← Таджвид и кираат

Таджвид и кираат · id 35101

الحجة للقراء السبعة

أبو علي الفارسي

Полный текст (2 942 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.

стр. 841

[البقرة/ ٢٥٩] نزّله منزلة الأجنبيّ المنفصل منه، لتنبهه على ما تبيّن له ممّا كان أشكل عليه. قال أبو الحسن «١»: وهو أجود في المعنى. [البقرة: ٢٦٥] اختلفوا في ضم الراء وفتحها من قوله تعالى «٢»: بِرَبْوَةٍ [البقرة/ ٢٦٥] فقرأ عاصم وابن عامر: بِرَبْوَةٍ بفتح الراء. وفي المؤمنين مثله. وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وحمزة والكسائي: بِرَبْوَةٍ بضم الراء وفي المؤمنين مثله «٣». قال أبو عليّ: قال أبو عبيدة «٤»: الرّبوة: الارتفاع عن المسيل، وقال أبو الحسن: ربوة. وقال بعضهم: بربوة، وربوة، ورباوة، ورباوة، كلّ من لغات العرب، وهو كلّه في الرابية، وفعله: ربا يربو. قال أبو الحسن: والذي نختار: ربوة، بضم الراء وحذف الألف. قال أبو عليّ: يقوّي هذا الاختيار أنّ جمعه ربى «٥»، ولا

стр. 842

يكاد يسمع غيره، وإذا كان فعله: ربا يربو إذا ارتفع؛ فالرابية؛ والرّبوة، إنّما هو لارتفاع أجزائها عن صفحة «١» المكان التي هي بها «٢». ومنه الرّبا، وهو على ضربين: أحدهما متوعّد عليه محرّم بقوله [عز اسمه] «٣»: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا [البقرة/ ٢٧٨] وذلك أن يأخذ المكيل أو الموزون اللّذين هما من «٤» جنس واحد بأكثر من مثله في بيع أو غيره. والآخر: مكروه غير محرم، فالمكروه أن تهدي شيئاً أو تهبه، فتستثيب «٥» أكثر منه، فمن ذلك قوله تعالى «٦»: وَما آتَيْتُمْ مِنْ رِباً لِيَرْبُوَا فِي أَمْوالِ النَّاسِ فَلا يَرْبُوا عِنْدَ اللَّهِ [الروم/ ٣٩] كأنّ المعنى: لا يربو لكم عند الله، أي: لا يكون في باب إيجابه للثواب لكم ما يكون من إيجابه إذا أخلصتم لله، وأردتم التقرّب إليه، ألّا تراه قال: وَما آتَيْتُمْ مِنْ زَكاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ، فَأُولئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ [الروم/ ٣٩]. فأمّا ما في قوله: وَما آتَيْتُمْ مِنْ رِباً، فيحتمل تقديرين: يجوز أن يكون للجزاء، ويجوز أن يكون صلة، فإن قدّرتها جزاء، كانت في موضع نصب بآتيتم، وقوله: فَلا يَرْبُوا عِنْدَ اللَّهِ

стр. 843

في موضع جزم بأنّه جواب للجزاء. ويقوي هذا الوجه قوله: وَما آتَيْتُمْ مِنْ زَكاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ. ألّا ترى أنّه لو كان مبتدأ لعاد عليه ذكره؟ ولو جعلتها موصولة لم يكن لآتيتم موضع من الإعراب، وكان موضع ما رفعاً بالابتداء، وآتيتم صلة، والعائد إلى الموصول: الذكر المحذوف من آتيتم. وقوله: فَلا يَرْبُوا في موضع رفع بأنّه خبر الابتداء، والفاء دخلت في الخبر على حدّ ما دخلت في قوله تعالى «١»: وَما بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ [النحل/ ٥٣] وكذلك قوله: وَما آتَيْتُمْ مِنْ زَكاةٍ [الروم/ ٣٩] تكون الهاء العائدة المحذوفة راجعة إلى الموصول، وموضع فأولئك: رفع بأنّه خبر المبتدأ، وقال: وَما آتَيْتُمْ مِنْ زَكاةٍ ثمّ قال: فَأُولئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ، فانتقل الخطاب بعد المخاطبة إلى الغيبة، كما جاء: حَتَّى إِذا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ «٢» [يونس/ ٢٢] والفاء دخلت على خبر المبتدأ لذكر الفعل في الصلة، والجملة في موضع خبر المبتدأ الذي هو: وَما آتَيْتُمْ مِنْ زَكاةٍ وتقدّر راجعاً محذوفاً، والتقدير «٣»: فأنتم المضعفون به، التقدير: فأنتم «٤» ذوو الضعف بما آتيتم من زكاة، فحذفت العائد على حدّ ما حذفته من قولك: السمن منوان بدرهم، وقال تعالى «٥»:

стр. 844

وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ [الشوري/ ٤٣] ومثل هذه الآية في المعنى قوله جلّ وعزّ «١»: وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ [المدثر/ ٦] حدثنا الكندي قال: حدّثنا المؤمّل: قال حدّثنا إسماعيل بن عليّة عن أبي رجاء قال: سمعت عكرمة «٢» يقول: «وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ» قال: لا تعط شيئاً لتعطى أكثر منه» «٣». فأمّا رفع تستكثر فعلى ضربين: أحدهما: أن تحكي به حالًا آتية، كما كان قوله: وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ [النحل/ ١٢٤]

стр. 845

كذلك، والآخر: أن تقدّر ما يقوله النحويون في قوله: مررت برجل معه صقر صائداً به غداً، أي مقدّراً الصيد، فكذلك يكون هنا مقدراً الاستكثار. وليس للجزم اتجاه في تستكثر، ألّا ترى أنّ المعنى: ليس على أن لا تمنن تستكثر، إنّما المعنى على ما تقدّم. [البقرة: ٢٦٠] اختلفوا في ضمّ الصاد وكسرها من قوله جلّ وعزّ: فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ [البقرة/ ٢٦٠] فقرأ حمزة وحده: فَصُرْهُنَّ بكسر الصاد. وقرأ الباقون: فَصُرْهُنَّ «١» بضم الصاد. قال أبو عليّ: «صرت» يقع على إمالة الشيء، يقال صرته، أصوره: إذا أملته إليك، وعلى قطعه، يقال: صرته أي: قطعته فمن الإمالة قول الشاعر «٢»: على أنّني في كلّ سير أسيره ... وفي نظري من نحو أرضك أصور فقالوا: الأصور: المائل العنق. ومن الإمالة قوله: يصور عنوقها أحوى زنيم ... له ظاب كما صخب الغريم «٣»

стр. 846

فهذا لا يكون إلّا من الإمالة وكذلك قول الآخر:

стр. 847

وجاءت خلعة دهس صفايا ... يصور عنوقها أحوى زنيم «١» ومن القطع قول ذي الرّمّة: صرنا به الحكم وعيّا الحكما «٢» قال أبو عبيدة: فصلنا به الحكم. ومنه قول الخنساء: لظلّت الشّمّ منها وهي تنصار أي: تصدّع وتفلّق «٣». قال أبو عبيدة، ويقال: انصارّوا: فذهبوا. قال: وصرهن من الصّور وهو القطع. قال أبو الحسن «٤»: وقالوا في هذا المعنى، يعني القطع: صار يصير، وقد حكاه غيره،

стр. 848

قال الشاعر: وفرع يصير الجيد وحف كأنّه ... على اللّيث قنوان الكروم الدّوالح «١» فمعنى هذا يميل الجيد من كثرته. ومثل هذا قول الآخر: وقامت ترائيك مغدودنا ... إذا ما ما تنوء به آدها «٢» فقد ثبت أنّ الميل والقطع، يقال في كلّ واحد منهما. صار يصير. فقول حمزة: فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ، يكون من القطع، ويكون من الميل، كما أنّ قول من ضمّ يحتمل الأمرين، فمن قال: فصرهنّ إليك فأراد بقوله صرهنّ: أملهنّ، حذف من الكلام، المعنى: أملهنّ فقطعهنّ، ثُمَّ اجْعَلْ عَلى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءاً [البقرة/ ٢٦٠]، فحذف الجملة لدلالة الكلام عليها، كما حذف من قوله تعالى: فَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى أَنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ [الشعراء/ ٦٣] المعنى: فضرب فانفلق، وكقوله: فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيامٍ [البقرة/ ١٩٦] أي: فحلق، ففدية، وكذلك قوله «٣»: اذْهَبْ بِكِتابِي هذا فَأَلْقِهْ «١» إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ [النمل/ ٢٨]

стр. 849

، فالقه «١» اليهم ثم تول عنهم) [النمل/ ٢٨] قالَتْ يا أَيُّهَا الْمَلَأُ [النمل/ ٢٩] فحذف: فذهب فألقى «٢» الكتاب، لدلالة الكلام عليه. ومن قدّر: فَصُرْهُنَّ أو فَصُرْهُنَّ، أنّه بمعنى: قطّعهنّ، لم يحتج إلى إضمار، كما أنّه لو قال: خذ أربعة من الطير، فقطعهنّ، ثم اجعل على كلّ جبل منهنّ جزءا؛ لم يحتج إلى إضمار، كما احتاج في الوجه الأول. وأما «٣» قوله: إِلَيْكَ فإنّه على ما أذكره لك. فمن «٤» جعل فَصُرْهُنَّ أو فَصُرْهُنَّ بمعنى: قطّعهن، كان إِلَيْكَ متعلقاً ب فَخُذْ، كأنّه قال: خذ إليك أربعة من الطير فقطعهنّ ثم اجعل على ... [على كلّ جبل منهنّ جزءاً] «٥». ومن جعل فَصُرْهُنَّ أو فَصُرْهُنَّ بمعنى: أملهنّ، احتمل إِلَيْكَ ضربين: أحدهما: أن يكون متعلقاً بخذ، وأن يكون بصرهن، أو بصرهن، وقياس قول سيبويه: أن يكون متعلقاً بقطعهنّ، لأنّه إليه أقرب، واستغنيت بذكر إِلَيْكَ عن تعدية الفعل الأول، كما تقول: ضربت وقتلت زيداً وإن علقته بالأول وحذفت المفعول من الفعل الثاني، فهو كقول جرير:

стр. 850

كنقا الكثيب تهيّلت أعطافه ... والريح تجبر متنه وتهيل «١» اختلفوا في ضمّ الكاف وإسكانها من الأكل: فقرأ ابن كثير وأبو عمرو ونافع أُكُلَها [البقرة/ ٢٦٥] خفيفة ساكنة الكاف وكذلك كلّ مضاف إلى مؤنث، وفارقهما أبو عمرو فيما أضيف إلى مذكر مثل أُكُلُهُ «٢» أو غير مضاف إلى مكني مثل أُكُلٍ خَمْطٍ [سبأ/ ١٦] والْأُكُلِ [الرعد/ ٤] فثقّله أبو عمرو وخفّفاه «٣». وقرأها عاصم وابن عامر وحمزة والكسائي: أكلها، والْأُكُلِ، وأُكُلُهُ مثقّلا كلّه. قال أبو علي: الأكل مصدر أكلت أكلا، وأكلة، فأمّا الأكل: فهو المأكول، يدل على ذلك قوله تعالى «٤»: تُؤْتِي أُكُلَها كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّها [إبراهيم/ ٢٥]، إنّما هو ما يؤكل منها، ومن ذلك قول الأعشى «٥»:

стр. 851

جندك الطارف التليد من السّا ... دات أهل القباب والآكال فالآكال: جمع أكل «١»، مثل عنق وأعناق [قال أبو علي] «٢» الأكل «٣» في المعنى مثل الطّعمة، تقول: جعلته أكلا له، كما تقول: جعلته طعمة له، والطّعمة ما يطعم. وقوله: فَآتَتْ أُكُلَها ضِعْفَيْنِ [البقرة/ ٢٦٥] فيه دلالة على أنّ الأكل: المأكول. وقال أبو الحسن: الأكل ما يؤكل، والأكل: الفعل الذي يكون منك، [تقول: أكلته «٤»] أكلا، وأكلت أكلة واحدة، قال الشاعر «٥»: ما أكلة إن نلتها بغنيمة ... ولا جوعة إن جعتها بغرام ففتح الألف من الفعل، ويدلّك على ذلك، ولا جوعة، وإن شئت ضممت الأكلة، وعنيت الطّعام. انتهى كلام أبي الحسن. وقال أبو زيد: يقال إنّه لذو أكل، إذا كان له حظّ ورزق من الدنيا. [البقرة: ٢٧١] اختلفوا في فتح النّون وكسرها من قوله [جلّ وعزّ] «٦»:

стр. 852

فَنِعِمَّا هِيَ [البقرة/ ٢٧١] وإسكان العين وكسرها. فقرأ نافع في غير رواية ورش وأبو عمرو وعاصم في رواية أبي بكر والمفضّل فَنِعِمَّا بكسر النون، والعين ساكنة. وقرأ ابن كثير وعاصم في رواية حفص، ونافع في رواية ورش فَنِعِمَّا هِيَ بكسر النون والعين. وقرأ ابن عامر وحمزة والكسائي فَنِعِمَّا هِيَ بفتح النون وكسر العين، وكلّهم شدّد الميم «١». قال أبو عليّ: من قرأ فَنِعِمَّا، بسكون العين من فَنِعِمَّا لم يكن قوله مستقيما عند النحويين، لأنّه جمع بين ساكنين، الأول منهما ليس بحرف مدّ ولين، والتقاء الساكنين عندهم إنّما يجوز إذا كان الحرف الأول منهما حرف لين، نحو: دابّة وشابّة، وتمودّ الثوب، وأصيم «٢» لأنّه ما في الحروف من المدّ يصير عوضاً من الحركة، ألا ترى أنّه إذا صار عوضاً من الحرف المتحرك المحذوف من تمام بناء الشعر عندهم، فأن يكون عوضاً من الحركة أسهل. وقد أنشد سيبويه شعراً قد اجتمع فيه الساكنان «٣» على

стр. 853

حدّ ما اجتمعا في فَنِعِمَّا في قراءة من أسكن العين وهو: كأنّه بعد كلال الزاجر ... ومسحي مرّ عقاب كاسر «١» وأنكره أصحابه «٢». ولعل أبا عمرو أخفى ذلك كأخذه بالإخفاء في نحو «٣» بارِئِكُمْ «٤» [البقرة/ ٥٤]، وَيَأْمُرُكُمْ «٤» [البقرة/ ٦٧] فظنّ. السامع الإخفاء إسكاناً للطف ذلك في السّمع وخفائه. وأمّا من قرأ: فَنِعِمَّا، فحجّته أنّه أصل الكلمة نعم، ثم كسر الفاء من أجل حرف الحلق. ولا يجوز أن يكون ممن قال: نعم، فلمّا أدغم حرّك، كما يقول: يَهْدِي

стр. 854

[يونس/ ٣٥] ألّا ترى أنّ من قال: هذا قدّم مالك، فأدغم، لم يدغم نحو قوله «١»: هذا قدم مالك، وجسم ماجد «٢»، لأنّ المنفصل لا يجوز فيه ذلك كما جاز في المتصل قال سيبويه: أمّا قول بعضهم في القراءة: فَنِعِمَّا، فحرك العين، فليس على لغة من قال: نعم ما، فأسكن العين، ولكن على لغة من قال: نعم فحرك العين. وحدّثنا أبو الخطاب «٣»: أنّها لغة هذيل، وكسر، كما قال: لعب. ولو كان الذي يقول «٤»: نعمّا ممن يقول في الانفصال: نعم لم يجز الإدغام على قوله، لما يلزم من تحريك الساكن في المنفصل. وأمّا من قال: فَنِعِمَّا فإنّما جاء بالكلمة على أصلها، وهو نعم كما قال: ما أقلّت قدماي إنّهم ... نعم الساعون في الأمر المبرّ «٥»

стр. 855

ولا يجوز أن يكون ممن يقول: قبل الإدغام نعم، كما أن من قال: نعمّا لا يكون ممن قال قبل الإدغام: نعم، ولكن ممن يقول نعم، فجاء بالكلمة على أصلها وكل حسن. والمعنى في قوله تعالى «١»: إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقاتِ فَنِعِمَّا هِيَ [البقرة/ ٢٧١] أن في نعم ضمير الفاعل و (ما) في موضع نصب وهي تفسير الفاعل «٢» المضمر قبل الذكر فالتقدير نعم شيئاً إبداؤها، فالإبداء هو: المخصوص بالمدح إلّا أنّ المضاف حذف، وأقيم المضاف إليه الذي هو ضمير الصدقات مقامه، فالمخصوص بالمدح هو الإبداء بالصدقات لا الصدقات يدلّك على ذلك قوله تعالى: وَإِنْ تُخْفُوها وَتُؤْتُوهَا الْفُقَراءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ [البقرة/ ٢٧١] أي: الإخفاء خير لكم، فكما أن هو ضمير الإخفاء، وليس بالصّدقات، كذلك ينبغي أن يكون ضمير الإبداء مراداً، وإنّما كان الإخفاء- والله أعلم- خيراً لأنّه أبعد من أن تشوب الصدقة مراءاة للنّاس وتصنع لهم، فتخلص لله سبحانه «٣». ولم يكن المسلمون إذ ذاك ممن «٤» تسبق إليهم ظنة في منع واجب. [البقرة: ٢٧١] واختلفوا «٥» في الياء والنون والرفع والجزم من قوله: ونكفر عنكم من سيئاتكم [البقرة/ ٢٧١]. فقرأ ابن كثير وأبو عمرو وعاصم في رواية أبي بكر:

стр. 856

ونكفر بالنون والرفع. وقرأ نافع وحمزة والكسائي ونكفر بالنون وجزم الراء. وروى أبو جعفر عن نافع ونكفر بالنون والرفع. وروى الكسائيّ عن أبي بكر عن عاصم ونكفر جزم بالنون. وقرأ ابن عامر وَيُكَفِّرُ بالياء والرفع وكذلك حفص عن عاصم «١». قال أبو عليّ: من قرأ ونكفر عنكم من سيئاتكم فرفع، كان رفعه من «٢» وجهين: أحدهما: أن يجعله خبر مبتدأ «٣» محذوف تقديره: ونحن نكفّر عنكم سيئاتكم «٤». والآخر: أن يستأنف الكلام ويقطعه مما قبله، فلا يجعل الحرف العاطف للاشتراك ولكن لعطف جملة على جملة. وأمّا من جزم فقال: ونكفر عنكم فإنّه حمل الكلام على موضع قوله: فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لأنّ قوله: فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ في موضع جزم، ألّا ترى أنّه لو قال: وإن تخفوها يكن أعظم لأجركم، لجزم. فقد علمت أنّ قوله: فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ في موضع جزم فحمل قوله: ويكفر «٥» على الموضع. ومثل هذا في الحمل على الموضع أن سيبويه زعم أن بعض القراء قرأ:

стр. 857

مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلا هادِيَ لَهُ وَيَذَرُهُمْ «١» [الأعراف/ ١٨٦] لأنّ قوله: فَلا هادِيَ لَهُ: في أنّه في موضع جزم مثل قوله: فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ. ومثله في الحمل على الموضع، قوله تعالى «٢»: لَوْلا أَخَّرْتَنِي إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ [المنافقون/ ١٠] حمل قوله وَأَكُنْ على موضع قوله: فَأَصَّدَّقَ لأنّ هذا موضع فعل مجزوم، لو قال: أخّرني إلى أجل قريب أصّدق، لجزم، فإذا ثبت أنّ قوله: فأصّدق في موضع فعل مجزوم حمل قوله: أَكُنْ «٣» عليه، ومثل ذلك قوله الشاعر «٤»: أنّى سلكت فإنّني لك كاشح ... وعلى انتقاصك في الحياة وأزدد فحمل قوله وأزدد على موضع قوله: فإنني لك كاشح. ومثله قول الآخر، وأظنّه أبا دؤاد «٥»: فأبلوني بليّتكم لعلّي ... أصالحكم وأستدرج نويّا فأمّا النون والياء في قوله: نكفّر، ويكفّر، فمن قال: ويكفّر فلأن ما بعده على لفظ الإفراد، فيكفّر أشبه بما بعده من الإفراد منه بالجمع.

стр. 858

وأمّا من قال: نكفّر على لفظ الجمع، فإنّه أتى بلفظ الجمع، ثم أفرد بعد «١» كما أتى بلفظ الإفراد ثمّ جمع في قوله تعالى «٢»: سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ [الإسراء/ ١] ثمّ قال: وَآتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ [الإسراء/ ٢]. [البقرة: ٢٧٣] اختلفوا في كسر السين وفتحها من قوله جلّ وعزّ «٣»: يَحْسَبُهُمُ [البقرة/ ٢٧٣] وتَحْسَبَنَّ [آل عمران/ ٢٧٨]. فقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو والكسائي: يَحْسَبُهُمُ وتَحْسَبَنَّ بكسر السين في كلّ القرآن. وقرأ ابن عامر وعاصم وحمزة: يَحْسَبُهُمُ، وتَحْسَبَنَّ. بفتح السين في كلّ القرآن. وقال هبيرة «٤» عن حفص أنّه كان يفتح ثم رجع إلى الكسر «٥». قال أبو عليّ: قال أبو زيد: يقال «٦»: حسبت الشّيء أحسبه وأحسبه حسبانا. وحكى سيبويه أيضا: حسب يحسب ويحسب. وقال «٧» أبو زيد: حسبت ذلك الحقّ حسابا وحسابة من الحساب، فأنا أحسبه. قال أبو زيد: وقال رجل من بني نمير: حسبانك على الله أي: حسابك على الله، وقال الشاعر:

стр. 859

على الله حسباني إذا النّفس أشرفت ... على طمع أو خاف شيئا ضميرها «١» وأحسبت الرجل إحسابا إذا أطعمته وسقيته حتى يشبع ويروى، وتعطيه حتى يرضى. قال أبو علي: القراءة بتحسب بفتح السّين أقيس، لأنّ الماضي إذا كان على فعل نحو حسب، كان المضارع على يفعل مثل: فرق يفرق، وشرب يشرب، وشذّ يحسب فجاء على يفعل في حروف أخر. والكسر حسن لمجيء السمع به، وإن كان شاذا عن القياس. [البقرة: ٢٧٩] اختلفوا في قوله تعالى «٢»: فَأْذَنُوا [البقرة/ ٢٧٩] في مدّ الألف وقصرها وكسر الذّال وفتحها. فقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر والكسائي فَأْذَنُوا مقصورة مفتوحة الذال. وقرأ عاصم في رواية أبي بكر وحمزة فآذنوا ممدودة مكسورة الذّال. وروى حفص عن عاصم والمفضّل فَأْذَنُوا مقصورة. حدثني وهيب بن عبد الله [المروزي] «٣» عن الحسن بن المبارك عن [أبي حفص] «٣» عن عمرو بن الصبّاح عن أبي

стр. 860

يوسف الأعشى عن أبي بكر عن عاصم أنّه قال «١»: فَأْذَنُوا وفآذنوا ممدودا ومقصورا. قال أبو علي: قال سيبويه: آذنت: أعلمت، وأعلمت: آذنت، وأذّنت: النداء، والتصويت بالإعلام. قال: وبعض العرب يجري آذنت مجرى أذّنت «٢»، فمن أذّن الّذي معناه: التصويت والنداء قوله: ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسارِقُونَ [يوسف/ ٧٠] فالأشبه في هذا الإعلام بالتصويت لقوله: أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسارِقُونَ فالتقدير: يقال: إنّكم لسارقون. فأمّا قوله: فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ [الأعراف/ ٤٤]. فإنّ قوله: بَيْنَهُمْ يحتمل أمرين: الأحسن فيه: أن يكون بَيْنَهُمْ ظرفا لمؤذن، كما تقول: أعلم وسطهم ولا تجعله صفة للنكرة؛ لأنّك توصله بالباء إلى أن، واسم الفاعل إذا أعمل عمل الفعل، لم يوصف، كما لا يصغّر، لأنّ الصفة تخصيص والفعل وما أجري «٣» مجراه لا يلحقه تخصيص، والتصغير كالوصف بالصغر فمن ثمّ لم يستحسن: هذا ضويرب زيدا، كما لا يستحسن: هذا ضارب ظريف زيدا، ولأنّك في هذا أيضا تفصل بين العامل والمعمول بالأجنبي.

стр. 861

وإن شئت جعلت «بينهم» صفة، وقلت: إنّ معنى الفعل قد يعمل في الجارّ ويصل إليه، ألا ترى أنّك تقول: هذا مارّ أمس بزيد، فيصل اسم الفاعل إذا كان لما مضى؟ والمعنى: بأن لعنة الله، فإن «١» شئت جعلت الباء متعلقة بمؤذّن «٢» مع أنّه قد «٣» وصف «٤»، وإن شئت جعلت «بين» ظرفا للمؤذن لا صفة، وإن شئت جعلته متعلقا بأذّن، كلّ هذا لا يمتنع. فأما قوله: وَأَذانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ [التوبة/ ٣] فإن قوله: مِنَ اللَّهِ صفة فيها ذكر من الموصوف، وكذلك إِلَى النَّاسِ ولا يكون من صلة أذان لأنّه اسم، وليس بمصدر «٥»، ومن أجرى هذا الضرب من الأسماء مجرى المصادر، فينبغي أن لا يعلّق به هذا الجارّ، ألا ترى أنّ المصدر الّذي هذا منه، لا يصل بهذا الحرف كما يصل قوله: بَراءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ [التوبة/ ١] به؟ «٦» كقوله: برئت إلى عرينة من عرين «٧» وإِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا [البقرة/ ١٦٦]

стр. 862

فأمّا قوله: يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ [التوبة/ ٣] فيجوز أن يتعلق بالصفة ويجوز أن يتعلق بالخبر الذي هو ب أَنَّ اللَّهَ. ولا يجوز أن يتعلق ب أَذانٌ لأنك قد وصفته، والموصوف «١» إذا وصفته لم يتعلق بشيء ولا بدّ من تقدير الجارّ في قوله: (بأن الله) لأنّ: أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ لا يكون الإعلام، كما يكون الثاني الأول في قولك «٢»: خبرك أنّك خارج. فأمّا قوله تعالى «٣»: فقل آذنتكم على سواء [الأنبياء/ ١٠٩]، فقوله: على سواء يحتمل ضربين: أحدهما أن يكون صفة لمصدر محذوف، والآخر: أن يكون حالا، فإذا جعلته وصفا للمصدر كان التقدير: آذنتكم إيذانا على سواء. ومثل وصف المصدر هاهنا، قوله تعالى «٤»: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ كَما كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ [البقرة/ ١٨٣] التقدير: كتب عليكم الصيام كتابة كما كتب على الذين، فحذف المصدر، فكذلك يحذف في «٥» قوله: آذنتكم على سواء [الأنبياء/ ١٠٩] وفيه ذكر من المحذوف، ومعنى إيذانا على سواء: أعلمتكم إعلاما نستوي في علمه لا أستبدّ أنا به دونكم لتتأهبوا لما يراد منكم. وقال أبو عبيدة: إذا أنذرته وأعلمته فأنت وهو على سواء «٦».

стр. 863

وأمّا إذا جعلته حالا، فإنّه يمكن فيه ثلاثة أضرب: أحدها: أن يكون حالا من الفاعل. والآخر: أن يكون من المفعول به. والثالث: أن يكون منهما جميعا على قياس ما جاء من قول عنترة «١»: متى ما تلقني فردين ترجف ... روانف أليتيك وتستطارا وما أنشده أبو زيد «٢»: إن تلقني برزين لا تغتبط به وكذلك قوله تعالى «٣»: فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلى سَواءٍ

стр. 864

[الأنفال/ ٥٨]، قياسه قياس قوله: آذنتكم على سواء، قال أبو عبيدة «١» معناه الخلاف والغدر في هذا الموضع فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلى سَواءٍ: فأظهر لهم أنّك عدو وأنّك مناصب لهم. فأمّا قوله: آذناك ما منا من شهيد [فصلت/ ٤٧] فإن شئت جعلته مثل: علمت أزيد منطلق؟ وإن شئت جعلته على معنى القسم، كما قال: ولقد علمت لتأتينّ منيّتي «٢» فإن قلت: إنّ عامّة ما جاء مجيء القسم لم يتعدّ إلى مفعول به كقولهم: علم الله لأفعلنّ. قيل: قد جاء: وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ [فاطر/ ٤٢]، [النور/ ٥٣] متعديا بالحرف. وقد قرأ حمزة: وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب

стр. 865

وحكمة [آل عمران/ ٨١] وقد أجيب بما يجاب به القسم، فكذلك قوله: آذناك يكون على القسم، وإن كان قد تعدّى إلى مفعول به. وبعد فإذا جاء نفس القسم متعديا إلى المفعول به نحو: بالله، ونحو: الله لأفعلنّ، فما يقوم مقامه، ينبغي أن يكون في حكمه. وأمّا قوله «١»: وَأَذِنَتْ لِرَبِّها وَحُقَّتْ [الانشقاق/ ٢، ٥] فقد فسّر أذنت أنها استمعت، وفي الحديث: «ما أذن الله لشيء كإذنه لنبيّ» «٢». وقال عديّ: في سماع يأذن الشّيخ له ... وحديث مثل ماذيّ مشار «٣» وأنشد أبو عبيدة «٤»: صمّ إذا سمعوا خيرا ذكرت به ... وإن ذكرت بسوء عندهم أذنوا

стр. 866

وأما قول عدي: أيها القلب تعلّل بددن ... إنّ همّي في سماع وأذن «١» فالسماع مصدر يراد به المسموع نحو: الخلق والمخلوق، والصيد والمصيد، يدلّك على ذلك أنّه لا يخلو من أن يكون على ما ذكرنا، أو على أنّه السماع الذي هو الاستماع، فلا يستقيم هذا؛ لأنّ المعنى يكون: إنّ همي في سماع وسماع، وليس هكذا، ولكن إنّ همي في مسموع، أي في غناء واستماع له. وأمّا قوله: وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ [الأعراف/ ١٦٧] فقد قدّمنا ذكر ما قاله سيبويه «٢»: من أنّ من العرب من يجعل أذّن وآذن

стр. 867

بمعنى، كأنّه جعله بمنزلة سمّى وأسمى، وخبّر وأخبر، فإذا كان أذّن: أعلم في لغة بعضهم، فتأذّن: تفعّل من هذا، وليس تفعّل هاهنا بمنزلة: تقيّس «١» وتشجّع، ولكنّه بمنزلة فعّل، كما أنّ تكبّر في قوله سبحانه «٢»: الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ [الحشر/ ٢٣] ليس على حدّ: تكبّر زيد، إذا تعاطى الكبر، ولكنّ المتكبر بمنزلة الكبير، كما أنّ قوله «٣»: وَتَعالى عَمَّا يَقُولُونَ «٤» [الإسراء/ ٤٣] تقديره: وعلا، وليس على حدّ تعاقل وتغاشى إذا أظهر شيئا من ذلك ليس فيه. فبناء الفعلين يتفق والمعنى يختلف، وكذلك تأذّن بمنزلة علم ومثل تفعّل، في أنّه يراد به فعل قول زهير «٥»: تعلّم أنّ شرّ النّاس قوم ... ينادى في شعارهم يسار وكذلك قوله «٦»: تعلّماها لعمر الله ذا قسما ... فاقصد بذرعك وانظر أين تنسلك

стр. 868

ليس يريد «١»: تعلّم هذا عن جهل به، إنّما يريد به «٢»: اعلم، كأنّه ينبهه ليقبل على خطابه. ومثله «٣»: تعلّمن أنّ الدّواة والقلم ... تبقى ويفني حادث الدّهر الغنم وهذا كثير يريدون به: اعلم، وليس يريدون تعلّم «٤» كما يريدون بقولهم: تعلّم الفقه، إنّما يريدون: اعلم. فكذلك تأذّن معناه: علم. ومما يدل على أنّ معناه العلم، وقوع لام اليمين بعدها كما تقع بعد العلم في نحو: علم الله لأفعلنّ، فكأنّ المعنى في تأذّن: علم ليبعثنّ عليهم إلى يوم القيامة، وليس هو من الاستماع نحو: أَذِنَتْ لِرَبِّها وَحُقَّتْ [الانشقاق/ ٢] ونحو: «ما أذن الله لشيء» «٥» ألا ترى أنّك لو قلت سمع ليفعلنّ، أو تسمّع ليفعلن، لم يسهل ذلك كما يكون في علم من حيث استعمل استعمال القسم، فتعلق الجواب به كما يتعلق بالقسم؟ وأمّا قوله: قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ [التوبة/ ٦١] فإنّه يذكر في موضعه إن شاء الله، وأمّا قوله سبحانه «٦»: فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ [البقرة/ ٢٧٩] المعنى: فإن لم تضعوا الرّبا عن النّاس الّذي قد أمركم الله بوضعه عنهم، فأذنوا بحرب من الله «٧».

стр. 869

قال أبو عبيدة «١»: آذنتك بحرب فأذنت به. فمن قال: فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ فقصر، فمعناه: اعلموا بحرب من الله، والمعنى: أنّكم في امتناعكم من وضع ذلك حرب لله ورسوله. ومن قال: فآذنوا بحرب فتقديره: فأعلموا من لم ينته عن ذلك بحرب، والمفعول هنا «٢» محذوف على قوله: وقد أثبت هذا المفعول المحذوف هنا، في قوله فَقُلْ آذَنْتُكُمْ عَلى سَواءٍ وإذا أمروا بإعلام غيرهم علموا هم أيضا لا محالة، ففي أمرهم بالإعلام ما يعلمون هم أيضا أنهم حرب إن لم يمتنعوا عمّا نهوا عنه من وضع الرّبا عمن كان عليه. وليس في علمهم دلالة على إعلام غيرهم، فهذا في الإبلاغ آكد. قال أحمد بن موسى: قرءوا كلّهم: لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ [البقرة/ ٢٧٩] بفتح التاء الأولى وضم الثانية «٣». وروى المفضّل عن عاصم لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ بضم التاء الأولى وفتح الثانية «٤». قال أبو علي: موضع «لا تظلمون» نصب على الحال من لكم، التقدير: فلكم رءوس أموالكم غير ظالمين ولا مظلومين. والمعنى: إن تبتم فوضعتم الرّبا الذي أمر الله بوضعه عن النّاس فلكم رءوس أموالكم لا تظلمون بأن تطالبوا المستدين بالرّبا

стр. 870

الموضوع عنه، ولا تظلمون بأن تبخسوا رءوس أموالكم. أو تمطلوا بها. وقد جاء: «ليّ الواجد ظلم» «١». والمعنى؛ والتقدير في التقديم والتأخير الذي روي عن عاصم؛ سواء. ويرجح تقديم: لا تَظْلِمُونَ بأنّه أشكل بما قبله، لأنّ الفعل الذي قبله مسند إلى فاعل، وهو قوله: وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ، فتظلمون أشكل بما قبله لإسناد الفعل فيه إلى الفاعل من تظلمون المسند فيه الفعل إلى المفعول به «٢». [البقرة: ٢٨٠] واختلفوا «٣» في ضمّ السّين وفتحها من قوله تعالى: فَنَظِرَةٌ إِلى مَيْسَرَةٍ [البقرة/ ٢٨٠] فقرأ نافع وحده: إِلى مَيْسَرَةٍ بضمّ السّين. وقرأ الباقون: مَيْسَرَةٍ بفتح السّين، وكلّهم قلب الهاء تاء ونوّنها «٤». قال أبو عليّ: حجّة من قرأ إِلى مَيْسَرَةٍ أنّ مفعلة قد جاء

стр. 871

في كلامهم كثيرا. وأمّا من قرأ إِلى مَيْسَرَةٍ بضمّ السّين فلأنّ مفعلة قد جاء أيضا في كلامهم. قالوا: المسربة «١»، وقالوا: المشرقة «٢» وليس بكثرة مفعلة. فالقراءة الأولى أولى لأنّ الكلمة بفتح العين منها أكثر من الضمّ، ومفعلة بناء مبني على التأنيث، ألا ترى أن مفعلا بغير هاء بناء لم يجيء في الآحاد؟. قال سيبويه: وأمّا ما كان يفعل منه مضموما، فهو بمنزلة ما كان يفعل منه مفتوحا، ولم يبنوه على مثال يفعل، لأنّه ليس في الكلام مفعل، فلمّا لم يكن إلى ذلك سبيل، وكان مصيره إلى إحدى الحركتين ألزموه أخفّهما «٣». قال أبو علي: كلامه هذا في الآحاد، ألا ترى أنّه يقصد مكان الفعل، وهو معلوم أنّه لا يكون إلّا مفردا. وما جاء في الشّعر من معون ومكرم جمع معونة ومكرمة لا يدخل على هذا لأنه جمع ومراد سيبويه فيما ذكر المفرد دون الجمع «٤».

стр. 872

قال أحمد بن موسى: وكلّهم قلب الهاء تاء ونوّنها، يعني: في الوصل، يريد أنّه: لم يقرأ أحد منهم إلى ميسرة لأنّ مفعل لا يجيء في الآحاد إلّا بالتاء، وقد جاء في الجمع، [قال جميل] «١»: بثين الزمي (لا) إنّ (لا) إن لزمته ... على كثرة الواشين أيّ معون «٢» وروي: أبلغ النعمان عني مألكا ... إنّه قد طال حبسي وانتظاري «٣» فالأول جمع معونة، ومألكا جمع مألكة وهي: الرسالة، ومثل هذا الذي يقلّ قد لا يعتدّ به سيبويه، فربّما أطلق القول،

стр. 873

فقال: ليس في الكلام كذا، وإن كان قد جاء عليه حرف أو حرفان، كأنّه لا يعتدّ بالقليل، ولا يجعل له حكما. [البقرة: ٢٨١] واختلفوا «١» في قوله «٢»: وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ [البقرة/ ٢٨١] في فتح التاء «٣» من ترجعون وضمها. فقرأ أبو عمرو وحده تُرْجَعُونَ بفتح التاء وكسر الجيم. واختلف عنه في آخر سورة النور، فروى علي بن نصر، وهارون الأعور وعبيد بن عقيل، وعباس بن الفضل، وخارجة بن مصعب وَيَوْمَ يُرْجَعُونَ إِلَيْهِ [النور/ ٦٤] بضم الياء. وقرأ الباقون: يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ ويَوْمَ يُرْجَعُونَ بضم التاء والياء فيهما، وكذلك في النّور «٤». قال أبو علي: حجة من قرأ: يرجعون: ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ [الأنعام/ ٦٢] وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلى رَبِّي [الكهف/ ٣٦].

стр. 874

وحجة أبي عمرو: إِنَّ إِلَيْنا إِيابَهُمْ [الغاشية/ ٢٥] فأضيف المصدر إلى الفاعل فهذا بمنزلة: (يرجعون) وآبوا: مثل رجعوا. ومن حجته: وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ [البقرة/ ١٥٦] وقال: فَإِلَيْنا مَرْجِعُهُمْ [يونس/ ٤٦] فأضاف المصدر إلى الفاعل، كما أضيف في الآية الأخرى. وقال تعالى: كَما بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ [الأعراف/ ٢٩]. فأمّا انتصاب (يوم) من قوله: وَاتَّقُوا يَوْماً [البقرة/ ٤٨] فانتصاب المفعول به لا انتصاب الظرف، وليس المعنى: اتّقوا في هذا اليوم، ولكن «١» تأهبوا للّقاء به، بما تقدمون من العمل الصالح. ومثل ذلك: فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِنْ كَفَرْتُمْ يَوْماً [المزمل/ ١٧]؟ أي: كيف تتّقون هذا اليوم الذي هذا وصفه مع الكفر بالله، أي: لا يكون الكافر مستعدّا للّقاء به لكفره، ومثل ذلك قوله: وَارْجُوا الْيَوْمَ الْآخِرَ [العنكبوت/ ٣٦] أي: خافوه. [البقرة: ٢٨٢] واختلفوا في كسر الألف وفتحها من قوله تعالى: أَنْ تَضِلَّ إِحْداهُما [البقرة/ ٢٨٢] ورفع الراء ونصبها من فَتُذَكِّرَ إِحْداهُمَا الْأُخْرى [البقرة/ ٢٨٢]. فقرأ حمزة وحده: أَنْ تَضِلَّ بكسر الألف فَتُذَكِّرَ بالتشديد والرفع وكسر إن.

стр. 875

وقرأها الباقون: أَنْ تَضِلَّ إِحْداهُما فَتُذَكِّرَ نصبا، غير أنّ ابن كثير وأبا عمرو خفّفا الكاف وشدّدها الباقون «١». قال أبو علي: قوله تعالى «٢»: أَنْ تَضِلَّ إِحْداهُما فَتُذَكِّرَ إِحْداهُمَا الْأُخْرى لا يكون متعلقا بقوله: وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجالِكُمْ [البقرة/ ٢٨٢] ألا ترى أنّك لو قلت: استشهدوا شهيدين من رجالكم أن تضلّ إحداهما؛ لم يسغ، ولكن تتعلق أن بفعل مضمر دلّ عليه هذا الكلام، وذلك أنّ قوله: فإن لم يكونا رجلين، فرجل وامرأتان يدلّ على قولك: فاستشهدوا رجلا وامرأتين؛ فتعلّق أَنْ إنّما هو بهذا الفعل المدلول عليه من حيث ذكرنا. وقال أبو الحسن في قوله تعالى «٢»: فَرَجُلٌ وَامْرَأَتانِ [البقرة/ ٢٨٢] التقدير: فليكن رجل وامرأتان، وهذا قول حسن، وذاك أنّه لما كان قوله: أَنْ تَضِلَّ إِحْداهُما لا بدّ من أن يتعلق بفعل، وليس في قوله: فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهداء، شيء يتعلق به أن جعل المضمر فعلا ترتفع النكرة به، ويتعلق به المصدر، وكان هذا أولى من تقدير إضمار المبتدأ الذي هو: ممن «٤» يشهد رجل وامرأتان. لأنّ المصدر الذي هو أَنْ تَضِلَّ إِحْداهُما لا يجوز أن يتعلق به لفصل الخبر بين الفعل والمصدر. فإن قلت: من أيّ الضربين تكون كان المضمرة في قوله، هل تحتمل أن تكون الناصبة للخبر أو تكون التامّة؟. فالقول في ذلك: أن كلّ واحد منهما يجوز أن يقدّر

стр. 876

إضماره. فإذا أضمرت التي تقتضي الخبر، كان تقدير إضمار الخبر: فليكن ممّن تشهدون رجل وامرأتان، وإنّما جاز إضمار هذه، وإن كان قد قال: لا يجوز: عبد الله المقتول، وأنت تريد: «كن عبد الله المقتول» «١»، لأنّ ذكرها قد تقدّم، فتكون هذه إذا أضمرتها لتقدّم الذكر بمنزلة المظهرة، ألا ترى أنّه لا يجوز العطف على عاملين، ولمّا تقدّم ذكر كلّ في قوله «٢»: أكلّ امرئ تحسبين امرأ كان كلّ بمنزلة ما قد ذكر في قوله: ونار توقّد بالليل نارا «٣» وكذلك جاز «٤» إضمار «كان» المقتضية للخبر بعد إن في

стр. 877

قوله: إن خنجرا فخنجر «١»، لما كان الحرف يقتضيها، ويجوز أن تضمر التامة التي بمعنى الحدوث والوقوع، لأنّك إذا أضمرتها أضمرت شيئا واحدا، وإذا أضمرت الأخرى احتجت أن تضمر شيئين، وكلّما قلّ الإضمار كان أسهل. وأيّهما أضمرت فلا بدّ من تقدير حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه. المعنى: فلتحدث شهادة رجل وامرأتين، أو تقع، أو نحو ذلك، ألا ترى أنّه ليس المعنى: فليحدث رجل وامرأتان، ولكن لتحدث شهادتهما، أو تقع، أو تكن «٢» شهادة رجل وامرأتين مما «٣» تشهدون، ويجوز أن تتعلق «أن» في قوله تعالى: أَنْ تَضِلَّ إِحْداهُما [البقرة/ ٢٨٢] بشيء ثالث؛ وهو أن تضمر خبر المبتدأ الذي هو: فرجل وامرأتان يشهدون، فيكون «٤» يشهدون خبر المبتدأ. ويكون العامل في أَنْ وموضع إضماره فيمن فتح الهمزة من أَنْ تَضِلَّ: ما «٥» قبل أَنْ. وفيمن كسر إن بعد انقضاء الشرط بجزائه «٦». فقد جاز في: أَنْ تَضِلَّ أن يتعلق بأحد ثلاثة أشياء:

стр. 878

أحدها: المضمر الذي يدلّ عليه قوله: وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ. والثاني: الفعل الذي هو: (فليشهد رجل وامرأتان). والثالث: الفعل الذي هو خبر المبتدأ. وأمّا إحدى: فمؤنث الواحد، والواحد الذي مؤنّثه إحدى، إنّما هو اسم وليس بوصف؛ ولذلك جاء إحدى على بناء لا يكون للصّفات أبدا، كما كان الذي هو مذكّرة كذلك. وقال أحمد بن يحيى: قالوا: هو إحدى الإِحَد، وأحد «١» الأحدين، وواحد الآحاد، وأنشد «٢»: عدّوني الثّعلب فيما عدّدوا ... حتى استثاروا بي إحدى الإِحَد ليثا هزبرا ذا سلاح معتدي قال أحمد «٣»: إحدى الإِحَد: كما تقول: واحد لا مثل له، وقالوا: الإِحَد، كما تقول «٤»: الكسر، جعلوا الألف بمنزلة التاء، كما جعلوها مثلها، في الكبرى، والكبر، والعليا، والعلى، فكما جعلوا هذه: كظلمة وظلم، جعلوا الأول بمنزلة كسر وسدر، وكما جعلوا المقصورة بمنزلة التاء، كذلك جعلوا

стр. 879

الممدودة بمنزلتها في قولهم: قاصعاء وقواصع، ودامّاء ودوامّ. وحكى أحمد بن يحيى: أن الواحد والوحد والأحد، بمعنى وقد شرحنا ذلك في المسائل. فأمّا بدل الهمزة من الواو إذا كانت مكسورة، فإنّ أبا عمر «١» يزعم أنّ ذلك لا يجاوز به المسموع، وغيره يذهب إلى أن بدل الهمزة منها، مطرد كاطراد البدل من المضمومة. والقول في أنّه ينبغي أن يكون مطّردا أنّ الكسرة بمنزلة الياء، ولا تخلو الحركة في الحرف المتحرك من أن تكون مقدرة قبله أو بعده، فإن كانت قبله، فالواو إذا وقعت قبلها الياء أعلّت، وكذلك إذا وقعت بعدها، فإذا كان كذلك اعتلّت الواو مع الكسرة كما اعتلت مع الياء، ألا ترى أنّها إذا تحركت بالفتح لم تعتل، كما لا تعتلّ الواو إذا كانت قبلها ألف نحو: عوان وطوال؟. فإن قلت: [فإذا وجب القلب من حيث ذكرت] «٢» فهلّا «٣» أبدلت غير أوّل مكسورة كما اعتلت الواو بالياء إذا كانت قبلها أو بعدها!. قيل: هذا لا يلزم وذلك «٤» أن القلب في المكسورة كالقلب في المضمومة، ألا ترى أنّ الضمّة مع الواو كالواوين. كما أنّ الكسرة مع الواو كالياء والواو؟ فكما تعلّ الواو مع الياء،

стр. 880

كذلك أعلّت مع الكسرة، كما أنّ الواو لمّا اعتلّت «١» مع الواو كذلك أعلّت مع الضمة، ولم يجب من هذا أن تعلّ الواوان «٢» غير أول في نحو: أحوويّ، ولوويّ، فكذلك لم يلزم أن تعلّ الواو مع الكسرة غير أوّل، ألا ترى أنّ مواقع الإبدال ينبغي أن تعتبر كما أن مواقع الزيادة ينبغي أن تعتبر؟ فكما أن الحرف إذا كثرت زيادته في موضع، واستمر، لم يلزم أن تجعل في غير ذلك الموضع، كذلك لا يلزم إذا استمرّ إبداله «٣» في موضع أن يبدل في غير ذلك الموضع. ومن ثمّ جعل أبو عثمان «٤» دلامصا من غير دليص «٥»، لأن الميم لم تزد هنا، وإن كانت زيادتها قد استمرت أولا. وأمّا قوله تعالى: أَنْ تَضِلَّ إِحْداهُما [البقرة/ ٢٨٢] فقال أبو عبيدة: أَنْ تَضِلَّ إِحْداهُما أي «٦» تنسى «٧»، قال تعالى: قالَ فَعَلْتُها إِذاً وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ [الشعراء/ ٢٠] أي نسيت، أي: ضللت وجه الأمر. وقال أبو زيد: ضللت الطريق والدار أضلّه ضلالا، وأضللت الفرس والناقة والشيء إضلالا، وكلّ ما ضلّ عنك فذهب.
следующие страницы →