ويجوز أن يكون العامل فيه من المقبوحين، لأنّ فيه معنى فعل، وإن كان الظرف متقدّما كما أجاز: «١» أكلّ «٢» يوم لك ثوب؟.
ويجوز أن يكون العامل فيه مضمرا يدل عليه قوله: (مِنَ الْمَقْبُوحِينَ) كقوله: يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلائِكَةَ لا بُشْرى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ «٣» [الفرقان/ ٢٢]. ومن ذلك قوله: وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ [الأعراف/ ٨] إن جعلت الظرف من صلة المصدر جاز أن تنصبه نصب المفعول به، كقولك: الوزن الدراهم حقّ، ويكون الحقّ على هذا خبر المبتدأ وإن جعلت يومئذ خبر المصدر، لأنّ الوزن حدث، فيكون ظرف الزمان خبرا عنه تعلّق بمحذوف.
وجاز «٤» أن ينتصب انتصاب الظروف دون المفعول به.
ألا ترى أن المفعول به لا تعمل فيه المعاني؟ ويكون الحقّ على هذا صفة للوزن، ويجوز أن يكون بدلا من الذكر المرفوع الذي في الخبر. ولو قدمت (الْحَقُّ) في الوجه الثاني على (يَوْمَئِذٍ) لاستقام، ولو قدمته عليه في الوجه الأول لم يجز
стр. 72
للفصل بين الصلة والموصول بصفة الموصول «١».
وأمّا قوله (تعالى) «٢»: الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمنِ [الفرقان/ ٢٦] فيكون يومئذ من صلة المصدر كما كان في التي قبلها، والحق صفة والظرف «٣» الخبر. ويجوز أن يكون يومئذ معمول الظرف وإن تقدّم عليه، فلا يتصل على هذا بالمصدر، وكذلك قوله: هُنالِكَ الْوَلايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ [الكهف/ ٤٤] يكون هنالك مستقرّا «٤» فيكون قولك: (لِلَّهِ) حالا من الولاية ومن الذكر الذي في هنالك، في قوله سيبويه وعلى «٥» قول أبي الحسن، ومن رفع بالظرف، من الولاية فقط «٦» ويكون لله مستقرّا، وهنالك ظرفا متعلقا بالمستقر، ومعمولا له، فأمّا قول الشاعر:
حميت عليه الدّرع حتى وجهه ... من حرّها يوم الكريهة أسفع
«٧»
стр. 73
فإن جعلت «يوم الكريهة» ظرفا لأسفع لم «١» ينتصب انتصاب المفعول به، وإن جعلته منتصبا بالمصدر جاز فيه ما جاز في قوله: وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ [الأعراف/ ٨] من الانتصاب على الظّرف، على أنه مفعول به على الاتّساع.
ألا ترى أن الفعل المتعدّي كالفعل غير المتعدي في جواز نصب الظرف بعده نصب المفعول به؟ فكذلك مصادرهما، وكذلك إن جعلت قوله: يوم الكريهة، ظرفا لحميت. وممّا لا يكون إلا ظرفا قوله تعالى «٢»: وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْداءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ [فصلت/ ١٩] ألا ترى أنه ليس في هذا الكلام فعل ظاهر يجوز أن يتعلّق الظرف به؟
وإذا «٣» كان كذلك تعلّق بما دلّ عليه قوله: فَهُمْ يُوزَعُونَ.
- كما أن قوله: أَإِذا مِتْنا وَكُنَّا تُراباً وَعِظاماً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ «٤» [المؤمنون/ ٨٢] الظرف فيه كذلك، فكذلك «٥» قوله: يُنَبِّئُكُمْ إِذا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ [سبأ/ ٧]- لأن الظرف من حيث كان مستقبلا كان بمنزلة إذا، ومن ثم أجيب بالفاء، كما يجاب إذا بها.
стр. 74
وأمّا قوله سبحانه «١»: يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإِمامِهِمْ فَمَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ [الإسراء/ ٧١] فقد يكون «٢» مثل الذي تقدمت «٣». ألا ترى أن قوله: وَفَضَّلْناهُمْ عَلى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنا تَفْضِيلًا [الإسراء/ ٧٠] ماض كما أن قوله: وَنَجَّيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكانُوا يَتَّقُونَ [فصلت/ ١٨] كذلك. و (ندعو) مستقبل كما أن (يحشر أعداء الله) كذلك؟ فتجعل الظرف بمنزلة إذا، كما جعلته ثمّ بمنزلته، فيصير التقدير: إذا دعي كل أناس بإمامهم لم يظلموا أو عدل عليهم ونحوه.
فأمّا الباء في قوله: (بِإِمامِهِمْ) فيكون على ضربين:
أحدهما أن تكون متعلّقة بالفعل الذي هو: (نَدْعُوا) في موضع المفعول الثاني كأنّه: كل أناس بشيعة إمامهم، يدلّ على هذا قوله: وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذابِ [غافر/ ٤٦] وعلى هذا فسّره ابن عباس فيما روي، فقال:
برئيسهم «٤».
وتكون متعلّقة بمحذوف في موضع الحال كأنّه: ندعو كلّ أناس مختلطين بإمامهم، أي: يدعون وإمامهم فيهم، نحو:
стр. 75
ركب بثيابه، وجاء في جنوده، فيكون الدعاء على هذا الوجه متعدّيا إلى مفعول واحد خلاف الوجه الأول. ويقوّي هذا قوله «١»: وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلى جَهَنَّمَ زُمَراً [الزمر/ ٧١] وقوله: احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْواجَهُمْ [الصافات/ ٢٢] وروي عن الحسن «٢»: بإمامهم أي: بكتابهم الذي فيه أعمالهم «٣»، فيكون التقدير على هذا في قوله: بإمامهم، أي:
معهم كتابهم.
ومن ذلك قوله: فَإِذا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ فَذلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ [المدثر/ ٨]. القول فيه أن (ذلك) إشارة إلى النقر، كأنّه قال: فذلك النقر يومئذ يوم عسير، أي: نقر يوم عسير، فقوله: يومئذ، على هذا متعلق بذلك، لأنّه في المعنى مصدر، وفيه «٤» معنى الفعل، فلا يمتنع أن يعمل في الظرف كما عمل في الحال.
ويجوز أن يكون (يَوْمَئِذٍ) ظرفا لقوله (يَوْمٌ)، ويكون يومئذ بمنزلة حينئذ، ولا يكون اليوم الذي يعنى به وضح النهار، ويكون اليوم الموصوف بأنّه عسير خلاف الليلة، فيكون التقدير:
стр. 76
فذلك اليوم يوم عسير حينئذ، أي: ذلك اليوم يوم في ذلك الحين، فيكون متعلقا بمحذوف، ولا يتعلق بعسير، لأن ما قبل الموصوف لا تعمل فيه الصفة. فأما (إذا) في قوله: فَإِذا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ فالعامل فيه المعنى الذي دل عليه قوله: يَوْمٌ عَسِيرٌ، تقديره: إذا نقر في الناقور عسر الأمر وصعب كما أن لا بُشْرى يَوْمَئِذٍ «١» [الفرقان/ ٢٢] يدل على يحزنون.
فأمّا من قرأ: مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ [الفاتحة/ ٤] فأضاف اسم الفاعل إلى الظرف، فإنّه قد حذف المفعول به من الكلام للدلالة عليه، وإن هذا المحذوف قد جاء مثبتا في قوله: يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً [الانفطار/ ١٩] فتقديره: مالك يوم الدين الأحكام. وحسن هذا الاختصاص لتفرّد القديم «٢» سبحانه «٣» في ذلك اليوم بالحكم. فأما في الدنيا فإنه يحكم فيها «٤» الولاة، والقضاة، والفقهاء.
وحذف المفعول على هذا النحو كثير واسع في التنزيل وغيره، ومثل هذه الآية في حذف المفعول به مع الظرف قوله:
فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ [البقرة/ ١٨٥]، فالشهر ينتصب على أنّه ظرف، وليس بمفعول به، يدلك على ذلك أنه لا يخلو من أن يكون ظرفا أو مفعولا به، فلو كان مفعولا به للزم الصيام المسافر، كما لزم المقيم من حيث شهد المسافر
стр. 77
الشهر شهادة المقيم إيّاه، فلمّا لم يلزم المسافر علمت أن المعنى: فمن شهد منكم المصر في الشهر، ولم يكن (الشَّهْرَ) مفعولا به في الآية، كما كان يكون مفعولا به لو قلت: أحببت شهر رمضان.
فإن قلت: فإذا كان الشهر في قوله: فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ ظرفا ولم يكن مفعولا به، فكيف جاء ضميره متصلا في قوله: (فَلْيَصُمْهُ)، وهلّا دلّ ذلك على أنه مفعول به؟ قيل: لا يدلّ ذلك على ما ذكرته «١»، لأن الاتساع إنّما وقع فيه بعد أن استعمل ظرفا، وذلك سائغ، ويدلّ «٢» على أنّ: (شَهِدَ) متعد إلى مفعول قوله:
ويوم «٣» شهدناه سليما وعامرا «٤» ومما حذف من المفعول به في التنزيل قوله تعالى «٥»:
فَذُوقُوا بِما نَسِيتُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا «٦» [السجدة/ ١٤]
стр. 78
والتقدير: ذوقوا العذاب، فاستغني عن ذكره للعلم به، وكثرة تردّده في نحو: وَذُوقُوا عَذابَ الْخُلْدِ [السجدة/ ١٤] وذُوقُوا عَذابَ النَّارِ [السجدة/ ٢٠] [سبأ/ ٤٢]. ومن ذلك قوله «١» رَبَّنا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ [إبراهيم/ ٣٧] أي: ناسا أو فريقا. وقال: فَادْعُ لَنا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِها وَقِثَّائِها [البقرة/ ٦١] أي شيئا. ومن ذلك قوله: يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّماواتُ [إبراهيم/ ٤٨].
ومنه
الحديث: «لا يقتل مسلم بكافر، ولا ذو عهد في عهده» «٢»
المعنى: ولا ذو عهد في عهده بكافر، كما كان التقدير في الآية: والسموات غير السموات. والمعنى: لا يقتل مؤمن بكافر حربيّ، ولا ذو عهد في عهده بكافر. قال أبو يوسف
«٣»
: ولو كان المعنى: لا يقتل مؤمن به، كان: ولا ذي عهد في عهده، وممّا جاء في الشعر من ذلك قوله:
كأنّ لها في الأرض نسيا تقصّه ... على أمّها وإن تحدّثك تبلت
«٤»
стр. 79
أي: تقطع الحديث، ومثل ذلك في المعنى والحذف:
رخيمات الكلام مبتّلات ... جواعل في البرى قصبا خدالا
«١» ومن ذلك قول الآخر:
لا يعدلنّ أتاويّون تضربهم ... نكباء صرّ بأصحاب المحلّات
«٢» أي: لا يعدلنّ بهم أحدا، والتقدير: لا يعدلنّ مجاورتهم بمجاورة أحد، ومن ذلك قوله:
стр. 80
ولا يتحشّى الفحل إن أعرضت به ... ولا يمنع المرباع منها فصيلها
«١» روي: منها فصيلها، ومنه فصيلها، فمن روى منها، كان من هذا الباب، وكان منها: حالا أو ظرفا. فأمّا قول الهذليّ «٢»:
ضروب لهامات الرجال بسيفه ... إذا عجمت وسط الشئون شفارها
فإن شئت كان التقدير: إذا عجمت وسط الشئون شفارها الشئون، أو مجتمع الشئون «٣» كما قال المرار الفقعسيّ «٤»:
فلا يستحمدون الناس شيئا ... ولكن ضرب مجتمع الشّئون
فحذفت المفعول، وإن شئت جعلت وسطا في الشعر اسما، وجعلته المفعول به، كما جعله الفرزدق مبتدأ في قوله:
стр. 81
أتته بمجلوم كأنّ جبينه ... صلاءة ورس وسطها قد تفلّقا
«١» فكما حذف المفعول به من هذه الآي، وهذه الأبيات.
وغير ذلك مما تركنا ذكره كراهة الإطالة، كذلك حذف في «٢» قوله: مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ.
والدين: الجزاء في هذا الموضع بدلالة قوله: الْيَوْمَ تُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ [غافر/ ١٧] والْيَوْمَ تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ [الجاثية/ ٢٨] ولا تكون «٣» الطاعة، ولا العادة، وقيل في قول ابن مقبل:
يا دار سلمى خلاء لا أكلّفها ... إلّا المرانة حتى تعرف الدّينا
«٤» حتى تقوم القيامة، وتأويل هذا: حتى تعرف يوم الدين أي: يوم الجزاء. والمرانة: اسم ناقة عن الأصمعي. وقال غيره:
اسم موضع. فأما قوله: تعرف فيستقيم أن يكون مسندا إلى
стр. 82
المتكلم المذكور في أكلّف «١» ويستقيم أن يكون للمؤنث الغائب.
والإمالة في (مالِكِ) في القياس لا تمتنع، لأنّه ليس في هذا الاسم ممّا يمنع الإمالة شيء، وليس كلّ ما جاز في قياس العربية تسوغ التلاوة به حتى ينضم إلى ذلك الأثر المستفيض بقراءة السلف له، وأخذهم به لأنّ القراءة سنة «٢».
فأمّا «٣» إعراب ملك يوم الدين فالجرّ في القراءتين.
وهو صفة لاسم مجرور، والصفات تجري على موصوفيها، إذا لم تقطع «٤» عنهم لذمّ أو مدح.
فأمّا العامل فيها، فزعم أبو الحسن «٥» أن الوصف يجري على ما قبله، وليس معه لفظ عمل فيه، إنّما فيه أنّه نعت، فذلك هو الذي يرفعه، وينصبه، ويجرّه، كما أن المبتدأ إنّما رفعه «٦» الابتداء، وإنّما الابتداء معنى عمل فيه وليس لفظا، فكذلك هذا.
فإن قلت: فلم لا يكون العامل في الوصف ما عمل في الموصوف؟ قيل: ممّا يدل على أن العامل في الوصف لا يكون العامل في الموصوف أن في هذه التوابع ما يتعرّب بإعراب ما
стр. 83
يتبعه، ولا يصح أن يعمل فيه ما عمل في موصوفه. وذلك نحو أجمع وجمع وجمعاء «١» وليست هذه الكلم ككلّ الذي قد جوّز فيه أن يلي العوامل على استكراه. فلمّا صحّ وجود هذا فيها، دلّ أنّ الذي يعمل في الموصوف غير عامل في الصفة في نحو: مررت برجل قائم، وما أشبهه لاجتماعهما في أنّهما تابعان.
ويدلّ على ذلك أيضا أنّك قد تجد من الصفات ما إعرابه يخالف الموصوف، نحو: يا زيد العاقل، فزيد مبني، وصفته مرتفعة ارتفاعا صحيحا. فلو كان العامل في الصفة العامل في الموصوف، لم تختلف حركتاهما، فكانت إحداهما إعرابا، والأخرى بناء، وكان مجيء هذا في النداء دلالة على ما ذكرناه:
من أن الصفة ليست بمعمول لما يعمل في الموصوف.
فإن قال قائل: فلم لا تجعل الصفة- من حيث كانت كالجزء ممّا تجري عليه- مع الموصوف بمنزلة شيء واحد؟
وتستجيز من أجل ذلك أن يعمل فيها «٢» ما عمل في الموصوف، وتستدل «٣» على ذلك بأشياء من كلامهم، تقوي «٤» هذا المسلك. من ذلك: أنّهم جعلوه مع الموصوف كاسم واحد، في نحو لا رجل ظريف، وكذلك قولهم: يا زيد بن عمرو وما أشبهه، وقال «٥» الله سبحانه: قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلاقِيكُمْ [الجمعة/ ٨]
стр. 84
فلمّا وصف المبتدأ بالاسم الموصول دخلت الفاء في الخبر، كما أنّه لمّا كان المبتدأ موصولا دخلت الفاء فيه؟ قيل: إن ما أوردته من ذلك لا يدلّ شيء منه على كون الوصف معمولا للعامل في الموصوف:
لأنّه يلزم من ذلك أن يكون في اسم واحد إعرابان، وهذا قد رفضوه في كلامهم، يدل «١» على رفضهم إيّاه أنّهم إذا نسبوا إلى تثنية أو جمع على حدّها حذفوا علامتي التثنية أو الجمع من الاسم؛ لئلا يجتمع في الاسم دلالتا إعراب، فإذا كانوا قد كرهوا ذلك في التثنية والجمع مع أن التثنية قد جرت مجرى غير المعرب في قولهم إذا عدّوا: واحد، اثنان، فأن يكره ذلك في الإعراب المحض الذي لم يجر مجرى البناء أجدر.
ومن ثمّ ذهبوا في قولهم: يا زيد بن عمرو، لمّا جعل الموصوف مع الصفة «٢» بمنزلة اسم مفرد، إلى أنّه بمنزلة امرئ وابنم ونحو ذلك من الأسماء التي يتبع ما قبل حرف الإعراب فيها حرف الإعراب، ولم يجز فيها عندهم إلّا ذلك، لأنّ حركة آخر الاسم الأول لو كانت إعرابا لوجب أن يكون في الاسم الواحد «٣» إعرابان، وذلك ممّا قد اطّرحوه في كلامهم فلم يستعملوه.
ومما يبيّن ذلك أنّهم حيث قالوا في المنفيّ: لا رجل ظريف لك، جعلوا الأول منهما بمنزلة صدور الأشياء التي يضمّ
стр. 85
إليها ما يكون معها شيئا واحدا. وإذا كان الأمر كذلك كان قول من قال في امرئ ونحوه: إنّه معرب من مكانين، غير مستقيم، لما أريتكه من حذفهم علامة التثنية والجمع في النسب. وأمّا «١» قوله: قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلاقِيكُمْ [الجمعة/ ٨] فقد جوّز أبو الحسن فيه: أن تكون الفاء فيه زائدة. وحكى أبو يعلى «٢» عن أبي عثمان «٣» مثل ذلك. ووجه ذلك أن الفاء تدخل للعطف أو للجزاء وزيادة «٤»، فلمّا لم يكن للعطف مذهب من حيث لم يستقم عطف الخبر على مبتدئة لم يصحّ حمله على العطف، ولم يستجز حمله على أنها للجزاء لبعد ذلك في اللفظ والمعنى.
فأمّا اللفظ فلأن الجزاء الذي هو في الأصل شرط لازم غير مستغنى عنه ولا يستقلّ الجزاء إلّا به. فلمّا كانت صورة الشرط على ما ذكرنا، ولم يكن الوصف كذلك- لأنّك في أكثر الأمر مخيّر في ذكره وتركه- لم يكن موضعا للجزاء كما يكون موضعا له مع المبتدأ الموصول، والنكرة الموصوفة، كقوله تعالى: الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ ثم قال: فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ [البقرة/ ٢٧٤]. وَما بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ
стр. 86
[النحل/ ٥٣] فلمّا لم يكن موضعا له ولا للعطف حكم بزيادة الفاء، لأنّها قد ثبتت زائدة «١» حيث لا إشكال في زيادتها، وذلك قوله:
لا تجزعي إن منفسا أهلكته ... وإذا هلكت فعند ذلك فاجزعي
«٢» ألا ترى أنّ إحدى الفاءين لا تكون إلّا زائدة، لأنّ (إذا) إنّما يقتضي «٣» جوابا واحدا. وأما بعد «٤» الجزاء في المعنى، فلأن الجزاء ما كان بإثبات معنى أو نفيه، فأمّا ما كان واقعا لا محالة، فإنّه لا يكون من باب الجزاء، والموت ملاق لهم، فرّوا أو لم يفرّوا.
فإن قلت: فقد تقول في الجزاء: لأضربنّك إن سكتّ أو نطقت، ولأعطينك إن خرجت أو أقمت فإن هذا كلام متّسع فيه مخرج عن أصله. وحكمه إذا استعمل حرف المجازاة أن يفعل الإعطاء إذا وقع الخروج، ثم يبدو له أن يفعله في جميع الأحوال فيقول بعد: أو أقمت. وقد يصحّ أن يحمل هذا الكلام
стр. 87
على المعنى فيستقيم أن تكون الفاء جزاء. وذلك أنّ معنى «١»:
(إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ) ومعنى: إنّ الذي تفرون منه من الموت واحد، فكما يصحّ الجزاء في هذا الاسم كذلك يصحّ فيما كان بمعناه.
ألا ترى أنّك قد جازيت حيث كانت الصلة ظرفا لمّا كان الظرف متضمّنا لمعنى الفعل؟ كقوله: وَما بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ [النمل/ ٥٣] ودخلت الفاء في الخبر، كما دخلت في الصلة، والصلة فعل محض، وكل ذلك حمل على المعنى، لأنّ الجزاء المحض لا يكون بالظرف، ولذلك قال سيبويه: إنّ عندك ونحوه لا يبنى على إن. فأمّا دخول معنى الجزاء في الآية وصحته، فعلى أن ينزل الكلام كأنه خوطب به من ظنّ أنّ فراره من الموت ينجيه، وقد جاء الجزاء المحض في ذلك، قال الشاعر:
ومن هاب أسباب المنيّة يلقها ... ولو رام أسباب السماء بسلّم
«٢» فإذا جاز في الجزاء المحض في البيت فكذلك تكون الآية، والتصحيح لمعنى الجزاء في ذلك قول محمد بن يزيد «٣». فإن قلت: فهلّا استدللت بعمل إنّ في الاسم على أن
стр. 88
معنى المجازاة لا يصحّ في الآية، لأنّ إنّ لا يدخل «١» على الجزاء المحض، فكذلك لا يدخل «٢» على هذا الضرب من حيث كان مثل المحض في كونه جزاء. قيل: لا يمتنع دخول إنّ على هذا الضرب وإن كان قد تضمّن الاسم معنى الجزاء، كما امتنعت من الدخول على الجزاء المحض، لأنّ الذي يدخله «٣» اسم، لم يقم مقام الحرف، كما كان ذلك في الجزاء الجازم، والكلام خبر، فإن كان كذلك، لم يكن شيء يمنع من إعمال إنّ، ألا ترى أنّها قد دخلت في قوله: إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذابُ جَهَنَّمَ [البروج/ ١٠] فعملت في الموصول الذي دخلت الفاء في خبره، كما تعمل فيما لا تدخل «٤» الفاء خبره «٥». فما «٦» دخلت عليه إنّ، ممّا في خبره الفاء من صحّة معنى الجزاء فيه كما لم تدخل عليه إنّ، كقوله «٧»: الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ ...
فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ «٨» [البقرة/ ٢٧٤]، ولو ألحقت هذا الضرب من
стр. 89
الأسماء: «ليت ولعل» لم يجز دخول الفاء لأنّ الشرط والجزاء خبر، وما يدخل «١» عليه إنّ مثله.
فأمّا «ليت ولعلّ» فإنهما إذا دخلتا أبطلتا معنى الخبر، وإذا بطل الخبر لم يكن موضع مجازاة، وإذا لم يكن موضع مجازاة لم يصحّ دخول الفاء، فصحّة دخول معنى الجزاء مع دخول إنّ كصحته إذا لم يدخل «٢»، ومن ثم قال «٣» فيمن قال:
المرأة التي أتزوّجها فهي طالق. إنه من تزوّج من النساء طلق لدخول معنى الجزاء الكلام ولحاق الفاء من أجله، والجزاء يوجب الشياع والإبهام واستغراق الجميع لذلك. وإذا جاز هذا الذي ذكرناه في قوله تعالى: قُلْ «٤» إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ «٥» [الجمعة/ ٨] ... لم يكن لمن زعم أن الصفة في حكم الموصوف- من أجل أن الفاء دخلت والفعل في صلة الصفة دون المبتدأ- دلالة على قوله، لاحتماله غير ذلك مما ذكرت «٦».
فأمّا قوله تعالى: شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ
стр. 90
ثم جاء: فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ «١» [البقرة/ ١٨٥] فإن شئت جعلته مثل قوله: قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ، وإن شئت جعلته مبتدأ محذوف الخبر، كأنّه لمّا تقدم: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ [البقرة/ ١٨٣] قيل: فيما كتب عليكم من الصيام شهر رمضان، أي صيامه، كما قال:
الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا [النور/ ٢] أي: فيما فرض عليكم الزانية والزاني، أي: حكمهما. وكذلك مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ «٢» [محمد/ ١٥]. وإن شئت جعلته ابتداء «٣» وجعلت خبره الموصول كقولك: زيد الذي في الدار. فإن قلت: إذا جعلت الذي وصفا في قوله: (الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ) فكيف لم يكن «٤» عن الشهر كقولك: شهر رمضان المبارك من شهده فليصمه؟ فإنّ ذلك يكون كقوله: الْحَاقَّةُ مَا الْحَاقَّةُ [الحاقة/ ١]، والْقارِعَةُ مَا الْقارِعَةُ [القارعة/ ١] ونحو ذلك.
وأمّا جواز دخول معنى الجزاء فيه فلأنّ شهر رمضان وإن كان معرفة فليس بمعرفة معيّنة، ألا ترى أنه شائع في جميع هذا القبيل لا يراد به واحد بعينه، فلا يمتنع من أجل ذلك من معنى الجزاء، كما يمتنع ما يشار به إلى واحد مخصوص، ومن ثم لم يمتنع ذلك «٥» في صفة الموت في قوله: قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ لأنّ الموت ليس يراد به موت بعينه، إنّما يراد
стр. 91
به الشياع، ومعنى الجنس، وخلاف الخصوص. وأشبه الوجوه أن يكون الذي وصفا، ليكون النصّ قد وقع على الأمر بصيام الشهر.
ومن قال: إن الفاء في قوله: فَإِنَّهُ مُلاقِيكُمْ زيادة، فقياس قوله في هذه الفاء أن تكون زائدة أيضا، وهو «١» قول أبي الحسن وأبي عثمان «٢» فيما روى عنه أبو يعلى بن أبي زرعة «٣».
[الفاتحة: ٦]
اختلفوا في قوله تعالى: الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ «٤» [الفاتحة/ ٦] فروي عن ابن كثير: السين والصاد. وروي عن أبي عمرو: السين، والصاد، والمضارعة «٥» بين الزاي والصاد، رواه عنه العريان بن أبي سفيان، وروى عنه الأصمعي «الزراط» بالزاي، والباقون بالصاد، غير أن حمزة يلفظ بها بين الصاد والزاي.
قال أبو بكر «٦»: للقارئ بالسين أن يقول: هو أصل الكلمة، ولو لزم لغة من يجعلها صادا مع الطاء لم يعلم ما أصلها.
ويقول من يقرأ بالصاد: إنّها أخفّ على اللسان، لأنّ
стр. 92
الصاد حرف مطبق كالطاء فتتقاربان، وتحسنان «١» في السمع، والسين حرف مهموس، فهو أبعد من الطاء، وهي قراءة أبي جعفر «٢» والأعرج «٣» وشيبة «٤» وقتادة «٥».
ويقول من قرأ بالزاي: أبدلت منها حرفا مجهورا حتى يشبه الطاء في الجهر، ورمت الخفّة، ويحتجّ بقول العرب:
صقر، وسقر، وزقر.
ويقول من قرأ بالمضارعة التي بين الزاي والصاد «٦»:
رمت الخفة، ولم أجعلها زاء خالصة، ولا صادا خالصة فيلتبس «٧» بأحدهما.
قال أبو بكر: والاختيار عندي الصاد، للخفّة، والحسن في السمع، وهو غير ملبس «٨»، لأنّ من لغته هذا إذا كان يتجنّب السين مع الطاء لم يقع عليه لبس، لأنّ السين كأنّها مهملة في الاستعمال عنده مع الطاء، وإنّما يقع الإلباس «٩» لو التبست كلمة بالسين بكلمة بالصاد في معنيين مختلفين، ومع ذلك فهي قراءة الأكثر، ألا ترى أنّ من رويت عنه القراءة بالسين منهم قد رويت عنه بالصاد؟
стр. 93
وقال «١»: وأما الزاي فأحسب الأصمعيّ لم يضبط عن أبي عمرو، لأنّ الأصمعي كان غير نحويّ، ولست أحبّ أن تحمل القراءة على هذه اللغة، وأحسب أنه سمع أبا عمرو يقرأ بالمضارعة للزاي فتوهّمها زاء.
وأمّا القراءة بالمضارعة التي بين الزاي والصاد «٢» فعدلت عن القراءة بها، لأنّه تكلّف حرف بين حرفين، وذاك أصعب على اللسان، لأنّه إنّما استعمل في هذه الحال فقط، وليس هو بحرف يبنى عليه الكلم، ولا هو من حروف المعجم، ولست أدفع أنّه من كلام الفصحاء من العرب، إلا أنّ الصاد أفصح وأوسع وأكثر على ألسنتهم. والسين والصاد والزاي أخوات، والصاد أشبههنّ بالطاء، لأنّها مطبقة مثلها، والزاي أقرب أيضا إلى الطاء من السين، لأن الزاي حرف مجهور. قال أبو حاتم «٣»: ليست الزاي الخالصة بمعروفة. انتهت الحكاية عن أبي بكر.
قال أبو علي: الحجّة لمن قرأ بالصاد أن القراءة بالسين مضارعة لما أجمعوا على رفضه من كلامهم، ألا ترى أنّهم تركوا إمالة «واقد» ونحوه كراهة أن يصعّدوا بالمستعلي
بعد التسفل بالإمالة؟ فكذلك يكره على هذا أن يتسفّل ثم يتصعّد بالطاء في سراط، وإذا كانوا قد أبدلوا من السين الصاد مع
стр. 94
القاف في صقت، وصويق، ليجعلوها في استعلاء القاف مع بعد القاف من السين وقرب الطاء منها، فأن يبدلوا منها الصاد مع الطاء أجدر من حيث كانت الصاد إلى الطاء أقرب. ألا ترى أنّهما جميعا من حروف طرف اللسان، وأصول الثنايا، وأن الطاء تدغم في الصاد؟
ويدلّك على أنّ حسن إبدال الصاد من السين «١» في «سراط» لما ذكرت لك «٢» من كراهة التصعّد بعد التسفّل، أنّ من يقول: صويق، وصقت إذا قال: قست وقسوت لم يبدل الصاد منها، لأنّه الآن ينحدر بعد الإصعاد، وهذا يستخفّ ولا يستثقل كما استثقل عكسه، ألا ترى أنّهم لم يميلوا نائق، وأمالوا، نحو قادر، وقارب؟
فإن قلت: إنّ السين الأصل بدلالة قولهم: سرطم «٣» وسرطراط «٤» والأخذ سرّيط «٥». قيل: الألف أيضا أصلها ألّا تمال، ولكن لمّا وقعت مع الكسرة والياء فأريد مجانسة
стр. 95
الصوتين وملاءمتهما أميلت، وترك الأصل الذي هو التفخيم والتحقيق لها.
فكذلك في باب صراط وصويق وصالخ «١» وصالغ «٢» لمّا أريد فيه «٣» ذلك ترك الأصل إلى تشاكل الصوتين وتجانسهما، وقد تركوا في غير هذا- لما ذكرت لك- ما هو أصل في كلامهم إلى ما ليس بأصل، طلبا لاتّفاق الصوتين، ألا تراهم قالوا: شمباء، ومم بك «٤»، فلم يبينوا النون التي هي الأصل في الشّنب، ومن عامر؟ لمّا أرادوا أن يوفّقوا بين الصوتين. ولم يستجيزوا إدغام النون في الباء من حيث كان متشابها «٥» ما لم يدغم في الباء وهو الميم، فكما تركوا الأصل هاهنا طلبا للمشاكلة، كذلك يترك الأصل في سراط، ويختار إبدال الصاد من السين.
فأمّا القراءة بالزاي فليس بالوجه. وذلك أن من قال في أصدرت: أزدرت، وفي القصد: القزد، فأبدل من الصاد الزاي، فإنه إذا تحركت الصاد في نحو: صدرت، وصدقت، لم يبدل. فإذا لم يبدلوا الصاد زاء إذا تحركت مع الدال، وكانت الطاء في الصراط، مثل الدال في القصد في حكم
стр. 96
الجهر، فكذلك ينبغي ألّا تبدل من السين الزاي في سراط من أجل الطاء، لأنها قد تحرّكت كما تحركت في صدقت، مع أنّ بينهما في «سراط» حاجزين، وقد قال سيبويه «١»: إذا قال:
مصادر فجعل بينهما حرفا ازداد التحقيق حسنا وكثرة. يريد يزداد التحقيق للصاد كثرة إذا وقع الفصل بالحرف على التحقيق إذا وقع الفصل بحركة نحو: صدق.
وإنما لم تبدل «٢» في الموضعين لمّا فصلت الحركة أو الحرف، لأنّ التبيين وتصحيح الصاد في قصد وأصدرت «٣» قد كان يجوز ولا حاجز بينهما، فلمّا وقع الفصل وحجزت الحركة أو الحرف امتنع ما كان يجوز من قبل.
ألا ترى أن المتقاربين إذا وقعا في كلمة واحدة ففصل بينهما الحركة بيّن، وذلك نحو وتد. ومن أدغم قدّر فيه الإسكان، مثل فخذ فأدغم على ذلك؟ فكما لم يقو الإدغام ولم يكثر مع حجز الحركة كذلك لا يقوى البدل مع حجز الحركة، لاجتماع الموضعين في أن القصد فيهما تقريب حرف من حرف. فأمّا القراءة بالمضارعة، فأحسن من القراءة
بإبدال الزاي من السين، لأنّ من لم يبدل من الصاد الزاي إذا تحركت قد يضارع بنحو صاد صدقت، ويضارع بها إذا بعدت نحو مصادر، والصراط كما قالوا: حلبلاب «٤» فوفّقوا بين الحرفين مع حجز ما حجز بينهما من الحروف، وكأنّه أحبّ أن يشاكل بهذه
стр. 97
المضارعة ليكثر بذلك تناسب أحد الحرفين إلى الآخر. فأشرب الصاد صوت الزاي لذلك.
ومما يقوّي مضارعة الصاد في الصراط بالزاي أنّهم حيث وجدوا الشين مشبهة للصاد والسين في الهمس والرخاوة والاستطالة إلى أعلى الثّنيّتين ضارعوا بها الزاي، لمّا وقع بعده «١» الدال ليتفقا في الجهر، وذلك نحو قولهم: أزدق في الأشدق، وكذلك فعلوا بالجيم قبل الدال لقربها من الشين، وذلك قولهم: أزدر في الأجدر، فإذا ضارعوا بهذين الحرفين الزاي ليقرّبوها بذلك من الدال مع تباعد مخارجهما من الزاي فأن يضارعوا بها الصاد أجدر، لقربها منها واتفاقهما في المخرج. ويؤكّد هذه المضارعة أنّهم قالوا: اجدرءوا «٢» واجدمعوا، فأبدلوا من تاء الافتعال الدال لمّا أشرب صوت الزّاي، كما أبدل «٣» في مزدجر ونحوه، ولا يجوز أن تخلص الشين، والجيم «٤» زاء كما فعلت ذلك في الصاد والسين في:
القصد، ويسدل ثوبه، لأنهما لم تقربا «٥» من الزاي قرب الصاد والسين «٦» منها.
ويقوي اتساع ذلك في الاستعمال أن سيبويه قال: زعم هارون «٧» أنها قراءة الأعرج، قال: وقراءة أهل مكة اليوم:
стр. 98
حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعاءُ [القصص/ ٢٣] بين الصاد والزاي «١» قال: والمضارعة في الصاد يعني إذا كانت مع الدال أكثر وأعرف منها في السين، يعني في نحو: يزدل ثوبه.
وممّا يحتجّ به من أخلص الصاد وحققها على من ضارع بها الزاي أن يقول: الحرف «٢» قد أعلّ مرة بالقلب فلا تستقيم المضارعة، لأنّها إعلال آخر، وقد رأيتهم كرهوا الإعلال في الحرفين إذا تواليا، فإذا لم يوالوا بين إعلالين في حرفين مفترقين فألّا يوالوا بين إعلالين في حرف واحد أجدر.
ويقوّي ذلك أنهم حذفوا النون من نحو بلعنبر، وبلحرث، ولم يحذفوا من بني النجار مع توالي النونات حيث كانت اللام قد اعتلّت «٣» بالقلب لئلا يتوالى إعلالان: الحذف والقلب، وإن كانا من كلمتين مفترقتين فإذا كره في هذا النحو كان توالي إعلالين في حرف واحد أبعد.
وممّا يحتجّون به على من ضارع بها الزاي، أنّ هذه المضارعة تشبه الإدغام في أنّه تقريب الحرف الأول من الثاني، فكما أنّ الصاد لا تدغم في الطاء، لانتقاص صوتها بذلك، فكذلك «٤» لا ينبغي أن يضارع بها لأنّ هذه المضارعة في حكم الإبدال، بدلالة أنّهم حيث ضارعوا بالجيم الزاي في قولهم:
اجدرءوا واجدمعوا أبدلوا من تاء الافتعال الدال كما أبدلوا في
стр. 99
مزدجر. وقال سيبويه: لم تكن المضارعة هنا «١» الوجه، يعني في الصراط «٢».
[الفاتحة: ٧]
اختلفوا في ضمّ الهاء من (عَلَيْهِمْ) «٣» [الفاتحة/ ٧] فقرأ حمزة وحده (عليهم) بضم الهاء وكذلك (لديهم)، (وإليهم) هذه الثلاثة الأحرف بالضم وإسكان الميم وقرأ الباقون: (عَلَيْهِمْ) وأخواتها بكسر الهاء.
واختلفوا في الميم:
فكان عبد الله بن كثير يصل الميم بواو، انضمّت الهاء قبلها أو انكسرت، فيقول: عليهمو غير المغضوب عليهمو ولا الضالين، وعلى قلوبهمو، وعلى سمعهمو، وعلى أبصارهمو غشاوة [البقرة/ ٧].
واختلف «٤» عن نافع في الميم. فقال إسماعيل بن جعفر «٥» وابن جمّاز «٦» وقالون «٧» والمسيّبي «٨»: الهاء مكسورة،
стр. 100
والميم مضمومة، أو منجزمة، أنت فيها مخيّر. وقال أحمد بن قالون عن أبيه: كان نافع لا يعيب ضمّ الميم، فهذا يدلّ على أن قراءته كانت بالإسكان. قال أحمد بن موسى «١»: والذي قرأت به الإسكان. وقال ورش «٢»: الهاء مكسورة والميم موقوفة إلّا أن تلقى الميم ألف أصلية، فإذا لقيتها ألف أصلية ألحق في اللفظ واوا، مثل قوله: سواء عليهموء أنذرتهمو أم لم تنذرهمو «٣» [البقرة/ ٦].
وكان أبو عمرو، وعاصم، وابن عامر، والكسائي يكسرون الهاء، ويسكّنون الميم، فإذا لقي الميم حرف ساكن اختلفوا: فكان ابن كثير، ونافع، وعاصم، وابن عامر يمضون على كسر الهاء، ويضمّون الميم إذا لقيها ساكن، مثل قوله:
عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ [البقرة/ ٦١، آل عمران/ ١١٢]، ومِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ [القصص/ ٢٣]، وما أشبه ذلك.
وكان أبو عمرو يكسر الهاء أيضا ويكسر الميم، فيقول:
عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وإِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ [يس/ ١٤] وما أشبهه.
وكان حمزة والكسائي يضمّان الهاء والميم معا، فيقولان: عليهم الذلة ومن دونهم امرأتين وما أشبه ذلك.
стр. 101
وقال «١» أبو بكر أحمد بن موسى: وكل «٢» هذا الاختلاف في كسر الهاء وضمها إنّما هو في الهاء التي قبلها كسرة، أو ياء ساكنة، فإذا جاوزت هذين لم يكن في الهاء إلا الضّم. وإذا لم يكن قبل الميم هاء قبلها كسرة أو ياء ساكنة لم يجز في الميم إلّا الضم أو التسكين مثل قوله: (مِنْكُمْ)، و (أَنْتُمْ).
قال أبو بكر: فيمن «٣» قرأ عليهم بكسر الهاء ووصل الميم بالواو «٤» - وهو قول ابن كثير ونافع في أحد قوليه-: قال سيبويه «٥»: قال بعضهم: (عليهمو) أتبع الياء ما أشبهها، وترك ما لا يشبه الياء ولا الألف على الأصل. وقال أبو حاتم «٦»: هي قراءة الأعرج «٧». قال أبو بكر «٨»: وقال بعض من احتجّ لذلك:
إن الهاء من جنس الياء، لأنّ الهاء تنقطع إلى مخرج الياء، فوجب لذلك إتباع الهاء الياء.
وحجّة من قرأ عليهم- فكسر الهاء وأسكن الميم «٩» - وهو قول عاصم، وأبي عمرو، والكسائي، وابن عامر «١٠» - أن يقول: إنّه أمن اللبس، إذ كانت الألف في التثنية قد
دلّت على
стр. 102
الاثنين، ولا ميم في الواحد، فلما لزمت الميم الجمع حذفوا الواو، وأسكنوا الميم طلبا للتخفيف، إذ كان لا يشكل.
قال: وقال: لمّا كانت الهاء في (عَلَيْهِمْ) هي الهاء التي كانت «١» في عليه وجب إقرارها «٢» على ما كانت عليه من الكسر قبل دخول الميم «٣»، إذ كانت العلة واحدة.
وحجة من قرأ عليهم- وهو قول حمزة- أنّهم قالوا: ضمّ الهاء هو الأصل، وذلك أنّها إذا انفردت من حروف تتّصل بها قيل: هم فعلوا. والواو هي القراءة القديمة، ولغة قريش، وأهل الحجاز، ومن حولهم من فصحاء اليمن.
قالوا: وإنّما خصّ حمزة هذه الحروف الثلاثة بالضم- وهي (عليهم) و (إليهم) و (لديهم) - لأنّهنّ إن أولاهنّ ظاهرا صارت ياءاتهنّ ألفات مثل: على القوم، ولدى القوم، وإلى القوم، ولا يجوز كسر الهاء إذا كان قبلها ألف.
وحجّة من ضمّ الميم إذا لقيها ساكن بعد الهاء المكسورة أن يقول: إني لمّا احتجت إلى الحركة رددت الحرف إلى أصله فضممت، وتركت الهاء على كسرها، لأنّه لم تأت ضرورة تحوج إلى ردّها إلى الأصل، ولأنّ الهاء إنّما تبعت الياء، لأنّها شبّهت بها ولم تتبعها الميم لبعدها منها. قال أبو حاتم:
وهي «٤» لغة فاشية بالحرمين.
стр. 103
وحجّة من كسر الميم للساكن الذي لقيها والهاء مكسورة أن يقول: أتبعت الكسر الكسر، لثقل الضم بعد الكسر، كما استثقلوا ضمّ الهاء بعد الكسرة، وكذلك استثقلوا ضمّة الميم بعد الهاء «١». ألا ترى أنه ليس في كلامهم مثل فعل، وأنّهم يضمون ألف الوصل في مثل: اقتل، فرارا من الضم بعد الكسر.
وحجّة من كسر الهاء إذا لم يلق الميم ساكن، وضمّها إذا لقي الميم ساكن- وهو قول الكسائي- أنّه يقول: إذا ردّ الميم إلى أصلها ردّ الهاء أيضا إلى أصلها، وأتبع الضمّ الضمّ استثقالا للخروج من الكسر إلى الضمّ.
قال: والاختيار (عَلَيْهِمْ) بالكسر، لأنّها أخفّ على اللسان، وهي قراءة الأكثر.
قال سيبويه: الهاء تكسر إذا كان قبلها ياء أو كسرة، لأنّها خفيّة، كما أن الياء خفيّة، وهي من حروف الزيادة، كما أن الياء من حروف الزيادة، وهي من موضع الألف، وهي أشبه الحروف بالياء. فكما أمالوا الألف في مواضع استخفافا، كذلك كسروا هذه الهاء وقلبوا الواو ياء، لأنّه لا تثبت واو ساكنة وقبلها كسرة. وذلك قولك: مررت بهي [قبل]، ولديهي مال، ومررت بدارهي قبل، وأهل الحجاز يقولون: مررت بهو قبل، ولديهو مال، ويقرءون: فخسفنا بهو وبدارهو «٢» الأرض [القصص/ ٨١]، فإن لحقت «٣» الهاء الميم في علامة الجمع
стр. 104
كسرتها كراهية «١» الضمة بعد الكسرة. ألا ترى أنّهما لا تلزمان «٢» حرفا أبدا؟ - يعني أنّه ليس في الكلام مثل فعل- فإذا كسرت الميم قلبت الواو ياء كما فعلت ذلك في الهاء. ومن قال: (وبدارهو الأرض) قال: عليهمو مال «٣».
قال: والاختيار- إذا لقيها ساكن- كسر الميم، وذلك أنه أخفّ، وهذه الكسرة ليست بالكسرة التي تأتي لالتقاء الساكنين، ولا أصل لها في الكلمة، لأن هذا الحرف له حركة في الأصل فحقّه أن يردّ- متى احتيج إلى حركته- إلى الأصل، وكأنّ من يكسر يقدّر أن أصل الحرف: (عليهمي)، روي عن الحسن «٤» أنه كان يقرأ (عليهمي) بكسرتين ويثبت الياء في الوصل. وقال أبو حاتم «٥»: لم أسمع أحدا يقرأ بكسر الميم إلّا ألحق الياء في الوصل، ولا أحدا يضمّ الميم إلّا ألحق واوا في الوصل، والواو والياء تسقطان في الوقف. انتهت الحكاية عن أبي بكر.
قال أبو علي: الحجّة لمن قرأ: (عَلَيْهِمْ) بكسر الهاء أن الهاء من مخرج الألف وهي في الخفاء نحوها، فكما أنّ الكسرة أو الياء إذا وقعت إحداهما قبل الألف أميلت الألف نحوها، وقرّبت منها، كذلك إذا وقعت قبل الهاء قرّبت الهاء منها بإبدال ضمّتها كسرة، كإمالتهم الألف نحو الياء. وممّا يؤكّد شبهها بالألف، أنّهم قد قالوا: أخذت أخذه «٦» وضربت ضربه،
стр. 105
فأمالوا الفتحة التي قبلها نحو الكسرة، كما أمالوها إذا كانت قبل الألف نحو الكسرة، لتميل الألف نحو الياء.
فإن قلت: إنّه لا شيء في قولهم: ضربت ضربه، يوجب الإمالة «١» من كسرة ولا ياء ولا غيرهما مما يوجب الإمالة، فكيف استدللت بقولهم: ضربت ضربه على ما يوجب كسر الهاء في عليهم، وليس في «ضربه» شيء يوجب الإمالة؟ قيل:
إنّ ذلك يشبه من الإمالة ما أميل لغير سبب موجب للإمالة «٢»، كقولهم في العلم: الحجّاج، والناس، وكقولهم: طلبنا، ورأيت عنتا. فعلى هذا الحد أمالوا في قولهم: ضربت ضربه، ألا ترى أنهم لم يميلوا إذا جاوزت الياء والكسرة حرفا سوى الهاء.
وكان إمالة الفتحة مع الهاء ساكنة أكثر في الاستعمال من باب طلبنا، وأقيس، لأنّ الهاء قد أجريت متحركة مجرى الألف فيما ستراه بعد، إن شاء الله، فإذا كانت ساكنة كانت أن تجرى مجرى الألف أجدر وأسهل.
وممّا يؤكّد شبه الهاء بالألف اجتماعهما في تبيين الحركة نحو: (أنا) و (حيّ هلا) كتبيينهم إيّاها بالهاء في: (كِتابِيَهْ) و (حِسابِيَهْ). ولو لفظت بالباء من ضرب، لقلت في قول الخليل إن شئت: به وإن شئت با. فكما جرتا مجرى واحدا في هذا، كذلك جعل في عليهم بمنزلة الألف في أن أبدل من ضمتها كسرة ليوفّق بين الصوتين فيكونا من جهة واحدة.
فإن قلت: ما وجه استجازة الخليل التخيير بين الهاء
стр. 106
والألف في إلحاق الحرف الملفوظ به «١»، وهلّا ألحق الهاء دون الألف، لقلة إلحاق الألف في الوقف، وكثرة إلحاقهم الهاء فيه؟ قيل: جمع بينهما لمشابهة كلّ واحد منهما الآخر فيما ذكرنا، ولقيام كل واحد منهما مقام الآخر، ولأنّهم قد ألحقوا هذه الحروف الألف في قولهم با، تا، ثا ونحوه، فكثر في هذا الباب وإن لم يكثر في غيره.
فإن قلت: فإنّ الهاء لا يجري فيها الصوت كما يجري في الألف وأختيها. فإنّها وإن كانت كذلك، فإنّها توافقها في الخفاء، والضعف، واتّفاق المخرج، فلا ينكر- وإن اختلفا من حيث ذكرت- أن يتفقا في تقريب إحداهما من الأخرى، كما قربت الباء من الميم في قولهم: (اصحب مطرا)، لاتفاقهما في المخرج، وإن كانتا قد اختلفتا في غير ذلك.
ومما يبيّن شبه الهاء بالألف أنّهم قد غيّروا بها بعض الحروف في الوقف، وأبدلوها منه كما فعلوا ذلك بالألف في:
رأيت رجلأ «٢».
وممّا يدلّ على خفاء الهاء ومشابهتها الألف والياء أنّها إذا كانت إضمار مذكّر بعد حرف ساكن أو مجزوم، حرّكوا الساكن، أو المجزوم بالضمّ، وذلك قولهم في الوقف: «لم يضربه، وقده، ومنه» «٣» وقد كسروا أيضا قبله التاء التي
стр. 107
للتأنيث، وذلك قولهم: ضربته. ومثل هذا في قول أبي الحسن قول بعضهم: ادعه، فكسروا العين للساكن الثاني الذي هو هاء الوقف، فإذا وصلت أسكنت كلّ ذلك، لأنّك تحرك هاء الضمير فتبيّن الحركة «١».
قال أبو زيد: قال- يعني رجلا عربيا-: لم أضربهما، فكسر الهاء مع الباء. قال أبو علي: فهذا على أنّه أجرى الوصل مجرى الوقف نحو: «سبسبّا» «٢»، ولا تحمله على «٣» أجوءك «٤» ونحوه، لأنّ سكون الإعراب مثل حركته، فلا يتبع «٥» غيره، كما أن حركة الإعراب لا يبدل «٦» منها للإتباع، كما لا تسكن في حال السعة والاختيار، ألا ترى أن من قال:
لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا [البقرة/ ٣٤] لم يكن مصيبا، ولم يجز كما جاز «منتن» وكما جاز وَعَذابٍ ارْكُضْ «٧» [ص/ ٤١ - ٤٢]،
стр. 108
وليس قوله: لم أضربهما مثل:
... لم يلده أبوان «١» لأنّ التحريك لالتقاء الساكنين، وذلك أنّه لمّا أسكن العين التي وليت حرف المضارعة حيث كان مثل: كبد، كما أسكن «تفخا» من قوله: أراك منتفخا، التقى ساكنان فحرّك لذلك، ومثل ذلك قوله سبحانه: وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ [النور/ ٥٢] ومثل «لم يلده» ما أنشده أبو زيد:
أجرّه الرّمح ولا تهاله «٢»
стр. 109
ألا تراه حرّك اللام المنجزمة بالفتح، لالتقاء الساكنين، كما فعل ذلك في «لم يلده». إلّا أنّ اللام في «تهاله» حرّكت للساكن الثاني فكان القياس ألّا تردّ الألف التي هي ردف،
كما لم تردّ فيما حكاه سيبويه من قولهم: لم أبله. وليس قول من قال: (ويتقه) كما أنشده أبو زيد «١»:
قالت سليمى اشتر لنا سويقا لأنّ هذا إمّا أن يكون على سبسبّا «٢» أو على: لم يك «٣».
ووجه ثالث: وهو أن يجرى الوصل في قوله: اشتر لنا، مجرى الوقف.
ومن ذلك «٤» أنّهم حذفوها لاما كما حذفوا الياء وأختها، وذلك نحو: شاة وشفة وسنة فيمن «٥» قال: سنهاء، وفم.
فبحسب كثرة الشبه يحسن إجراؤها مجرى ما قام فيها الشبه منه، ألا ترى أنّ الشيء إذا أشبه في كلامهم شيئا من وجهين
стр. 110
فقد تجري عليه أيضا «١» أشياء من أحكامه، نحو أبواب ما لا ينصرف، ونحو شبه «ما» ب «ليس». فإذا زاد على ذلك كان تشبيهه بالمشابهة له «٢» من جهات كثيرة أجدر.
ومن ذلك أنهم «٣» أبدلوها من الياء، كما أبدلوا منها الألف في «طائيّ» ونحوه. وذلك قولهم: ذه أمة الله «٤». في ذي «٥». تسكن في الوصل كما أسكنت ميم عليهم وعليكم فيه، من حيث لزم ما قبلها ضرب واحد من الحركة، وتلحق هذه الهاء التي هي بدل من الياء في الوصل الياء، وذلك قوله تعالى: قل هذهي سبيلي [يوسف/ ١٠٨] فإذا وقفت قلت:
هذه تحذفها كما حذفتها في عليه وبه في الوقف، وهذا على لغة أهل الحجاز، فأما بنو تميم فإنهم يقولون في الوقف «٦»:
هذه، فإذا وصلوا قالوا: هذي فلانة.
ومن ذلك أنهم أبدلوا الياء منها في التضعيف، كما أبدلوا الألف من الياء في حاحيت، وذلك قولهم في دهدهت «٧»:
دهديت، وقالوا: دهدوهة كدحروجة. وقالوا: دهديّة، فأبدلوا. ومن ذلك أنّهم أبدلوا الهمزة منها لاما كما يبدلونها من حروف اللين، وذلك قولهم: ماء. قال أبو زيد: قالوا: ماهت الركيّة تموه وتميه وأماهها صاحبها إماهة. وأنشد أحمد بن يحيى «٨»: