[البقرة: ٢٨٥]
اختلفوا في الجمع والتوحيد من قوله جلّ وعزّ «١»: وَكُتُبِهِ [البقرة/ ٢٨٥] هاهنا، وفي سورة التحريم [الآية: ١٢].
فقرأ ابن كثير، ونافع، وعاصم في رواية أبي بكر، وابن عامر: وَكُتُبِهِ هاهنا جمع، وفي التحريم: وكتابه، على التوحيد.
وقرأ أبو عمرو: هاهنا وفي التحريم: وَكُتُبِهِ على الجمع.
وقرأ حمزة والكسائي: وكتابه على التوحيد فيهما.
وروى حفص عن عاصم هاهنا، وفي التحريم: وَكُتُبِهِ مثل أبي عمرو. وخارجة عن نافع في التحريم مثل أبي عمرو «٢».
قال أبو علي: قال أبو زيد: كتبت الصكّ، أكتبه كتاباً، وكتبت السقاء، أكتبه كتباً: إذا خرزته.
قال ذو الرّمّة:
وفراء غرفيّة أثأى خوارزها ... مشلشل ضيّعته بينها الكتب
«٣»
стр. 912
وكتبت البغلة «١» أكتبها كتباً «٢»، إذا حزمت حياءها بحلقة حديد أو صفر، وكتبت عليها كتباً، وكتّبت الناقة تكتيباً: إذا صررتها.
فالكتاب مصدر كتب «٣». وقد جاء كتب في التنزيل على غير وجه فمن ذلك أن يراد به: فرض، قال تعالى «٤»: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ كَما كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ [البقرة/ ١٨٣]، وقال تعالى «٥»: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصاصُ فِي الْقَتْلى [البقرة/ ١٧٨] وقال: وَكَتَبْنا عَلَيْهِمْ فِيها أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ [المائدة/ ٤٥] وقال: وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللَّهِ [الأنفال/ ٧٥] أي فيما فرض الله لهم في «٦» السّهام في المواريث، أو الحيازة للتركة، ويجوز أن يعنى به التنزيل، أي: هم في فرض كتاب الله أولى بأرحامهم، وأن يحمل على الكتاب المكتتب أولى، وذلك لقوله سبحانه «٧» في أخرى: وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهاجِرِينَ إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إِلى أَوْلِيائِكُمْ مَعْرُوفاً، كانَ ذلِكَ فِي الْكِتابِ مَسْطُوراً [الأحزاب/ ٦] والمسطور إنّما يسطر في صحف أو ألواح، فردّ المطلق منهما إلى هذا المقيّد أولى، لأنّه أمر واحد.
وقد جاء كتب يراد به الحكم. قال تعالى «٨»:
стр. 913
كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي [المجادلة/ ٢١] كأنه حكم، قال «١»:
وَلَوْلا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلاءَ لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيا [الحشر/ ٣] أي حكم بإخراجهم من دورهم. وقال: وَما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتاباً مُؤَجَّلًا [آل عمران/ ١٤٥] فانتصب كتاباً بالفعل الذي دلّ عليه هذا الكلام، وذلك «٢» أنّ قوله: وَما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ يدلّ على كتب، وكذلك قوله: كِتابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ [النساء/ ٢٤] لأنّ
في قوله:
حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهاتُكُمْ [النساء/ ٢٣] دلالة على كتب هذا التحريم عليكم «٣» أي: فرضه، فصار كتاب الله، كقوله: صُنْعَ اللَّهِ [النمل/ ٨٨]، ووَعْدَ اللَّهِ لا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ [الروم/ ٦].
فأمّا قوله: أُولئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمانَ [المجادلة/ ٢٢] فإنّ معناه جمع، وقد قالوا: الكتيبة للجمع من الجيش، وقالوا للخرز التي ينضم بعضها إلى بعض: كتب، كأنّ التقدير: أولئك الذين جمع الله في قلوبهم الإيمان أي:
استوعبوه واستكملوه، فلم يكونوا ممن يقول: نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ [النساء/ ١٥٠] وهم الذين جمعوا ذلك في الحقيقة، وأضيف ذلك «٤» إلى الله تعالى «٥»، لأنّه كان بتقويته ولطفه كما قال: وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى [الأنفال/ ١٧].
فأمّا قوله تعالى «٦»: إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ
стр. 914
[التوبة/ ٣٦] فلا يجوز تعلقه بالعدّة لأنّ فيه فصلًا بين الصلة والموصول بالخبر، ولكنّه يتعلق بمحذوف على أن يكون صفة للخبر الذي هو قوله: اثْنا عَشَرَ شَهْراً، والكتاب لا يكون إلّا مصدراً، ولا يجوز أن يكون «١» يعنى به الذكر، ولا غيره من الكتب، وذلك لتعلّق اليوم به، واليوم وسائر الظروف لا تتعلق بأسماء الأعيان لأنّها لا معاني فيها للفعل، فبهذا يعلم أنّه مصدر.
فأمّا قوله تعالى: وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ [البقرة/ ٢٨٥] فإنّ الكتب جمع كتاب وهو مصدر كتب فنقل، وسمّي به، فصار يجري مجرى الأعيان وما لا معنى فعل فيه، وعلى ذلك كسر، فقيل: كتب كما قالوا: إزار وأزر، ولجام ولجم. ولولا أنّه صار منقولًا، لكان خليقاً أن لا يكسّر، كما أنّ عامة المصادر لا تجمع، فأمّا الجمع فيه فللكثرة، وأمّا الإفراد في قول من قرأ:
وكتابه فليس كما تفرد المصادر، وإن أريد بها الكثير كقوله تعالى «٢»: وَادْعُوا ثُبُوراً كَثِيراً [الفرقان/ ١٤] ونحو ذلك، ولكن كما تفرد الأسماء التي يراد بها الكثرة نحو قولهم: كثر الدينار والدرهم، ونحو ذلك مما يفرد لهذا المعنى، وهي تكسر، وكذلك: أهلك الناس الشاة والبعير، فإن قلت: إنّ هذه الأسماء التي يراد بها الكثرة تكون مفردة، وهذه مضافة قيل: قد جاء المضاف من الأسماء، يعنى به الكثرة، وفي التنزيل:
стр. 915
وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لا تُحْصُوها [النحل/ ١٨، إبراهيم/ ٣٤] وفي الحديث: «منعت العراق درهمها وقفيزها» «١».
فهذا يراد به الكثرة، كما يراد فيما فيه لام التعريف، وممّا يجوز أن يكون على هذا قول عدي «٢» بن الرقاع:
يدع الحيّ بالعشيّ رغاها ... وهم عن رغيفهم أغنياء
«٣» وقال: أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ إِلى نِسائِكُمْ [البقرة/ ١٨٧] وهذا الإحلال شائع في جميع ليالي «٤» الصّيام، والتكسير أوجه لأنّ الموضع يراد به الكثرة، وليس مجيء الأسماء المضافة التي يراد بها الجنس، والشّياع، بكثرة ما جاء منها «٥»، وفيه لام المعرفة، والاسمان اللذان أحدهما قبله، والآخر بعده مجموعان، فهذا يقوّي الجمع ليكون مشاكلا لما قبله وما بعده، ويجوز فيمن أفرد فقال: وكتابه أن يعني به الشّياع، ويكون الاسم مصدرا غير منقول، فيسمّى الذي يكتب كتابا،
стр. 916
كما قيل: نسج اليمن، أو على تقدير ذي، أي: ذي الذي يكتب.
[البقرة: ٢٨٥]
اختلفوا في ضمّ السّين وإسكانها من قوله تعالى «١»:
وَرُسُلِهِ [البقرة/ ٢٨٥] ورُسُلِنا [الإسراء/ ٧٧] «٢».
فقرأ أبو عمرو ما أضيف إلى مكنيّ «٣» على حرفين مثل:
رُسُلِنا، ورُسُلُكُمْ [غافر/ ٥٠] بإسكان السين، وثقّل ما عدا ذلك.
وروى عليّ بن نصر عن هارون عن أبي عمرو أنّه خفّف عَلى رُسُلِكَ [آل عمران/ ١٩٤] أيضاً. وقال عليّ بن نصر:
سمعت أبا عمرو يقرأ عَلى رُسُلِكَ مثقّلة، وقرأ الباقون كلّ ما في القرآن من هذا الجنس بالتثقيل «٤».
قال أبو عليّ: وجه قراءة من ثقّل عَلى رُسُلِكَ أنّ أصل الكلمة على فعل بضمّ العين، ومن أسكن خفّف ذلك «٥» كما يخفّف ذلك في الآحاد في نحو العنق، والطّنب، وإذا خفّفت الآحاد، فالجموع أولى من حيث كانت أثقل من الآحاد، والدليل على أنّه على فعل مضموم العين، رفضهم هذا الجمع، فيما كان «٦» لامه حرف علّة نحو: كساء، ورداء
стр. 917
ورشاء، ألا تراهم لم يجمعوا شيئاً من هذا النحو على فعل، كما جمعوا قذالًا، وكتاباً، وحماراً ورغيفاً على فعل، ولم يجمعوه أيضاً على التخفيف لأنّه إذا خفّف، والأصل التثقيل، كانت الحركة في حكم الثبات ومنزلته. ألا ترى أنّ من قال:
رضي، ولقضو الرجل، لمّا كانت الحركة في حكم الثبات عنده لم يردّ الواو ولا الياء؟ وكذلك نحو رشاء، وقباء، لم يجمع على فعل ولم يجيء من هذا الباب شيء على فعل إلّا ثنيّ «١» وثن، وقالوا: ثنيان في جمعه أيضاً، وما عداه مرفوض غير مستعمل، ومما يدلّ على أن الأصل فيه الحركة، أنّه لو كان الأصل السكون لم يرفض فيه جمع ما كانت اللّام فيه ياءً، أو واواً، كما لم يرفض ذلك في جمع ما أصله فعل، وذلك نحو:
عمي، وأَ فَأَنْتَ تَهْدِي الْعُمْيَ [يونس/ ٤٣] وكذلك قنواء «٢» وقنو، وعشواء «٣»، وعشو، وأبواء «٤»، وأبو، ألا ترى أنّهم لم يرفضوا جمع هذا لمّا كان ما قبله ساكناً فصار بمنزلة الآحاد نحو: حلو وعري، وما أشبه ذلك؟ فقد دلّك «٥» رفضهم لجمع هذا الضرب أنّه على فعل وأنهم رفضوه لما يلزم فيه من القلب
стр. 918
والإعلال. ومما يدلّ على أنّ أصله فعل، بضم العين، أنّهم خفّفوا من ذلك نحو: عوان وعون «١» ونوار، ونور «٢»، وخوان، وخون، كراهة الضمة في الواو فإذا اضطرّ الشاعر ردّه إلى أصله كما جاء:
تمنحه سوك الإسحل «٣» وقوله:
وفي الأكفّ اللامعات سور «٤» على أن أبا زيد حكى: قوم قول، بضم الواو.
وأمّا وجه تخفيف أبي عمرو ما اتّصل من ذلك بحرفين
стр. 919
من حروف الضمير، أو بحرف نحو: رُسُلِكَ [آل عمران/ ١٩٤]، فلأنّ هذا قد يخفّف إذا لم يتّصل بمتحرك، فإذا اتّصل بمتحرك حسن التخفيف لئلا تتوالى أربعة أحرف متحركة لأنّهم كرهوا تواليها على هذه العدة بهذه الصورة، ومن ثم لم تتوال أربع متحركات في بناء الشعر، والكلم «١»، إلّا أن يكون مزاحفاً، أو يخفّف «٢» لهذا الذي ذكرناه من كراهتهم توالي أربع متحركات. ومن لم يخفّف فلأنّ هذا الاتصال بالحرفين ليس بلازم للحرف، وما لم يكن لازماً في هذه الكلم «٣» فلا حكم له، ألا ترى أنّ الإدغام في نحو: جعل لك، لم يلزم وإن كان قد توالى خمس متحركات، وهذا لا يكون في بناء الشعر، لا في مزاحفه ولا في سالمه ولا في الكلم المفردة. وقد جاز في نحو هذا أن لا يدغم لمّا لم يكن لازماً، ومن ثمّ روي عن أبي عمرو عَلى رُسُلِكَ وعَلى رُسُلِكَ كأنّه أخذ بالوجهين وذهب إلى المذهبين.
[البقرة: ٢٨٤]
واختلفوا «٤» في الجزم والرفع من قوله تعالى «٥»: فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ، وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ [البقرة/ ٢٨٤].
فقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وحمزة والكسائي: فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ، وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ جزماً.
وقرأ ابن عامر وعاصم: فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ، وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ رفعاً «٦».
стр. 920
قال أبو علي: وجه قول من جزم أنّه أتبعه ما قبله، ولم يقطعه منه وهذا أشبه بما عليه كلامهم، ألا ترى أنّهم يطلبون المشاكلة، ويلزمونها؟ فمن ذلك أنّ ما كان معطوفاً على جملة، من فعل وفاعل، واشتغل عن الاسم الذي من الجملة التي يعطف عليها الفعل، يختار فيه النصب ولو لم «١» يكن قبله الفعل والفاعل لاختاروا «٢» الرفع، وعلى هذا ما «٣» جاء من هذا النحو في التنزيل نحو قوله تعالى «٤»: وَكُلًّا ضَرَبْنا لَهُ الْأَمْثالَ [الفرقان/ ٣٩]، وقوله تعالى «٤»: فَرِيقاً هَدى وَفَرِيقاً حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ [الأعراف/ ٣٠] وقوله: يُدْخِلُ مَنْ يَشاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً [الإنسان/ ٣١] فكذلك ينبغي أن يكون الجزم أحسن ليكون مشاكلًا لما قبله في اللفظ [ولم يخلّ من المعنى بشيء] «٦». وكذلك إذا عطفوا فعلًا على اسم أضمروا قبل الفعل «أن»، ليقع بذلك عطف اسم على اسم، لأنّ الاسم بالاسم أشبه من الفعل بالاسم، كما أن جملة من فعل وفاعل أشبه بجملة من فعل وفاعل. من جملة من مبتدأ وخبر بجملة من فعل وفاعل فلهذا ما جاء ما كان من نحو: وَكُلًّا ضَرَبْنا لَهُ الْأَمْثالَ [الفرقان/ ٣٩] في التنزيل بالنصب. وهذا النحو من طلبهم المشاكلة كثير. ومن لم يجزم
стр. 921
قطعه من الأول، وقطعه منه على أحد «١» وجهين إما أن يجعل الفعل خبراً لمبتدإ محذوف فيرتفع «٢» الفعل لوقوعه موقع خبر المبتدأ، وإمّا أن يعطف جملة من فعل وفاعل على ما تقدمها.
[تمّ الكلام في سورة البقرة والحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى] «٣».
يليه في الجزء الثالث (حسب تقسيمنا) الكلام في سورة آل عمران
стр. 922
بسم الله الرحمن الرحيم «١»
ذكر اختلافهم في سورة آل عمران «٢»
[آل عمران: ١]
قرءوا كلّهم: الم الله [آل عمران/ ١] مفتوحة الميم والألف ساقطة إلّا ما حدثني به القاضي موسى بن إسحاق الأنصاري «٣» قال: حدثنا أبو هشام الرفاعي «٤» قال: حدثنا
стр. 923
يحيى بن آدم «١» عن أبي بكر «٢» عن عاصم أنّه قرأ (الم) ثم قطع وابتدأ (الله) ثم سكّن فيها. قال يحيى بن آدم وآخر ما حفظت عنه (الم الله) مثل حمزة.
[حدثنا ابن مجاهد قال] «٣»: حدثنا موسى بن إسحاق قال:
حدثنا أبو هشام الرفاعي قال: سمعت أبا يوسف الأعشى «٤» قرأها على أبي بكر (الم) ثم قطع فقال: (الله) بالهمز.
стр. 924
حدثنا ابن مجاهد قال: حدثني محمد بن الجهم «١» عن ابن أبي أمية «٢» عن أبي بكر عن عاصم الم «٣» جزم، ثم ابتدأ ألله.
[حدثنا ابن مجاهد قال] «٤»: حدثني أحمد بن محمد ابن صدقة «٥» قال: حدثنا أبو الأسباط «٦» عن عبد الرحمن بن أبي حماد «٧» عن أبي بكر عن عاصم أنّه قرأ: (الم الله) بتسكين
стр. 925
الميم وقطع الألف. [حدثنا ابن مجاهد قال] «١»: حدثني محمد بن الجهم عن الفرّاء قال: قرأ عاصم: الم جزم [و] «٢» الله مقطوع. والمعروف عن عاصم الم الله موصولة. و «٣» حفص عن عاصم الم (صل) الله مفتوحة الميم غير مهموزة الألف «٤».
قال أبو علي: اتفاق الجميع على إسقاط الألف الموصولة في اسم الله وذاك «٥» أن الميم ساكنة كما أن سائر حروف التهجي مبنية على الوقف فلمّا التقت الميم الساكنة، ولام التعريف حرّكت الميم بالفتح للساكن الثالث الذي هو لام المعرفة «٦». والدّليل على أنّ التحريك للساكن الثالث- وهو مذهب سيبويه- أن حروف التهجي يجتمع فيها الساكنان «٧» نحو كهيعص «٨» [مريم/ ١] وحم عسق «٩» وذلك أنّها مبنيّة على الوقف، كما أنّ أسماء العدد كذلك فحرّكت الميم للساكن
стр. 926
الثالث بالفتح كما حرّكت النون في قوله: من الله [آل عمران/ ١٥] ومن المسلمين [يونس/ ٧٢] ومن البقر اثنين [الأنعام/ ١٤٤] بالفتح لالتقاء الساكنين.
فأمّا ما روي عن عاصم من قطعه الألف، فكأنّه قدّر الوقوف على الميم، واستأنف (الله)، فقطع الهمزة للابتداء بها. والوجه ما عليه الجماعة، وما وافقهم هو أيضا عليه، من أنّ
الهمزة تسقط في الوصل، فإذا سقطت لم يجز أن تلقى لها حركة على ما قبلها.
والّذي حكاه سيبويه من قولهم: ثلاثة اربعة «١»، لم تحمل عليه هذه الآية، ألا ترى أنّه ذهب إلى أنّ الحركة فيها لالتقاء الساكنين، وأنّه في الفتح لالتقاء الساكنين بمنزلة قوله:
من الله.
وأمّا ما حكاه بعض البغداديين من قوله: مريب الذي جعل [ق/ ٢٥/ ٢٦]. فإنّه حرّك النّون بالفتح كما حرّك في قولهم: من الله به.
ولا يجوز أن تكون الفتحة لهمزة الوصل ألقيت على النون، لأنّ الهمزة إذا أوجب الإدراج إسقاطها «٢» لم تبق لها حركة تلقى على شيء، ولم يأت في نحو هذا عنهم شيء فيما علمناه، كما جاء (ثلاثة اربعة).
стр. 927
[آل عمران:، ٣]
اختلفوا في إمالة الرّاء وفتحها من التوراة «١» [آل عمران/ ٣].
فقرأ ابن كثير وعاصم وابن عامر: (التوراة) مفخّما «٢».
وكان نافع وحمزة يلفظان: بالراء بين الفتح والكسر، وكذلك كانا يفعلان بقوله تعالى «٣»: مع الأبرار «٤» [آل عمران/ ١٩٣] ومن الأشرار [ص/ ٦٢] ومن قرار [إبراهيم/ ٢٦] وذات قرار [المؤمنون/ ٥٠] إذا كان الحرف مخفوضا.
وقال ابن سعدان عن المسيّبي عن نافع: الراء مفتوحة، وكذلك قال ابن المسيبي عن نافع. وقال ورش عن نافع:
(التّورية)، بكسر الراء وكان أبو عمرو والكسائي يقرءان:
(التورية) مكسورة الراء ويميلان هذه الحروف أشد من إمالة حمزة ونافع أعني: (الأبرار) و (من قرار) وما أشبه ذلك. ابن عامر يشم الراء الأولى من (الأبرار) الكسر «٥».
قال أبو علي: قالوا ورى الزند، يري، إذا قدح ولم يكب «٦»، وقالوا ورى وأوريته، وفي التنزيل: فالموريات قدحا [العاديات/ ٢] وفيه: أفرأيتم النار التي تورون [الواقعة/ ٧١]. فأمّا قولهم: وريت بك زنادي على مثال شريت، فزعم
стр. 928
أبو عثمان: أنّه استعمل في هذا الكلام فقط لم يجاوز به غيره. وقال أبو زيد: ورى النّقي، يري، وريا: إذا كثر ودكه، قال: والواري: الكثير الودك. والوراء في اسم الجهة التي هي خلاف الأمام ليس من هذا، لأنّ تحقيره: وريئة، مثل وريعة.
وألحقت الهاء في تحقيرها، وإن كانت على أربعة أحرف كما ألحقت في قديديمة.
فأمّا الوراء: لولد الولد فيمكن أن يكون من هذا وقيل له:
وراء، كما قيل له: نجل.
وأنشد أبو زيد «١»:
يا قاتل الله صبيانا تجيء بهم «٢» * أمّ الهنيبر من زند لها واري
стр. 929
قال السكري: ضرب الزّند مثلا للرحم، والزّند: تستخرج به النار «١»، وقال أمية:
الحامل النار في الرّطبين يحملها ... حتّى تجيء من اليبسين تضطرم
يأتي بها حيّة تهديك رؤيتها ... من صلب أعمى أصمّ الصلب منقصم
«٢» روى محمد بن السري أن «٣» الرّطبين: هما العودان الرطبان، يعني: الشجر الذي فيه النار، واليبسين: هما العودان اليابسان، يعني: الزندين، يقول: تكون النار في عودين رطبين، فإذا جفا قدحا، فجاءت النار منهما، والأعمى الأصمّ: يعني الزّند، والزّند: الأعلى، والزندة: السفلى، وأصمّ الصّلب يعني:
العود، وأعمى: لا جوف له، يريد: يأتي بها حية للناس أي:
حياة لهم. فأمّا قولهم «٤»: التّريّة: لما تراه المرأة من الطهر [بعد الحيض] «٥» فيجوز أن تكون فعيلة من الوراء، لأنّها ترى بعد الصفرة والكدرة اللتين تريان في الحيض، وتكون فعيلة من: ورى الزند، يري، كأنّها من خروجها من الطهر بعد الحيض، فكأنّ الطهر أخرجه، والتاء في الوجهين بدل من الواو التي هي فاء، كما أنّها في «تيقور»، و «تولج» كذلك «٦».
стр. 930
فأمّا القول في التوراة، فلا تخلو من أن تكون فوعلة، على قول «١» الخليل: في تولج «٢»، أو تفعلة مثل تتفلة، أو تفعلة بالكسر وفتح العين كما فتح في: ناصاة «٣»، فممّا يدلّ على أنّها فوعلة، ليست تفعلة، مثل تتفلة، وتألب، أنّ هذا البناء يقلّ، وأنّ فوعلة في الكثرة بحيث لا يتناسبان، ولا إشكال في أن الحمل على الأكثر الأشيع أولى من الحمل على خلافه.
ويدلّك على ذلك أن التاء لم تكثر زائدة أوّلا كما لم تكثر النون أوّلا، فكما أنّ النون إذا جاءت أولا في نحو نهشل ونعثل «٤»، لا يحكم بزيادتها، لقلتها زائدة. أوّلا، كذلك لا يحكم بزيادة التاء.
فإن قلت: إنك إذا جعلته فوعلة، حكمت بإبدال الفاء التي هي واو: تاء، وإذا حكمت بزيادة التاء لم تجعلها «٥» بدلا، ولكنك جعلتها التاء التي زيدت في الكلمة «٦»، قيل:
ليس هذا باعتراض لأنّ الواو إذا كانت أوّلا فقد استمرّ البدل «٧»
стр. 931
فيها نحو وجوه، وأجوه، ووقّتت، وأقّتت، ووشاح، وإشاح ووفادة، وإفادة، ووجم، وأجم، ووناة وأناة، فإذا اجتمعا «١» لزم الأول منهما البدل إمّا همزة وإمّا تاء، فالهمزة نحو الأولى في فعلى من الأول، وأواق في جمع واقية. وقد أبدلت التاء من الواو إذا كانت مفردة أوّلا نحو تيقور من الوقار، فهذا فيعول، وليس بتفعول كتعضوض «٢»، ألا ترى كثرة فيعول نحو سيهوج «٣»، وسيهوب «٤»، وديقوع «٥». وقد أبدلت تاء أولى مفردة في نحو: تجاه، وتراث، وتخمة، وتكلان «٦»، وزعم أبو عثمان أنّ إبدال نحو تخمة، مضطرد، وقال أبو الحسن:
ليس بمطرد.
فإذا كثر إبدال التاء من الواو أوّلا، هذه الكثرة، كان حملها على هذا الكثير أولى من حملها «٧» على ما لم يكثر، ولم يتسع هذا الاتساع. ولا يقرب حملها أيضا على تفعلة لأنّه لا يخلو من أن تجعلها اسما نحو: تودية، أو مصدرا نحو:
توصية، فأمّا باب تودية فقليل، كما أنّ تفعلة كذلك، وباب توصية فيه اتساع وحمل على لغة لم نعلم منها شيئا في
стр. 932
التنزيل، فإذا لم يكن هذان الوجهان بالسهلين حملته على فوعلة دونهما للكثرة، ألا ترى أن نحو صومعة، وحوجلة ودوسرة، وعومرة «١»، قد كثر؟.
ومن لم يمل التوراة. فلأنّ الراء حرف يمنع الإمالة، لما فيه من التكرير، كما يمنعها «٢» المستعلي، فكما أنّ الراء لو كان مكانها مستعل مفتوح لم تحسن الإمالة، كذلك إذا كانت الراء مفتوحة. وأيضا فإنّ ما بعد الواو من توراة لو كان منفصلا لم تكن فيه الإمالة كذلك إذا كان متصلا.
وقول من أمال: إنّ الألف لما كانت رابعة لم تخل من أن تشبه ألف التأنيث أو الألف المنقلبة عن الياء أو عن الواو.
وألف التأنيث تمال وإن كان قبلها مستعل كقولهم: فوضى وجوخى.
فكما أمالوا المستعلية معها كذلك يميلون الراء، وإذا أمالوا نحو صغا «٣»، وضغا «٤»، وشقا «٥» مع أنّ الواو تصحّ في هذا البناء الذي على ثلاثة أحرف فأن يميلوا فيما لا تصحّ الواو معه أجدر.
стр. 933
وممّا يقوّي ذلك أنّهم قد أمالوا اسم المفعول «١» إذا كان فيه مستعل، نحو معطا، وإذا أمالوا مع المستعلي كانت الإمالة مع الراء أجود، لأنّ الإمالة على الراء أغلب منها على المستعلي، ألا ترى أنّه قد حكى «٢» الإمالة في نحو عمران ونحو فراش، وجراب، ولو كان مكان الراء المستعلي لم تكن فيها «٣» إمالة؟. وممّا يقوّي الإمالة في الراء من توراة أنّهم قد قالوا: رأيت علقا، وعرقا، وضيقا، فأمالوه للتشبيه بألف حبلى إلّا أنّ الأول من هذه الحروف مكسور وليس من التوراة كذلك والإمالة في فتحة الراء نحو الكسرة في نحو: مع الأبرار «٤» [آل عمران/ ١٩٣] ومن قرار «٥» [إبراهيم/ ٢٦] أقوى منها في التوراة، وذلك أنّ الراء المكسورة قد غلبت المستعلي في نحو قارب وغارم وطارد، فلما غلبت المستعلي مع قوته على الإمالة كان أن تغلب الراء المفتوحة فتميل فتحها «٦» إلى الكسرة
стр. 934
أولى، لأنّ الراء، وإن كان فيها «١» تكرير، صارت به كأنّها حرفان مفتوحان؛ فهي «٢» بزنة حرف واحد، فلمّا قويت على المستعلي «٣» كانت على الراء المفتوحة أقوى.
[آل عمران: ١٣، ١٢]
اختلفوا في الياء والتاء من قوله «٤»:
سيغلبون، ويحشرون [آل عمران/ ١٢] ويرونهم مثليهم [آل عمران/ ١٣].
فقرأ ابن كثير وعاصم وأبو عمرو وابن عامر: ستغلبون وتحشرون بالتاء، ويرونهم بالياء.
وحكى أبان عن عاصم: ترونهم بالتاء، وفي رواية أبي بكر بالياء.
وقرأ نافع: ستغلبون، وتحشرون، وترونهم بالتاء ثلاثتهن.
وقرأ حمزة والكسائيّ بالياء ثلاثتهن «٥».
قال أبو علي: قوله: قل للذين كفروا ...
[آل عمران/ ١٢] يجوز أن يعنى به اليهود والمشركون جميعا، يدلّ على ذلك قوله تعالى «٦»: ما يود الذين كفروا من أهل الكتاب ولا المشركين [البقرة/ ١٠٥] ففسر الذين كفروا
стр. 935
بالقبيلين، وكذلك قوله جلّ وعزّ «١»: لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين منفكين [البينة/ ١] فالتقدير على هذا: قل للقبيلين: ستغلبون.
ويدلّ على حسن التاء هنا والمخاطبة قوله تعالى «٢»: وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب وحكمة [آل عمران/ ٨١] والآية كلّها على الخطاب. وكذلك قول من قرأ: ستغلبون بالتاء.
وللتاء على الياء مزية ما في الحسن، وهو أنّه إذا قيل:
سيغلبون فقد يمكن أن يكون المغلوبون والمحشورون من غير المخاطبين، وأنّهم قوم آخرون، فإذا كان بالخطاب، لم يجز أن يظنّ هذا.
وحجة من قرأ بالياء قوله تعالى: قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف [الأنفال/ ٣٨] وقوله تعالى «٣»: قل للذين آمنوا يغفروا للذين لا يرجون [الجاثية/ ١٤] والدّليل على حسن مجازهما «٤» جميعا أنّهم زعموا أنّ في حرف عبد الله: قل للذين كفروا إن تنتهوا نغفر لكم «٥». فأمّا قوله: قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم [النور/ ٣٠] فظاهره يقوّي قول من قرأ بالياء. ألا ترى
стр. 936
أنّه قال: يغضوا، ولم يقل: غضوا، فيكون للخطاب كقراءة من قرأ ستغلبون وكذلك: وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن [النور/ ٣١].
إلّا أنّ من الناس من يحمل هذا «١» على إضمار لام الأمر، وإضمار الجازم لم نعلمه جاء في حال السعة، وقد قيل: إنّ الذين كفروا: اليهود. والضمير في سيغلبون للمشركين، فعلى هذا القول لا يكون سيغلبون إلّا بالياء، لأنّ المشركين غيب.
والخطاب لهم، وما تقدّم ذكره أوجه لما ذكرناه من جواز وقوع الذين كفروا على الفريقين، ولأنّهما جميعا مغلوبان، فاليهود وأهل الكتاب غلبوا بوضع الجزى عليهم، وحشرهم لأدائها، والمشركون غلبوا بالسيف، فالقول الأول أبين. ومن قرأ: (يرونهم) بالياء، فلأنّ بعد الخطاب غيبة، وهو قوله: فئة تقاتل في سبيل الله وأخرى كافرة يرونهم [آل عمران/ ١٣] أي: ترى الفئة المقاتلة في سبيل الله الفئة الكافرة مثليهم.
ومما يؤكد الياء قوله: مثليهم، ولو كان على التاء لكان:
مثليكم، وإن كان قد جاء: وما آتيتم من زكاة [الروم/ ٣٩] ثمّ قال: فأولئك هم المضعفون [الروم/ ٣٩] ورأيت هنا المتعدية إلى مفعول واحد يدلّك على ذلك تقييده برأي العين، وإذا كان كذلك، كان انتصاب مثليهم على الحال لا على أنّه مفعول ثان.
وأمّا مثل فقد يفرد في موضع التثنية والجمع.
стр. 937
فمن الإفراد في التثنية قوله:
وساقيين مثل زيد وجعل ... سقبان ممشوقان مكنوزا العضل
«١» ومن إفراده في الجمع قوله تعالى «٢»: إنكم إذا مثلهم [النساء/ ١٤٠]. ومن جمعه قوله: ثم لا يكونوا أمثالكم [محمد/ ٣٨]. وأمّا قوله: ترونهم مثليهم [آل عمران/ ١٣] ويرونهم فمن قرأ بالتاء فللخطاب الذي قبله، وهو قوله: قد كان لكم آية في فئتين ... ترونهم مثليهم فالضمير المرفوع في ترونهم للمسلمين، والضمير المنصوب للمشركين. المعنى: ترون- أيّها المسلمون- المشركين مثلي المسلمين، وكان المشركون تسع مائة وخمسين رجلا، فرآهم المسلمون ستمائة وكسرا، وأرى الله المشركين أن المسلمين أقلّ من ثلاثمائة، وذلك أن المسلمين قد قيل لهم «٣»:
فإن تكن منكم مائة صابرة يغلبوا مائتين [الأنفال/ ٦٦] فأراهم
стр. 938
الله عددهم «١» حسب ما حدّ «٢» لهم من العدد الذي يلزمهم أن يقدموا عليه، ولا يحجموا عنهم.
ومثل هذا في المعنى، قوله: وإذ يريكموهم إذ التقيتم في أعينكم قليلا، ويقللكم في أعينهم [الأنفال/ ٤٤] وقال قتادة: كان المشركون تسع مائة وخمسين رجلا، وكان أصحاب رسول الله ﷺ ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلا.
[آل عمران: ١٥]
اختلفوا في كسر الراء وضمّها «٣» من قوله تعالى «٤»:
ورضوان [آل عمران/ ١٥].
فقرأ عاصم في رواية أبي بكر: (ورضوان) بضم الراء في كلّ القرآن إلّا قوله «٥» في المائدة [١٦]: من اتبع رضوانه فإنّه كسر الراء فيه. وقال شيبان «٦» عن عاصم، وابن أبي حمّاد «٧» عن أبي بكر عن عاصم، والأعشى عن أبي بكر عن عاصم، بضم الراء، في كل ذلك. وقال محمد بن المنذر «٨» عن يحيى عن أبي بكر عن عاصم أنّه ضمّه كلّه.
стр. 939
[حدثنا ابن مجاهد قال] «١»: حدثني محمد بن الجهم «٢» عن ابن أبي أميّة «٣» عن أبي بكر عن عاصم: (رضوان) و (رضوانا) [المائدة/ ٢] بضمّ الراء في كلّ القرآن، وكذلك حدّثني ابن صدقة عن أبي الأسباط عن ابن أبي حماد عن أبي بكر عن عاصم. وقال حفص عن عاصم: مكسور كلّه، وقرأ الباقون: (رضوان) كسرا «٤».
قال أبو علي: رضوان مصدر، فمن كسر «٥» جعله كالرّئمان والحرمان، ومن ضمّ فقد قال سيبويه: رجح رجحانا، كما قالوا: الشكران والرّضوان «٦».
[آل عمران: ١٩]
قال أحمد: كلّهم قرأ: إن الدين عند الله الإسلام [آل عمران/ ١٩] بكسر الألف إلّا الكسائي فإنّه فتح الألف من أن الدين عند الله الإسلام «٧».
قال أبو علي: الوجه: الكسر في (إنّ)، لأنّ الكلام الذي قبله قد تمّ، وهذا النحو من الكلام الذي يراد به التنزيه، والتقرب، أن يكون بجمل متباينة أحسن من حيث كان أبلغ في
стр. 940
الثناء، وأذهب في باب المدح، ومن ثمّ جاء والموفون بعهدهم إذا عاهدوا والصابرين في البأساء والضراء [البقرة/ ١٧٧].
ومن فتح (أنّ) جعله بدلا، والبدل، وإن كان في تقدير جملتين، فإنّ العامل لمّا لم يظهر، أشبه الصفة. فإذا جعلته بدلا جاز أن تبدله من شيئين: أحدهما: من قوله: أنه لا إله إلا هو [آل عمران/ ١٨] فكأنّ التقدير: شهد الله أنّ الدين عنده «١» الإسلام، فيكون البدل من الضرب الذي الشيء فيه هو هو. ألا ترى أنّ الدّين الذي «٢» هو الإسلام يتضمن التوحيد والعدل وهو هو في المعنى؟. وإن شئت جعلته من بدل الاشتمال لأنّ الإسلام يشتمل على التوحيد والعدل، وإن شئت جعلته من القسط لأنّ الدين الذي هو الإسلام قسط وعدل، فيكون من البدل الذي الشيء فيه هو هو.
[آل عمران: ٢١]
[قال] «٣» أحمد: كلهم قرأ: ويقتلون الذين يأمرون بالقسط [آل عمران/ ٢١] بغير ألف إلّا حمزة فإنّه قرأ (ويقاتلون) بألف «٤».
قال أبو علي: حجة من قرأ: ويقتلون الذين يأمرون أنّه معطوف على قوله، ويقتلون النبيين [آل عمران/ ٢١] وقد
стр. 941
جاء في أخرى «١» فلم تقتلون أنبياء الله من قبل [البقرة/ ٩١] فجاء الفعل على يفعل دون يفاعل، فكذلك: ويقتلون الذين يأمرون بالقسط [آل عمران/ ٢١] لأنّ الآمرين بالقسط من الناس قد وافقوا الأنبياء في الأمر بالقسط، وكبر عليهم مقامهم وموضعهم فقتلوهم، كما قتلوا الأنبياء.
وحجة من قرأ: ويقاتلون الذين يأمرون أنّ في حرف عبد الله فيما زعموا: وقاتلوا الذين يأمرون بالقسط فاعتبرها، وكأن معنى يقاتلونهم، أنّهم لا يوالونهم ليقلّ «٢» نهيهم إياهم «٣» عن العدوان عليهم، فيكونون مباينين لهم، مشاقّين لهم «٤»؛ لأمرهم بالقسط، وإن لم يقتلوهم كما قتلوا الأنبياء، ولكن قاتلوهم قتال المباين المشاقّ لهم.
فإن قال قائل: إنّه في قراءته (ويقاتلون) لم يقرأ بحرف عبد الله، وترك قراءة الناس. قيل: ليس بتارك حرف عبد الله الذي هو (قاتلوا) في قراءته (يقاتلون) لأنّ قوله: (يقاتلون) يجوز أن يريد به (قاتلوا)، ألا ترى أنّه قد جاء إن الذين كفروا ويصدون عن سبيل الله [الحج/ ٢٥].
وقال في أخرى: الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله [النحل/ ٨٨، محمد/ ١] فإذا جاء المعنى لم يكن تاركا لقراءة
стр. 942
عبد الله، وذلك أنّ قوله: يصدون يجوز أن يكون في المعنى (صدّوا)، إلّا أنّه جاء على لفظ المضارع حكاية للحال، وكذلك حمزة في قراءته (يقاتلون) يجوز أن يكون مراده به «١» (قاتلوا) إلّا أنّه «٢» جاء على لفظ المضارع حكاية للحال.
[آل عمران: ٢٧]
اختلفوا في قوله جلّ اسمه «٣»: وتخرج الحي من الميت وتخرج الميت من الحي [آل عمران/ ٢٧]، في التّشديد والتّخفيف: فقرأ عاصم في رواية أبي بكر، وابن كثير، وأبو عمرو وابن عامر: وتخرج الحي من الميت وتخرج الميت من الحي [آل عمران/ ٢٧] ولبلد ميت [الأعراف/ ٥٧] أو من كان ميتا [الأنعام/ ١٢٢] والأرض الميتة [يس/ ٣٣] وإن يكن ميتة [الأنعام/ ١٣٩] كل ذلك بالتخفيف.
وروى حفص عن عاصم: (من الميّت) مشدّدة «٤» مثل حمزة، وقرأ نافع وحمزة والكسائي: الحي من الميت والميت من الحي [آل عمران/ ٢٧] ولبلد ميت [الأعراف/ ٥٧] وإلى بلد ميت [فاطر/ ٩] مشدّدا.
وخفف حمزة والكسائي غير هذه الحروف. وقرأ نافع:
أو من كان ميتا [الأنعام/ ١٢٢] والأرض الميتة
стр. 943
[يس/ ٣٣] ولحم أخيه ميتا [الحجرات/ ١٢] وخفّف في سائر القرآن ما لم يمت «١».
قال أبو علي: قال أبو زيد: وقع في المال: الموتان، والموات، والموات في قول بعض بني أسد: إذا وقع فيه الموت. قال أبو علي: يقال «٢»: مات يموت مثل: قال يقول، وقالوا:
متّ تموت، ودمت تدوم. ومتّ ودمت: شاذان. ونظيرهما من «٣» الصحيح: فضل يفضل.
فأمّا الميّت فهو الأصل، والواو التي هي عين «٤» انقلبت ياء لإدغام الياء فيها، والأصل التثقيل. وميّت محذوف منه، والمحذوف العين أعلّت عينه بالحذف كما أعلّت بالقلب، فالحذف حسن والإتمام حسن. وما كان من هذا النحو، العين فيه واو، فالحذف فيه أحسن، لاعتلال العين بالقلب، ألا ترى أنّهم قالوا: هائر «٥» وهار، وسائر، وسار، فأعلّوا العين بالحذف.
كما أعلّوها بالقلب؟ فكذلك نحو: ميّت وسيّد. وما مات، وما لم يمت، في هذا الباب يستويان في الاستعمال «٦»، ألا ترى أنّه قد جاء:
ومنهل فيه الغراب الميت
стр. 944
[كأنّه من الأجون زيت] «١» سقيت منه القوم واستقيت «٢» فهذا قد مات. وقال الآخر:
ليس من مات فاستراح بميت ... إنّما الميت ميّت الأحياء
«٣» فقد خفّف [ما مات] «٤» في الرّجز والبيت الآخر، وقال:
ميّت الأحياء فشدّد، ولم يمت، وقال تعالى «٥»: إنك ميت وإنهم ميتون [الزمر/ ٣٠].
[آل عمران: ٢٨]
اختلفوا في إمالة القاف من قوله جلّ وعزّ «٦»: تقاة [آل عمران/ ٢٨].
فأمال الكسائيّ القاف في الموضعين جميعا، وأمال حمزة منهم تقاة [آل عمران/ ٢٨] إشماما من غير مبالغة، ولم يمل حمزة حق تقاته [آل عمران/ ١٠٢] وفتح الباقون القاف في الموضعين غير أن نافعا كانت قراءته بين الفتح والكسر «٧».
стр. 945
قال أبو علي: قال أبو زيد: وقيت الرجل أقيه وقاء و «١» وقاية، وأنشد «٢»:
لولا الذي أوليت كنت وقاية ... لأحمر لم تقبل عميرا قوابله
وأنشد أبو زيد:
زيادتنا نعمان لا تحرمنّنا ... تق الله فينا والكتاب الذي تتلو
«٣» وأنشد أيضا:
تقوه أيّها الفتيان إني ... رأيت الله قد غلب الجدودا
«٤» وأنشد أيضا:
تقاك بكعب واحد وتلذّه ... يداك إذا ما هزّ بالكفّ يعسل
«٥»
стр. 946
قال أبو عمرو «١»: يصف رمحا، يريد: اتقاك.
وقال السكريّ: تقاك: وليك منه كعب.
قال: ويقال: إبلك اتقت كبارها بصغارها، أي جعلت الصغار ممّا يليك، وكذلك: اتقاني فلان بحقي، أي: أعطانيه وجعله بيني وبينه.
فأمّا قولهم: تقاك، فتقديره «٢»: تعلك، والأصل: اتّقاك فحذف فاء الفعل المدغمة، فسقطت همزة الوصل المجتلبة لسكونها، وأعللتها بالحذف كما أعللتها بالقلب، وليس ذلك بالمطّرد، وقولهم في المضارع: يتقي، تقديره: يتعل وقال:
يتقي به نفيان كلّ عشيّة «٣» .............
وأمّا التّقوى فهو فعلى. من وقيت، وأبدلت من اللّام التي هي ياء من وقيت الواو، كما تبدل في هذا النحو من الأسماء، وقد أنشد أبو زيد:
قصرت له القبيلة إذ تجهنا ... وما ضاقت بشدّته ذراعي
«٤» فهذا فعلنا من الوجه، يقال: تجه يتجه تجها، مثل: فزع يفزع فزعا، إذا واجهه.
стр. 947
وأنشد الأصمعي:
تجهنا «١» .........
فهذا ينبغي أن يحمل على فعل، ولا تجعله مثل: تقى يتقي، لقلة ذلك وشذوذه، وتقيته واتّقيته مثل شويته واشتويته. وتقول في المضارع: أنت تتقي وتتّقي. والواقية يشبه أن تكون مصدرا كالعاقبة والعافية، وقالوا في جمعه: أواق، فأبدلوا لاجتماع الواوين قال:
................ .. ... يا عديا لقد وقتك الأواقي
«٢» فأمّا من لم يمل الألف من تقاة، فحجّته: أنّ قاة من تقاة بمنزلة قادم، فكما لم يمل هذا كذلك ينبغي أن [لا يمال قاف تقاة] «٣» لاستعلاء القاف، كما لم يمل ما ذكرنا.
وحجّة من أمال أنّ سيبويه زعم: أنّ قوما قد أمالوا من هذا «٤» مع المستعلي ما لا ينبغي أن يمال في القياس. قال:
وهو قليل، وذلك قول بعضهم: رأيت عرقا وضيقا «٥».
стр. 948
قال أبو علي: ولو قلت إنّ الإمالة فيما ذكره أمثل منها في (تقاة) لأنّ قبلها كسرة، والكسرة تجلبها، والإمالة في حق تقاته [آل عمران/ ١٠٢] تحسن «١» لمكان الكسرة وهو في الأولى نحو:
عرقا، للزوم الكسرة أقوى، وكسرة التاء في تقاته كسرة إعراب لا تلزم، على أن الأحسن الأكثر أن لا تميل لأنّ: قاته من تقاته بمنزلة قادم وقافل، فكما لا يمال هذا كذلك ينبغي أن لا تميل الألف من تقاته.
ومن وجه إمالة القاف في (تقاته، وتقاة) أنّهم قد أمالوا سقى، وصغا وضغا، ومعطى «٢»، طلبا للياء التي الألف في موضعها، فكما «٣» أميلت هذه الألف مع المستعلي كذلك أميلت التي في تقاة وتقاته.
فإن قلت: إنّ هذه الإمالة إنّما جاءت في الفعل، والفعل أكثر احتمالا للتغيير، واسم الفاعل بمنزلة الفعل، وليس التقاة، بواحدة «٤» منهما. قيل: يمكن أن يقال: إنّه شبّه المصدر باسم الفاعل لمشابهته له في الإعمال، وقيامه مقام الصفة في عدل، وزور، كما شبّه «٥» اسم المفعول في معطى بالفعل لعمله عمله.
[آل عمران: ٣٦]
واختلفوا في ضمّ التاء وتسكين العين، وفتح العين وتسكين
стр. 949
التاء في قوله تعالى «١»: بما وضعت [آل عمران/ ٣٦].
فقرأ عاصم في رواية أبي بكر وابن عامر بما وضعت بضم التاء وإسكان العين.
وروى حفص عن عاصم والمفضّل عن عاصم «٢»: (بما وضعت) بالإسكان.
وقرأ الباقون: (وضعت) بالإسكان مثل حفص «٣».
قال أبو علي: من قرأ: والله أعلم بما وضعت [آل عمران/ ٣٦] جعله من كلام أمّ مريم. وإسكان التاء أجود في قوله: والله أعلم بما وضعت لأنّها قد قالت: رب إني وضعتها أنثى [آل عمران/ ٣٦] فليست تحتاج بعد هذا أن تقول: والله أعلم بما وضعت.
ووجهه: أنّه كقول القائل في الشيء: ربّ قد كان كذا وكذا. وأنت أعلم، ليس يريد إعلام الله سبحانه ذلك، ولكنّه كالتسبيح والخضوع والاستسلام له «٤»، وليس يريد بذلك إخبارا.
ومن قرأ: والله أعلم بما وضعت جعل ذلك من قول الله تعالى، والمعنى: أنّ الله- سبحانه- قد علم ما قالته، قالته هي أو لم تقله. وممّا يقوّي قول من أسكن التاء، قوله: والله أعلم بما وضعت
стр. 950
ولو كان من قول أمّ مريم لكان: وأنت أعلم بما وضعت، لأنّها تخاطب الله سبحانه.
وقال بعض المتأوّلين: كانوا لا يحررون الإناث والله أعلم بما وضعت على جهة النّدم، وأنّها فعلت ما لا يجوز، فلذلك قالت «١»:
وليس الذكر كالأنثى [آل عمران/ ٣٦] لأنّ الذكر يتصرف في الخدمة والأنثى خلافه، وكانت الأحبار يكفلون المحررين، فاقترعوا على مريم بأقلامهم، فغلب عليها زكريا.
[آل عمران: ٣٧]
اختلفوا في تشديد الفاء وتخفيفها من قوله «٢»:
وكفلها زكريا «٣» [آل عمران/ ٣٧] ومدّ (زكرياء) وقصره ورفعه ونصبه.
فقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر: (وكفلها) مفتوحة الفاء خفيفة، و (زكرياء) رفع ممدود.
وقرأ عاصم في رواية أبي بكر (وكفّلها) مشدّدة «٤» و (زكرياء) نصب وكان يمدّ (زكرياء) في كلّ القرآن، وكذلك كلّ من تقدّم ذكره، هذه رواية أبي بكر.
وروى حفص عن عاصم: (وكفّلها) مشددا و «٥» زكريّا قصرا في كل القرآن.