بقصائد الشريف الرضي فيؤلف كتابا خاصا سمّاه: تفسير العلويات، وعلي بن عيسى الربعي تلميذ أبي علي يأخذ عنه يحيى بن طباطبا العلوي.
هـ- ويرى أحد تلاميذ ابن جنّي (علي بن أبي طالب) في المنام يأمر ابن جنّي بإتمام كتاب المحتسب، ويثبت هذه الرؤيا ابن جنّي بخطه على ظهر نسخة كتاب المحتسب.
ووهذا الشريف عمر بن إبراهيم بن محمد العلوي الزيدي أبو البركات ... يسافر إلى الشام ويقيم بدمشق ثم بحلب كذلك، ويقرأ بها كتاب الإيضاح لأبي علي الفارسي في سنة ٤٤٥ هـ ... ١ هـ منه ص ٨٣.
هذه هي الأدلة الخاصة التي استدلّ بها الدكتور عبد الفتاح شلبي على شيعية أبي علي الفارسي ولو أردنا أن نناقش الدكتور بمنطقه هذا لقلنا:
إنّ أبا علي الفارسي كان تلميذ أبي إسحاق الزجّاج. والزجّاج حنبلي، إذن أبو علي الفارسي يكون حنبليا!.
ولو فرضنا أن أبا بكر بن السراج كان شافعيا، وأبو علي تلميذ أبي بكر بن السراج، إذن: أبو علي يمكن أن يكون شافعيا!!! وإذا عكسنا فقلنا إن أبا علي الفارسي- كما يقول الدكتور شلبي- شيعي، فتكون النتيجة أن شيوخه هؤلاء الذين درس عليهم من الشيعة بحسب قياس الدكتور واستدلالاته. فهل هذا دليل مقبول؟! ثم إن كثيرا من العلماء في عصر أبي علي كانوا أحنافا وحنابلة وشافعية، وغير ذلك ... مع أن محيطهم من الولاة والحكام كانوا من الشيعة، فهل أثّر ذلك في تمذهبهم؟
ولكنها التهم والتخرصات تردي بصاحبها إلى المهالك! وإذا أردنا أن نبرهن على فساد هذا المذهب نتخذ مثلا على ذلك الإمام محمد بن جرير الطبري، صاحب التفسير والتاريخ وناصر السنّة وأهلها، فإنّه اتّهم بالتشيّع كما قال ياقوت في معجم الأدباء [١٨/ ٤٠]: «قال غير الخطيب: ودفن ليلا خوفا من العامة، لأنّه كان يتّهم بالتشيّع».
هذا مع أن ياقوت ينقل في معجم الأدباء [١٨/ ٨٥] عن عبد العزيز فيقول:
стр. 37
وقال عبد العزيز بن محمد الطبري. أخبرني غير واحد من أصحابنا أنّه رأى عند أبي جعفر شيخا مسنّا، فقام له أبو جعفر وأكرمه ثم قال أبو جعفر:
إن هذا الرجل نال فيّ ما قد صار له عليّ به الحق الكثير، وذلك أني دخلت إلى طبرستان، وقد شاع سبّ أبي بكر وعمر فيها، فسألوني أن أملي فضائلهما، ففعلت وكان سلطان البلد يكره ذلك فاجتمع إليه من عرّفه ما أمليته، فوجه إليّ فبادر هذا وأرسل إليّ من أخبرني أنّي طلبت، فخرجت من وقتي عن البلد، ولم يشعر بي، وحصل هذا في أيديهم فضرب بسببي ألفا.
فأيّ تشيّع هذا؟! وأيّ اتهام يرمى به هذا الإمام الكبير المعروف بشدة وطأته على أصحاب البدع والأهواء، والمتمسك بما تتمسك به أهل السنّة والجماعة؟ فهل نقبل هذا
الاتهام لمجرد أن زيدا من الناس قال به؟
وقصة الإمام النسائي معروفة مشهورة- وقد ألّف كتابا خاصا بفضائل علي ﵁ وهو شافعي المذهب، وله مناسك للحج على مذهب الإمام الشافعي ﵁.
قلت قصته معروفة عند ما خرج إلى دمشق عائدا من مصر، سأله أصحاب معاوية ﵁ من أهل الشام تفضيله على علي- كرّم الله وجهه- فقال: ألا يرضى معاوية رأسا برأس حتى يفضل عليا!.
وسألوه عمّا يرويه لمعاوية من فضائل؟ فقال: ما أعرف له فضيلة إلا:
«لا أشبع الله بطنه» فما زال به أهل الشام يضربونه على خصييه بأرجلهم حتى أخرجوه من المسجد، ثم حمل إلى الرملة. [انظر مقدمة سنن النسائي] وكان هذا سبب وفاته. فهل الإمام النسائي شيعي لأنّه فضّل عليا على معاوية ... ؟!
فإن كان الدكتور شلبي يقصد أن هذا اللون من التشيّع كان عند أبي علي الفارسي، وهو تفضيل عليّ وآل البيت فهو صحيح. وهذا عليه أكثرية من السلف الصالح من المسلمين ومن أهل السنّة والجماعة. ومن منّا اليوم من أهل السنّة والجماعة لا يقرّ بالفضل لسيدنا علي على من جاء بعده من الخلفاء وغيرهم؟! ولو أردنا أن نذهب مذهب الدكتور شلبي في هذا الباب لما سلم لنا إلا النزر اليسير من العلماء الذين عاشوا تلك الفترة. ولكان معظمهم عندنا اليوم متهم بنحلة من النحل ثم إننا لم نظفر بنقل في المراجع
стр. 38
التي ترجمت للفارسي على كثرتها- تقول بتشيّعه، بل جلّ ما نقرأه فيها أنه كان متهما بالاعتزال أو وقيل كان معتزليا، ولم يقل أحد منهم إنّه كان معتزليا ... بعبارة التقرير. بل نراها إمّا بصيغة الشك أو التمريض.
ثم إن القارئ ليندهش عند ما يقرأ للدكتور شلبي نفسه بعد صفحات أدلة يحشدها ليثبت فيها أن أبا علي الفارسي درس من المذاهب الفقهية مذهب أبي حنيفة وتأثر به، بنفس الطريقة التي دلّل بها على تشيّعه.
ويبدو أن الدكتور شلبي كان موفقا هنا في سرد أكثر الأدلة على تأثّر أبي علي بالمذهب الحنفي. منها:
١ - ما ذكره ابن جني (تلميذ أبي علي) قائلا: «اعلم أن أصحابنا انتزعوا العلل من كتب محمد بن الحسن، وجمعوها منها بالملاطفة والرفق.
٢ - ثناء أبي علي على أبي حنيفة في أمثلة وردت بكتبه فمن ذلك ما قال: «كما يجوز تشبيه المعنى بالعين للمبالغة في أمره، والرفع منه جاز أيضا تشبيه العين بالمعنى إذا أكثر من محاولة ذلك المعنى، وكثر أخذه فيه، وإكثاره منه، فتقول على ذلك: أبو حنيفة الفقه!، وأصبح ماؤكم غورا».
٣ - وكذلك ثناؤه على أبي يوسف في قوله: «أبو يوسف أبو حنيفة!».
٤ - استشهاده بأقوال أبي يوسف.
٥ - ولما احترقت كتب أبي علي لم يبق منها إلا نصف كتاب الطلاق عن محمد بن الحسن. ١ هـ.
قلت والعبارة الأخيرة كاملة كما في معجم الأدباء [٧/ ٢٥٦] وابن العديم في ترجمة أبي علي [مجلة المجمع] قال ابن جني: وحدّثني أبو علي أنّه وقع حريق بمدينة السلام فذهب له جميع علم البصريين، قال: وكنت قد كتبت ذلك كلّه بخطي، وقرأته على أصحابنا، فلم أجد من الصندوق الذي احترق شيئا البتة إلّا كتاب الطلاق عن محمد بن الحسن.
وهذه الفقرة تدل دلالة واضحة على تحصيل أبي علي الفارسي علم البصريين وقراءة ذلك كلّه على أصحابه بما فيه الفقه، وخاصة فقه أبي حنيفة.
стр. 39
الممثل بتلميذه محمد بن الحسن.
ونحن لو سلّمنا أن أبا علي كان معتزليا، وأردنا أن نسلّم أن من كان في اعتقاده معتزليا يمكن أن يكون شيعيا، لأن كل شيعي معتزلي في اعتقاده وليس العكس، ولكن الأمر المحيّر هو أن يكون أبو علي معتزليا شيعيا حنفيا بحسب الدراسة التي توصل إليها الدكتور بالأدلة والبراهين.
ومن يدري؟! فلعله يخطر له خاطر يجعله فيه شافعيا أو حنبليا أو مالكيا، وإذ يمكن للدارس- بيسر- أن يتلمس له من الآراء ما يوافق فيه هذه المذاهب؟! فما رأيكم!! ولعلّ القارى الكريم يستشرف لمعرفة رأينا في هذا الموضوع فنقول:
الحقيقة أن مذهب الأحناف أقرب المذاهب التي تتلاءم مع طبيعة أبي علي الفارسي التي تكاد تكون مفطورة على حب القياس والولع به مما جعله يقول: لأن أخطئ في خمسين مسألة مما بابه الرواية أحبّ إليّ من أن أخطئ في مسألة واحدة قياسية (ياقوت ٧/ ٢٥٤)، وسمة القياس هذه من أبرز سمات فقه أبي حنيفة ثم تصريح أبي علي بأنه قرأ جميع علم البصريين على أصحابه، وكتاب الطلاق لمحمد بن الحسن فهذه قرينة دالّة على ما ذهبنا إليه. وإذا أضفنا ما ذكره ابن جنّي في الخصائص [١/ ٢٠٨] حيث قال:
وقلت مرة لأبي بكر بن علي الرازي المشهور بالجصاص صاحب أحكام القرآن، وهو حنفي «١» - وقد أفضنا في ذكر أبي علي، ونبل قدره، ونباوة محلّه: أحسب أن أبا علي قد خطر له، وانتزع من علل هذا العلم ثلث ما وقع لجميع أصحابنا، فأصغى أبو بكر إليه ولم يتبشّع هذا القول عليه» يمكننا أن نقرر مطمئنين إلى أن أبا علي كان حنفي المذهب لا شيعيا. وما يصادفه القارئ من قوله: «﵇» حينما يذكر عليا ﵁، ليس هذا بالدليل على أن أبا علي الفارسي شيعي، بل كان في ذلك يجاري وليّ نعمته، عضد الدولة الذي قدّم له كتاب الحجة وغيره والذي كان يترضاه، ويتملقه. وقد ذكر ابن خلكان وصاحب شذرات الذهب، ومرآة الجنان وغيرهم أن سبب
استشهاد أبي علي الفارسي في كتاب الإيضاح في باب كان
стр. 40
ببيت أبي تمام:
من كان مرعى عزمه وهمومه ... روض الأماني لم يزل مهزولا
لم يكن ذلك لأن أبا تمام يستشهد بشعره، لكن عضد الدولة كان يحب هذا البيت وينشده كثيرا. ثم لم تكن عبارة «﵇» من اختصاص الشيعة ويكفي أن أذكر ابن الأثير في الكامل في التاريخ وكثيرا ما يذكر «﵇» عند ما يرد ذكر سيدنا علي ﵇. (انظر ١/ ١١٢، ٣٣٥) وغيرها كثير متناثر في الأجزاء.
وهنالك كلمة أخيرة هي الفيصل في هذا الأمر، وهي أن الحق الذي لا معدل عنه ما يقوله رجال الجرح والتعديل في أبي علي الفارسي لأنّهم هم أصحاب هذا الفن المعتمد، والمعوّل عليهم في بيان حالة الرجل، لا ما يستنبط بالظن والتخمين.
مؤلفاته:
تعدّ كتب أبي علي الفارسي- ﵀ أساسا ركينا، ومرجعا أصيلا من مراجع مكتبتنا العربية في اللغة والنحو، وأصبح في كتابه الحجة لا يستغني عنه كبار المفسّرين واللغويين والنحاة.
وإننا لا نكاد نجد عالما جاء بعده من علماء العربية إلّا وكان على بحر علمه من الواردين، ومن نفائس درره من اللاقطين، جميعهم يعرف فضله، فينهل من معينه بلا أنفة، ويزين كتبه بنقول عنه، يجعلها في باب احتجاجه فيصلا حكما. فشاعت مؤلفاته، وانتشر علمه بين العلماء والدارسين من سابقين ولاحقين.
ولقد ذكر مؤلفاته ياقوت في معجم الأدباء [٧/ ٢٤٠]: قال: ولأبي عليّ من التصانيف:
١ - كتاب الحجة، وهو كتابنا هذا الذي نقدمه بين يدي القرّاء.
٢ - كتاب التذكرة (قال عنه في كشف الظنون ١/ ٣٨٤ وهو كبير في مجلدات ... ).
стр. 41
٣ - كتاب أبيات الإعراب.
٤ - كتاب الإيضاح الشعري.
٥ - كتاب الإيضاح النحوي، (والتكملة).
٦ - كتاب مختصر عوامل الإعراب.
٧ - كتاب المسائل الحلبية.
٨ - كتاب المسائل البغدادية.
٩ - كتاب المسائل الشيرازية.
١٠ - كتاب المسائل القصرية.
١١ - كتاب الأغفال.
١٢ - كتاب المقصور والممدود.
١٣ - نقض الهاذور (في الرد على ابن خالويه انظر شرح أبيات المغني ٨/ ٤٤٧).
١٤ - كتاب الترجمة.
١٥ - كتاب المسائل المنثورة.
١٦ - كتاب المسائل الدمشقية.
١٧ - كتاب أبيات المعاني.
١٨ - كتاب التتبّع لكلام أبي علي الجبائي في التفسير نحو مائة وتسع عشرة ورقة.
١٩ - كتاب تفسير قوله تعالى: إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ ....
٢٠ - كتاب المسائل البصرية.
٢١ - كتاب المسائل العسكرية.
٢٢ - كتاب المسائل المصلحة من كتاب ابن السراج.
٢٣ - كتاب المسائل المشكلة «١».
٢٤ - كتاب المسائل الكرمانية.
ونضيف إلى ما ذكره ياقوت ﵀:- ٢٥ - كتاب الهيثيات ذكره ابن هشام في المغني والبغدادي في الخزانة ٢/ ٦٣.
٢٦ - كتاب القدّ: جمعه ابن جنّي من كلام شيخه أبي علي ذكره
стр. 42
البغدادي في شرح أبيات المغني ٢/ ١١٩.
٢٧ - كتاب جواهر النحو منه نسخة في مشهد ١٢: ٧، ١٩ ذكره بروكلمان ٢/ ١٩٣.
٢٩ - الأوليات في النحو: (بخط ابن الأفقه) في الخزانة الغروية، ذكره المحسن في الذريعة ٢/ ٤٨٩ رقم ١٨٨٨. قاله بروكلمان ٢/ ١٩٣.
٣٠ - مقاصد ذوي الألباب في العمل بالأصطرلاب: مكتبة قوله ٢/ ٢٨٢. المصدر السابق.
٣١ - كتاب التكملة في النحو وصنّفه لعضد الدولة. المصدر السابق ص ١٩٠ - ١٩١.
هذه هي المؤلفات التي وقفنا على ذكرها لأبي علي الفارسي- ﵀، ونفع بها- وقد تجنبنا فيها الإطالة واكتفينا بسردها كما ذكرتها المصادر، لأننا رأينا في الإفاضة عنها في التعريف بها يحتاج وحده إلى فصل كامل ليس هنا مكانه.
وفاته:
لقد اتفق العلماء الذين ترجموا لأبي علي الفارسي أنه توفي يوم الأحد لسبع عشرة خلت من ربيع وهنالك اختلاف أكانت الوفاة في ربيع الأول أم في ربيع الآخر؟. فالبغدادي وابن الأنباري يذكران أنه كانت الوفاة في ربيع الأول. وعليه أكثر من ترجم له. وابن خلكان يذكر أنّه توفي في ربيع الآخر.
أما سنة وفاته فقد اختلفوا فيها، فابن النديم يذكر أنه توفي قبل سنة ٣٧٠، وابن الأثير يذكره في تاريخه في وفيات سنة ٣٧٦. أما بقية المصادر فتجعل وفاته سنة ٣٧٧.
قال الخطيب البغدادي، قال أبو الفوارس: في سنة سبع وسبعين وثلاثمائة توفي أبو علي الفسوي النحوي.
стр. 43
وقال البغدادي: حدّثني أحمد بن علي التوزي، قال: توفي أبو علي الفارسي النحوي في يوم الأحد السابع عشر من شهر ربيع الأول سنة سبع وسبعين وثلاثمائة. [تاريخ بغداد ٧/ ٢٧٦].
وقال ابن العديم: قرأت في ديوان الشريف الرضي محمد بن الحسين العلوي، قال يرثي «١» أبا علي الحسن بن أحمد الفارسي النحوي، وتوفي ليلة السابع عشر من شهر ربيع الأول سنة سبع وسبعين وثلاثمائة، ودفن بالشونيزية عند قبر أبي بكر الرازي الفقيه، وكان قد نيّف على التسعين.
وقال ابن العديم: وقرأت بخط الحافظ السلفي، وذكر أنه نقله من خط علي بن عبد الملك بن الحسين بن عبد الملك الدبيقي: مات أبو علي الفارسي سنة سبع وسبعين وثلاثمائة [مجلة المجمع ١/ ٤٧ سنة ١٩٨٤].
وقال ابن تغري بردي في النجوم الزاهرة [٤/ ١٥١] في سنة ٣٧٧.
توفي الحسن بن أحمد بن عبد الغفار أبو علي الفارسي النحوي الإمام المشهور.
стр. 44
المصادر التي ترجمت لأبي علي الفارسي كثيرة نذكر أبرزها:
١ - الفهرست لابن النديم ص ٩٥ دار المعرفة.
٢ - تاريخ بغداد للخطيب البغدادي ٧/ ٢٧٥ - ٢٧٦.
٣ - نزهة الألباء لابن الأنباري ٣١٥ - ٣١٧ أبو الفضل إبراهيم ١٣٨٦ - ١٩٦٧.
٤ - المنتظم لابن الجوزي طبعة حيدرآباد الدكن ١٣٥٨ هـ ج ٧/ ١٣٨ وهي نفس ترجمة الخطيب البغدادي.
٥ - معجم الأدباء لياقوت الحموي ٧/ ٢٣٢ - ٢٦١ وفيه أوسع ترجمة له.
٦ - الكامل في التاريخ لابن الأثير طبعة صادر ٩/ ٥١ هـ ١٩٦٦ م.
٧ - إنباه الرواة ١/ ٢٧٣ - ٢٧٥.
٨ - وفيات الأعيان لابن خلكان (إحسان عباس) ٢/ ٨٠ - ٨٢.
٩ - ميزان الاعتدال للذهبي القاهرة سنة ١٩٦٣ - / ٤٨٠، ٤٨١.
١٠ - الوافي بالوفيات للصفدي ١١/ ٣٧٦ - ٣٧٩ (١٤٠١ هـ ١٩٨١ م باعتناء الدكتور شكري فيصل.
١١ - مرآة الجنان لليافعي ٢/ ٤٠٦ - ٤٠٧.
١٢ - لسان الميزان للحافظ ابن حجر العسقلاني طبعة الهند ٢/ ١٩٥.
١٣ - النجوم الزاهرة لابن تغري بردي ٤/ ١٣٥ و ١٥١.
١٤ - بغية الوعاة للسيوطي.
١٥ - طبقات القرّاء لابن الجزري.
١٦ - شذرات الذهب ٣/ ٨٨.
١٧ - شرح أبيات المغني (تحقيق عبد العزيز رباح وأحمد يوسف الدقاق طبع دار المأمون للتراث) انظر فهارسه ٨/ ٣٦٥، ٣٦٦ وورد اسمه سهوا:
[الحسين بن أحمد بن عبد الغفار والصواب الحسن ... ].
١٨ - تاريخ الأدب العربي لبروكلمان، النسخة العربية ٢/ ١٩٠ - ١٩٤.
١٩ - مجلة المجمع مجلد ٤/ ٥٨ سنة ١٩٨٣ ومجلد ١/ ٥٩ سنة ١٩٨٤. ترجمة أبي علي الفارسي بتحقيق الدكتور شاكر الفحام وهي ترجمة مستلّة من كتاب بغية الطلب في تاريخ حلب لابن العديم.
стр. 45
مقدّمة المؤلف
الحجّة للقرّاء السّبعة أئمّة الأمصار بالحجاز والعراق والشّام الّذين ذكرهم أبو بكر بن مجاهد تصنيف أبي علي الحسن بن عبد الغفار الفارسي (٢٨٨ - ٣٧٧ هـ)
стр. 46
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
стр. 47
[الحمد لله ربّ العالمين] «١» وصلى الله على سيدنا «٢» محمد خاتم النبيين وعلى جميع الأنبياء، والمرسلين، وسائر عباد الله «٣» الصالحين وسلّم «٤».
أمّا بعد: أطال الله بقاء مولانا الملك السيد الأجل المنصور، ولي النعم «٥»، عضد الدولة، وتاج الملة، وأدام له العز «٦» والبسطة والسلطان «٧»، وأيده «٨» بالتوفيق والتسديد، وعضده «٩» بالنصر والتمكين، فإن هذا كتاب نذكر فيه وجوه
стр. 48
قراءات القراء الذين ثبتت قراءاتهم في كتاب «١» أبي بكر أحمد ابن موسى بن العباس بن مجاهد «٢» [﵀] «٣» المترجم بمعرفة قراءات أهل الأمصار بالحجاز والعراق والشام، بعد أن نقدم ذكر كل حرف من ذلك على حسب ما رواه، وأخذنا عنه.
وقد كان أبو بكر محمد بن السريّ «٤» شرع في تفسير صدر من ذلك في كتاب كان ابتدأ بإملائه، وارتفع منه تبييض «٥» ما في سورة البقرة من وجوه الاختلاف عنهم، وأنا أسند إليه ما فسّر من ذلك في كتابي هذا، وإلى الله أرغب «٦» في تيسير ما قصدته، والمعونة عليه، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
стр. 49
فاتحة الكتاب
[الفاتحة: ٤]
اختلفوا في إثبات الألف، وإسقاطها من قوله [ ] «١»: ملك «٢» يوم الدين [الفاتحة/ ٤].
فقرأ عاصم «٣»، والكسائي «٤»: (مالك) بألف، وقرأ الباقون «٥»:
стр. 50
(ملك) بغير ألف، ولم يمل «١» أحد الألف من (مالك) «٢»
стр. 51
قال أبو بكر محمد بن السريّ: قال أبو عمرو «١» فيما أخذته عن اليزيديين «٢»: إن «ملك» يجمع مالكا، أي: ملك ذلك اليوم بما فيه، و «مالك» إنما يكون للشيء وحده، تقول:
هو مالك ذاك «٣» الشيء، وقال الله سبحانه «٤»: قُلِ اللَّهُمَّ مالِكَ الْمُلْكِ [آل عمران/ ٢٦] للشيء بعينه، فملك يجمع مالكا، ومالك لا يجمع ملكا. وقال الله سبحانه «٥»: مَلِكِ النَّاسِ [الناس/ ٢] والْمَلِكُ الْقُدُّوسُ [الحشر/ ٢٣].
стр. 52
قال «١»: وحكي أن عاصما الجحدري قرأها (ملك) «٢» بغير ألف. فقال «٣» محتجا على من قرأها «٤» (مالك) بألف «٥»:
يلزمه أن يقرأ: قل أعوذ برب الناس مالك الناس [الناس/ ١، ٢]. قال هارون «٦»: فذكرت ذلك لأبي عمرو، فقال: نعم، أفلا يقرءون: فتعالى الله المالك «٧» الحق [المؤمنون/ ١١٦]؟.
قال «٨»: وقال بعض من اختار القراءة بملك: إن الله قد وصف نفسه بأنه مالك كل شيء بقوله: رَبِّ الْعالَمِينَ فلا فائدة في تكريره ذكر ما قد مضى ذكره من غير فصل بينهما بذكر «٩» معنى غيره. قال: وقال: وإن الخبر عن رسول الله ﷺ «١٠» بقراءته: ملك يوم الدين أصح إسنادا من الخبر بقراءته (مالِكِ). وإنّ وصفه بالملك أبلغ في المدح، قال: وهي قراءة
стр. 53
أبي جعفر، والأعرج «١» وشيبة بن نصاح «٢».
قال «٣» أحمد بن يحيى: من حجة الكسائي أنه يقال:
مَلِكِ النَّاسِ مثل سيّد الناس، وربّ الناس، ومالك يوم الدين، ولا يقال: سيد يوم الدين، فإذا كان مع الناس وما
стр. 54
يفضل عليهم كان «ملك» وإذا كان مع غير الناس كان «مالك».
قال: وقال من احتجّ لمالك، وكره «ملك»: إن أول من قرأ «ملك» مروان بن الحكم «١» وإنه قد يدخل في الملك ما لا يجوز، ولا يصح دخوله في الملك، قالوا: وذلك أنه صحيح في الكلام أن يقال: فلان مالك الدراهم والطير، وغير صحيح أن يقال: فلان ملك الدراهم والدنانير. قالوا: فالوصف بالملك أعم من الوصف بالملك، والله سبحانه «٢» مالك كل شيء قالوا: والمعنى: أنه يملك الحكم يوم الدين بين خلقه دون سائر الخلق الذين كانوا يحكمون بينهم في الدنيا. قالوا: وقد وصف الله سبحانه «٣» نفسه بأنّه مالك الملك، فقال تعالى «٤»: قُلِ اللَّهُمَّ مالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشاءُ [آل عمران/ ٢٦]، ولا يقال: هو ملك الملك، قالوا: فوصفه بالملك. أبلغ في الثناء وأعمّ في المدح من وصفه بالملك. وقرأها (مالِكِ) من متقدمي القرّاء قتادة «٥» والأعمش «٦».
стр. 55
وقال أبو عبيد «١» في قوله: ملك يوم الدين معناه:
الملك يومئذ ليس ملك غيره. ومن قرأ (مالِكِ) أراد: أنه يملك الدين والحساب لا يليه سواه. قال: وكذلك يروى عن عمر «٢».
قال «٣» أبو بكر محمد بن السري: الاختيار عندي: «ملك يوم الدين»، والحجة في ذلك: أن الملك والملك يجمعهما معنى واحد، ويرجعان إلى أصل، وهو الربط والشد، كما قالوا: ملكت العجين، أي: شددته. وقال الشاعر:
ملكت بها كفّي فأنهرت فتقها ... يرى قائم من دونها ما وراءها
«٤»
стр. 56
يصف طعنة، يقول: شددت بها كفي. والإملاك من هذا، إنما هو رباط الرجل بالمرأة، وكلام العرب بعضه مأخوذ من بعض، فقد يكون الأصل واحدا ثم يخالف بالأبنية، فيلزم كل بناء ضربا من ذلك الجنس، مثال ذلك العدل، يشتقّ منه:
العدل والعديل، فالعدل: ما كان متاعا، والعديل: الإنسان، والأصل إنما هو العدل. وكذلك ملك، ومالك «١» فالملك الذي يملك الكثير من الأشياء: ويشارك غيره من الناس، بأنه يشاركه في ملكه بالحكم عليه فيه، وأنه لا يتصرف فيه إلا بما يطلقه له الملك، ويسوسه به، ويجتمع مع ذلك أن الملك يملك على الناس أمورهم في أنفسهم، وجميع متصرّفاتهم، فلا يستحق اسم الملك حتى يجتمع له ملك هذا كله، فكل ملك مالك، وليس كلّ مالك ملكا.
وأما قوله تعالى: «٢» مالِكَ الْمُلْكِ [آل عمران/ ٢٦] فإنّ الله سبحانه «٣» يملك ملوك الدنيا، وما ملكوا، وإنّما تأويل ذلك: أنّه يملك ملك الدنيا، فيؤتي الملك من يشاء. فأمّا يوم الدين فليس إلّا ملكه، وهو ملك الملوك جلّ وعزّ يملكهم كلّهم، وقد يستعمل هذا في الناس، فيقال: فلان ملك الملوك
стр. 57
وأمير الأمراء، يراد بذلك: أن من دونه ملوكا وأمراء فيقال:
ملك الملوك وأمير الأمراء، ولا يقال: ملك الملك، ولا أمير الإمارة، لأنّ أميرا وملكا صفة غير جارية على فعل، فلا معنى لإضافتها إلى المصدر، فأمّا «١» إضافة ملك إلى الزمان فكما يقال: ملك عام كذا، وملوك سنيّ كذا، وملوك الدهر الأوّل، وملك زمانه، وسيّد زمانه، وهو في المدح أبلغ. والآية إنما نزلت بالثناء والمدح لله سبحانه «٢» والصفة له، ألا ترى قوله [تعالى] «٣»: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ، الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ [الفاتحة/ ١ - ٢]؟ فالربوبية والملك متشابهان.
قال: وللمختار لمالك أن يقول: قرأت: (مالِكِ) لأنّ المعنى: يملك يوم الدين، وهو يوم الجزاء، ولا يملك ذلك اليوم أن يأتي به ولا سائر الأيام غير الله سبحانه «٤»، وهذا ما لا يشاركه فيه مخلوق في لفظ ولا معنى. فيقال: هذا الذي قلت حسن، ولولا هذا المعنى وما يؤيّده ما جازت القراءة به، ولا بدّ للمعاني من أن تتقارب، والملك في ذلك اليوم أيضا لا يكون إلا لله تعالى «٥»، فهو متفرد «٦» بهذا الوصف، ويقوّي ذلك قوله: لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ «٧» [غافر/ ١٦] وقوله: وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ [الانفطار/ ١٩].
فإن احتجّ المختار لمالك بما روي من أنّ أوّل من قرأ
стр. 58
«ملك» مروان بن الحكم، احتجّ عليه من الأخبار بما يبطل ذلك، ولعل القائل لذلك أراد: أنّ «١» أول من قرأ في ذلك العصر، أو من ضربه، لأنّ القراءة بذلك أعرض وأوسع من ذلك بحسب ما انتهى إلينا. انتهت الحكاية عن أبي بكر «٢».
قال أبو عليّ [الحسن بن أحمد بن عبد الغفّار ﵁] «٣»: قال أبو الحسن الأخفش فيما روى محمد بن العباس عن عمه عنه: يقال: ملك بيّن الملك، الميم مضمومة.
وتقول: مالك بيّن الملك والملك، بفتح الميم وكسرها.
وزعموا أن ضمّ الميم لغة في هذا المعنى.
وروى بعض رواة البغداذيين: يقال: طالت مملكتهم الناس ومملكتهم «٤» وطال ملكه وملكه إذا طال رقّه. وأعطاني من ملكه وملكه، وهو ما يقدر عليه، ولي في هذا الوادي ملك وملك وملك. ويقال: نحن عبيد مملكة، ولسنا بعبيد قنّ، أي:
سبينا، لم نملك في الأصل.
وقال أبو عثمان «٥»: شهدنا إملاك فلان، وملكه، ولا يقال: ملاكه.
стр. 59
وقال غيره:
ملكت بها كفي «١» ...
أي: شددت، وملكت العجين، أي: شددت عجنه.
قال أبو علي: وإملاك المرأة إنما هو العقد عليها، وقيل:
إملاك، كما قيل: عقدة النكاح، والملك للشيء: اختصاص من المالك به، وخروجه عن أن يكون مباحا لغيره، ومعنى الإباحة في الشيء كالاتساع فيه، وخلاف الحصر له، والقصر على شيء. ألا تراهم قالوا: باح السرّ، وباحة الدار؟ وقال أوس بن حجر «٢»:
فملّك بالليط الذي تحت قشرها ... كغرقيء بيض كنّه القيض من عل
ملّك أي «٣»: شدّد أي: ترك شيئا من القشر على قلبها يتمالك «٤» به ويكنّها، لئلا يبدو قلب القوس فتنشق.
قال أبو علي «٥»: وينبغي أن يكون موضع الذي: نصبا، بأنّه مفعول به لملّك، ولا يكون جرّا على أنّه وصف لليط، لأنّ
стр. 60
الليط فوق القلب، ليس تحته، والمعنى: فملّك بالقشر الذي فوق القلب الذي تحت القشرة «١» ليصون القشر القلب فلا ينشقّ، ألا ترى أنّهم قالوا: إذا لم يكن عليها القشر صنعوها عقبة «٢».
قال أبو علي: فكأن العقب يصون القلب كما يصونها بترك القشر عليه، ويدلّ على ذلك تشبيهه بالقيض والغرقئ.
قال أبو علي «٣»: وأمّا ما حكاه أبو بكر عن بعض من اختار القراءة بملك، من أنّ الله سبحانه قد وصف نفسه بأنّه مالك كلّ شيء بقوله: رَبِّ الْعالَمِينَ فلا فائدة في تكرير ذكر ما قد مضى، فإنّه لا يرجّح قراءة ملك على مالك، لأنّ في التنزيل أشياء على هذه الصورة قد تقدّمها العامّ، وذكر بعد العامّ الخاصّ، كقوله «٤» [ ]: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ [العلق/ ١] [ثم قال: خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ] «٥» [العلق/ ٢]. فالذي: وصف للمضاف إليه «٦» دون الأول المضاف لأنه كقوله: هُوَ اللَّهُ الْخالِقُ الْبارِئُ [الحشر/ ٢٤] ثم خصّ ذكر الإنسان تنبيها على تأمل ما فيه من إتقان الصنعة، ووجوه الحكمة، كما قال: وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ [الذاريات/ ٢١] وقال: خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ [العلق/ ٢]
стр. 61
وكقوله: وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ [البقرة/ ٤] بعد قوله «١»: [ ]: الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ [البقرة/ ٣] والغيب يعمّ الآخرة، وغيرها، فخصّوا بالمدح بعلم ذلك والتيقن له، تفضيلا لهم على الكفار المنكرين لها، في قولهم: لا تَأْتِينَا السَّاعَةُ، قُلْ بَلى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ [سبأ/ ٣]. وكقولهم «٢»: ما نَدْرِي مَا السَّاعَةُ إِنْ نَظُنُّ إِلَّا ظَنًّا [الجاثية/ ٣٢]، وكقولهم:
ما هِيَ إِلَّا حَياتُنَا الدُّنْيا نَمُوتُ وَنَحْيا [الجاثية/ ٢٤] وكذلك قوله: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ الرحمن أبلغ من الرحيم، بدلالة أنه لا يوصف به إلا الله سبحانه «٣». وذكر الرحيم بعده لتخصيص المسلمين به في قوله تعالى «٤»: وَكانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيماً [الأحزاب/ ٤٣] فكما ذكرت هذه الأمور الخاصّة بعد الأشياء العامّة لها ولغيرها، كذلك «٥» يكون قوله مالك يوم الدين، فيمن قرأها بالألف بعد قوله: الحمد لله رب العالمين.
وممّا يشهد لمن قرأ: (مالِكِ) من التنزيل قوله تعالى «٦»:
وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ [الانفطار/ ١٩] لأن قولك: الأمر له، وهو مالك الأمر بمعنى. ألا ترى أن لام الجر معناها: الملك والاستحقاق، وكذلك قوله [ ] «٧»: يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً [الانفطار/ ١٩] يقوّي ذلك؟
والتقدير: مالك يوم الدين من الأحكام ما لا تملكه نفس
стр. 62
لنفس. ففي هذا دلالة وتقوية لقراءة من قرأ: (مالك). وإن كان قوله: لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ [غافر/ ٦٦] أوضح دلالة. على قراءة من قرأ: ملك، من حيث كان اسم الفاعل من الملك: الملك «١» فإذا قال: الملك له ذلك اليوم، كان بمنزلة: هو ملك ذلك اليوم. هذا مع قوله: فَتَعالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ [طه/ ١١٤] والْمَلِكُ الْقُدُّوسُ [الحشر/ ٢٣] ومَلِكِ النَّاسِ [الناس/ ٢].
واعلم أن الإضافة إلى يوم الدين في كلتا القراءتين من باب:
يا سارق الليلة أهل الدار «٢» اتّسع في الظرف فنصب نصب المفعول به، ثم وقعت الإضافة إليه على هذا الحدّ، وليس إضافة اسم الفاعل هاهنا إلى اليوم كإضافة المصدر إلى الساعة في قوله: وَعِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ [الزخرف/ ٨٥]، لأن الساعة مفعول بها على الحقيقة، وليس على أن جعل الظرف مفعولا به «٣» على السعة.
ألا ترى أن الظرف إذا جعل مفعولا على السعة فمعناه متّسعا فيه معنى الظرف؟ فلو جعلته ظرفا لكان المعنى: يعلم في الساعة، فلم يكن بالسهل، لأنّ القديم- سبحانه- يعلم في كل وقت، فإنّما معنى يعلم الساعة: يعرفها، وهي حقّ، وليس
стр. 63
الأمر على ما الكفار عليه من إنكارها وردّها. وإذا كان كذلك فمن نصب: وَقِيلِهِ يا رَبِّ «١» [الزخرف/ ٨٨] جاز أن يكون حاملا له على المعنى، وموضع الساعة «٢»، لأن الاسم منصوب في المعنى بأنه مفعول به. وكذلك قوله: إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ، وَيَعْلَمُ ما فِي الْأَرْحامِ «٣» [لقمان/ ٣٤]، وهذا كقوله: وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ [البقرة/ ٦٥] وإذا كان كذلك، فالظرف في قوله: قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ اللَّهِ [الأعراف/ ١٨٧] وإِنَّما عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي [الأعراف/ ١٨٧] لا يكون متعلقا بمحذوف إلّا أن تجعله في موضع حال. ومما يمكن أن يكون انتصابه على أنّه مفعول به على الاتساع وكان في الأصل ظرفا، قوله «٤»: (أَيَّاماً) في قوله:
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ كَما كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ أَيَّاماً مَعْدُوداتٍ [البقرة/ ١٨٣] فالعامل
стр. 64
في الأيام (كتب)، تقديره: كتب عليكم الصيام أياما معدودات.
أي: في أيام [معدودات] «١».
وإن شئت اتسعت فنصبته نصب المفعول به فتقول على هذا: يا مكتوب أيام عليه، ولا يستقيم أن ينتصب أيام بالصيام على أن يكون المعنى: كتب عليكم الصيام في أيام، لأنّ ذلك، وإن كان مستقيما في المعنى فهو في اللفظ ليس كذلك، ألا ترى أنّك إن حملته على ذلك فصلت بين الصلة والموصول بالأجنبي منهما! وذلك أن أياما تصير من صلة الصيام، وقد فصلت بينهما بمصدر: كتب، لأنّ التقدير: كتب عليكم الصيام كتابة مثل كتابته على من كان قبلكم، فالكاف في (كما) متعلقة بكتب، وقد فصلت بها بين المصدر وصلته، وليس من واحد منهما. فإن قلت: أضمر (الصِّيامُ) لتقدّم ذكر المتقدم عليه، كأنّه صيام أيّاما، فإنّ ذلك لا يستقيم، لأنّك لا تحذف بعض الاسم، ألا ترى أنّه قد قال «٢»: في قوله:
لعمر أبيك إلا الفرقدان «٣»
стр. 65
إنه لا يكون على: إلا أن يكون الفرقدان، لحذفك الموصول، فكذلك الآية. فأما قوله [ ] «١»: (الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ) [البقرة/ ١٩٧] فإنّه يكون على: أشهر الحجّ أشهر
معلومات، ليكون الثاني الأوّل في المعنى، ومعنى معلومات: أي أشهر مؤقتة معيّنة لا يجوز فيها ما كان يفعله أهل الجاهليّة من التبديل بالتقديم والتأخير اللذين كان يفعلهما النّسأة الذين أنزل فيهم: (إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ، يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عاماً) إلى قوله: (فَيُحِلُّوا ما حَرَّمَ اللَّهُ) [التوبة/ ٣٧] أو يكون: الحجّ حجّ أشهر معلومات، أي: لا حجّ إلا في هذه الأشهر، ولا يجوز في غيرها، ولا يجزئ كما كان أهل الجاهلية يستجيزونه في غيرها من الأشهر. فالأشهر على هذا متّسع فيها مخرّجة عن الظروف، والمعنى على ذلك، ألا ترى أن الحجّ في الأشهر: كما أن الموعد في قوله: (مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ) [طه/ ٥٩] في اليوم إلّا أنّه اتّسع فيه فجعل الأول لمّا كان فيه، كما فعل ذلك في قوله «يوم الزينة».
وإن قلت: موعدكم موعد يوم الزينة، فقد أخرجته أيضا على هذا التقدير عن أن يكون ظرفا، لأنك قد أضفت إليه، والإضافة إليه تخرجه عن أن يكون ظرفا، كما أن رفعه كذلك.
ويدلّك على تأكد خروجه عن الظرف عطفك عليه ما لا يكون ظرفا، وهو قوله: (وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى) [طه/ ٥٩]، ولو نصبت اليوم على أنّه ظرف وأضمرت مبتدأ يكون قوله: (وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى) خبرا له كأنّه قال: وموعدكم
стр. 66
أن يحشر الناس ضحى- لكان ذلك مستقيما في قياس العربية.
وقد يجوز أن تجعل الحجّ: الأشهر على الاتساع، لكونه فيها وكثرته من الفاعلين له، كما جعلتها الخنساء الإقبال والإدبار لكثرتهما منها «١»، وكما قال «٢»:
لعمري وما دهري بتأبين هالك ... ولا جزع مما أصاب فأوجعا
ألا ترى أنّه جعل دهره الجزع. فإن قلت: إن ذات الإقبال والإدبار فاعلة في المعنى، وليس الأشهر كذلك إنّما هي مفعول فيها. فإنّ الأشهر بمنزلة الدهر في قوله: ولا جزع، أي:
وما دهري بجزع. فكما أجاز سيبويه ذلك في الدهر فكذلك
стр. 67
يجوز في الأشهر في الآية، وإذا جاز ذلك في الفاعل جاز في المفعول به، وفي الظرف، إذا جعل في الاتساع مفعولا به، ألا ترى أنّ المصدر لمّا أضيف إلى الفاعل أضيف إلى المفعول به أيضا في نحو [قوله تعالى] «١» مِنْ دُعاءِ الْخَيْرِ [فصلت/ ٤٩] وبني الفعل للمفعول به كما بني للفاعل، واختصّ المفعول به بأبنية قصرت عليه، نحو: وضع في تجارته «٢»، كما كان للفاعل أفعال لا تتعدّى إلى المفعول به، فكذلك إذا اتسع في هذا النحو في الفاعل يتّسع في المفعول به، وما أجري مجراه من الظروف. فأمّا قوله: (اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ) «٣» [الأنعام/ ١٢٤]. فالقول في العامل في «حيث» أنّه لا يخلو من أن يكون «أعلم» هذه المذكورة أو غيرها. وإن عمل «أعلم» فيه فلا يخلو من أن يكون ظرفا، أو غير ظرف. فلا يجوز أن يكون العامل فيه أعلم، على حسب ما عمل أحوج في ساعة في قوله «٤»:
فإنّا وجدنا العرض أحوج ساعة
стр. 68
لأنّ المعنى يصير: أعلم في هذا الموضع أو هذا الوقت، ولا يوصف الله «١» بأنّه أعلم في مواضع أو أوقات، كما تقول:
زيد أعلم في مكان كذا منه في مكان كذا، أو زمان كذا، فإذا كان كذلك لم يجز أن يكون العامل «أعلم» هذه وإذا لم يجز أن يكون إيّاه كان فعلا يدلّ عليه أعلم، وإذا لم يجز أن يكون «حيث» ظرفا لما ذكرناه، كان اسما، وكان انتصابه انتصاب المفعول به على الاتساع كما يكون ذلك في كم ومتى ونحوهما «٢»، ويقوّي ذلك دخول الجار عليها.
وقد حكى بعض البصريين فيها الإعراب، وكان الأصل: الله أعلم بمواضع رسالاته، ثم حذف الحرف، كما قال: أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ «٣» [النحل/ ١٢٥] وفي موضع آخر: أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ [الانعام/ ١١٧] ف «من يضل» معمول فعل مضمر دلّ عليه أعلم، ولا يجوز أن يكون معمول أعلم، لأن المعاني لا تعمل في مواضع الاستفهام ونحوه، إنما تعمل فيها الأفعال التي تلغى، فتعلّق كما تلغى. ومثل ذلك- في أنّه لا يكون إلا محمولا على فعل- ما أنشده أبو زيد «٤»:
стр. 69
وأضرب منّا بالسّيوف القوانسا «١» فالقوانس على مضمر دون أضرب الظاهر، لأنّ المعاني لا تعمل في المفعول به وكان القياس ألّا تعمل في الحال.
ولا يجوز أن يكون موضع (من) في قوله: أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ [الأنعام/ ١١٧] جرّا لأن أفعل لا يضاف إلّا إلى ما هو بعض له، وليس ربّنا من المضلّين عن سبيله، فيضاف إليهم، فإذا لم يجز أن يكون جرّا، كان نصبا، كالقوانس في البيت.
وممّا يستقيم أن يكون انتصابه انتصاب المفعول به على السعة «٢» قوله تعالى «٣»: وَأَتْبَعْناهُمْ فِي هذِهِ الدُّنْيا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيامَةِ هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ [القصص/ ٤٢]. يحتمل أن يكون: وأتبعناهم في هذه الدنيا لعنة، ولعنة يوم القيامة،
стр. 70
فحذف المصدر وأقام يوما مقامه، فانتصب انتصاب المفعول به، كما أنه لو لم يحذف المصدر وأضيف إلى اليوم كان كذلك.
ويجوز فيه ثلاثة أضرب أخر:
أحدها: أن يكون محمولا على موضع «في هذه الحياة «١» الدنيا» كما قال:
إذا ما تلاقينا من اليوم أو غدا «٢» ويشهد لذلك وللوجه الذي قبله قوله في أخرى: لُعِنُوا فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ [النور/ ٢٣] وقوله: وَأُتْبِعُوا فِي هذِهِ لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيامَةِ بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ [هود/ ٩٩] ويكون قوله: (هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ) جملة استغني عن حرف العطف فيها بالذكر «٣» الذي تضمنت ممّا «٤» في الأولى، كما استغني عنه بذلك في قوله: ثَلاثَةٌ رابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ [الكهف/ ٢٢] ولو كانت فيها «٥» الواو لكان ذلك حسنا، كما قال تعالى: وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ [الكهف/ ٢٢].
стр. 71
ويجوز أن يكون العامل فيه من المقبوحين، لأنّ فيه معنى فعل، وإن كان الظرف متقدّما كما أجاز: «١» أكلّ «٢» يوم لك ثوب؟.
ويجوز أن يكون العامل فيه مضمرا يدل عليه قوله: (مِنَ الْمَقْبُوحِينَ) كقوله: يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلائِكَةَ لا بُشْرى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ «٣» [الفرقان/ ٢٢]. ومن ذلك قوله: وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ [الأعراف/ ٨] إن جعلت الظرف من صلة المصدر جاز أن تنصبه نصب المفعول به، كقولك: الوزن الدراهم حقّ، ويكون الحقّ على هذا خبر المبتدأ وإن جعلت يومئذ خبر المصدر، لأنّ الوزن حدث، فيكون ظرف الزمان خبرا عنه تعلّق بمحذوف.
وجاز «٤» أن ينتصب انتصاب الظروف دون المفعول به.
ألا ترى أن المفعول به لا تعمل فيه المعاني؟ ويكون الحقّ على هذا صفة للوزن، ويجوز أن يكون بدلا من الذكر المرفوع الذي في الخبر. ولو قدمت (الْحَقُّ) في الوجه الثاني على (يَوْمَئِذٍ) لاستقام، ولو قدمته عليه في الوجه الأول لم يجز
стр. 72
للفصل بين الصلة والموصول بصفة الموصول «١».
وأمّا قوله (تعالى) «٢»: الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمنِ [الفرقان/ ٢٦] فيكون يومئذ من صلة المصدر كما كان في التي قبلها، والحق صفة والظرف «٣» الخبر. ويجوز أن يكون يومئذ معمول الظرف وإن تقدّم عليه، فلا يتصل على هذا بالمصدر، وكذلك قوله: هُنالِكَ الْوَلايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ [الكهف/ ٤٤] يكون هنالك مستقرّا «٤» فيكون قولك: (لِلَّهِ) حالا من الولاية ومن الذكر الذي في هنالك، في قوله سيبويه وعلى «٥» قول أبي الحسن، ومن رفع بالظرف، من الولاية فقط «٦» ويكون لله مستقرّا، وهنالك ظرفا متعلقا بالمستقر، ومعمولا له، فأمّا قول الشاعر:
حميت عليه الدّرع حتى وجهه ... من حرّها يوم الكريهة أسفع
«٧»
стр. 73
فإن جعلت «يوم الكريهة» ظرفا لأسفع لم «١» ينتصب انتصاب المفعول به، وإن جعلته منتصبا بالمصدر جاز فيه ما جاز في قوله: وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ [الأعراف/ ٨] من الانتصاب على الظّرف، على أنه مفعول به على الاتّساع.
ألا ترى أن الفعل المتعدّي كالفعل غير المتعدي في جواز نصب الظرف بعده نصب المفعول به؟ فكذلك مصادرهما، وكذلك إن جعلت قوله: يوم الكريهة، ظرفا لحميت. وممّا لا يكون إلا ظرفا قوله تعالى «٢»: وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْداءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ [فصلت/ ١٩] ألا ترى أنه ليس في هذا الكلام فعل ظاهر يجوز أن يتعلّق الظرف به؟
وإذا «٣» كان كذلك تعلّق بما دلّ عليه قوله: فَهُمْ يُوزَعُونَ.
- كما أن قوله: أَإِذا مِتْنا وَكُنَّا تُراباً وَعِظاماً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ «٤» [المؤمنون/ ٨٢] الظرف فيه كذلك، فكذلك «٥» قوله: يُنَبِّئُكُمْ إِذا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ [سبأ/ ٧]- لأن الظرف من حيث كان مستقبلا كان بمنزلة إذا، ومن ثم أجيب بالفاء، كما يجاب إذا بها.
стр. 74
وأمّا قوله سبحانه «١»: يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإِمامِهِمْ فَمَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ [الإسراء/ ٧١] فقد يكون «٢» مثل الذي تقدمت «٣». ألا ترى أن قوله: وَفَضَّلْناهُمْ عَلى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنا تَفْضِيلًا [الإسراء/ ٧٠] ماض كما أن قوله: وَنَجَّيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكانُوا يَتَّقُونَ [فصلت/ ١٨] كذلك. و (ندعو) مستقبل كما أن (يحشر أعداء الله) كذلك؟ فتجعل الظرف بمنزلة إذا، كما جعلته ثمّ بمنزلته، فيصير التقدير: إذا دعي كل أناس بإمامهم لم يظلموا أو عدل عليهم ونحوه.
فأمّا الباء في قوله: (بِإِمامِهِمْ) فيكون على ضربين:
أحدهما أن تكون متعلّقة بالفعل الذي هو: (نَدْعُوا) في موضع المفعول الثاني كأنّه: كل أناس بشيعة إمامهم، يدلّ على هذا قوله: وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذابِ [غافر/ ٤٦] وعلى هذا فسّره ابن عباس فيما روي، فقال:
برئيسهم «٤».
وتكون متعلّقة بمحذوف في موضع الحال كأنّه: ندعو كلّ أناس مختلطين بإمامهم، أي: يدعون وإمامهم فيهم، نحو:
стр. 75
ركب بثيابه، وجاء في جنوده، فيكون الدعاء على هذا الوجه متعدّيا إلى مفعول واحد خلاف الوجه الأول. ويقوّي هذا قوله «١»: وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلى جَهَنَّمَ زُمَراً [الزمر/ ٧١] وقوله: احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْواجَهُمْ [الصافات/ ٢٢] وروي عن الحسن «٢»: بإمامهم أي: بكتابهم الذي فيه أعمالهم «٣»، فيكون التقدير على هذا في قوله: بإمامهم، أي:
معهم كتابهم.
ومن ذلك قوله: فَإِذا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ فَذلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ [المدثر/ ٨]. القول فيه أن (ذلك) إشارة إلى النقر، كأنّه قال: فذلك النقر يومئذ يوم عسير، أي: نقر يوم عسير، فقوله: يومئذ، على هذا متعلق بذلك، لأنّه في المعنى مصدر، وفيه «٤» معنى الفعل، فلا يمتنع أن يعمل في الظرف كما عمل في الحال.
ويجوز أن يكون (يَوْمَئِذٍ) ظرفا لقوله (يَوْمٌ)، ويكون يومئذ بمنزلة حينئذ، ولا يكون اليوم الذي يعنى به وضح النهار، ويكون اليوم الموصوف بأنّه عسير خلاف الليلة، فيكون التقدير: