← Таджвид и кираат

Таджвид и кираат · id 35101

الحجة للقراء السبعة

أبو علي الفارسي

Полный текст (2 942 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

الهمز في أومن لاجتماع الهمزتين، كما أنّ تركها في آمن كذلك، فلما زال اجتماعهما مع سائر حروف المضارعة سوى الهمزة، ردّ الكلمة إلى الأصل فهمز، لأنّ الهمزة، من الأمن والأمنة، فاء الفعل. ومما يقوي الهمز في ذلك أنّ من تركها إنّما يقلبها واوا ساكنة وما قبلها متحرك بالضم، والواو الساكنة إذا انضم ما قبلها فقد استجازوا قلبها همزة. «١» قال محمد بن يزيد: أخبرني أبو عثمان قال: أخبرني الأخفش قال: كان أبو حية النّميري يهمز كل واو ساكنة قبلها ضمة وينشد: لحبّ المؤقدان إليّ مؤسى «٢» وتقدير ذلك أن الحركة لما كانت تلي «٣» الواو في مؤسى صارت كأنّها عليها، والواو إذا تحركت بالضمة أبدلت منها الهمزة. ومثل إبدالهم من الواو الساكنة المضموم ما قبلها الهمزة استجازتهم الإمالة في مقلات، «٤» ومصباح، حيث كانت الكسرة

стр. 282

كأنّها على المستعلي فصار «١» مثل قفاف وصفاف، «٢» فإذا جاز إبدال الهمزة من الواو التي ذكرنا واجتلابها، وإن لم تكن من الكلمة، فالهمزة التي هي أصل في الكلمة أولى بالتقرير وألّا يبدل «٣» منها الواو. وحجة من لم يهمز أن يقول [إنّ] «٤» هذه الهمزة قد لزمها البدل في مثالين من الفعل الماضي والمضارع، فالماضي نحو: آمن وأومن، والمضارع نحو أومن «٥» ولم يجز تحقيقها في هذه المواضع. وهذا القلب الذي لزمها في المثالين إعلال لها، والإعلال إذا لزم مثالا أتبع سائر الأمثلة العارية من الإعلال: «٦» كإعلالهم يقوم لقام، وإعلالهم يكرم من أجل أكرم، وأعد ليعد، فوجب على هذا أن يختار ترك الهمز في يؤمنون اعتبارا لما أرينا من الإعلال ليتبع قولهم (يؤمنون) في الإعلال «٦» المثالين الآخرين لا على التخفيف القياسي في نحو جونة «٨» في جؤنة وبوس في بؤس. فإن قلت: فهلّا لم يجز غير القلب والتخفيف كما لم يجز إلّا الإعلال فيما شبهته به وإلزامه الحذف والقلب؟.

стр. 283

فالقول: إن القياس على ما أريناك. ولم يلزم ما شبهنا به [من] «١» الحذف والقلب في كل موضع، ألا ترى أنّهم إذا قالوا: يوعد، وما أقوله وأقول بزيد، ويؤكرم في الشعر، وأهريق لم يلزم الحذف والقلب. وحدثنا علي بن سليمان أن أحمد بن يحيى أخبرهم: يقال: قد اتّمن فلان فلانا وقد اتمنته، «٢» والأصل: ايتمن وايتمنته، ثم أدغمت الياء في التاء فشددت التاء. وفي الائتمام: قد اتّممت به مفتوح التاء. هذا لفظ أحمد بن يحيى واستثبتّ أبا الحسن في ذلك فأثبته وصححه، ولم أعلم لأصحابنا في هذه المسألة نصا. وقياس قولهم عندي أن الإدغام فيها لا يجوز لأنّ الياء غير لازمة، فلا يكون مثل اتّسر واتعد، ألا ترى أنّهم قالوا: لو بنيت مثل: افعل أو افعل «٣» من أويت، لقلت: إيّا وإيّ فقلبت الفاء ياء وأدغمتها في الواو «٤» كما تدغم فيها الياء التي من نفس الكلمة. وقالوا: لو بنيت مثل افعوعل من أويت، لقلت: إيووّي «٥» وإيويّا على قول أبي الحسن، ولم تدغم الياء المنقلبة عن «٦» الهمزة التي هي فاء في الواو التي هي عين لأنّها غير لازمة، فكذلك الياء في ائتمنته غير لازمة، لأنّك إذا أسقطت

стр. 284

همزة الوصل في الدرج نحو قد ائتمن رجعت الهمزة، وإذا لم يدغموا نحو نوي ورويا إذا خففوا الهمزة مع لزوم الواو في قول أهل التخفيف فألا يدغم ائتمن ونحوه أجدر. فإن قلت: فقد أدغم قوم رويا فقالوا ريّا. فالقول إن الإدغام في هذا أشبه لما ذكرنا من لزومها، «١» وتلك لما لم تلزم كانت بمنزلة المنفصل، على أن أبا الحسن يحمل ريّا فيمن أدغم على القلب «٢» نحو أخطيت في اللام. ويقوي ذلك أن بعضهم كسر الفاء منها فقال: ريّا، كما قالوا في: ليّ ليّ. «٣» فإن قلت: فهل يجوز الإدغام في المصدر من قوله: آوى إليه أخاه [يوسف/ ٦٩] فالقول إن ترك إدغام ذلك وامتناعه «٤» على قول الخليل بيّن، ألا ترى أنّه لم يدغم أووم ولا يووم وشبهه «٥» بسوير «٦» فألّا يدغم هذا أجدر، لأنّها لما

стр. 285

أبدلت ولزم إبدالها صارت بمنزلة الألف الزائدة حتى أبدلت منها الواو في التكسير، كما أبدلت من ألف ضارب، فقالوا أوادم «١» كما قالوا ضوارب. ومن قال: أيّم، وخالف الخليل، فينبغي ألّا يدغم هذا لما ذكرنا من مشابهتها الزيادة، ولأنّه مثل ما تركت العرب إدغامه في «٢» قولهم: ديوان. ألا ترى أنها أبدلت لاجتماع الهمزتين «٣» كما أبدلت في ديوان لاجتماع المثلين وكراهة ذلك لأنّ كل واحد من الأمرين يتوصل به إلى إزالة المثلين، كما يتوصل بالآخر. فأما قول الشاعر: جيش المحمّين حشّ النار تحتهما ... غرثان أمسى بواد مؤهب الحطب «٤» فمن أخذه من الأهبة والتأهب همز إن شاء. ومن أخذه من وهب، وجعل الفاء الواو «٥» لم يهمز، إلّا على قول من قال: مؤسى، وقد تؤوّل البيت على الأمرين جميعا. «٦»

стр. 286

[البقرة: ٦] اختلفوا في قوله جل وعز: «١» أَأَنْذَرْتَهُمْ [البقرة/ ٦] فقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو: آأنذرتهم بهمزة مطولة، وكذلك ما أشبه ذلك في كل القرآن، مثل: أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ [المائدة/ ١١٦] وأَ إِلهٌ مَعَ اللَّهِ [النمل/ ٦٠] وأَ إِنَّكُمْ «٢» وما كان مثله، وكذلك كانت قراءة الكسائي إذا خفف، غير أن مدّ أبي عمرو في أَأَنْذَرْتَهُمْ أطول من مدّ ابن كثير، لأنّ من قوله أنّه يدخل بين الهمزتين ألفا وابن كثير لا يفعل ذلك. واختلف عن نافع في إدخال الألف في الهمزتين. وأمّا عاصم وحمزة والكسائي- إذا حقق- وابن عامر فبالهمزتين أَأَنْذَرْتَهُمْ وما كان مثله في القرآن من الهمزتين في الكلمة الواحدة فهو بتحقيق الهمزتين وبتخفيف إحداهما وبإدخال الألف بينهما «٣». إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ. [البقرة/ ٦]. الكفر: خلاف الشكر، كما أن الذمّ خلاف الحمد. فالكفر: «٤» ستر النعمة وإخفاؤها، والشكر: نشرها وإظهارها. وفي التنزيل: وَاشْكُرُوا لِي وَلا تَكْفُرُونِ [البقرة/ ١٥٢] وفيه: لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذابِي لَشَدِيدٌ [إبراهيم/ ٧] وقال: في ليلة كفر النجوم غمامها «٥»

стр. 287

وقالوا: كفر كفرا وكفورا، كما قالوا: شكر شكرا وشكورا. وفي التنزيل: لِمَنْ أَرادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرادَ شُكُوراً [الفرقان/ ٦٢] [وقال] «١» اعْمَلُوا آلَ داوُدَ شُكْراً [سبأ/ ١٣] وقال: «٢» فَأَبى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُوراً [الإسراء/ ٨٩] وقالوا: الكفران، وقال: فَلا كُفْرانَ لِسَعْيِهِ [الأنبياء/ ٩٤] وقال الأعشى: ولا بدّ من غزوة في الربيع ... حجون تكلّ الوقاح الشّكورا «٣» قال أحمد بن يحيى: الشّكور: السريع القبول للسّمن. قال أبو علي: فكأن سرعة قبوله لذلك إظهار للإحسان إليه والقيام عليه. وقالوا: أشكر من بروقة «٤». وأمّا قوله: سَواءٌ عَلَيْهِمْ فإنّ السواء والعدل والوسط والقصد والنّصف ألفاظ يقرب بعضها من بعض في المعنى.

стр. 288

قالوا للعدل: السواء. قال زهير: أرونا «١» خطة لا خسف فيها ... يسوّي بيننا فيها السّواء «٢» وأنشد أبو زيد لعنترة: أبينا فلا نعطي السّواء عدوّنا ... قياما بأعضاد السّراء المعطف «٣» والسواء: وسط الشيء. وفي التنزيل: فَرَآهُ فِي سَواءِ الْجَحِيمِ [الصافات/ ٥٥] وقال عيسى بن عمر: «٤» ما زلت أكتب حتى انقطع سوائي. «٥» والسواء: ليلة النصف من الشهر. وقالوا: سيّ بمعنى سواء، كما قالوا: قيّ وقواء، «٦» وقالوا: سيان فثنّوا، كما قالوا: مثلان. وقال : «٧» لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ [النساء/ ٤٢] فالمعنى: يودّون لو جعلوا والأرض سواء. كما قال: وَيَقُولُ الْكافِرُ يا لَيْتَنِي كُنْتُ تُراباً [النبأ/ ٤٠] وقال: فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ فَسَوَّاها [الشمس/ ١٤] أي: سوى بلادهم بالأرض، وقال: وَنَفْسٍ وَما سَوَّاها [الشمس/ ٧] أي: ونفس وتسويتها أي: ورب تسويتها، أو

стр. 289

يكون: والذي سواها، أي: ونفس وخالقها، كما قال: ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا [الكهف/ ٣٧] وقال: خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ [الانفطار/ ٧] وقال: بَلى قادِرِينَ عَلى أَنْ نُسَوِّيَ بَنانَهُ [القيامة/ ٤]، أي: نجعلها مع كفه صفحة «١» مستوية لا شقوق فيها كخف البعير، ويعدم «٢» الارتفاق بالأعمال اللطيفة كالكتابة والخياطة «٣» والخرز والصياغة ونحو ذلك من لطيف الأعمال التي يستعان عليها بالأصابع. قال أحمد بن يحيى: من أيمانهم: لا والذي شقّهن خمسا من واحدة. يريدون الأصابع من الكف. وقيل في: نُسَوِّيَ بَنانَهُ: نردّها كما كانت. قالوا: وذكرت البنان لأنّه قد ذكرت اليدان فاختص منها ألطفها. وقالوا: قوم أسواء، أي: مستوون وأنشد أبو زيد: هلّا كوصل ابن عمّار تواصلني ... ليس الرّجال وإن سوّوا بأسواء «٤» فأسواء ليس يخلو من أن يكون جمع سي أو سواء، فإن كان جمع سي فهو مثل: مثل وأمثال، ونقض وأنقاض، وجلف وأجلاف. وإن كان جمع سواء فهو مثل ما حكاه أبو زيد من قولهم جواد وأجواد. وحكى أيضا في الاسم: حياء الناقة وأحياء، ولا يمتنع جمعه «٥» وإن كانوا لم يثنوه كما لم يمتنعوا

стр. 290

من جمعه على سواسية. فأمّا قوله: وَلا أَنْتَ مَكاناً سُوىً [طه/ ٥٨] فقال أبو عبيدة: يضم أولها ويكسر، مثل: طوى وطوى، قال: وهو المكان النّصف فيما بين الفريقين وأنشد لموسى بن جابر الحنفي: وإنّ أبانا كان حلّ ببلدة ... سوى بين قيس قيس عيلان والفزر «١» قال: الفزر: سعد بن زيد مناة بن تميم. ومثل سوى في أنّه فعل جاء وصفا قولهم: قوم عدى للغرباء. فأمّا عدى للأعداء فزعم أحمد بن يحيى وغيره أنّهم يقولون فيه: عدى وعدى. فهذا مثل سوى وسوى في وصف المكان. وقال أبو الحسن في قوله: (مكانا سوى): إنّها قد تضم في هذا المعنى. قال: «٢» والممدودتان في ذا المعنى أيضا. يريد بالممدودتين ما يذكره من أن في سوى وسواء أربع لغات، منهم من يفتح أوله ويمده، ومنهم من يكسر أوله ويقصره. قال: وهاتان لغتان معروفتان. قال: ومنهم من يكسر أوله ويمده، ومنهم من يضم أوله ويقصره. وهاتان اللغتان أقل من تينك، والمضمومة الأولى أعرفهما، وقال: مكانا سوى أي عدل، وأنشد: «٣»

стр. 291

وإنّ أبانا كان حلّ ببلدة ... سوى بين قيس قيس عيلان والفزر يقول: عدل، وقال في قول الشاعر: «١» لو تمنّت حليلتي ما عدتني ... أو تمنّيت ما عدوت سواها يقول: ما عدوت قصدها، قال: والقصد والعدل مشتبهان. وأنشد: ولأصرفنّ سوى حذيفة مدحتي ... لفتى العشيّ وفارس الأجراف «٢» قال: يريد لأصرفنّ قصده، أي عن قصده أو لأصرفنّ إلى غيره، ولأنّ سواه غيره كما قال حسان: أتانا فلم نعدل سواه بغيره ... نبي أتى من عند ذي العرش هاديا «٣» قال: يقول: لم نعدل سوى النبي ﷺ «٤» بغير سواه، وغير

стр. 292

سواه هو هو. فأمّا قوله: وما قصدت من أهلها لسوائكا «١» فإنّه عدّى قصدت باللام، وإن كان يعدّى بإلى، كما عدّوا أوحيت وهديت بهما في نحو: وَأَوْحى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ [النحل/ ٦٨]، وفي أخرى: بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحى لَها [الزلزلة/ ٥] وقال: وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِراطاً مُسْتَقِيماً [النساء/ ١٧٥] والْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدانا لِهذا [الأعراف/ ٤٣]. فأمّا سواء فإنّها تستعمل ظرفا، تقول: إنّ سواءك زيدا كما تقول: إن عندك زيدا، فجعله الشاعر اسما في قوله، لسوائكا، وجعله بمنزلة غير إذ كانت بمعناها، وإذا كانت كذلك أجمع عامة العرب فيما زعم أبو الحسن أنّهم «٢» يستعملونه ظرفا ولا يستعملونه اسما. ومثل ذلك قولهم: وسط- الساكن الأوسط- هي تستعمل ظرفا، فإذا اضطر الشاعر استعمله اسما كقوله الفرزدق: صلاءة ورس وسطها قد تفلّقا «٣» وقول القتّال الكلابي:

стр. 293

من وسط جمع بني قريظ بعد ما ... هتفت ربيعة يا بني جوّاب «١» فكذلك سواء، ولذلك شبهه بالظرف في قولهم: أتاني القوم سواءك «٢» فقال: كأنه قال: أتاني القوم مكانك. واستدل على كونه ظرفا بوصلهم الذي بها في «٣» نحو: أتاني الذي سواؤك. [قال أبو علي: سواك أشبه] «٤». وزعم أبو الحسن أن هذا الذي استعمل ظرفا إذا تكلم به من يجعله ظرفا في موضع رفع نصبوه استنكارا منهم لرفعه، لأنه إنما يقع في كلامهم ظرفا، فيقولون: جاءني سواؤك، وفي الدار سواؤك. وفي كتاب الله [تعالى]: «٥» وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذلِكَ [الجن/ ١١] وقال: مِنْهُمُ الصَّالِحُونَ وَمِنْهُمْ دُونَ ذلِكَ [الأعراف/ ١٦٨]، وقال: لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ [الأنعام/ ٩٤] وقال: يَوْمَ الْقِيامَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ «٦». قال: وتقول معي فوق الخماسي ودون السداسي، ولك السداسي وفوقه، وجئتك بسداسي أو فوقه، وهو بالبصرة أو دونها، فكل ذلك نصب. قال أبو الحسن وأخبرني بعض النحويين أنّه سمع العرب يقولون: ارقبني في سوائه، فأجراه مجرى (غير) وجعله اسما.

стр. 294

قال أبو علي: ولو تأول متأول ما حكاه أبو الحسن من قولهم: ارقبني في سوائه على «سواء» الذي هو الوسط، لا التي «١» بمعنى غير- كما جاء في التنزيل: فِي سَواءِ الْجَحِيمِ [الصافات/ ٥٥]- لكان مذهبا. فيجوز على ما تأوله أبو الحسن في الآي وفي سواء- في قول الشاعر: فلم يبق منها سوى هامد ... وسفع الخدود، وغير النّئيّ «٢» أن يكون سوى في موضع نصب، وإن كان فاعلا، لأنّه ظرف. ويجوز أن يكون لما جعله اسما للضرورة رفعه كما رفع وسطا في قولهم: «٣» وسطها قد تفلّقا «٤» وجعله بمنزلة «غير» لما كان بمعناها، ألا ترى أنّه جعلها بمنزلة غير في عطفها عليها في قوله: وغير النُّئِيّ. كأنّه قال: فلم يبق غير هامد وغير النّئي. وقولهم في الاسم العلم: سواءة «٥» ليس من هذا الباب. ألا ترى أن اللام منه همزة وليست منقلبه بدلالة قوله:

стр. 295

فأبلغ إيادا إن عرضت وطيّئا ... وأبلغ حليفينا، ومن قد تسوّءا وأما الإنذار فإعلام معه تخويف، فكل منذر معلم، وليس كل معلم منذرا، ولم يمتنع أن يوصف [به] «١» القديم سبحانه في نحو قوله: إِنَّا أَنْذَرْناكُمْ عَذاباً قَرِيباً [النبأ/ ٤٠] لأن الإعلام على الانفراد قد جاز «٢» وصفه به. والتخويف أيضا كذلك في قوله: ذلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبادَهُ [الزمر/ ١٦]. فإذا جاز الوصف بكل واحد منهما على الانفراد لم يمتنع إذا دلّ لفظ على المعنيين اللذين جاز الوصف بكل واحد منهما منفردا أن يوصف سبحانه به. وأنذرت: فعل يتعدى إلى مفعولين، يدلك على ذلك قوله: فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صاعِقَةً مِثْلَ صاعِقَةِ عادٍ وَثَمُودَ [فصلت/ ١٣] وقال: إِنَّا أَنْذَرْناكُمْ عَذاباً قَرِيباً [النبأ/ ٤٠]، وقال تعالى: قُلْ إِنَّما أُنْذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ [الأنبياء/ ٤٥] فتعديته بالباء يحتمل أمرين: يجوز أن يكون لما دل على التخويف أجري مجراه: فقلت «٣» أنذرته بكذا كما تقول: خوفته بكذا، ولذلك نظائر. «٤» ويجوز أن يكون لما لم يتعد إلى مفعولين، الثاني فيه الأول عدي إلى مفعول واحد كما عدي علمت الذي بمعنى عرفت إلى مفعول واحد، فلما أريد تعديته إلى مفعولين، زيدت الباء لأنّ بناء الفعل على أفعل، فلا يجوز أن تدخل عليه همزة

стр. 296

أخرى للثقل، كما أنّه إذا أريد تعدية علمت الذي بمعنى عرفت إلى مفعولين زيدت عليه الهمزة أو ضعفت العين. فإذا حذفت الباء تعدى الفعل إلى المفعول الآخر، كما تعدى: أمرتك الخير واخترتك الرجال. فأمّا قوله تعالى: «١» قُلْ إِنَّما أُنْذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ [الأنبياء/ ٤٥] فيحتمل أمرين: يجوز أن يكون الوحي الموحى، فسمّي بالمصدر مثل الخلق والصيد، والوحي: «٢» هو العذاب، فيكون كقوله: إِنَّا أَنْذَرْناكُمْ عَذاباً قَرِيباً [النبأ/ ٤٠]، ويجوز أن يكون الوحي يراد به الملك؛ فيكون التقدير في قوله تعالى: «٣» إِنَّما أُنْذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ [الأنبياء/ ٤٥]: أنذركم بإنذار الملك أو بإخباره «٤». وقوله تعالى: إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشاها [النازعات/ ٤٥] مثل إنّما أنت معطي زيد، إذا أردت بالإضافة الانفصال، أي منذر من يخشى الساعة كما قال: وَهُمْ مِنَ السَّاعَةِ مُشْفِقُونَ [الأنبياء/ ٤٩]. وقالوا: النذير والنّذر، كما قالوا: النكير والنكر، فجاء المصدر على فعيل وعلى فعل. وفي التنزيل: فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ، «٥» وفيه: فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ. «٦» فأمّا قوله تعالى: «٧» نَذِيراً لِلْبَشَرِ [المدثر/ ٣٦] فقد قيل فيه قولان:

стр. 297

أحدهما: أن يكون حالا من (قم) «١» المذكورة في أول السورة. والآخر: أن يكون حالا من قوله: إِنَّها لَإِحْدَى الْكُبَرِ [المدثر/ ٣٥] فإذا جعل نذيرا حالا مما في قم، فإن النذير اسم فاعل بمعنى المنذر، كما أن السميع كالمسمع والأليم كالمؤلم. وإن جعلته حالا من قوله: (لَإِحْدَى الْكُبَرِ) فليس يخلو «٢» الحال من أن يكون «٣» من المضاف أو من المضاف إليه، فإن كان من المضاف كان العامل ما في إحدى من معنى التفرد. وإن جعلت الحال من المضاف إليه كان العامل فيها ما في الكبر من معنى الفعل. وفي كلا الوجهين ينبغي أن يكون نذيرا مصدرا، لأنّ الأول المضاف مؤنث والمضاف إليه مؤنث مجموع، والمصدر قد يكون حالا من الجميع كما يكون حالا من المفرد. تقول: جاءوا ركضا، كما تقول: جاء ركضا. وأما قوله تعالى: وَجاءَكُمُ النَّذِيرُ [فاطر/ ٣٧] فمن قال: إن النذير النبي ﷺ كان اسم فاعل كالمنذر، ومن قال: إنه الشيب كان الأولى أن يكون مصدرا كالإنذار. وقال أبو زيد: نذر ينذر نذرا، ووفّى بنذره، وأوفى نذره. وقال أبو الحسن: العرب تقول: نذر ينذر على نفسه نذرا، ونذرت مالي فأنا أنذره. أخبرنا بذلك يونس عن العرب. قال:

стр. 298

وفي كتاب الله تعالى «١» إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ ما فِي بَطْنِي مُحَرَّراً [آل عمران/ ٣٩] وقال الشاعر: هم ينذرون دمي وأن ... ذر إن لقيت بأن أشدّا «٢» وقال عنترة: الشاتمي عرضي ولم أشتمهما ... والناذرين إذا لم القهما دمي «٣» ومثل الإنذار في أنّه ضرب من العلم قولهم: اليقين، فكل يقين علم، وليس كل علم يقينا، وذلك أنّ اليقين كأنّه علم يحصل بعد استدلال ونظر، لغموض المعلوم المنظور فيه، أو لإشكال ذلك على الناظر. «٤» يقوي ذلك قوله : وَكَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ [الأنعام/ ٧٥] ثم ذكر بعد ما كان من نظره واستدلاله، ولذلك لم يجز أن يوصف القديم سبحانه به، فليس كل علم يقينا لأنّ من المعلومات ما يعلم من غير أن يعترض فيه توقف أو موضع نظر، نحو ما يعلم ببدائه العقول والحواس، ويؤكد ما ذكرنا من ذلك قول رؤبة:

стр. 299

يا دار عفراء ودار البخدن ... أما جزاء العارف المستيقن [عندك إلا حاجة التفكّن] «١» فوصفه العالم بالمستيقن يقوي أنّه غيره. ومما يبين ذلك ما تراه «٢» في أشعارهم من توقفهم عند الوقوف في الديار لطول العهد وتعفي الرسوم ودروسها حتى يثبتوها بالتأمل لها والاستدلال عليها، كقوله: وقفت بها من بعد عشرين حجة ... فلأيا عرفت الدار بعد توهم «٣» وقال: توهّمت آيات لها فعرفتها «٤» وقال: أم هل عرفت الدار بعد توهّم «٥» قال محمد بن السري قالوا في قوله بعد توهم: توهمت الشيء: أنكرته. وعند التباس الأمر وإشكاله يفزع إلى النظر،

стр. 300

ويرجع إلى الدليل، فكذلك قول رؤبة: أما جزاء العارف المستيقن أي: المتوقف المتبين لآثارك ورسومك إلى أن يثبتك، كقول عنترة في ذلك. ومن ذلك الدراية، هي مثل ما تقدم في أنّها ضرب من العلم مخصوص، وكأنّه من التلطف والاحتيال في تفهم الشيء. أنشد أبو زيد: «١» فإنّ غزالك الذي كنت تدّري ... إذا شئت ليث خادر بين أشبل قال أبو زيد: تدّري: تختل. وقال آخر: فإن كنت لا أدري الظباء فإنّني ... أدسّ لها تحت التراب الدواهيا «٢» وأنشد أحمد بن يحيى: إما تريني أذّري وأدّري ... غرّات جمل وتدرّى غرري «٣»

стр. 301

واختلفوا في الدّرية، وهو البعير الذي يستتر به الصائد من الوحش حتى يمكنه رميها. فقال أبو زيد فيما حكى عنه: هي مهموزة لأنّها تدرأ نحو الوحش، أي تدفع، فأمّا من لم يهمز فإنّه يمكن أن يكون من الدرء «١» الذي هو الدفع فخفف. ويمكن أن يكون من الادّراء الذي هو الختل، لأنّ معنى الختل لها والاحتيال عليها في الاستتار به عنها حتى يرمي «٢» ظاهرا. فأمّا الدريئة للحلقة التي يتعلّم عليها الطعان، فرواها السكري مهموزة فيما أنشده عن أبي زيد: كأنّ دريئة لمّا التقينا ... بنصل السيف مجتمع الصّداع «٣» [بخط السكري: الدريئة: الحلقة يتعلم عليها الطعن،

стр. 302

ومجتمع الصداع: الرأس] «١» [كذا رواها السكري في نوادر أبي زيد عن الرياشي. روى ابن دريد فكان دريئة] «٢» وكذلك قول الجهنية صاحبة المرثية أنشده «٣» [السكري عن أبي حاتم]: «٤» أجعلت أسعد للرماح دريئة ... هبلتك أمّك أيّ جرد ترقع «٥» بخطه: «٦» الجرد: الثياب «٧» الخلقان [ضربه مثلا]. «٨» ويقال: دريت الشيء ودريت به قال سيبويه: وتعديه بحرف الجر «٩» أكثر في كلامهم، وأنشد أبو زيد: أصبح من أسماء قيس كقابض ... على الماء لا يدري بما هو قابض «١٠» فإذا قال: دريت الشيء، فكأنّ المعنى على ما عليه هذا الباب: تأتيت لفهمه وتلطفت، وهذا المعنى لا يجوز على العالم بنفسه. وقد أجاز أحد أهل النظر ذلك، واستشهد عليه بقول بعضهم: لا همّ لا أدري وأنت الدّاري «١١»

стр. 303

وهذا لا ثبت فيه، لأنّه يجوز أن يكون من غلط الأعراب، فكأنّه سمع دريت وعلمت يستعمل كل واحد منهما موضع الآخر كثيرا، فظنّ أنّهما في كل المواضع كذلك «١». ومثل هذا من جفاء الأعراب ما أنشده بعض البغداديين: لا همّ إن كنت الذي بعهدي ... ولم تغيّرك الأمور بعدي «٢» وقول العجّاج: فارتاح ربّي وأراد رحمتي «٣» وقول الآخر: يا فقعسيّ لم أكلته لمه ... لو خافك الله عليه حرّمه «٤» وقال أوس:

стр. 304

أبني لبينى لا أحبّكم ... وجد الإله بكم كما أجد «١» وقالت امرأة من أسد: أشار لها آمر فوقه ... هلمّ فأمّ إلى ما أشارا تعني الله سبحانه. فأمّا شعرت فمصدره شعرة بكسر الأول، كالفطنة والدرية. وقالوا: ليت شعري، فحذفوا التاء مع الإضافة للكثرة. وقد قالوا: ذهب بعذرتها، وهو أبو عذرها. «٢» ويروى أنّ عليا، ﵇، لما قال له عديّ بن حاتم: ما الذي لا ينسى؟ قال: المرأة لا تنسى أبا عذرها، ولا قاتل واحدها. وكأنّ شعرت مأخوذ من الشعار، وهو ما يلي الجسد. فكأنّ شعرت به علمته علم حسّ. وقال الفرزدق: لبسن الفرند الخسروانيّ فوقه ... مشاعر من خزّ العراق المفوّف «٣»

стр. 305

وفي الحديث: «أشعرنها إياه»، «١» أي: اجعلنها الشعار الذي يلي الجسد، كما أن المعنى في البيت: لبسن الفرند الخسرواني مشاعر، فوقه المفوف من خزّ العراق، أي: جعلنها «٢» الشعار. فقولهم: شعرت ضرب من العلم مخصوص. فكل «٣» مشعور به معلوم، وليس كل معلوم مشعورا به. ولهذا لم يجز في وصف الله تعالى «٤» كما لم يجز في وصفه «٥» درى، وكان قول الله تعالى في وصف الكفار: «٦» وَلكِنْ لا يَشْعُرُونَ [البقرة/ ١٢] أبلغ في الذم للبعد عن الفهم من وصفهم بأنهم، لا يعلمون لأنّ البهيمة قد تشعر من حيث كانت تحسّ. فكأنّهم وصفوا بنهاية الذهاب عن الفهم. وعلى هذا قال سبحانه «٧»: وَلا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتٌ بَلْ أَحْياءٌ وَلكِنْ لا تَشْعُرُونَ

стр. 306

[البقرة/ ١٥٤] فقال: (ولكن لا تشعرون) ولم يقل ولكن لا تعلمون، لأنّ المؤمنين إذا أخبرهم الله تعالى «١» بأنّهم أحياء علموا أنّهم أحياء، فلا يجوز أن ينفي الله تعالى العلم عنهم بحياتهم، إذ كانوا قد علموا ذلك بإخباره إيّاهم وتيقّنوه، ولكن يجوز أن يقال: ولكن لا تشعرون، لأنّهم ليس كل ما علموه يشعرونه، كما أنه ليس كل ما علموه يحسّونه بحواسّهم، فلمّا كانوا لا يعلمون بحواسّهم حياتهم، وإن كانوا قد علموه بإخبار الله إيّاهم، وجب أن يقال: لا تشعرون، ولم يجز أن يقال: ولكن لا تعلمون على هذا الحدّ. ومن ذلك النقه. قال أبو زيد: نقه عنّي القول نقها ونقوها: إذا فهم عنك القول، قال: وتقول: نقه الرجل من مرضه ينقه نقوها إذا برأ .. وهذا لا يجوز في وصف القديم «٢» كما أن الفهم الذي فسّر أبو زيد به النقه لا يجوز في وصفه. [بسم الله] «٣» الإعراب قوله تعالى «٤»: سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ [البقرة/ ٦] لفظه لفظ الاستفهام ومعناه الخبر، ومثل ذلك قولهم: «٥» ما أبالي أشهدت أم غبت، وما أدري أأقبلت أم أدبرت. وإنما جرى عليه لفظ الاستفهام وإن كان خبرا لأن فيه

стр. 307

التسوية التي في الاستفهام، ألا ترى إذا استفهمت فقلت: أخرج زيد أم أقام؟ فقد استوى الأمران عندك في الاستفهام، وعدم علم أحدهما بعينه، كما أنّك إذا أخبرت فقلت: «١» سواء عليّ أقعدت أم ذهبت، فقد سويت الأمرين «٢» عليك، فلمّا عمّتهما التسوية، جرى على هذا الخبر لفظ الاستفهام، لمشاركته له في الإبهام. فكلّ استفهام تسوية، وإن لم يكن كل تسوية استفهاما. ومثل التسوية- في هذا- الاختصاص في نحو: أنا أفعل كذا أيّها الرجل، واللهم اغفر لنا أيّتها العصابة، لمّا كنت مختصّا نفسك والعصابة في هذا الكلام جرى عليه لفظ النداء من حيث أردت الاختصاص الذي أردته في النداء، كما جرى الاستفهام على التسوية فمن ثمّ صار كل منادى مختصّا، وإن لم يكن كل مختص منادى. ولا يجوز في هذا الموضع (أو) مكان (أم)، لأن المعنى: سواء عليّ هذان، ألا ترى أنك لو قلت: سواء عليّ القيام والقعود، لم يجز إلّا الواو. وكذلك لو أظهرت المصدرين اللذين دلّ عليهما لفظ الفعلين المذكورين في قوله تعالى: «٣» اصْلَوْها فَاصْبِرُوا أَوْ لا تَصْبِرُوا سَواءٌ عَلَيْكُمْ [الطور/ ١٦] لقلت: سواء عليكم الجزع والصبر، ولم تقله بأو، كما قال تعالى:

стр. 308

سَواءً الْعاكِفُ فِيهِ وَالْبادِ «١» [الحج/ ٢٥] ولو قلت: سواء عليّ العاكف أو البادي، أو سواء عليّ الجزع أو الصبر، لكان المعنى سواء عليّ أحدهما، وسواء عليّ أحدهما كلام محال، لأن التسوية لا تكون إلا بين شيئين فصاعدا. فإن قلت: فقد قال أبو عمرو: إن الأصمعي أنشدهم لرجل من هذيل: وكان سيان ألّا يسرحوا نعما ... أو يسرحوه بها واغبرّت السّوح «٢» فأنشدهموه بأو، وسيّان مثل سواء، ألا ترى أنه لا يستقيم زيد أو عمرو سيان [كما لا يستقيم مع سواء ولا تكون أو بمنزلة الواو. فالقول في ذلك أن هذا على ظاهر الاستحالة التي ذكرنا، وإنما استجاز هذا الكلام بأو لأنّه يراه يقول: جالس الحسن أو ابن سيرين، فيجوز له أن يجالسهما ويسمع: ولا تطع منهم آثما أو كفورا [الإنسان/ ٢٤] فلا يطيعهما، كما أنه إذا قيل له ذلك بالواو كان كذلك. فلما رآها

стр. 309

تجري مجرى الواو في نحو هذه المواضع أجراها مجراها مع سواء وسيّان. فهذا كلام حقيقته ما ذكرنا، والذي سوّغه عند قائله ما وصفنا. وكذلك قول المحدث: سيّان كسر رغيفه ... أو كسر عظم من عظامه «١» فأمّا قوله: «٢» مررت برجل سواء درهمه، وهذا درهم سواء، فمعناه تامّ فهذا يجوز الاقتصار به على اسم مفرد] «٣» وكذلك قوله تعالى: «٤» وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوى [القصص/ ١٤] أي: كمل وتمّ. فهذا الفعل مثل هذا الاسم، ولو كان من التسوية بين الشيئين لم يستغن بفاعل كما لم يستغن سواء عن اثنين في نحو: سَواءً الْعاكِفُ فِيهِ وَالْبادِ [الحج/ ٢٥]. فأمّا قوله تعالى: «٥» ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوى وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلى [النجم/ ٦] فمعناه: «٦» استقام، كقوله: بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوى [القصص/ ٦٤]. ولا تكون المقتضية لفاعلين، لأن الضمير المرفوع لم يؤكد في الآية. فقوله: وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلى جملة

стр. 310

في موضع الحال. ولم يثنّ سواء كما ثني سيّان، وإن كانوا قد كسّروه في قولهم: سواسية. وحكى السكري عن أبي حاتم إجازة تثنية سواء، ولم يصب ابن السجستاني في ذلك، لأنّ أبا الحسن وأبا عمر زعما أن ذلك لا يثنى، كأنّهم استغنوا بتثنية سيّ عن تثنية سواء، كما استغنوا عن ودع بترك. وعلى ما قالا جاء التنزيل في قوله: سَواءً الْعاكِفُ فِيهِ وَالْبادِ [الحج/ ٢٥] وقوله: اصْلَوْها فَاصْبِرُوا أَوْ لا تَصْبِرُوا سَواءٌ عَلَيْكُمْ [الطور/ ١٦] فسواء في الآية «١» مرتفع بالابتداء، وما بعده مما دخل عليه حرف الاستفهام في موضع الخبر، وبالجملة في موضع رفع بأنّها خبر إنّ. فأمّا قوله: (لا يُؤْمِنُونَ) فيستقيم أن يكون استئنافا، ويستقيم أن يكون حالا من الضمير المنصوب على حدّ: معه صقر صائدا به غدا وبالِغَ الْكَعْبَةِ [المائدة/ ٩٥] ويستقيم أن تجعله خبر إنّ، فيكون في موضع رفع، ولا يكون لقوله: (سواء عليهم) وما بعده موضع من الإعراب، كما حكمنا على موضعه بالرفع فيما تقدم، لأنّه الآن يصير اعتراضا بين الخبر والاسم، ألا ترى أنه [مما] «٢» يؤكد امتناعهم من الإيمان. وهذه «٣» الآية ينبغي أن تكون خاصّة لقوم بعينهم «٤»، لأن كثيرا من الكفّار قد آمنوا. فإن قلت: لم زعمتم أن (سواء) يرتفع «٥» بالابتداء على ما عليه التلاوة، وأنت إذا قدّرت هذا الكلام على ما عليه

стр. 311

المعنى فقلت: سواء عليهم الإنذار وتركه كان (سواء) خبر ابتداء مقدّما، فهلا قلت فيها ذلك أيضا قبل تقدير الكلام بالمعنى؟. فالقول في هذا أن (سواء) يرتفع «١» حيث ذكرنا بالابتداء، وإن كان في قوله: «٢» سواء عليهم الإنذار وتركه يرتفع بأنّه خبر مقدم. وذلك أنه لا يخلو في قولك: سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ [البقرة/ ٦] من أن يرتفع بأنه مبتدأ أو خبر مبتدأ. فإن رفعته بأنه خبر لم يجز، لأنّه ليس في الكلام مخبر عنه، فإذا لم يكن مخبر عنه بطل أن يكون خبرا، لأنّ الخبر إنّما يكون عن مخبر عنه. فإذا فسد ذلك ثبت أنّه مبتدأ. وأيضا فإنّه لا يجوز أن يكون خبرا، لأنّه قبل الاستفهام، وما قبل الاستفهام لا يكون داخلا في حيّز الاستفهام، فلا يجوز إذن أن يكون الخبر عمّا في الاستفهام متقدّما على الاستفهام. فإن قلت: كيف جاز أن تكون الجملة التي ذكرتها من «٣» الاستفهام خبرا عن المبتدأ وليست هي هو ولا له ذكر فيها؟ فالقول في ذلك: أنّه كما جاز أن يحمل المبتدأ على المعنى فيجعل خبره ما لا يكون إيّاه في المعنى، ولا له فيه ذكر، كذلك جاز في الخبر لأنّ كلّ واحد منها يحتاج أن يكون صاحبه في المعنى. فما جاز في أحدهما من خلاف ذلك جاز في الآخر، وذلك قولهم: «تسمع بالمعيدي خير من أن

стр. 312

تراه». «١» ألا ترى أن خيرا خبر عن تسمع، وكما أخبر عنه كذلك عطف عليه في قولهم: تسمع بالمعيدي لا أن تراه، والفعل لا يعطف عليه الاسم كما لا يخبر عنه، إلّا أنّ المعنى لمّا كان على الاسم استجيز فيه الإخبار عنه والعطف عليه، وجاز دخول لا على الاسم من غير تكرير، كما جاز في قولهم: هذان لا سواء، لأن الخبر لم يظهر في الموضعين جميعا. ونظير ما في الآية من أن خبر المبتدأ ليس المبتدأ ولا له فيه ذكر ما أنشده أبو زيد: فإنّ حراما لا أرى الدّهر باكيا ... على شجوه إلّا بكيت على عمرو «٢» فإن قلت: أيجوز أن توقع الجملة التي من الابتداء والخبر موقع التي من الفعل والفاعل في نحو: سواء عليّ أقمت أم قعدت، فتقول: سواء علي أدرهم مالك أم دينار، وما أبالي أقائم أنت أم قاعد؟ فالقول في ذلك أنّ أبا الحسن يزعم أنّ ذلك لا يحسن. قال: وكذلك لو قلت: ما أبالي أتقوم أم تقعد؟ لم يحسن، لأنّه

стр. 313

ليس معه الحرف الذي يجزم. ومما يدلّ على ما قال أن ما جاء في التنزيل من هذا النحو جاء مع المثال الماضي، كقوله تعالى: «١» سَواءٌ عَلَيْنا أَجَزِعْنا أَمْ صَبَرْنا [إبراهيم/ ٢١] وقوله: سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ [المنافقون/ ٦] وسَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ [البقرة/ ٦] وقال: سواء عليك اليوم أنصاعت النّوى ... بخرقاء أم أنحى لك السيف ذابح «٢» وقال: ما أبالي أنبّ بالحزن تيس ... أم لحاني بظهر غيب لئيم «٣» فهذا «٤» الكلام، وإن كان قد جرى عليه حرف الاستفهام

стр. 314

للتسوية فهو خبر، فلمّا كانوا قد حذفوا حرف الجزاء واستمرّ حذفه لطول الكلام حيث لو أظهر لم يمتنع- وذلك نحو لأضربنّه ذهب أو مكث- لزم حذف الحرف هنا «١» لإغناء حرف الاستفهام عنه لمقاربة الشرط الاستفهام في اجتماعهما في أنّهما ليسا بخبر، وأنّهما يقتضيان الجواب، وبعض الحروف قد يغني «٢» عن بعض، ألا ترى أنّ أن لم تظهر في قولهم: ما كان زيد ليقوم، وأنّ أن قد أغنى عن اللام الجارة في نحو: أتيتك أن احتزّ «٣» مودة زيد، ونحو ذلك، وكذلك حروف العطف إذا نصب بها، فكذلك حروف المجازاة لمّا كانوا قد حذفوه في قولهم: لأضربنّه ذهب أو مكث، واستمرّ حذفه مع أنّه [لا حرف] «٤» يكون بدلا منه كان حذفه في باب: سواء وما أبالي، للزوم ما ذكرنا من الحرف له أولى. ولم يجز أن يقع موقع التي من الفعل والفاعل التي من الابتداء والخبر، كما لم يجز ذلك في قوله: لأضربنّه ذهب أو مكث، وغير ذلك من المواضع التي يراد فيها الجزاء، ولم يقع إلّا التي من الفعل والفاعل، لتدلّ على الجزاء، كما لم تقع «٥» إلّا التي من الفعل والفاعل في نحو: عسى زيد أن يقوم، وكاد يذهب، وبابهما. ولم يستعملوا المصدر ليجري ذكر المثال الذي يدل على الزمان في الكلام لما أرادوا من تقريبه، وإن كان المصدر غير ممتنع استعماله هاهنا، كما قالوا:

стр. 315

«عسى الغوير أبؤسا» «١» فإذا كانوا قد امتنعوا من استعمال الاسم والمصدر هنا، مع أن المعنى في استعماله غير فاسد، فألّا يستعمل حيث معناه الجزاء ولا يصح المعنى في غير الفعل أجدر. فأمّا قوله: «٢» سَواءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صامِتُونَ [الأعراف/ ١٩٣] فإنّما وقع أَمْ أَنْتُمْ صامِتُونَ في موضع: أم صمتّم: وجاز ذلك هنا «٣» لتقدم التي من الفعل والفاعل، فحسن لتقدّمها أن توقع بعدها التي من الفعل والفاعل، فحسن لتقدّمها أن توقع بعدها التي من الابتداء والخبر، كما جاز ذلك في الجزاء، لأنّها هنا «٤» بعد حرف، كما أنّه ثمّ بعد الفاء أو إذا. «٥» ولو لم يتقدم «أدعوتموهم» كما أنّه لو لم يتقدم الشرط في نحو: إن تأتني فلك درهم، أو: فعمرو مكرم، ونحو ذلك لم يجز وقوع التي من الابتداء والخبر موقع التي من الفعل والفاعل. ومثل ذلك في وقوع التي من اسمين موقع الفعل والفاعل

стр. 316

قوله: هَلْ لَكُمْ مِنْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ مِنْ شُرَكاءَ فِي ما رَزَقْناكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَواءٌ [الروم/ ٢٨] فقوله: فَأَنْتُمْ فِيهِ سَواءٌ واقعة موقع التي من الفعل والفاعل، كأنّه قال: هل لكم مما ملكت أيمانكم شركاء فيساووكم، أي: فكما لا يساويكم مماليككم في أموالكم فيكونون فيها أمثالكم، كذلك لا تسوّوا ما اتخذتموه آلهة بمن يملكهم، وبمن خلقهم وبرأهم. وجاز ذلك لوقوعها بعد الحرف، وأنّ تقدم الاستفهام «١» في قوله: «هل لكم» يضارع تقدم الشرط، فلذلك جاز هذا. وإذا كان الموضع موضع جزاء، ثبت أنّ وقوع المضارع لا يحسن في نحو: سواء عليّ أتقوم أم تذهب، كما لا يحسن في قوله: لأضربنه يمكث أو يذهب، على حدّ لأضربنه ذهب أو مكث. وأمّا التقاء الهمزتين في: أَأَنْذَرْتَهُمْ وتحقيقهما: فمن حجّة من حقّقهما أن يقول: إن الهمزة حرف من حروف الحلق، فكما اجتمع المثل مع مثله مع «٢» سائر حروف الحلق، نحو فهّ «٣» وفههت وكعّ «٤» وكععت، كذلك حكم الهمزة. وممّا يجوّز ذلك ويسوّغه أن سيبويه زعم أن ابن أبي إسحاق كان يحقق الهمزتين وأناس معه. قال سيبويه: وقد تتكلم «٥» ببعضه العرب وهو رديء. «٦»

стр. 317

ومما يقوّي ذلك من «١» استعمالهم له قولهم «٢»: رأّس «٣» وسآل وتذأّبت «٤» الريح ورأّيت «٥» الرجل. فكما جمع الجميع بينهما إذا كانتا عينين، كذلك يجوز الجمع بينهما في غير هذا الموضع. وممّا يقوي ذلك أنّهم قد أبدلوا منها غيرها في نحو: يهريق وهيّاك، «٦» كما أبدلوها من غيرها في نحو رأيت رجلأ وهذه حبلأ «٧» في الوقف. فكما جرت مجرى سائر الحروف المعجمة في إبدالها من غيرها وإبدال غيرها منها، كذلك تكون سبيلها في اجتماعها «٨» مع مثلها، كما اجتمع سائر الحروف مع أمثالها. والحجّة لمن «٩» قال: (أانذرتهم)، فلم يجمع بين الهمزتين وخفّف الثانية أن يقول: إن العرب قد رفضت جمعهما في مواضع من كلامهم. من ذلك أنّهم لمّا اجتمعتا في آدم وآدر

стр. 318

وآخر، ألزموا جميعا الثانية البدل، ولم يحقّقوا الثانية، ولما كسّروا وحقّروا جعلوا هذه المبدلة بمنزلة ما لا أصل له في الهمز فقالوا: أواخر وأويخر، فأبدلوا منها الواو، كما أبدلوها ممّا هو ألف لا يناسب الهمزة، نحو: ضوارب وضويرب. ففي هذا دلالة بيّنة على رفضهم اجتماعهما. ألا ترى أنهم لم يرجعوها في التحقير والتكسير كما رجعوا الواو في ميقات وميعاد والياء من موسر في قولهم: مواقيت ومياسير. ففي ذلك دلالة بيّنة على رفضهم لجمعهما. ومن ذلك أنّا لم نجد كلمة عينها همزة ولامها كذلك، كما وجدنا ذلك في سائر أخوات الهمزة من الحلقية، كقولهم: مهاه وفهّ ويدعّ اليتيم ومحّ وألحّ وضغيغة «١» ومخّ. فأن لم يجمعوا بين الهمزتين في الموضع الذي جمع فيه بين أخواتها، وكرّرت، دلالة على رفضهم لجمعهما. وإذا لم يتوال ذلك في بنات الثلاثة، فألّا يتوالى ذلك في بنات الأربعة أولى. فأمّا نحو: نأنأ «٢» وطأطأ «٣» وبأبأ «٤» الصبيّ أباه، فقد حجز الحرف بينهما، وإنّما الذي ينكر تواليهما من غير أن يحجز بينهما شيء. ومن ثم قال أبو الحسن في بناء مثل قمطر من

стр. 319

قرأت: قرأي، فلم يكرّر الهمزة، كما تكرّر سائر اللامات، نحو جلبب «١» وقعدد «٢» وعوطط «٣». ومن ذلك أنهم ألزموا باب رزيئة وخطيئة عمّا يؤدي إلى اجتماع همزتين فيه، فقالوا: خطايا ورزايا. فلو كان لاجتماعهما عندهم مساغ ما رفضوا ذلك الأصل، كما أنّه لو «٤» كان لتحرك العينات في نحو: قال وباع مجاز ما ألزموهما القلب. فإن قال: «٥» فقد حكي عن بعضهم: خطائىء، بتحقيق الهمزتين فذلك يجري مجرى الأصول المرفوضة، نحو: .... ظننوا «٦» ..... والأظلل «٧»

стр. 320

ولو جاز الاعتداد بذلك وبما «١» أشبهه لجاز أن يقال في تكسير مطية: مطائي لقول «٢» بعضهم سماء، «٣» فإذا كانوا قد رفضوا ذلك في حال السعة والاختيار- مع أنّه أسهل من اجتماع الهمزتين- فأن يرفض «٤» اجتماع الهمزتين أجدر. ومن ذلك أنهم إذا بنوا اسم فاعل من ناء وساء وشاء «٥» وجاء قالوا: شاء «٦» وناء، فرفضوا الجمع بينهما في هذا الطرف- كما رفضوه أولا في آدم وآخر- إما بالإبدال وإما بالقلب كما يقوله الخليل، وأخذوا- على قول النحويين غير الخليل «٧» - بما رفضوه في غيره من توالي الإعلالين. فلولا أنّ اجتماعهما عندهم أبعد من توالي الإعلالين لم يأخذوا بتواليهما المرفوض من كلامهم في هذا الموضع، كما أن إخلاء الفعل من الفاعل لولا أنّه أبعد عندهم من الإضمار قبل الذكر لم يأخذوا بالإضمار قبل الذكر في مثل: نعم رجلا، وضربني وضربت زيدا لمّا كان يلزمهم في هذه المواضع إخلاء الفعل من الفاعل. ومن ذلك أن من قال: هذا فرجّ وهو يجعلّ، فضاعف
следующие страницы →