← Таджвид и кираат

Таджвид и кираат · id 35101

الحجة للقراء السبعة

أبو علي الفارسي

Полный текст (2 942 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.

стр. 701

وقرأ حمزة والكسائيّ: يطوع خيرا بالياء، وجزم العين. وكذلك التي بعدها. قال أبو علي: من قرأ: فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً احتمل قوله: تَطَوَّعَ أمرين: أحدهما: أن يكون موضعه جزماً، والآخر: أن لا يكون له موضع. فأما الوجه الذي يجعل تَطَوَّعَ فيه في موضع جزم، فأن تجعل مِنْ للجزاء كالتي في قوله: وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ يَلْقَ أَثاماً [الفرقان/ ٦٨] فإذا جعلته كذلك كان في موضع جزم، وكانت الفاء مع ما بعدها أيضاً في موضع جزم لوقوعها موقع الفعل المجزوم الذي هو جزاء، والفعل الذي هو «تطوّع» على لفظ المثال الماضي والتقدير به المستقبل، كما أن قولك: إن أتيتني أتيتك. كذلك. والآخر: أن لا تجعله جزاء، ولكن يكون بمنزلة «الذي» ولا موضع حينئذ للفعل الذي هو تَطَوَّعَ، ولو كان له موضع لم تكسر إِنَّ في قوله تعالى: وَآتَيْناهُ مِنَ الْكُنُوزِ ما إِنَّ مَفاتِحَهُ [القصص/ ٧٦] والفاء على هذا في قوله: فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ مع ما بعدها في موضع رفع من حيث كان خبر المبتدأ الموصول- والمعنى معنى الجزاء، وإن لم يكن به جزم «١»، لأن هذه الفاء، إذا دخلت في خبر الموصول، آذنت أن الثاني وجب لوجوب الأول «٢»، والنكرة الموصوفة في ذلك، كالأسماء

стр. 702

الموصولة، وعلى هذا قوله : وَما بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ [النحل/ ٥٣] تقديره: ما ثبت بكم من نعمة، أو: ما دام بكم من نعمة، فمن ابتداء الله إياكم بها. فسبب ثبات النعمة ابتداؤه بذلك. كما أن استحقاق الأجر إنما هو من أجل الإنفاق في قوله: الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ ... فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ «١» [البقرة/ ٢٧٤]. فأما ما كان من النّعمة كالصّحة وتسوية البنية، والامتحان بالمرض والعلّة، فمن الله سبحانه «٢». وأما ما كان من جائزة ملك وعطاء أب وهبة صديق أو ذي رحم، فإنه يجوز أن ينسب إلى الله تعالى. من حيث كان بتمكينه وإقداره كما قال: وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى [الأنفال/ ١٧]، وإنما الرّامي للتراب، والحصباء بالبطحاء النبيّ ﵌. ولو أدخلت إِنَّ على هذه الأسماء الموصولة، جاز دخول الفاء معها كما جاز دخولها على غير هذا النحو من الابتداء. وعلى هذا قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذابُ جَهَنَّمَ [البروج/ ١٠].

стр. 703

وقوله : إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ «١» [التين/ ٦] على قوله: «إلا حل ذاك أن أفعله» ولو ألحقت المبتدأ ليت أو لعلّ «٢» لم يجز دخول الفاء على الخبر، لأن الجزاء الجازم وغير الجازم خبر فإذا دخلت ليت ولعلّ، خرج بدخولهما الكلام عن أن يكون خبراً، وإذا خرج عن ذلك، لم يجز لحاق الفاء التي تدخل مع الخبر. ومثل ذلك قوله تعالى «٣»: وَمَنْ عادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ [المائدة/ ٩٥] وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا [البقرة/ ٢٦] ومَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها، وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزى إِلَّا مِثْلَها [الأنعام/ ١٦٠] وفَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ [الكهف/ ٢٩] إلا أنّ قوله: فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ إذا جعلته موصولًا ولم تجعل شاء في موضع جزم، احتمل مَنْ شاءَ ضربين من الإعراب: أحدهما: أن يكون مرفوعاً بالابتداء وفَلْيُؤْمِنْ في موضع خبر. والآخر: أن يكون مرتفعا بالابتداء يفسّره: (فليؤمن) مثل: زيد ليضرب. والفاء الداخلة في الخبر تحتمل أمرين: أحدهما: أن تكون زيادة مثل قولهم: أخوك فوجد، والآخر: أن يكون دخولها من أجل الصلة. ومثله: وَمَنْ تابَ وَعَمِلَ صالِحاً فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتاباً [الفرقان/ ٧١]. فإن قلت: وما معنى وَمَنْ تابَ فَإِنَّهُ يَتُوبُ؟. فالقول في ذلك، أن اللفظ على شيء والمعنى على غيره، وذلك غير ضيّق في كلامهم، ألا ترى أنّهم قد قالوا: ما

стр. 704

أنت وزيد؟. والمعنى: لم تؤذيه؟ واللفظ إنّما هو على المسألة من المخاطب، وزيد معطوف عليه. وكذلك قالوا: أمكنك الصّيد، والمعنى: ارمه، وكذلك: هذا الهلال. أي: انظر إليه؛ فكذلك قوله: وَمَنْ تابَ كأنه من عزم على التوبة، فينبغي أن يبادر إليها، ويتوجه بها إلى الله سبحانه. وقال تعالى: فَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ [النحل/ ٩٨]. أي: إذا عزمت على ذلك فاستعذ، ومثل قوله: فَإِنَّهُ يَتُوبُ [الفرقان/ ٧١] والمعنى على: ينبغي أن يتوب. قوله : وَالْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ [البقرة/ ٢٢٨] أي: ينبغي أن يتربّصن. ومن هذا الباب قوله: فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ [البقرة/ ١٨٥] قياسه على ما تقدم. وأمّا من قرأ: ومن يطوع [البقرة/ ١٥٨] فتقديره: يتطوّع، إلا أنه أدغم التاء في الطاء لتقاربهما، وجزم العين التي هي لام بمعنى «إن» التي للجزاء. وهذا حسن لأن المعنى على الاستقبال، وإن كان يجوز: من أتاني أعطيته، فتوقع الماضي موضع المستقبل في الجزاء، إلّا أن اللفظ إذا كان وفق المعنى كان أحسن. [البقرة: ١٦٤] واختلفوا في قوله «١»: الرِّياحِ في الجمع والتوحيد. فقرأ ابن كثير: الرِّياحِ على الجمع في خمسة مواضع: في البقرة هاهنا [الآية/ ١٦٤] «٢» وفي الحجر:

стр. 705

أَرْسَلْنَا الرِّياحَ لَواقِحَ [الآية/ ٢٢] وفي الكهف: تَذْرُوهُ الرِّياحُ [الآية/ ٤٥] وفي سورة الروم الحرف الأول: الرِّياحَ مُبَشِّراتٍ [الآية/ ٤٦]، وفي الجاثية: وَتَصْرِيفِ الرِّياحِ [الآية/ ٥]، والباقي: الرِّيحُ. وقرأ نافع: الرِّياحِ في اثني عشر موضعاً: هاهنا وفي الأعراف: يُرْسِلُ الرِّياحَ [الآية/ ٥٧]، وفي سورة إبراهيم: كرماد اشتدت به الرياح [الآية/ ١٨] وفي الحجر: وَأَرْسَلْنَا الرِّياحَ لَواقِحَ [الآية/ ٢٢] وفي الكهف: تَذْرُوهُ الرِّياحُ [الآية/ ٤٥] وفي الفرقان: أَرْسَلَ الرِّياحَ [الآية/ ٤٨] [وفي النمل يُرْسِلُ الرِّياحَ] «١» [٦٣]، وفي الروم موضعين الرِّياحَ [٤٦، ٤٨] وفي فاطر الرِّياحَ [الآية/ ٩]، وفي عسق يسكن الرياح [الآية/ ٣٣] وفي الجاثية: الرِّياحِ [الآية/ ٥]. وقرأ أبو عمرو من هذه الاثني عشر حرفا حرفين: الرِّيحُ في إبراهيم [الآية/ ١٨]، وفي عسق الرِّيحَ [٣٣] والباقي الرياح على الجمع مثل نافع. وقرأ عاصم وابن عامر مثل قراءة أبي عمرو. وقرأ حمزة الرِّياحَ على الجمع في موضعين: في الفرقان: أَرْسَلَ الرِّياحَ [الفرقان/ ٤٨] وفي سورة الروم، الحرف الأول: الرِّياحَ مُبَشِّراتٍ [الروم/ ٤٦] وسائرهنّ على التوحيد.

стр. 706

وقرأ الكسائيّ: كقراءة حمزة وزاد عليه في الحجر: الرِّياحَ لَواقِحَ [الحجر/ ٢٢]. ولم يختلفوا في توحيد ما ليست فيه ألف ولام «١». قال أبو علي: قال أبو زيد: قال القيسيّون الرّياح أربع: الشّمال والجنوب والصّبا والدّبور. فأما الشّمال فمن عن يمين القبلة، والجنوب من عن شمالها. والصّبا والدّبور متقابلتان، فالصّبا من قبل المشرق، والدّبور من قبل المغرب. وأنشد أبو زيد «٢»: إذا قلت هذا حين أسلو يهيجني ... نسيم الصّبا من حيث يطّلع الفجر وإذا جاءت الريح بين الصّبا والشّمال فهي النّكباء التي لا يختلف فيها. والتي بين الجنوب والصّبا يقال لها: الجربياء. وقال السّكّريّ فيما روى عنه بعض شيوخنا قال: أخبرني أبو الحسن عليّ بن عبد الله الطوسيّ قال: أخبرنا ابن الأعرابي وأصحابنا عن الأصمعيّ وغيره قالوا: الرياح أربع: الجنوب والشّمال والصّبا والدّبور. قال ابن الأعرابيّ: كلّ ريح بين ريحين فهي نكباء، وقال الأصمعيّ: إذا انحرفت واحدة منهنّ فهي نكباء، والجميع: نكب.

стр. 707

فأمّا مهبّهنّ فإن ابن الأعرابيّ قال: مهبّ الجنوب من مطلع سهيل إلى مطلع الثّريّا، والصّبا من مطلع الثريّا إلى بنات نعش، والشمال من بنات نعش إلى مسقط النّسر الطائر [وقال: والدبور من مسقط النسر الطائر] «١» إلى مطلع سهيل، قال: والجنوب والدّبور لهما هيف. والهيف: الريح الحارّة. قال: والشّمال والصّبا «٢» لا هيف لهما. وقال الأصمعيّ ما بين سهيل إلى طرف بياض الفجر جنوب، وما بإزائها مما يستقبلها من الغرب شمال، وما جاء من وراء البيت الحرام فهو دبور، وما جاء قبالة «٣» ذلك فهو صبا، والصّبا: القبول. قال: وإنما سمّيت قبولًا. لأنها استقبلت الدّبور، قال الهذليّ، وأنشد البيت الذي أنشده أبو زيد «٤». قال الطوسيّ: وقال غير الأصمعي وابن الأعرابي: الجنوب التي تجيء من قبل اليمن- والشمال التي تهبّ من قبل الشام، والدّبور التي تجيء من عن يمين القبلة شيئاً والصّبا بإزائها، والجنوب تسمى الأزيب وتسمى النّعامى: قال أبو ذؤيب «٥»: مرته النّعامى فلم يعترف ... خلاف النّعامى من الشّؤم ريحا

стр. 708

اقل: وتسمى الشّمال: محوة، ولا تجرى «١». وتسمى الجربياء. قال ابن أحمر «٢»: بواد من قسا ذفر الخزامى ... تحنّ الجربياء به الحنينا سمّيت محوة لأنها تمحو السحاب وتذهب به. وتسمى مسعاً ونسعاً، قال «٣»: قد حال دون دريسيه مؤوّبة ... مسع لها بعضاه الأرض تهزيز وأنشد عن «٤» الطوسيّ للطّرمّاح: قلق لأفنان الريا ... ح للاقح منها وحائل فاللاقح: الجنوب، والحائل: الشّمال. وتسمى الشّمال عقيماً، كما سمّاها الطّرمّاح حائلًا، وقد وصفت الصّبا بالعقم. قال جرير «٥»:

стр. 709

مطاعيم الشّمال إذا استحنّت ... وفي عرواء كلّ صباً عقيم وفي التنزيل: وَفِي عادٍ إِذْ أَرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ [الذاريات/ ٤١]. قال الطوسيّ: العقيم: التي لا تلقح السحاب. قال: والرياح اللواقح: تثير السحاب بإذن الله، وتلقح الشجر. والذاريات: التي تذر التراب ذروا، فأما قول الطّرمّاح: للاقح منها وحائل. فاللاقح على معنى النسب، وليس الجاري على الفعل، وكذلك حائل، تقديره: ذات حيال. يريد بالحيال أنّها لا تلقح كما تلقح الجنوب. قال أبو دؤاد يصف سحاباً «١»: لقحن ضحيّاً للقح الجنوب ... فأصبحن ينتجن ماء الحيا قوله: «للقح الجنوب» تقديره: لإلقاح الجنوب. فحذف الزيادة من المصدر وأضافه إلى الفاعل كما قال «٢»: وإن يهلك فذلك كان قدري أي: تقديري. وكما حذف الزيادة من المصدر كذلك حذفت من الجمع في قوله تعالى: وَأَرْسَلْنَا الرِّياحَ لَواقِحَ [الحجر/ ٢٢] والمعنى فيه: ملاقح، لأنها إذا ألقحت كانت

стр. 710

ملقحة. وجمع الملقح: ملاقح ولواقح على حذف الزيادة، لأنّ المعنى عليه. ومثل ذلك قوله: يكشف عن جمّاته دلو الدّال «١» إنما هو المدلي، فحذف الزيادة «٢» أو يكون أراد: دلو ذي الدّلو. كما قال: للاقح منها. وفي التنزيل: فَأَدْلى دَلْوَهُ [يوسف/ ١٩]. وقال الشاعر «٣»: فسائل سبرة الشّجعيّ عنّا ... غداة تخالنا نجوا جنيبا أي: تحسبنا لكثرتنا واحتفالنا كسحاب ألقحته الجنوب فغزّرت ماءه. وروينا عن أحمد بن يحيى لزهير «٤»: جرت سنحا فقلت لها مروعا ... نوى مشمولة فمتى اللّقاء

стр. 711

قال «١»: قال الأصمعي: نوى مشمولة: أي: مكروهة- وقال الأصمعيّ: وأصل ذلك من الشّمال، لأنهم يكرهون الشّمال لبردها وذهابها بالغيم، وفيه الحيا والخصب، فصار كلّ مكروه عندهم مشمولا، قال: وهم يحبّون الجنوب لدفئها، ولأنها تجيء بالسحاب والمطر، وفيها الحيا والخصب. وأنشد لحميد بن ثور في مدحهم الجنوب «٢»: فلا يبعد الله الشباب وقولنا ... إذا ما صبونا صبوة سنتوب ليالي أبصار الغواني وسمعها ... إليّ .. وإذ ريحي لهنّ جنوب أي: محبوبة كما تحبّ الجنوب. وذكر بعض شيوخنا أن أبا عمرو الشيبانيّ روى قول الأعشى: وما عنده مجد تليد ولا له ... من الرّيح فضل لا الجنوب ولا الصّبا «٣» تقدير هذا: وما له من فضل الريح فضل لا فضل الجنوب ولا فضل الصّبا، فحذف المضاف، والمعنى: أنه لم ينل أحداً، فيكون كريح الجنوب في مجيئه «٤» بالغيث. ولم ينفّس عن أحد كربة فيكون كالصّبا في التنفيس.

стр. 712

وروى غيره فيما ذكر محمد بن السّريّ «١»: وما عنده رزقي علمت ولا له ... عليّ من الرّيح الجنوب ولا الصّبا وتقدير هذا أيضاً: ولا له عليّ من فضل الريح فضل الجنوب ولا فضل الصّبا. الأبين في قوله: وَتَصْرِيفِ الرِّياحِ [البقرة/ ١٦٤] الجمع، وذلك أن كلّ واحدة من هذه الرياح مثل الأخرى في دلالتها على الوحدانية وتسخيرها لينتفع الناس بها بتصريفها، وإذا كان كذلك فالوجه أن يجمع لمساواة كلّ واحدة منها الأخرى فيما ذكرنا، وقد «٢» يجوز في قول من وحّد أن يريد به الجنس كما قالوا: أهلك الناس الدينار والدّرهم. وعلى هذا ينبغي أن يحمل التوحيد للريح، لأن كلّ واحدة مثل الأخرى في وضع الاعتبار لها والاستدلال بها. فأما قوله تعالى: وَلِسُلَيْمانَ الرِّيحَ عاصِفَةً [الأنبياء/ ٨١] فإن كانت الرياح كلّها سخّرت له، فالمراد بها الكثرة، وإن سخّرت له ريح بعينها، كان كقولك: الرجل، وأنت تريد به العهد. وأما قوله تعالى: وَفِي عادٍ إِذْ أَرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ [الذاريات/ ٤١] فهي واحدة يدلّك «٣» على ذلك قوله

стр. 713

تعالى: فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً [فصلت/ ١٦]. وفي الحديث «نصرت بالصّبا، وأهلكت عاد بالدّبور» «١» فهذا يدلّ أنها واحدة وكذلك الرّيح التي أرسلت على الأحزاب يوم الخندق، قال «٢» تعالى: فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً وَجُنُوداً لَمْ تَرَوْها [الأحزاب/ ٩]. وأما ما روي في الحديث من أن النبيّ ﵌ «٣»، كان إذا هبّت ريح قال: «اللهمّ اجعلها رياحا ولا تجعلها ريحا» «٤». فممّا يدلّ على أنّ مواضع الرحمة بالجمع أولى، ومواضع العذاب بالإفراد، ويقوي ذلك قوله تعالى «٥»: وَمِنْ آياتِهِ أَنْ يُرْسِلَ الرِّياحَ مُبَشِّراتٍ [الروم/ ٤٦] فإنما «٦» تبشر بالرحمة، ويشبه أن يكون النبي ﵌ «٧» قصد هذا الموضع من التنزيل، وجعل الريح إذا كانت مفردة في قوله تعالى «٧»: وَفِي عادٍ إِذْ أَرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ [الذاريات/ ٤١]. وقد تختص اللفظة في التنزيل بشيء فيكون أمارة له، فمن ذلك أن عامّة ما جاء في التنزيل من قوله: وَما يُدْرِيكَ مبهم غير مبيّن. وما كان من لفظ ما أَدْراكَ مفسّر، كقوله

стр. 714

تعالى «١»: وَما أَدْراكَ مَا الْحَاقَّةُ [الحاقة/ ٣] وكذلك وَما أَدْراكَ مَا الْقارِعَةُ [القارعة/ ٢] وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ [الشورى/ ١٧]. والخبر الذي روي عن أبي هريرة أن رسول الله ﵌ «٢» قال: «إن الريح تخرج من روح الله. تجيء بالرحمة والعذاب» «٣» ، فيجوز أن تكون الريح يراد بها الجنس، فإذا كانت للجنس كان على القبيلين العذاب والرحمة، فإذا جاز أن يكون للجنس، جاز أن يقع على الجمع مستغرقاً له، وجاز أن يقع اسم الجنس على البعض كما قال: وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ، وَبِاللَّيْلِ ... [الصافات/ ١٣٧ - ١٣٨]. [البقرة: ١٦٥] اختلفوا في الياء والتاء من قوله جل وعزّ: ولو ترى الذين ظلموا [البقرة/ ١٦٥]. فقرأ ابن كثير وأبو عمرو وعاصم وحمزة والكسائيّ: وَلَوْ يَرَى، الَّذِينَ ظَلَمُوا بالياء. وقرأ نافع وابن عامر: ولو ترى بالتاء. وكلّهم قرأ: إِذْ يَرَوْنَ الْعَذابَ بفتح الياء إلّا ابن عامر فإنه قرأ: إِذْ يَرَوْنَ الْعَذابَ بالضم «٤».

стр. 715

قال أبو علي: يَرَى من رؤية العين، يدلك على ذلك تعدّيه إلى مفعول واحد تقديره: ولو يرون أن القوة لله جميعاً. أي: لو يرى الكفار ذلك. فإن قلت: فلم لا تكون المتعدية إلى مفعولين، وقد سدّت أنّ مسدّهما؟. قيل: يدل على أنها المتعدية إلى مفعول واحد قول من قرأ بالتاء فقال: ولو ترى الذين ظلموا [البقرة/ ١٦٥] ألا ترى أن هذا متعدّ إلى مفعول واحد لا يسدّ مسدّ مفعولين، ويدلّك على أنه متعدّ إلى مفعول واحد قوله تعالى «١»: إِذْ يَرَوْنَ الْعَذابَ [البقرة/ ١٦٥] وقوله: وَإِذا رَأَى الَّذِينَ ظَلَمُوا الْعَذابَ فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ [النحل/ ٨٥] فتعدّى إلى مفعول واحد وكذلك قوله «٢»: وَيَوْمَ الْقِيامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ [الزمر/ ٦٠] الأظهر أنّه متعدّ إلى مفعول واحد، أي: يعاينونهم كذلك. والجملة في موضع الحال، لا في موضع المفعول الثاني. وقد روي في التفسير في قوله تعالى «٣»: يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيماهُمْ [الرحمن/ ٤١] قال: سواد الوجوه وزرقة الأعين، فسواد الوجوه دلت عليه هذه الآية، وزرقة الأعين: قوله: وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقاً [طه/ ١٠٢] فكما أن الرؤية في هذه المواضع رؤية البصر. كذلك في قوله: وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذابَ [البقرة/ ١٦٥] وقوله: أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً [البقرة/ ١٦٥] في تعذيبهم، فهو قريب من قوله: وَإِذا رَأَى الَّذِينَ ظَلَمُوا الْعَذابَ فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ [النحل/ ٨٥].

стр. 716

فإن قلت: فكيف جاء إِذْ في قوله: وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ [البقرة/ ١٦٥] وهذا أمر مستقبل وإِذْ لما مضى؟. فالقول فيه: إنه إنما جاء على لفظ المضي لإرادة التقريب في ذلك، كما جاء وَما أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ [النحل/ ٧٧] وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ «١» [الشورى/ ٤٢] فلما أريد فيها من التحقيق والتقريب، جاء على لفظ المضيّ وعلى هذا جاء في ذلك «٢» المعنى أمثلة الماضي كقوله: وَنادى أَصْحابُ النَّارِ أَصْحابَ الْجَنَّةِ [الأعراف/ ٥٠] ومما جاء على لفظ المضيّ للتقريب من الحال قول المقيم المفرد: قد قامت الصلاة. يقول ذلك قبل إيقاعه التحريم بالصلاة لقرب ذلك من قوله. وعلى هذا قول رؤبة «٣»: أوديت إن لم تحب حبو المعتنك فإنما أراد بذلك تقريب معاينة الهلاك وإشفاءه عليه. فأتى بمثال الماضي لما أراد به من مشارفته، وجعله سادّاً مسدّ الجواب من حيث كان معناه الاستقبال في الحقيقة، وأن الهلاك لم يقع بعد، ولولا ذلك لم يجز، ألا ترى أنّه لا يكون: قمت إن قمت، إنما تقول: أقوم إن قمت، وقوله تعالى «٤»:

стр. 717

وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَها لِلنَّبِيِّ [الأحزاب/ ٥٠] فيمن كسر إِنْ ينبغي أن يحمله على فعل آت يضمره، ولا يحمله على الماضي المتقدّم الذي هو أَحْلَلْنا، وعلى ما ذكرنا جاء كثير مما في التنزيل، من هذا الضرب كقوله: وَلَوْ تَرى إِذْ وُقِفُوا عَلى رَبِّهِمْ [الأنعام/ ٣٠] وَلَوْ تَرى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ [الأنعام/ ٢٧] وَلَوْ تَرى إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ [سبأ/ ٣١] وَلَوْ تَرى إِذْ فَزِعُوا فَلا فَوْتَ [سبأ/ ٥١] وَلَوْ تَرى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلائِكَةُ [الأنفال/ ٥٠]. فكما جاءت هذه الآي التي يراد بها الاستقبال بإذ، كذلك جاء وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذابَ [البقرة/ ١٦٥]، فأما حذف جواب لَوْ في هذه الآي، فلأن حذفه أفخم لذهاب المخاطب المتوعّد إلى كل ضرب من الوعيد، وتوقّعه له «١»، واستشعاره إياه، ولو ذكر له ضرب منه لم يكن مثل أن يبهم عليه، لما يمكّن من توطينه نفسه على ذلك المذكور، وتخفيفه عليه، ومن وطّن نفسه على شيء لم يصعب عليه صعوبته على من لم يوطّن عليه نفسه. وحجّة من قرأ: وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا بالياء أن المتوعّدين لم يعلموا قدر ما يشاهدون ويعاينون من العذاب كما علمه النبي ﵌ «٢» والمسلمون. فالفعل ينبغي أن يكون مسنداً إليهم في قوله تعالى: وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا. ومن حجّتهم أن المتقدم لقوله: وَلَوْ يَرَى غيبة، فينبغي أن يكون المعطوف عليه مثله، وهو قوله جلّ وعزّ «٣»:

стр. 718

وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْداداً [البقرة/ ١٦٥] بعد قوله: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَماتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ [البقرة/ ١٦١] والذين ظلموا هم الذين كفروا، ألا ترى قوله: وَالْكافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ [البقرة/ ٢٥٤] والذين كفروا هم المتخذون من دون الله أنداداً. فلفظ الغيبة أولى من لفظ الخطاب من حيث كان أشبه بما قبله، وهو أيضاً أشبه بما بعده، وهو كقوله: كَذلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمالَهُمْ حَسَراتٍ [البقرة/ ١٦٧]. وحجّة من قال «١»: ولو ترى فجعل الخطاب للنبي ﵌ «٢»: كثرة ما جاء في التنزيل من قوله: جلّ وعزّ «٣»: ولو ترى من الآي التي تلوناها، ولم يقصد ﵇ بالمخاطبة لأنه لم يعلم، ولكن في قصده بالمخاطبة تنبيه لغيره، ألا ترى أنه قد يخاطب، فيكون خطابه خطاباً للكافّة، كقوله تعالى «٤»: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرى [الأنفال/ ٧٠] ويا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذا طَلَّقْتُمُ [الطلاق/ ١] وعلى هذا جاء: أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [البقرة/ ١٠٦] أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ [البقرة/ ١٠٧] فجاء الخطاب للنبيّ ﵌ «٥»، والمراد به الكافّة، فكذلك قوله: ولو ترى الذين ظلموا [البقرة/ ١٦٥]. وأما فتح أَنَّ في قوله أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً

стр. 719

[البقرة/ ١٦٥] فيمن قرأ بالتاء والياء، فمن قرأ بالياء فإنّ أَنَّ معموله يَرَى، تقديره: ولو يرون أنّ القوّة لله جميعاً. وأما من قرأ بالتاء فقال: ولو ترى الذين ظلموا [البقرة/ ١٦٥] فلا يخلو من أن يجعل ترى من رؤية العين «١» أو المتعدية إلى مفعولين. فإن جعلتها من رؤية البصر لم يجز أن يتعدّى «٢» إلى أنّ، لأنها قد استوفت مفعولها الذي تقتضيه، وهو الَّذِينَ ظَلَمُوا ولا يجوز أن يكون بدلًا من المفعول، لأنها ليست الَّذِينَ ظَلَمُوا ولا بعضهم ولا مشتملًا عليهم، ولا يجوز أن تكون المتعدية إلى مفعولين، لأن المفعول الثاني في هذا الباب هو المفعول الأول في المعنى. وقوله: أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً لا يكون الَّذِينَ ظَلَمُوا وإذا لم يكن إياهم، لم يجز أن يكون مفعولًا ثانياً، فإذا لم يجز أن ينتصب أَنَّ ب ترى فيمن قرأ بالتاء، جعلها المتعدية إلى مفعول أو مفعولين، ثبت أنه منتصب بفعل آخر غير ترى الظاهرة، وذلك الفعل هو الذي يقدّر جواباً للو، كأنّه: ولو ترى الذين ظلموا إذ يرون العذاب، لرأوا أن العزّة «٣» لله جميعاً. والمعنى أنهم شاهدوا من قدرته سبحانه ما تيقّنوا معه أنه قوي عزيز، وأن الأمر ليس على ما كانوا عليه من جحودهم، لذلك، أو شكّهم فيه. ومذهب من قرأ بالياء أبين، لأنهم ينصبون أنّ بالفعل الظاهر دون المضمر، وهذه الجوابات في هذا النحو من الآي

стр. 720

تجيء محذوفة. فإذا أعمل الجواب في شيء صار بمنزلة الأشياء المذكورة في اللفظ. فحمل المفعول عليه، فخالف ما عليه سائر هذا النحو من الآي التي حذفت الأجوبة معها ليكون أبلغ في باب التوعّد. فأمّا قوله «١»: إِذْ يَرَوْنَ الْعَذابَ [البقرة/ ١٦٥] وهي قراءتهم إلا ابن عامر، فحجتهم في ذلك قوله: وَإِذا رَأَى الَّذِينَ ظَلَمُوا الْعَذابَ فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ [النحل/ ٨٥] وقال تعالى «٢»: وَرَأَوُا الْعَذابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبابُ [البقرة/ ١٦٦] فكما بني الفعل للفاعل الرائي دون المفعول به في هذا الباب «٣»، كذلك ينبغي أن يكون في قوله: يَرَوْنَ الْعَذابَ ولا يكون «٤»: يرون. كما لم يكن: وأروا العذاب. وحجة ابن عامر أنه قد جاء: كَذلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمالَهُمْ حَسَراتٍ [البقرة/ ١٦٧] فإذا كانوا مفعولًا بهم في الفعل المنقول بالهمزة المتعدي إلى مفعولين، كذلك يحسن أن يبنى الفعل لهم، إذا كان متعدياً إلى مفعول واحد، فتقول: يَرَوْنَ كما جاء ضميرهم مفعولًا في قوله: يُرِيهِمُ ألا ترى أنّك إذا قلت: يُرِيهِمُ فبنيت الفعل للمفعول به، قلت: يرون أعمالهم حسرات؟ وقوله: يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمالَهُمْ حَسَراتٍ منقول من رأى عمله حسرة، فإذا نقلته بالهمزة تعدى إلى مفعول آخر، وصار الفاعل قبل النقل المفعول الأول.

стр. 721

[البقرة: ١٦٨] اختلفوا في ضمّ الطاء وإسكانها من قوله تعالى «١»: خُطُواتِ [البقرة/ ١٦٨]. فقرأ ابن كثير وابن عامر والكسائيّ وحفص عن عاصم خُطُواتِ مثقّلة. وروى ابن فليح بإسناده عن أصحابه عن ابن كثير: خُطُواتِ ساكنة الطاء خفيفة. وقرأ نافع وأبو عمرو وعاصم في رواية أبي بكر وحمزة خُطُواتِ ساكنة الطاء «٢» خفيفة «٣». قال أبو علي: أما الخطوة، فإنهم قد قالوا: خطوت خطوة، كما قالوا: حسوت حسوة، والحسوة اسم ما يحتسى. وكذلك: غرفت غرفة، والغرفة اسم ما اغترف، فعلى هذا القياس يجوز أن تكون الخطوة والخطوة، فإذا كان كذلك، فالخطوة: المكان المتخطّى، كما أنّ الغرفة: العين المغترفة بالكفّ، فيكون المعنى: لا تتبعوا سبيله ولا تسلكوا طريقه، لأن الخطوة اسم مكان. وإن جعلت الخطوة كالخطوة في المعنى. كما جعلوا الدّهن كالدّهن، فالتقدير: لا تأتمّوا به. ولا تقفوا أثره، فالمعنيان يتقاربان وإن اختلف التقديران. وقول رؤبة «٤»:

стр. 722

مجهولة تغتال خطو الخاطي معناه: أن هذه المفازة لطولها وبعد أقطارها كأنّ الخطى تهلك فيها فلا تؤثّر في قطعها، كما قال ذو الرّمّة في وصف عين بالسّعة: تغول سيول المكفهرّات غولها «١» أي لسعتها، وأنها لا تمتلئ مما يمتدّ إليها من الأمطار كأنّها تهلكها وتذهب بها. وحجة من حرّك العين من خطوات: أن الواحدة (خطوة) فإذا جمعت حركت العين للجمع، كما فعلت بالأسماء التي على هذا الوزن نحو: غرفة وغرفات قال تعالى: وَهُمْ فِي الْغُرُفاتِ آمِنُونَ [سبأ/ ٣٧]. ولم يلزم أن تبدل من الضمة كسرة، ومن الواو ياء كما يفعل ذلك في: أدل، وأجر «٢»، ونحوه، لأنه بمنزلة ما يبنى على التأنيث- ألا ترى أن الضمة إنما اعترضت مع الجمع بالألف والتاء، ولم تثبت الضمة والواو آخرة، ثم لحقتها التاء للجمع، كما أن الياء والواو في: النهاية والشقاوة

стр. 723

لم تثبتا في الكلام، ثم يلحقهما التأنيث. وإنما بنيت الكلمة على حرف التأنيث كما يبنى «١» «مذروان» «٢» على التثنية، وهذا في خُطُواتِ ونحوها أظهر. لأن الضمة إنما تلحق مع الألف والتاء كما أنها في الغرفات والرّكبات كذلك. وشيء آخر لمن ثقّل العين، وهو أنّه يجوز أن يكون لمّا حذف التاء التي للتأنيث، فبقي الاسم على فعل، حرّك العين مثل: عنق وعنق، وطنب وطنب فلمّا ثقّل العين بني الاسم على تاء التأنيث وألفه، كما بنى الاسم على التاء المفردة في: غيابة وشقاوة، وعلى التثنية في مذروان وثنايان «٣»، والدليل على ذلك قول لبيد «٤»: فتدلّيت عليه قافلًا ... وعلى الأرض غيايات الطّفل ألا ترى أنه لو لم يكن الاسم مبنياً عليهما لهمزت الياء لوقوعها طرفا بعد ألف «٥» زائدة، فكما أن ثنايان مبني على التثنية، كذلك هذا بني على الجمع بالألف والتاء.

стр. 724

قال أبو الحسن: التحريك: قول أهل الحجاز. وحجة من أسكن فقال: خُطُواتِ: أنهم نووا الضمة وأسكنوا الكلمة عنها- ألا ترى أنّ القول في ذلك لا يخلو من أن تكون جمع فعلة، فتركوها في الجمع على ما كانت عليه في الواحد، أو يكونوا أرادوا الضمة فخفّفوها وهم يريدونها، كما أنّ من قال: لقضو الرجل ورضي، أراد الضمة والكسرة، فحذفوها من اللفظ وهم يقدرون ثباتها، بدلالة تركهم ردّ الياء والواو، فلا يجوز الوجه الأول لأن ذلك إنما يجيء في ضرورة الشعر دون حال السّعة والاختيار، كما قال ذو الرّمّة «١». ... ورفضات الهوى في المفاصل فإذا لم يجز حمله على هذا الوجه، علمت أنه على الوجه الآخر، وأنهم أسكنوها تخفيفاً، وهم يريدون الضمة، كما تراد الضمة في: لقضو الرجل ونحوه، ولهذا لم يجمع ما كان على فعال، ونحوه من المعتل على: فعل، ولا فعل لأنك لو جمعته على فعل، لكانت الضمة في تقدير الثبات، ويدلّك على أنها عندهم في تقدير الثبات: أن التحريك فصل بين الاسم والصفة، فإذا كان كذلك علمت أن التحريك الذي يختصّ بالأسماء دون الصفات منويّ، فأما قولهم: ثني «٢» وثن؛ فهو مما رفضوه في سائر كلامهم.

стр. 725

ولمن أسكن. العين من خُطُواتِ وجه آخر من الحجاج، وهو أن يكون أجرى الواو في إسكانه إياها مجرى الياء- ألا ترى أن ما كان من هذا النحو من الياء نحو، مدية، وكلية، وزبية، لم يجمع إلا بالإسكان للعين، وذلك أنك لو حركتها للزم انقلاب الياء واواً لانضمام ما قبلها، كما لزمها انقلابها في: لقضو الرجل، فلما كان التحريك يؤدي إلى القلب، قرروه على الإسكان فقالوا: مديات وكليات. فلما لزم الإسكان في الياء جعل من أسكن خُطُواتِ الواو بمنزلة الياء، كما جعلوها بمنزلتها في (اتسروا)، ألا ترى أن التاء لا تكاد تبدل من الياء، وإنما يكثر إبدالها من الواو، وإنما أبدلوها في (اتسر) «١»، لإجراء الياء مجرى الواو، وكذلك أجرى الواو مجرى الياء في أن أسكنها في خُطُواتِ ولا يلزمه على هذا أن يقول في: غرفات: غرفات، لأنه لم يجتمع مع كثرة الحركات الأمثال كما اجتمعت في خُطُواتِ. [البقرة: ١٧٧] اختلفوا في رفع الراء ونصبها من قوله تعالى: لَيْسَ الْبِرَّ [البقرة/ ١٧٧]. فقرأ عاصم في رواية حفص وحمزة: لَيْسَ الْبِرَّ بنصب الراء. وروى هبيرة عن حفص عن عاصم أنه كان يقرأ بالنصب والرفع. وقرأ الباقون الْبِرَّ رفع «٢».

стр. 726

قال أبو علي: كلا المذهبين حسن، لأنّ كلّ واحد من الاسمين: اسم ليس وخبرها «١»، معرفة، فإذا اجتمعا في التعريف تكافئا في كون أحدهما اسماً والآخر خبراً كما تتكافأ النكرتان «٢». ومن حجة من رفع الْبِرَّ: أنه أن يكون الْبِرَّ الفاعل أولى، لأن لَيْسَ تشبه الفعل وكون الفاعل بعد الفعل أولى من كون المفعول بعده، ألا ترى أنّك تقول: قام زيد؛ فيلي الاسم الفعل، وتقول: «ضرب غلامه زيد»، فيكون التقدير بالغلام التأخير، ولولا أن الفاعل أخصّ بهذا الموضع لم يجز هذا، كما لم يجز في الفاعل: «ضرب غلامه زيداً» حيث لم يجز في الفاعل تقدير التأخير كما جاز في المفعول به، لوقوع الفاعل في الموضع الذي هو أخصّ به. ومن حجة من نصب الْبِرَّ: أنه قد حكي لي عن بعض شيوخنا، أنه قال في هذا النحو: أن يكون الاسم: «أن

стр. 727

وصلتها» أولى وأحسن، لشبهها بالمضمر، في أنها لا توصف كما لا يوصف المضمر، فكأنّه اجتمع مضمر ومظهر، والأولى إذا اجتمع مضمر ومظهر أن يكون المضمر الاسم من حيث كان أذهب في الاختصاص من المظهر، فكذلك «١» إذا اجتمع أن مع مظهر غيره، كان أن يكون أن والمظهر الخبر أولى. [البقرة: ١٨٢] اختلفوا في فتح الواو وتشديد الصاد وتخفيفها من قوله : فَمَنْ خافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفاً [البقرة/ ١٨٢]. فقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر مُوصٍ ساكنة الواو، وحفص عن عاصم مثله. وقرأ عاصم في رواية أبي بكر وحمزة والكسائي مُوصٍ مفتوحة الواو مشددة الصاد «٢». قال أبو علي: حجة من قال «٣»: مُوصٍ: قوله تعالى «٤»: فَلا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً [يس/ ٥٠] وحجة من قال «٥»: مُوصٍ: يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ [النساء/ ١١] ومِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِها أَوْ دَيْنٍ [النساء/ ١٢]. وفي المثل: إنّ الموصّين بنو سهوان «٦»

стр. 728

وقال النّمر بن تولب: أهيم بدعد ما حييت فإن أمت ... أوصّ بدعد من يهيم بها بعدي «١» وقال آخر «٢»: أوصيك إيصاء امرئ لك ناصح ... طبّ بصرف الدّهر غير مغفّل فأمّا قوله تعالى: وَوَصَّى بِها إِبْراهِيمُ بَنِيهِ [البقرة/ ١٣٢] فلا أرى من شدّد ذهب فيه إلى التكثير وإنما وصّى مثل: أوصى، ألا ترى أنه قد جاء: مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِها أَوْ دَيْنٍ [النساء/ ١٢] ولم يشدّد، فإن كان للكثرة فليس هو من باب وَغَلَّقَتِ الْأَبْوابَ [يوسف/ ٢٣]. [البقرة: ١٨٤] واختلفوا في الإضافة والتنوين، والجمع والتوحيد، من قوله تعالى: فِدْيَةٌ طَعامُ مِسْكِينٍ «٣» [البقرة/ ١٨٤]. فقرأ ابن كثير وأبو عمرو وعاصم وحمزة والكسائيّ:

стр. 729

فِدْيَةٌ منون طَعامُ مِسْكِينٍ موحّد. وقرأ نافع وابن عامر فدية طعام مساكين [فِدْيَةٌ] مضاف ومساكين جمع «١». قال أبو علي: طَعامُ مِسْكِينٍ على قول ابن كثير، ومن قرأ كما قرأ: عطف، بيّن الفدية. فإن قلت: كيف أفردوا المسكين والمعنى على الكثرة؟ ألا ترى أن الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ جمع، وكلّ واحد منهم يلزمه طعام مسكين، فإذا كان كذلك وجب أن يكون مجموعاً كما جمعه الآخرون. فالقول: إن الإفراد جاز وحسن لأن المعنى: على «٢» كل واحد طعام مسكين، فلهذا أفرد، ومثل هذا في المعنى قوله تعالى «٣»: وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمانِينَ جَلْدَةً [النور/ ٤] وليس جميع القاذفين يفرّق فيهم جلد ثمانين، إنّما على كلّ واحد منهم جلد ثمانين، وكذلك على كلّ واحد منهم طعام مسكين. فأفرد هذا كما جمع قوله: فَاجْلِدُوهُمْ ثَمانِينَ جَلْدَةً. وقال أبو زيد: أتينا الأمير، فكسانا كلّنا حلّة، وأعطانا كلّنا مائة. قال أبو زيد: معناه: كسا كلّ واحد منا حلّة، وأعطى كلّ واحد منا مائةً. وأما من أضاف الفدية إلى الطعام، فكإضافة البعض إلى ما هو بعض له، وذلك أنه سمّى الطعام الذي يفدى به فدية،

стр. 730

ثم أضاف الفدية إلى الطعام الذي يعمّ الفدية وغيرها، وهو على هذا من باب: خاتم حديد. [البقرة: ١٨٥] اختلفوا في تشديد الميم وتخفيفها «١» من قوله جلّ وعزّ «٢»: وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ [البقرة/ ١٨٥]. فقرأ عاصم في رواية أبي بكر وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ مشدّدة «٣». وروى حفص عن عاصم وَلِتُكْمِلُوا خفيفة. وروى علي بن نصر وهارون الأعور وعبيد بن عقيل عن أبي عمرو وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ مشدّدة. وقال أبو زيد عن أبي عمرو كلاهما: مشددة ومخففة. وقال اليزيدي وعبد الوارث عنه: إنه كان يثقّلها، ثم رجع إلى التخفيف. وقرأ ابن كثير ونافع وابن عامر وحمزة والكسائي: وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ بإسكان الكاف خفيفة. قال أبو علي: حجة من قرأ: وَلِتُكْمِلُوا: قوله «٤»: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ [المائدة/ ٣] وقد قال أوس «٥»: عن امرئ سوقة ممّن سمعت به ... أندى وأكمل منه أيّ إكمال ومن قال: وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ فلأن فعّل وأفعل كثيراً ما

стр. 731

يستعمل أحدهما موضع الآخر، فمن ذلك ما تقدم ذكره من: وَصَّى وأوصى. وقال النابغة «١»: فكمّلت مائة فيها حمامتها ... وأسرعت حسبة في ذلك العدد قال أحمد: اتفقوا على تسكين لام الأمر إذا كان قبلها واو أو فاء في جميع القرآن. واختلفوا إذا كان قبلها ثمّ. فقرأ أبو عمرو: ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ [الحج/ ٢٩] ثُمَّ لْيَقْطَعْ [الحج/ ١٥] بكسر اللام مع ثم وحدها. وَلْيُوفُوا [الحج/ ٢٩] ساكنة اللام، فَلْيَنْظُرْ [الحج/ ١٥] بالإسكان. واختلف عن نافع فروى أبو بكر بن أبي أويس وورش عنه: ثُمَّ لْيَقْضُوا ثُمَّ لْيَقْطَعْ بكسر اللامين مثل أبي عمرو. وروى المسيبي وإسماعيل بن جعفر وقالون وابن جماز وإسماعيل بن أبي أويس مثل حمزة بإسكان اللامين. وقرأ ابن كثير وعاصم وحمزة والكسائي بإسكان اللامين في الحرفين جميعاً وقال القوّاس «٢» عن أصحابه عن ابن كثير: ثُمَّ لْيَقْضُوا كسراً، وقال البزي: اللام مدرجة.

стр. 732

وقرأ ابن عامر بتسكين لام الأمر فيما كان قبله واو أو فاء أو ثم في كل القرآن، إلا في خمسة مواضع كلها في الحج: ثُمَّ لْيَقْضُوا [الآية/ ٢٩] ثم لْيَقْطَعْ [الآية/ ١٥] فَلْيَنْظُرْ [الآية/ ١٥] وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ [الآية/ ٢٩] وَلْيَطَّوَّفُوا [الآية/ ٢٩] بكسر اللام وسائر ذلك بالإسكان «١». قال أبو علي: حجة من أسكن لام الأمر، إذا كان قبلها واو أو فاء: أنّ الواو والفاء، لمّا كان كلّ واحد منهما حرفاً مفرداً، ولم يجز أن تفصل «٢» من الكلمة التي دخلت عليها، فتفصل «٢» منها بالوقف عليها «٤» أشبهت «٥» الكلمة التي أحدهما فيه المتصل نحو: كتف وشكس. فكما أن هذا النحو من الأسماء والأفعال يخفّف في كلامهم بالتسكين، كذلك أسكنت اللام بعد هذين الحرفين. وما يدل على «٦» أن الحرف إذا لم ينفصل ممّا دخل عليه تنزّل منزلة جزء من الكلمة قولهم: هؤلاء الضاربوه والضاربوك، فحذفوا النون التي تلحق للجميع «٧»، لما كانت النون حرفاً لا ينفصل من الكلمة، وعلامة الضمير كذلك، فلم يجتمعا. وكذلك حرف اللين الذي للنّدبة، عاقب التنوين من حيث كان حرفاً لا ينفصل، كما كانت «٨» النون كذلك. وكما تنزّلت هذه الحروف منزلة ما هو من الكلمة من حيث لم تنفصل منها؛

стр. 733

تنزلت الواو والهاء، منزلتهما، فحسن تخفيف الحرف بعدها، كما خفّف نحو: كتف وسبع. وليس كذلك ثمّ، لأنها على أكثر من حرف فتفصل من الكلمة ويوقف عليها؛ فلم تجعلها بمنزلة الواو والفاء «١» لمفارقتهما لهما فيما ذكرنا. وأما وجه قول من أسكن اللام بعدها كما أسكن بعد الفاء والواو، فهو أنّه جعل الميم من ثُمَّ بمنزلة الواو والفاء من قوله: فليقضوا [الحج/ ٢٩] فجعل فليقضوا من ثُمَّ لْيَقْضُوا بمنزلة (وليقضوا) وهذا مستقيم، وإن كان دون الأول في الحسن. ومما يدلّك على جوازه قول الراجز «٢»: فبات منتصبا وما تكردسا وقالوا: أراك منتفخاً «٣» فجعل تفخاً من (منتفخا) بمنزلة كتف فأسكنه كما أسكن الكتف، ومثل دخول الواو والفاء على هذه اللام دخولهما على هو وهي: في نحو: وَهُوَ اللَّهُ [القصص/ ٧٠] ولَهِيَ الْحَيَوانُ [العنكبوت/ ٦٤] «٤» إلا أن الفصل بين اللام في نحو: فليقضوا، وبين: وَهُوَ أن اللام من لْيَقْضُوا ليس من الكلمة، ولكنّها جرت مجرى ما هو من الكلمة لمّا لم تنفصل منها، كما لم تنفصل الواو والفاء والهاء «٥»، من- هو، وهي- من نفس الكلمة، إلا أنّ اللام لما لم تنفصل من الكلمة تنزّلت

стр. 734

منزلة الهاء التي من الكلمة. ومن هذا الباب قول الشاعر «١»: عجبت لمولود وليس له أب ... وذي ولد لم يلده أبوان ومن ذلك ما أنشده أبو زيد «٢»: قالت سليمى اشتر لنا سويقا فما بعد التاء من قوله: «اشتر لنا سويقا» بمنزلة كتف؛ فهذا حجة لمن قال: ثُمَّ لْيَقْضُوا فأسكن. قال أحمد: اتفقوا في فتح الحاء من قوله : الْحَجِّ في سورة البقرة واختلفوا في آل عمران، وأنا أذكره إذا مررت به «٣». قال أبو علي: يريد في قوله تعالى «٤»: الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ [الآية/ ١٩٧]. والحجّ مصدر لقولهم: حجّ البيت أي: قصده، ومثل الحجّ قولهم: شدّ شداً، وردّ ردّاً، وعدّ عدّاً. قال «٥» سيبويه: قالوا: حجّ حجّا- كقولهم: ذكر ذكراً. قال: وقالوا: حجّة- يريدون: عمل سنة، كما قالوا: غزاة: يريدون عمل وجه واحد «٦». فلو قرئ: الْحَجِّ على ما حكاه سيبويه لم يمتنع في القياس.

стр. 735

وقولهم:- حجّ- وهم يريدون جمع الحاجّ، يمكن أن يكونوا سمّوا بالمصدر الذي هو كالذّكر تقديره: ذوو حجّ وأنشد أبو زيد: أصوات حجّ من عمان غادي «١» وقال: وكأنّ عافية النّسور عليهم ... حجّ بأسفل ذي المجاز نزول «٢» ومعنى قوله تعالى «٣»: الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ تقديره: أشهر الحج أشهر معلومات، فحذف المضاف أو يكون: الحجّ حجّ أشهر معلومات، فحذف المصدر المضاف إلى الأشهر، وعلى هذا: يا سارق الليلة أهل الدار «٤» أو يكون جعل الأشهر الحجّ، لمّا كان الحجّ فيها، كقولهم: ليل نائم؛ فجعل الليل النائم لمّا كان النوم فيه.

стр. 736

وأشهر الحج: شوّال وذو القعدة وعشر من ذي الحجّة، فسمّى الشهرين وبعض الثالث أشهراً، لأن الاثنين قد يوقع عليه لفظ الجمع، كما يوقع عليه لفظ الجمع في نحو قولهم: ظهراهما مثل ظهور التّرسين «١» ولا يجوز على هذا القياس أن يوقع على الاثنين. وبعض الثالث قُرُوءٍ في قوله: ثَلاثَةَ قُرُوءٍ [البقرة/ ٢٢٨] لأنّ هذا محصور بالعدد، فلا يكون الاثنان وبعض الثالث ثلاثة. واختلفوا في: البيوت والعيون والشّيوخ والغيوب والجيوب «٢»: في ضمّ الحرف الأول من هذه كلّها وكسره. فقرأ ابن كثير وابن عامر والكسائيّ الْغُيُوبِ بضم الغين وكسر الباء من الْبُيُوتَ والعين من الْعُيُونِ.

стр. 737

وقرأ أبو عمرو بضم ذلك كلّه: الباء والعين والغين والجيم والشين. واختلف عن نافع فروى المسيّبيّ وقالون: الْبُيُوتَ بكسر الباء، وهذه وحدها، وضمّ الغين والعين والجيم والشين. وقال ورش عن نافع: أنه ضمّ ذلك كلّه، والباء من الْبُيُوتَ، وكذلك قال إسماعيل بن جعفر وابن جمّاز عنه: أنه ضمّها كلّها. قال أبو بكر بن أبي أويس «١»: الْبُيُوتَ، والْغُيُوبِ، والْعُيُونِ، والجيوب، وجُيُوبِهِنَّ، والشيوخ بكسر أول، ذلك كلّه. قال الواقديّ عن نافع: الْبُيُوتَ بضم الباء. واختلف عن عاصم أيضاً، فروى يحيى بن آدم عن أبي بكر عنه: أنه كسر الباء من الْبُيُوتَ، والعين من الْعُيُونِ، والغين من الْغُيُوبِ، والشين من شُيُوخاً، وضمّ الجيم من (الجيوب) وحدها. قال: يبدأ بالكسر ثم يشمّها الضمّ. وروى هبيرة عن حفص عن عاصم أنه كان يكسر الشين من شُيُوخاً وحدها، ويضمّ الباقي وهذا غلط. وقال عمرو بن

стр. 738

الصبّاح عن أبي عمر عن عاصم شُيُوخاً بضم الشين، وضم سائر الحروف. وكان حمزة يكسر الأول من هذه الحروف كلّها. وقال خلف وأبو هشام عن سليم عن حمزة: أنه كان يشمّ الجيم الضمّ، ثم يشير إلى الكسر، ويرفع الياء من قوله جُيُوبِهِنَّ وهذا شيء لا يضبط. وقال غير سليم بكسر الجيم «١». قال أبو علي: أما من ضمّ الفاء من شيوخ، وعيون «٢»، وجيوب «٣» فبيّن لا نظر فيه بمنزلة فعول إذا كان جمعاً، ولم تكن عينه ياء، وأما من قال: (شيوخ وجيوب) فكسر الفاء، فإنما فعل ذلك من أجل الياء، أبدل من الضمّة الكسرة لأن الكسرة للياء أشدّ موافقة من الضمة لها. فإن قلت: هلّا استقبح ذلك، لأنه أتى بضمّة بعد كسرة، وذلك مما قدمت أنهم قد رفضوه في كلامهم، فهلّا رفض أيضاً القارئ للجيوب ذلك؟ قيل «٤»: إن الحركة إذا كانت للتقريب من الحرف لم تكره، ولم تكن بمنزلة ما لا تقريب فيه- ألا ترى أنه لم يجيء في الكلام عند سيبويه على فعل إلا إبل. وقد أكثروا من هذا البناء، واستعملوه على اطّراد، إذا كان القصد فيه تقريب الحركة من الحرف، وذلك قولهم: ماضغ لهم، ورجل محك

стр. 739

وجئز «١». وقالوا في الفعل: شهد ولعب. واستعملوا في إرادة التقريب ما ليس في كلامهم على بنائه البتّة «٢»، وذلك نحو: شعير ورغيف وشهيد، وليس في الكلام شيء على فعيل على غير هذا الوجه، فكذلك نحو: شيوخ وجيوب. يستجاز فيه ما ذكرنا للتقريب والتوفيق بين الجمعين «٣». ومما يدل على جواز ذلك أنك تقول في تحقير فلس: فليس، ولا يكسر أحد الفاء في هذا النحو، فإذا كانت العين ياء، كسروا الفاء «٤» [فقالوا: عيينة وبييت، فكسروا الفاء هاهنا] لتقريبه من الياء، ككسر الفاء من فعول وذلك مما قد حكاه سيبويه، فكما كسرت الفاء من عيينة ونحوه، وإن لم يكن في أبنية التحقير، على هذا الوزن لتقريب الحركة ممّا بعدها، كذلك كسروا الفاء من (جيوب) ونحوها. ومما يقوي هذا الكسر في الفاء إذا كان العين ياء للإتباع، أنّه قد جاء في الجموع ما لزمته الكسرة في الفاء، ولم نعلم أحداً ممّن يسكن إلى روايته «٥» حكى فيه غير ذلك، وذلك قولهم في جمع قوس: قسيّ؛ فلولا أن الكسر «٦» في هذا الباب قد تمكّن ما كان الحرف «٧» ليجيء على الكسر خاصة، ولا يستعمل فيه غيره، فإذا نسبت إلى قسي- اسم رجل- قلت: قسويّ، فرددت الضمّة التي هي الأصل، وقياس من

стр. 740

قال: صعقيّ أن يقول: قسويّ «١»، فيقرّ الكسرة، وإن كانت الكسرة في العين التي لها كسرت الفاء قد زالت كما زالت من صعقيّ. ويدلك على ذلك أيضاً ما أنشده أبو زيد «٢»: يأكل أزمان الهزال والسني وقول أبي النجم: جاءت تناجيني ابنة العجليّ في ساعة مكروهة النّجيّ يكفيك ما موّت في السّنيّ فالأول فعول أيضاً، وإنما حذفت للقافية، ويدلك على أنه فعول التشديد الذي في بيت أبي النجم، ولم نعلم الضمّ سمع في ذلك أيضاً. [البقرة: ١٩١] واختلفوا في إثبات الألف وطرحها من قوله : وَلا تُقاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ حَتَّى يُقاتِلُوكُمْ فِيهِ، فَإِنْ قاتَلُوكُمْ [البقرة/ ١٩١]. فقرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وعاصم، وابن عامر: وَلا تُقاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ حَتَّى يُقاتِلُوكُمْ فِيهِ، فَإِنْ قاتَلُوكُمْ كلّها بالألف.
следующие страницы →