وأنشد أحمد بن يحيى «١»:
سألت عمرا بعد بكر خفّا والدلو قد تسمع كي تخفّا ويجوز أن يقتصر فيه على مفعول واحد، فإذا اقتصرته «٢» في التعدي على مفعول واحد كان على ضربين:
أحدهما: أن يتعدى بغير حرف، والآخر: أن يتعدى بحرفٍ.
فأما تعديه بغير حرف فقوله: وَسْئَلُوا ما أَنْفَقْتُمْ وَلْيَسْئَلُوا ما أَنْفَقُوا [الممتحنة/ ١٠]. وقال: فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ [النحل/ ٤٣].
وأما تعديه بحرف؛ فالحرف الذي يتعدي به حرفان:
أحدهما الباء كقوله: سَأَلَ سائِلٌ بِعَذابٍ [المعارج/ ١].
وقال «٣»:
وسائلة بثعلبة بن سير ... وقد أودت بثعلبة العلوق
стр. 667
والآخر: عَنْ كقولك: سل عن زيد.
فإذا تعدى إلى مفعولين كان على ثلاثة أضرب: أحدها:
أن يكون بمنزلة أعطيت، وذلك كقوله:
سألت زيداً بعد بكر خفّا «١» فمعنى هذا: استعطيته، أي: سألته أن يفعل ذلك.
والآخر: أن يكون بمنزلة: اخترت الرجال زيداً، وذلك قوله:
وَلا يَسْئَلُ حَمِيمٌ حَمِيماً «٢» [المعارج/ ١٠] فالمعنى هنا: ولا يسأل حميم عن حميمه، لذهوله عنه واشتغاله بنفسه، كما قال:
لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ [عبس/ ٣٧]. فهذا على هذه القراءة كقوله: وَسْئَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كانَتْ حاضِرَةَ الْبَحْرِ [الأعراف/ ١٦٢].
والثالث: أن يتعدّى إلى مفعولين، فيقع موقع المفعول الثاني منهما استفهام، وذلك كقوله: سَلْ بَنِي إِسْرائِيلَ كَمْ آتَيْناهُمْ مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ [البقرة/ ٢١١] وقوله: وَسْئَلْ مَنْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنا أَجَعَلْنا مِنْ دُونِ الرَّحْمنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ [الزخرف/ ٤٥].
فأما قول الأخطل «٣»:
стр. 668
واسأل بمصقلة البكريّ ما فعلا فما: استفهام، وموضعه نصب بفعل، ولا يكون جراً على البدل من مصقلة على تقدير: سل بفعل مصقلة، ولكن تجعله مثل الآيتين اللتين تلوناهما، وإن شئت جعلته بدلًا، فكان بمنزلة قوله: فَسْئَلُوا «١» أَهْلَ الذِّكْرِ [النحل/ ٤٣] ولو جعلت المفعول مراداً محذوفاً من قوله: واسأل بمصقلة، فأردت:
واسأل الناس بمصقلة ما فعل؟ لم يسهل أن يكون ما استفهاماً، لأنه لا يتصل بالفعل، ألا ترى أنه قد استوفى مفعوليه فلا تقع الجملة التي هي استفهام موقع أحدهما كما تقع موقعه في قوله: سَلْ بَنِي إِسْرائِيلَ كَمْ آتَيْناهُمْ [البقرة/ ٢١١]. فإن جعلت ما موصولة، وقدرت فيها البدل من مصقلة لم يمتنع.
وإن قلت: أجعل قوله: ما فعل، استفهاماً وأضمر يقول «٢»، لأني إذا قلت: اسأل الناس بمصقلة، فإنه يدل على قل، لأن السؤال قول، فأحمله على هذا «٣» الفعل، لا على أنه في موضع المفعول، لاستغناء الفعل بمفعولين؛ فهو قول.
يدل على ذلك قوله: يَسْئَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْساها [النازعات/ ٤٢] ألا ترى أنه قد استوفى مفعوليه أحدهما:
الكاف، والآخر: قد تعدى إليه الفعل بعن؛ فلا يتعلق به أَيَّانَ إلا على الحدّ الذي ذكرنا.
ومن ذلك قول سيبويه: «اذهب فاسأل: زيد أبو من
стр. 669
هو؟» «١» فزيد داخل في حيز الاستفهام، وليس المعنى: سل زيداً، ولكن التقدير: سل الناس: أأبو بشر زيد أم أبو عمرو؟
ولو قلت: سل زيداً على هذا الحد، لم يجز؛ لأن زيداً ليس بمسئول، إنما هو مسئول عنه، وإنما يأمر المخاطب أن يسأل غيره عنه، فلهذا قال: لو «٢» قلت: سل زيداً على هذا الحد لم يجز، وذلك لما ذكرناه من انقلاب المعنى. وهذا مما يقوي قول يونس: قد علمت زيداً أبو من هو. ألا ترى أن هذا من المواضع التي ليس يجوز فيها أن يعمل الفعل في الاسم الداخل في حيز الاستفهام، فإذا أتت مواضع ليس يجوز فيها ذلك، جاز أن لا يعمل الفعل في المفعول الذي يجوز أن يعمل فيه نحو: علمت زيداً أبو من هو.
فالمفعول في هذا الموضع محذوف، لأن المعنى: اسأل إنساناً زيد أبو من هو؟ وكذلك قوله: سَأَلَ سائِلٌ بِعَذابٍ ...
[المعارج/ ١] كأن المعنى: سأل سائل النبي ﵌ «٣» أو المسلمين بعذاب واقع، فلم يذكر المفعول الأول. وسؤالهم عن العذاب، إنما هو استعجالهم له لاستبعادهم لوقوعه، ولردهم ما يوعدون به منه، وعلى هذا قال: وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذابِ وَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ [الحج/ ٤٧] يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذابِ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكافِرِينَ [العنكبوت/ ٥٤] وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ، وَقَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمُ الْمَثُلاتُ [الرعد/ ٦]
стр. 670
ويدلك على ذلك قوله: فَاصْبِرْ صَبْراً جَمِيلًا، إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيداً، وَنَراهُ قَرِيباً [المعارج/ ٥] وقال: قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَتاكُمْ عَذابُهُ بَياتاً أَوْ نَهاراً ماذا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ الْمُجْرِمُونَ
[يونس/ ٥٠]. وقال: أَتى أَمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ [النحل/ ١].
فأما قوله: وَسْئَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ [النساء/ ٣٢] فيجوز أن يكون مِنْ فيه في موضع المفعول الثاني على قياس قول أبي الحسن، ويكون المفعول محذوفاً في قياس قول سيبويه، والصفة قائمة مقامه.
وأما قوله: كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْها [الأعراف/ ١٨٧] فإنه يحتمل أمرين، أحدهما: أن تجعل عَنْها متعلقاً بالسؤال، كأنه: يسألونك عنها، كأنك حفي بها، فحذف الجارّ والمجرور. وحسن ذلك لطول الكلام بعنها التي من صلة السؤال. ويجوز أن يكون عنها بمنزلة بها وتصل الحفاوة مرّة بالباء ومرة بعن. كما أن السؤال يعمل مرة بالباء ومرة بعن فيما ذكرنا. ويدلك على أنه يصل بالباء قوله: إِنَّهُ كانَ بِي حَفِيًّا [مريم/ ٤٧]. وقال: ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمنُ فَسْئَلْ بِهِ خَبِيراً [الفرقان/ ٥٩] فقوله: فَسْئَلْ بِهِ مثل: اسأل عنه خبيراً.
فأما خَبِيراً فلا يخلو انتصابه من أن يكون على أنه حال، أو مفعول به، فإن كان حالًا لم يخل أن يكون حالًا من
стр. 671
الفاعل أو من المفعول، فلو جعلته حالا من الفاعل السائل لم يسهل لأن الخبير لا يكاد يسأل إنما يسأل، ولا يسهل الحال من المفعول أيضاً لأن المسئول عنه خبير أبداً فليس للحال كبير فائدة. فإن قلت: يكون حالًا مؤكدة فغير هذا الوجه إذا احتمل أولى، فيكون خبيراً إذا مفعولًا به كأنه: قال «١» فاسأل عنه خبيراً أي مسئولًا خبيراً. وكأن معنى سل: تبيّن بسؤالك وبحثك من تستخبره ليتقرر عندك ما اقتصّ عليك من خلقه ما خلق وقدرته على ذلك، وتعلمه بالفحص عنه والتبيّن له. ومما يقوي أن السؤال إنما أريد به ما وصفنا قول أمية «٢»:
واسأل ولا بأس إن كنت امرأ عمها ... إنّ السؤال شفا من كان حيرانا
فيشبه أن يكون أراد باسأل: اسأل حتى تتبيّن بسؤالك، ألا ترى أنه قال:
إن السؤال شفا من كان حيرانا والسؤال إذا خلا من العلم لم يكن شفاء لمن كان حيران، إنما يكون شفاء إذا اقترن به العلم والتبيّن، فكذلك «٣» المراد في قوله: فَسْئَلْ بِهِ خَبِيراً [الفرقان/ ٥٩]: اسأل سؤالًا تبحث به لتتبين.
стр. 672
فالحجة «١» لمن قرأ: وَلا تُسْئَلُ بالرفع أن الرفع يحتمل وجهين:
أحدهما: أن يكون حالًا فيكون مثل ما عطف عليه من قوله: بَشِيراً وَنَذِيراً [البقرة/ ١١٩] وغير مسئول «٢». ويكون ذكر تُسْئَلُ- وهو فعل بعد المفرد الذي هو قوله: بَشِيراً- كذكر الفعل في قوله: وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ [آل عمران/ ٤٦] بعد ما تقدم من المفرد. وكذلك قوله: وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ [آل عمران/ ٤٥] وهو قد يجري مجرى الجمل «٣».
والآخر: أن يكون منقطعاً من الأول مستأنفاً به، ويقوي هذا الوجه ما روي من أن عبد الله أو أبيّا قرأ أحدهما: وما تسأل، والآخر: ولن تسأل «٤»، فكل واحدة من هاتين القراءتين يؤكد حمله على الاستئناف. ويؤكّد وجهي الرفع قوله: لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ [البقرة/ ١٧١] وقوله: ما عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ [المائدة/ ٩٩].
ومما يجعل للفظ الخبر مزية على النهي أن الكلام الذي قبله وبعده خبر فإذا كان أشكل بما قبله وما بعده كان أولى.
ووجه قراءة نافع بالجزم للنهي: ما روي أن النبي ﵌
стр. 673
سأل: أيّ أبويه كان أحدث موتاً، وأراد أن يستغفر له، فأنزل الله: وَلا تُسْئَلُ عَنْ أَصْحابِ الْجَحِيمِ «١» [البقرة/ ١١٩] وهذا إذا ثبت معنى صحيح. ويذكر أن في إسناد
الحديث شيئاً.
فأما قوله من قال: إنه لو كان نهياً لكانت الفاء في قوله:
فلا تسأل أسهل من الواو. فالقول فيه: إن هذا النحو إنما يكون بالفاء، إذا كانت الرسالة بالبشارة والنّذارة علّة لأن لا يسأل عن أصحاب الجحيم، كما يقول الرجل: قد حملتك على فرس فلا تسألني غيره. فيكون حمله على الفرس علة لأن لا يسأل غيره. وليس البشارة والنذارة علة لأن لا يسأل.
وقد جوز أبو الحسن في قراءة من جزم أن يكون على تعظيم الأمر كما تقول: لا تسلني «٢» عن كذا، إذا أردت تعظيم الأمر فيه. فالمعنى أنهم في أمر عظيم، وإن كان اللفظ لفظ الأمر.
[البقرة: ١٠٨]
قال أحمد بن موسى: كما سُئِلَ [البقرة/ ١٠٨] مضمومة السين، مكسورة الهمزة في قراءتهم جميعاً.
قال: وروى هشام بن عمّار بإسناده عن ابن عامر:
سُئِلَ مهموزة بغير «٣» إشباع «٤».
стр. 674
قال أبو علي: القول في سئل: أنّ في سألت لغتين:
سألت أسأل، العين همزة، وهي الفاشية الكثيرة وسلت أسال لغة، وعليها جاء قول الشاعر «١»:
سألت هذيل رسول الله فاحشة ... ضلّت هذيل بما قالت ولم تصب
فحمل سيبويه سالت على قلب الهمزة ألفا للضرورة.
كما قال الآخر «٢»:
راحت بمسلمة البغال عشيّة ... فارعي فزارة لا هناك المرتع
قال سيبويه: لأن الذي قال: سالت هذيل، ليست لغته سلت أسال. وحكى أبو عثمان عن أبي زيد: هما يتساولان، في هذه اللغة، فدل أن العين منها واو، وليست المهموزة. ومن قرأ: قالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ «٣» يا مُوسى [طه/ ٣٦] لا ينبغي أن يحمله على هذه اللغة لقلّتها، ولكن على تخفيف الهمز، والتحقيق سؤلك.
والقول في قراءتهم: كما سئل مثل سعل، أنه على تحقيق الهمزة، وقياس من خفف الهمزة أن يجعل هذه بين
стр. 675
بين، فيقول، سئيل، ومعنى بين بين، أن يجعلها بين الهمزة وبين الحرف الذي منه حركتها.
فإن قلت: فهلّا كان تخفيف الهمزة في سئل أن يقلبها واواً إذا انضم ما قبلها وانكسرت، كما أنها إذا كانت على عكس هذا قلبتها واواً في قولك: جون والتودة، وفي المنفصل: هذا غلام وبيك.
فالقول: إن الهمزة في سئل لم يلزم قلبها واواً، كما لزم في جون ونحوه، لأن جون إنما لزم قلبها واواً، لأنك في التخفيف لا تخلو من أن تقلبها واواً، أو تجعلها بين بين، فلم يصحّ أن تجعلها في جون بين بين، لأنك لو جعلتها كذلك نحوت بها نحو الألف، فلا «١» يكون ما قبل الألف ضمة، كما لم يكن قبلها كسرة؛ فلما «٢» لم تكن قبلها ضمة، كذلك لم يكن قبل ما قرّبته منها. فلما لم يكن ذلك، أخلصتها واواً إذا انضم ما قبلها، كما أخلصتها ياء إذا انكسر ما قبلها في نحو: مير وذيبة وذيب، وفي المنفصل: من غلام يبيك، ولم يلزم ذلك في سئل، ولم يمتنع أن يجعلها بين بين، لأنّ في الكلام ياء مكسورة قبلها ضمّة نحو: صيد في هذا المكان، وعيي بالأمر، وحيي في هذا المكان. كما لم
يلزم أن تبدل منها «٣» الياء في عكس ذئب، ومئر، وهو نحو: سئم، وجئز، ومن المنفصل نحو «٤»: وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ [البقرة/ ١٢٦] لأن في الكلام
стр. 676
مثل: صيد، وعيي. فلذلك «١» جعلت التي في سئل بين بين ولم تقلبها.
[البقرة: ١٢٥]
اختلفوا في فتح الخاء وكسرها من قوله :
وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى [البقرة/ ١٢٥].
فقرأ نافع وابن عامر: وَاتَّخِذُوا مفتوحة الخاء على الخبر.
وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وعاصم وحمزة والكسائيّ:
وَاتَّخِذُوا مكسورة الخاء «٢».
قال أبو علي «٣»: وجه قراءة من قرأ: وَاتَّخِذُوا أنه معطوف على ما أضيف إليه، إذ كأنه: «وإذ اتّخذوا»، ومما يؤكد الفتح في الخاء أن الذي بعده خبر، وهو قوله: وَعَهِدْنا إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ [البقرة/ ١٢٥].
ومن قرأ: وَاتَّخِذُوا بالكسر، فلأنهم ذهبوا إلى أثر جاء فيه،
روي أن رسول الله ﵌ «٣» أخذ بيد عمر، [﵀] «٣»، فلما أتى على المقام قال عمر: أهذا مقام أبينا إبراهيم؟ قال: نعم.
قال عمر: أفلا نتّخذه مصلّى؟ فأنزل الله : وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى «٦».
فهذا تقديره: افعلوا. والأمر- إذا ثبت هذا الخبر- آكد، لأنه يتحقق به اللزوم، وإذا أخبر ولم يقع الأمر به «٧» فقد يجوز أن لا يلزم المخاطبين بذلك الفرض، لأنه
стр. 677
قد يجوز أن يكون ناس اتخذوه فلا يلزم غيرهم.
[البقرة: ١٢٦]
اختلفوا في تسكين الميم وكسر التاء وتحريك الميم وتشديد التاء في قوله تعالى «١»: فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا [البقرة/ ١٢٦].
فقرأ ابن عامر وحده: فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا خفيفة من أمتعت.
وقرأ الباقون فَأُمَتِّعُهُ مشددة التاء من متّعت «٢».
قال أبو علي: التشديد أولى لأن التنزيل عليه، قال تعالى «٣»: فَقالَ تَمَتَّعُوا فِي دارِكُمْ [هود/ ٦٥] فتمتّع مطاوع متّع، وعامّة ما في التنزيل على التثقيل.
قال جلّ اسمه: يُمَتِّعْكُمْ مَتاعاً حَسَناً [هود/ ٣].
كَمَنْ مَتَّعْناهُ مَتاعَ الْحَياةِ الدُّنْيا [القصص/ ٦١]. وَمَتَّعْناهُمْ إِلى حِينٍ [يونس/ ٩٨].
فكما أن هذه الألفاظ على متّع دون أمتع، فكذلك الأولى بالمختلف فيه أن يكون على متّع دون أمتع.
ووجه قراءة ابن عامر: أنّ أمتع لغة، وأن فعّل قد يجري في هذا النحو مجرى أفعل، نحو: فرّحته وأفرحته، ونزّلته وأنزلته. وزعموا أنّ في حرف عبد الله: وَنُزِّلَ الْمَلائِكَةُ تَنْزِيلًا [الفرقان/ ٢٥] وأنشدوا للراعي «٤»:
خليلين من شعبين شتّى تجاورا ... قديماً وكانا بالتفرّق أمتعا
«٥»
стр. 678
قال الأصمعي: ليس من أحد يفارق صاحبه إلا أمتعه بشيء يذكره به. قال «١»: فكان ما أمتع كل واحد من هذين صاحبه أن فارقه.
وقال أبو زيد: أمتعا أراد تمتّعاً. ويقال: متع النهار إذا ارتفع.
فأمّا قَلِيلًا من قوله سبحانه «٢»: فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا [البقرة/ ١٢٦] فيحتمل ضربين: يجوز أن يكون قَلِيلًا صفة للمصدر، ويجوز أن يكون صفة للزمان.
فالدّلالة على جواز كونه صفة للمصدر قوله تعالى «٣»:
يُمَتِّعْكُمْ مَتاعاً حَسَناً [هود/ ٣] فوصف المصدر به. قال سيبويه: ترى الرجل يعالج شيئاً فتقول: رويداً، أي: علاجاً رويداً «٤». فإن قلت: فكيف يحسن أن يكون صفة للمصدر، وفعّل يدل على التكثير، فكيف يستقيم وصف الكثير بالقليل في قوله: فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا، وهلّا كان قول ابن عامر أرجح، لأن هذا السؤال لا يعترض عليه «٥» فيه. فالقول: إن ما ذكرت لا يدل على ترجيح قراءته، وإنما وصفه الله تعالى «٦» بالقليل من حيث كان إلى نفاد ونقص وتناه، ألا ترى قوله جل وعز «٧»: قُلْ مَتاعُ الدُّنْيا قَلِيلٌ [النساء/ ٧٦] فعلى هذا النحو وصف المتاع في قوله: فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا.
стр. 679
وأمّا جواز كون قليل صفة للزمان فيدل عليه قوله تعالى «١»: قالَ عَمَّا قَلِيلٍ لَيُصْبِحُنَّ نادِمِينَ [المؤمنون/ ٤٠]؛ فتقدير هذا: ليصبحنّ نادمين بعد زمان قليل، كما قال «٢»: عرق عن الحمّى، وأطعمه عن الجوع، أي: بعد جوع، وبعد الحمّى.
[البقرة: ١٢٨]
اختلفوا في كسر الراء وإسكانها واشمامها الكسر في قوله تعالى: وَأَرِنا مَناسِكَنا [البقرة/ ١٢٨].
فقرأ ابن كثير: وَأَرِنا مَناسِكَنا، ورَبِّ أَرِنِي [الأعراف/ ١٤٢]، وأَرِنَا الَّذَيْنِ [حم السجدة/ ٢٩] ساكنة الراء.
وقال خلف عن عبيد عن شبل عن ابن كثير: وَأَرِنا بين الكسر والإسكان.
وقرأ نافع وحمزة والكسائي: أَرِنا بكسر الراء في كل ذلك.
وقرأ عاصم في رواية أبي بكر، وابن عامر بكسر الراء:
أَرِنا مَناسِكَنا، ورَبِّ أَرِنِي، وأَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً [النساء/ ١٥٢] [بكسر الراء] «٣»، وأسكنا الراء في قوله:
أرنا اللذين في «٤» هذه وحدها. وروى حفص عنه: أَرِنا مكسورة الراء.
стр. 680
واختلف عن أبي عمرو في ذلك، فقال عباس بن الفضل: سألت أبا عمرو، فقرأ [وأرنا] مدغمة، كذا قال.
وسألته عن: وَأَرِنا مثقّلة، فقال: لا. فقلت أَرِنِي فقال: لا.
كل شيء في القرآن بينهما ليست أَرِنا ولا أَرِنا.
وقال عبد الوارث اليزيديّ وهارون الأعور، وعبيد بن عقيل وعلي بن نصر: أَرِنِي وأَرِنا بين الكسر والإسكان.
وقال أبو زيد والخفّاف عن أبي عمرو وَأَرِنا بإسكان الراء «١».
قال أبو علي «٢»: قوله «٢»: أَرِنا مَناسِكَنا يحتمل وجهين أحدهما: أن يكون منقولًا من رأيت الذي يراد به إدراك البصر، نقلت بالهمزة فتعدت إلى مفعولين، والتقدير حذف المضاف، كأنه: أرنا مواضع مناسكنا.
والمناسك: جمع منسك، وهو مصدر جمع لاختلاف ضروبه، والمعنى: عرّفنا هذه المواضع التي يتعلق النسك بها «٤» لنفعله، ونقضي نسكنا فيها على حدّ ما يقتضيه توقيفنا عليها «٥»، وذلك نحو: المواقيت التي يحرم منها، ونحو الموضع الذي يوقف به «٦» من عرفات، وموضع الطواف، وموضع رمي الجمار، فهذا من: رأيت الموضع، وأريته زيداً.
والآخر: أن يكون أَرِنا منقولًا من رأيت التي لا يراد بها رؤية العين، ولكن التوقيف على الأمر، وضرب من العلم.
стр. 681
وأنت تقول فلان يرى رأي الخوارج، فتقصر على مفعول واحد، وليس هناك شيء يبصر. وإلى هذا ذهب أبو عبيدة في تأويل الآية فقال: وَأَرِنا مَناسِكَنا أي: علّمنا. وأنشد لحطائط بن يعفر «١»:
أريني جواداً مات هزلا لأنني «٢» * أرى ما ترين أو بخيلًا مخلّداً قال: أراد: دلّيني، ولم يرد رؤية العين. وأما «٣» قوله تعالى «٤»: رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ [الأعراف/ ١٤٢] فهو من رأيت الذي يتعدى إلى مفعول واحد، يراد به إدراك البصر، والمفعول الثاني حذف من اللفظ، لأن ما يتعلق بالفعل الثاني يدل عليه، ومعنى الكلام يقتضيه.
وقوله تعالى «٥»: أَرِنَا الَّذَيْنِ أَضَلَّانا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ [السجدة/ ٢٩] فهو من رأيت المتعدية إلى مفعول واحد، فلما نقل بالهمزة تعدى إلى اثنين.
وجاء في الحديث: أَرِنَا الَّذَيْنِ أَضَلَّانا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ قال: هما «٦» ابن آدم الذي قتل أخاه وإبليس «٧».
стр. 682
وقد ذكرنا وجه الإسكان فيما تقدم. فأما من اعتلّ بأن الوجه الإشباع أو الإخفاء دون الإسكان لأن الحرف قد حذف منه؛ فليس اعتلاله بذاك، لأن الحذف إذا وجب بقياس، وعلى باب مطّرد، كان هو والإثبات سواء في المساغ. ألا ترى أنهم قالوا:
ر رأيك، وش ثوبك، وف بوعدك. فبقي في ذلك كلّه الكلمة على حرف واحد. فكذلك إذا أوجب ضرب من القياس فيه الإسكان فهو بمنزلة ما يوجب حذف الهمزة من التخفيف، وأوجب حذف اللام للأمر، ويقوي ذلك اتفاقهم، أو اتفاق أكثرهم، في قوله «١»: لكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي [الكهف/ ٣٨] فلزم فيه حذف بعد حذف.
[البقرة: ١٢٤]
اختلفوا في قوله «٢»: إِبْراهِيمَ [١٢٤] في الألف والياء.
فقرأ ابن عامر في جميع سورة البقرة بغير ياء وطلب «٣» الألف إبراهام.
وقراءة «٤» القرّاء في كل مصر غير ابن عامر إبراهيم بالياء «٥».
وقراءة ابن عامر: إبراهام بألف بعد الهاء وقال الأخفش الدمشقي عن ابن ذكوان عن ابن عامر: إبراهام بألف بعد الهاء «٦».
قال أبو عليّ: مما يثبت قراءة ابن عامر قول أمية:
مع إبراهم التّقيّ وموسى ... وابن يعقوب عصمة في الهزال
«٧»
стр. 683
فهذا كأنه إبراهام، إلّا أنه حذف الألف، كما يقصر الممدود في الشعر. وأنشدوا «١»:
عذت بما عاذ به إبراهم وقيل «٢»: إنهم كتبوا ما في البقرة بغير ياء، فهذا يدل على «٣» أنه إبراهام، وحذفت الألف من الخطّ، كما حذفت من دراهم، ونحو ذلك، فيشبه أنّه قرأ إبراهام وما ثبت فيه مما يدلك «٤» على ذلك. وقد روي أنّه سمع ابن الزبير يقرأ:
صحف إبراهام [الأعلى/ ١٩] بألف.
[البقرة: ١٣٢]
واختلفوا «٥» في زيادة الألف ونقصانها من قوله تعالى «٦»:
وَوَصَّى بِها [البقرة/ ١٣٢].
فقرأ نافع وابن عامر وأوصى بها على أفعل.
وقرأ الباقون: وَوَصَّى بغير ألف على فعّل «٧».
قال أبو عليّ: حجة من قرأ: وصّى بغير ألف قوله : فَلا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً [يس/ ٥٠] فتوصية مصدر وصّى، مثل: قطّع تقطعة، ولا يكون فيه تفعيل نحو: التقطيع، لأنك لو جئت «٨» به على تفعيل للزم في حيّيت، ونحوه، إذا
стр. 684
أتيت به على فعّل، أن يكون المصدر على تفعيل أيضاً، فتجتمع «١» ثلاث ياءات، وإذا كانوا قد رفضوا في نحو: عطاء، التحقير على الإتمام، لأنه كان يجتمع ثلاث ياءات، الوسطى منهنّ متحركة بالكسر، فكذلك رفض هذا في تفعيل، لأنه على «٢» تلك العدّة وفيهن الكسرة، وإن كانت الكسرة في تفعيل أوّلا، وفي عطاء إذا حقّرت ثانية.
وحجة من قرأ: وأوصى قوله تعالى «٣»: يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ [النساء/ ١١] ومِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِها [النساء/ ١١]. وقد قالوا: وصى النّبت: إذا اتصل بعضه ببعض. فالوصيّة كأنّ الموصي بالوصيّة وصل جلّ أمره إلى الموصى إليه.
[البقرة: ١٤٠]
اختلفوا في الياء والتاء من قوله تعالى: أَمْ تَقُولُونَ [البقرة/ ١٤٠].
فقرأ ابن كثير ونافع وعاصم في رواية أبي بكر وأبو عمرو بالياء: يقولون.
وقرأ ابن عامر وحمزة والكسائي وحفص عن عاصم:
تَقُولُونَ بالتاء «٤».
قال أبو علي: حجة «٥» قراءة من قرأ بالتاء: أن ما قبلها وبعدها على المخاطبة، فالمخاطبة المتقدمة قوله «٦»:
стр. 685
أَتُحَاجُّونَنا فِي اللَّهِ [البقرة/ ١٣٩] والمتأخرة قوله تعالى «١»:
قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ [البقرة/ ١٤٠].
ومن قرأ بالياء فلأن المعنى لليهود والنصارى، وهم غيب «٢».
[البقرة: ١٤٣]
واختلفوا في قوله «٣»: لَرَؤُفٌ [البقرة/ ١٤٣].
فقرأ ابن كثير ونافع وحفص عن عاصم: لَرَؤُفٌ على وزن: «لرعوف» في كل القرآن، وكذلك ابن عامر.
وقرأ عاصم في رواية أبي بكر، وأبو عمرو وحمزة والكسائي: لرؤف على وزن «لرعف» «٤».
قال أبو زيد: رأفت بالرجل أرأف به رأفة ورآفة، ورؤفت به أرؤف به، كلّ «٥» من كلام العرب.
قال أبو علي: وجه قراءة من قرأ: رؤف أن فعولًا بناء أكثر في كلامهم «٦» من فعل، ألا ترى أن باب ضروب وشكور أكثر من باب حذر، وحدث، ويقظ، وإذا كان أكثر على ألسنتهم كان أولى مما هو بغير هذه الصفة. ويؤكد ذلك أن هذا البناء قد جاء عليه من صفات، غير هذا الحرف نحو: غفور وشكور، ولا نعلم فعلا فيها. وقال «٧»:
стр. 686
نطيع إلهنا ونطيع ربّا ... هو الرّحمن كان بنا رءوفا
ومن قرأ: رؤف فقد زعموا أن ذلك الغالب على أهل الحجاز، قالوا: ومنه قول الوليد بن عقبة «١» [بن أبي معيط لمعاوية بن أبي سفيان] «٢»:
وشرّ الطالبين فلا تكنه ... يقاتل عمّه الرّؤف الرحيما
«٣» وقد اتّسع ذلك حتى قاله غيرهم. وقال جرير «٤»:
ترى للمسلمين عليك حقّا ... كفعل الوالد الرّؤف الرحيم
[البقرة: ١٤٨]
اختلفوا في فتح اللام وكسرها من قوله جل وعز «٥»: هُوَ مُوَلِّيها [البقرة/ ١٤٨].
فقرأ ابن عامر وحده: هو مولاها بفتح اللام.
وقرأ الباقون بكسر اللام.
قال أبو علي: قال تعالى: فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضاها [البقرة/ ١٤٤] يقال «٦»: ولّيتك القبلة إذا صيّرتك تستقبلها
стр. 687
بوجهك. وليس هذا المعنى في فعلت منه، ألا ترى أنك إذا قلت: وليت الحائط، ووليت الدار، لم يكن في فعلت منه دلالة على أنك واجهته. كما أن في «١» قولك: ولّيتك القبلة، وولّيتك المسجد الحرام دلالة على أن المراد واجهته، ففعّلت في هذه الكلمة ليس بمنقول من فعلت الذي هو وليت، فيكون على حدّ قولك: فرح وفرّحته، ولكنّ هذا المعنى الذي هو المواجهة عارض في فعّلت، ولم يكن في فعلت. وإذا كان كذلك كان فيه دلالة على أن النقل لم يكن من فعلت، كما كان قولهم: ألقيت متاعك بعضه على «٢» بعض، لم يكن النقل فيه من لقي متاعك بعضه بعضاً، ولكنّ ألقيت كقولك:
أسقطت، ولو كان منه زاد مفعول آخر في الكلام، ولم يحتج في تعديته إلى المفعول «٣» إلى حرف الجر وإلحاقه المفعول الثاني في قولك: ألقيت بعض متاعك على بعض، كما لم يحتج إليه في:
ضرب زيد عمراً، وأضربته إياه، ونحو ذلك، فكذلك: ولّيتك قبلة، من قولك: وليت كألقيت، من قولك: لقيت وقال تعالى «٣»: فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضاها فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ [البقرة/ ١٤٤] «٥».
فهذا على المواجهة له، ولا يجوز على غير المواجهة مع العلم أو غلبة الظن التي تنزّل منزلة العلم في تحري القبلة، وقد جاءت هذه الكلمة مستعملة على خلاف المقابلة والمواجهة وذلك في نحو قوله جل وعز «٦»: ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ [البقرة/ ٨٣]
стр. 688
، ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ فَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ [البقرة/ ٦٤]. عَبَسَ وَتَوَلَّى أَنْ جاءَهُ الْأَعْمى [عبس/ ١] أي: أعرض عنه، وقال تعالى:
وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقالَ: يا أَسَفى عَلى يُوسُفَ [يوسف/ ٨٤] فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنا [النجم/ ٢٩] فهذا مع دخول الزيادة الفعل وفي غير الزيادة قوله: ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ [التوبة/ ٢٥] والحال مؤكّدة لأن في وليتم دلالة على أنهم مدبرون، فهذا على نحوين: أما ما لحق التاء أوله، فإنه يجوز أن يكون من باب: تحوّب وتأثّم إذا ترك الحوب والإثم، وكذلك إذا ترك الجهة التي هي المقابلة، ويجوز أن تكون الكلمة استعملت على الشيء وعلى خلافه، كالحروف المروية في الأضداد. فأما قوله تعالى «٢»: وَإِنْ يُقاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبارَ [آل عمران/ ١١١] وقوله: وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ الْأَدْبارَ ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ [الحشر/ ١٢] وقوله: سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ [القمر/ ٤٥] فهذا منقول من فعل، تقول: داري تلي داره، ووليت داري داره، وإذا نقلته «٣» إلى فعّل قلت: وليت مآخيره، وولّاني مآخيره، ووليت ميامنه. وولّاني ميامنه، فهو مثل: فرح وفرّحته،
وليس مثل: لقي وألقيته، وقوله تعالى «٤»: لَيُوَلُّنَّ الْأَدْبارَ [الحشر/ ١٢] وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ [القمر/ ٤٥] المفعول الثاني الزائد في نقل «فعل» إلى «فعّل» محذوف فيه «٥»، ولو لم يحذف كان «٦» كقوله: يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبارَ [آل عمران/ ١١١]
стр. 689
وقوله تعالى: وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِناتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ [التوبة/ ٧١] المعنى فيه: أن بعضهم يوالي بعضاً، ولا يبرأ بعضهم من بعض، كما يبرءون ممن خالفهم وشاقّهم، ولكنهم يد واحدة في النصرة والموالاة، فهم أهل كلمة واحدة لا يفترقون فرقة مباينة ومشاقّة، ومن ثمّ قالوا في خلاف الولاية:
العداوة، ألا ترى أنّ العداوة من عدا الشيء: إذا جاوزه «١» فمن ثمّ كانت خلاف الولاية.
فأمّا قوله وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا [النساء/ ١٣٥] فيمن قرأ تَلْوُوا «٢» فمعناه والله أعلم: الإقبال عليهنّ والمقاربة لهنّ في العدل في قسمهنّ، ألا ترى أنه قد عودل بالإعراض في قوله تعالى: أَوْ تُعْرِضُوا فكأنّ قوله تعالى «٣»: (إن تلوا) كقوله: إن أقبلتم عليهنّ، ولم تعرضوا عنهنّ.
فإن قلت: فهل يجوز أن يكون في تَلْوُوا دلالة على المواجهة فتجعل قوله: فَلَنُوَلِّيَنَّكَ منقولًا من هذا، فمن ثمّ اقتضى المواجهة، وتستدلّ على ذلك بمعادلته لخلافه الذي هو الإعراض؟
فالقول: إن ذلك في هذه الكلمة ليس بالظاهر، ولا في الكلمة دلالة على هذه المخصوصة التي جاءت في قوله:
فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضاها [البقرة/ ١٤٤] وإذا لم تكن عليها دلالة، لم تصرفها عن الموضع الذي جاءت فيه، فلم تنفذها إلى سواها.
стр. 690
فأما قوله : أَوْلى لَكَ فَأَوْلى [القيامة/ ٣٤] فقد كتبناه في «كتاب الشعر» وقوله: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ [الأنفال/ ٢٠] فالضمير في عنه إذا جعلته للرسول، احتمل أمرين: لا تَوَلَّوْا عَنْهُ:
لا تنفضّوا عنه كما قال تعالى: انْفَضُّوا إِلَيْها وَتَرَكُوكَ قائِماً [الجمعة/ ١١] وقال سبحانه «١»: وَإِذا كانُوا مَعَهُ عَلى أَمْرٍ جامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ [النور/ ٦٢] وقال عز اسمه «٢»: قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِواذاً [النور/ ٦٣] وعلى هذا المعنى قوله تعالى: بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ [الأنبياء/ ٥٧] أي: بعد أن تتفرقوا عنها. ويكون «٣»:
لا تَوَلَّوْا عَنْهُ لا تعرضوا عن أمره: وتلقّوه بالطاعة والقبول، كما قال: فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ [النور/ ٦٣] وزعموا أن بعضهم قرأ: وَلا تَوَلَّوْا عَنْهُ واللفظتان تكونان بمعنى واحد، قال تعالى «٤»: وَلَّى مُدْبِراً وَلَمْ يُعَقِّبْ [القصص/ ٣١] وقال: ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ [التوبة/ ٢٥] وقال: فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنا [النجم/ ٢٩] وقال فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ [الصافات/ ٩٠]. وقوله: وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ [آل عمران/ ٦٨] أي ناصرهم، ومثله في أنّ المعنى فيه النّصرة قوله: فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلاهُ [التحريم/ ٤] أي ناصره. وكذلك قوله: ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا، وَأَنَّ الْكافِرِينَ لا مَوْلى لَهُمْ [محمد/ ١١]
стр. 691
أي: لا ناصر لهم؛ ومعنى المولى من النّصرة؛ من ولي عليه: إذا اتصل به ولم ينفصل عنه. وعلى هذا قوله تعالى «١»: إِنَّ اللَّهَ مَعَنا [التوبة/ ٤٠] أي: ناصرنا، وكذلك قوله: فَاذْهَبا
بِآياتِنا إِنَّا مَعَكُمْ
[الشعراء/ ١٥] في موضع آخر إِنَّنِي مَعَكُما [طه/ ٤٦] وعلى هذا المعنى قولهم:
صحبك الله.
وروينا عن ابن سلّام عن يونس قال: المولى: له «٢» في كلام العرب مواضع منها: المولى من «٣» الدّين، وهو الوليّ «٤»، وذلك قوله: ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكافِرِينَ لا مَوْلى لَهُمْ [محمد/ ١١] أي: لا وليّ. ومنه قوله: فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلاهُ [التحريم/ ٤]، ومنه
قول النبي ﵌ «٥»: «من كنت مولاه فعليّ مولاه» «٦»
أي: وليّه.
وقوله: «مزينة وجهينة وأسلم وغفار موالي الله ورسوله»
«٧» قال العجّاج «٨»:
الحمد لله الذي أعطى الظّفر موالي الحقّ إن المولى شكر أي: أولياء الحقّ.
стр. 692
ومنها العصبة، وبنو العمّ هم الموالي، قال «١» تعالى: وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوالِيَ مِنْ وَرائِي [مريم/ ٥] أي العصبة. وقال الزّبرقان:
ومن الموالي موليان فمنهما ... معطي الجزيل وباذل النّصر
ومن الموالي ضبّ جندلة ... لحز المروءة
«٢» ظاهر الغمر الغمر: العداوة.
وقال آخر:
ومولى كداء البطن لو كان قادراً ... على الدّهر أفنى الدّهر أهلي وماليا
وقال آخر:
ومولى قد رعيت الغيب منه ... ولو كنت المغيّب ما رعاني
وقال اللهبيّ الفضل بن عباس لبني أمية «٣»:
مهلا بني عمّنا مهلًا موالينا ... امشوا رويدا كما كنتم تكونونا
الله يعلم أنا لا نحبّكم ... ولا نلومكم أن لا تحبّونا
«٤»
стр. 693
وكان الزّبرقان بن بدر تكثّر في مواليه وبني عمّه فقال رجل من بني تميم «١»:
ومولى كمولى الزبرقان ادّملته ... كما ادّمل العظم المهيض من الكسر
ومن انضمّ إليك فعزّ بعزّك، وامتنع بمنعتك أو بعتق، وبهذا سمّي المعتقون: موالي. قال الراعي «٢»:
جزى الله مولانا غنياً ملامة ... شرار موالي عامر في العزائم
نبيع غنيّاً رغبة عن دمائها ... بأموالها بيع البكار المقاحم
البكار: الصغيرة، والمقاحم: التي لم تقو على العمل.
وغنيّ: حلفاء بني عامر، قال الأخطل لجرير «٣»:
أتشتم قوماً أثّلوك بنهشل ... ولولاهم كنتم كعكل مواليا
وعكل من الرّباب حلفاء بني سعد.
وقال الفرزدق لعبد الله بن أبي إسحاق النحوي، وكان
стр. 694
مولى لحضرمي، وبنو الحضرميّ حلفاء بني عبد شمس بن عبد مناف:
فلو كان عبد الله مولى هجوته ... ولكنّ عبد الله مولى مواليا
«١»
الإعراب:
قوله : وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيها [البقرة/ ١٤٨] موضع الجملة رفع «٢» لكونها وصفاً للوجهة، فمن قرأ: هُوَ مُوَلِّيها؛ فالضمير الذي هو هُوَ لاسم الله تعالى، تقديره: ولكلّ وجهة، الله مولّيها. ومعنى توليته لهم إياها: إنما هو أمرهم بالتوجّه نحوها في صلاتهم إليها، يدلّك على ذلك قوله تعالى «٣»: فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضاها [البقرة/ ١٤٤]، فكما أنّ فاعل، نولّينّك الله ، فكذلك الابتداء في قوله: هُوَ مُوَلِّيها ضمير اسم الله تعالى، والتقدير: الله مولّيها إياه، ف «إياه» المراد المحذوف ضمير المولّى، وحذف المفعول الثاني لجري ذكره المظهر وهو كُلِّ في قوله: وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ فإذا قرئ: ولكل وجهة هو مولاها فالضمير لِكُلٍّ وقد جرى ذكره في قوله: وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ، وفي القراءة الأخرى لم يجر الذّكر، ولكن عليه دلالة، وقد استوفى الاسم الجاري على الفعل المبني للمفعول مفعوليه اللذين يقتضيهما، أحدهما:
стр. 695
الضمير المرفوع في مولّى، والآخر: ضمير المؤنّث، وهو الذي هو ضمير كلّ ابتداء وخبره مولّاها. ولو قرأ قارئ: ولكل وجهة هو مولاها فجعل هُوَ ضمير ناس، أو قبيل، أو فريق، أو نحو ذلك فأضمر العلم به، كما أضمر اسم الله سبحانه، فيمن قرأ:
هُوَ مُوَلِّيها لكان ذلك على ضربين: إن جعل الهاء لِكُلٍّ فأنّث كلا على المعنى، لأنّه في المعنى للوجهة كما قال:
وَكُلٌّ أَتَوْهُ داخِرِينَ «١» [النمل/ ٨٧] فجمع على المعنى؛ فإنّ ذلك لا يجوز، لأن اسم المفعول قد استوفى مفعوليه اللذين يقتضيهما. فلا يكون حينئذ لِكُلٍّ وِجْهَةٌ متعلّق، فبقيت «٢» اللام لا عامل فيها، وإن جعل الهاء في مولاها كناية عن المصدر الذي هو التولية؛ جاز، لأن الجارّ حينئذ يتعلق باسم المفعول الذي هو (مولي) كأنه قال: الفريق أو القبيل مولّى لكلّ وجهة تولية، واللام على هذا زيادة «٣» كزيادتها في:
رَدِفَ لَكُمْ [النمل/ ٧٢] ونحوه.
وقد قلنا في هذه المسألة بعبارة أخرى في وقت آخر:
قوله جلّ وعزّ «٤»: وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيها هُوَ: ضمير اسم الله سبحانه «٥»، فإذا كان كذلك فقد حذف من الكلام أحد مفعولي الفعل الذي يتعدّى إلى مفعولين في قوله «٦»:
فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضاها. التقدير: الله مولّيها إياه، وإيّاه ضمير كُلِّ الموجّه المولّى، وتولية الله إيّاه، إنّما هو بأمره له بالتوجّه إليها.
стр. 696
وقراءة ابن عامر مولاها تدلّك على ما ذكرنا من إرادة مفعول محذوف من الكلام، ألا ترى أنّه لما بنى الفعل للمفعول به، فحذف الفاعل أسند الفعل إلى أحد المفعولين، وأضاف اسم الفاعل إلى المفعول الآخر وهو ضمير المؤنث العائد إلى الوجهة، فقوله: هُوَ على قراءته ضمير كُلِّ، أي كل ولّي جهة، وهذه التولية بأمر الله سبحانه إياهم بتوجّههم إليها، وقراءته في المعنى تؤول إلى قراءة من قرأ: هُوَ مُوَلِّيها.
ألا ترى أنّ في مولّيها ضمير اسم الله ، فإذا أسند الفعل إلى المفعول به، وبناه له، ففاعل التولية هو الله تعالى كما كانت في القراءة الأخرى كذلك.
وقد قرئ فيما ذكر أبو الحسن: وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيها. فضمير المؤنث في قوله: مُوَلِّيها يحتمل أمرين:
أحدهما: أن يكون ضمير المصدر الذي هو التولية، وجاز إضمارها لدلالة الفعل عليها، كما جاز إضمار البخل في قوله تعالى «١»: وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْراً لَهُمْ [آل عمران/ ١٨٠] أي: البخل. ويكون هو ضمير اسم الله تعالى «٢». فيكون المعنى: الله مولّ لكلّ وجهة تولية، فأوصل الفعل باللام كما تقول: لزيد ضربت وإِنْ كُنْتُمْ لِلرُّءْيا تَعْبُرُونَ [يوسف/ ٤٣].
والآخر: أن لا تجعل الهاء ضميراً للتولية، ولكن ضميراً لوجهة، فإذا جعلته كذلك لم يستقم، لأنّك إذا أوصلت الفعل
стр. 697
إلى المفعول الذي يقتضيه الفعل مرة لم توصله مرة أخرى إلى مفعول آخر- ألا ترى أنّك لو قلت: لزيد ضربته لم يجز أن تجعل الهاء ضمير زيد، لأنّك قد عدّيت إليه الفعل مرّة باللّام، فلا تعدّيه إليه مرة أخرى، كما لا يتعدّى الفعل إلى حالين، ولا اسمين للزمان، ولا نحو ذلك مما يقتضيه الفعل.
فأما قوله «١»:
هذا سراقة للقرآن يدرسه فالهاء للمصدر «٢» ولا تكون للقرآن الذي تعدى إليه الفعل باللام، وقد تصحّ هذه القراءة على تقدير حذف المضاف، وهو أن تقدّر: ولكلّ ذوي «٣» وجهة هو مولّيها فيكون المعنى: الله مولّ لكلّ ذوي «٣»: وجهة؛ وجهتهم؛ فيكون في المعنى كقراءة من قرأ: وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيها، إذا قدّرت حذف المفعول الثاني الذى هو إياه، إلا أنّ المفعول الثاني المحذوف في قول من قرأ: وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيها مظهر في هذه القراءة، وهو قوله: وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ إذا قدّرته: ولكلّ ذوي «٣» وجهة، فيصير التقدير: الله مولّ كلّ ذوي «٣» وجهة وجهتهم. فكلّ هم المولّون، والهاء ضمير الجهة التي أخذوا بالتوجه إليها.
стр. 698
وما ذكرته من أنّ هُوَ ضمير اسم الله تعالى «١»، وإن لم يجر له ذكر، قول أبي الحسن. وقد روي عن مجاهد أنه قال:
أراد: ولكلّ صاحب ملّة «٢» وجهة، أي: قبلة هو مستقبلها، فالضمير عنده على هذا لكلّ.
وقد حكى أبو الحسن «٣» القولين جميعاً: أن يكون هُوَ ضمير اسم الله تعالى «٤»، وأن يكون لكلّ. وجاء قوله: هُوَ مُوَلِّيها فيمن ذهب إلى هذا القول على لفظ كل، ولو قيل:
هم مولّوها على المعنى، كما قال تعالى: وَكُلٌّ أَتَوْهُ [النمل/ ٨٧] كان حسناً. وقال بعضهم: اخترت مولّيها على مولّاها لأنه قراءة الأكثر، ولأنه إذا قرئ مولّاها ظنّ أن جميع ذلك شرعه الله لهم.
وقوله: مولاها اسم جار على فعل مبني للمفعول، ولم يسند إلى فاعل بعينه؛ فيجوز أن يكون فاعل التولية الله ، ويجوز أن يكون بدعة، حملهم عليها بعض رؤسائهم ومفتيهم، فليس إذا صرفه إلى أحد الوجهين، بأولى من صرفه إلى الآخر.
فأمّا قوله: وِجْهَةٌ فقد اختلف أهل العربية فيها، فمنهم من يذهب إلى أنّه مصدر شذّ عن القياس فجاء مصححاً، ومنهم من يقول: إنه اسم ليس بمصدر جاء على أصله، وأنه لو
كان مصدراً جاء مصحّحاً، للزم أن يجيء فعله أيضاً
стр. 699
مصحّحا، ألا ترى أن هذا المصدر إنما اعتلّ على الفعل حيث كان عاملًا عمله؛ وكان على حركاته وسكونه؟ فلو صحّ لصحّ الفعل، لأن هذه الأفعال المعتلات، إذا صحت في موضع تبعها باقي ذلك، وفي أن لم يجيء شيء من هذه الأفعال مصحّحا دلالة على أن وِجْهَةٌ إنما صحّ من حيث كان اسماً للمتوجّه، لا كما رآه أبو عثمان من أنّه مصدر جاء على الأصل، وما شبّهه «١» به من «ضيون وحيوة وبنات ألببه» «٢» لا يشبه هذا، لأن ذلك ليس شيء منه جارياً على فعل كالمصدر.
فإن قيل: فيما استدللنا به من أنّ الفعل إذا اعتلّ وجب اعتلال مصدره، أليس قد جاء القول والبيع صحيحين؛ وأفعالهما معتلّة؛ فما ننكر أن يصحّ: وِجْهَةٌ، وإن كان فعله معتلًا؟.
قيل: إن القول والبيع لا يدخل على هذا، ألا ترى أنّ وِجْهَةٌ على وزن الفعل، وليس القول والبيع كذلك؟ والموافقة في الوزن توجب الإعلال، ألا ترى «٣» «بابا وعاباً». لمّا وافقا بناء الفعل أعلّا، ولم يعلّ نحو عيبة وعوض وحول؟ فالقول والبيع ليسا على وزن شيء من الأفعال فيلحقهما اعتلالها.
على أن للقائل أن يقول: إن القول والبيع ونحوهما، لما سكنا أشبها بالإسكان المعتلّ، إذ الاعتلال قد يكون بالسكون يدلك على ذلك أنهم أعلّوا نحو: سياط وحياض، وإن صحت الآحاد
стр. 700
منها بحيث كانا في السكون في الواحد بمنزلة المعتل نحو:
«ديمة وديم» فكما جرى ما ذكرنا مجرى المعتلّ للسكون، كذلك يجري: قول وبيع مجرى ذلك، وقد قالوا: وجّه الحجر جهة ماله» فجاء المصدر بحذف الزيادة، وكأنّ «ما» زائدة، والظّرف وصف للنكرة، ولزمت الزيادة كما لزمت في: آثرا ما «١»، ونحوه.
[البقرة: ١٥٠]
اختلفوا في همز لِئَلَّا [البقرة/ ١٥٠].
فروي عن نافع أنه لم يهمزها، والباقون يهمزون «٢».
قال أبو علي: تخفيف الهمزة في لِئَلَّا أن تخلص ياء، ولا يجوز أن تجعل بين بين، ألا ترى أنه بمنزلة «مئر» جمع:
مئرة. من قولك مأرت بين القوم: إذا أفسدت.
وقد تقدّم ذكر طرف من ذلك في قوله : كَما سُئِلَ مُوسى مِنْ قَبْلُ «٣» [البقرة/ ١٠٨].
[البقرة: ١٨٤]
اختلفوا في التاء ونصب العين، والياء والجزم، من قوله «٤»: فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً [البقرة/ ١٨٤].
فقرأ ابن كثير ونافع وعاصم وأبو عمرو: فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً بالتاء ونصب العين في الحرفين جميعاً «٥».
стр. 701
وقرأ حمزة والكسائيّ: يطوع خيرا بالياء، وجزم العين. وكذلك التي بعدها.
قال أبو علي: من قرأ: فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً احتمل قوله:
تَطَوَّعَ أمرين:
أحدهما: أن يكون موضعه جزماً، والآخر: أن لا يكون له موضع. فأما الوجه الذي يجعل تَطَوَّعَ فيه في موضع جزم، فأن تجعل مِنْ للجزاء كالتي في قوله: وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ يَلْقَ أَثاماً [الفرقان/ ٦٨] فإذا جعلته كذلك كان في موضع جزم، وكانت الفاء مع ما بعدها أيضاً في موضع جزم لوقوعها موقع الفعل المجزوم الذي هو جزاء، والفعل الذي هو «تطوّع» على لفظ المثال الماضي والتقدير به المستقبل، كما أن قولك: إن أتيتني أتيتك. كذلك.
والآخر: أن لا تجعله جزاء، ولكن يكون بمنزلة «الذي» ولا موضع حينئذ للفعل الذي هو تَطَوَّعَ، ولو كان له موضع لم تكسر إِنَّ في قوله تعالى: وَآتَيْناهُ مِنَ الْكُنُوزِ ما إِنَّ مَفاتِحَهُ [القصص/ ٧٦] والفاء على هذا في قوله: فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ مع ما بعدها في موضع رفع من حيث كان خبر المبتدأ الموصول- والمعنى معنى الجزاء، وإن لم يكن به جزم «١»، لأن هذه الفاء، إذا دخلت في خبر الموصول، آذنت أن الثاني وجب لوجوب الأول «٢»، والنكرة الموصوفة في ذلك، كالأسماء
стр. 702
الموصولة، وعلى هذا قوله : وَما بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ [النحل/ ٥٣] تقديره: ما ثبت بكم من نعمة، أو: ما دام بكم من نعمة، فمن ابتداء الله إياكم بها. فسبب ثبات النعمة ابتداؤه بذلك. كما أن استحقاق الأجر إنما هو من أجل الإنفاق في قوله: الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ ... فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ «١» [البقرة/ ٢٧٤].
فأما ما كان من النّعمة كالصّحة وتسوية البنية، والامتحان بالمرض والعلّة، فمن الله سبحانه «٢».
وأما ما كان من جائزة ملك وعطاء أب وهبة صديق أو ذي رحم، فإنه يجوز أن ينسب إلى الله تعالى. من حيث كان بتمكينه وإقداره كما قال: وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى [الأنفال/ ١٧]، وإنما الرّامي للتراب، والحصباء بالبطحاء النبيّ ﵌.
ولو أدخلت إِنَّ على هذه الأسماء الموصولة، جاز دخول الفاء معها كما جاز دخولها على غير هذا النحو من الابتداء. وعلى هذا قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذابُ جَهَنَّمَ [البروج/ ١٠].
стр. 703
وقوله : إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ «١» [التين/ ٦] على قوله: «إلا حل ذاك أن أفعله» ولو ألحقت المبتدأ ليت أو لعلّ «٢» لم يجز دخول الفاء على الخبر، لأن الجزاء الجازم وغير الجازم خبر فإذا دخلت ليت ولعلّ، خرج بدخولهما الكلام عن أن يكون خبراً، وإذا خرج عن ذلك، لم يجز لحاق الفاء التي تدخل مع الخبر. ومثل ذلك قوله تعالى «٣»: وَمَنْ عادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ [المائدة/ ٩٥] وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا [البقرة/ ٢٦] ومَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها، وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزى إِلَّا مِثْلَها [الأنعام/ ١٦٠] وفَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ [الكهف/ ٢٩] إلا أنّ قوله: فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ إذا جعلته موصولًا ولم تجعل شاء في موضع جزم، احتمل مَنْ شاءَ ضربين من الإعراب: أحدهما: أن يكون مرفوعاً بالابتداء وفَلْيُؤْمِنْ في موضع خبر. والآخر: أن يكون مرتفعا بالابتداء يفسّره: (فليؤمن) مثل: زيد ليضرب. والفاء الداخلة في الخبر تحتمل أمرين: أحدهما: أن تكون زيادة مثل قولهم: أخوك فوجد، والآخر: أن يكون دخولها من أجل الصلة. ومثله:
وَمَنْ تابَ وَعَمِلَ صالِحاً فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتاباً [الفرقان/ ٧١].
فإن قلت: وما معنى وَمَنْ تابَ فَإِنَّهُ يَتُوبُ؟.
فالقول في ذلك، أن اللفظ على شيء والمعنى على غيره، وذلك غير ضيّق في كلامهم، ألا ترى أنّهم قد قالوا: ما
стр. 704
أنت وزيد؟. والمعنى: لم تؤذيه؟ واللفظ إنّما هو على المسألة من المخاطب، وزيد معطوف عليه. وكذلك قالوا: أمكنك الصّيد، والمعنى: ارمه، وكذلك: هذا الهلال. أي: انظر إليه؛ فكذلك قوله: وَمَنْ تابَ كأنه من عزم على التوبة، فينبغي أن يبادر إليها، ويتوجه بها إلى الله سبحانه. وقال تعالى: فَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ [النحل/ ٩٨]. أي: إذا عزمت على ذلك فاستعذ، ومثل قوله: فَإِنَّهُ يَتُوبُ [الفرقان/ ٧١] والمعنى على: ينبغي أن يتوب. قوله : وَالْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ [البقرة/ ٢٢٨] أي: ينبغي أن يتربّصن. ومن هذا الباب قوله:
فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ [البقرة/ ١٨٥] قياسه على ما تقدم.
وأمّا من قرأ: ومن يطوع [البقرة/ ١٥٨] فتقديره:
يتطوّع، إلا أنه أدغم التاء في الطاء لتقاربهما، وجزم العين التي هي لام بمعنى «إن» التي للجزاء. وهذا حسن لأن المعنى على الاستقبال، وإن كان يجوز: من أتاني أعطيته، فتوقع الماضي موضع المستقبل في الجزاء، إلّا أن اللفظ إذا كان وفق المعنى كان أحسن.
[البقرة: ١٦٤]
واختلفوا في قوله «١»: الرِّياحِ في الجمع والتوحيد.
فقرأ ابن كثير: الرِّياحِ على الجمع في خمسة مواضع:
في البقرة هاهنا [الآية/ ١٦٤] «٢» وفي الحجر:
стр. 705
أَرْسَلْنَا الرِّياحَ لَواقِحَ [الآية/ ٢٢] وفي الكهف: تَذْرُوهُ الرِّياحُ [الآية/ ٤٥] وفي سورة الروم الحرف الأول: الرِّياحَ مُبَشِّراتٍ [الآية/ ٤٦]، وفي الجاثية: وَتَصْرِيفِ الرِّياحِ [الآية/ ٥]، والباقي: الرِّيحُ.
وقرأ نافع: الرِّياحِ في اثني عشر موضعاً: هاهنا وفي الأعراف: يُرْسِلُ الرِّياحَ [الآية/ ٥٧]، وفي سورة إبراهيم:
كرماد اشتدت به الرياح [الآية/ ١٨] وفي الحجر: وَأَرْسَلْنَا الرِّياحَ لَواقِحَ [الآية/ ٢٢] وفي الكهف: تَذْرُوهُ الرِّياحُ [الآية/ ٤٥] وفي الفرقان: أَرْسَلَ الرِّياحَ [الآية/ ٤٨] [وفي النمل يُرْسِلُ الرِّياحَ] «١» [٦٣]، وفي الروم موضعين الرِّياحَ [٤٦، ٤٨] وفي فاطر الرِّياحَ [الآية/ ٩]، وفي عسق يسكن الرياح [الآية/ ٣٣] وفي الجاثية: الرِّياحِ [الآية/ ٥].
وقرأ أبو عمرو من هذه الاثني عشر حرفا حرفين:
الرِّيحُ في إبراهيم [الآية/ ١٨]، وفي عسق الرِّيحَ [٣٣] والباقي الرياح على الجمع مثل نافع.
وقرأ عاصم وابن عامر مثل قراءة أبي عمرو.
وقرأ حمزة الرِّياحَ على الجمع في موضعين: في الفرقان: أَرْسَلَ الرِّياحَ [الفرقان/ ٤٨] وفي سورة الروم، الحرف الأول: الرِّياحَ مُبَشِّراتٍ [الروم/ ٤٦] وسائرهنّ على التوحيد.