← Таджвид и кираат

Таджвид и кираат · id 35101

الحجة للقراء السبعة

أبو علي الفارسي

Полный текст (2 942 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ [غافر/ ٤١] وأَنَّما تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ [غافر/ ٤٣]. قال أبو علي: حجة من فتح هذه الياء إذا تحرك ما قبلها أن أصل هذه الياء الحركة، لأنّها بإزاء الكاف للمخاطب فكما فتحت الكاف كذلك تفتح الياء. فإن قلت: إنّ الحركة في حروف اللين مكروهة. قيل: الفتحة من بينها لا تكره فيها، وإن كرهت الحركتان الأخريان، ألا ترى أن القاضي ونحوه، يحرّك بالفتح كما تحرك «١» سائر الحروف التي لا لين فيها، أو لا ترى أنّ الياء في غَواشٍ [الأعراف/ ٤١] ونحوها تثبت في النصب ولا تحذف كما تحذف في الوجهين الآخرين، فتجري في النصب مجرى مساجد ونحوها «٢» من الصحيح، فكذلك الياء. وإن تحرك «٣» ما قبلها يلزم أن تحرك بالفتح كما حركت الكاف بها، لأنّها قد جرت مجراها «٤». ومجرى الحروف الصحيحة إذا تحركت بالفتح. ومما يدل على استحقاقها التحرك بالفتح أنّها إذا سكن ما قبلها اتفقوا على تحريكها بالفتح، نحو: هذا بشراي، وغلاماي، وهذا قاضيّ، ورأيت غلاميّ، فاجتماعهم على تحريكها بالفتح في هذا النحو يدل على أن ذلك أصلها إذا تحرك ما قبلها. ويدل على لزوم تحركها بالفتح تحريكهم النون في

стр. 457

فعلن، ويفعلن، وهو حرف ضمير كالياء، فكما اتفقوا على تحريك النون- وهي اسم كذلك- يلزم أن تحرّك الياء. فإن قلت: ما تنكر أن تكون النون في فعلن إنّما حركت لالتقاء الساكنين في فعلن ويفعلن؟ ألا ترى أن ما قبلها لا يكون إلا ساكنا؟ فلما كان إسكانها يؤدي إلى التقاء الساكنين حركت لذلك، وحركة التقاء الساكنين غير معتد بها. قيل: الذي يدلّ على أن تحريكها من حيث كانت اسما أنّها نظير الكاف، وقد حركوا تاء المخاطب والمتكلم أيضا. فأمّا الألف في قاما، ويقومان، والواو في فعلوا، ويفعلون، فإنّما أسكنتا، لأنّ الألف إذا حركت انقلبت، والواو إذا انضم ما قبلها كره أكثر الحركات فيها، ومع ذلك فإنها جعلت في السكون مثل الألف، كما جعلت الكسرة في مسلمات بمنزلة الياء في مسلمين، ومع ذلك فما فيهما من المد قد صار عوضا فيهما من الحركة. وحجة من أسكن أن الفتحة مع الياء قد كرهت في الكلام، كما كرهت الحركتان الأخريان فيها. ألا ترى أنّهم قد أسكنوها في الكلام في حال السعة إذا لزم تحريكها بالفتحة، كما أسكنوها إذا لزم تحريكها بالحركتين الأخريين؟ وذلك قولهم: قالي قلا، وبادي بدا، «١» ومعد يكرب، وحيري دهر، «٢» فالياء في هذه المواضع في موضع الفتحة التي في آخر

стр. 458

أول الاسمين، نحو حضر موت، وبعلبكّ، وقد أسكنت كما أسكنت في الجر والرفع. ومما يؤكد الإسكان فيها أنّها مشابهة للألف، والألف تسكن، في الأحوال الثلاث، فكما أسكنت الألف فيها كذلك تسكن الياء. والدليل على شبه الياء الألف «١» قربها منها في المخرج، وإبدالهم إياها منها في نحو: طائيّ وحاريّ في النسب إلى: طيئ والحيرة، وقولهم: حاحيت وعاعيت. «٢» و: لنضربن بسيفنا قفيكا «٣» فكما تسكن الألف في الأحوال الثلاث كذلك تسكن الياء فيها. «٤» والدليل على صحة هذه الطريقة أن العرب قد فعلت ذلك بها في الكلام وحال السعة فيما أريناكه. «٥» وأسكنوها أيضا في الشعر في موضع النصب لهذه

стр. 459

المشابهة، وكثر ذلك في الشعر حتى ذهب بعضهم إلى استجازته «١» في الكلام. فأمّا حجة أبي عمرو في فتحه الياء مما رآه خفيفا مع الهمزة، فهي أن الهمزة قد فتح «٢» لها ما لم يكن يفتح لو لم يجاور الهمزة، نحو: «٣» يقرأ، ويبرأ ولولا الهمزة لم يفتح شيء من ذلك. فإذا فتح لها ما لا يفتح إذا لم يجاور الهمزة فأن يفتح لها ما قد يفتح «٤» مع غيرها أحرى. والمفتوحة والمكسورة سيان في إتباع الياء لها في التحريك بالفتح، ألا ترى أنّهم قد غيروا للهمزة المكسورة الحرف الذي قبلها، فقالوا: الضئين، «٥» وصأى صئيّا، «٦» ورجل جئز، «٧» وشهد، ولم يفعلوا ذلك في رءوف، فكذلك لم تفتح الياء قبل «٨» الهمزة المضمومة في نحو عذابي أصيب، كما فتحت قبل المفتوحة والمكسورة «٩» في نحو: سَبِيلِي أَدْعُوا [يوسف/ ١٠٨] وإِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي [يوسف/ ١٠٠]. فإن قلت: إن ما ذكرته من التغيير للهمزة المفتوحة

стр. 460

والمكسورة إنّما جاء في المتصل، نحو: يقرأ، ويبرأ، والضئين والصئي، وجئز، وما فعله أبو عمرو من فتح الياء مع المفتوحة والمكسورة منفصل. قيل: يشبّه المنفصل بالمتصل هنا، كما شبهه به في: يا يا صالح يتنا [الأعراف/ ٧] «١» لما فعلته العرب من تشبيه المنفصل بالمتصل في مواضع كثيرة، قد ذكرنا منها أشياء في هذا الكتاب. ومن قال إنّه إنّما فتح الياء مع الهمزة لتتبين الياء معها لأنّها خفية، كما بينوا النون مع حروف الحلق وأخفوها مع غيرها، فإنّا لا نرى أنّ أبا عمرو اعتبر هذا الذي سلكه هذا القائل، ولو كان كذلك لحرّك الياء مع الهمزة إذا كانت مضمومة، لأنّ النون تبيّن مع الهمزة، مضمومة كانت، أو مكسورة، أو مفتوحة، ومع ذلك فإنّ النون تبيّن مع سائر حروف الحلق، ولسنا نعلم أبا عمرو يفتح الياء مع سائر حروف الحلق. [يتلوه إن شاء الله وبه القوة، في الجزء الثاني: «فإن قلت: فإن الهمزة قد تفتح لها ما قبلها وإن كانت مضمومة». والحمد لله رب العالمين كما هو أهله ومستحقه. وصلى الله على محمد النبي وآله وسلّم تسليما] «٢».

стр. 461

[تتمة سورة البقرة] بسم الله الرّحمن الرّحيم «١» استعنت بالله [البقرة: ٣٣] فإن قلت: فإنّ الهمزة قد تفتح «٢» لها ما قبلها وإن كانت مضمومة نحو: يقرأ في موضع الرفع، فهلّا فتح الياء في عَذابِي أُصِيبُ [الأعراف/ ١٥٦] كما فتح قبل المفتوحة والمكسورة في نحو: سَبِيلِي أَدْعُوا [يوسف/ ١٠٨] وإِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي [يوسف/ ١٠٠] فأقول «٣»: إنّ هذه الضمة إن كانت للإعراب، لم تكن في حكم الضمة عندهم، ألا ترى أنّهم قد قالوا نمرّ، وكتف ونحو ذلك في الرفع ورفضوا الضمة بعد الكسرة في كلامهم، فلم يجيء فيه فعل، فإذا كان كذلك، لم يلزمه أن يفتح الياء قبل الهمزة المضمومة لما ذكرت، لأنّها عندهم لمّا لم تثبت، لم تكن في حكم الضم «٤»، وأما ما رواه «٥» من ذلك غير مستخفّ، فأسكن الياء فيه، فهو حسن، وذلك أنّ هذه الياء، إذا لم تحرك، إذا كانت مع ما يستخفّ فلأن يكره «٦» حركتها مع ما لا يستخف أجدر وقد كرهوا الحركة

стр. 462

فيما تتوالى فيه الحركات وإن كانت للإعراب، فزعم أبو الحسن: «١» أنّ بعضهم قال: رُسُلُهُمْ [إبراهيم/ ١٠]. ونحو هذا ما أنشده سيبويه من قوله «٢»: إذا اعوججن قلت صاحب قوّم ونحوه قول جرير: سيروا بني العمّ فالأهواز منزلكم ... ونهر تيرى ولا تعرفكم العرب «٣» فأمّا حدّ المستخفّ، والمستثقل، فإن جعل ما زاد على الثلاثة غير مستخفّ، كان مذهبا وإن جعل المستثقل ما توالى فيه أربع حركات كان مذهبا، لأنّك قد علمت استثقالهم له برفضهم إيّاه في الشّعر، إلّا في موضع الزّحاف، وإذا لم يستخفّ «٤» الأربعة فالخمسة أجدر بأن لا تستخفّ. بسم الله «٥»: كلّهم قرأ: أَنْبِئْهُمْ [البقرة/ ٣٣] بالهمز وكذلك) «٦» روى بعض رواة المكيين عن ابن كثير أَنْبِئْهُمْ

стр. 463

بكسر الهاء والهمز، قال أحمد: وهذا خطأ لا يجوز. قال أبو علي: النبأ: الخبر، عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ [النبأ/ ٢] أي: الخبر، وقالوا منه: نبأته وأنبأته «١». وَنَبِّئْهُمْ عَنْ ضَيْفِ إِبْراهِيمَ [الحجر/ ٥١] أي: أخبرهم عن ضيفه. وضمّ الهاء، إلا ما رواه «٢» عن ابن عامر أَنْبِئْهُمْ «٣» بكسر الهاء مع الهمز، ويُنَبَّؤُا الْإِنْسانُ يَوْمَئِذٍ بِما قَدَّمَ وَأَخَّرَ [القيامة/ ١٣] أي يخبر به، فهذا كقوله تعالى: يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ [النور/ ٢٤] وقال «٤»: وَقالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنا، قالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ [فصلت/ ٢١] وهذا كِتابُنا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ [الجاثية/ ٢٩] ومن ثم قرأ من قرأ: هُنالِكَ تَبْلُوا كُلُّ نَفْسٍ ما أَسْلَفَتْ [يونس/ ٣٠] بالتاء، فهذه «٥» الآي في معنى إخبار الإنسان بأعماله، وتوقيفه عليها. وأَنْبِئُونِي بِأَسْماءِ هؤُلاءِ [البقرة/ ٣١]. أخبروني بها، ويا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمائِهِمْ [البقرة/ ٣٣] أخبرهم، فلما كان النبأ مثل الخبر، كان أنبأته عن كذا، بمنزلة: أخبرته عنه. ونبأته عنه، مثل: خبّرته «٦». ونبّأته به، مثل: خبّرته به. وهذا مما يصحح ما ذهب إليه سيبويه، من أن معنى نبّئت زيدا: نبّئت عن زيد، فحذف حرف الجر، لأن نبّأت قد ثبت أن أصله خبّرت بالآي التي تلوناها «٧»، فلما حذف حرف الجرّ «٨»، وصل الفعل إلى المفعول الثاني،

стр. 464

فنبّأت يتعدّى إلى مفعولين، أحدهما يصل إليه بحرف جر، كما أن أخبرته عن زيد كذلك. فأمّا المتعدي إلى ثلاثة مفعولين، نحو: نبّأت زيدا عمرا أبا فلان، فهو هذا في الأصل، إلّا أنّه حمل على المعنى، فعدّي إلى ثلاثة مفعولين وذلك أنّ الإنباء الذي هو إخبار: إعلام، فلما كان إياه في المعنى، عدّي إلى ثلاثة مفعولين، كما عدّي الإعلام إليهم «١»، ودخول هذا المعنى فيه، وحصول مشابهته للإعلام، لم «٢» يخرجه عن الأصل الذي هو له من الإخبار، وعن أن يتعدى إلى مفعولين، أحدهما يتعدى «٣» إليه بالباء، أو بعن، نحو: نَبِّئْهُمْ عَنْ ضَيْفِ إِبْراهِيمَ [الحجر/ ٥١] ونحو قوله: فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ [التحريم/ ٣] كما أن دخول معنى أخبرني في «أرأيت» لم يخرجه عن أن يتعدى إلى مفعولين، كما كان يتعدّى إليهما، إذا لم يدخله معنى أخبرني به، إلّا أنّه امتنع من أجل ذلك أن يرفع المفعول به بعده على الحمل على المعنى، من أجل دخوله في حيّز الاستفهام، فلم يجز: «أرأيتك زيد أبو من هو؟» كما جاز: «علمت زيد أبو من هو؟». و «رأيت زيد أبو من هو؟» حيث كان المعنى: علمت أبو من زيد فكذلك دخول معنى الإعلام في الإنباء، والتنبيء لم يخرجهما عن أصلهما وتعدّيهما إلى مفعولين، أحدهما: يصل إليه الفعل بحرف الجر، ثم يتّسع فيحذف الحرف «٤»، ويصل الفعل إلى الثاني.

стр. 465

فأمّا من قال: إنّ الأصل في نبّئت على خلاف ما ذكرنا، فإنّه لم يأت على ما ادعاه بحجة ولا شبهة. فأمّا قوله: نَبِّئْ عِبادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ [الحجر/ ٤٩] فيحتمل ضربين أحدهما: أن يكون (نبّئ) بمنزلة أعلم، ويكون «١» أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ قد سدّ مسدّ المفعولين، كما أنّه في قولك: علمت أنّ زيدا منطلق، قد سدّ مسدّهما، فتكون (نبّئ) هذه المتعدية إلى ثلاثة مفعولين. ويجوز أن يكون (نبّئ) بمنزلة: (خبّر) عبادي بأنّي، فحذف الحرف، ف (أنّ) في قول الخليل على هذا: في موضع جر، وعلى قول غيره: في موضع نصب. فأمّا قوله: قُلْ أَأُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ [آل عمران/ ١٥] فإن جعلت اللّام «٢» متعلقة (بأؤنبّئكم)، جاز الجرّ في جنات على البدل من خير، وإن جعلته صفة لخير، لأنه نكرة جاز الجرّ في جنات أيضا. وإن جعلتها متعلقة بمحذوف، لم يجز الجرّ في جنات، وصار مرتفعا بالابتداء أو بالظرف. ولم يجز غير ذلك، لأن اللام حينئذ لا بد لها من شيء يكون خبرا عنه. فأما قوله: قَدْ نَبَّأَنَا اللَّهُ مِنْ أَخْبارِكُمْ [التوبة/ ٩٤] فلا يجوز أن تكون (من) فيه زيادة على ما يتأوّله أبو الحسن من زيادة (من) في الواجب، لأنه يحتاج إلى مفعول ثالث، ألا ترى أنه لا خلاف في أنه إذا تعدى إلى الثاني، وجب تعديه إلى المفعول الثالث، وإن قدرت تعديته «٣» إلى مفعول محذوف، كما تؤوّل قوله:

стр. 466

يُخْرِجْ لَنا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِها [البقرة/ ٦١]- أي شيئا- لزم تعديته إلى آخر. فإن جعلت (من) زيادة «١»، أمكن أن تضمر مفعولا ثالثا، كأنّه: نبأنا الله أخباركم مشروحة. ويجوز أن تجعل (من) ظرفا غير مستقر، وتضمر المفعول الثاني، والثالث كأنه: نبأنا الله من أخباركم ما كنتم تسرونه تنبيئا، كما أضمرت في قوله «٢»: أَيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ [القصص/ ٦٢] أما قوله «٣»: وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ [يونس/ ٥٣] فيكون يستنبئونك: يستخبرونك، فيقولون: أحقّ هو؟ ويكون: يستنبئونك: يستعلمونك، والاستفهام قد سدّ مسدّ المفعولين. ومما يتّجه على معنى الإخبار دون الإعلام، قوله «٤»: وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ [سبأ/ ٧] فالمعنى: يخبركم، فيقول لكم: إذا مزّقتم، وليس على الإعلام، ألا ترى أنهم قالوا: أَفْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَمْ بِهِ جِنَّةٌ [سبأ/ ٨] قال أبو علي «٥»: فأما قوله «٦»: (أنبئهم) فحجة من قرأ بضم الهاء ظاهرة، وذلك أن أصل هذا الضمير أن تكون الهاء مضمومة فيه، ألا ترى أنك تقول: ضربهم وأنبأهم، وهذا لهم. وإنما تكسر الهاء إذا وليتها كسرة أو ياء، نحو: بهم وعليهم. وهذا أيضا يضمه قوم، فلا يجانسون بكسرتها الكسرة التي قبلها، ولا الياء، ولكن يضمّونها على الأصل، نحو: بهم، وبهو، وبدارهو، وعليهم، وقد تقدم ذكر

стр. 467

ذلك في أول الكتاب «١». فأما وجه قراءة من قرأ: «أنبئهم» فكسر «٢» الهاء، والذي قبلها همزة مخففة، فإنّ لكسره الهاء «٣» وجهين من القياس على ما سمع منهم. أحدهما: أنه أتبع كسر «٤» الهاء الكسرة التي قبلها، والحركة للإتباع قد جاء مع حجز السكون وفصله بين المتحركين، ألا ترى أنّ أبا عثمان قد حكى عن عيسى عن ابن أبي إسحاق: هذا المرء، ورأيت المرء، ومررت «٥» بالمرء. فأتبعوا مع هذا الفصل، كما أتبعوا في اللغة الأخرى: هذا امرؤ، ورأيت امرأ، وبامرئ. وكذلك: أخوك، وأخاك، وأخيك. فكذلك يكون قوله: (أنبئهم) أتبعت كسرة الهاء الكسرة التي على الباء. ومما يثبت ذلك، أن أبا زيد قال: قال رجل من بكر بن وائل: أخذت هذا منه يا فتى، ومنهما، ومنهمي. بكسر «٦» الاسم المضمر في الإدراج والوقف. قال: وقال عنه «٧»، وقال: لم أعرفه، ولم أضربه. بكسر كل هذا. قال أبو زيد: وقال: لم أضربهما بكسر «٨» الهاء مع الباء. ففي ما حكاه أبو زيد: ما يعلم منه أنّ الإتباع مع حجز الساكن بين الحركتين، مثله إذا توالت الحركتان، فلم يحجز بينهما شيء. ألا ترى أنه قال: منه- ومنهما- ومنهمي، فأتبع الكسر الكسر مع حجز السكون «٩» بينهما، كما أتبع في: لم أضربه، ولم أضربهما، ولم أعرفه،

стр. 468

وإن لم يحجز بينهما شيء؟ فكذلك قوله «١»: (أنبئهم) أتبع الكسرة في الهاء الكسرة التي قبلها. والوجه الآخر «٢»: أنه لم يتعدّ بالحاجز الذي بين الكسرة والهاء لسكونها، فكأن الكسرة وليت الهاء، والكسرة إذا وليت الهاء «٣» كسرت نحو: به. ويكون تركهم الاعتداد- في «أنبئهم» - بالسكون كتركهم الاعتداد به في قولهم: هو ابن عمّي دنيا، وقنية «٤»، ألا ترى أنه من الدنوّ، وقالوا: قنوة. فكما قلبت الواو ياء في عارية ومحنية، لانكسار ما قبلهما، كذلك قلبوها مع حجز الساكن في دنيا. فإذا رأيتهم لم يعتدّوا بالحاجز إذا كان ساكنا، كذلك يجوز أن لا يعتدّ به حاجزا في قراءة ابن عامر، وما روي عن ابن كثير. ولو ترك تارك الهمز في: (أنبئهم) فقال: (أنبيهم) لكان لكسر الهاء وجهان. أحدهما: أنه لما خفف الهمزة لسكونها وانكسار ما قبلها «٥» فقلبها ياء كذيب وميرة «٦» أشبهت الياء التي هي غير منقلبة عن الهمزة، فكسر الهاء بعدها، كما تكسر «هم» بعد: (ترميهم) و (يهديهم). ويقوي ذلك أن منهم من أدغم الواو الساكنة

стр. 469

المنقلبة عن الهمزة في الياء، كما تدغم الواو التي ليست منقلبة، وذلك في قولهم: ريّا، وريّة «١». ويقوّي ذلك إيقاعهم الألف المنقلبة عن الهمزة ردفا «٢»، كإيقاعهم المنقلبة عن الياء أو الواو «٣»، وذلك قوله «٤»: على رال «٥» كما تقول: على بال. والوجه أن لا تكسر الهاء على هذا المذهب، كما أن الوجه أن لا تدغم. والوجه الآخر: أن تقلب الهمزة إلى الياء قلبا. وهذا وإن كان سيبويه لا يجيزه إلا في الشعر، فإن أبا زيد يرويه عن قوم من العرب. وإذا اتّجهت له هذه الوجوه لم ينبغ أن يخطّأ، وإن أمكن أن يقال إن غيره أبين وجها منه وأظهر. فأما آدم: فقال بعض أهل اللغة: إن الآدم «٦» من الإبل

стр. 470

والظباء: الأبيض «١»، وما سوى ذلك، فالآدم الذي ليس بأبيض على ما يتكلم به الناس فيقولون: رجل آدم للذي ليس بأبيض، ورجل أسمر، وهو أصفى من الآدم. قال: ولا تقول العرب للرجل: أبيض، من اللون، إنما يقولون: أحمر، قال: وقال رسول الله ﷺ «٢»: «بعثت إلى الأسود والأحمر» «٣» وإنما الأبيض: البعيد من الدّنس النقي، قال: ويقال: ظبي آدم- وظبية أدماء- وبعير آدم- وناقة أدماء- للأبيضين. قال أبو الحسن: (أنبئهم بأسمائهم) الهاء مضمومة إذا همزت، وبها نقرأ، لأن الهاء لا يكسرها إلا ياء، أو كسرة، ومن العرب من يهمز ويكسر، وهي قراءة، وهي رديئة في القياس فإذا خفّفت الهمزة فكسر الهاء أمثل شيئا لشبهها بالياء. [البقرة: ٣٦] اختلفوا في قوله تعالى: فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطانُ عَنْها [البقرة/ ٣٦]. فقرأ حمزة وحده: فأزالهما بألف خفيفة، وقرأ الباقون: فَأَزَلَّهُمَا مشدّدا بغير ألف. قال أبو بكر أحمد: وروى أبو عبيد: أنّ حمزة قرأ: فأزالهما بالإمالة، وهذا غلط «٤». بسم الله «٥»: حجة حمزة في قراءته (فأزالهما الشيطان

стр. 471

عنها) أن قوله: يا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلا مِنْها [البقرة/ ٣٥] تأويله: أثبتا فثبتا، فأزالهما الشيطان، فقابل الثبات بالزوال، الذي هو خلافه. ومثل ذلك قوله تعالى «١»: فَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى أَنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ [الشعراء/ ٦٣] تأويله: فضرب فانفلق، ومثله: فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ [البقرة/ ١٩٦] أي: فحلق، فعليه فدية. ونسب الفعل إلى الشيطان، لأن زوالهما عنها إنما كان بتزيينه ووسوسته، وتسويله، فلما كان ذلك منه سبب زوالهما عنها أسند الفعل إليه. ومثل هذا قوله تعالى «٢»: وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى [الأنفال/ ١٧] فالرمي كان للنبي ﷺ حيث رمى فقال: «شاهت الوجوه» «٣» إلا أنه لما كان بقوة الله وإرادته نسب إليه. ومما يقوي قراءته قوله تعالى «٤»: فَأَخْرَجَهُما مِمَّا كانا فِيهِ [البقرة/ ٣٦] فقوله: فأخرجهما في المعنى قريب من أزالهما، ألا ترى أن إخراجه إياهما منها، إزالة منه لهما عما كانا فيه. فإن قال قائل: ما ننكر أن يكون فاعل أخرجهما، لا يكون ضمير الشيطان ولكن المصدر الذي ذكر فعله كقولهم: من كذب كان شرّا له، فالدّلالة على أن فاعله «٥» ضمير الشيطان، قوله في الأخرى: يا بَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطانُ كَما أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ [الأعراف/ ٢٧].

стр. 472

ففاعل أخرجهما: الشيطان، كما بيّن ذلك في هذه «١». ويقوي قراءته أيضا تأويل من تأوّل أن: فَأَزَلَّهُمَا من زلّ، الذي هو عثر، ألا ترى أن ذلك قريب من الإزالة في المعنى. فإن قال قائل: فإنه إذا قرأ: فأزالهما كان قوله بعد: فَأَخْرَجَهُما تكريرا، فالقراءة الأخرى أرجح، لأنها لا تكون على التكرير، قيل: إن قوله «٢»: أخرجهما، ليس بتكرير لا فائدة فيه، ألا ترى أنه قد يجوز أن يزيلهما عن مواضعهما، ولا يخرجهما مما كانا فيه من الدعة والرفاهية، وإذا كان كذلك لم يكن تكريرا غير مفيد. وعلى أن التكرير في مثل هذا الموضع لتفخيم القصّة وتعظيمها بألفاظ مختلفة ليس بمكروه ولا مجتنب، بل هو مستحبّ مستعمل، كقول القائل: أزلت نعمته، وأخرجته من ملكه، وغلّظت عقوبته. وقالوا: زال عن موضعه وأزلته، وفي التنزيل: إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولا [فاطر/ ٤١]. وَإِنْ كانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبالُ [إبراهيم/ ٤٦] وقال الهذليّ «٣»: فأزال خالصها بأبيض ناصح ... من ماء ألهاب بهنّ التّألب

стр. 473

فهذا على ضربين أحدهما: أن يريد: أزال خلوص خالصها بماء أبيض شاب هذه العسل به، فحذف المضاف. أو يكون وضع خالصها موضع خلوصها، كقولهم: العاقبة والعافية، وقوله «١»: ولا خارجا من فيّ زور كلام في قول من جعل «لا أشتم» جوابا للقسم. والخالص من الماء: الأبيض الصافي، فاستعاره للعسل، لأنهم يصفونها بالبياض في نحو: وما ضرب بيضاء يأوي مليكها «٢» وأنشد السّكّريّ للعجاج «٣»: من خالص الماء وما قد طحلبا حجة من قرأ فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطانُ [البقرة/ ٣٦] أن أزلّهما يحتمل تأويلين، أحدهما: كسبهما الزّلّة. والآخر: أن يكون أزلّ من زلّ الذي يراد به: عثر. فالدّلالة «٤» على الوجه الأول ما جاء في التنزيل من تزيينه لهما تناول ما حظر عليهما جنسه،

стр. 474

بقوله: ما نَهاكُما رَبُّكُما عَنْ هذِهِ الشَّجَرَةِ [الأعراف/ ٢٠] إلى قوله: لَمِنَ النَّاصِحِينَ وقوله «١»: فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطانُ لِيُبْدِيَ لَهُما ما وُورِيَ عَنْهُما مِنْ سَوْآتِهِما [الأعراف/ ٢٠]. وقد نسب كسب الإنسان الزلّة إلى الشيطان في قوله تعالى «٢»: إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطانُ بِبَعْضِ ما كَسَبُوا [آل عمران/ ٥٥] واستزلّ وأزلّ كقولهم: استجاب وأجاب، واستخلف لأهله وأخلف، فكما أنّ استزلّهم من الزّلّة، والمعنى فيه كسبهم الشيطان الزّلّة، كذلك قوله تعالى: فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطانُ والوجه الآخر أن يكون فَأَزَلَّهُمَا من: زل عن المكان، إذا عثر فلم يثبت عليه، ويدل على هذا قوله تعالى: فَأَخْرَجَهُما مِمَّا كانا فِيهِ [البقرة/ ٣٦] فكما «٣» أن خروجه عن الموضع الذي هو فيه انتقال منه «٤» إلى غيره، كذلك عثاره فيه وزليله «٥». فأما قوله تعالى «٦»: فَإِنْ زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِما جاءَتْكُمُ الْبَيِّناتُ فَاعْلَمُوا [البقرة/ ٢٠٩] فيحتمل وجهين، أحدهما: زللتم من الزّلة، كأن المعنى: فإن صرتم ذوي زلّة، ويجوز أن يراد به العثار، فشبّه المعنى بالعين، فاستعمل الذي هو العثار، والمراد به: الخطأ، وخلاف الصواب. ومن هذا الباب قول ابن مقبل «٧»:

стр. 475

يكاد ينشقّ عنه سلخ كاهله ... زلّ العثار وثبت الوعث والغدر السّلخ: مصدر سلخته سلخا «١»، إلا أنه أريد به في هذا المكان المسلوخ، ألا ترى أن المنشقّ إنما يكون الإهاب دون الحدث. وقوله: زلّ العثار، أي: زلّ عند العثار، يريد أنه لفطنته يزل عن الموضع الذي يعثر فيه فلا يعثر، ويكون المصدر في هذا الموضع يراد به المفعول كأنه: المكان المعثور فيه، ومثل ذلك قوله «٢»: على حتّ البراية ... أي: عند البراية. وقول النابغة «٣»: رابي المجسّة ... أي: عند المجسّة.

стр. 476

ومثله «١»: بضّة المتجرّد أي: عند المتجرّد، أي: التجريد. ومثله للبيد «٢»: صائب الجذمة أي: صائب عند الجذمة، يقول: هو قاصد عند القطع، ومثله قول أوس «٣»: كشف اللّقاء أي: عنده «٤». فأما قوله: زلّ، فإنه صفة، ككهل، وغيل «٥»، وفسل «٦»، مما يدلّك على ذلك مقابلته بثبت الذي هو خلافه. والغدر فيما فسّر عن أبي عمرو في أكثر ظني: مكان متعاد. والوعث: السهل الذي تسوخ فيه أخفاف الإبل، والمعنى في: ثبت الوعث، أي: ثبت عند الوعث كما كان في المعنى في: زلّ العثار، أي: زلّ عند العثار، وإذا كان الغدر هذا الذي فسر،

стр. 477

فما أنشده أبو زيد «١»: يخبطن بالأيدي مكانا ذا غدر تقديره: مكانا غدرا. وتأويل إدخال قوله: «ذا» فيه أنه يوصف بهذا، كأنه قال: مكانا صاحب هذا الوصف. ومن هذا الباب قولهم: «من أزلّت إليه نعمة فليشكرها» «٢» كأنه زلّت النعمة إليه، أي: تعدّت. وأزللتها أنا إليه، عدّيتها، كما أنّ قوله «٣»: قام إلى منزعة زلخ فزل معناه: تعدّى من مكانه إلى مكان آخر. وكذلك قوله: وإنّي وإن صدّت لمثن وقائل ... عليها بما كانت إلينا أزلّت «٤» تقديره: أزلّته، ليعود الضمير إلى الموصول.

стр. 478

وأما الشيطان فهو فيعال من شطن مثل البيطار، والغيداق «١». وليس بفعلان من قوله «٢»: وقد يشيط على أرماحنا البطل ألا ترى أن سيبويه حكى: شيطنته فتشيطن، فلو كان من يشيط لكان شيطنته فعلنته، وفي أنّا لا نعلم هذا الوزن جاء «٣» في كلامهم ما يدلك أنه: فيعلته، مثل بيطرته، ومثل هينم «٤»، وفي قول أمية أيضا دلالة عليه، وهو قوله «٥»: أيّما شاطن عصاه عكاه ... ثم يلقى في السّجن والأكبال فكما أنّ شاطن فاعل، والنون لام، كذلك شيطان فيعال. ولا يكون فعلان من يشيط. فإن قلت: فقد أنشد الكسائيّ أو غيره «٦»:

стр. 479

وقد منّت الخذواء منّا عليهم ... وشيطان إذ يدعوهم ويثوّب ففي ترك صرف شيطان دلالة على أنه مثل: سعدان وحمدان. قيل: لا دلالة في ترك صرف شيطان على ما ذكرت، ألا ترى أنه يجوز أن يكون قبيلة، ويجوز أن يكون اسم مؤنّث؟ فلا يلزم صرفها لذلك، لا لأنّ النون زائدة «١». [البقرة: ٣٧] اختلفوا في قوله تعالى «٢»: فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِماتٍ [البقرة/ ٣٧]. في رفع الاسم ونصب الكلمات، ونصب الاسم ورفع الكلمات. فقرأ ابن كثير وحده: فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِماتٍ بنصب الاسم ورفع الكلمات. وقرأ الباقون: فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِماتٍ برفع الاسم ونصب الكلمات «٣». قال أبو علي: قالوا: لقي زيد خيرا، فتعدى الفعل إلى مفعول واحد، وفي التنزيل: فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا [الأنفال/ ١٥] وفيه إِذا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ [الأنفال/ ٤٥] ولَقَدْ لَقِينا مِنْ سَفَرِنا هذا نَصَباً [الكهف/ ٦٢] فإذا ضعّفت العين منه، تعدى إلى مفعولين،

стр. 480

فقلت: لقّيت زيدا خيرا، فيصير الاسم الذي كان الفاعل المفعول الأول، قال «١»: وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُوراً [الدهر/ ١١] وليس تضعيف العين هنا «٢»، على حدّ فرّح «٣» وأفرحته، وخرّج «٤» وخرّجته وأخرجته، ألا ترى أنك إذا قلت: ألقيت كذا «٥»، فليس بمنقول من لقيته، كأشربته من شربته يدل على أنه ليس بمنقول منه، أنه لو كان كذلك لتعدى إلى مفعولين، كما تعدى لقّيت، فلما لم يتعدّ إلى الثاني إلا بحرف الجر نحو ألقيت بعض متاعك بعضه «٦» على بعض، علمت أنه استئناف بناء على حدة، وليست الهمزة همزة نقل كالتي في قولك: ضربت زيدا، أو: أضربته إياه، وشربت الماء وأشربته الماء، فجعلوا ألقيته بمنزلة طرحته، في تعدّيه إلى مفعول واحد. فأما مصدر لقيت، فقال أبو زيد: لقيته لقية واحدة في «٧» التلاقي والقتال، ولقيته لقاء ولقيانا ولقاة. فأمّا قوله «٨»: إِنَّ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا وَرَضُوا بِالْحَياةِ الدُّنْيا [يونس/ ٧] أي: بدلا من الآخرة كما قال: أَرَضِيتُمْ بِالْحَياةِ الدُّنْيا مِنَ الْآخِرَةِ [التوبة/ ٣٨] ومعنى من الآخرة أي: بدلا منها، كما قال: وَلَوْ نَشاءُ لَجَعَلْنا مِنْكُمْ مَلائِكَةً فِي الْأَرْضِ يَخْلُفُونَ [الزخرف/ ٦٠] أي: بدلا منكم، ومثل هذا قوله: إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَيَأْتِ بِآخَرِينَ

стр. 481

[النساء/ ١٣٣] وقوله: إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَسْتَخْلِفْ مِنْ بَعْدِكُمْ ما يَشاءُ كَما أَنْشَأَكُمْ مِنْ ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ [الأنعام/ ١٣٤]. وقال الراعي «١»: أخذوا المخاض من الفصيل غلبة ... ظلما ويكتب للأمير أفيلا وقال آخر «٢»: كسوناها من الرّيط اليماني ... ملاء في بنائقها فضول أي: بدلا من الريط. ويكون قوله: لا يَرْجُونَ لِقاءَنا [يونس/ ٧]. أي: لا يخافون ذلك، لأنهم لا يؤمنون بها، فلا «٣» يوجلون منها كما يوجل المؤمنون المصدقون بها، المعنيون بقوله: إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشاها [النازعات/ ٤٥] وقال: وَهُمْ مِنَ السَّاعَةِ مُشْفِقُونَ [الأنبياء/ ٤٩] فيكون الرجاء هنا الخوف كما قال: ... لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقاراً [نوح/ ١٣] وكما قال «٤»: إذا لسعته النّحل لم يرج لسعها

стр. 482

وقد يكون لا يرجون الرجاء الذي خلافه اليأس، كما قال: قَدْ يَئِسُوا مِنَ الْآخِرَةِ كَما يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحابِ الْقُبُورِ [الممتحنة/ ١٣] أي: من الآخرة، فحذف من الآخرة لتقدم ذكرها كما قال: يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّماواتُ [إبراهيم/ ٤٨] فحذف المتأخّر لدلالة ما تقدم عليه، ويجوز أن تكون: كما يئس الكفار من حشر أصحاب القبور. ومن ذلك قوله: وَقالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلائِكَةُ أَوْ نَرى رَبَّنا [الفرقان/ ٢١] وقال: قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقاءِ اللَّهِ [الأنعام/ ٣١] فالمعنى والله أعلم: بالبعث، كما قال: بَلْ كانُوا لا يَرْجُونَ نُشُوراً [الفرقان/ ٤٠] ويقوي ذلك «١» حَتَّى إِذا جاءَتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً [الأنعام/ ٣١] وعلى هذا قوله: بَلْ هُمْ بِلِقاءِ رَبِّهِمْ كافِرُونَ [السجدة/ ١٠]. فأما قوله: تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلامٌ [الأحزاب/ ٤٤] فالمعنى: يوم يلقون ثوابه، فهم «٢» خلاف من وصف بقوله: فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا [مريم/ ٥٩] وقوله: وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلاقُوهُ [البقرة/ ٢٢٣] أي: ملاقون جزاءه، إن ثوابا وإن عقابا. وقوله: الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ [البقرة/ ٤٦] أي ملاقو ثواب ربّهم، خلاف من وصف بقوله: لا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا [البقرة/ ٢٦٤] وقوله: حَتَّى إِذا جاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً [النور/ ٣٩]

стр. 483

ونحو ذلك مما يدل على إحباط الثّواب وأنهم إليه راجعون، أي: يصدّقون بالبعث ولا يكذبون به، كما حكي عن المنكرين له في نحو: أَإِذا مِتْنا وَكُنَّا تُراباً وَعِظاماً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ «١» [الواقعة/ ٤٧] ونحو قولهم فيه: إِنْ هذا إِلَّا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ [الأنعام/ ٢٥]. والظنّ هاهنا العلم، وكذلك قول المؤمن: إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسابِيَهْ [الحاقة/ ٢٠] فأما الآية الأولى التي هي قوله: الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ [البقرة/ ٤٦] أي: ثوابه، فقد يجوز أن لا يكون منهم القطع على ذلك والحتم به، بدلالة قول إبراهيم: وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ [الشعراء/ ٨٢] فأما قوله: إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسابِيَهْ [الحاقة/ ٢٠] فلا يكون إلا على العلم والتيقّن، لأن صحة الإيمان إنما يكون بالقطع على ذلك والتّيقّن به «٢» والشاكّ فيه لا إيمان له. ويقال: لقيته ولاقيته، فمن لاقيت قوله: وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلاقُوهُ [البقرة/ ٢٢٣] والَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ [البقرة/ ٤٦] وقال: تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلامٌ [الأحزاب/ ٤٤] ولو كان يلاقونه كقوله: أَنَّكُمْ مُلاقُوهُ [البقرة/ ٢٢٣] كان حسنا، وقال: وَإِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا

стр. 484

[البقرة/ ١٤] وقال «١»: يا نفس صبرا كلّ حيّ لاق كأنه: لاق منيّته وأجله. وقال آخر «٢»: فلاقى ابن أنثى يبتغي مثل ما ابتغى ... من القوم مسقيّ السّمام حدائده وقال «٣»: وكان وإيّاها كحرّان لم يفق ... عن الماء إذ لاقاه حتّى تقدّدا وأما قوله: وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ فَلا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقائِهِ [السجدة/ ٢٣] فيكون على إضافة المصدر إلى المفعول، مثل: بِسُؤالِ نَعْجَتِكَ [ص/ ٢٤] وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ

стр. 485

[الروم/ ٣] لأن الضمير للرّوم وهم المغلوبون كأنه: لمّا قيل: فَخُذْها بِقُوَّةٍ [الأعراف/ ١٤٥] أي بجد واجتهاد، أعلمنا أنه أخذ بما أمر به، وتلقاه بالقبول، فالمعنى: من لقاء موسى الكتاب، فأضيف المصدر إلى ضمير الكتاب، وفي ذلك مدح له على امتثاله ما أمر به، وتنبيه على الأخذ بمثل هذا الفعل كقوله: اتَّبِعْ ما أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ [الأنعام/ ١٠٦] وفَإِذا قَرَأْناهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ [القيامة/ ١٨] ويجوز أن يكون الضمير لموسى، والمفعول به محذوف، كقوله: إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعاءَكُمْ [فاطر/ ١٤] فالدعاء مضاف إلى الفاعل، والمفعولون محذوفون. ومثل ذلك في إضافة المصدر إلى الفاعل، وحذف المفعول به قوله: لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ [المؤمن/ ١٠] وهذا على قياس من قرأ: فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِماتٍ لأن موسى هو اللاقي، كما أن آدم هو المتلقّي. ويجوز أن يكون الضمير لموسى في قوله: مِنْ لِقائِهِ ويكون الفاعل محذوفا، والمعنى من لقائك موسى، ويكون ذلك في الحشر والاجتماع للبعث، أو في الجنة، فيكون كقوله: فَلا يَصُدَّنَّكَ عَنْها مَنْ لا يُؤْمِنُ بِها [طه/ ١٦] فأما قوله: لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلاقِ [المؤمن/ ١٥] فإنه يكون يوم تلاقي الظالم والمظلوم، والجائر والعادل، وتلاقي الأمم مع شهدائها كقوله: وَنَزَعْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً [القصص/ ٧٥] ومثل يوم التلاقي قوله: يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ [التغابن/ ٩] وقوله: لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ [النساء/ ٨٧]. ونحو ذلك من الآي. وقوله: وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ [الروم/ ١٤]، فإن

стр. 486

هذا التفرق بعد الاجتماع والتلاقي الذي أضيف اليوم إليهما، وذلك بعد الأخذ للمظلوم من الظالم، وقد بيّن هذا بقوله: فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ [الشورى/ ٧] فأما قوله: يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ، وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ [عبس/ ٣٤، ٣٥] وقد قال: يَوْمَ الْجَمْعِ ويَوْمَ التَّلاقِ، فليس يراد بالفرار المضاف إليه اليوم الشّراد ولا النّفار، وأنت قد تقول لمن تكلّم: فررت مما لزمك، لا تريد بذلك بعادا في المحل. وتقدير يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ: يوم يفر المرء من موالاة أخيه، أو من «١» نصرته. كما كانوا، أو من مساءلة أخيه لاهتمامه بشأنه، فالفرار من موالاته يدل عليه قوله: إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا [البقرة/ ١٦٦] وأما الفرار من نصرته على حد ما كانوا يتناصرون في الدنيا، فيدل عليه قوله: يَوْمَ لا يُغْنِي مَوْلًى عَنْ مَوْلًى شَيْئاً وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ إِلَّا مَنْ رَحِمَ اللَّهُ [الدخان/ ٤١، ٤٢] والمسألة يدل عليها قوله: وَلا يَسْئَلُ حَمِيمٌ حَمِيماً [المعارج/ ١٠]. وقد روي أنّ بعضهم قرأ: يَوْمَ التَّنادِ «٢» [المؤمن/ ٣٢] وكأنه اعتبر يوم يفرّ المرء من أخيه، فجعل التنادّ تفاعلا من ندّ البعير: إذا شرد ونفر، وليس ذلك بالوجه، ألا ترى أنه ليس يسهل «٣» أن تقول: نددت من ما لزمك، ولا ناددت منه، كما تقول: فررت منه؟ ونرى سيبويه يستعمل في هذا المعنى فرّ كثيرا، ولا يستعمل ندّ، فليس هذا الاعتبار إذا بالوجه. وأما

стр. 487

التنادي الذي عليه الكثرة والجمهور، فإنه يدل عليه قوله: يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ إِلى شَيْءٍ نُكُرٍ [القمر/ ٦] وقوله «١»: يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإِمامِهِمْ [الإسراء/ ٧١] ويَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ [الاسراء/ ٥٢]. فالتنادي أشبه بهذه الآي. ألا ترى أن الدعاء والنداء يتقاربان به «٢»، إِذْ نادى رَبَّهُ نِداءً خَفِيًّا [مريم/ ٣] فَنادَتْهُ الْمَلائِكَةُ [آل عمران/ ٣٩] وقال: فَدَعا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ [القمر/ ١٠] فقد استعمل كلّ واحد من النداء والدعاء في موضع الآخر، وليس التنادّ والفرار كذلك. وأما قوله: (كلمات) فالكلمات: جمع كلمة، والكلمة: اسم الجنس، لوقوعها «٣» على الكثير من ذلك والقليل، قالوا: قال امرؤ القيس في كلمته، يعنون قصيدته، وقال قسّ في كلمته، يعنون خطبته. وقال ابن الأعرابي: يقال: لفلان كلمة شاعرة، أي: قصيدة. وقد قيل لكل واحد من الكلم الثلاث: كلمة، فالكلمة كأنها اسم الجنس، لتناولها الكثير والقليل «٤». كما أن الليل لما كان كذلك وقع على الكثير منه أو القليل «٥»، فالكثير نحو قوله: وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِباساً [النبأ/ ١٠] وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ [القصص/ ٧٣] ومن ثمّ جعله سيبويه في جواب كم، إذا قيل: سير عليه الليل والنهار. وأما «٦» وقوعه على القليل وما هو دون ليلة فنحو قوله:

стр. 488

وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ وَبِاللَّيْلِ [الصافات/ ١٣٧ - ١٣٨]. فكذلك الكلمة قد وقعت على القليل والكثير. فأما وقوعها على الكثير «١» فنحو ما قدمناه، وأما وقوعها على القليل، فإنّ سيبويه قد أوقعها على الاسم المفرد، والفعل المفرد، والحرف المفرد. فأما الكلام: فإن سيبويه قد استعمله فيما كان مؤلّفا من هذه الكلم، فقال: لو قلت: إن يضرب يأتينا، لم يكن كلاما، وقال أيضا: إنما يحكى: فقلت ونحوه، ما كان كلاما، لا قولا. فأوقع الكلام على المتألّف، وعلى هذا الذي استعمله جاء التنزيل، قال تعالى: سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ إِذَا انْطَلَقْتُمْ إِلى مَغانِمَ لِتَأْخُذُوها ذَرُونا نَتَّبِعْكُمْ يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونا [الفتح/ ١٥] فالكلام المذكور هنا «٢» والله أعلم يعنى به قوله: فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إِلى طائِفَةٍ مِنْهُمْ فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَداً وَلَنْ تُقاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا [التوبة/ ٨٣] ألا ترى قوله: كَذلِكُمْ قالَ اللَّهُ مِنْ قَبْلُ [الفتح/ ١٥]. والكلمات المذكورة في قوله «٣»: فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِماتٍ [البقرة/ ٣٧] فيما فسّر هي قولهما: رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا الآية [الأعراف/ ٢٢]. وسئل بعض سلف المسلمين عما يقوله المذنب، فقال: يقول ما قال أبوه «٤»: ظَلَمْنا أَنْفُسَنا «٥» وما قاله موسى: قالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي [القصص/ ١٦] وما قاله يونس: لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ [الأنبياء/ ٨٧]

стр. 489

وما قالته «١» الملكة: إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمانَ [النمل/ ٤٤] وأما الكلمات في قوله تعالى «٢»: وَإِذِ ابْتَلى إِبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ فَأَتَمَّهُنَّ [البقرة/ ١٢٤] فالمراد بها انقياده لأشياء امتحن بها وأخذت عليه، منها: الكوكب، والشمس، والقمر، والهجرة، في قوله: إِنِّي مُهاجِرٌ إِلى رَبِّي [العنكبوت/ ٢٦] والختان، وعزمه على ذبح ابنه، فالمعنى: وإذ ابتلى إبراهيم ربّه بإقامة كلمات [أو بتوفية كلمات، والتقدير ذوي كلمات] «٣» أي: يعبّر بها عن هذه الأشياء المسمّيات وعلى هذا وصف في قوله: وَإِبْراهِيمَ الَّذِي وَفَّى [النجم/ ٣٧]. فإن قلت: فهل يجوز أن يكون الكلم المتكلّم به، كما أنّ الصيد هو المصيد، والضرب «٤» المضروب، والنسخ المنسوخ؟ فالقول: إنّ هذا إنما جاء «٥» في المصادر، وليس قولهم الكلم بمصدر. فإن قلت: فقد أجرى قوم من العلماء ما كان من بناء المصدر مجرى المصدر، واستشهدوا على ذلك بأشياء، منها قولهم «٦»: وبعد عطائك المائة الرّتاعا «٧»

стр. 490

فالقول: إنا لم نعلم «١» لهم نصّا على ذلك. ومما ينبغي أن يحمل فيه الكلمات على الشرع كقوله: وَإِذِ ابْتَلى إِبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ قوله: وَصَدَّقَتْ بِكَلِماتِ رَبِّها وَكُتُبِهِ [التحريم/ ١٢] فالكلمات والله أعلم تكون: الشرائع التي شرعت لها دون القول، لأن ذلك قد استغرقه قوله تعالى: وَكُتُبِهِ فكأن المعنى صدّقت بالشرائع فأخذت بها وصدّقت بالكتب فلم تكذّب بها. ومما يحمل من الكلم على أنّه قول، قوله تعالى «٢»: إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقاها إِلى مَرْيَمَ [النساء/ ١٧١] فهذا- والله أعلم- يعني به. قوله: خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [آل عمران/ ٥٩] أي: قال من أجل خلقه: كن، فيكون، فسمّي كلمة لحدوثه عند قول ذلك. وقوله: وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنى عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ بِما صَبَرُوا [الأعراف/ ١٣٧] هي- والله أعلم- قوله: وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً الآية [القصص/ ٥] وقوله «٣»: وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلًا لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ [الأنعام/ ١١٥] وهو كقوله: ما يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ [ق/ ٢٩] أي: لا خلف «٤» فيه ولا تبديل له، والكلمات «٥» تقديرها: ذوي الكلمات أي ما عبر عنه بها من وعد ووعيد، وثواب وعقاب. وقوله «٦»: وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوى

стр. 491

[الفتح/ ٢٦] [حدثنا يوسف بن يعقوب الأزرق «١» بإسناده] «٢» عن مجاهد، قال: لا إله إلا الله «٣». وقد يجوز أن تكون كلمة التقوى: شرائعه، التي أمروا بالأخذ لها والتمسك بها. وأما قوله «٤»: وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدائِكُمْ وَكَفى بِاللَّهِ وَلِيًّا وَكَفى بِاللَّهِ نَصِيراً مِنَ الَّذِينَ هادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ [النساء/ ٤٥ - ٤٦]. فسألني أحد شيوخنا عنه، فأجبت بأنّ التقدير: وكفى بالله نصيرا من الذين هادوا، فقوله: مِنَ الَّذِينَ هادُوا متعلق بالنّصرة، كقوله «٥»: فَمَنْ يَنْصُرُنا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ إِنْ جاءَنا [المؤمن/ ٢٩] أي: من يمنعنا؟ فيكون: يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ- على هذا- حالا من الذين هادوا، تقديره: وكفى «٦» بالله مانعا لهم منكم محرّفين الكلم. وأكثر الناس فيما علمت يذهبون إلى أن المعنى: من الذين هادوا يحرّفون الكلم، أي: فريق يحرفون الكلم، فحذف الموصوف، وأقيمت الصفة مقامه، كقوله: وَمِنْ آياتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ [الروم/ ٢٤] أي: أنه يريكم فيها البرق، أو يريكموها البرق، وهذا أشبه لقوله «٧»:

стр. 492

وَمِنَ الَّذِينَ هادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ، يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ [المائدة/ ٤١] فكما أن يحرفون في هذه الآية صفة لقوله: سَمَّاعُونَ كأنه قال: ومن الذين هادوا فريق سمّاعون للكذب، أي: يسمعون ليكذبوا فيما يسمعونه منه، ويحرّفونه عنه، سمّاعون لقوم آخرين لم يأتوك، يحرفون الكلم. فكما أن يحرفون هنا، صفة لقوله: سَمَّاعُونَ، كذلك يكون في الآية الأخرى. فإن قلت: فلم لا يكون حالا من الضمير الذي في قوله: لَمْ يَأْتُوكَ؟ فإن ذلك ليس بالسهل في المعنى، ألا ترى أن المعنى: ومن الذين هادوا فريق يسمعون من النبي ﷺ ، ليكذبوا فيما يسمعونه، ويحرفون بكذبهم فيه، فإذا كان كذلك لم يكن حالا من الضمير الذي في «١»: لَمْ يَأْتُوكَ، لأنهم إذا لم يأتوا لم يسمعوا فيحرفوا، فإذا كان كذلك، كان وصفا ولم يكن حالا، وتكون «٢»، يحرفون: على قياس ما قلناه، في قوله: وَكَفى بِاللَّهِ نَصِيراً، مِنَ الَّذِينَ هادُوا يُحَرِّفُونَ [النساء/ ٤٥ - ٤٦] حالا من الضمير الذي في اسم الفاعل، كأنه: سمّاعون محرفين للكلم، أي: مقدرين تحريفه، كقوله: معه صقر صائدا به غدا. وهَدْياً بالِغَ الْكَعْبَةِ [المائدة/ ٩٥] وقد يجوز أن يكون التحريف المعنيّ بقوله: مِنَ الَّذِينَ هادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ [النساء/ ٤٦] ما كانوا يقصدونه في قولهم: راعِنا [البقرة/ ١٠٤] من السّب، وخلاف ما يقصده المسلمون، إذا خاطبوا رسول الله ﷺ ، من المراعاة. قال «٣» أبو زيد: «قال الصّقيل: ما كلّمت فلانا إلا

стр. 493

مشاورة، تقول: أشرت إليه وأشار إليّ» «١» فهذا على أمرين: أحدهما: أن يكون استثناء منقطعا، والآخر على: كلامك المشاورة، كقولك: عتابك السيف. فأما النطق والمنطق فكان القياس في المنطق فتح العين، لأنه من نطق، لكنه قد جاء على الكسر كما قال: إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ [آل عمران/ ٥٥، لقمان/ ١٥] وقال: وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ [البقرة/ ٢٢٢] وقد استعمل رؤبة الكلام في موضع النطق فقال «٢»: لو أنني أوتيت علم الحكل ... علم سليمان كلام النمل فهذا إنما أراد به قوله: وَوَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ وَقالَ يا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنا مَنْطِقَ الطَّيْرِ [النمل/ ١٦] فعبّر بالكلام بما عبّر عنه بالمنطق. وقول أوس «٣»: ففاءوا ولو أسطو على أمّ بعضهم ... أصاخ فلم ينطق ولم يتكلّم على هذا تكرير «٤» وقال: لَقَدْ عَلِمْتَ ما هؤُلاءِ يَنْطِقُونَ [الأنبياء/ ٦٥] لأنها جماد لا كلام لها. وقال: يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ

стр. 494

[النور/ ٢٤] والشهادة «١»: كلام وقول. وقال: وَقالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنا؟ قالُوا: أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ [فصلت/ ٢١]. ومن ذلك قوله: يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثاً [النساء/ ٤٢] لأن ما ذكر من جوارحهم تشهد عليهم، فقيل: لا يكتمون، لمّا كان إظهار ذلك وإبداؤه بجوارحهم. والقول، والكلام، والمنطق، يستعمل كل واحد من ذلك في موضع الآخر ويعبر بكل واحد منها كما عبر بالآخر، قال: وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ ما لا يَفْعَلُونَ [الشعراء/ ٢٢٦] وقال: عُلِّمْنا مَنْطِقَ الطَّيْرِ [النمل/ ١٦] وقال عن الهدهد: فَقالَ أَحَطْتُ بِما لَمْ تُحِطْ بِهِ [النمل/ ٢٢] فأما قوله: هذا كِتابُنا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ [الجاثية/ ٢٨] فهو في المعنى: كقوله: مالِ هذَا الْكِتابِ لا يُغادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصاها [الكهف/ ٤٩] وقوله: وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْناهُ كِتاباً [النبأ/ ٢٩] أي: كل شيء من أعمالهم، كما قال: وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ، وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ [القمر/ ٥٢ - ٥٣] وقال: أَحْصاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ [المجادلة/ ٦] وقال: وَكُلَّ إِنسانٍ أَلْزَمْناهُ طائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ كِتاباً يَلْقاهُ مَنْشُوراً [الإسراء/ ١٣] وقال: هُنالِكَ تَبْلُوا كُلُّ نَفْسٍ ما أَسْلَفَتْ [يونس/ ٣٠]. وأنشد أبو الحسن «٢»:

стр. 495

صدّها منطق الدّجاج عن القص*- د وصوت الناقوس فاجتنبتنا وأنشد «١»: فصبّحت والطير لم تكلّم خابية طمّت بسيل مفعم وقال: «٢» فلم ينطق الديك حتى ملأ ... ت كوب الرّباب له فاستدارا فوضع كلّ واحد من الكلام والنطق موضع الصوت في قوله «٣»: لمّا تذكّرت بالدّيرين أرّقني ... صوت الدجاج وقرع بالنواقيس وإنما يعني: انتظاره صوت الديكة. ولم نر النطق مسندا إلى القديم. كما أضيف إليه الكلام في قوله: حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ [التوبة/ ٦] وقد جاءت هذه الكلمة في اللغة فيما يطيف بالشيء ويحيط به كقوله: النّطاق والمنطقة. وقال «٤»:
следующие страницы →