← Таджвид и кираат

Таджвид и кираат · id 35101

الحجة للقراء السبعة

أبو علي الفارسي

Полный текст (2 942 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

[الفتح/ ٢٦] [حدثنا يوسف بن يعقوب الأزرق «١» بإسناده] «٢» عن مجاهد، قال: لا إله إلا الله «٣». وقد يجوز أن تكون كلمة التقوى: شرائعه، التي أمروا بالأخذ لها والتمسك بها. وأما قوله «٤»: وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدائِكُمْ وَكَفى بِاللَّهِ وَلِيًّا وَكَفى بِاللَّهِ نَصِيراً مِنَ الَّذِينَ هادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ [النساء/ ٤٥ - ٤٦]. فسألني أحد شيوخنا عنه، فأجبت بأنّ التقدير: وكفى بالله نصيرا من الذين هادوا، فقوله: مِنَ الَّذِينَ هادُوا متعلق بالنّصرة، كقوله «٥»: فَمَنْ يَنْصُرُنا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ إِنْ جاءَنا [المؤمن/ ٢٩] أي: من يمنعنا؟ فيكون: يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ- على هذا- حالا من الذين هادوا، تقديره: وكفى «٦» بالله مانعا لهم منكم محرّفين الكلم. وأكثر الناس فيما علمت يذهبون إلى أن المعنى: من الذين هادوا يحرّفون الكلم، أي: فريق يحرفون الكلم، فحذف الموصوف، وأقيمت الصفة مقامه، كقوله: وَمِنْ آياتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ [الروم/ ٢٤] أي: أنه يريكم فيها البرق، أو يريكموها البرق، وهذا أشبه لقوله «٧»:

стр. 492

وَمِنَ الَّذِينَ هادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ، يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ [المائدة/ ٤١] فكما أن يحرفون في هذه الآية صفة لقوله: سَمَّاعُونَ كأنه قال: ومن الذين هادوا فريق سمّاعون للكذب، أي: يسمعون ليكذبوا فيما يسمعونه منه، ويحرّفونه عنه، سمّاعون لقوم آخرين لم يأتوك، يحرفون الكلم. فكما أن يحرفون هنا، صفة لقوله: سَمَّاعُونَ، كذلك يكون في الآية الأخرى. فإن قلت: فلم لا يكون حالا من الضمير الذي في قوله: لَمْ يَأْتُوكَ؟ فإن ذلك ليس بالسهل في المعنى، ألا ترى أن المعنى: ومن الذين هادوا فريق يسمعون من النبي ﷺ ، ليكذبوا فيما يسمعونه، ويحرفون بكذبهم فيه، فإذا كان كذلك لم يكن حالا من الضمير الذي في «١»: لَمْ يَأْتُوكَ، لأنهم إذا لم يأتوا لم يسمعوا فيحرفوا، فإذا كان كذلك، كان وصفا ولم يكن حالا، وتكون «٢»، يحرفون: على قياس ما قلناه، في قوله: وَكَفى بِاللَّهِ نَصِيراً، مِنَ الَّذِينَ هادُوا يُحَرِّفُونَ [النساء/ ٤٥ - ٤٦] حالا من الضمير الذي في اسم الفاعل، كأنه: سمّاعون محرفين للكلم، أي: مقدرين تحريفه، كقوله: معه صقر صائدا به غدا. وهَدْياً بالِغَ الْكَعْبَةِ [المائدة/ ٩٥] وقد يجوز أن يكون التحريف المعنيّ بقوله: مِنَ الَّذِينَ هادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ [النساء/ ٤٦] ما كانوا يقصدونه في قولهم: راعِنا [البقرة/ ١٠٤] من السّب، وخلاف ما يقصده المسلمون، إذا خاطبوا رسول الله ﷺ ، من المراعاة. قال «٣» أبو زيد: «قال الصّقيل: ما كلّمت فلانا إلا

стр. 493

مشاورة، تقول: أشرت إليه وأشار إليّ» «١» فهذا على أمرين: أحدهما: أن يكون استثناء منقطعا، والآخر على: كلامك المشاورة، كقولك: عتابك السيف. فأما النطق والمنطق فكان القياس في المنطق فتح العين، لأنه من نطق، لكنه قد جاء على الكسر كما قال: إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ [آل عمران/ ٥٥، لقمان/ ١٥] وقال: وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ [البقرة/ ٢٢٢] وقد استعمل رؤبة الكلام في موضع النطق فقال «٢»: لو أنني أوتيت علم الحكل ... علم سليمان كلام النمل فهذا إنما أراد به قوله: وَوَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ وَقالَ يا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنا مَنْطِقَ الطَّيْرِ [النمل/ ١٦] فعبّر بالكلام بما عبّر عنه بالمنطق. وقول أوس «٣»: ففاءوا ولو أسطو على أمّ بعضهم ... أصاخ فلم ينطق ولم يتكلّم على هذا تكرير «٤» وقال: لَقَدْ عَلِمْتَ ما هؤُلاءِ يَنْطِقُونَ [الأنبياء/ ٦٥] لأنها جماد لا كلام لها. وقال: يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ

стр. 494

[النور/ ٢٤] والشهادة «١»: كلام وقول. وقال: وَقالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنا؟ قالُوا: أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ [فصلت/ ٢١]. ومن ذلك قوله: يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثاً [النساء/ ٤٢] لأن ما ذكر من جوارحهم تشهد عليهم، فقيل: لا يكتمون، لمّا كان إظهار ذلك وإبداؤه بجوارحهم. والقول، والكلام، والمنطق، يستعمل كل واحد من ذلك في موضع الآخر ويعبر بكل واحد منها كما عبر بالآخر، قال: وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ ما لا يَفْعَلُونَ [الشعراء/ ٢٢٦] وقال: عُلِّمْنا مَنْطِقَ الطَّيْرِ [النمل/ ١٦] وقال عن الهدهد: فَقالَ أَحَطْتُ بِما لَمْ تُحِطْ بِهِ [النمل/ ٢٢] فأما قوله: هذا كِتابُنا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ [الجاثية/ ٢٨] فهو في المعنى: كقوله: مالِ هذَا الْكِتابِ لا يُغادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصاها [الكهف/ ٤٩] وقوله: وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْناهُ كِتاباً [النبأ/ ٢٩] أي: كل شيء من أعمالهم، كما قال: وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ، وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ [القمر/ ٥٢ - ٥٣] وقال: أَحْصاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ [المجادلة/ ٦] وقال: وَكُلَّ إِنسانٍ أَلْزَمْناهُ طائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ كِتاباً يَلْقاهُ مَنْشُوراً [الإسراء/ ١٣] وقال: هُنالِكَ تَبْلُوا كُلُّ نَفْسٍ ما أَسْلَفَتْ [يونس/ ٣٠]. وأنشد أبو الحسن «٢»:

стр. 495

صدّها منطق الدّجاج عن القص*- د وصوت الناقوس فاجتنبتنا وأنشد «١»: فصبّحت والطير لم تكلّم خابية طمّت بسيل مفعم وقال: «٢» فلم ينطق الديك حتى ملأ ... ت كوب الرّباب له فاستدارا فوضع كلّ واحد من الكلام والنطق موضع الصوت في قوله «٣»: لمّا تذكّرت بالدّيرين أرّقني ... صوت الدجاج وقرع بالنواقيس وإنما يعني: انتظاره صوت الديكة. ولم نر النطق مسندا إلى القديم. كما أضيف إليه الكلام في قوله: حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ [التوبة/ ٦] وقد جاءت هذه الكلمة في اللغة فيما يطيف بالشيء ويحيط به كقوله: النّطاق والمنطقة. وقال «٤»:

стр. 496

من خمر ذي نطف أغنّ منطّق ... وافى بها لدراهم الأسجاد فإذا كان كذلك لم يكن قول أوس: «لم ينطق ولم يتكلّم» تكريرا، وكان كلّ واحد منهما لمعنى غير الآخر. وأنشد بعض البغداذيين «١»: فإن تنطق الهجراء أو تشر في الخنا ... فإنّ البغاث الأطحل اللّون ينطق فأسند إلى البغاث النطق. الإعراب الأفعال المتعدية إلى المفعول به على ثلاثة أضرب: منها ما يجوز فيه أن يكون الفاعل له مفعولا به. ومنها: ما يجوز أن يكون المفعول به فاعلا له، نحو: أكرم بشر بكرا، وشتم زيد عمرا «٢» وضرب عبد الله زيدا. ومنها: ما لا يكون فيه المفعول به فاعلا له نحو: دققت

стр. 497

الثوب، وأكلت الخبز، وسرقت درهما وأعطيت دينارا، وأمكنني الغوص. ومنها: ما يكون إسناده إلى الفاعل في المعنى، كإسناده إلى المفعول به، وذلك نحو: أصبت، ونلت، وتلقّيت «١»، تقول «٢»: نالني خير، ونلت خيرا، وأصابني خير، وأصبت خيرا، ولقيني زيد، ولقيت زيدا، وتلقاني «٣»، وتلقيته، قال «٤»: إذا أنت لم تعرض عن الجهل والخنا ... أصبت حليما أو أصابك جاهل وقال «٥»: وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ [آل عمران/ ٤٠] وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا [مريم/ ٨]. وكذلك: أفضيت إليه، وأفضى إليّ، وقال «٦»: وَقَدْ أَفْضى بَعْضُكُمْ إِلى بَعْضٍ [النساء/ ٢١]. وإذا كانت معاني هذه الأفعال على ما ذكرنا، فنصب ابن كثير لآدم ورفعه الكلمات «٧» في المعنى، كقول من رفع آدم ونصب الكلمات. ومن حجّة من رفع: أنّ عليه الأكثر، ومما يشهد للرفع قوله: إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ [النور/ ١٥] فأسند الفعل إلى المخاطبين والمفعول به كلام يتلقّى، كما أنّ الذي تلقّاه آدم «٨» كلام متلقّى. فكما أسند الفعل إلى المخاطبين، فجعل التلقّي

стр. 498

لهم، كذلك يلزم أن يسند الفعل إلى آدم، فيجعل التّلقّي له دون الكلمات. ومن ذلك قول القائل: في آيات تلقّيتها عن عمّي، تلقّاها عن أبي هريرة. فجعل الكلام مفعولا به، وأسند الفعل إلى الآخذ له دون الكلام، فكذلك ينبغي أن يكون في الآية. ومما يقوّي الرفع في آدم أنّ أبا عبيدة قال في تأويل قوله: فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِماتٍ [البقرة/ ٣٧] أي: قبلها «١». فإذا كان آدم القابل، فالكلمات مقبولة. ومثل هذه الآية في إسناد الفعل فيها مرّة إلى الكلمات ومرة إلى آدم قوله «٢»: لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ [البقرة/ ١٢٤] وفي حرف عبد الله فيما قيل: (لا ينال عهدي الظالمون) فلمن رفع أن يقول: وَلا يَنالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا [التوبة/ ١٢٠] فأسند الفعل إليهم، ولم يقل: ولا ينالهم من عدو نيل، والنّيل: يكون مصدرا كالبيع. ويكون الشيء الذي ينال، مثل الخلق، والصّيد، وضرب الأمير. وقوله: تفرجة القلب قليل النيل «٣». يجوز أن يكون المعنى: قليل ما ينال، كما يقال: قليل الكسب، ويكون قليل النيل: قليل ما ينيل، وكلاهما ذمّ. وقال «٤»: لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ [آل عمران/ ٩٢].

стр. 499

وحجّة من قرأ بالنصب قوله: لا يَنالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ [الأعراف/ ٤٩] ولم يقل لا ينالون الله برحمة كما قال «١»: وَلكِنْ يَنالُهُ التَّقْوى مِنْكُمْ [الحج/ ٣٧] فكما أسند الفعل إلى التقوى دون اسم الله سبحانه، كذلك كان يمكن لا ينالون الله برحمة أي: مرحوما به، يرحمون عباده به، وكأنّ المعنى في: لَنْ يَنالَ اللَّهَ لُحُومُها [الحج/ ٣٧] لن ينال قربة الله أو ثواب الله قربة لحومها ودمائها، أو ثوابهما، لأن ذلك ليس بقربة على حدّ ما يتقرّبون به، ويتنسّكون فلا يقبله، ولا يثيب عليه، من حيث كان معصية، ولكن يقبل من ذلك ما كان عن تقوى الله وطاعته دون ما كان من المعاصي التي قد كرهها ونهى عنها. وكأنّ المراد بينال: معنى القبول. كما قال: أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقاتِ [التوبة/ ١٠٤] فمعنى قبوله التوبة أن يبطل به ما كان يستحقّ من العقوبات التي تكفّرها التوبة، وأخذ الصّدقات هو الجزاء عليها والإثابة من أجلها. [البقرة: ٤٨] اختلفوا في الياء والتاء من قوله تعالى: ولا تقبل منها شفاعة [البقرة/ ٤٨]. فقرأ ابن كثير وأبو عمرو: ولا تقبل بالتّاء. وقرأ نافع وابن عامر وحمزة والكسائيّ: وَلا يُقْبَلُ بالياء. وروى يحيى بن آدم وابن أبي أميّة والكسائي وغيرهم عن أبي بكر وحفص عن عاصم بالياء. وروى الحسين الجعفيّ عن أبي بكر عن عاصم بالتاء «٢».

стр. 500

قال أبو عليّ «١»: المعنى في قوله: لا يُقْبَلُ مِنْها شَفاعَةٌ. لا يقبل فيه منها شفاعة، فمن ذهب إلى أن (فيه) محذوفة من قوله: وَاتَّقُوا يَوْماً لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ [البقرة/ ٤٨] جعل (فيه) محذوفة بعد قوله: يقبل. ومن ذهب إلى أنه حذف الجارّ وأوصل الفعل إلى المفعول، ثم حذف الرّاجع من الصّفة. كما يحذف من الصّلة، كان مذهبه في قوله: لا يُقْبَلُ أيضا مثله. وحذف الهاء من الصفة يحسن، كما يحسن حذفها من الصلة، ألا ترى أن الفعل لا يتسلّط بحذف المفعول منه على الموصوف كما لا يتسلّط بذلك على الموصول؟ فممّا حذف منه الراجع من الصّفة قوله «٢»: وما شيء حميت بمستباح وقول الأسود بن يعفر: وفاقر مولاه أعارت رماحنا ... سنانا كقلب الصّقر في الرّمح منجلا «٣»

стр. 501

فالهاء العائدة إلى المنكور الموصوف محذوفة، وهي المفعول الأوّل لأعارت. وموضع الجملة جرّ، كما أن موضع الجملة التي هي تقبل نصب بالعطف على الجملة التي هي وصف قبلها «١». ومن الحذف قوله «٢»: تروّحي أجدر أن تقيلي ... غدا بجنبي بارد ظليل المعنى: تأتي مكانا أجدر أن تقيلي فيه. فحذف الجارّ، فوصل الفعل ثم حذف الضمير. وممّا لم يحذف فيه الرّاجع من الصفة قوله «٣»: في ساعة يحبّها الطّعام وهذا في المعنى قريب من قوله: وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَناجِرِ كاظِمِينَ ما لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلا شَفِيعٍ يُطاعُ [المؤمن/ ١٨]. فالمعنى: ما للظالمين فيه من حميم ولا شفيع يطاع، وليست الجملة التي هي: ما لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ صفة كما

стр. 502

كانت في الآية الأخرى صفة. ومثل ذلك قوله: يَوْمَ لا يُغْنِي مَوْلًى عَنْ مَوْلًى شَيْئاً وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ إِلَّا مَنْ رَحِمَ اللَّهُ [الدخان/ ٤١ - ٤٢]. وقبول الشيء: هو تلقّيه والأخذ به وخلاف الإعراض عنه، ومن ثم قيل لتجاه الشيء: قبالته، وقالوا: أقبلت المكواة الداء، أي: جعلتها قبالته. قال «١»: وأقبلت أفواه العروق المكاويا ويجوز أن يكون المخاطبون بذلك اليهود، لأنهم زعموا أن آباءها الأنبياء تشفع لها، فأويسوا من ذلك. وقريب من هذا قوله: قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ [المائدة/ ١٨]. فأما الشفاعة فنراها من الشّفع الذي هو خلاف الوتر، قال «٢»: وأخو الأباءة إذ رأى خلّانه ... تلّى شفاعا حوله كالإذخر فكأنه سؤال من الشفيع، يشفع سؤال المشفوع له. وليس معنى لا تقبل منها شفاعة أنّ هناك شفاعة لا تقبل، ألا

стр. 503

ترى أن في قوله: وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ، ارْتَضى [الأنبياء/ ٢٨] انتفاء الشفاعة عمن سوى المرتضين، فإذا كان كذلك، كان المعنى لا تكون شفاعة فيكون لها قبول، كما أن قوله: لا يَسْئَلُونَ النَّاسَ إِلْحافاً [البقرة/ ٢٧٣] معناه: لا يكون منهم سؤال فيكون منهم إلحاف، كقوله: على لا حب لا يهتدى لمناره ... إذا سافه العود الدّيافيّ جرجرا «١» وقوله «٢»: لا يفزع الأرنب أهوالها ... ولا ترى الضبّ بها ينجحر «٣»

стр. 504

فأما قوله: وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّماواتِ لا تُغْنِي شَفاعَتُهُمْ شَيْئاً إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشاءُ وَيَرْضى [النجم/ ٢٦] فالمعنى: لا تغني شفاعتهم أن لو شفعوا، ليس أنّ هناك شفاعة مثبتة، ومثله: وَلا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ [سبأ/ ٢٣] ومثله: يَوْمَئِذٍ لا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا [طه/ ١٠٩] فأطلق على المعنى الاسم، وإن لم يحدث كما قال «١»: لما تذكّرت بالدّيرين أرّقني ... صوت الدّجاج وقرع بالنّواقيس والمعنى: انتظار أصواتها، فأوقع عليه الاسم، ولمّا يكن. فإضافة الشفاعة إليهم كإضافة الصوت إليها. ويدلك على أن المعنى في قوله: لا تُغْنِي شَفاعَتُهُمْ ما ذكرنا، الآية التي تقدم ذكرها. وقوله «٢»: يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلائِكَةُ صَفًّا لا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ [النبأ/ ٣٨] والشفاعة: كلام. فأما قوله: إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشاءُ وَيَرْضى [النجم/ ٢٦] فالمعنى: لمن يشاء شفاعته على إضافة المصدر إلى المفعول به، الذي هو مشفوع له، ثم حذف المضاف، وأقيم المضاف إليه مقامه، فصار اللفظ: لمن يشاؤه. أي يشاء شفاعته، ثم حذف الهاء من الصلة. فأما قوله: ويرضى. فتقديره: يرضاه «٣»، كما أنّ قوله: وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضى [الأنبياء/ ٢٨] العائد منه إلى الموصول محذوف،

стр. 505

فكذلك العائد من يرضى. وأما قوله: وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ [يونس/ ١٨] فإنما يعنون بقولهم: عند الله، في البعث. لأن منهم من قد كان معترفا «١» بالبعث والنشور كالأعشى «٢» في قوله: بأعظم منك تقى للحساب ... إذا النّسمات نفضن الغبارا وقول زهير «٣»: يؤخّر فيوضع في كتاب فيدّخر ... ليوم الحساب أو يعجّل فينقم «٤» وقد كذّبهم الله في قولهم ذلك بقوله: قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِما لا يَعْلَمُ فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ [يونس/ ١٨] وقوله: وَإِذا حُشِرَ النَّاسُ كانُوا لَهُمْ أَعْداءً وَكانُوا بِعِبادَتِهِمْ كافِرِينَ [الأحقاف/ ٦٠]. فالمصدر مضاف إلى الفاعلين، والمعنى: كانوا «٥» بعبادتهم إياها كافرين. ومثل هذا قوله: وَقالَ شُرَكاؤُهُمْ ما كُنْتُمْ إِيَّانا تَعْبُدُونَ [يونس/ ٢٨] فالشركاء في هذه الآية هم الآلهة التي كانوا يعبدونها. وكذلك في قوله:

стр. 506

وَإِذا رَأَى الَّذِينَ أَشْرَكُوا شُرَكاءَهُمْ، قالُوا رَبَّنا هؤُلاءِ شُرَكاؤُنَا الَّذِينَ كُنَّا نَدْعُوا مِنْ دُونِكَ [النحل/ ٨٦] فإنما أضيف الشركاء إلى الذين أثبتوهم شركاء لادّعائهم شركتهم للقديم عن ذلك. وقد جاء إضافة هؤلاء الشركاء أيضا إلى الله تعالى «١» في قوله: وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ أَيْنَ شُرَكائِي [فصلت/ ٤٧] فهذا لم يثبت به شركاء الله تعالى «٢»، وإنما أضافهم إليه على حسب ما كانوا يضيفونهم إليه، فحكى ذلك. وعلى هذا قوله: وَقالُوا يا أَيُّهَا السَّاحِرُ ادْعُ لَنا رَبَّكَ [الزخرف/ ٤٩] وهذا مما يعلم به أنّ المضاف إذا كان له ضرب من الملابسة بالمضاف إليه، جازت إضافته إليه، وعلى هذا قوله: لتغني عنّي ذا إنائك أجمعا «٣» فأضاف الإناء إلى الشارب لشربه منه وإن كان ملكا للمشروب لبنه، أو في يده على غير وجه الملك.

стр. 507

ومن ذلك قوله: أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعاءَ، قُلْ أَوَلَوْ كانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئاً وَلا يَعْقِلُونَ، قُلْ لِلَّهِ الشَّفاعَةُ جَمِيعاً [الزمر/ ٤٣ - ٤٤] فهذا مثل قوله: وَيَقُولُونَ هؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ [يونس/ ١٨]. وقوله: «١» قُلْ لِلَّهِ الشَّفاعَةُ جَمِيعاً معناه: «٢» في الآخرة. وإنما نسبت الشفاعة إليه سبحانه إبطالا لشفاعة من ادّعيت شفاعتهم لهم من الآلهة، ونفيا لها، وإعلاما أن الملائكة في الآخرة لا يشفعون إلا لمن أذن لهم في الشفاعة له، فنسبت الشفاعة إلى الله لمّا لم تكن إلا بأمره وإذنه فيها، وإن كانت الملائكة فاعليها في الحقيقة، فأما في الدنيا فقد تكون الشفاعة لغير الله. والضمير في (منها) من قوله: ولا تقبل منها عائد إلى نفس على اللفظ، وفي «٣» قوله: وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ على المعنى، لأنه ليس المراد المفرد فلذلك جمع. فأما حجة من قال: ولا تقبل فألحق علامة التأنيث، فهي أنّ الاسم الذي أسند إليه هذا الفعل مؤنّث، فيلزم أن يلحق المسند أيضا علامة التأنيث، ليؤذن لحاق العلامة بتأنيث الاسم، كما ألحق الفصل حيث ألحق، ليؤذن بأنّ الخبر معرفة أو قريب من المعرفة «٤». ومما يقوي ذلك أن كثيرا من العرب إذا أسندوا الفعل إلى المثنى أو المجموع، ألحقوه علامة التثنية أو الجمع كقوله «٥»:

стр. 508

ألفيتا عيناك .... وقوله: ... يعصرن السّليط أقاربه «١» فكما ألحقوا هاتين العلامتين لتؤذنا بالتثنية والجمع، كذلك ألحقت علامة التأنيث الفعل ليؤذن بما في الاسم منه، وكانت هذه العلامة أولى من لحاق علامتي التثنية والجمع، للزوم علامة التأنيث الاسم، وانتفاء لزوم هاتين العلامتين الاسم، وبحسب لزوم المعنى تلزم علامته، ألا ترى أن ما لا يلزم في كلامهم قد لا يعتدّ به اعتداد اللازم، كالواو الثانية في قوله: (ووري) فبحسب لزوم علامة «٢» التأنيث الاسم «٣» يحسن إلحاقه الفعل، وقد قال: «٤» فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ [الحجر/ ٧٣]. فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ بِالْحَقِّ [المؤمنون/ ٤١]. فكما تثبت العلامة في هذا النحو، كذلك ينبغي أن تثبت في نحو قوله: تَقَبَّلْ. ومن حجة من لم «٥» يلحق: أن التأنيث في الاسم ليس بحقيقي، وإذا كان كذلك حمل على المعنى فذكّر، ألا ترى أن الشفاعة والتشفّع بمنزلة، كما أن الوعظ والموعظة، والصيحة والصوت كذلك، وقد قال «٦»: فَمَنْ جاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ [البقرة/ ٢٧٥] وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ [هود/ ٦٧]. فكما لم تلحق العلامة هنا «٧»، كذلك يحسن أن لا تلحق في

стр. 509

قوله: ولا تقبل لاتفاق الجميع في أن ذلك تأنيث غير حقيقي. وكلا الأمرين قد جاء به التنزيل كما رأيت. ومما يقوّي التّذكير أنه قد فصل بين الفعل والفاعل بقوله: مِنْها. والتذكير يحسن مع الفصل، كما حكي من قولهم: حضر القاضي اليوم امرأة. فإذا جاء التذكير في الحقيقي مع الفصل فغيره أجدر بذلك. فأما ما قاله أحمد بن يحيى: من أن التذكير أجود لقول ابن مسعود: «ذكّروا القرآن» فإنّ قول ابن مسعود لا يخلو من أن يريد به التذكير الذي هو خلاف التأنيث، أو يريد به معنى غير ذلك «١». فإن أراد به خلاف التأنيث، فليس يخلو من أن يريد «٢»: ذكّروا فيه التأنيث الذي هو غير حقيقي، أو التأنيث الذي هو حقيقي، فلا يجوز أن يريد التأنيث الذي هو غير حقيقيّ لأن ذلك قد جاء منه في القرآن ما يكاد لا يحصى «٣» كثرة، كقوله: وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ [الأنعام/ ٣٢] وكقوله: النَّارُ وَعَدَهَا اللَّهُ [الحج/ ٧٢] وقوله «٤»: وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ [القيامة/ ٢٩] و: قالَتْ رُسُلُهُمْ [إبراهيم/ ١٠] و: كَأَنَّهُمْ أَعْجازُ نَخْلٍ خاوِيَةٍ [الحاقة/ ٧] وَالنَّخْلَ باسِقاتٍ [ق/ ١٠] وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْناءَ [المؤمنون/ ٢٠] يُنْشِئُ السَّحابَ الثِّقالَ [الرعد/ ١٢]. فإذا ثبت هذا النحو في القرآن على الكثرة التي تراها، لم يجز أن يريد هذا. وإذا لم يجز أن يريد ذلك، كان إرادته به

стр. 510

التأنيث الحقيقيّ أبعد، كقوله: إِذْ قالَتِ امْرَأَتُ عِمْرانَ [آل عمران/ ٣٥] وقوله: وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ [التحريم/ ١٢] وكانَتا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبادِنا صالِحَيْنِ فَخانَتاهُما [التحريم/ ١٠] وَقالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ [القصص/ ١١]. فإن قلت: إنّما يريد: إذا احتمل الشيء التأنيث والتذكير، فاستعملوا التذكير وغلّبوه. قيل: هذا أيضا لا يستقيم، ألا ترى أن فيما تلونا: وَالنَّخْلَ باسِقاتٍ وكَأَنَّهُمْ أَعْجازُ نَخْلٍ خاوِيَةٍ فأنّث مع جواز التذكير فيه، يدلك على ذلك قوله في الأخرى: أَعْجازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ [القمر/ ٢٠] وقوله: مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ ناراً [يس/ ٨٠] ولم يقل: الخضر ولا الخضراء، وقوله: السَّحابَ الثِّقالَ ولم يقل: الثقيل، كما قال: مُنْقَعِرٍ. فهذه المواضع يعلم منها أنّ «١» ما ذكرت ليس بمراد ولا بمذهب. فإذا لا يصحّ «٢» أن يريد بقوله: «ذكّروا القرآن». التذكير الذي هو خلاف التأنيث، وإذا لم يرد ذلك، كان معنى غيره. فممّا يجوز أن يصرف إليه قول ابن مسعود، أنه يريد به الموعظة والدعاء إليه، كما قال: فذكر بالقرآن من يخاف وعيدى «٣» [ق/ ٤٥] إلا أنّه حذف الجار، وإن كان قد ثبت في الآية، وفي قوله: وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ [إبراهيم/ ٥] على القياس الذي ينبغي أن يكون عليه، ألا ترى أنك تقول: ذكر زيد العذاب والنار. فإذا ضعّفت العين، قلت: ذكّرت زيدا

стр. 511

العذاب، وذكّرته النار. فإذا ألحقت الجارّ كان كقوله: وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ [البقرة/ ١٩٥] وإذا حذف كان كقوله: وَأَلْقى فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ [النحل/ ١٥] فمما جاء بغير الجار قولها «١»: يذكّرني طلوع الشّمس صخرا ... وأذكره لكلّ غروب شمس ومما يدل على صحة ما ذكرنا من أن الأصل أن لا يلحق الجار، أن النسيان الذي هو خلاف الذكر، لمّا نقل بالهمزة التي هي في حكم تضعيف العين، لم تلحق الباء المفعول الثاني، وذلك قوله «٢»: وَما أَنْسانِيهُ إِلَّا الشَّيْطانُ أَنْ أَذْكُرَهُ [الكهف/ ٦٢] ويمكن أن يكون معنى قوله: «ذكّروا القرآن» أي «٣»: لا تجحدوه ولا تنكروه، كما أنكره من قال فيه: أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ [النحل/ ٢٤] لإطلاقهم عليه لفظ التأنيث، فهؤلاء لم يذكّروه، لكنّهم أنّثوه بإطلاقهم التأنيث على ما كان مؤنث اللفظ، كقوله: إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِناثاً [النساء/ ١١٧] فإناث جمع أنثى، وإنما يعني به «٤» ما اتخذوه آلهة، كقوله: أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى. وَمَناةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرى [النجم/ ١٩، ٢٠]. وقال العجّاج «٥» في صفة المنجنيق: أورد حذّا تسبق الأبصارا وكلّ أنثى حملت أحجارا

стр. 512

فسمّاها أنثى، لتأنيثهم للفظها، وكذلك قول الفرزدق «١»: وكنّا إذا الجبّار صعّر خدّه ... ضربناه تحت الأنثيين على الكرد والأنثيان يريد بهما: الأذنين، وهذا النحو كثير في كلامهم. [البقرة: ٥١] اختلفوا في إلحاق الألف وإخراجها من قوله تعالى: وإذ وعدنا [البقرة/ ٥١] ووعدناكم [طه/ ٨٠] فقرأ أبو عمرو وحده ذلك كلّه بغير ألف، وقرأ الباقون ذلك كلّه بالألف «٢». قال أبو علي: قالوا: وعدته، أعده، وعدا، وعدة، وموعدا وموعدة. قال «٣»: إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَها إِيَّاهُ [التوبة/ ١١٤] وجاء وعد في الخير والشر. قال: وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ [المائدة/ ٩] وقال «٤»: أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْداً حَسَناً [طه/ ٨٦] فتقول على هذا: وعدته خيرا. وقال «٥»: النَّارُ وَعَدَهَا اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا [الحج/ ٧٢] فتقول على هذا: وعدته شرّا. وقال «٦»: وَجَعَلْنا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِداً «٧» [الكهف/ ٥٩]

стр. 513

فالموعد: مصدر وعد، وهو في الإهلاك. فأما الإيعاد فإنه يكون في التهديد، قال «٢»: أوعدني بالسّجن والأداهم وقال «٣»: وموعدنا بالقتل يحسب أنّه ... سيخرج منّا القتل ما القتل مانع والوعيد: نحو من الإيعاد في أنه تهديد بشرّ، قال «٤»: ذلك لمن خاف مقامي وخاف وعيدي [إبراهيم/ ١٤] وقال فذكر بالقرآن من يخاف وعيدي [ق/ ٤٥] وقال أحمد بن يحيى: أوعدته، وتسكت. أو تجيء بالباء: أوعدته بشرّ، ولا تقول: أوعدته الشرّ. قال أبو علي: ولا يمتنع في نحو هذا في القياس أن يحذف الحرف فيصل الفعل، ويدلّ على ذلك ما قدمناه «٥». من قوله: أوعدني بالسجن، فأما الميعاد في قوله: إِنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ الْمِيعادَ [آل عمران/ ٩] فإن هذا البناء قد جاء في

стр. 514

الأسماء والصفات، فالاسم نحو: المصباح والمفتاح. والصفة نحو: المطعان، والمطعام. والميعاد «١»: اسم، كما أن الميقات كذلك، وليس يخلو من أن يكون من أوعد، أو وعد. فإن كان من أوعد، فإن أوعد تختصّ «٢» بالتهديد. وإن كان من وعد في التهديد وخلافه كما تقدم ذكره، فلا إخلاف «٣» للميعاد، وقد أوقع على الإخلاف الكذب. أنشد أبو عبيدة «٤»: أتوعدني وراء بني رياح ... كذبت لتقصرنّ يداك دوني فإن قلت: إن التكذيب واقع في الاستفهام، والاستفهام لا يحتمل الصدق ولا الكذب. فإن هذا الاستفهام تقرير والتّقرير عندهم مثل الخبر، ألا ترى أنهم لم يجيبوه بالفاء كما لم يجيبوا الخبر، وقد قال: لا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ. ما يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَما أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ [ق/ ٢٨، ٢٩] وأما الموعود فصفة قال «٥»: لعلّك والموعود حق لقاؤه ... بدا لك في تلك القلوص بداء التقدير: الأمر الموعود حق لقاؤه.

стр. 515

ومن جوّز مجيء المصدر على مفعول، جاز عنده أن يكون الموعود مثل الوعد. وقولهم «١»: وعدت «٢»: فعل يتعدى إلى مفعولين يجوز فيه الاقتصار على أحدهما كأعطيت، وليس كظننت، قال: وَواعَدْناكُمْ جانِبَ الطُّورِ الْأَيْمَنَ [طه/ ٨٠] فجانب مفعول ثان، ولا يكون ظرفا لاختصاصه، والتقدير: وعدناكم «٣» إتيانه، أو مكثا فيه، وكذلك قول الشاعر «٤»: فواعديه سرحتي مالك إنما هو: واعديه «٥» إتيانهما أو مكثا عندهما، أو نحو ذلك من الأحداث التي يقع الوعد عليها دون الأعيان، فأما قوله «٦»: وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَها [الفتح/ ٢٠] فإن المغنم يكون الغنم كما أنّ المغرم يكون الغرم في قوله «٧»: فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ [ن/ ٤٦] فإن قلت فقد قال: تَأْخُذُونَها والغنم الذي هو حدث لا يؤخذ، إنما يقع الأخذ على الأعيان دون المعاني. فالقول: إنه قد يجوز أن يكون المغنوم الذي هو العين، سمي باسم المصدر مثل الخلق والمخلوق، ونحو ذلك. وأنشد أحمد بن يحيى «٨»:

стр. 516

ضوامن ما جار الدّليل ضحى غد ... من البعد ما يضمن فهو أداء أي: مؤدّى أو ذو أداء. وجمعك للمغانم، وهو مصدر، إنما هو كالمذاهب والمجاري، ونحو ذلك من المصادر المجموعة، فإذا كان كذلك وجب أن تقدّر مضافا محذوفا، كأنه: وعدكم الله تمليك مغانم أو إيراثها، وكذلك لو جعلت المغنم اسما للأعيان المغنومة كالأموال والأرضين. فأما قوله: وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ [المائدة/ ٩] وقوله «١»: وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا ثم قال: لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ [النور/ ٥٥] فإن الفعل لم يعدّ فيه إلى مفعول ثان وقوله «٢»: لَهُمْ مَغْفِرَةٌ ولَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ تفسير للوعد وتبيين له، كما أنّ قوله لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ [النساء/ ١١] تفسير للوصية في قوله «٣»: يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ [النساء/ ١١]. وأما قوله: أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْداً حَسَناً [طه/ ٨٦] وقوله: إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ [إبراهيم/ ٢٢] فإنّ هذا ونحوه يحتمل أمرين: يجوز أن يكون انتصاب الوعد بالمصدر. ويجوز أن يكون انتصابه بأنّه المفعول الثاني. وسمّي الموعود به الوعد، كما سمّي المخلوق بالخلق، فإذا حملته على هذا فينبغي أن تقدر حذف المضاف، ويؤكّد الوجه الأول قوله:

стр. 517

أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْداً حَسَناً [طه/ ٨٦]. وأما قوله: وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّها لَكُمْ [الأنفال/ ٧] فإن إحدى الطائفتين في موضع نصب بأنه المفعول الثاني، وأنها لكم: بدل منه، والتقدير: وإذ يعدكم الله ثبات إحدى الطّائفتين أو ملك إحدى الطائفتين. ونحو هذا مما يدل عليه (لكم) ألا ترى أنّ (أنّ) وما بعدها في تأويل المصدر، والطائفتان: العير والنفير. وأما قوله «١»: أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُراباً الآية «٢» [المؤمنون ٣٥] فمن قدر في أن الثانية البدل. فإنه ينبغي أن يقدر محذوفا ليتم بذلك الكلام، فيصح البدل، فيكون التقدير عنده: أيعدكم أن إخراجكم إذا متم، ليكون اسم الزمان خبرا عن الحدث المراد، إذ لا يصح أن يكون خبرا عن المخاطبين من حيث كانوا أعيانا، فيكون أَنَّكُمْ الثانية بدلا من الأولى. ومن قدّر في الثانية التكرير لم يحتج إلى تقدير محذوف، ومن رفع أَنَّكُمْ الثانية بالظّرف- كأنه قال: أيعدكم أنكم يوم الجمعة إخراجكم- لم يحتج إلى ذلك أيضا وقد قلنا فيها في مواضع من مسائلنا. وأما قوله: وَما كانَ اسْتِغْفارُ إِبْراهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَها إِيَّاهُ [التوبة/ ١١٤] فالجملة في موضع جرّ لأنها صفة للنكرة وقد عاد الذكر منها إلى الموصوف، والفعل متعدّ إلى مفعول واحد ألا ترى أن الذكر يعود إلى المصدر، وقد «٣» قال

стр. 518

إبراهيم لأبيه: سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي «١» [مريم/ ٤٧]، وقال وَاغْفِرْ لِأَبِي إِنَّهُ كانَ مِنَ الضَّالِّينَ [الشعراء/ ٨٦] وقال: رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوالِدَيَّ [إبراهيم/ ٤١] وقال: قَدْ كانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْراهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآؤُا مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إلى قوله إِلَّا قَوْلَ إِبْراهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ [الممتحنة/ ٤]. والمعنى: لقد كان لكم فيهم أسوة حسنة في تبرّئهم من كفار قومهم، وإن كانوا ذوي أنساب منهم وأرحام، فتأسّوا بهم في ذلك، ألا تراه قال «٢»: لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كانُوا آباءَهُمْ أَوْ أَبْناءَهُمْ [المجادلة/ ٢٢] وقال: لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ [آل عمران/ ٢٨] وقال: وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ [المائدة/ ٥١] فالمعنى: تأسّوا بإبراهيم وبقومه في معاداتهم لأنسبائهم وذوي قرابتهم، وترك موالاتهم لهم لمخالفتهم إياهم في دينهم وكفرهم. فأما استغفار إبراهيم لأبيه مع أنه كان مخالفا له في التوحيد، فلا ينبغي لكم أن تستغفروا لمن كفر من آبائكم كما استغفر، لأن الاستغفار كان منه «٣» بشرط وعلى تقييد، فلا تطلقوا أنتم ذلك لمن خالفكم في توحيد الله «٤»، فإنّ استغفاره لأبيه كان مقيّدا، وإن كان قد جاء مطلقا في بعض المواضع،

стр. 519

فإنه إنما كان من إبراهيم على التقييد الذي جاء في مواضعه. وقال: وَكَذلِكَ أَعْثَرْنا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لا رَيْبَ فِيها [الكهف/ ٢١] فالمعنى فيه، وفي قوله: وَإِذا قِيلَ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَالسَّاعَةُ لا رَيْبَ فِيها [الجاثية/ ٣٢]: أنّ وعد الله بالبعث حق في نحو قوله: قُلْ بَلى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ [التغابن/ ٧] فإذا عاينوا ذلك وشاهدوه وجب أن يعلموا: أن الذي وعدوا به من البعث والنشور بعد الموت، مثل الذي عاينوه، فيلزمهم الاعتراف به لمشاهدتهم له وعلمهم إياه من الوجه الذي لا يدخله ارتياب ولا تشكّك، والساعة لا ريب فيها، لأنها إنما هي يوم البعث، وقد علموا البعث والإحياء بعد الموت على ما ذكرناه «١». ومثل هذه قوله «٢»: فَقُلْنا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِها كَذلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتى [البقرة/ ٧٣] المعنى: فقلنا: اضربوا المقتول ببعض البقرة، فضربوه به فحيي، كذلك يحيي الله الموتى، أي: يحييهم للبعث مثل هذا الإحياء الذي عوين وشوهد، ومثل ذلك، إلّا أنه في النبات قوله: فَأَخْرَجْنا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ كَذلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتى [الأعراف/ ٥٧] وقوله: بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّنْ نَجْعَلَ لَكُمْ مَوْعِداً [الكهف/ ٤٨] أي: موعدا للبعث، فجحدتم ذلك فقال «٣»: إِنَّ ما تُوعَدُونَ لَآتٍ [الأنعام/ ١٣٤] وقال «٤»: بَلْ لَهُمْ مَوْعِدٌ لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلًا [الكهف/ ٥٨] وقال: وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ [البروج/ ٢] وقال: كَما بَدَأْنا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْداً عَلَيْنا [الأنبياء/ ١٠٤]

стр. 520

دل قوله «١»: نُعِيدُهُ «٢» على وعد فانتصب الوعد لدلالة الإعادة عليه في قياس قول سيبويه. فأما قوله «٣»: وَلكِنْ لا تُواعِدُوهُنَّ سِرًّا [البقرة/ ٢٣٥] فالمعنى: لا تصرّحوا للمعتدة بلفظ النكاح والتزويج، ولكن عرّضوا به، ولا تصرحوا، وذلك نحو ما حدّثنا أحمد بن محمد البصري: قال: حدثنا المؤمّل بن هشام، قال: حدثنا إسماعيل بن عليّة عن ليث عن مجاهد في قوله: وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّساءِ [البقرة/ ٢٣٥] قال: يقول: إنك لجميلة، وإنّك لنافقة، وإنك إلى خير «٤». وقوله: إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفاً [البقرة/ ٢٣٥] أي: معروفا منه الفحوى، والمعنى دون التصريح ويكون: إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفاً فتعرّضوا بذلك، لأن التصريح به مزجور عنه، فهو منكر غير معروف. فأما قوله «٥»: وإذ وعدنا موسى أربعين ليلة [البقرة/ ٥١] فليس يخلو تعلّق الأربعين بالوعد من أن يكون على أنه ظرف أو مفعول ثان، فلا يجوز أن يكون ظرفا، لأن الوعد ليس فيها كلها، فيكون جواب كم، ولا في بعضها، فيكون كما يكون جوابا لمتى، وإنما الموعد تقضّي الأربعين، فإذا لم يكن ظرفا، كان انتصابه بوقوعه موقع المفعول الثاني. والتقدير: وعدنا موسى انقضاء أربعين ليلة، أو: تتمة

стр. 521

أربعين ليلة، فحذفت المضاف، كما تقول: اليوم خمسة عشر من الشهر، أي: تمامه، وفسّر أن الأربعين: ذو القعدة، وعشر من ذي الحجّة. ومثل ذلك في المعنى قوله: وَواعَدْنا «١» مُوسى ثَلاثِينَ لَيْلَةً [الأعراف/ ١٤٢] أي: انقضاء ثلاثين «٢» وَأَتْمَمْناها بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً [الأعراف/ ١٤٢] فالميقات هو الأربعون، وإنما هو ميقات وموعد، لما روي من أن القديم سبحانه وعده أن يكلّمه على الطور. فأما انتصاب الأربعين في قوله: فَتَمَّ مِيقاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً [الأعراف/ ١٤٢] فكقولك: تم القوم عشرين رجلا، والمعنى: تم القوم معدودين هذا العدد، وتم الميقات معدودا هذا العدد وقد جاء الميقات في موضع الميعاد، كما جاء الوقت في موضع الوعد في قوله: إِلى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ [الحجر/ ٣٨] ومما يبين تقاربهما قوله: فَتَمَّ مِيقاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً [الأعراف/ ١٤٢] وَلَمَّا جاءَ مُوسى لِمِيقاتِنا [الأعراف/ ١٤٣] وفي الأخرى وإذ وعدنا موسى أربعين ليلة [البقرة/ ٥١] وقال: وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ [البروج/ ٢] وقال: إِلى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ [الحجر/ ٣٨] وقال: إِلى مِيقاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ [الواقعة/ ٥٠]. فإن قلت: لم لا يكون الوقت في قوله: إِلى يَوْمِ الْوَقْتِ الوقت الذي يراد به الزمان، كقولك: هذا وقت قدوم الحاج، تريد به: الأوان الذي يقدمون فيه؟

стр. 522

فإنّ ذلك يبعد. ألا ترى أن اليوم لا يخلو من أن تريد به وضح النهار، أو البرهة من الزمان، ولو قلت: برهة الزمان أو يوم الزمان، لم يكن ذلك بالسهل. وليس هذا كقوله «١»: ولولا يوم يوم .. ولا كقوله «٢»: حين لا حين محنّ وأنت تريد به حين حين، لأن إضافة الاسمين هنا «٣» كإضافة البعض إلى الكل. الحجة «٤» لمن قرأ: واعَدْنا [البقرة/ ٥١] «٥» أن يقول: قد ثبت أن الله تعالى «٦» قد كان منه وعد لموسى «٧»، ولا «٨» يخلو موسى من أن يكون قد كان منه وعد، أو لم يكن. فإن كان منه وعد، فلا إشكال في وجوب القراءة بواعدنا. وإن لم يكن منه وعد، فإنّ ما كان منه من قبول الوعد والتّحرّي لإنجازه، والوفاء به، يقوم مقام الوعد، ويجري مجراه، فإذا كان كذلك كان بمنزلة الوعد، وإذا كان مثله، وفي حكمه، حسن القراءة بواعدنا، لثبات التواعد من الفاعلين، كما قال: وَلكِنْ لا تُواعِدُوهُنَّ [البقرة/ ٢٣٥] لمّا كان الوعد من

стр. 523

الخاطب والمخطوبة. ومما يؤكد حسن القراءة بواعدنا، أنّ «فاعل» قد يجيء من «١» فعل الواحد نحو: عافاه الله، وطارقت النعل، وعاقبت اللصّ. فإن كان الوعد من الله سبحانه، ولم يكن من موسى «٢» كان من هذا الباب. وإن كان من موسى موعد، كان الفعل من فاعلين، فإذا كان منهما لم يكن نظر في حسن واعدنا. وحجة من قرأ وعدنا «٣» بلا ألف قوله: «٤» وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ [المائدة/ ٩] وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ [النور/ ٥٥] وقال: أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْداً حَسَناً [طه/ ٨٦] وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ [الأنفال/ ٧] إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ [إبراهيم/ ٢٢] وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَها [الفتح/ ٢٠]. فكلّ هذا وعد من الله «٥» عباده، وهو على «فعل» دون «فاعل». فكذلك الموضع المختلف فيه، ينبغي أن يحمل على المتفق عليه، وعلى ما كثر في التنزيل من لفظ وعد دون واعد في هذا الموضع. واختلفوا في قوله تعالى «٦»: اتَّخَذْتُمُ [البقرة/ ٥١] وأَخَذْتُمْ [آل عمران/ ٨١] ولَاتَّخَذْتَ [الكهف/ ٧٧].

стр. 524

فأظهر الذّال في ذلك كلّه ابن كثير وعاصم في رواية حفص، وأدغمها الباقون وأبو بكر بن عياش عن عاصم أيضا معهم «١». قال أبو زيد «٢»: تقول: اتخذنا مالا، فنحن نتّخذه اتّخاذا، وتخذت اتخذ تخذا. قال أبو علي: اتّخذ: افتعل، وفعلت منه: تخذت، قال: لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً [الكهف/ ٧٧] وقال «٣»: وقد تخذت رجلي إلى جنب غرزها ... نسيفا كأفحوص القطاة المطرّق ولم أعلم تخذت تعدّى إلا إلى مفعول واحد، فأما اتّخذت فإنه في التعدي على ضربين: أحدهما: أن يتعدى إلى مفعول واحد. والآخر: أن يتعدى إلى مفعولين. فأمّا تعدّيه إلى مفعول واحد فنحو قوله: يا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا [الفرقان/ ٢٧] وأَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَناتٍ [الزخرف/ ١٦] وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً [طه/ ٨٢] لَوْ أَرَدْنا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْواً لَاتَّخَذْناهُ مِنْ لَدُنَّا [الأنبياء/ ١٧].

стр. 525

وأمّا ما تعدّى إلى مفعولين، فإن الثاني منهما الأول في المعنى قال «١»: اتَّخَذُوا أَيْمانَهُمْ جُنَّةً [المجادلة/ ١٦]. وقال: لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِياءَ [الممتحنة/ ١] فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا [المؤمنون/ ١١٠]. فأمّا قوله «٢»: وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى [البقرة/ ١٢٥] فإن من أجاز زيادة (من) في الإيجاب، جاز على قوله أن يكون قد تعدى إلى مفعولين، ومن لم يجز ذلك، كان عنده متعديا إلى مفعول واحد. ونظير اتّخذ فيما ذكرناه من تعديه إلى مفعول واحد مرة، وأخرى إلى مفعولين الثاني منهما الأول في المعنى: «جعلت» قال: وَجَعَلَ الظُّلُماتِ وَالنُّورَ [الأنعام/ ١] أي: خلقهما. فإذا تعدى إلى مفعولين كان الثاني الأول في المعنى، كقوله: وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً [يونس/ ٨٧] وَجَعَلْناهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ [القصص/ ٤١] وَجَعَلْنا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنا [السجدة/ ٢٤]. فعلى الخلاف الذي تقدم ذكره: وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبادُ الرَّحْمنِ إِناثاً [الزخرف/ ١٩]. فأمّا قوله: ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ [البقرة/ ٥١]. وقوله: بِاتِّخاذِكُمُ الْعِجْلَ [البقرة/ ٥٤]، اتَّخَذُوهُ وَكانُوا ظالِمِينَ [الأعراف/ ١٤٨] وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا [الأعراف/ ١٤٨]. فالتقدير في ذلك كله:

стр. 526

اتخذوه إلها، فحذف المفعول الثاني، الدليل على ذلك: أن الكلام لا يخلو من أن يكون على ظاهره كقوله: كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتاً [العنكبوت/ ٤١] وقوله «١»: متّخذا من عضوات تولجا «٢» أو يكون على إرادة المفعول، فلا يجوز أن يكون على ظاهره دون إرادة المفعول الثاني لقوله «٣»: إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا [الأعراف/ ١٥٢]، ومن صاغ عجلا، أو نجره، أو عمله بضرب من الأعمال، لم يستحقّ الغضب من الله «٤»، والوعيد عند المسلمين. فإذا كان كذلك علم أنه على ما وصفنا من إرادة المفعول الثاني المحذوف في هذه الآي. فإن قال قائل: فقد جاء في الحديث «٥»: «يعذّب المصوّرون يوم القيامة» وفي بعض الحديث: «فيقال لهم: أحيوا ما خلقتم».

стр. 527

قيل: «يعذّب المصورون» يكون على من صوّر الله تصوير الأجسام «١». وأما الزيادة فمن أخبار الآحاد التي لا توجب العلم، فلا يقدح لذلك في الإجماع على ما ذكرنا. ومن زعم أنّ «تخذت» أصله من: أخذت، لم يكن هذا القول بمستقيم ولا قريب منه، ولو قلب ذلك عليه لم يجد فصلا، ألا ترى أنّ الهمزة لم تبدل من التاء، ولا التاء أبدلت منها. فإن قلت: فلم لا يكون اتّخذت: افتعلت، من اخذت، كأنّ الهمزة لمّا أبدلت منها التاء لالتقائها مع همزة الوصل، أدغمت في التاء الزائدة كما أبدلوا في قولهم اتّسروا الجزور وإنما هو من اليسر «٢»؟ فالقول: إنّ ما ذكرته من الإبدال لا يجوز في قياس قول أصحابنا، والذين أجازوا من ذلك شيئا لا ينبغي أن يجوز ذلك على قولهم، لاختلاف معنى الحرفين وقد قدمنا ذكر ذلك في ذكر قوله «٣»: الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ [البقرة/ ٣] «٤».

стр. 528

فأما «أخذتم» فإن الأخذ قد استعمل منه فعل وفاعل وفعّل واستفعل: فأما فعل منه فيتصرّف على ضروب: منها: أنه يوجب الضّمان على المعترف به، كما يوجبه غصبت، يدلّ على ذلك ما أنشده أبو زيد «١»: أخذن اغتصابا خطبة عجرفيّة ... وأمهرن أرماحا من الخطّ ذبّلا فالقول في أخذن اغتصابا على ضربين: أحدهما: أن أخذن بمنزلة غصبن، فانتصب اغتصابا بعده، كما ينتصب باغتصبن، والآخر: أنه ينتصب بما يدل عليه أخذن من الاغتصاب، وما يدل على الغصب بمنزلته، وفي حكمه. ومنها: أن يدل على العقاب، كقوله «٢»: وَكَذلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذا أَخَذَ الْقُرى وَهِيَ ظالِمَةٌ، إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ [هود/ ١٠٣] فَأَخَذْناهُمْ بِالْبَأْساءِ وَالضَّرَّاءِ [الأنعام/ ٤٢] وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ «٣» [هود/ ٦٧] وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذابٍ بَئِيسٍ [الأعراف/ ١٦٥] فَأَخَذْناهُمْ أَخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ [القمر/ ٤٢].

стр. 529

ومنها: أن يستعمل للمقاربة، قالوا: أخذ يقول «١»، كما قالوا: جعل يقول، وكرب يقول، [وطفق يفعل] «٢». ومنها: أن يتلقّى بما يتلقّى به القسم، نحو قوله: وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ [آل عمران/ ١٨٧]، وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ لا تَسْفِكُونَ دِماءَكُمْ [البقرة/ ٨٤]. ومن ذلك قوله: خُذُوا ما آتَيْناكُمْ بِقُوَّةٍ [البقرة/ ٩٣] فليس معنى هذا: تناولوه، كما تقول: خذ هذا الثوب، ولكن معناه: اعملوا بما أمرتم فيه، وانتهوا عمّا نهيتم عنه فيه بجدّ واجتهاد. ومثل أخذ في ما ذكرنا من معنى العقاب: «آخذ». قال: لَوْ يُؤاخِذُهُمْ بِما كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذابَ، [الكهف/ ٥٨] وَلَوْ يُؤاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِما كَسَبُوا ما تَرَكَ عَلى ظَهْرِها مِنْ دَابَّةٍ [فاطر/ ٤٥] لا تُؤاخِذْنا إِنْ نَسِينا أَوْ أَخْطَأْنا [البقرة/ ٢٨٦] لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ [البقرة/ ٢٢٥]. وقال أبو زيد: إنّ الحمّى لتخاوذ فلانا. إذا كانت تأخذه في الأيام، وفلان يخاوذ فلانا بالزيارة «٣»: إذا كان يتعهّده «٤» بالزيارة في الأيام. والقول في ذلك: إنه ليس من الأخذ على القلب، ولو كان منه لكان يخائذ إذا حقّقت، فإذا خفّفت قلت يخايذ، فتجعلها بين بين، فإذا كانت من الواو، لم يكن منه. إلا أن أخذ قد جاء فيه لغتان في الفاء: الواو والهمزة «٥»، كما

стр. 530

جاء أكدت ووكّدت، وأوصدت وآصدت «١». وحكى أبو زيد في هذا الكتاب أيضا: وهو نابه ونبيه، أوسد فلان كلبه على الصيد يوسده إيسادا، وقد آسده إذا أغراه. فكذلك يكون «٢» يخاوذ، كأنه قلبه عن وخذ، فثبتت الواو التي هي فاء في القلب، فصار يخاوذ: يعافل في القلب. وقال أبو زيد: في المصادر ائتخذنا في القتال، نأتخذ ائتخاذا. قال أبو علي: فهذا افتعل من الأخذ، ولا يجوز الإدغام في هذا، كما جاز في قولنا: اتخذنا مالا. وأما فعّل فقالوا: رجل مؤخّذ عن امرأته «٣». وقال أبو حنيفة في الرجل المؤخّذ عن امرأته: يؤجّل كما يؤجّل العنّين «٤». وللنساء كلام فيما زعموا يسمّينه الأخذ «٥». وأما استفعل، فقال الأصمعي فيما روى عنه الزّياديّ الاستئخاذ: أشد الرّمد. وقال الهذليّ «٦»:
следующие страницы →