هذا له، وضربه، فزيادة لاحقة للكلمة بدلالة سقوطها في نحو:
عليه، ومنه، وإن لم نقف على شيء من ذلك، وأنّه في الغائب نظير الكاف للمخاطب والياء للمتكلم، وبدلالة ما جاء في الشعر عند سيبويه نحو:
له أرقان «١» وحكى أبو الحسن أنها لغة.
ومما يبيّن أنّ كل واحد من هذه الأسماء التي للضمير ليس الآخر في اللفظ وإن اتفقا في بعض الحروف تحريكك الواو والياء من هو وهي، وحرف المد اللاحق في عليه فيمن أثبت ولم يحذف، وفي داره، وبه، لم يحرّك في موضع.
فإن قلت: فقد أسكنت الياء من هي وهو في الشعر، كقوله:
стр. 177
فإذا هي بعظام ودما «١» فإنّ ذلك لا يؤخذ به في التنزيل وحال السعة والاختيار، وإنّما هذا تشبيه لفظي يستعمله الشاعر للضرورة من وجه بعيد، كأنّه يقول ضمير وضمير حرف لين وحرف لين، وعلى هذا استجاز:
إذ هـ من هواكا «٢» و: بيناه يشري «٣» كأنّه حذفه من هو وهي المسكنتين في الشعر للضرورة، ولا يكون محذوفا من المتحركة لأنّ التشبيه في ذلك لفظيّ،
стр. 178
والتحريك يرتفع معه التشبيه الذي يقصده، فلا يصحّ له معه حذف الحرف لتحرّكه، ألا ترى أن الياء إذا كانت لاما أو غيرها فتحرّكت صارت بمنزلة الحروف الصحيحة، ولم يجز فيها الحذف الذي كان يجوز حيث يسكن الحرف؟ وهذا الشّبه «١» اللفظي الذي أعمله الشاعر في اضطراره مرفوض في الكلام، غير مأخوذ به، ومن ثمّ قال سيبويه: ولم يفعلوا هذا بذاهي ومن هي ونحوهما، يريد لم يفعلوه في الكلام لأنّه قد جاء:
فبيناه يشري «٢» ..
كما قال: فَأَلْقى عَصاهُ [الأعراف/ ١٠٧]. وجاء:
إذ هـ من هواكا «٣» وجاء الاتفاق بين بعض حروف هذين الاسمين المضمرين، كما جاء ذلك في المظهرة كقولهم: الضّيّاط «٤» والضّيطار «٥»، والغوغاء فيمن لم يصرف وفيمن صرف «٦»، وقاع قرق «٧» وقرقوس «٨»، ودمث «٩» ودمثر «١٠» وما أشبه ذلك.
стр. 179
فإن قلت فلم لا تستدلّ بثبات الألف في المؤنث في نحو عليها وضربها أن الواو أو الياء «١» في لهو وبهي ليسا بزائدين «٢» وإن سقطا في بعض المواضع، لأنّ الأصول قد تسقط أيضا فيه، نحو «٣»:
كنواح ريش حمامة نجديّة «٤» ... ................ ..
و: .............. ... دوامي الأيد يخبطن السّريحا
«٥»
стр. 180
وإذا كان كذلك لم يكن فيما ذكرت من سقوط حرف اللين دلالة على زيادته، وثبات الألف في علامة المؤنث وأنّها لا تحذف دلالة على أنّ الواو والياء في ضمير المذكر في حكم الألف. قيل: لم يستدلّ على زيادتها بالسقوط فقط فيتجه هذا الكلام، فأمّا ثبات الألف في ضمير المؤنث المفرد فليس بدالّ على أنّه من نفس الكلم، وإنّما ألحقت للفصل بين التأنيث والتذكير كما ألحقت السين أو الشين في الوقف في «١» قولهم:
أكرمكس، وأكرمكش في بعض اللغات «٢» لذلك، فكما «٣» أنّهما ليسا مع الكاف كلمة واحدة، وإنّما الأصل الكاف، ولحق هذان الحرفان للفصل بين التأنيث والتذكير، كذلك الألف اللاحقة لهاء الضمير في التأنيث. وقد يكون من الزوائد ما يلزم فلا يحذف نحو نون منطلق، ونحو «ما» في: آثرا ما «٤»، ونحو الألف المبدلة من التنوين في النصب في أكثر اللغات.
стр. 181
على أنّ ناسا أجازوا حذف هذه الألف في الوقف. قال أبو عثمان: أخبرني أبو محمد التّوّزي قال: أخبرني الفراء قال:
قوله:
ونهنهت نفسي بعد ما كدت أفعله «١» أراد: بعد ما كدت أفعلها، يعني: الخصلة، فحذف الألف وطرح حركة الهاء على اللام. قال: ومن كلام أهل بغداد الكسائي والفرّاء: نحن جئناك به، طرح حركة الهاء على الباء، وهو يريد: نحن جئناك بها.
[قال أبو علي] «٢»: وهذا الذي حكاه أبو عثمان عن الكسائي والفراء ليس بالمتسع «٣» في الاستعمال، ولا المتّجه في القياس، وذلك أن حركة الحرف التي هي له أولى من المجتلبة، يدلّ على ذلك أنّ من ألقى حركة الحرف المدغم على الساكن الذي قبله في نحو: استعدّ، إذا أمر فقال: امتدّ واعتدّ وانقدّ، أقر الحركة التي للحرف فيه «٤»، ولم يحذفها، ويلقي على الحرف حركة الحرف المدغم، فكذلك الحركة التي هي الكسر في به أولى به من نقل حركة الموقوف عليه «٥»
стр. 182
ولا يشبه هذا قول الشاعر: ... إذ جدّ النقر «١» ولا قولهم: هذا عدل، لأنّ هذا التحريك إنّما هو لكراهة التقاء الساكنين. يدل على ذلك أنّ الساكن قبل الحرف الموقوف عليه إذا كان ياء أو واوا نحو: عون وزيد، لم يحرك لكون ما فيه من المدّ بدلا من الحركة، فاحتمل ذلك كما احتمل الإدغام في نحو: عونّهشل وزيد دّاود «٢» وما أشبه ذلك.
فإن قلت: فقد قال بعضهم: ردّ، فألقى حركة الحرف المدغم على الفاء وحذف حركتها التي هي الضمة. فالقول:
أن الذي فعل ذلك إنّما شبهه بباب: قيل، وبيع، حيث وافقه في اعتلال العين بالسكون، فجعله «٣» مثلها في نقل الحركة إلى الفاء، كما جعلوها مثلها في الحذف في قولهم: ظلت، ومست.
فكما استجازوا فيه الحذف في العين كما حذف من «٤» بنات الياء والواو، كذلك استجازوا نقل حركة العين إلى الفاء.
والأكثر الأشيع في ردّ غير ذلك.
وممّا يدل على أنّ حركة الحرف التي له في الأصل أولى به من الحركة المجتلبة، أنّ «مذ» لمّا حركت لالتقاء الساكنين حركت بالضمّة التي هي حركته في الأصل ولم تكسر، وكذلك: ((عليهم الذلة)).
ومما يبعد ما حكاه أبو عثمان عنهم، من القول في أن
стр. 183
الألف لا تحذف في الوقف كأختيها، حذفهم الألف من علامة الضمير، والألف لا تحذف في الوقف كما تحذف الياء والواو.
فإن قلت: فقد قال بعضهم في الوقف: رأيت زيد، فلم تبدل «١» من التنوين الألف. وقال الأعشى:
وآخذ من كلّ حيّ عصم «٢» وقد قال «٣» لبيد:
ورهط ابن المعلّ «٤» وقالوا: ولو تر ما أهل مكة «٥»، وقرئ: (حاشَ لِلَّهِ) [يوسف/ ٣١ - ٥١] وهو فاعل، فإذا «٦» حذفت الألف في هذه
стр. 184
الأشياء، فلم لا يجوز أن يحذف في قوله: «أن أفعله» و «نحن جئناك به» قيل: لا يشبه هذا قولهم لو «١» تر ما، وحاش لله، لأنّ ذلك «٢» إنّما حذف كما حذف لا أبال، ولا أدر، بدلالة أنّهما قد حذفا في الوصل أيضا.
وأما المعل فحذفه لإقامة القافية، وترك إبدال الألف من النون في عصم ليس بالمتسع. ألا ترى أن سيبويه لم يحكه؟
وحذف الأعشى له لإقامة القافية أيضا كحذف «٣» ألف معلّى، فحذف الألف من هاء الضمير ليس بالمتجه.
قوله : غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ «٤» قرأ: غير المغضوب عليهم- بخفض الراء- نافع وعاصم وأبو عمرو وابن عامر وحمزة والكسائي. واختلف عن ابن كثير فروي عنه النصب والجر.
قال أبو بكر في الحجّة في الجر: إنّهم قالوا ينخفض على ضربين: على البدل من الذين، ويستقيم أن يكون صفة للنكرة. تقول: مررت برجل غيرك، وإنما وقع (غَيْرِ) هاهنا صفة للذين، لأن الذين هاهنا ليس بمقصود قصدهم، فهو بمنزلة قولك: إنّي لأمر بالرجل مثلك فأكرمه. قال: وقالوا يجوز النصب على ضربين. على الحال، والاستثناء.
فأمّا الاستثناء فكأنّك قلت: إلّا المغضوب عليهم.
стр. 185
وأما الحال فكأنك قلت: صراط الّذين أنعمت عليهم لا مغضوبا عليهم.
قال: ويجوز عندي النصب أيضا على أعني. وقد حكي عن الخليل نحو هذا، أنّه أجازه على وجه الصفة والقطع من الأول كما يجيء المدح. ومما يحتجّ به لمن يفتح أن يقال:
غير نكرة، فكره أن يوصف به المعرفة «١».
قال: والاختيار الذي لا خفاء به الكسر، ألا ترى أن ابن كثير قد اختلف عنه. وإذا كان كذلك فأولى القولين «٢» به ما لم يخرج به عن إجماع قراء الأمصار؟
ولعل الذي تنكّب الجر، إنما تنكبه فرارا من أن ينعت الذين أنعمت عليهم بغير، وغير إذا أضيفت إلى المعرفة قد توصف بها النكرة.
[قال أبو بكر] «٣»: والذي عندي أن (غَيْرِ) في هذا الموضع مع ما أضيفت إليه معرفة، وهذا شيء فيه نظر ولبس.
فليفهم عني ما أقول:
«أعلم أن حكم كل مضاف إلى معرفة أن يكون معرفة، وإنما تنكرت غير، ومثل، مع إضافتهما إلى المعارف من أجل معناهما، وذلك أنك إذا قلت: رأيت غيرك، فكل شيء ترى «٤» سوى المخاطب فهو غيره «٥»، وكذلك إذا قال: رأيت مثلك، فما هو مثله لا يحصى، يجوز أن يكون مثله في خلقه، وفي خلقه،
стр. 186
وفي جاهه، وفي علمه، وفي نسبه. فإنّما صارا «١» نكرتين من أجل المعنى. فأمّا إذا كان شيء معرفة له ضد واحد وأردت إثباته ونفي ضده، وعلم ذلك السامع فوصفته بغير، وأضفت غيرا إلى ضده فهو معرفة، وذلك نحو «٢» قولك: عليك بالحركة غير السكون، فغير السكون معرفة، وهي الحركة، فكأنك كرّرت الحركة تأكيدا، فكذلك قوله: الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ. فالذين أنعم عليهم لا عقيب لهم إلا المغضوب عليهم، فكل من أنعم عليه بالإيمان فهو غير مغضوب عليه، وكل من لم يغضب
عليه فقد أنعم عليه. فغير المغضوب عليهم هم الذين أنعم عليهم، فهو مساو له في معرفته. هذا الذي يسبق إلى أفئدة الناس وعليه كلامهم. فمتى كانت (غَيْرِ) بهذه الصفة وقصد بها هذا القصد، فهي معرفة.
وكذلك لو عرف إنسان بأنه مثلك في ضرب من الضروب، فقيل فيه: قد جاء مثلك لكان معرفة إذا أردت المعروف بشبهك، والمعرفة والنكرة بمعانيهما، فكل شيء خلص لك بعينه من سائر أمّته فهو معرفة.
ومن جعل (غَيْرِ) بدلا فقد استغنى عن هذا الاحتجاج، لأنّ النكرة قد تبدل من المعرفة. انتهت الحكاية عن أبي بكر.
قال أبو علي: قوله: غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ قيل: إن المعنيّ بقوله: المغضوب عليهم اليهود، ويدلّ على
стр. 187
ذلك قوله تعالى: مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنازِيرَ «١» [المائدة/ ٦٠] فهؤلاء اليهود، بدلالة قوله: وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ، فَقُلْنا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ [البقرة/ ٦٥] والضالّون: النصارى، لقوله: وَلا تَتَّبِعُوا أَهْواءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيراً وَضَلُّوا عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ [المائدة/ ٧٧].
فأمّا الخفض في (غَيْرِ)، فعلى ما تقدم ذكره: من البدل أو الصفة. والفصل بين البدل والصفة أنّ البدل في تقدير تكرير العامل. وليس كالصفة، ولكن كأنّه في التقدير من جملتين بدلالة تكرير حرف الجر في قوله: قالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ [الأعراف/ ٧٥] وبدلالة بدل النكرة من المعرفة، والمظهر من المضمر. وهذا مما لا يجوز في الصفة، فكما أعيدت اللام الجارة في الاسم، فكذلك يكون العامل الرافع أو الناصب في تقدير التكرير. وهو وإن كان كذلك فليس يخرج عن أن يكون فيه تبيين للأول، كما أنّ الصفة كذلك، ولهذا لم يجز سيبويه: بي المسكين كان الأمر، ولا بك المسكين. كما أجاز ذلك في الغائب نحو:
مررت به المسكين. فأما ما ذهب إليه بعض البغداديين في قول الشاعر:
فلأحشأنّك مشقصا ... أوسا أويس من الهبالة
«٢»
стр. 188
من أنّ أوسا بدل من كاف الخطاب، فليس الأمر فيه كما ذهب إليه، لأنّ أوسا مصدر، من قولك: أسته إذا أعطيته، وانتصب «١» أوس لأن ما ذكر من قوله: فلأحشأنك يدل على لأؤوسنّك فانتصب المصدر عنه، فإن جعلت الجار متعلقا بالمصدر كان بمنزلة قوله:
فندلا- زريق- المال ندل الثعالب «٢»
стр. 189
وإنما لم يجز البدل من ضمير المتكلم والمخاطب، لأن ذلك من المواضع التي يستغنى فيها عن التبيين «١»، لوضوحه.
وأنّه لا يعرض التباس «٢» كما يعرض في علامة الغيبة.
ولما كان البدل قد حصل فيه شبه من الأجنبي من حيث كان في التقدير من كلامين، وحصل فيه شبه من الصفة من حيث بيّن به كما بيّن بالصفة، ولم يستعمل ما يكون به من كلامين، أجراهما أبو الحسن مجرى واحدا، فقال- فيما روى عنه أبو إسحاق الزيادي «٣» - في قولهم: زيد ذهب عمرو أخوه، وقد سأله: أبدل هو أم صفة؟ فقال: ما أبالي أيّهما قلت.
قال أبو إسحاق قلت: أو كذا تقول في المعطوف؟ قال:
نعم. أقول: زيد ذهب عمرو وأخوه. وقال أبو الحسن في هذه المسألة في بعض كتبه: إن جعلت قولك أخوه بدلا لم يجز، وإن جعلته صفة جاز، وإنما لم يجزه في البدل لمّا كان على ما ذكرنا من أنّه في تقدير جملتين، فكأنّه قد انقضى الكلام ولم
стр. 190
يعد إلى الأول ذكر. وإذا كان صفة جاز ذلك، لأن الصفة بمنزلة الجزء من الاسم الموصوف. ألا ترى أنهم قالوا «١»: لا رجل ظريف، وهذا زيد بن عمرو. فتنزّلت الصفة مع الموصوف بمنزلة اسم مضاف نحو امرئ القيس «٢» وقد جعل يونس صفة المندوب بمنزلة المندوب في استجازته إلحاق علامة الندبة بها، وقد تنزلت «٣» الصفة عندهم جميعا منزلة الجزء من الاسم، وذلك إذا كان الموصوف لا يعرف إلا بالصفة، فإذا كان كذلك لم يستغن بالاسم «٤» الموصوف دون صفته. ومن ثم جعله سيبويه بمنزلة بعض الاسم في قوله:
إذا كان يوم ذو كواكب أشنعا «٥» فجعل (أشنعا) حالا، ولم يجعله خبرا، لأن فيما تقدم من صفة الاسم ما يدل على الخبر، فيصير الخبر لا يفيد زيادة معنى. فهذا مما تنزّلت «٦» فيه الصفة منزلة جزء من الاسم عنده، كما ذكرنا.
стр. 191
ومما يدل على مفارقة الصفة للبدل «١»، أنّك تصف بما لا يجوز فيه البدل، نحو الفعل والفاعل والابتداء والخبر، نحو:
مررت برجل قام أخوه، وبرجل أبوه منطلق. ولو جعلت شيئا من ذلك بدلا لم يجز، من حيث لا يستقيم تكرير العامل، وجاز الوصف به، من حيث كان مشابها للوصل، فلم يكن في تقدير تكرير العامل.
فمن جعل (غَيْرِ) في الآية بدلا كان تأويله بيّنا، وذلك أنّه لا يخلو من أن يجعل غيرا معرفة أو نكرة، فإن جعله معرفة فبدل المعرفة من المعرفة سائغ مستقيم، كقوله: اهْدِنَا
الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ
[الفاتحة/ ٦] وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا [آل عمران/ ٩٧]، وإن جعله نكرة فبدل النكرة من المعرفة في الجواز كذلك، كقوله: بِالنَّاصِيَةِ ناصِيَةٍ كاذِبَةٍ [العلق/ ١٥ - ١٦].
فإن قلت: إن النكرة التي هي بدل في الآية على لفظ المعرفة الذي أبدل منه. وليس (غَيْرِ) على لفظ الموصول المبدل منه، فهلا امتنع البدل لذلك، كما امتنع عند قوم له؟
قيل: إذا جاز بدل النكرة من المعرفة فيما كان على لفظ الأول، فلا فصل بين ما وافق الأول في لفظه وبين ما خالفه، لاجتماع الضربين في التنكير. ويدل على جواز ذلك قوله:
إنّا وجدنا بني جلّان كلّهم ... كساعد الضّبّ لا طول ولا قصر
«٢»
стр. 192
وأنشد أبو زيد:
فلا وأبيك خير منك إني ... ليؤذنني التّحمحم والصهيل
«١» [وليؤذنني. يقال: آذنته وأذنته إذا رددته] «٢».
فالبدل شائع كثير «٣»، وهو الذي يختاره أبو الحسن في الآية، وذلك لأنّ «٤» «الذي» إنّما صيغ لأن يتوصّل به إلى وصف المعارف بالجمل، فإذا كان كذلك لم يحسن أن يذهب بها مذهب الأسماء الشائعة التي ليست بمخصوصة.
فإن قلت: فقد جاء: مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ ناراً، ثم قال: فَلَمَّا أَضاءَتْ ما حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ [البقرة/ ١٧] فدلّ أنّه يراد به الكثرة، وقال: وَالَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ، ثم قال أُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ [الزمر/ ٣٣]. وقد قيل في قوله:
стр. 193
إنّ الذي حانت بفلج دماؤهم «١» إنه أفرد، والمراد به الكثرة، ليس أن النون حذفت كما حذفت من قوله:
اللذا قتلا الملوك «٢» فجاءت في هذه المواضع شائعة دالّة على الكثرة، فهلّا جاز أن يكون كالرّجل ونحوه ممّا يجوز وصفه بما يوصف «٣» به الأسماء الشائعة نحو: مثلك وخير منك.
قيل: إن هذا قد جاء فيه كما جاء في اسم الفاعل نحو قوله:
إن تبخلي يا جمل أو تعتلّي ... أو تصبحي في الظاعن المولّي
«٤»
стр. 194
ونحو ما أنشده أبو زيد:
باكرني بسحرة عواذلي ... ولومهنّ خبل من الخبل
«١» ونحو: نعم القائم أخوك، وبئس الذاهبان صاحباك، إلّا أنّ مجيئه للتخصيص أكثر. وإنّما جاءت في الآي شائعة لمشابهتها «من وما» واجتماعها معهما في الصلة، ألا ترى أنّ تعرف «الذي» بالصلة لا بالألف واللام؟ وإذا كان كذلك كان المعنى المتعرّف به لازما له لا يجوز إلقاؤه «٢»، كما جاز عند أبي الحسن إلقاء لام التعريف من قولهم «٣»: قد أمرّ بالرجل غيرك فيكرمني، والقوم فيها الجمّاء الغفير، والخمسة العشر درهما ونحو ذلك، وإذا لم يجز ذلك في الذي للزوم المعنى المعرّف للّذي، لم يحسن وصفه بما وصف به «٤» الرجل ونحوه، ممّا قد يتنكّر فيتنزّل «٥» لذلك منزلة الأسماء الشائعة،
стр. 195
ويقدّر إلقاء الألف واللام منه ليحسن بذلك وصفه بما توصف به «١» النكرة، أو تقدّر «٢» في الصفة الألف واللام، كما يقدّره «٣» الخليل وسيبويه ليصح بذلك كونه وصفا لما فيه الألف واللام.
قال أبو عثمان: يجوز عندي: زيد هو يقول ذاك، وهو فصل، ولا أجيز: زيد هو قال ذاك، لأني أجيز «٤» الفصل بين الأسماء والأفعال، ولا يجوز في الماضية كما جاز في المضارعة، وذلك أن سيبويه قد قال: إني لأمر بالرجل خير منك فيكرمني، وبالرجل يكرمني، وهما صفة على توهّم الألف واللام، فكذلك في الفصل أتوهم الألف واللام في الفعل ويكون «٥» بمنزلة إلغائه بين المعرفتين، كما أقول: كان زيد هو خيرا منك، على توهّم الألف واللام في خير منك، ولا يجوز كان زيد هو منطلقا، لأني أقدر على الألف واللام، وإنما يجوز هذا فيما لا يقدر فيه على الألف واللام.
وأمّا من قدّر (غَيْرِ) صفة للّذين، وقدره معرفة لما «٦» ذكره أبو بكر، فإن وصفه للذين بغير كوصفه له بالصفات المخصوصة، وقد حمله سيبويه على أنه وصف.
ومن لم يذهب بغير هذا المذهب. ولم يجعله مخصوصا؛ استجاز أن يصف (الَّذِينَ) بغير من حيث لم يكن
стр. 196
الذين مقصودا قصدهم، فصار مشابها للنكرة، من حيث اجتمع معه في أنّه لم يرد به شيء معيّن. ونظير ذلك ممّا دخله الألف واللام فلم يختصّ بدخولهما عليه لمّا لم يكن مقصودا قصده قولهم: قد أمرّ بالرجل مثلك فيكرمني، عند سيبويه، فوصف الرجل بمثلك لما لم يكن معيّنا، وكذلك أجاز مررت بأبي العشرة «١» أبوه، فترفع أبوه بأبي العشرة، إذا لم تكن العشرة شيئا بعينه لأنّ هذا موضع يحتاج فيه إلى خلاف التخصيص، لعمل الاسم عمل الفعل، ألا ترى أن اسم الفاعل إذا كان لما مضى لم يعمل، وكذلك قال في قوله: إمّا العبيد فذو عبيد: إذا لم يجعلهم عبيدا بأعيانهم جاز أن يقع موقع المصدر، وكذلك قولهم: سير عليه الأبد، والليل والنهار، والشهر والدهر، فلذلك وقعت في جواب كم دون متى في قولهم: سير عليه الليل والنهار، والدهر والأبد، فكما أن هذه الأشياء التي فيها الألف واللام لمّا لم يرد به شيء معيّن جرت «٢» مجرى النكرات،
كذلك (الَّذِينَ) إذا لم يرد به شيء معيّن جاز أن يوصف بما يوصف به ما كان غير معيّن.
ويقوّي هذا الوجه قول من رأى أنّه إذا نصب كان منتصبا على الحال، وهذا النحو إذا انتصب على الحال كان شائعا غير مخصوص، إذا «٣» لم يكن كالعراك وجهدك وطاقتك.
وحكم الحال وما انتصب عليها أن يكون نكرة، كما أن ما
стр. 197
انتصب على التمييز كذلك، ويكون العامل في الحال أنعمت، كأنّه قال: أنعمت عليهم لا مغضوبا عليهم!، أي في حال انتفاء الغضب عنهم، كما أنّ قولهم: جاءني زيد راكبا تقديره:
جاءني زيد في حال الركوب، وهكذا يمثّلونه.
فإن قلت: كيف جاز هذا التقدير وراكب عبارة عن زيد، وهو هو «١» في المعنى، وأنت لو قلت: جاءني زيد «٢» في حال نفسه لم يستقم؟ فالقول: إن ترجمة راكب- وإن كان زيدا في المعنى- لا يمتنع أن يكون ما «٣» ذكرنا، وإن لم يحسن جاءني زيد في حال نفسه، لأنّ راكبا يدلّ على الركوب، وزيد لا يدلّ عليه، ألا ترى أنهم قد قالوا:
إذا نهي السفيه جرى إليه «٤» أي: إلى السفه، فأضمره لمّا كان قد تقدّم ما يدل عليه؟
فإذا كان في ذكر راكب دلالة على الركوب، لم يمتنع أن تقول في ترجمة جاءني زيد راكبا: جاءني زيد في حال ركوبه،
стр. 198
فيجعل «١» الركوب وقتا لفعله، لأنّ المصادر تكون نحو:
مقدم الحاج.
ومن هاهنا «٢» قال أبو الحسن وغيره فيها: إنّها وقت، ولمّا كان هذا معناها أجراها العرب «٣» مجرى الظرف، وإن كانت عبارة عن زيد ونحوه، فاستجازت أن تعمل فيها المعاني، كما أعملتها في الظروف، ولم تجعله «٤» بمنزلة الظروف من حيث كان مفعولا مختصا، فلم تعمل فيها المعاني متقدّمة.
ويؤكد أنّها عندهم بمنزلة الظروف إخلاؤهم إيّاها من الذكر العائد إلى ذي الحال كإخلائهم الظروف من ذلك، وذلك نحو قولهم: أتيتك وزيد قائم، ولقيتك والجيش قادم، فخلا من ذكر عائد، واستغنى بالواو عن ذلك لما فيها من دلالة الاجتماع. ومن ثمّ مثله سيبويه بإذ في قوله: إذ طائفة «٥» حيث لم يعد من الجملة التي بعد الواو ذكر إلى من هذه الجملة حال لهم، وإذا كان الأمر على ما ذكرنا في أمر الحال من أنّه أشبه الظرف والمفعول به فلم يكن بمنزلة المفعول به على حدته، ولا الظرف على انفراده- وجب أن يكون انتصابها على ضرب آخر غيرهما، كما أن حكمها غير حكم كل واحد منهما «٦» على انفراده.
стр. 199
وكثيرا ما يجتمع في الشيء الواحد الشبه من وجهين وأصلين. فمن ذلك حروف الجر في: مررت بزيد ونحوه، وهو من جهة بمنزلة جزء من الفعل، ومن أخرى بمنزلة جزء من الاسم. أما الجهة التي كان منها بمنزلة جزء من الفعل، فلأنّه قد أنفذ الفعل إلى المفعول، وأوصله، كما أنّ الهمزة في نحو:
أذهبته، قد فعلت ذلك، وكما أنّ تضعيف العين في خرّجته وفرحته، قد فعل ذلك. وأمّا كونه بمنزلة جزء من الاسم فهو أنّك قد عطفت عليه بالنصب في نحو: مررت بزيد وعمرا، لمّا كان موضع الجارّ والمجرور نصبا، ومن ثم قدّمت على الاسم في نحو: بمن تمرر أمرر به، وبمن تمر. وكذلك قولهم: لا أبا لك، هو من وجه منفصل، ومن وجه متصل، فكذلك الحال:
من وجه بمنزلة المفعول به، ومن وجه بمنزلة الظرف الذي هو مفعول فيه.
وفيما ذكرناه- من جواز خلوّ الحال من ذكر يعود منها إلى ذي الحال- ما يدلّ على جواز وقوع الأسماء التي ليست بصفات أحوالا، نحو البسر والرطب والقفيز، وما أشبه ذلك من الأسماء التي لا تناسب الفعل. وفي التنزيل: هذِهِ ناقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً [هود/ ٦٤].
وأمّا من ذهب إلى أن غيرا منتصب بالاستثناء، فإن الاسم المنتصب في الاستثناء ينتصب بالفعل الذي قبله أو بمعناه بتوسّط إلّا. ومما يدل على انتصابه بذلك- بتوسط هذا الحرف- أنّ حروف الجر قد وقعت هذا الموقع في نحو: جاءني القوم حاشا زيد وخلا زيد، فكما أنّ حرف الجر قد أوصل
стр. 200
الفعل أو معناه إلى المستثنى، فكذلك إلّا قد أوصلت ذلك إلى ما بعدها.
ونظير إلا في الاستثناء- في إيصالها الفعل إلى ما بعدها، وانتصاب الاسم بذلك- الواو في قولهم: جاء البرد والطيالسة، واستوى الماء والخشبة، فانتصاب الاسم بعد إلا كانتصابه بعد الواو، ألا ترى أنه لولا الواو لم يصل الفعل إلى الاسم المنتصب على أنّه مفعول معه، كما أنّ إلّا في الاستثناء لولا هي لم يصل الفعل، ولا معناه إلى الاسم المستثنى.
وقد يعمل «١» بواسطة الحروف عوامل، لولا توسّطها لم تعمل فيما تعمل «٢» فيه مع دخول الحرف، ألا ترى أنّ اسم الفاعل إذا كان لما مضى لم يعمل عمل الفعل عند عامة النحويين، وقد أجازوا جميعا: هذا مارّ بزيد أمس، لمكان حرف الجر. وتقول: أنت أعلم بزيد منك بعمرو. وفي التنزيل: إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ [النجم/ ٣٠] فأما ما أنشده أبو زيد من قول الشاعر:
أكرّ وأحمى للحقيقة منهم ... وأضرب منا بالسيوف القوانسا
«٣» فعلى إضمار فعل يدلّ عليه أضرب، كما أن قوله: إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ [الأنعام/ ١١٧] على ذلك.
يدلّك على هذا أنّ (من) لا يخلو من أن تكون موصولة
стр. 201
أو استفهاما، فإن كان صلة كان مختصّا، والمفعول به إذا كان مختصا لم تعمل فيه المعاني، وإن كان استفهاما فالذي يعلّق قبل الاستفهام- من الأفعال- ما جاز فيه الإلغاء وما شبّه به، وليست المعاني بواقعة موقع الأفعال في هذا الموضع، فعلمت بهذا أنّه على إضمار فعل.
فإن قلت: فإنّ الاسم في هذا الباب قد انتصب من غير أن يتوسّط حرف «١»، وذلك نحو: غير. في قولهم: جاءني القوم غير زيد، فانتصب غير بالاستثناء من غير أن يتوسط الحرف، فهلّا دلّ ذلك على أن الفعل حيث ذكرت لم يصل بتوسط الحرف. قيل: لا يدل هذا على ما ذكرته، وإنّما وصل الفعل إلى «غير» بغير حرف توسّط، ولم يصل إلى زيد ونحوه إلّا بالحرف، لأنّ غيرا مبهم، والأسماء المبهمة تعمل فيها عوامل لا تعمل في المخصوصة، ألا ترى أن خلفك وعندك ونحو ذلك قد عمل فيهما من المعاني ما لا يعمل في المختصّ غير المبهم، وكذلك الحال والتمييز، قد عمل فيهما ما لا يعمل في غيرهما من الأسماء المختصة. فكما لم يحتج إلى توسط الحرف في عمل ما قبل «غير» في غير، كذلك لم يحتج إلى توسطه في عمل ما قبل سوى في الاستثناء في «سوى» لأنّها في الإبهام بمنزلة «غير» فانتصب بأنّه ظرف، والظروف تعمل فيها المعاني. فلمّا اجتمعت «غير» معها في ذلك كان مثلها في الاستغناء عن توسط الحرف معها.
ومما يدل على استغناء الفعل عن الحرف الذي يصل به
стр. 202
مع غير أن غيرا في قولك: أتاني القوم غير زيد، هم الآتون.
فإذا كان إيّاهم في هذا «١» المعنى لم يكن بمنزلة المنصوب في باب المفعول معه، ولا بمنزلة الاسم المنتصب بعد إلا في الاستثناء، ولكنه مشابه للحال، من حيث كان المنصوب المرفوع في المعنى، ولم يكن مخصوصا، كما أن الحال غير مخصوص «٢»، فلم يحتج فيه إلى توسط الحرف لإيصال الفعل، كما لم يحتج إلى ذلك في الحال.
وممّا جاء (غَيْرِ) فيه صفة قوله تعالى «٣»: لا يَسْتَوِي الْقاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ [النساء/ ٩٥]، فمن رفع غيرا كان وصفا للقاعدين. والقاعدون غير مقصود قصدهم، كما كان قوله: «٤» الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ كذلك.
والتقدير لا يستوي القاعدون من المؤمنين الأصحّاء والمجاهدون. ومن نصبه كان استثناء من القاعدين، وإن شئت كان من المؤمنين، لأن غيرا واقع بعد الاسمين الموصولين، ولو وقع متقدما على المؤمنين لم يكن استثناؤه إلّا من القاعدين، لأنّ العامل في المستثنى ما في الصلة، فلا يجوز أن يتقدم على الموصول. ومن جر غيرا كان وصفا للمؤمنين، والتقدير لا يستوى القاعدون من المؤمنين الأصحّاء.
فأمّا قوله سبحانه «٥»: إِلى طَعامٍ غَيْرَ ناظِرِينَ إِناهُ [الأحزاب/ ٥٣] «فغير» حال من قوله: إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ،
стр. 203
ولا يجوز أن يكون وصفا للطعام كما جاز أن يكون «غير» في الأخرى وصفا للقاعدين مرّة «١»، وللمؤمنين أخرى «٢»، لأنّ الناظرين هم المخاطبون، فهم غير الطعام. فكما أنّك لو قلت:
إلى طعام لا ناظرين إناه، لم يكن بد من أن تقول: أنتم، لأن اسم الفاعل إذا جرى على غير من هو له فلا بد من إظهار الضمير فيه، فكذلك لو جعلت غيرا صفة غير حال للزم أن تظهر الضمير. وكذلك تقول: هذه شاة ذات حمل مثقلة به هي، فتظهر الضمير، لأنّ اسم الفاعل للشاة، وقد جرى على الحمل. ولو رفعت لم تحتج إلى الإظهار.
وأصل هذا أنّ الفعل، بما «٣» يتضمّنه من الضمير، أقوى من اسم الفاعل مع ما يتضمنه [مما يتضمّنه] «٤» اسم الفاعل، فإذا أظهر الضمير في الفعل حيث أدّى إلى الإلباس، فأن يظهر الضمير في اسم الفاعل أولى وأوجب. فمن ثم قال أبو الحسن: إن هذا الضمير إذا لم يظهر كان لحنا. وليس قول من قال: إن إظهاره لا يلزم استدلالا بقول الشاعر «٥»:
أمسلمتي للموت أنت فميّت ... وهل للنفوس المسلمات بقاء
بمستقيم، لأنّ قوله: فميت يجوز أن يكون خبر مبتدأ محذوف، كأنّه قال: فأنا ميت.
وقال قوم: تقول: أنت غير القائم ولا القاعد، تريد:
стр. 204
وغير القاعد، كما قال: غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ.
قالوا: ولم يجيء هذا في المعرفة العلم، فلا يجوز: أنت غير زيد ولا عمرو. وهذا إن لم يسمع كما قالوا، فإنّه لا يمتنع أن يقاس فيجوز على ما سمع. وذلك أنّ هذا إنّما جاء لما في «غير» من معنى النفي، فكما أجازوا أنا زيدا غير ضارب لمّا كان المعنى معنى النفي، فجعلوه بمنزلة حرفه، ولم يجعل بمنزلة «مثل» وما كان نحوه من الأسماء المضافة، فكذلك يجوز أن يجعل غير «١» بمنزلة حرف النفي في المعرفة المؤقتة، فيكرّر معه لا كما كرّر مع غير العلم.
فإن قلت: فإن من الناس من يحمل انتصاب زيد في: أنا زيدا غير ضارب على مضمر، ولا يحمله على «ضارب» هذا كما لا يحمله عليه إذا قال: أنا زيدا مثل ضارب. قيل: إن حمله على المعنى وعلى ما في اللفظ من هذا العامل الظاهر أبين، لأنّهم قد حملوا الكلام على المعنى في النفي في مواضع غير هذا. ألا ترى أنّهم قالوا: قلّ رجل يقول ذاك إلا زيد؟ فجعلوا قلّ- وإن كان فعلا- بمنزلة الحرف النافي لمّا كان مثله، فكذلك «غير» إذا كان معناه النفي جعل بمنزلة حرف النفي، فلحقت «لا» معه كما تلحق مع حرف النفي.
وقالوا:
إنّما سرت حتى أدخلها، فلم يجز الرفع بعد حتى، كما لم يجز بعد «٢» حرف النفي، إذا قال: ما سرت حتى أدخلها، وذلك إذا احتقر السير إلى الدخول. ويدل على أن هذا يجري مجرى النفي قوله:
стр. 205
........... وإنّما ... يدافع عن أحسابهم أنا أو مثلي
«١» وقالوا نشدتك الله إلا فعلت، فإذا جازت في هذه الأشياء «٢» أن تجري مجرى النفي فكذلك ما ذكرناه.
ومن جعل (غَيْرِ) استثناء لم يمتنع على قوله دخول لا بعد الحرف العاطف، كما لم يمتنع في قولهم: أنت غير القاعد ولا القائم «٣». وذلك أن الاستثناء يشبه النفي، ألا ترى أن قولك:
جاءني القوم إلا زيدا بمنزلة قولك. جاءني القوم لا زيد.
فيجوز أن تدخل لا حملا على المعنى، ويجوز أن تجعلها زيادة «٤» في هذا الوجه، كما تجعلها زيادة «٥» في قوله: وَما يَسْتَوِي الْأَحْياءُ وَلَا الْأَمْواتُ [فاطر/ ٢٢].
وإذا جاز دخول «لا» مع الاستثناء من هذين «٦» الوجهين، فلا وجه لقول من أنكره. وكذلك يجوز زيادة «لا» في قول من جعلها حالا أو صفة أو بدلا.
وقد دخلت «لا» زائدة في مواضع كثيرة في التنزيل وغيره. فمن ذلك قوله تعالى «٧»: لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتابِ أَلَّا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ [الحديد/ ٢٩].
стр. 206
وقد أجاز سيبويه قياسا على هذا «أمّا أن لا يكون يعلم فهو يعلم» «١» على زيادة لا. وقد جاء زيادتها في الإيجاب كما جاء في النفي، قال: «٢»
أفعنك لا برق كأن وميضه ... غاب تسنّمه ضرام مثقب
وأنشد أبو عبيدة:
ويلحينني في اللهو ألّا أحبّه «٣» وقال تعالى: «٤» ما مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ [الأعراف/ ١٢]، وفي الأخرى: ما مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ [ص/ ٧٥]. ومن ذلك قول جرير:
ما بال جهلك بعد الحلم والدين ... وقد علاك مشيب حين لا حين
«٥»
стр. 207
لا فيه زائدة، والتقدير: وقد علاك مشيب حين حين، وإنّما كانت زائدة لأنّك إذا قلت: علاك مشيب حينا فقد أثبت حينا علاه فيه المشيب.
فلو جعلت (لا) غير زائدة لوجب أن تكون نافية على حدّها في قولهم:
جئت بلا مال، وأبت بلا غنيمة، فنفيت ما أثبتّ، من حيث كان النفي ب (لا) عامّا منتظما لجميع الجنس، فلمّا لم يستقم حمله على النفي للتدافع العارض في ذلك حكمت بزيادتها، فصار التقدير: حين حين.
وهذه الإضافة من باب: حلقة فضة، وخاتم حديد، لأنّ الحين يقع على الزمان القليل كالساعة ونحوها، يدل على ذلك قوله:
تطلّقه حينا وحينا تراجع «١» ويقع على الزمان الطويل كقوله تعالى: هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ [الدهر/ ١] وعلى ما هو أقصر من
стр. 208
ذلك، كقوله: تُؤْتِي أُكُلَها كُلَّ حِينٍ [إبراهيم/ ٢٥]، فصار حين حين كقول الآخر:
ولولا يوم يوم ما أردنا ... جزاءك والقروض لها جزاء
«١» وليس هذا كقوله:
حنّت قلوصي حين لا حين محنّ «٢» لأنّه في قوله: لا حين محنّ- ناف حينا مخصوصا لا ينتفي بنفيه جميع الأحيان، كما كان ينتفي بالنفي العامّ جميعها، فلم يلزم أن تكون (لا) زيادة «٣» في هذا البيت، كما لزم زيادتها في حين لا حين «٤».
فهذا الحرف يدخل في النكرة على وجهين: أحدهما: أن يكون زائدا كما مر في بيت جرير، والآخر: أن تكون غير زائدة، فإذا لم تكن زائدة كان على ضربين: أحدهما أن يكون لا مع الاسم بمنزلة اسم واحد نحو خمسة عشر، وذلك قولهم:
стр. 209
غضبت من لا شيء، وجئت بلا مال. فلا مع الاسم المنكور في موضع جرّ بمنزلة خمسة عشر، ولا ينبغي أن يكون من هذا الباب قوله:
حنّت قلوصي حين لا حين محنّ لأن (حين) هاهنا منصوب نصبا صحيحا لإضافته، ولا يجوز بناء المضاف مع لا كما جاز بناء المفرد معها. وإنّما (حين) في هذا البيت مضافة إلى جملة، كما أنّها في قوله:
حِينَ لا يَكُفُّونَ عَنْ وُجُوهِهِمُ النَّارَ [الأنبياء/ ٣٩] كذلك، إلا أن الخبر محذوف وخبر (لا) يحذف كثيرا. ونظير هذا في حذف الخبر من الجملة المضاف إليها ظرف الزمان- قولهم:
كان هذا إذ ذاك.
والآخر: ألّا تعمل (لا) في اللفظ، ويراد بها معنى النفي «١»، فتكون صورتها صورة الزيادة، ومعنى النفي فيه «٢» مع هذا صحيح. وذلك كقول النابغة:
أمسى ببلدة لا عمّ ولا خال «٣»
стр. 210
وقال الشمّاخ:
إذا ما أدلجت وصفت يداها ... لها إدلاج ليلة لا هجوع
«١» وقال رؤبة:
لقد عرفت حين لا اعتراف «٢» وبيت الكتاب:
تركتني حين لا مال أعيش به ... وحين جنّ زمان الناس أو كلبا
«٣» وهذا الوجه عكس ما جاء فيما أنشده أبو الحسن من قول الشاعر: «٤»
لو لم تكن غطفان لا ذنوب لها ... إليّ لامت ذوو أحسابها عمرا
«٥»
стр. 211
ألا ترى أن (لا) في المعنى زيادة «١»، وقد عملت، وفي قوله: ليلة لا هجوع، وبابه معنى النفي فيه صحيح ولم تعمل «٢».
ومما جاءت فيه (لا) زائدة- إنشاد من أنشد:
أبى جوده لا البخل واستعجلت به ... نعم من فتى لا يمنع الجود قاتله
«٣» [قال أبو الحسن: فسرته العرب: أبى جوده البخل، وجعلوا (لا) زائدة حشوا وصلوا بها الكلام] «٤». واختلفوا في قول الشماخ:
أعائش ما لأهلك لا أراهم ... يضيعون الهجان مع المضيع
«٥»
стр. 212
فروى التّوزيّ عن أبي عبيدة: أنّ (لا) زائدة، وذهب غيره إلى أنّها ليست زائدة.
ومما يجوز أن تكون (لا) فيه زيادة «١» قول الشاعر:
ولا ينطق الفحشاء من كان منهم ... إذا جلسوا منّا ولا من سوائنا
«٢» فأمّا القول في (منّا)، فإنّه يجوز أن يتعلق بشيئين:
أحدهما أن يكون: إذا جلسوا منّا، أي: إذا جلسوا مخالطين لنا؛ لأنّ (منّا) قد استعمل في هذا المعنى، ألا ترى أنّه قد قال «٣»: وتقول: أنت منّي فرسخين، فالمعنى: أنت مخالطي في هذه المسافة، وملابسي، فيكون التقدير: إذا جلسوا مخالطين لنا ومخالطين سوانا، و (لا) زائدة كما زيدت في قوله: «أفعنك لا برق» «٤».
стр. 213
والوجه الآخر «١»: (منّا) متعلّقا بما قبل، كأنه، من كان منهم منّا.
فإن قلت: كيف يصحّ أن يكون من كان منهم منّا؟ قيل:
هذا يكون على وجهين:
أحدهما: أن يكون (منّا) في معنى المخالطة والملابسة كما تقدّم، فيكون (منهم) مستقرّا، و (منّا) في موضع حال، ولا يكون (منّا) مستقرّا و (منهم) في موضع حال «٢» من قوله (منّا) لأنّ الحال لا تتقدم «٣» على العامل إذا كان معنى، فإن جعلت العامل في الحال كان جاز ذلك.
ويجوز أيضا في قوله: (من كان منهم منّا) أن يكون بينهم محالفة، فيجوز للحلف أن يقول: من كان منهم منّا: لأنّه يجوز- وإن كان من معشر آخرين- أن تقول: منا للحلف، أو للولاء.
وقد جاء: «مولى القوم منهم» «٤».
وعلى هذا
قوله: «الأذنان من الرأس» «٥»
وقال تعالى:
стр. 214
الْمُنافِقُونَ وَالْمُنافِقاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ [التوبة/ ٦٧]، أي بعضهم يلابس بعضا ويوالي بعضا. وليس المعنى على النسل والولادة، لأنه قد يكون من نسل المنافق مؤمن، ومن نسل المؤمن منافق. فهذا كقوله: الْمُنافِقُونَ وَالْمُنافِقاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ [التوبة/ ٦٧]. وكذلك قوله: ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِنْ بَعْضٍ [آل عمران/ ٣٤] أي بعضها يوالي بعضا، ولا يتبرأ بعضهم من بعض. ويجوز في قوله: بعضها من بعض- أن يكون المعنى:
أنّهم في الآخرة متوالون، لا يتبرّأ بعضهم من بعض، كما يتبرأ الكافرون والفاسقون. ألا تراه قال: إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا [البقرة/ ١٦٦] وفَما لَنا مِنْ شافِعِينَ
وَلا صَدِيقٍ حَمِيمٍ
[الشعراء/ ١٠٠] ونحو ذلك من الآي التي تدلّ على هذا المعنى فقوله: ذرّية بعضها من بعض، أي: هم على خلاف صفة المنافقين والكافرين، لأنّهم إخوان متوالون.
فأمّا قوله: وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمانِكُمْ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ [النساء/ ٢٥] فقد يكون المعنى والله أعلم: بإيمانكم بعضكم من بعض، أي: بعضكم يوالي بعضا ويلابس بعضا في ظاهر الحكم من حيث شملكم الإسلام فاجتمعتم فيه وصرتم متكافئين متماثلين لجمع الإسلام لكم، واستوائكم في حكمه في الديات والقصاص والمناكح والتّوارث ونحو هذا، مما جمعهم الإيمان فيه. وقال:
إذا حاولت في أسد فجورا ... فإني لست منك ولست مني
«١»
стр. 215
وقال جرير:
عرين من عرينة ليس مني ... برئت إلى عرينة من عرين
«١» وقال آخر- أظنّه الراعي-:
فقلت ما أنا ممن لا يواصلني ... ولا ثوائي إلا ريث أحتمل
«٢» وأما قوله: ما أَصابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ [الحديد/ ٢٢]. فإن موضع قوله: في الأرض يحتمل ضربين: أحدهما: أن يكون مفعولا فيه ظرفا، والآخر: أن يكون وصفا. فإن جعلته ظرفا احتمل أن يكون ظرفا لأصاب، واحتمل أن يكون لمصيبة، ولا ذكر فيه على شيء من هذين التأويلين، كما أنّ قولك: بزيد، من: مررت بزيد، كذلك.
ويؤكد ذلك ويحسنه دخول لا في قوله: (وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ)، فصار ذلك مثل: ما ضربت من رجل ولا امرأة.
والضرب الآخر: أن يكون صفة للنكرة، ويكون متعلقا بمحذوف وفيه ذكر يعود إلى الموصوف. وقوله: (وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ) صفة «٣» معطوفة على صفة، فإذا كان كذلك احتمل موضعه ضربين: أحدهما أن يكون جرا على لفظ قوله: من مصيبة، والآخر: أن يكون رفعا على موضع من مصيبة.