يعود الذكر على المعنى.
فإن قلت: فما تقديره في الإعراب؟ فالقول إنّه: كما أن الاسمين وقعا موقع مفرد فيما ذكرنا من عود الذكر إلى المبتدأ، كأنّه قال في «حلو حامض»: مزّ، وفي «زيد ظريف كاتب»: جامع، فكذلك الاسمان وقعا موقع المفرد، كما تقع الجملة «٥» موقع المفرد في هذا الموضع.
ونظير هذا، في أن الصفتين جرتا مجرى الجملة في بعض الوجوه، تسميتهم بعاقلة لبيبة امرأة أو رجلا، ألا ترى أنهم لم يمتنعوا من الصرف وحكوا حال النكرة كما فعلوا ذلك في الجمل، فهذان الاسمان إذا وقعا موقع خبر الابتداء وإن لم
стр. 245
يجز أن يقع بعد الفعل اسمان يسند «١» الفعل إليهما فإن المبتدأ قد وقع موضع خبره الجمل، نحو قولهم «٢»: زيد أبوه منطلق، وعمرو قام أبوه، وكما «٣» جاز هذا وإن امتنع في الفاعل، وجاز: إن زيدا أبوه منطلق كذلك يجوز وقوع هاتين الصفتين موقع خبر الابتداء «٤» على حدّ ما وقعت «٥» الجمل، وإن لم يكونا جملة.
وأمّا هاء الضمير في قوله: فيه هدى، فالهاء وحدها هي الاسم. قال سيبويه: الهاء التي هي هاء الإضمار الياء التي بعدها أيضا مع هذا أضعف، لأنّها ليست بحرف من نفس الكلمة ولا بمنزلته «٦». فقد نصّ أنّ الزيادة التي تلحق الهاء ليست من نفس الكلمة، كما ترى.
ويدلّ على ذلك أنّه قد جاء في الشعر نحو:
... له أرقان «٧» فهذا يدلّ على أنّ حرف المدّ إنّما لحقه في الوصل للخفاء، كما لحقت الواو الهمزة في نحو: كندأو «٨» للخفاء
стр. 246
الذي في الهمزة. ومن ثمّ أبدل منها قوم الواو في الوقف في الرفع فقالوا: الكلو «١».
ويدلّ أيضا على أنّها على حرف واحد في الأصل «٢» أنّها نظيرة الياء للمتكلم والكاف للمخاطب، فكما أنّ كل واحد من ذلك على حرف مفرد فكذلك الهاء ينبغي أن تكون الاسم وحدها بغير ياء أو واو لاحقة له «٣».
فإن قلت: فلم لا تستدلّ بلحاق الألف للمؤنث أن الواو أو الياء بحذاء الألف؟ قيل: تكون الألف لاحقة لتبيين من المذكّر، كما لحقت في أعطيتكاها لذلك، وكما أن السين في قول من قال: أكرمكس لذلك، فكما أنّ الكاف حرف مفرد وإنّما لحقه حرف المدّ وغيره للتبيين فكذلك يكون لحاق «٤» الألف الهاء للمؤنث، إلّا أنّ الهاء لزمها الألف في جميع «٥» اللغات- إلّا فيما لا اعتداد به- لخفائها وخفة الألف والتبيين للفصل.
فإن قلت: فما حكم الهاء أن تكون، أمتحركة أم ساكنة؟
فالقول: إنّها ينبغي أن تكون متحركة، على قياس الكاف والياء في لك ولي فاعلم، ويكون ما جاء في الشعر «٦» من نحو:
стр. 247
كأنّه صوت حاد «١» * وما له من مجد تليد ... «٢»
جاء على الأصل، وحذف حرف المدّ الزائد معه. والذين قالوا:
له أرقان فهي «٣» لغة قوم فيما زعم أبو الحسن وغيره، شبّهوه بالألف في التثنية وبالياء في غلامي، فأسكنوه لذلك. وهو أيضا على قياس إسكانهم الميم من عليكم وعليهم بعد حذف الواو منه.
وممّا يقوّي أنّها متحركة في الأصل لحاق حرف اللين له في نحو ضربهو، ومرّ بهي، ولو كان ساكنا لم يوصل بذلك،
стр. 248
كما لم يوصل حرف الروي إذا كان ساكنا، ولكان إذا وصل بحرف لين وجب أن يكسر كما كسر:
فاغن وازددي «١».
وهذا مثل «٢» المدّ في نحو آمين ولزم في لغة الأكثر في الوصل لخفاء الهاء.
وقول الشاعر:
أجرّه الرّمح ولا تهاله «٣» إن شئت جعلت الألف «٤» الردف فيه كالألف في:
منتزاح «٥».
وإن شئت قلت: ردّ الألف المنقلبة من العين وجعل حركة التقاء الساكنين بمنزلة الحركة اللازمة.
فأمّا حذفهم له في الوقف فليس بدليل قاطع على زيادة هذه الحروف، لأنّهم قد حذفوا في الوقف الواو في: ضربكم، وهذا لهم، والياء في عليهم، مع أنّها من نفس الكلمة، وليست
стр. 249
بزيادة بدلالة أن المؤنّث الذي بحذائه ليس «١» النون الثانية فيه بزيادة ولكن إنّما حذفتا في الوقف، لأنّهما حرفا علّة قد حذفا في الوصل في: عليه ومنه ونحو ذلك «٢».
والوقف موضع قد يحذف منه «٣» ما يثبت في الوصل، نحو: الْكَبِيرُ الْمُتَعالِ [الرعد/ ٩] وَاللَّيْلِ إِذا يَسْرِ [الفجر/ ٣] فلمّا حذف فيه ما يثبت في الوصل وهو من أصل الكلمة وجب أن يلزم الحذف فيه ما قد استمرّ فيه الحذف في الوصل، لاختصاص الوقف بالتغيير، فجعل تغييره الحذف، كما ألزم الأكثر تاء التأنيث في النداء الحذف إذ كان موضعا قد يحذف فيه ما لا يتغيّر، نحو آخر، وحارث، ومالك، وعامر. فلمّا حذف فيه هذا الذي لا يتغيّر ألزم الحذف فيه ما يتغيّر وهو التاء في طلحة، وسلمة ونحو ذلك.
الحجّة لمن كسر الهاء من «٤» (فِيهِ هُدىً) ولم يلحقها الياء فيقول: فيهي هدى [البقرة/ ٢]
. أمّا كسر الهاء مع أنّ أصلها الضم فمن أجل الياء أو الكسرة اللّتين تقعان قبلها، والهاء تشبه الألف لموافقتها لها في المخرج من الحلق، ولما فيها من الخفاء، فكما نحوا بالألف نحو الياء بالإمالة من أجل الكسرة أو الياء كذلك كسروا الهاء للكسرة والياء، وذلك حسن ليتجانس الصوتان ويتشاكلا، ألا تراهم كيف اتفقوا في اصطبر وازدجر وازدان على الإبدال من تاء
стр. 250
الافتعال حرفا مجانسا لما قبله من الحروف في الإطباق والجهر، فبحسب اتفاقهم في هذا الموضع على ما ذكرت لك طلبا لتشاكل الحروف يحسن الكسر في الهاء في: (فيه هدى).
والهاء وإن كانت متحركة والألف ساكنة فقد رأيتهم أجروها متحركة مجرى الألف والياء والواو إذا كنّ سواكن في القوافي في نحو: خليلها، ومرامها. وقد تقدم ذكر كثير من ذلك في فاتحة الكتاب.
وأمّا ترك إتباع الهاء الياء في: (فيه هدى). وما أشبهه في الوصل فلكراهة اجتماع حروف فيه «١» متقاربة، وقد كرهوا من اجتماع المتقاربة ما كرهوا من اجتماع الأمثال، ألا ترى أنّهم يدغمون المتقاربة كما يدغمون الأمثال فالقبيلان من الأمثال والمتقاربة إذا اجتمعت خفّفت تارة بالإدغام، وتارة بالقلب، وتارة بالحذف.
فما خفّف بالإدغام فنحو ردّ وودّ في وتد.
وما خفّف بالقلب فنحو: تقضيت وتقصيت «٢» [ونحو:
ظلت ومست] «٣» ونحو:
لا أملاه حتى يفارقا «٤»