← Таджвид и кираат

Таджвид и кираат · id 35101

الحجة للقراء السبعة

أبو علي الفارسي

Полный текст (2 942 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.

стр. 806

[قال أبو عليّ] «١»: (عسيت): الأكثر فيه فتح السين وهي المشهورة. ووجه قول نافع: أنهم قد قالوا: هو عس بذاك، وما أعساه، وأعس به، حكاه ابن الأعرابي، فقولهم: عس. يقوي قراءته: هَلْ عَسَيْتُمْ، ألا ترى أن عس مثل حر وشج؟ وحر وحريّ «٢» مثل: مذل ومذيل «٣»، وطبّ وطبيب. وقد جاء فعل وفعل في نحو: نقمت ونقمت، وقالوا: وري الزّند، وقالوا: وريت بك زنادي؛ فاستعملوا فعل في هذا الحرف، فيما قاله أبو عثمان، فكذلك عسيت وعسيت. فإن أسند الفعل إلى ظاهر، فقياس عسيتم أن تقول: عسي زيد، مثل رضي، فإن قاله فهو قياس قوله، وإن لم يقله فسائغ له أن يأخذ باللغتين فيستعمل إحداهما في موضع، والأخرى في موضع آخر، كما فعل ذلك غيره. [البقرة: ٢٤٩] واختلفوا «٤» في ضمّ الغين وفتحها من قوله تعالى «٥»: غُرْفَةً [البقرة/ ٢٤٩]. فقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو: غُرْفَةً بفتح الغين.

стр. 807

وقرأ عاصم وابن عامر وحمزة والكسائيّ: غُرْفَةً بضم الغين «١». قال أبو علي: من فتح الفاء التي هي غين من غُرْفَةً عدّى الفعل إلى المصدر، والمفعول في قوله محذوف، إلّا من اغترف ماء غرفة «٢». ومن قال: غُرْفَةً عدّى الفعل إلى المفعول به، ولم يعدّه إلى المصدر كما عدّاه الآخرون إليه، ولم يعدّوه إلى المفعول به، وإنّما جعلت هذا مفعولًا به، لأن الغرفة العين المغترفة، فهو بمنزلة: إلّا من اغترف ماء. والبغداديون يجعلون هذه الأسماء المشتقة من المصادر بمنزلة المصادر، ويعملونها كما يعملون المصادر؛ فيقولون: عجبت من دهنك لحيتك، وقد جاء عن العرب ما يدل على صحة ما ذهبوا إليه قال: وبعد عطائك المائة الرّتاعا «٣» وأشياء غير هذا، فعلى هذا يجوز أن تنصب الغرفة نصب الغرفة. وقد قال سيبويه في نحو: الجلسة، والرّكبة: إنه قد يستغنى بها عن المصادر، أو قال: تقع مواقعها؛ فهذا كالمقارب لقولهم، ولو قيل: إن الضمّ هنا أوجه لقوله: فَشَرِبُوا مِنْهُ [البقرة/ ٢٤٩]

стр. 808

والمشروب: الغرفة، لكان قولًا. فأما الباء في قوله: بِيَدِهِ فمن فتح فاء غرفة: جاز أن يتعلق بالمصدر عنده، وجاز أن يعلقه بالفعل، ومن أعمل الغرفة إعمال المصدر؛ جاز أن يعلّق الباء بها في قوله، وكلا الأمرين مذهب. [البقرة: ٢٥١] واختلفوا «١» في كسر الدال وفتحها، وإدخال الألف وإسقاطها من قوله : وَلَوْلا دَفْعُ «٢» اللَّهِ النَّاسَ [البقرة/ ٢٥١]. فقرأ ابن كثير وأبو عمرو: وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بغير ألف هاهنا، وفي الحج: إن الله يدفع [الآية/ ٣٨]. «٣» وقرأ نافع: ولولا دفاع الله إِنَّ اللَّهَ يُدافِعُ بألف فيهما جميعاً. وقرأ عاصم وابن عامر وحمزة والكسائيّ: وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ بغير ألف، وإِنَّ اللَّهَ يُدافِعُ بألف. وروى عبد الوهاب عن أبان عن عاصم: ولولا دفاع الله بألف «٤». قال أبو علي (دفاع) يحتمل أمرين: يجوز أن يكون مصدراً لفعل، كالكتاب واللّقاء، ونحو «٥» ذلك من المصادر

стр. 809

التي تجيء على فعال. كما يجيء على فعال نحو: الجمال والذّهاب. ويجوز أن يكون مصدراً لفاعل، يدلّ على ذلك قراءة من قرأ: إِنَّ اللَّهَ يُدافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا، فالدفاع يجوز أن يكون مصدراً لهذا، كالقتال، ونظيره الكتاب في أنه جاء مصدراً لفاعل وفعل، فقوله تعالى «١»: وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ فَكاتِبُوهُمْ [النور/ ٣٣] الكتاب فيه مصدر كاتب، كما أن المكاتبة كذلك، وقال تعالى: كِتابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ [النساء/ ٢٤] فالكتاب مصدر لكتب الذي دلّ عليه قوله تعالى «٢»: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهاتُكُمْ [النساء/ ٢٣] لأن المعنى: كتب هذا التحريم عليكم كتاباً، وكذلك قوله: كِتاباً مُؤَجَّلًا [آل عمران/ ١٤٥] كأنّ معنى دفع ودافع سواء، ألا ترى أن قوله «٣»: ولقد حرصت بأن أدافع عنهم ... فإذا المنيّة أقبلت لا تدفع فوضع أدافع موضع أدفع «٤»، كأنّ المعنى: حرصت بأن أدفع عنهم المنيّة، فإذا المنيّة لا تدفع. وقال أمية «٥»:

стр. 810

لولا دفاع الله ضلّ ضلالنا ... ولسرّنا أنّا نتلّ ونوأد وإذا كان كذا فقوله: إن الله يدفع، ويدافع يتقاربان، وليس يدافع كيضارب. ومما يقوي ذلك قوله: قاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ [التوبة/ ٣٠]. وليس للمفاعلة التي تكون من اثنين هنا وجه. [البقرة: ٢٥٤] واختلفوا «١» في الرّفع والنصب من قوله تعالى: لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خُلَّةٌ وَلا شَفاعَةٌ [البقرة/ ٢٥٤]. فقرأ ابن كثير وأبو عمرو: لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خُلَّةٌ وَلا شَفاعَةٌ بالنصب في كل ذلك بلا تنوين، وفي سورة إبراهيم: لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خِلالٌ [الآية/ ٣١] مثله أيضاً، وفي الطور: لا لَغْوٌ فِيها وَلا تَأْثِيمٌ [الآية/ ٢٣] مثله. وقرأ نافع وعاصم وابن عامر وحمزة والكسائيّ: كلّ ذلك بالرّفع والتنوين «٢». قال أبو علي: خصّ البيع في قوله: لا بَيْعٌ فِيهِ لما في المبايعة من المعاوضة، فيظنّ أن ذلك كالفداء في النجاة ممّا أوعدوا به، فصار ذلك في المعنى كقوله تعالى «٣»: وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لا يُؤْخَذْ مِنْها [الأنعام/ ٧٠]، وكقوله: فَالْيَوْمَ لا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ [الحديد/ ١٥]، وقوله إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذابِ يَوْمِ الْقِيامَةِ ما تُقُبِّلَ مِنْهُمْ [المائدة/ ٣٦]، ونحو ذلك من الآي التي تعلم أنّه لا فداء لعذاب ذلك اليوم، ولا مانع منه، وكذلك قوله: لا خُلَّةٌ

стр. 811

لأن الخليل قد ينتفع بخلّة خليله، كما أنّ المشفوع له قد ينتفع عند شفاعة الشافع له، فأعلم سبحانه أن ذلك كلّه لا ينفع في ذلك اليوم، قال تعالى: ما لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلا شَفِيعٍ يُطاعُ [غافر/ ١٨]. فأما قوله: لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خِلالٌ [إبراهيم/ ٣١] فإنّ قوله: خِلالٌ يحتمل أمرين: يجوز أن يكون جعل الخلّة كالأسماء، كما جعل غيرها من المصادر كذلك، فكسّر تكسيرها، وجعل كقولهم: برمة وبرام، وجفرة وجفار، وعلبة وعلاب «١»، ويجوز أن يكون مصدر: خاللته مخالّة وخلالًا. أنشد أبو عبيدة «٢»: ويخبرهم مكان النّون منّي ... وما أعطيته عرق الخلال وأما قوله تعالى: لا لَغْوٌ فِيها وَلا تَأْثِيمٌ [الطور/ ٢٣] فإن

стр. 812

أبا عبيدة قال: اللّغا: التكلّم بما لا ينبغي، وأنشد للعجّاج «١»: عن اللّغا ورفث التكلّم قال: وتقول: لغيت تلغى، مثل: لقيت تلقى، قال: ولغا الطّير: أصواتها. وأنشد غيره «٢»: باكرته قبل أن تلغى عصافره ... مستخفياً صاحبي وغيره الخافي قال أبو علي: فكأنّ اللّغو واللّغا مثل الدّلو والدلا، والعيب والعاب، ونحو ذلك مما يجيء على فعل وفعل، واللغو: التكلم بما لا ينبغي، والخوض فيما نهي عنه. قال تعالى «٣»: وَإِذا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ، وَقالُوا لَنا أَعْمالُنا وَلَكُمْ أَعْمالُكُمْ. سَلامٌ عَلَيْكُمْ لا نَبْتَغِي الْجاهِلِينَ [القصص/ ٥٥]، أي «٤»: لا نبتغي مجاراتهم «٥» ولا الخوض معهم فيما يخوضون فيه، فالمضاف محذوف، وقال تعالى «٦»: وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ [المؤمنون/ ٣]، فأما قوله سبحانه «٧»: وَإِذا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِراماً [الفرقان/ ٧٢] فيجوز أن يكون المعنى: إذا مرّوا بأهل اللغو، أو: ذوي اللغو، مرّوا

стр. 813

كراماً، فلم يجاورهم فيه، واجتنبوهم، فلم يخوضوا معهم. ويجوز أن يكون مثل قولك: مرّت بي آية كذا، ومررت بسورة كذا، أي: تلوتها وقرأتها. أي: إذا أتوا على ذكر ما يستفحش ذكره كنّوا عنه ولم يصرّحوا. وأحسب بعض المفسّرين إلى هذا التأويل ذهب فيه. وليس هذا في كلّ حال، ولكن في بعض دون بعض، فإذا كان الحال حالًا يقتضي التبيين، فالتصريح أولى، كما روي من التصريح في قصة ماعز «١»، وكما روي: «من تعزّى بعزاء الجاهلية، فأعضّوه بهن أبيه ولا تكنوا» «٢» وكما روي عن أبي بكر ﵁، أو غيره من الصحابة، أنه قال لبعض المشركين: اعضض ببظر اللات «٣». وقد يستعمل اللغو في موضع آخر، وهو أن لا يعتدّ بالشيء، فمما يكون على هذا قوله تعالى: لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ [المائدة/ ٨٩] فهذا يحمل على ما وضعت فيه الكفّارة، نحو: لا والله، وبلى والله. ومن ذلك قول الشاعر «٤»:

стр. 814

ويلغى دونها المرئيّ لغوا ... كما ألغيت في الدّية الحوارا ألا ترى أن الدّية لا يؤخذ فيها الحوار، فصار لا اعتداد به فيها؛ فأما التأثيم فقالوا: أثم يأثم. إذا ركب مأثما «١»، فإذا حملته على ذلك قلت: أثّمته تأثيما، وفي التنزيل: إِنَّا إِذاً لَمِنَ الْآثِمِينَ [المائدة/ ١٠٦] وفيه: وَيْلٌ لِكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ [الجاثية/ ٧] وقال تعالى «٢»: مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ [القلم/ ١٢]؛ فيجوز أن يكون: آثم وأثيم، مثل: عالم وعليم وشاهد وشهيد، ويجوز أن يكون: أثيم من آثم، مثل: قريح وطبيب، ومذيل وسميح، فمعنى لا تأثيم: ليس فيها ما يحمل على الإثم؛ فأما من فتح بلا تنوين، فإنه جعله جواب هل فيها من لغو أو تأثيم؟ [ومن رفع جعله جواب: أفيها لغو أو تأثيم؟] «٣». وقد ذكرنا صدراً من القول على النفي فيما تقدم. والمعنيان يتقاربان في أن النفي يراد به العموم والكثرة في القراءتين يدلّ على ذلك قول أمية «٤»: فلا لغو ولا تأثيم فيها ... وما فاهوا به لهم مقيم

стр. 815

ألا ترى أنه يريد من نفي اللغو- وإن كان قد رفعه- ما يريد بنفي التأثيم الذي فتحه ولم ينوّنه. فإن جعلت قوله: (فيها) خبراً أضمرت للأول خبراً وإن جعلته صفة. أضمرت لكلّ واحد من الاسمين خبراً. قال أحمد بن موسى: كلّهم قرأ: أَنَا أُحْيِي [البقرة/ ٢٥٨] يطرحون الألف التي بعد النون، من أَنَا إذا وصلوا في كل القرآن، غير نافع، فإنّ ورشا وأبا بكر بن أبي أويس وقالون رووا: إثباتها في الوصل إذا لقيتها همزة في كل القرآن مثل: أَنَا أُحْيِي وأَنَا أَخُوكَ، [يوسف/ ٦٩] إلّا في قوله: إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ [الشعراء/ ١٥] فإنه يطرحها في هذا الموضع مثل سائر القرّاء، وتابع أصحابه في حذفها عند غير همزة، ولم يختلفوا في حذفها، إذا لم تلقها «١» همزة إلا في قوله: لكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي [الكهف/ ٣٨] ويأتي في موضعه إن شاء الله «٢». [قال أبو علي] «٣»: القول في أَنَا أنّه ضمير المتكلم، والاسم: الهمزة والنون، فأما الألف فإنّما تلحقها في الوقف،

стр. 816

كما تلحق الهاء له في نحو: مسلمونه، فكما أنّ الهاء التي «١» تلحق للوقف، إذا اتصلت الكلمة التي هي فيها بشيء؛ سقطت، كذلك هذه الألف تسقط في الوصل، والألف في قولهم: أنا، مثل التي في: حيّهلا، في أنها للوقف «٢». فإذا اتصلت الكلمة التي هي فيها بشيء، سقطت، لأن ما يتصل به يقوم مقامه. مثل همزة الوصل في الابتداء، في نحو «٣»: ابن واسم وانطلاق، واستخراج. فكما أنّ هذه الهمزة إذا اتّصلت الكلمة التي هي فيها بشيء سقطت، ولم تثبت، لأن ما يتّصل به يتوصّل به إلى النطق بما بعد الهمزة، فلا تثبت الهمزة لذلك؛ كذلك الألف في أَنَا والهاء إذا اتصلت الكلم «٤» التي هما فيها بشيء، سقطتا ولم يجز إثباتهما، كما لم تثبت به «٥» همزة الوصل، لأن الهمزة في هذا الطّرف، مثل الألف والهاء في هذا الطرف. وقد يجرون الوقف مجرى الوصل في ضرورة الشعر، فيثبتون فيه «٦» ما حكمه أن يثبت في الوقف. وليس ذلك مما ينبغي أن يؤخذ به في التنزيل، لأنهم إنما يفعلون ذلك

стр. 817

لتصحيح وزن، أو إقامة قافية، وذانك لا يكونان في التنزيل، فمن ذلك قوله: ضخم يحبّ الخلق الأضخمّا «١» لما كان يقف على الأضخمّ بالتشديد، ليعلم أن الحرف في الوصل يتحرك «٢»، أطلق الحرف، وأثبت التشديد الذي كان حكمه أن يحذف. ولهذا وجه في القياس وهو: أن الحرف الذي للإطلاق لمّا لم يلزم، لأنّ في الناس من يجري القوافي في الإنشاد مجرى الكلام «٣»، فيقول: أقلّي اللّوم عاذل والعتاب «٤»

стр. 818

واسأل بمصقلة البكري ما فعل «١» فكذلك يلزم أن يقول: الأضخمّ على هذا فلا يطلق فإذا كان ذلك وجهاً في الإنشاد؛ علمت أن الحرف الذي للإطلاق غير لازم، فإذا لم يلزم لم يعتدّ به، وإذا لم يعتدّ به، كان الحرف «٢» المشدّد كأنّه موقوف عليه في الحكم، ومثل ذلك: لقد خشيت أن أرى جدبّا «٣» ومثله «٤»: ببازل وجناء أو عيهلّ ومثله «٥»: تعرّض المهرة في الطّولّ

стр. 819

ومثله «١»: مثل الحريق وافق القصبّا «٢» فهذا النحو قد يجيء في الشعر على هذا. وليس هذا كوقف حمزة في مَرْضاتِ من مَرْضاتِ اللَّهِ [البقرة/ ٢٠٧] لأنّ الوقف على التاء لغة حكاها عن أبي الخطّاب «٣»، فقد «٤» استعمل في الكلام والشعر، وهذا الذي أثبت حرف الإطلاق مع التشديد إنما هو في الشعر دون الكلام، فليس قول القائل: بل جوز تيهاء كظهر الجحفت «٥» مثل: عيهلّ، والقصبّا، ويمكن أن يكون قوله: هم القائلون الخير والآمرونه «٦» وقوله: ولم يرتفق والناس محتضرونه «٧»

стр. 820

الهاء فيه هاء الوقف التي تلحق في «مسلمونه» و «صالحونه» فألحق الهاء حرف اللين، كما ألحقوا الحرف المشدّد حرف الإطلاق، وأجروا غير القافية مجرى القافية، كما أجروا قوله: لمّا رأت ماء السّلا مشروبا «١» وإن لم يكن مصرّعاً مجرى المصرّع. ولا يجوز شيء من ذلك في غير الشعر. وأمّا ما روي عن نافع من إثباته الألف في أَنَا إذا كانت بعد الألف همزة، فإنّي لا أعلم «٢» بين الهمزة وغيرها من الحروف فصلًا، ولا شيئاً يجب من أجله إثبات الألف التي حكمها أن تثبت في الوقف، بل لا ينبغي أن تثبت الألف التي حكمها أن

стр. 821

تلحق في الوقف، وتسقط في الوصل قبل الهمزة، كما لا تثبت قبل غيرها من الحروف في شيء من المواضع. وقد جاءت ألف «١» إِنَّا مثبتة في الوصل في الشعر من ذلك: قول الأعشى «٢»: فكيف أنا وانتحالي القواف ... ي بعد المشيب كفى ذاك عارا وقول الآخر «٣»: أنا شيخ العشيرة فاعرفوني ... حميد قد تذرّيت السّناما ومن زعم أن الهمزة في إِنَّا أصلها ألف ساكنة، ألحقت أولًا، فلما ابتدئ بها قلبت همزة، فالهمزة على هذا مبدلة من

стр. 822

ألف؛ فإنّ قائل هذا القول جاهل بمقاييس النحويين، وبمذاهب العرب في نحوه. أما جهله بمقاييس النحويين فإنهم لا يجيزون الابتداء بالساكن، فلذلك قال الخليل: لو لفظت بدال «قد» لجلبت همزة الوصل فقلت: إد، وقال أبو عثمان: لو لم تحذف الواو من عدة ونحوها، للزمك أن تجتلب الهمزة للوصل، فقلت: إيعدة. وأما موضع الجهل بمذاهب العرب التي عليها قاس النحويون: فهو أنهم لم يبتدءوا بساكن في شيء من كلامهم، فإذا أدى إلى ذلك قياس اجتلبوا همزة الوصل. ويبيّن ذلك أنهم لم يخففوا الهمزة مبتدأة، لأن في تخفيفها تقريباً من الساكن، فكما لم يبتدءوا بالساكن، كذلك لم يبتدءوا بما كان مقرّباً منه. ومما يبيّن ذلك أنّهم إذا توالى حرفان متحرّكان [في أول بيت] «١»، حذفوا للجزم المتحرك الأول حتى يصير فعولن: عولن، وقد توالى في «متفا» من «متفاعلن» ثلاث متحركات فلم يخرموه، لما كان الثاني من «متفا» قد يسكن للزّحاف، فإذا سكن للزحاف لزمه أن يبتدئ بساكن، فإذا «٢» كانوا قد رفضوا ما يؤدي إلى الابتداء بالساكن، فأن يرفضوا الابتداء بالساكن نفسه أولى، وإذا «٣» كان الأمر على ما وصفنا، تبيّنت أنّ الذي قال ذلك جهل ما ذكرنا من مقاييس النحويين، ومذاهب العرب فيها أو تجاهل، وتبينت أيضاً أنه ليس في الحروف التي يبتدأ بها

стр. 823

حرف مبدل للابتداء به، وأن الحروف التي يبتدأ بها على ضربين: متحرك وساكن، فإن كان متحركاً ابتدئ به ولم يغيّر من أجل الابتداء به، وإن كان ساكناً، اجتلبت «١» له همزة الوصل في اسم كان، أو فعل، أو حرف، وقد كان من حكم مثل هذا الرأي أن لا يتشاغل به لسقوطه وخروجه من قول الناس. [البقرة: ٢٥٩] اختلفوا في إدغام الثّاء في التاء من «٢» قوله تعالى: كَمْ لَبِثْتَ [البقرة/ ٢٥٩] ولَبِثْتُمْ «٣». فقرأ ابن كثير ونافع وعاصم في كلّ القرآن ذلك بإظهار الثاء. وقرأ أبو عمرو وابن عامر وحمزة والكسائيّ بالإدغام. قال أبو علي: من بيّن لبثت ولم يدغم، فلتباين المخرجين، وذلك «٤» أنّ الظاء والذال والثاء من حيّز، والطاء والتاء والدال من حيّز، فلمّا تباين المخرجان، واختلف الحيّزان لم يدغم. ومن أدغم أجراهما مجرى المثلين، من حيث اتفق الحرفان في أنّهما من طرف اللسان وأصول الثنايا، واتّفقا في الهمس، ورأى الذي بينهما من الاختلاف في المخرج خلافاً يسيراً فأدغم، وأجراهما مجرى المثلين. ويقوّي ذلك وقوع نحو هذا حرفي رويّ في قصيدة واحدة، فجرى عندهم في ذلك

стр. 824

مجرى المثلين. ويقوّي ذلك اتفاقهم في ستّ في الإدغام. ألا ترى أن الدّال ألزمت الإدغام في مقاربها «١»، وإن اختلفا في الجهر والهمس، ولما ألزمت الدال الإدغام في مقاربها «١»، فصارت الكلمة بذلك على صورة لا يكون في كلامهم مثلها، إلّا أن يكون صوتا، أبدلت من السين التاء، وأدغمت الدال في التاء فصار ستّا «٣»، فبحسب إلزامهم الإدغام في هذه الكلمة مع اختلاف الحرفين في الجهر والهمس يحسن الإدغام في: لَبِثْتَ ولَبِثْتُمْ. ويقوّي الإدغام فيه أيضاً أنّ التاء ضمير فاعل، وضمير الفاعل يجري مجرى الحرف من الكلمة، يدلّ «٤» على ذلك وقوع الإعراب بعد ضمير الفاعل في: يقومان، ونحوها، وسكون اللّام في نحو: فعلت، فضارع بذلك الحرفين المتصلين، وإذا «٥» صار بمنزلة المتصلين من حيث ذكرنا، لزم الإدغام كما لزم في ستّ، وكما أدغم من أسكن العين في وتد فقال: ودّ. [البقرة: ٢٥٩] اختلفوا في إثبات الهاء في الوصل من قوله «٦»: لَمْ يَتَسَنَّهْ [البقرة/ ٢٥٩] واقْتَدِهْ [الأنعام/ ٩٠] وما أَغْنى عَنِّي مالِيَهْ [الحاقة/ ٢٨]

стр. 825

وسُلْطانِيَهْ [الحاقة/ ٢٩] وما أَدْراكَ ما هِيَهْ [القارعة/ ١٠]، وإسقاطها في الوصل ولم يختلفوا في إثباتها في الوقف. فقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وعاصم وابن عامر هذه الحروف كلّها بإثبات الهاء في الوصل. وكان حمزة يحذفهنّ في الوصل. وكان الكسائيّ يحذف الهاء في الوصل من قوله: يَتَسَنَّهْ واقْتَدِهْ ويثبتها في الوصل في الباقي. وكلّهم يقف على الهاء، ولم يختلفوا في كِتابِيَهْ [الحاقة/ ١٩ - ٢٥] وحِسابِيَهْ [الحاقة/ ٢٠ - ٢٦] أنّها بالهاء في الوقف «١». قال أبو عليّ: السنة تستعمل على ضربين: أحدهما: يراد به الحول والعام «٢» والآخر: يراد به الجدب، خلاف «٣» الخصب. فمما أريد به الجدب قوله تعالى «٤»: وَلَقَدْ أَخَذْنا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَراتِ [الأعراف/ ١٣٠] ومنه ما يروى من قوله: «اللهمّ سنين كسنيّ يوسف» «٥» وقول عمر: إنّا

стр. 826

لا نقطع في عرق «١» ولا في عام السّنة» فلا يخلو عام السنة من أن يريد «٢» به الحول أو الجدب، فلا يكون الأول لأنّه يلزم أن يكون التقدير: عام العام، ولا يكون عام العام، كما لا يكون حول الحول، فإذا لم يستقم هذا، ثبت الوجه الآخر. ومن ذلك قول أوس: على دبر الشّهر الحرام بأرضنا ... وما حولها جدب سنون تلمّع «٣» فقوله: تلمّع، معناه: لا خصب فيها ولا نبات، كقولهم: السنة الشهباء، كأنها وصفت بالشّهب الذي هو البياض، كما وصف خلافها لريّ النبات فيها بالسّواد، وعلى ذلك جاء في وصف الجنتين: مُدْهامَّتانِ [الرحمن/ ٦٤] وقال ذو الرّمة في وصف روضة «٤»:

стр. 827

حوّاء قرحاء أشراطيّة وكفت ... فيها الذّهاب وحفّتها البراعيم «١» فأمّا قوله تعالى «٢»: وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعى فَجَعَلَهُ غُثاءً أَحْوى [الأعلى/ ٤ - ٥] فإنّ قوله: أَحْوى يحتمل ضربين: يجوز أن يكون أحوى وصفاً للمرعى كأنّه: والذي أخرج المرعى أحوى، أي: كالأسود من الرّي لشدة الخضرة فجعله غثاء بعد. ويجوز أن يكون أحوى صفة للغثاء، وذلك أنّ الرّطب إذا جفّ ويبس اسودّ بعد، كما قال: إذا الصّبا أجلت يبيس الغرقد ... وطال حبس بالدّرين الأسود «٣» ومما يراد به الجدب قول حاتم: وإنّا نهين المال من غير ضنّة ... ولا يشتكينا في السنين ضريرها «٤» أي: لا يشتكينا الفقير في المحل، لأنّا نسعفه ونكفيه. وإذا «٥» ثبت أنّ السنة والسنين الجدوب فيجوز أن يكون

стр. 828

لَمْ يَتَسَنَّهْ: لم تذهب طراءته، فيكون قد غيّره الجدب، فشعّثه وأذهب غضارته. ولمّا كانت السنة يعنى بها الجدب، اشتقوا منها كما يشتقّ من الجدب، فقيل: أسنتوا: إذا أصابتهم السّنة فأجدبوا قال الشاعر: بريحانة من بطن حلية نوّرت ... لها أرج ما حولها غير مسنت «١» وقد اشتق من السّنة للجدب من كلتا اللغتين اللتين فيها: فأسنتوا من الواو، وقوله: ليست بسنهاء «٢» من الهاء. فأمّا قوله: تأكل «٣» أزمان الهزال والسّني «٤»

стр. 829

فلا يصلح أن يقدر فيه أنّه ترخيم، لأنّ الترخيم إنّما يستقيم أن يجوز في غير النداء منه ما كان يجوز منه في النداء، فأمّا إذا لم يجز أن تكون الكلمة مرخمة في نفس النداء فأن لا يجوز ترخيمها في غير النداء أجدر. وإنما أراد بالسني: جمع فعلة على فعول، مثل: مأنة ومئون «١». وكسر الفاء كما كسر في عصيّ، وخفف للقافية كما خفّف الآخر: كنهور كان من اعقاب السّمي «٢» وإنّما السّميّ كعنوق، كما أنّ سماء كعناق. ويدلّ على صحة هذا قول أبي النجم: قامت تناجيني ابنة العجليّ ... في ساعة مكروهة النّجيّ يكفيك ما موّت في السّنيّ «٣» فالتخفيف والحذف الذي جاء في السنيّ للقافية، تمّم في بيت أبي النجم. والسنيّ في قول أبي النجم معناه: الجدب، كأنّه: ما موّت في الجدوب. وقالوا: سنون، وسنين، [وجاء سنين] «٤» كثيراً في الشعر.

стр. 830

وقد أنشدنا في كتابنا في «شرح الأبيات المشكلة الإعراب من الشعر» في «١» ذلك صدرا فمن ذلك: قول الشاعر: دعاني من نجد فإنّ سنينه ... لعبن بنا شيباً وشيّبننا مردا «٢» فأمّا قوله تعالى «٣»: لَمْ يَتَسَنَّهْ [البقرة/ ٢٥٩] فيحتمل ضربين: أحدهما: أن تكون الهاء لاماً فيمن قال: سنهاء، فأسكنت للجزم، والآخر: أن يكون من السنة فيمن قال: أسنتوا، وسنوات، أو يكون من المسنون الذي «٤» يراد به التّغيّر كأنّه كان لم يتسنّن، ثم قلب على حد القلب في لم يتظنّن. ويحكى أنّ أبا عمرو الشيباني إلى هذا كان يذهب في هذا الحرف. فالهاء «٥» في يَتَسَنَّهْ على هذين القولين تكون للوقف، فينبغي أن تلحق في الوقف، وتسقط في الدّرج. فأمّا قراءة ابن كثير ونافع وأبي عمرو وعاصم وابن عامر هذه الحروف كلّها بإثبات الهاء في الوصل فإنّ ذلك مستقيم

стр. 831

في قياس العربية في يَتَسَنَّهْ، وذلك أنّهم يجعلون اللام في السنة الهاء، فإذا وقفوا وقفوا على اللام، وإذا وصلوا كان بمنزلة: لم ينقه زيد، ولم يجبه عمرو «١». فأما قوله تعالى: اقْتَدِهْ [الأنعام/ ٩٠] فإنه أيضاً يستقيم، وذلك أنّه يجوز أن تكون الهاء كناية عن المصدر، ولا تكون التي تلحق للوقف. ولكن لما ذكر الفعل دلّ على مصدره، فأضمره كما أضمر «٢» في قوله: وَلا يَحْسَبَنَّ «٣» الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْراً لَهُمْ [آل عمران/ ١٨٠]. وقال الشاعر «٤»: فجال على وحشيّه وتخاله ... على ظهره سبّاً جديداً يمانيا وقال آخر «٥»: هذا سراقة للقرآن يدرسه ... والمرء عند الرّشى إن يلقها ذيب فالهاء في يدرسه للمصدر، ألا ترى أنّها لا تخلو من أن تكون للمصدر أو للمفعول به، فلا يجوز أن تكون للمفعول به «٦»، لأنّه قد تعدّى إليه الفعل باللّام، فلا يكون أن يتعدى إليه مرة ثانية، فإذا لم يجز ذلك علمت أنّه للمصدر، وكذلك قراءة من

стр. 832

قرأ: وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيها «١» [البقرة/ ١٤٨] إذا تعدى الفعل باللّام إلى المفعول. لم يتعدّ إليه مرة أخرى، فكذلك قوله: فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ [الأنعام/ ٩٠] يكون: اقتد الاقتداء، فيضمر لدلالة الفعل عليه. وأمّا إجماعهم في: ما أَغْنى عَنِّي مالِيَهْ [الحاقة/ ٢٨] وسُلْطانِيَهْ [الحاقة/ ٢٩] وَما أَدْراكَ ما هِيَهْ [القارعة/ ١٠] فالإسقاط للهاء في الدرج أوجه في قياس العربية. ووجه الإثبات أنّ ما كان من ذلك فاصلة أو مشبها للفاصلة في أنّه كلام تام يشبّه بالقافية، فيجعل في الوصل مثله في الوقف، كما يفعل ذلك في القافية، فيجعل في الوصل مثله في الوقف. وقول حمزة في ذلك أسدّ، وذلك أنه يحذف ذلك كلّه في الوصل، وحجته: أن من الناس من يجري القوافي في الإنشاد مجرى الكلام فيقول: واسأل بمصقلة البكريّ ما فعل «٢» و: أقلي اللوم عاذل والعتاب «٣» فإذا كانوا قد أجروا القوافي مجرى الكلام؛ فالكلام «٤» الذي ليس بموزون، أن لا يشبّه بالقوافي أولى.

стр. 833

والكسائي قد وافق حمزة في حذف الهاء من قوله: يَتَسَنَّهْ واقْتَدِهْ، وأثبت الهاء في الوصل في الباقي، وحجته في إثباته الهاء فيما أثبت مما حذف فيه حمزة الهاء، أنه أخذ بالأمرين، فشبّه البعض بالقوافي، فأثبت الهاء فيه في الوصل كما تثبت في القوافي، ولم يشبّه البعض، وكلا الأمرين سائغ. قال أحمد بن موسى: ولم يختلفوا في كِتابِيَهْ وحِسابِيَهْ أنّها بالهاء في الوصل، فاتفاقهم في هذا دلالة «١» على تشبيههم ذلك بالقوافي، وذلك أنه لا يخلو من أن يكون لهذا التشبيه، أو لأنّهم راعوا إثباتها في المصحف، فلا يجوز أن يكون لهذا الوجه، ألا ترى أنّ تاءات التأنيث أو عامّتها قد أثبتت في المصحف هاءات، لأنّ الكتابة على أنّ كلّ حرف منفصل من الآخر وموقوف عليه. فلو كان ذلك للخط، لوجب أن تجعل تاءات التأنيث في الدّرج هاءات لكتابتهم إياها هاءات، ولوجب في نحو قوله: إِخْواناً عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ [الحجر/ ٤٧] أن يكون في الدرج بالألف، لأنّ الكتابة بالألف، فإذا لم يجز هذا، علمت أنّ الكتابة ليست معتبرة في الوقف «٢» على هذه «٣» الهاءات. وإذا لم تكن معتبرة، علمت أنّه للتشبيه بالقوافي. ولإثبات هذه الهاءات في الوصل وجيه «٤» في القياس، وذلك أنّ سيبويه حكى في العدد أنّهم يقولون: ثلاثة أربعة «٥»، فقد أجروا

стр. 834

الوصل في هذا مجرى الوقف، ألا ترى أنّه أجرى الوصل مجرى الوقف في إلقائه حركة الهمزة على التاء التي للتأنيث، وإبقائها هاء كما تكون في الوقف. ولم يقلبها تاء كما يقول «١» في الوصل: هذه ثلاثتك، فيجيء بالتاء؟ فكذلك قوله: كِتابِيَهْ وعلى هذا المسلك يحمل تبيين أبي عمرو النون في: ياسين والقرآن [يس/ ١ - ٢] لما كانت هذه الحروف التي للتهجي موضوعة على الوقف، كما أنّ أسماء العدد كذلك، وصلها وهو ينوي الوقف عليها، ولولا أنّ نيّته الوقف لم يجز تبيين النون. ألّا ترى أنّ أبا عثمان يقول: إن تبيين النون عند حروف الفم لحن؟ فعلى هذا إثبات الهاء، وهذا أيضاً ينبغي أن يكون محمولًا على ما رواه سيبويه من قولهم «٢»: ثلاثة أربعة، وترك القياس على هذا أولى من القياس عليه، لقلة ذلك، وخروجه مع قلته على «٣» القياس. وإذا جاء الشيء خارجاً عن قياس الجمهور والكثرة في جنس، لم ينبغ أن يجاوز به ذلك الجنس. وحروف التهجي، وأسماء العدد كالقبيل الواحد، لمجيئهما جميعاً مبنيّين، على الوقف وليس غيرهما كذلك. وسيبويه لا يعتدّ بهذه الشواذ ولا يقيس عليها. ومن رأى مخالفته جاوز بذلك باب العدد والتهجي «٤».

стр. 835

[البقرة: ٢٥٩] اختلفوا في: الراء والزاي من قوله تعالى «١»: كَيْفَ نُنْشِزُها [البقرة/ ٢٥٩] فقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو: ننشرها بضم النون الأولى وبالراء. وقرأ عاصم وابن عامر وحمزة والكسائي: نُنْشِزُها بالزاي. وروى أبان عن عاصم كيف ننشرها: بفتح النون الأولى وضم الشين «٢». حدثني «٣» عبيد الله بن علي عن نصر بن علي عن أبيه عن أبان عن عاصم مثله. وروى عبد الوهاب عن أبان عن عاصم كيف ننشرها بفتح النون الأولى وضم الشين وبالراء مثل قراءة الحسن «٤». قال أبو علي: من قال: كيف ننشرها «٥»، فالمعنى فيه: كيف نحييها، وقالوا: أنشر «٦» الله الميّت فنشر، وفي التنزيل: ثُمَّ إِذا شاءَ أَنْشَرَهُ [عبس/ ٢٢] وقال الأعشى: يا عجبا للميّت الناشر «٧» وقد وصفت العظام بالإحياء قال تعالى «٨»: مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وَهِيَ رَمِيمٌ قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّةٍ [يس/ ٧٨ - ٧٩]

стр. 836

وكذلك في قوله تعالى «١»: كيف ننشرها وقد استعمل النشر في الإحياء في قوله تعالى «٢»: وَإِلَيْهِ النُّشُورُ [الملك/ ١٥] وقال تعالى «٣»: وهو الذي يرسل الرياح نشرا «٤» بين يدي رحمته [الأعراف/ ٥٧] فنشر: مصدر في موضع الحال من الريح، تقديره: ناشرة، من نشر الميت فهو ناشر. قال أبو زيد: أنشر الله الريح إنشاراً: إذا بعثها، وقد أرسلها نشراً بعد الموت. فتفسير أبي زيد له بقوله: بعثها، إنّما هو لأنّ البعث قد استعمل في الإحياء من نحو قوله: ثُمَّ بَعَثْناكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ [البقرة/ ٥٦] وقال تعالى «٥» وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ ما جَرَحْتُمْ بِالنَّهارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ [الأنعام/ ٦٠] وقال: اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنامِها فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرى إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى [الزمر/ ٤٢] فجاء في هذا المعنى الإرسال، كما جاء البعث في قوله: ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ فالمعنى واحد. ومما جاء فيه وصف الريح بالحياة، قول الشاعر: وهبّت له ريح الجنوب وأحييت ... له ريدة يحيي المياه نسيمها «٦»

стр. 837

وقالوا: ريح ريدة، ورادة، وريدانة، وكما وصفت بالحياة كذلك وصفت بالموت في قول الآخر: إنّي لأرجو أن تموت الرّيح ... فأقعد اليوم وأستريح «١» فكما وصفت بالنشر كذلك وصفت بالإحياء، فالنشر «٢» والحياة والبعث والإرسال تقارب في هذا المعنى. فأما ما روي عن عاصم من قوله: كيف ننشرها بفتح النون الأولى، وضم الشين، وبالراء مثل قراءة الحسن، فإنّه يكون من: نشر الميّت، ونشرته أنا، مثل: حسرت الدابّة «٣»، وحسرتها أنا، وغاض الماء، وغضته، قال: كم قد حسرنا من علاة عنس «٤» أو يكون جعل الموت فيها طيّا لها، والإحياء نشراً. فهو على هذا مثل: نشرت الثوب. وأمّا من قرأ: نُنْشِزُها بالزاي فالنشز: الارتفاع، وقالوا لما ارتفع من الأرض: نشز قال: ترى الثّعلب الحوليّ فيها كأنّه ... إذا ما علا نشزاً حصان مجلّل «٥»

стр. 838

يريد: شرفا من الأرض، ومكاناً مرتفعاً. فتقدير نُنْشِزُها نرفع بعضها إلى بعض للإحياء، ومن هذا: النشوز من المرأة، إنّما هو أن تنبو عن الزوج في العشرة فلا تلائمه. وفي التنزيل: وَإِنِ امْرَأَةٌ خافَتْ مِنْ بَعْلِها نُشُوزاً أَوْ إِعْراضاً [النساء/ ١٢٨]. وقال الأعشى: ......... فأصبحت ... قضاعيّة تأتي الكواهن ناشصا «١» وقال أبو الحسن: نشز وأنشزته، ويدلّك على ما قال «٢»، قوله «٣»: وَإِذا قِيلَ انْشُزُوا فَانْشُزُوا [المجادلة/ ١١]. [البقرة: ٢٥٩] اختلفوا في قطع الألف ووصلها، وضمّ الميم وإسكانها من قوله : قالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [البقرة/ ٢٥٩]. فقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وعاصم وابن عامر: قالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ مقطوعة الألف مضمومة الميم.

стр. 839

وقرأ حمزة والكسائي: قالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ موصولة الألف ساكنة الميم «١». قال أبو علي: أما من قرأه على لفظ الخبر، فإنّه «٢» لمّا شاهد ما شاهد من إحياء الله وبعثه إياه بعد وفاته، أخبر عما تبيّنه وتيقّنه مما لم يكن تبيّنه هذا التبيين «٣» الّذي لا يجوز أن يعترض عليه فيه إشكال، ولا يخطر «٤» على باله شبهة ولا ارتياب، فقال: أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ أي: أعلم هذا الضرب من العلم الذي لم أكن علمته قبل. ومن قال: أَعْلَمُ على لفظ الأمر، فالمعنى: يؤول إلى الخبر، وذاك أنّه لما تبيّن له ما تبيّن من الوجه الذي ليس لشبهة عليه منه طريق، نزّل نفسه منزلة غيره، فخاطبها كما يخاطب سواها فقال: أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وهذا مما تفعله العرب، ينزّل أحدهم نفسه منزلة الأجنبيّ فيخاطبها كما تخاطبه قال: تذكّر من أنّى ومن أين شربه ... يؤامر نفسيه كذي الهجمة الأبل «٥»

стр. 840

فجعل عزمه على وروده الشرب له «١» لجهد العطش، وعلى تركه الورود مرة لخوف الرامي وترصّد القانص نفسين له. ومن ذلك قول الأعشى: أرمي بها البيد إذا هجّرت ... وأنت بين القرو والعاصر «٢» فقال: أنت، وهو يريد نفسه، فنزّل نفسه منزلة سواه في مخاطبته لها مخاطبة الأجنبيّ. ومثل ذلك قوله: ودّع هريرة إنّ الرّكب مرتحل ... وهل تطيق وداعاً أيّها الرّجل «٣» فقال: ودّع، فخاطب نفسه كما يخاطب غيره، ولم يقل: لأودّع، وعلى هذا قال: أيّها الرجل، وهو يعني نفسه. وقال: ألم تغتمض عيناك ليلة أرمداً «٤» فكذلك قوله لنفسه أَعْلَمُ «٥» أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ

стр. 841

[البقرة/ ٢٥٩] نزّله منزلة الأجنبيّ المنفصل منه، لتنبهه على ما تبيّن له ممّا كان أشكل عليه. قال أبو الحسن «١»: وهو أجود في المعنى. [البقرة: ٢٦٥] اختلفوا في ضم الراء وفتحها من قوله تعالى «٢»: بِرَبْوَةٍ [البقرة/ ٢٦٥] فقرأ عاصم وابن عامر: بِرَبْوَةٍ بفتح الراء. وفي المؤمنين مثله. وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وحمزة والكسائي: بِرَبْوَةٍ بضم الراء وفي المؤمنين مثله «٣». قال أبو عليّ: قال أبو عبيدة «٤»: الرّبوة: الارتفاع عن المسيل، وقال أبو الحسن: ربوة. وقال بعضهم: بربوة، وربوة، ورباوة، ورباوة، كلّ من لغات العرب، وهو كلّه في الرابية، وفعله: ربا يربو. قال أبو الحسن: والذي نختار: ربوة، بضم الراء وحذف الألف. قال أبو عليّ: يقوّي هذا الاختيار أنّ جمعه ربى «٥»، ولا

стр. 842

يكاد يسمع غيره، وإذا كان فعله: ربا يربو إذا ارتفع؛ فالرابية؛ والرّبوة، إنّما هو لارتفاع أجزائها عن صفحة «١» المكان التي هي بها «٢». ومنه الرّبا، وهو على ضربين: أحدهما متوعّد عليه محرّم بقوله [عز اسمه] «٣»: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا [البقرة/ ٢٧٨] وذلك أن يأخذ المكيل أو الموزون اللّذين هما من «٤» جنس واحد بأكثر من مثله في بيع أو غيره. والآخر: مكروه غير محرم، فالمكروه أن تهدي شيئاً أو تهبه، فتستثيب «٥» أكثر منه، فمن ذلك قوله تعالى «٦»: وَما آتَيْتُمْ مِنْ رِباً لِيَرْبُوَا فِي أَمْوالِ النَّاسِ فَلا يَرْبُوا عِنْدَ اللَّهِ [الروم/ ٣٩] كأنّ المعنى: لا يربو لكم عند الله، أي: لا يكون في باب إيجابه للثواب لكم ما يكون من إيجابه إذا أخلصتم لله، وأردتم التقرّب إليه، ألّا تراه قال: وَما آتَيْتُمْ مِنْ زَكاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ، فَأُولئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ [الروم/ ٣٩]. فأمّا ما في قوله: وَما آتَيْتُمْ مِنْ رِباً، فيحتمل تقديرين: يجوز أن يكون للجزاء، ويجوز أن يكون صلة، فإن قدّرتها جزاء، كانت في موضع نصب بآتيتم، وقوله: فَلا يَرْبُوا عِنْدَ اللَّهِ

стр. 843

في موضع جزم بأنّه جواب للجزاء. ويقوي هذا الوجه قوله: وَما آتَيْتُمْ مِنْ زَكاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ. ألّا ترى أنّه لو كان مبتدأ لعاد عليه ذكره؟ ولو جعلتها موصولة لم يكن لآتيتم موضع من الإعراب، وكان موضع ما رفعاً بالابتداء، وآتيتم صلة، والعائد إلى الموصول: الذكر المحذوف من آتيتم. وقوله: فَلا يَرْبُوا في موضع رفع بأنّه خبر الابتداء، والفاء دخلت في الخبر على حدّ ما دخلت في قوله تعالى «١»: وَما بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ [النحل/ ٥٣] وكذلك قوله: وَما آتَيْتُمْ مِنْ زَكاةٍ [الروم/ ٣٩] تكون الهاء العائدة المحذوفة راجعة إلى الموصول، وموضع فأولئك: رفع بأنّه خبر المبتدأ، وقال: وَما آتَيْتُمْ مِنْ زَكاةٍ ثمّ قال: فَأُولئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ، فانتقل الخطاب بعد المخاطبة إلى الغيبة، كما جاء: حَتَّى إِذا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ «٢» [يونس/ ٢٢] والفاء دخلت على خبر المبتدأ لذكر الفعل في الصلة، والجملة في موضع خبر المبتدأ الذي هو: وَما آتَيْتُمْ مِنْ زَكاةٍ وتقدّر راجعاً محذوفاً، والتقدير «٣»: فأنتم المضعفون به، التقدير: فأنتم «٤» ذوو الضعف بما آتيتم من زكاة، فحذفت العائد على حدّ ما حذفته من قولك: السمن منوان بدرهم، وقال تعالى «٥»:

стр. 844

وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ [الشوري/ ٤٣] ومثل هذه الآية في المعنى قوله جلّ وعزّ «١»: وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ [المدثر/ ٦] حدثنا الكندي قال: حدّثنا المؤمّل: قال حدّثنا إسماعيل بن عليّة عن أبي رجاء قال: سمعت عكرمة «٢» يقول: «وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ» قال: لا تعط شيئاً لتعطى أكثر منه» «٣». فأمّا رفع تستكثر فعلى ضربين: أحدهما: أن تحكي به حالًا آتية، كما كان قوله: وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ [النحل/ ١٢٤]

стр. 845

كذلك، والآخر: أن تقدّر ما يقوله النحويون في قوله: مررت برجل معه صقر صائداً به غداً، أي مقدّراً الصيد، فكذلك يكون هنا مقدراً الاستكثار. وليس للجزم اتجاه في تستكثر، ألّا ترى أنّ المعنى: ليس على أن لا تمنن تستكثر، إنّما المعنى على ما تقدّم. [البقرة: ٢٦٠] اختلفوا في ضمّ الصاد وكسرها من قوله جلّ وعزّ: فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ [البقرة/ ٢٦٠] فقرأ حمزة وحده: فَصُرْهُنَّ بكسر الصاد. وقرأ الباقون: فَصُرْهُنَّ «١» بضم الصاد. قال أبو عليّ: «صرت» يقع على إمالة الشيء، يقال صرته، أصوره: إذا أملته إليك، وعلى قطعه، يقال: صرته أي: قطعته فمن الإمالة قول الشاعر «٢»: على أنّني في كلّ سير أسيره ... وفي نظري من نحو أرضك أصور فقالوا: الأصور: المائل العنق. ومن الإمالة قوله: يصور عنوقها أحوى زنيم ... له ظاب كما صخب الغريم «٣»
следующие страницы →