← Таджвид и кираат

Таджвид и кираат · id 35101

الحجة للقراء السبعة

أبو علي الفارسي

Полный текст (2 942 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

قوله: هَلْ لَكُمْ مِنْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ مِنْ شُرَكاءَ فِي ما رَزَقْناكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَواءٌ [الروم/ ٢٨] فقوله: فَأَنْتُمْ فِيهِ سَواءٌ واقعة موقع التي من الفعل والفاعل، كأنّه قال: هل لكم مما ملكت أيمانكم شركاء فيساووكم، أي: فكما لا يساويكم مماليككم في أموالكم فيكونون فيها أمثالكم، كذلك لا تسوّوا ما اتخذتموه آلهة بمن يملكهم، وبمن خلقهم وبرأهم. وجاز ذلك لوقوعها بعد الحرف، وأنّ تقدم الاستفهام «١» في قوله: «هل لكم» يضارع تقدم الشرط، فلذلك جاز هذا. وإذا كان الموضع موضع جزاء، ثبت أنّ وقوع المضارع لا يحسن في نحو: سواء عليّ أتقوم أم تذهب، كما لا يحسن في قوله: لأضربنه يمكث أو يذهب، على حدّ لأضربنه ذهب أو مكث. وأمّا التقاء الهمزتين في: أَأَنْذَرْتَهُمْ وتحقيقهما: فمن حجّة من حقّقهما أن يقول: إن الهمزة حرف من حروف الحلق، فكما اجتمع المثل مع مثله مع «٢» سائر حروف الحلق، نحو فهّ «٣» وفههت وكعّ «٤» وكععت، كذلك حكم الهمزة. وممّا يجوّز ذلك ويسوّغه أن سيبويه زعم أن ابن أبي إسحاق كان يحقق الهمزتين وأناس معه. قال سيبويه: وقد تتكلم «٥» ببعضه العرب وهو رديء. «٦»

стр. 317

ومما يقوّي ذلك من «١» استعمالهم له قولهم «٢»: رأّس «٣» وسآل وتذأّبت «٤» الريح ورأّيت «٥» الرجل. فكما جمع الجميع بينهما إذا كانتا عينين، كذلك يجوز الجمع بينهما في غير هذا الموضع. وممّا يقوي ذلك أنّهم قد أبدلوا منها غيرها في نحو: يهريق وهيّاك، «٦» كما أبدلوها من غيرها في نحو رأيت رجلأ وهذه حبلأ «٧» في الوقف. فكما جرت مجرى سائر الحروف المعجمة في إبدالها من غيرها وإبدال غيرها منها، كذلك تكون سبيلها في اجتماعها «٨» مع مثلها، كما اجتمع سائر الحروف مع أمثالها. والحجّة لمن «٩» قال: (أانذرتهم)، فلم يجمع بين الهمزتين وخفّف الثانية أن يقول: إن العرب قد رفضت جمعهما في مواضع من كلامهم. من ذلك أنّهم لمّا اجتمعتا في آدم وآدر

стр. 318

وآخر، ألزموا جميعا الثانية البدل، ولم يحقّقوا الثانية، ولما كسّروا وحقّروا جعلوا هذه المبدلة بمنزلة ما لا أصل له في الهمز فقالوا: أواخر وأويخر، فأبدلوا منها الواو، كما أبدلوها ممّا هو ألف لا يناسب الهمزة، نحو: ضوارب وضويرب. ففي هذا دلالة بيّنة على رفضهم اجتماعهما. ألا ترى أنهم لم يرجعوها في التحقير والتكسير كما رجعوا الواو في ميقات وميعاد والياء من موسر في قولهم: مواقيت ومياسير. ففي ذلك دلالة بيّنة على رفضهم لجمعهما. ومن ذلك أنّا لم نجد كلمة عينها همزة ولامها كذلك، كما وجدنا ذلك في سائر أخوات الهمزة من الحلقية، كقولهم: مهاه وفهّ ويدعّ اليتيم ومحّ وألحّ وضغيغة «١» ومخّ. فأن لم يجمعوا بين الهمزتين في الموضع الذي جمع فيه بين أخواتها، وكرّرت، دلالة على رفضهم لجمعهما. وإذا لم يتوال ذلك في بنات الثلاثة، فألّا يتوالى ذلك في بنات الأربعة أولى. فأمّا نحو: نأنأ «٢» وطأطأ «٣» وبأبأ «٤» الصبيّ أباه، فقد حجز الحرف بينهما، وإنّما الذي ينكر تواليهما من غير أن يحجز بينهما شيء. ومن ثم قال أبو الحسن في بناء مثل قمطر من

стр. 319

قرأت: قرأي، فلم يكرّر الهمزة، كما تكرّر سائر اللامات، نحو جلبب «١» وقعدد «٢» وعوطط «٣». ومن ذلك أنهم ألزموا باب رزيئة وخطيئة عمّا يؤدي إلى اجتماع همزتين فيه، فقالوا: خطايا ورزايا. فلو كان لاجتماعهما عندهم مساغ ما رفضوا ذلك الأصل، كما أنّه لو «٤» كان لتحرك العينات في نحو: قال وباع مجاز ما ألزموهما القلب. فإن قال: «٥» فقد حكي عن بعضهم: خطائىء، بتحقيق الهمزتين فذلك يجري مجرى الأصول المرفوضة، نحو: .... ظننوا «٦» ..... والأظلل «٧»

стр. 320

ولو جاز الاعتداد بذلك وبما «١» أشبهه لجاز أن يقال في تكسير مطية: مطائي لقول «٢» بعضهم سماء، «٣» فإذا كانوا قد رفضوا ذلك في حال السعة والاختيار- مع أنّه أسهل من اجتماع الهمزتين- فأن يرفض «٤» اجتماع الهمزتين أجدر. ومن ذلك أنهم إذا بنوا اسم فاعل من ناء وساء وشاء «٥» وجاء قالوا: شاء «٦» وناء، فرفضوا الجمع بينهما في هذا الطرف- كما رفضوه أولا في آدم وآخر- إما بالإبدال وإما بالقلب كما يقوله الخليل، وأخذوا- على قول النحويين غير الخليل «٧» - بما رفضوه في غيره من توالي الإعلالين. فلولا أنّ اجتماعهما عندهم أبعد من توالي الإعلالين لم يأخذوا بتواليهما المرفوض من كلامهم في هذا الموضع، كما أن إخلاء الفعل من الفاعل لولا أنّه أبعد عندهم من الإضمار قبل الذكر لم يأخذوا بالإضمار قبل الذكر في مثل: نعم رجلا، وضربني وضربت زيدا لمّا كان يلزمهم في هذه المواضع إخلاء الفعل من الفاعل. ومن ذلك أن من قال: هذا فرجّ وهو يجعلّ، فضاعف

стр. 321

في الوقف حرصا على البيان لم يضاعف نحو النبأ والرشإ، لكنه رفض هذا الضرب من الوقف وما كان يحرص عليه من البيان، لمّا كان يلزمه الأخذ بما تركوه، والاستعمال لما رفضوه: من اجتماع الهمزتين. ومن ذلك أنّ الهمزة إذا كانت مفردة غير متكررة كرهها «١» أهل التخفيف حتى قلبوها أو حذفوها، لئلا يلزمهم تحقيقها، وقد وافقهم في بعض ذلك أهل التحقيق، كموافقتهم لهم في يرى. فلمّا كرهوا ذلك في الإفراد وجب إذا تكررتا ألا يجوز إلا التغيير، ألا ترى أنّ الواو المفردة المضمومة لمّا كنت مخيّرا في تصحيحها وقلبها، ثم انضم إليها أخرى، لزم قلبها وامتنع تصحيحها الذي كان يجوز فيها قبل التكرر، فكذلك الهمزة إذا انضمت إليها أخرى، لزم رفضهما وامتنع جمعهما، كما كان ذلك في الواوين. فكما لم يجمع أحد بين هاتين الواوين كذلك يجب ألا يجمع بين الهمزتين. ومن ذلك أنّ ناسا- إذا اجتمعتا من كلمتين- فصلوا بينهما بالألف في نحو: أاأنت زيد الأرانب «٢» كما فصلوا بين النونات في نحو اخشينانّ. فكما ألزموا الفصل بين النونات بالألف، كذلك يلزم في آأنت لئلا تجتمع

стр. 322

الهمزتان. بل ذلك في الهمزتين ينبغي أن يكون ألزم، لما قدّمنا لرفضهم لهما وجمعهم في التضعيف بين أكثر من حرفين نحو ردّد وشدّد. فإذا كانوا قد ألزموا النون في اخشينان [الفصل] «١» بين ما يجتمع مثله فأن يلزموها بين ما رفضوا الجمع بينهما أجدر. فهذه الأشياء تدلّ على رفض اجتماع الهمزتين في كلامهم. فأمّا جمعهما وتحقيقهما في (أَأَنْذَرْتَهُمْ) فهو أقبح من تحقيقهما من «٢» كلمتين منفصلتين، نحو قرأ أبوك ورشأ أخيك، لأنّ الهمزة الأولى من (أَأَنْذَرْتَهُمْ) تنزّل منزلة ما هو من الكلمة نفسها، لكونها على حرف مفرد، ألا ترى أنّهم قالوا: لهو وفهو، ولَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ [الحج/ ٥٨] ولهي، فخفّفوا ذلك كله، كما خفّفوا عضدا فقالوا: عضد، فكذلك الأولى في (أأنذرتهم) لمّا لم تنفصل من الكلمة صارت بمنزلة التي في آخر، كما نزّلت الحروف المفردة التي ذكرتها «٣» منزلة فاء الفعل في عضد وفخذ. فأمّا إذا كانتا من كلمتين فاجتماعهما في القياس أحسن من هذا، ألا ترى أن المثلين إذا كانا في كلمة نحو: يردّ ويعضّ، لا يكون فيهما إلا الإدغام؟ ولو كانا منفصلين نحو: يد داود لكنت في الإدغام والبيان بالخيار. فعلى هذا تحقيق

стр. 323

الهمزتين في (أأنذرتهم) وما أشبهه أبعد منه في الكلمتين المنفصلتين. وممّا يقوّي ترك الجمع بين الهمزتين «١» أنّهم قد قالوا في جمع ذؤابة: ذوائب، فأبدلوا من الهمزة التي هي عين واوا في التكسير كراهة للهمزتين «٢» مع فصل حرف بينهما. فإذا كرهوهما مع فصل حرف بينهما حتى أبدلوا الأولى منهما فأن يكرهوهما مجتمعتين غير مفصول بينهما بشيء «٣» أجدر. وإذا كان الجمع بينهما في: (أأنذرتهم) من البعد ما أريتك فالجمع بينهما في أئمة أبعد، لأنّ الهمزتين لا تفارقان الكلمة، وهمزة الاستفهام قد تسقط في الإخبار وغيره. فكلّما كانتا أشد لزوما للكلمة كان التحقيق منهما «٤» أبعد. وممّا يدلّ على ضعف جمع الهمزتين وأن مذهب الجمهور من العرب رفضه عزّتها في باب أجأ «٥» وآءة «٦» وإنّما قلّ ذلك من حيث لم يستجيزوا اجتماع الهمزتين فأجروا نحو أجأ ذلك المجرى، لمّا كان الفصل بحرف واحد قد جرى في كلامهم مجرى غير الفصل. وذلك نحو قولهم «٧» هو ابن عمي دنيا وقنية وعلية وعليان، وهما من علوت. وكذلك رفضوا افعل من حيث رفضوا فعل، وإن كان الفصل في افعل قد وقع بالحرف، فلما لم يعتد بالحرف الفاصل وقلبت الكسرة الواو

стр. 324

ياء، كما قلبته في ثيرة وسياط، ولم يكن بالفصل اعتداد، كذلك لم يكن الفصل بالحرف في نحو أجأ فصلا، فرفض ذلك كما رفض التحقيق في جاء ونحوه. فأمّا تحرك الجيم في أجأ «١» وسكون الحرف في دنيا فإن الحركة في هذا النحو قد لا يعتدّ بها لقلّتها، ألا ترى استجازتهم لحذفها في الزحاف؟. ومثل دنيا في أن الحرف الفاصل لم يعتدّ به قولهم: معديّ في معدوّ، ومرضيّ ومسنيّة. «٢» ومثله: صيّم وقيّل. ونحو ذلك، ومثله: قائل وبائع، جعل الحرفان كأنّهما وقعا طرفا حيث كان الفاصل بينهما وبين الطرف حرفا. «٣» ومثله: أوليّاء «٤» أوقعت الألف التي آخرا قبل الآخر بحرف لمّا كان الفاصل بينه وبين الطرف حرفا واحدا. ومثله: أوائل وعيائل، ولو كان الفاصل حرفين كطواويس لم يعلّ. «٥» فكما أنّ الحرف المفرد في هذه المواضع لم يفصل، كذلك في باب أجأ لم يفصل، فقلّ ذلك لمّا كان الحرف المفرد في هذه المواضع غير معتدّ به. وإذا لم يعتدّ به صارت الهمزتان كأنّهما قد التقيا، «٦» والتقاؤهما ممّا قد رفضوه، فكذلك رفضوا ما كان في حكم التقائهما.

стр. 325

فإن قلت: إن سيبويه قد ذهب في ألاءة «١» وأشاءة «٢» ونحوهما إلى أن اللام يجوز أن تكون همزة، وقد جاء من ذلك حروف. قيل: لم يكن هذا مثل أجأ، للفصل بالزيادة، ألا ترى أنّ الفاصل الذي لم يعتدّ «٣» في أوائل لمّا انضم إليه حرف آخر في طواويس اعتدّ به فصلا، وإن كان زائدا فلم يعلّ الحرف، فكذلك الفصل هاهنا «٤» لمّا وقع بالزيادة لم يمتنع الحكم عنده بأن اللام همزة، كما امتنع حيث كان الفصل حرفا واحدا. وقد وجدت الزيادة تسوّغ في تألف الحروف ما لولا مكانها لم يسغ. ألا ترى أنّه ليس مثل قنر «٥» بلا فاصل بين النون والراء وقد قالوا: شنّير «٦» وقالوا: الشّنار، وقالوا: سنّور «٧» وسنوّر «٨» فائتلف لفصل الزيادة ما لم يكن يأتلف لولا فصلها؟ فكذلك فصل الزيادة بين الهمزتين في ألاءة وأشاءة فيما ذهب إليه. وجاء ذلك في طأطأ «٩» ونأنأ «١٠» ودأدأ «١١» للفصل الواقع بينهما، ولأنّ ما يعرض في الثلاثة «١٢» من كثرة التصرّف لا يعرض في هذا الباب.

стр. 326

واعلم أن قول سيبويه: ليس من كلام العرب أن تلتقي همزتان فتحقّقا، وقوله في باب الإدغام: «١» إن ابن أبي إسحاق وناسا معه يحقّقون الهمزتين وقد تكلّم ببعضه العرب وهو رديء، ليس على التدافع ولكن لأنّه لم يعتدّ بالرديء، أو يكون لم يعتد بالتقاء المحقّقتين لقلّة ذلك بالإضافة إلى ما خفّف إذا اجتمعا. وقد عمل ذلك في أشياء نحو انقحل «٢» فعلى هذا يحمل ذلك أيضا من قوله. قالوا: فلمّا رأيناهم قد رفضوا اجتماع الهمزتين في هذه المواضع، لم نجمع بينهما وخفّفنا الثانية، لأنّ في تخفيفها تقريبا من الألف، ألا ترى أنّ الهمزة إذا كانت مبتدأة لم تخفف لأنّ في تخفيفها تقريبا من الساكن؟ فكما أن الساكن لا يبتدأ به كذلك ما قرب من الساكن. فكما جرت مجرى الساكن في تقريبهم إيّاها منه، كذلك تجرى مجراه إذا خففنا الثانية، فتصير بعد الأولى كالألف بعدها. فكما لم تكره الألف بعدها في نحو أادم وأاخر، كذلك المخفّفة بعدها في: «٣» (أانذرتهم) لا تكره بعدها، كما تكره إذا حقّقت لما أرينا، مما دلّ على رفض العرب الجمع بينهما محقّقتين. وحجة من فصل بين الهمزتين بألف وخفّف الهمزة الثانية

стр. 327

مع الفصل بينهما بالألف. وهو الثّبت عن أبي عمرو عندنا، لأن سيبويه زعم أن ذلك هو الذي يختاره أبو عمرو. وقد قال أحمد بن موسى: «١» إن خلفا «٢» روى عن أبي زيد ذلك في اختلاف الهمزتين، نحو (آينّكم) و (آنزل) «٣» أنّه بألف بين الهمزتين وتليين الثانية ولم يفصل سيبويه في حكايته عن أبي عمرو بين المتفقتين والمختلفتين، ألا ترى أنّه قال: وأما أهل الحجاز فمنهم من يقول آئنك وآأنت «٤» [المائدة/ ١١٦]، ثم قال: وهي التي يختار أبو عمرو، «٥» فلم يفصل بينهما. وسيبويه وأبو زيد أضبط لمثل هذا من غيرهما. من حجّته أن يقول: إنّي أدخلت الألف بينهما وإن جعلت الثاني بين بين، لأنّها إذا كانت على هذه الصفة فهي في حكم المتحرك، «٦» وتخفيفي إياها بأن جعلتها بين الألف والهمزة ليس يخرجها عن أن تكون همزة متحركة، وإن كان الصوت بها أضعف، ألا ترى أنّها إذا كانت مخفّفة في الوزن مثلها إذا كانت محققة؟ ولولا ذلك لم يتّزن قوله:

стр. 328

أأن رأت رجلا أعشى «١» لأنّه كان يجتمع فيه ساكنان وكذلك قول الآخر: كل غراء إذا ما برزت «٢» ويدلّ على أنّ المخفّفة من الهمزتين في حكم المحقّقة عند العرب أنّهم أبدلوا الهمزة الثانية إبدالا في المواضع التي اجتمعت فيها همزتان في كلمة واحدة ولم يخفّفوا الثانية. وذلك نحو: آدم، وجاء، وخطايا. ألا ترى أن آدم لو كان قلبها فيه على حدّ القلب في رأس وفأس ورأي لكنت إذا «٣» كسّرته رددت الهمزة في التكسير، كما أنّك لو كسّرت فاسا وراسا ورايا لقلت: أرؤس وأرآء. فلو كنت في راي إذا خفّفت إنّما خففت على حد التخفيف في آدم لقلبت الهمزة في التكسير ياء أو واوا، فقلت: أرواء أو أرياء، ولكنت تقول إذا جمعت رايا على فعول رييّ فتقلبها ياء، كما قلبوها في أيمّة ياء لمّا تحركت

стр. 329

بالكسر، ألا ترى أنّك إذا قلبتها في ذئب وبئر ياء للكسرة التي قبلها، فكذلك تقلبها ياء في أيمّة للكسرة التي عليها. وقال أبو زيد في جمع رأي أرآء ورئيّ بتحقيق الهمز فيهما وأنشد غيره: ولا يشارك في أرآئه أحدا «١» وقال الراعي في جمع نؤي: وأنآء حيّ تحت عين مطيرة ... عظام القباب ينزلون الروابيا «٢» وكذلك الهمزة في رأيت جائيا لم تقلبها كما تقلبها في تخفيف المئر «٣» إذا قلت: مير، وإن اتفق اللفظتان كما اتفق اللفظ في بريّة وخطيّة، وإن كان بريّة قلبها للإبدال غير التخفيف، وقلب خطيّة للتخفيف، كما كان لفظها في رال «٤» وباس إذا خففت كلفظها في آدم، فكذلك قولك: رأيت جائيا وشائيا وسائيا ونائيا، لا يكون القلب فيه على حدّ مير «٥» وذيب. «٦» ولو كان كذلك لجعلتها بين بين إذا قلت مررت بجاء، «٧» كما أنّك لو قلت: مررت برجل جئز «٨» لجعلتها بين

стр. 330

بين، وجعلتها كذلك في موضع الرفع إذا قلت: هذا جاء في قول سيبويه «١» الذي زعم أنّه قول العرب، والخليل، وقلبتها ياء في قول أبي الحسن، فقلت: جائي، فتحرّك الياء بالضمّ ولا تحذفها. فلمّا لم يكن على واحد من هذين الأمرين علمت أنّهم قلبوها قلبا. فلمّا لم يخفّفوا الهمزة في هذه المواضع التي ألزمت القلب فيها لاجتماع الهمزتين، ولكن قلبوها قلبا، علمنا أن المخفّفة التخفيف القياسي في حكم المحقّقة عندهم إذ «٢» رفضوا المخفّفة التي بين بين في المواضع التي أرينا، مع المحقّقة، كما رفضوا المحقّقتين. فإذا رفضوها رفضها لم يجز أن يجتمعا، كما لم يجز أن يجتمع المحقّقتان، وإذا لم يجز اجتماعهما مخفّفة الآخر منهما كما لم يجز اجتماعهما محقّقتين في (أأنذرتهم) لزم ألّا يجمع بينهما، ولا سبيل إلى ترك الجمع بينهما إلّا بأن تحذف إحداهما أو تقلب أو يفصل بينهما بالحاجز الذي هو الألف. فلما لم يجز الحذف في واحد منهما ولا القلب لأنّه ليس من المواضع التي تقلب فيها الهمزة، ثبت وجوب الفصل بينهما بالألف، ووجب إلزام الفصل بينهما بها، إذ كان الجميع قد ألزموا الفصل بها بين الأمثال في قولهم: اخشينانّ، مع أن هذه الأمثال قد جمعوا بينهن في «٣» ردّد وشدّد وقضّض، وما أشبه ذلك.

стр. 331

فإذا ألزموا الفصل بها بين الأمثال التي لم يرفضوا الجمع بينها في نحو: ما ذكرنا فأن يلزموا الفصل بها بين ما رفضوا الجمع بينه من الهمزتين والهمزات أولى. وإذا كان كذلك ثبت أن أولى هذه الوجوه وأصحّها في مقاييس العربية الفصل بينهما بالألف. وإذا «١» لزم الفصل ففصل خفّف الثانية على لغة أهل الحجاز، كما خفّفوها في نحو: هباءة وقراءة، ألا ترى أن الألف التي للفصل بمنزلة التي في هباءة، وأنّهم خفّفوا الهمزة المفتوحة بعدها، كما خفّفوا المكسورة والمضمومة بعدها في نحو المسائل وهذا جزاء زيد؟ وما رواه أبو زيد وسيبويه والعباس «٢» بن الفضل عن أبي عمرو من إلحاق الألف للفصل بين الهمزتين المختلفة حركتاهما، نحو: آأنزل وآألقى، كإلحاقه إياها بين الهمزتين المتّفقة حركتاهما؛ نحو (آأنذرتهم) أثبت في القياس من رواية من حكى عنه الفصل، ألا ترى أن هذه الألف إنما فصل بها كراهة لاجتماع الهمزتين، وأنّ الحركة الفاصلة بينهما، وهي حركة الهمزة الأولى سواء كان فتحة أو ضمة أو كسرة. فأمّا حركة الهمزة الثانية فبعد التقاء الهمزتين. فإذا كان كذلك فلا فصل بين (أَأَنْذَرْتَهُمْ) وأَ أُلْقِيَ الذِّكْرُ [القمر/ ٢٥] وأَ إِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ [الأنعام/ ١٩] من طريق القياس. وإذا اختلفت الرواية وكان أحد الفريقين أضبط، وعضد الضبط والثبت القياس، وموافقة الأشباه، كان الأخذ بما جمع

стр. 332

هذين الوصفين أولى وأرجح. وما روي عن أبي عمرو من قوله: (آأنذرتهم) إنّما هو عندنا على الاستئناف «١» دون الدرج. ولو أدرج القراءة فقال: (سواء عليهم أأنذرتهم) لوجب في قياس قول أبي عمرو الذي حكاه عنه سيبويه أن يحذف الهمزة الأولى من (أأنذرتهم) لسكون ما قبلها، ويلقي حركتها على الميم، فإذا فعل ذلك لزم أن يحذف الألف التي كانت مجتلبة للفصل، ويخفّف الثانية، كما كان خفّفها وقد فصل بينها وبين الأولى بالألف، فيجعلها بين بين فيقول: (عليهم أأنذرتهم). وكذلك قياس قوله في: (أَإِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ) «٢» أن يقول: قل أإنكم لتشهدون «٣» [الأنعام/ ١٩] ألا ترى أنّك لو حذفت النون الأولى «٤» من اخشينانّ فقلت: اخشينّ يا هذه أو اخشينّ يا هذا لحذفت «٥» الألف، لزوال ما أردت الفصل بها «٦» بين النونات؟ فإن قلت: فكيف يستقيم له أن يحذف حرفا قد كان أثبته، فإنّ ذلك لا يمتنع فيما يلزم من حكم الوصل والوقف، ألا ترى أنّك إذا وصلت قوله فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمانَتَهُ «٧» قلت: (فليؤد الذيتمن أمانته)؟ وإن شئت همزت فحذفت الياء من الذي وهمزة الوصل، وقلبت الواو التي كانت في قولك:

стр. 333

اؤتمن «١» ياء أو همزة فهذا أكثر في التغيّر مما ذكرت لك من حذف الألف المجتلبة للفصل ولا خلاف في ذلك بين الناس، فكذلك حكم حذف الألف المجتلبة للفصل بين النونات إذا وصلت الهمزة الأولى بما قبلها من الساكن. بسم الله «٢» [البقرة: ٧] قوله ﵎: «٣» غِشاوَةٌ في سورة البقرة. [الآية/ ٧] قرءوا كلهم رفعا، إلّا أنّ المفضل الضبيّ روى عن عاصم (وعلى أبصارهم غشاوة) بالنصب «٤». قال أبو علي: قالوا: ختم على كذا يختم، قال تعالى: «٥» فَإِنْ يَشَإِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلى قَلْبِكَ [الشورى/ ٢٤] وقال: الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلى أَفْواهِهِمْ [يس/ ٦٥] والمصدر الختم. وقالوا طبع عليه بمعنى ختم عليه. وقد قالوا: طبعه فعدّي بلا حرف. ولا يمتنع ذلك في القياس في ختم، قال: كأنّ قرادي زوره طبعتهما ... بطين من الجولان كتّاب أعجما «٦» وقد روي عن الحسن في قوله تعالى:

стр. 334

مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ خِتامُهُ مِسْكٌ [المطففين/ ٢٥]. أنّه قال مقطعه مسك. وأظنّ «١» أبا عبيدة «٢» اعتبر ما روي عن الحسن في تفسير الآية، «٣» لأنّه قال في قوله: يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ: له ختام، أي: عاقبة ختامه مسك، أي: عاقبته، وأنشد لابن مقبل: مما يفتّق في الحانوت ناطفها ... بالفلفل الجون والرمان مختوم «٤» فتأوّل الختام على العاقبة ليس على الختم الذي هو الطبع. وهذا قول الحسن: مقطعه مسك. ولا يستقيم أن يتأوّل المختوم في الآية في صفة الرحيق على معنى الختم الذي هو الطبع لقوله: وَأَنْهارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ [محمد/ ١٥] وقال: يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ بِأَكْوابٍ وَأَبارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ [الواقعة/ ١٧] وقال: «٥» يُطافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ بَيْضاءَ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ [الصافات/ ٤٦] فقوله: (بيضاء) مثل قوله: قواريرا قواريرا من فضة [الإنسان/ ١٥ - ١٦] أي: قوارير كأنّها في بياضها من

стр. 335

فضة. فهذا على التشبيه لا على أن القوارير من فضة قال: حلبانة ركبانة صفوف ... تخلط بين وبر وصوف «١» أي: كأن يديها في إسراعها في السير يدا خالطة وبرا بصوف، فالمعنى على التشبيه وإن لم يذكر حرفه. وقال: «٢» فهنّ إضاء صافيات الغلائل «٣» ومثل قوله تعالى: «٤» خِتامُهُ مِسْكٌ [المطففين/ ٢٦] قوله تعالى: كانَ مِزاجُها كافُوراً [الإنسان/ ٥] المعنى فيها أنّها في طيب الرائحة وسطوعها، وأرجها كأرج المسك والكافور.

стр. 336

فأمّا قوله: كانَ مِزاجُها زَنْجَبِيلًا [الإنسان/ ١٧] فإنّه يدلّ على لذاذة المطعم، لأنّ الزنجبيل يحذي «١» اللسان. وزعموا: أنّ ذلك من أجود الأوصاف للخمر عند العرب، قال الأعشى: معتقة قهوة مزّة «٢» ومثل تشبيهها بالزنجبيل في الآية للذاذة المطعم قوله: كأن القرنفل والزنجبي ... ل باتا بفيها وأريا مشورا «٣» فهذا يريد به طيب الطعم، لذكره مع ما يطعم، ويدلّ على أنّهم يقصدون ما يحذي اللسان بالوصف بطيب الطعم قول ابن مقبل: ........ ناطفها ... بالفلفل الجون والرّمان مختوم «٤» فأمّا قوله تعالى: «٥» وَلكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخاتَمَ النَّبِيِّينَ «٦» [الأحزاب/ ٤٠] فخاتم اسم فاعل من ختمهم أي صار آخرهم. والأحسن أن تجعله اسم فاعل ماض ليكون معرفة، لأن قبله

стр. 337

معرفة، وحكم المعطوف أن يكون مشاكلا للمعطوف عليه. وقد يجوز أن ينوى بالانفصال، وإن كان ذلك فيما مضى، على أن يحكى الحال التي كان عليها، وإن كانت القصّة فيما مضى؛ كقوله تعالى: وَكَلْبُهُمْ باسِطٌ ذِراعَيْهِ بِالْوَصِيدِ [الكهف/ ١٨] فحكى ما كان. وروي أن الحسن قرأ: (وخاتم النبيين) كأنّه جعل النبي ﷺ «١» هو الذي ختم به. فأمّا قول الشاعر: إذا فضّت خواتمها وفكّت ... يقال لها دم الودج الذبيح «٢» فليس تخلو الخواتم من أحد أمرين، إما أن تكون جمع الخاتم الملبوس، أو تكون جمع المصدر. فإن كان جمع الملبوس فقد حذف المضاف من الكلام، والتقدير: إذا فض ختم خواتمها، وأضيفت الخواتم إليها لما كان من الختم عليها بها، ولحقت علامة التأنيث لأنّ القصد، وإن كان للختم في المعنى، فقد جرى في اللفظ على الخواتم، فلحقت العلامة لذلك. وإن كان جمع المصدر فليس يخلو من أن يكون للختم أو للختام. فإن كان جمعا للختام كان بمنزلة قولهم للجزاء الجوازي، قال الحطيئة:

стр. 338

من يفعل الخير لا يعدم جوازيه ... لا يذهب العرف بين الله والناس «١» وقالوا في جمع اليعار: اليواعر قال: لها بين جرس الراعيين يواعر «٢» وفي جمع الدخان: الدواخن، فكذلك تكون الخواتم إذا كان جمع الختام. وإن كان جمع ختم فقد قالوا: حرّة وحرائر، وكنّة «٣» وكنائن. وقالوا: مشابه في جمع شبه، وملامح في جمع لمحة. فجمع ختم على خواتم أسهل، لأن فواعل إنما هو جمع فاعل، وفاعل قد جاء في المصادر، مثل العاقبة والعافية وما باليت به بالة «٤»، والفالج، وفي حروف أخر. فإن كان الخواتم جمع المصدر كان الكلام على ظاهره، وكان المفضوض هو الخواتم أنفسها، من حيث كان جمع ختم، لا المضاف المحذوف.

стр. 339

فأمّا قوله: «١» يقال لها دم الودج الذبيح فوصف الدم بالذبيح، فليس يريد بالذبيح المذبوح الذي تفرى أوداجه وينهر دمه، وإنما أراد بالذبيح: المذبوح، أي المشقوق، كما قال: نام الخليّ وبتّ الليل مشتجرا ... كأنّ عينيّ فيها الصّاب مذبوح «٢» أي: مشقوق. وكذلك قول الآخر: فارة مسك ذبحت في سكّ «٣» أي: شقّت وقالوا: أخذه الذّباح، وهو- فيما زعموا- تشقّق يكون في أظفار الأحداث أو أصابعهم. فالذبح: الشقّ. وقيل لما يذكي الذبيحة: ذبح، لأنّه ضرب من الشقّ، فقالوا:

стр. 340

ذبحت الشاة. وذبحت البقرة. وقالوا في الإبل: نحرت، لمّا كانت توجأ في نحورها. فوصف الدم بأنّه ذبيح، والمعنى أن الدم مذبوح له، كما أن قوله: بِدَمٍ كَذِبٍ [يوسف/ ١٨] معناه: مكذوب فيه، وليل نائم أي: ينام فيه، وكذلك نهار صائم. فأمّا «١» قول الفرزدق: فبتن بجانبيّ مصرّعات ... وبتّ أفض أغلاق الختام «٢» فكأنه من المقلوب، أي: أفض ختام الأغلاق، ألا ترى أنّ الأغلاق والأقفال المختوم عليها إنّما يفضّ الختم الذي عليها، والفضّ إنّما هو تفريق أجزاء الختم، وتفريق غيره، وفي التنزيل: حَتَّى يَنْفَضُّوا [المنافقون/ ٧] أي يتفرقوا فيبقى رسول الله ﷺ «٣» بلا أنصار ولا أتباع. والختام في بيت الفرزدق لا يخلو من أن يكون واحدا أو جمعا. فأمّا الذي «٤» في الآية فقد تأوله أبو عبيدة على أنه واحد. فإن قلت: إنه في البيت جمع ختم، لأن لكل غلق ختما فجمع الختم، فهو قول، لأن المصادر قد تجمع، كقوله:

стр. 341

هل من حلوم لأقوام فتنذرهم «١» وتقول «٢» إن الختام الذي تأوله أبو عبيدة على أنه مفرد إنّما هو في خاتمة الشيء الذي هو آخره وخلاف فاتحته، والختم الذي يعني به الطبع معنى غيره، فليس يلزم إذا أفرد ذاك أن يفرد هذا أيضا. وقال الأعشى: وتترك أموال عليها الخواتم «٣» هو على ضربين «٤» يجوز «٥» أن يكون «٦» عليها نقش الخواتم فحذف، ويمكن «٧» أن يكون جمع ختما «٨» على الخواتم، كما جمع الهجر على الهواجر وقال: مقيم على قول الخنا والهواجر «٩»

стр. 342

وأما الغشاوة فلم أسمع منه فعلا مصرّفا بالواو. فإذا لم نعلم منه ذلك وكان معناها معنى ما اللام منه الياء من غشي يغشى بدلالة قولهم: الغشيان. ومعناه ما غطّى الشيء وعلاه فغمره وستره، كقوله تعالى، «١» فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ ما غَشِيَهُمْ [طه/ ٧٨] وإِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعاسَ «٢» [الأنفال/ ١١] ووَ اسْتَغْشَوْا ثِيابَهُمْ [نوح/ ٧] والْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوى، فَغَشَّاها ما غَشَّى [النجم/ ٥٣، ٥٤]. وقال الأعشى: وولّى عمير وهو كاب كأنّما ... يطلّى بورس أو يغشّى بعظلم «٣» فالغشاوة من الغشيان كالجباوة من جبيت في أنّ الواو كأنّها بدل من الياء، إذ «٤» لم يصرّف منه فعل، كما لم يصرّف من الجباوة.

стр. 343

قال سيبويه قالوا: غشيته غشيانا كالحرمان. وإن شئت قلت: إن غشي يغشى مثل رضي يرضى، ولام الكلمة الواو بدلالة غشاوة وغشوة. ويكون الغشيان كعليان ودنيا ونحو ذلك. وقوله تعالى: وَعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ [البقرة/ ٧] في المعنى مثل: صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ [البقرة/ ١٨] وكذلك قوله تعالى: صُمٌّ وَبُكْمٌ فِي الظُّلُماتِ [الأنعام/ ٣٩] لأنّ وصف البصر بالكون في الظلمات بمنزلة الوصف بالعمى. وكذلك، وصفه بكون الغشاوة عليه، لأنّه في هذه الأحوال كلّها لا يصحّ به إبصار. فقوله: «١» في الظلمات متعلق بمحذوف. وروي لنا عن الكسائي: غشاوة وغشاوة وغشاوة، وعن غيره. ويذهب قوم من المتأوّلين إلى أنّ معنى: خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ [البقرة/ ٧] ختم عليها بأن طبع عليها ووسمها سمة تدل على أن فيها الكفر، ليعرفهم من يشاهدهم من الملائكة بهذه السمة، ويفرقوا بينهم وبين المؤمنين الذين في قلوبهم الشّرح والطمأنينة اللذان وصفوا بهما في قوله تعالى: أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ «٢» [الزمر/ ٢٢]. وقوله: الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ [الرعد/ ٢٨]. والختم والطبع واحد، وهما سمة وعلامة في قلب المطبوع على قلبه. وكما ختم على قلب الكافر وطبع فوسم بسمة تعرف بها الملائكة كفره كذلك وسم قلوب المؤمنين

стр. 344

بسمات تعرفهم الملائكة بها كما عرفوا بها الكافر. ومن ثمّ قال بعض المتأوّلين في قوله تعالى: «١» وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنا [الكهف/ ٢٨] أي: لم نسم قلبه بما نسم به قلوب الذاكرين لله، لأنّ الله تعالى وسم قلوب الذاكرين «٢» بسمات تبيّن لمن شاهدها من الملائكة أنّهم مؤمنون، كما قال: «٣» أُولئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمانَ [المجادلة/ ٢٢] أي علامته، فإذا لم يسمهم بهذه السّمة فقد أغفلهم. ومثل ما تأولوا في هذا من أنّه علامة يعرف بها الكافر من المؤمن مناولة الكتاب باليمين وبالشّمال، في أنّ المناولة باليمين علامة أن المناول باليمين من أهل الجنة، والمناول بالشّمال من أهل النار. وقوله: بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْها بِكُفْرِهِمْ [النساء/ ١٥٥] يحتمل أمرين أي طبع عليها وختم جزاء للكفر وعقوبة عليه، كقوله: نزائع مقذوفا على سرواتها ... بما لم تخالسها الغزاة وتركب «٤» وكقولهم: «بما لا أخشى بالذئب» «٥» فيمكن «٦» أن يكون

стр. 345

قوله: بل طبع الله عليها بكفرهم، أي طبع عليها بعلامة كفرهم، كما تقول: طبع عليه بالطين، وختم عليه بالشمع. ويجوز أن يكون قوله تعالى: «١» خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَعَلى سَمْعِهِمْ وَعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ [البقرة/ ٧] وصفا للذي ذمّ بهذا الكلام بأن قلبه ضاق عن قبول الحكمة والإسلام والاستدلال على توحيد الله تعالى وقبول شرائع أنبيائه ﵈ «٢» فلم ينشرح له ولم يتّسع لقبوله، فهو خلاف من ذكر في قوله تعالى: أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ فَهُوَ عَلى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ [الزمر/ ٢٢]. ومثل ذلك قوله تعالى: أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلى قُلُوبٍ أَقْفالُها [محمد/ ٢٤] ومثله: وَقالُوا قُلُوبُنا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونا إِلَيْهِ وَفِي آذانِنا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنا وَبَيْنِكَ حِجابٌ [فصلت/ ٥] ومن ذلك قوله: «٣» وَقالُوا قُلُوبُنا غُلْفٌ [البقرة/ ٨٨] إنّما هو جمع أغلف، أي في غلاف كقوله: قُلُوبُنا فِي أَكِنَّةٍ، وَلَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ [الأعراف/ ١٧٩] ويقوّي ذلك أن المطبوع على قلبه وصف بقلة الفهم بما يسمع من أجل الطبع، فقال: بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْها بِكُفْرِهِمْ فَلا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا [النساء/ ١٥٥] وقال: وَطُبِعَ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَفْقَهُونَ [التوبة/ ٨٧]. ومما يبيّن ذلك قوله تعالى: قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصارَكُمْ وَخَتَمَ عَلى قُلُوبِكُمْ [الأنعام/ ٤٦] فعدل الختم على

стр. 346

القلوب بأخذه السمع والبصر، فدلّ هذا على أنّ الختم على القلب هو أن يصير على وصف لا ينتفع به فيما يحتاج فيه إليه، كما لا ينتفع بالسمع والبصر مع أخذهما، وإنّما يكون ضيقه بألّا يتّسع لما يحتاج إليه من النظر والاستدلال الفاصل بين الحقّ والباطل. ومن ذلك قوله تعالى: «١» وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّما يَصَّعَّدُ فِي السَّماءِ [الأنعام/ ١٢٥] فهذا كلام كالمثل، أي: من يستحقّ الإضلال عن الثواب يجعل صدره ضيّقا في نهاية الضيق لما كان القلب محلا للعلوم والاعتقادات بدلالة قوله تعالى: لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها [الأعراف/ ١٧٩] [فوصفه] «٢» بالضيق وأنّه على خلاف الشرح والانفساح دلّ «٣» أنّه لا يعي علما ولا يستدلّ على ما أريد له ودعي إليه، كما وصف الجبان بأنّه لا قلب له، لمّا أريد به المبالغة في وصفه بالجبن، لأنّ الشجاعة محلها القلب، فإذا لم يكن القلب الذي يكون محلّ الشجاعة لو كانت فألّا تكون الشجاعة أولى. ومن ثمّ قالوا في النعامة: «٤» جؤجؤه هواء، أي ذو هواء، فهو فارغ من القلب، فهذا كما وصفوها بالشّراد لجبنها فقال:

стр. 347

وأشرد بالوقيط «١» من النّعام وقال: «٢» أسد عليّ وفي الحروب نعامة ... ربداء تجفل من صفير الصافر «٣» وقال: فالهبيت لا فؤاد له ... والثّبيت ثبته فهمه «٤» وأنشد أبو زيد: لقد أعجبتموني من جسوم ... وأسلحة ولكن لا فؤادا «٥»

стр. 348

وقال: حار بن كعب ألا أحلام تزجركم ... عنّا وأنتم من الجوف الجماخير «١» وأنشد أبو زيد: ولا وقّافة والخيل تردي ... ولا خال كأنبوب اليراع «٢» وقال الراعي: وغدوا بصكهم وأحدب أسأرت ... منه السياط يراعة إجفيلا «٣»

стр. 349

فكما وصف الجبان بأنّه لا قلب له، وأنّه مجوّف وأنّه يراعة، لأنّه إذا كان كذلك بعد من الشجاعة، ومن الفهم لعدمه القلب، كذلك وصف من بعد عن قبول الإسلام بعد الدعاء إليه وإقامة الحجّة عليه بأنّه مطبوع على قلبه، وضيّق صدره، وقلبه في كنان، وفي غلاف. قال أبو زيد: قالوا: رجل مفئود للجبان، وخلاف ما ذكره أبو زيد: رجل مشيّع للشجاع. فهذا إمّا أن يكون أريد «١»: يشيّع «٢» قلبه، أي: ليس بمصاب في فؤاده، وإمّا أن يكون معه من نفسه شيعة يثبّتونه. وأمّا قوله تعالى: كَأَنَّما يَصَّعَّدُ فِي السَّماءِ [الأنعام/ ١٢٥] فالمعنى: أن هذا الضيّق الصدر عن الإسلام نهاية الضيق إذا دعي إلى الإسلام، من ضيق صدره منه ونفوره عنه، وعن استماع الحكمة، كأنّه يراد على ما لا يقدر عليه من مصعد في السماء، أو حمل على ما يشبهه من «٣» الامتناع. وروي عن ابن مسعود «٤» أنّه سأل رسول الله ﷺ : «هل

стр. 350

ينشرح الصدر؟ «١» قال: «٢» نعم، يدخل القلب النور. فقال ابن مسعود: وهل لذلك علامة؟ قال: نعم. التجافي عن دار الغرور، والإنابة إلى دار الخلود، والاستعداد للموت قبل الموت» «٣» فقول «٤» رسول الله ﷺ لابن مسعود: يدخله النور كما في الآية من قوله تعالى: أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ فَهُوَ عَلى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ [الزمر/ ٢٢]. وقد روي عن سعيد بن جبير «٥» عن ابن عباس «٦» في قوله تعالى: «٧» اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ [النور/ ٣٥] قال: مثل نوره الذي أعطاه المؤمن كمشكاة، والمشكاة كوّة فيها مصباح. وقوله: نُورٌ عَلى نُورٍ [النور/ ٣٥]

стр. 351

قال: مثل قلب المؤمن نور على نور يشرح «١» صدره للإسلام. وقال أبو الحسن: خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ لأنّ ذلك كان لعصيانهم الله تعالى «٢»، فجاز ذلك اللفظ، كما يقال: أهلكته فلانة إذا أعجب بها وهي لا تفعل به شيئا، لأنّه هلك في اتباعها، أو يكون ختم: حكم أنّها مختوم عليها. وكذلك فَزادَهُمُ اللَّهُ مَرَضاً [البقرة/ ١٠] على ذا «٣» التفسير والله أعلم. الإعراب حجّة من رفع فقال: وعلى أبصارهم غشاوة: أنّه رأى الغشاوة لم تحمل على (ختم) ألا ترى أنّه قد جاء في الأخرى: وَخَتَمَ عَلى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلى بَصَرِهِ غِشاوَةً [الجاثية/ ٢٣] فكما لم تحمل في هذه على (ختم) كذلك لا تحمل في هذه التي في مسألتنا. فإذا لم يحملها على (ختم) قطعها عنه، وإذا قطعها عن (ختم) كانت مرفوعة إمّا بالظرف، وإمّا بالابتداء. وأمّا إذا نصب فلا يخلو في نصبها من أن يحملها على (ختم) هذا الظاهر، أو على فعل آخر غيره. فإن قال: أحملها على الظاهر كأني قلت: وختم على قلبه غشاوة، أي بغشاوة، فلمّا حذف الحرف وصل الفعل، ومعنى: ختم عليه بغشاوة مثل: جعل على بصره غشاوة، ألا ترى أنّه إذا ختمها بالغشاوة فقد جعلها فيها. واستدلّ على جواز حمل غشاوة على (ختم) هذا الظاهر، بقوله تعالى: «٤»

стр. 352

أُولئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصارِهِمْ [النحل/ ١٠٨] فقال: طبع في المعنى كختم، وقد حملت الأبصار على (طبع) فكذلك تحمل على ختم. قيل: لا يحسن ذلك، لأنّك تفصل بين حرف العطف والمعطوف به، وهذا عندنا إنّما يجوز في الشعر، ولا يختلفون أنّ ذلك في المعطوف «١» على المجرور قبيح، والمنصوب والمرفوع بمنزلته في القياس، ألا ترى أنّ حرف العطف في المجرور ليس هو الجارّ، إنّما هو يشرك فيه، وكذلك في المرفوع والمنصوب ليس هو الرافع ولا الناصب، إنّما يشرك فيهما. فإنّما قبح الفصل فيهما لأنّ ما يقوم مقامهما لا يتّسع فيه الاتساع الذي في الأصل، ألا ترى أنهم لم يتّسعوا في إنّ وأخواتها اتساعهم في الفعل، ولم يتّسع في الظروف، ولا في الأسماء المسمّى بها الأفعال اتساعهم في الفعل، ولا في الصفات المشبّهة بأسماء الفاعلين اتّساعهم في أسماء الفاعلين، ولا في عشرين اتّساعهم في ضاربين وحسنين، فكذلك لا يتّسع في حرف العطف الذي يشرك فيما يعطف عليه اتّساعهم في نفس المعطوف عليه. وقد ذهب إلى التسوية بين الجارّ وبين الناصب والرافع في العطف الكسائيّ والفراء. وقد جاء هذا الفصل في الشعر، أنشد أبو زيد: «٢»

стр. 353

أتعرف أم لا رسم دار معطّلا ... من العام تغشاه ومن عام أوّلا قطار وتارات خريق كأنّها ... مضلّة بوّ في رعيل تعجّلا وقال: ... وآونة أثالا «١» فإن قال: لا أعطفه على هذا الفعل الظاهر الذي هو (ختم) ولكني أحمله على فعل أضمره، فأضمر: وجعل، ويكون ذلك بمنزلة الظاهر لدلالة ما تقدم عليه فإن هذا أيضا ليس بالسهل ألا ترى أن مثل: متقلدا سيفا ورمحا «٢»

стр. 354

و: شرّاب ألبان وتمر وأقط «١» و: علفتها تبنا وماء باردا «٢» لا تكاد تجده في حال سعة واختيار فإذا كان النصب تعترض فيه هذه الأشياء فلا نظر في أن الرفع أحسن والقراءة به أولى، وتكون الواو عاطفة جملة على جملة. [البقرة: ٩] بسم الله «٣» اختلفوا في ضم الياء وفتحها وإدخال الألف في قوله جلّ وعزّ: «٤» يُخادِعُونَ [البقرة/ ٩]. فقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو (يخادعون ... وما يخادعون) بالألف فيهما.

стр. 355

وقرأ عاصم وابن عامر وحمزة والكسائيّ (يخادعون ... وما يخدعون) بفتح الياء بغير ألف. قال أبو علي: قال أبو زيد: «١» خدعت الرجل أخدعه خدعا، الخاء كسر، وخديعة. قال: وقالوا: «إنك لأخدع من ضبّ حرشته». «٢». وقال أبو زيد أيضا يقال: «لأنا أخدع من ضبّ حرشته»، وقد حرش الرجل الضبّ يحرشه حرشا: إذا مسح بيده على فم جحره يتسمّع «٣» الصوت، فربما أقبل وهو يرى أنّ ذلك حية، وربّما أروح ريح الإنسان، فخدع في جحره يخدع خدعا: إذا رجع في الجحر فذهب ولم يخرج. وقال أحمد بن يحيى عن ابن الأعرابيّ: الخادع: الفاسد من الطعام ومن كلّ شيء، وأنشد: أبيض اللون لذيذ طعمه ... طيّب الريق إذا الريق خدع «٤»
следующие страницы →