← Таджвид и кираат

Таджвид и кираат · id 35101

الحجة للقراء السبعة

أبو علي الفارسي

Полный текст (2 942 стр.). Показаны 946–985 · переход к 951.

стр. 946

قال أبو عمرو «١»: يصف رمحا، يريد: اتقاك. وقال السكريّ: تقاك: وليك منه كعب. قال: ويقال: إبلك اتقت كبارها بصغارها، أي جعلت الصغار ممّا يليك، وكذلك: اتقاني فلان بحقي، أي: أعطانيه وجعله بيني وبينه. فأمّا قولهم: تقاك، فتقديره «٢»: تعلك، والأصل: اتّقاك فحذف فاء الفعل المدغمة، فسقطت همزة الوصل المجتلبة لسكونها، وأعللتها بالحذف كما أعللتها بالقلب، وليس ذلك بالمطّرد، وقولهم في المضارع: يتقي، تقديره: يتعل وقال: يتقي به نفيان كلّ عشيّة «٣» ............. وأمّا التّقوى فهو فعلى. من وقيت، وأبدلت من اللّام التي هي ياء من وقيت الواو، كما تبدل في هذا النحو من الأسماء، وقد أنشد أبو زيد: قصرت له القبيلة إذ تجهنا ... وما ضاقت بشدّته ذراعي «٤» فهذا فعلنا من الوجه، يقال: تجه يتجه تجها، مثل: فزع يفزع فزعا، إذا واجهه.

стр. 947

وأنشد الأصمعي: تجهنا «١» ......... فهذا ينبغي أن يحمل على فعل، ولا تجعله مثل: تقى يتقي، لقلة ذلك وشذوذه، وتقيته واتّقيته مثل شويته واشتويته. وتقول في المضارع: أنت تتقي وتتّقي. والواقية يشبه أن تكون مصدرا كالعاقبة والعافية، وقالوا في جمعه: أواق، فأبدلوا لاجتماع الواوين قال: ................ .. ... يا عديا لقد وقتك الأواقي «٢» فأمّا من لم يمل الألف من تقاة، فحجّته: أنّ قاة من تقاة بمنزلة قادم، فكما لم يمل هذا كذلك ينبغي أن [لا يمال قاف تقاة] «٣» لاستعلاء القاف، كما لم يمل ما ذكرنا. وحجّة من أمال أنّ سيبويه زعم: أنّ قوما قد أمالوا من هذا «٤» مع المستعلي ما لا ينبغي أن يمال في القياس. قال: وهو قليل، وذلك قول بعضهم: رأيت عرقا وضيقا «٥».

стр. 948

قال أبو علي: ولو قلت إنّ الإمالة فيما ذكره أمثل منها في (تقاة) لأنّ قبلها كسرة، والكسرة تجلبها، والإمالة في حق تقاته [آل عمران/ ١٠٢] تحسن «١» لمكان الكسرة وهو في الأولى نحو: عرقا، للزوم الكسرة أقوى، وكسرة التاء في تقاته كسرة إعراب لا تلزم، على أن الأحسن الأكثر أن لا تميل لأنّ: قاته من تقاته بمنزلة قادم وقافل، فكما لا يمال هذا كذلك ينبغي أن لا تميل الألف من تقاته. ومن وجه إمالة القاف في (تقاته، وتقاة) أنّهم قد أمالوا سقى، وصغا وضغا، ومعطى «٢»، طلبا للياء التي الألف في موضعها، فكما «٣» أميلت هذه الألف مع المستعلي كذلك أميلت التي في تقاة وتقاته. فإن قلت: إنّ هذه الإمالة إنّما جاءت في الفعل، والفعل أكثر احتمالا للتغيير، واسم الفاعل بمنزلة الفعل، وليس التقاة، بواحدة «٤» منهما. قيل: يمكن أن يقال: إنّه شبّه المصدر باسم الفاعل لمشابهته له في الإعمال، وقيامه مقام الصفة في عدل، وزور، كما شبّه «٥» اسم المفعول في معطى بالفعل لعمله عمله. [آل عمران: ٣٦] واختلفوا في ضمّ التاء وتسكين العين، وفتح العين وتسكين

стр. 949

التاء في قوله تعالى «١»: بما وضعت [آل عمران/ ٣٦]. فقرأ عاصم في رواية أبي بكر وابن عامر بما وضعت بضم التاء وإسكان العين. وروى حفص عن عاصم والمفضّل عن عاصم «٢»: (بما وضعت) بالإسكان. وقرأ الباقون: (وضعت) بالإسكان مثل حفص «٣». قال أبو علي: من قرأ: والله أعلم بما وضعت [آل عمران/ ٣٦] جعله من كلام أمّ مريم. وإسكان التاء أجود في قوله: والله أعلم بما وضعت لأنّها قد قالت: رب إني وضعتها أنثى [آل عمران/ ٣٦] فليست تحتاج بعد هذا أن تقول: والله أعلم بما وضعت. ووجهه: أنّه كقول القائل في الشيء: ربّ قد كان كذا وكذا. وأنت أعلم، ليس يريد إعلام الله سبحانه ذلك، ولكنّه كالتسبيح والخضوع والاستسلام له «٤»، وليس يريد بذلك إخبارا. ومن قرأ: والله أعلم بما وضعت جعل ذلك من قول الله تعالى، والمعنى: أنّ الله- سبحانه- قد علم ما قالته، قالته هي أو لم تقله. وممّا يقوّي قول من أسكن التاء، قوله: والله أعلم بما وضعت

стр. 950

ولو كان من قول أمّ مريم لكان: وأنت أعلم بما وضعت، لأنّها تخاطب الله سبحانه. وقال بعض المتأوّلين: كانوا لا يحررون الإناث والله أعلم بما وضعت على جهة النّدم، وأنّها فعلت ما لا يجوز، فلذلك قالت «١»: وليس الذكر كالأنثى [آل عمران/ ٣٦] لأنّ الذكر يتصرف في الخدمة والأنثى خلافه، وكانت الأحبار يكفلون المحررين، فاقترعوا على مريم بأقلامهم، فغلب عليها زكريا. [آل عمران: ٣٧] اختلفوا في تشديد الفاء وتخفيفها من قوله «٢»: وكفلها زكريا «٣» [آل عمران/ ٣٧] ومدّ (زكرياء) وقصره ورفعه ونصبه. فقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر: (وكفلها) مفتوحة الفاء خفيفة، و (زكرياء) رفع ممدود. وقرأ عاصم في رواية أبي بكر (وكفّلها) مشدّدة «٤» و (زكرياء) نصب وكان يمدّ (زكرياء) في كلّ القرآن، وكذلك كلّ من تقدّم ذكره، هذه رواية أبي بكر. وروى حفص عن عاصم: (وكفّلها) مشددا و «٥» زكريّا قصرا في كل القرآن.

стр. 951

وكان حمزة والكسائي يشددان (كفّلها)، ويقصران (زكريّا) في كل القرآن «١». قال أبو علي: حجة من خفّف (كفّلها) قوله تعالى «٢»: أيهم يكفل مريم [آل عمران/ ٤٤] و (زكرياء) مرتفع لأنّ الكفالة مسندة إليه، فأمّا من قال: وكفلها زكرياء فشدّد الفاء، فإنّ كفلت يتعدى إلى مفعول واحد، فإذا ضاعفت العين تعدى إلى مفعولين نحو: غرم زيد مالا، وغرّمت زيدا مالا، وفاعل كفّلها فيمن شدّد الضمير العائد إلى ربّها من قوله: فتقبلها ربها بقبول حسن [آل عمران/ ٣٧] وزكرياء الذي كان فاعلا قبل تضعيف العين صار مفعولا ثانيا بعد تضعيف العين. وأمّا زكرياء: فالقول في همزته أنّها لا تخلو من أن تكون للتأنيث أو للإلحاق أو منقلبة، فلا يجوز أن تكون للإلحاق لأنّه ليس شيء في الأصول على وزنه فيكون هذا ملحقا به. ولا يجوز أن تكون منقلبة لأنّ الانقلاب لا يخلو من أن يكون من نفس الحرف أو من حرف للإلحاق، فلا يجوز أن يكون من نفس الحرف لأنّ الياء والواو لا يكونان أصلا فيما كان على أربعة أحرف، ولا يجوز أن يكون منقلبا من حرف الإلحاق لأنّه ليس في الأصول شيء يكون هذا ملحقا به! فإذا بطل هذان، ثبت أنّه للتأنيث، وكذلك القول فيمن قصر. فقال: زكريا. ونظير القصر والمدّ في هذا الاسم قولهم: الهيجا والهيجاء، قال:

стр. 952

وأربد فارس الهيجا إذا ما ... تقعّرت المشاجر بالفئام «١» وقال: إذا كانت الهيجاء وانشقّت العصا ... فحسبك والضّحّاك عضب مهنّد «٢» لمّا أعربت الكلمة وافقت العربية. وقد حذفوا ألف التأنيث من الكلمة فقالوا: هو يمشي الجيضّ والجيضّى «٣»، فعلى هذا قالوا: زكرياء وزكريّ، فمن قال: زكريّ صرف، والقول فيه أنّه حذف الياءين اللتين كانتا في (زكرياء) و (زكريا) وألحق الكلمة ياءي النسب «٤»، يدلك على ذلك صرف الاسم، ولو كانت الياءان في زكري الياءين اللتين كانتا في (زكرياء) و (زكريّا)، لوجب أن لا ينصرف الاسم للعجمة والتعريف كما أنّ إبراهيم ونحوه من

стр. 953

الأعجمية لا ينصرف، فانصراف الاسم يدلّ على أنّ الياءين للنسب، فانصرف «١» الاسم وإن كان لو لم تلحق الياءان لم ينصرف بالعجمة «٢» والتعريف، يدلّك على ذلك أنّ ما كان على وزن مفاعل لا ينصرف فإذا ألحقته «٣» ياءي النسب انصرف كقوله: مدائنيّ ومعافريّ. وقد جرت تاء التأنيث هذا المجرى، فقالوا: صياقل، فلم يصرفوا، وألحقوا التاء فقالوا: صياقلة، فاتفق تاء التأنيث، وياء النسب في هذا كما اتفقا في روميّ، وروم، وشعيرة، وشعير، ولحقت الاسم الياءان وإن لم يكن فيه معنى نسب إلى شيء كما لم يكن في كرسيّ وقمريّ وثمان معنى نسب إلى شيء، وهذا نظير لحاق تاء التأنيث ما لم يكن فيه معنى تأنيث: كغرفة وظلمة ونحو ذلك، ويدل «٤» على أنّ الياءين في زكريّ ليستا اللتين كانتا في (زكرياء) أنّ ياءي النسب لا تلحقان قبل ألف التأنيث وإن كانتا قد لحقتا قبل التاء من «٥» بصرية لأنّ التاء بمنزلة اسم مضموم إلى اسم، والألف ليست كذلك. ألا ترى أنّك تكسر عليها الاسم والتاء ليست «٦» كذلك؟.

стр. 954

[آل عمران: ٣٩] واختلفوا في الألف «١» والتاء من قوله تعالى «٢»: فنادته الملائكة [آل عمران/ ٣٩]. فقرأ ابن كثير ونافع وعاصم وأبو عمرو وابن عامر (فنادته) بالتاء. وقرأ حمزة والكسائي (فناداه) بإمالة الدال «٣». قال أبو علي: من قرأ (فنادته) بالتاء فلموضع الجماعة، والجماعة ممن يعقل في جمع التكسير يجري مجرى ما لا يعقل، ألا ترى أنّك تقول: هي الرجال، كما تقول هي الجذوع، وهي الجمال؟ فعلى هذا أنّث كما جاء: قالت الأعراب [الحجرات/ ١٤] ومن زعم أنّ التأنيث يكره هاهنا لأنّ فيه كالتحقيق لما كانوا يدّعونه في الملائكة لم يكن هذا بحجة على من قرأ بالتاء. ألا ترى أنّه قد جاء: إذ قالت الملائكة [آل عمران/ ٤٥]؟ فلو كان في تأنيث هذا حجة لما كانوا يدّعونه في الملائكة لكان في تذكير [نحو قوله] «٤» والملائكة باسطو أيديهم [الأنعام/ ٩٣]، والملائكة يدخلون عليهم [الرعد/ ٢٣] حجة عليهم، ولكان في نحو قوله: إذ قالت الملائكة حجة لهم، فليس هذا بشيء. ومن قرأ «٥»: فناداه

стр. 955

الملائكة، فهو كقوله: وقال نسوة في المدينة [يوسف/ ٣٠] وأمّا إمالة الألف في ناداه فحسنة لأنّها تصير إلى الياء، من الواو كانت أو من الياء، فتحسن الإمالة للانتحاء نحو ما الألف منقلبة عنه وهو الياء. وحجة التفخيم في ناداه أنّه في قلبه الياء إلى الألف فرّ من الياء، فإذا أمال بعد فقد قرّب الحرف مما كان كرهه وفرّ منه. قال سيبويه: ولا تقول «١» ذلك في حبلى، لأنّه لم يفرّ فيها «٢» من ياء «٣». يريد أنّ ألف حبلى لم تكن ياء قلبت ألفا، إنّما هي في أصلها ألف مزيدة للتأنيث. [آل عمران: ٣٩] واختلفوا «٤» في كسر الألف في «٥» (إنّ) وفتحها من قوله تعالى «٦»: [في المحراب] أن الله [آل عمران/ ٣٩]. فقرأ ابن عامر وحمزة: إنّ الله بالكسر. وقرأ الباقون: أن الله بالفتح «٧». قال أبو علي «٨»: من فتح «أنّ» المعنى: فنادته بأنّ الله، فلمّا حذف الجارّ منها وصل الفعل إليها فنصبها، فأنّ في موضع نصب،

стр. 956

وعلى قياس قول الخليل في موضع جرّ. ومن كسر أضمر القول، كأنّه: نادته فقالت: إنّ الله فحذف القول كما حذف في قول من كسر، فقال: فدعا ربه إني مغلوب [القمر/ ١٠] وإضمار القول كثير في هذا النحو، كما قال: والملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلام عليكم [الرعد/ ٢٣] والملائكة باسطوا أيديهم أخرجوا [الأنعام/ ٩٣]. فاما الذين اسودت وجوههم أكفرتم [آل عمران/ ١٠٦]. فأضمر القول في ذلك كلّه. وزعموا أنّ في حرف عبد الله فنادته الملائكة يا زكرياء إن الله فقوله: يا زكرياء في موضع نصب بوقوع النداء عليه، وكذلك إن أضمرت يا زكرياء ولم تذكره كان جائزا وحذف كما حذف المفعول من الكلام، ولا يجوز الفتح في (إنّ) على هذا، لأنّ ناديت قد استوفى «١» مفعوليها، أحدهما: علامة الضمير، والآخر: المنادى، فإن فتحت (أنّ) لم يكن لها شيء يتعلق به. قال «٢»: وكلهم [فتح الراء من: المحراب] «٣» [آل عمران/ ٣٧ و ٣٩]: إلا ابن عامر فإنه أمالها. قال أبو علي: قد أطلق أبو بكر القول في إمالة ابن عامر الألف من محراب. ولم يخصّ به الجرّ من غيره. وقال غيره: إنّما يميله في الجر. وحجة من لم يمل أنّ «راب» من محراب

стр. 957

بمنزلة راء وراءة «١» ونحو ذلك. فكما لا تمال الراء من هذا النحو كذلك ينبغي أن لا تمال من المحراب «٢» في الجرّ ولا في الرفع. ألا ترى أنّه لا تمال رادة من قولهم: ريح رادة وراشد؟. والراء من «راب» بمنزلة الراء من راشد. فإن قلت: فهلّا جازت إمالتها للكسرة التي في الميم كما جازت الإمالة في مقلات «٣» للكسرة. قيل إنّ من أمال مقلاتا، إنّما أماله لأنّه قدّر الكسرة كأنّها على القاف، لأنّها تليها، والقاف إذا تحركت بالكسر حسنت إمالة الألف بعدها. نحو: ققاف وغلاب. ولو قدّرت الكسرة على الحاء من محراب كما قدّرتها على القاف من مقلات لم تحسن «٤» الإمالة، ألا ترى أنّ «حراب» بمنزلة فراش، وفراس؟. وقد قال «٥»: إنّهم لا يميلون فراشا «٦»، فكذلك المحراب، يريد سيبويه، بقوله: لا يميلون، لا يميله الأكثر. وحجة من أمال الألف من «محراب» أنّ سيبويه قد زعم أنّهم قالوا: عمران، ولم يميلوا برقان يعني: أنّهم لم يجعلوا الراء كالمستعلي في منع الإمالة، فعلى هذا يجوز أن تمال الألف في «٧» «محراب» في

стр. 958

الرفع، وزعم أيضا أنّهم قالوا: ذا «١» فراش، هذا جراب، لما كانت الكسرة أولا والألف زائدة. قال: والنصب فيه كلّه حسن «٢». [آل عمران: ٣٩] اختلفوا في ضمّ الياء «٣» وفتحها أو فتح الباء وسكونها والتثقيل «٤» من قوله جلّ وعزّ «٥»: يبشرك [آل عمران/ ٣٩]. فقرأ ابن كثير وأبو عمرو: يبشرك بضم الياء وفتح الباء والتشديد في كل القرآن، إلّا في عسق فإنّهما قرأ ذلك الذي يبشر الله عباده [الشورى/ ٢٣] مفتوح الياء مضموم الشين مخففا. وقرأ نافع وابن عامر وعاصم يبشرك مشدّدا في كلّ القرآن. وقرأ حمزة يبشر خفيفا «٦»، مما لم يقع في كلّ القرآن، إلّا قوله تعالى «٧»: فبم تبشرون [الحجر/ ٥٤]. وقرأ الكسائي يبشر مخففة في خمسة مواضع: في آل عمران في قصة زكريا، وقصة مريم وفي سورة بني إسرائيل، وفي

стр. 959

الكهف: ويبشر المؤمنين [الإسراء/ ٩] وفي عسق: يبشر الله عباده «١» [الشورى/ ٢٣]. [قال أبو علي] «٢»: قال أبو عبيدة: يبشّرك، ويبشرك ويبشرك وبشرناه «٣» واحد «٤». قال أبو الحسن في يبشّر: ثلاث لغات: بشّر وبشر وأبشر يبشر بكسر الشين إبشارا، وبشر يبشر بشرا وبشورا يقال: أتاك أمر بشرت به، وأبشرت به في معنى بشّرت به ومنه وأبشروا بالجنة [فصلت/ ٣٠]. وأنشد: وإذا رأيت الباهشين إلى العلى ... غبرا أكفّهم بقاع ممحل فأعنهم وابشر بما بشروا به ... وإذا هم نزلوا بضنك فانزل «٥» وقال أبو زيد: بشّرت القوم بالخير تبشيرا، والاسم: البشرى. وأبشر «٦» بالخير إبشارا، وبشّرت الناقة باللّقاح حين يعلم ذاك منها أول ما تلقح.

стр. 960

قال أبو علي: إذا كانت هذه اللغات في الكلمة شائعة فأخذ القارئ بإحداها وجمعه بينها مستقيم سائغ. [آل عمران: ٤٨] اختلفوا في النون والياء من قوله تعالى «١»: ويعلمه الكتاب [آل عمران/ ٤٨]. فقرأ نافع وعاصم: ويعلمه الكتاب بالياء، وقرأ الباقون: ونعلمه بالنون «٢». فحجّة من قرأ: يعلمه أنّه عطفه على قوله: إن الله يبشرك، ويعلمه على العطف على يبشرك. ومن قال: نعلمه: فهو على هذا المعنى، إلّا أنّه جعله على نحو «٣» نحن قدرنا بينكم الموت [الواقعة/ ٦٠]. قال: كلّهم قرأ: أني أخلق لكم [آل عمران/ ٤٩]. وقرأ نافع: (إني) «٤». قال أبو عليّ: قول من فتح (أنّ) أنّه جعلها بدلا من (آية): كأنّه قال: وجئتكم بأنّي أخلق لكم. ومن كسر إنّ احتمل وجهين: أحدهما: أنّه استأنف، وقطع الكلام مما قبله. والآخر: أنّه فسّر الآية بقوله: إنّي أخلق لكم من الطين، كما فسّر الوعد في قوله: وعد الله الذين آمنوا بقوله: لهم مغفرة

стр. 961

[المائدة/ ٩] وكما فسّر المثل في قوله: كمثل آدم [آل عمران/ ٥٩] بقوله: خلقه من تراب [آل عمران/ ٥٩] وهذا الوجه «١» أحسن ليكون في المعنى كمن فتح وأبدل من (آية). قال: وكلّهم قرأ: فيكون طيرا [آل عمران/ ٤٩] بغير ألف غير نافع فإنّه قرأ: طائرا بألف هاهنا، وفي المائدة «٢». قال أبو علي: حجّة من قرأ: فيكون طيرا قوله تعالى «٣»: إني أخلق لكم من الطين كهيئة الطير [آل عمران/ ٤٩] ولم يقل كهيئة الطائر، فكذلك يكون كهيئة الطير «٤» وكذلك التي في المائدة، إلّا أنّ هاهنا فأنفخ فيه وثمّ فتنفخ فيها [المائدة/ ١١٠] فيجوز أن يكون على الهيئة مرة وعلى الطير أخرى، ويجوز أن يكون ذكّر الطير على معنى الجمع، وأنّث على معنى الجماعة. وقالوا: طائر، وأطيار، فهذا يكون كصاحب وأصحاب. وقال أبو الحسن: وقول العرب: طيور جمعوا الجمع، ووجه قراءة من قرأ، فيكون طائرا أنّه أراد: يكون ما أنفخ فيه، أو ما أخلقه طائرا، فأفرد لذلك، أو يكون أراد: يكون كلّ واحد من ذلك طائرا كما قال: فاجلدوهم ثمانين جلدة، أي اجلدوا كلّ واحد منهم. [آل عمران: ٥٧] قال [أحمد] «٥»: ولم يختلفوا في النون من قوله تعالى «٦»:

стр. 962

فنوفيهم أجورهم [آل عمران/ ٥٧، النساء/ ١٧٣] إلّا ما رواه حفص عن عاصم فإنّه «١» روى عنه بالياء «٢». قال أبو علي «٣»: وجه من قرأ بالنون قوله: فأما الذين كفروا فأعذبهم [آل عمران/ ٥٦] فقوله: فنوفيهم بالنون «٤» في المعنى مثل فأعذبهم. ومما يحسّن ذلك قوله: ذلك نتلوه عليك [آل عمران/ ٥٨]، ومن قرأ بالياء فلأنّ ذكر الله- سبحانه- قد تقدّم في قوله: إذ قال الله يا عيسى إني متوفيك [ورافعك إلي] «٥» [آل عمران/ ٥٥] فيحمل على لفظ الغيبة لتقدّم هذا الذكر، إذ صار في لفظ الخطاب في قوله: فأعذبهم وقوله: فيوفيهم إلى الغيبة كقوله: فأولئك هم المضعفون [الروم/ ٣٩] بعد قوله: وما آتيتم من زكاة [الروم/ ٣٩]. [آل عمران: ٥٩] قال: وقرأ ابن عامر وحده: فيكون [آل عمران/ ٥٩] بالنصب وهو وهم. وقال هشام بن عمار: كان أيوب بن تميم يقرأ: فيكون نصبا ثم رجع فقرأ: فيكون رفعا «٦». [قال أبو علي] «٧» قد تقدّم ذكر ذلك في سورة البقرة «٨». [آل عمران: ٦٦] اختلفوا في المدّ في ها أنتم [آل عمران/ ٦٦] والهمز وتركه.

стр. 963

فقرأ ابن كثير: هأنتم لا يمدّها، ويهمز أنتم. وقرأت أنا على قنبل عن ابن كثير: هأنتم في وزن «هعنتم». وقرأ نافع وأبو عمرو هآنتم: ممدودا استفهام «١» بلا همز. وقال علي بن نصر عن أبي عمرو أنه كان يخفف ولا يهمز استفهاما بلا همز. وقال أحمد بن صالح عن ورش وقالون عن نافع ممدود غير مهموز «٢». وقرأ عاصم وابن عامر وحمزة والكسائي: ها أنتم ممدود مهموز. ولم يختلفوا في مدّ (هؤلاء)، و (ألاء) «٣». [قال أبو علي] «٤»: أمّا قول ابن كثير (هأنتم هؤلاء) فوجهه: أنّه أبدل من همزة الاستفهام الهاء، أراد: أأنتم فأبدل من الهمزة الهاء. فإن قلت: هلّا لم يجز البدل من الهمزة لأنّه «٥» على حرف واحد؟ وإذا كان على حرف واحد وأبدلت منه لم يبق شيء من الحرف يدلّ عليه، فيكون الإبدال منه كالحذف له، فكما لا يجوز حذفه، كذلك لا يجوز البدل منه. قيل: لا يمتنع البدل منه، وإن كان على حرف، وما ذكرته ضرب من القياس الذي جاء

стр. 964

استعمالهم بخلافه. ألا ترى أنّهم قد أبدلوا من الباء الواو في قولهم: والله، وأبدلوا من الواو التاء في تالله؟ فهذه حروف مفردة وقد وقع الإبدال منها كما ترى، فكذلك تكون الهاء بدلا من الهمزة. فإن قلت: فهل يجوز أن تكون الهاء التي «١» في «ها» التي للتنبيه، كأنّه أراد: ها أنتم، فحذف الألف من الحرف، كما حذف «٢» من «ها» «٣» في قولهم: هلمّ؟. قيل: لا يسهل ذلك، لأنّ الحروف لا يحذف منها، إلّا إذا كان فيها تضعيف، وليس ذلك في «ها» وإنّما حذف من هلمّ لأنّ اللّام التي هي فاء في تقدير السكون، لأنّها متحركة بحركة منقولة [إليها، والحركة المنقولة قد يكون] «٤» الحرف المتحرك بها في نيّة السكون. كقولهم: الحمر، فاللّام في تقدير سكون بدلالة تقدير الهمزة التي للوصل معها، فكذلك اللّام في هلمّ. فإذا كان في نيّة سكون استقام حذف الألف من «ها» كما تحذف لالتقاء الساكنين، وليس ذلك في (هأنتم) فإذا كان كذلك لم يستقم الحذف فيه كما جاء في هلمّ. ومعنى الاستفهام في أأنتم تقرير. فأمّا قراءة نافع وأبي عمرو (هانتم) فتحتمل ضربين: أحدهما «٥»: يجوز أن تكون (ها) التي للتنبيه دخلت على أنتم

стр. 965

ويكون التنبيه داخلا على الجملة كما دخل في قوله «١»: هلمّ، وكما دخلت (يا) التي للتنبيه في نحو ألا يا اسجدوا [النمل/ ٢٥] وكما دخلت فيما أنشده أبو زيد [من قوله] «٢»: يا قاتل الله صبيانا تجيء بهم ... أمّ الهنيبر من زند لها واري «٣» [وكما أنشد غيره: يا ما أميلح غزلانا شدنّ لنا] «٤» فإن شئت قلت: إنّ «يا» دخلت يراد بها منادى محذوف كقوله: أيا شاعرا لا شاعر اليوم مثله «٥» * ..........

стр. 966

وكقوله: يا لعنة الله والأقوام كلّهم «١» * .......... وإن شئت جعلته لاحقا للجماعة بدلالة قولهم: هلم، ألا ترى أنّه لاحق للجملة التي هي (لمّ) بدلالة أن الفريقين جميعا من يثنّي الفاعل فيه ويجمع، ومن لا يفعل ذلك قد اتفقوا على فتح الآخر منه؟ وإنّما فتح الآخر منه لبنائها مع الكلمة، ولا يجوز مع هذا البناء وكون الكلمتين بمنزلة شيء واحد أن تقدر منبّها، فكما أنّ هذا لاحق للجملة كذلك يجوز في: «يا قاتل الله» «٢» وقوله: ألا يا اسجدوا [النمل/ ٢٥] لاحقا لها. فأمّا الهمزة من (أنتم) فيجوز أن تخفّف ولا تحقّق لوقوعها بعد الألف، كما تقول في هباءة: هباة، وفي المسائل: المسايل ويجوز أن تكون الهاء في «٣» ها أنتم بدلا من همزة الاستفهام، كما كانت بدلا منها في قول ابن كثير، وتكون الألف التي تدخل بين الهمزتين لتفصل بينهما، كما تدخل بين النونين لتفصل بينهما في اخشينانّ. فإن قلت: إنّ الألف إنّما تلحق لتفصل بين المثلين في:

стр. 967

اخشينانّ، وأاأنتم، واجتماع المثلين قد زال بإبدال الهاء من الهمزة فلا يحتاج إلى الألف، وإذا لم يحتج «١» إليها كان قوله: ها أنتم (ها) فيه للتنبيه «٢»، ولا تكون الهاء فيه بدلا من الهمزة، ألا ترى أنّ من قال: هراق قال: أهريق، ولم يحذف الهاء «٣» مع الهمزة كما يحذف إذا قال: أريق لزوال اجتماع المثلين؟. قيل: إنّ البدل قد يكون في حكم المبدل منه، ألا ترى أنّك لو سميت رجلا بهرق لقلت: هريق فلم تصرف كما لا تصرف مع الهمزة، وأنّ حكم الهاء حكم الهمزة؟ وكذلك الهمزة في حمراء، حكمها حكم الألف التي انقلبت عنه في امتناع الصّرف، وكذلك الهمزة في علياء، حكمها حكم الياء التي انقلبت عنها في مثل درحاية «٤»، وكذلك قال أبو الحسن: إنّك لو سمّيت بأصيلال لم تصرفه، فجعل «٥» اللام في حكم النون، وذلك لما قامت الدلالة عليه من أن النون في عطشان لما كانت بدلا من الهمزة في حمراء جرى عليها ما جرى على الهمزة، فكذلك تكون الهاء إذا كانت بدلا من الهمزة تجتلب الألف معها كما كانت تجتلب مع الهمزة، وتخفّف الهمزة من أنتم بعد الألف الفاصلة كما تخفّف بعد الألف من «٦» (ها) فإن كان ما حكوه في الترجمة حكوه عن أبي عمرو، فإنّه يدل على أنّه كان

стр. 968

يذهب «١» إلى أنّه استفهام، وكذلك، ما حكي عن نافع ممدود غير مهموز. يريد: أنّه ممدود غير محقّق الهمزة. وأما قراءة عاصم وابن عامر وحمزة والكسائي (ها أنتم) ممدود مهموز، فإنّ (ها) فيه تحتمل الوجهين اللذين ذكرناهما في قراءة نافع وأبي عمرو إلّا أنّهم حقّقوا الهمزة التي هي بعد الألف ولم يخفّفوها كما خفّفها أبو عمرو ونافع، وإن لم يروا إلحاق الألف للفصل بين الهمزتين، كما يراه أبو عمرو في نحو أاأنتم. فينبغي أن تكون (ها) في قولهم حرف التنبيه، ولا تكون الهاء «٢» بدلا من همزة الاستفهام، كما يجوز أن تكون بدلا منها على قول من أدخل الألف بين الهمزتين. قال: ولم يختلفوا في مدّ هؤلاء، وألاء. قال أبو علي: في هؤلاء لغتان: المدّ والقصر كالتي في قول الأعشى «٣»: هاؤلى ثمّ هاؤلى «٤» كلّا اعطي ... ت نعالا محذوّة بمثال

стр. 969

[آل عمران: ٧٣] وكلّهم «١» قرأ: أن يؤتى أحد غير ممدود، إلّا ابن كثير فإنّه قرأ: أن يؤتى أحد، ممدودا [آل عمران/ ٧٣] «٢». قال أبو علي: فقول الباقين أن المعنى على قراءة الجماعة «٣»: لا تصدقوا إلّا لمن تبع دينكم، أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم، وقوله: قل إن الهدى هدى الله [آل عمران/ ٧٣] اعتراض بين المفعول وفعله، والتقدير: لا تصدّقوا أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم إلّا لمن تبع دينكم. فأمّا قوله: أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم [آل عمران/ ٧٣] فإن «٤» أول الآية: وقالت طائفة من أهل الكتاب آمنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا وجه النهار [آل عمران/ ٧٢] فقوله «٥»: ولا تؤمنوا ... أن يؤتى أحد يكون تؤمنوا فيه متعدّيا بالجارّ، كما كان في أول الآية متعديا به. وإذا حذفت «٦» الجارّ من «أن» كان موضع «أن» على الخلاف، يكون «٧» في قول الخليل جرّا، وفي قول سيبويه نصبا. وأمّا اللّام في «٨» قوله: ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم [آل عمران/ ٧٣]

стр. 970

فلا يسهل أن يعلّقه ب تؤمنوا وأنت قد أوصلته بحرف آخر جارّ فتعلّق بالفعل جارّين، كما لا يستقيم أن تعدّيه إلى مفعولين إذا كان يتعدى إلى مفعول واحد، ألا ترى أنّ تعدّي الفعل بالجارّ كتعديه بالهمزة، وتضعيف العين؟ فكما لا يتكرر هذان، كذلك لا يتكرر الجارّ. فإن قلت: فقد جاء: فلأبغينّكم قنا وعوارضا ... ولأقبلنّ الخليل لابة ضرغد «١» والتقدير: لأقبلنّ بالخيل «٢» إلى هذا الموضع. فإنّ هذا إنّما جار لأنّ الثاني من المفعولين مكان، فيجوز أن يكون شبه المختص بالمبهم كقولهم: ذهبت الشام، فيمن لم يجعل الشام اسم الجهة. فإذا لم يسهل تعليق المفعولين به حملته على المعنى، والمعنى: لا تقرّوا بأن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم إلّا لمن تبع دينكم، كما تقول: أقررت لزيد بألف، فيكون اللام متعلقا بالمعنى، ولا تكون زائدة على حدّ إن كنتم للرءيا تعبرون [يوسف/ ٤٣] ولكن متعلق بالإقرار. فإن قلت: فهذا فعل قد تعلّق بجارّين. فإن الجارّين [لم

стр. 971

يتعلقا به] «١» على حدّ أنّه «٢» مفعول بهما، ولكن أحدهما على غير أنّه «٣» مفعول به، والمفعول به إذا تعدى الفعل إليه بالجارّ أشبه الظرف، ولذلك جاز: «سير بزيد فرسخ» فأقمت الظرف مقام الفاعل، مع أنّ في الكلام مفعولا به على المعنى، لما كان المفعول به الذي هو الجار والمجرور يشبه الظرف، ولولا ذلك لم يجز: «سير بزيد فرسخ». فالمعنى: لا تقرّوا أن يؤتى أحد إلّا لمن تبع دينكم، فاللام غير زائدة. وإن شئت حملت الكلام على معنى الجحود، لأنّ معنى لا تؤمنوا: اجحدوا، فكأنّه قيل: اجحدوا أن يؤتى أحد، أو اجحدوا بأن يؤتى أحد إلّا من تبع دينكم، كأنه قيل: اجحدوا الناس إلّا من «٤» تبع دينكم، فتكون اللّام على هذا زائدة. وقد تعدى (آمن) باللّام في غير هذا، قال تعالى: فما آمن لموسى إلا ذرية [يونس/ ٨٣] وقال: آمنتم له قبل أن آذن لكم [الشعراء/ ٤٩، وطه/ ٧١] ويؤمن بالله ويؤمن للمؤمنين [التوبة/ ٦١] فتعدى مرّة بالباء، ومرّة باللّام. فأمّا قوله: أن يؤتى أحد [فإنّ قوله: أحد] «٥» إنّما دخل للنفي الواقع في أوّل الكلام، وهو قوله: ولا تؤمنوا كما دخلت من في قوله: ما يود الذين كفروا من أهل الكتاب ولا المشركين أن ينزل عليكم من خير من ربكم [البقرة/ ١٠٥] فكما دخلت من في صلة «أن ينزّل» لأنّه مفعول النفي اللّاحق لأول الكلام، كذلك دخل أحد في

стр. 972

صلة «أن» من قوله: أن يؤتى أحد لدخول النفي في أول الكلام. ووجه قول ابن كثير أنّ: (أن) في موضع رفع بالابتداء. ألا ترى أنّه لا يجوز أن يحمل على ما قبله من الفعل لقطع الاستفهام بينهما، كما كان يحمل عليه قبل؟ فارتفع بالابتداء. وخبره: تصدّقون به، وتعترفون «١» به، أو تذكرونه لغيركم، ونحو هذا مما دلّ عليه قوله: ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم، وهذا في «٢» قول من قال: أزيد ضربته، ومن قال: أزيدا ضربته، كان (أن) عنده «٣» في موضع نصب، ومثل حذف خبر المبتدأ هنا، لدلالة ما قبل الاستفهام عليه، حذف الفعل في قوله [جلّ وعزّ] «٤» آلآن وقد عصيت قبل [يونس/ ٩١] التقدير: الآن أسلمت حين لا ينفعك الإيمان، للإلجاء من أجل المعاينة إلى الإيمان، كما قال: يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل [الأنعام/ ١٥٨] فحذف الفعل لدلالة ما قبل الاستفهام عليه، فكذلك حذف خبر المبتدأ من قوله: أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم [آل عمران/ ٧٣] ويجوز أن يكون موضع (أن) نصبا فيكون المعنى «٥»: أتشيعون أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم، أو أتذكرون أن يؤتى أحد. ويدلّ على جواز ذلك قوله تعالى «٦»: أتحدثونهم بما فتح الله عليكم [البقرة/ ٧٦]

стр. 973

فحديثهم بذلك إشاعة منهم له ذكر وإفشاء. ومثل هذا في المعنى في قراءة ابن كثير قوله: وإذا خلا بعضهم إلى بعض قالوا: أتحدثونهم بما فتح الله عليكم ليحاجوكم به عند ربكم أفلا تعقلون [البقرة/ ٧٦] فوبخ بعضهم بعضا. بالحديث بما علموه من أمر النبي- ﷺ «١» وعرفوه من وصفه «٢»، فهذه الآية في معنى قراءة ابن كثير، ولعله اعتبرها في قراءته هذه «٣». فإن قلت: فكيف وجه دخول أحد في قراءة ابن كثير، وقد انقطع من النفي بلحاق الاستفهام، والاستفهام ما بعده منقطع مما قبله، والاستفهام على قوله تقرير وتوبيخ كما أنه في «٤» قوله: أتحدثونهم بما فتح الله عليكم تقرير، وإذا كان تقريرا كان بمعنى الإيجاب، وإذا كان بمعنى الإيجاب، لم يجز دخول أحد في الكلام كما لم يجز دخوله في الإيجاب، ألا ترى أن التقرير لا يجاب بالفاء كما لا يجاب الإيجاب بها؟ وأحد على قول ابن كثير أيضا يدلّ «٥» على الكثرة، كما أنّه في قول سائرهم ممن لا يستفهم كذلك، ألا ترى أن بعده: أو يحاجوكم والضمير ضمير جماعة؟ فالقول في ذلك أنّه يجوز أن يكون أحد في هذا الموضع أحدا الذي في نحو: أحد وعشرون «٦» وهذه تقع في الإيجاب، ألا ترى أنّه بمعنى واحد؟.

стр. 974

وقد قال أحمد بن يحيى: إن أحدا، ووحدا، وواحدا بمعنى، وجمع ضمير أحد، لأنّ المراد به الكثرة، فحمل على المعنى في قوله: أو يحاجوكم، وجاز ذلك لأنّ الأسماء المفردة قد تقع للشياع، وفي «١» المواضع التي يراد بها الكثرة، فهذا موضع ينبغي أن ترجّح له قراءة غير ابن كثير على قراءته، لأنّ الأسماء التي هي مفردة تدلّ على الكثرة ليس بالمستمر في كلّ موضع. وفي قراءة غيره ليس يعترض هذا ويقوي قوله: يخرجكم طفلا [غافر/ ٦٧] واجعلنا للمتقين إماما [الفرقان/ ٧٤] فيمن جعل الإمام مثل كتاب ولم يجعله كصحاف «٢». [آل عمران: ٨٠] اختلفوا في ضمّ الرّاء وفتحها من قوله تعالى «٣»: ولا يأمركم [آل عمران/ ٨٠]. فقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو والكسائي، ولا يأمركم رفعا، وكان أبو عمرو يختلس حركة الراء تخفيفا. وقرأ عاصم وابن عامر وحمزة: ولا يأمركم نصبا. ولم يختلفوا في رفع الراء من قوله: أيأمركم بالكفر [آل عمران/ ٨٠] إلّا اختلاس أبي عمرو «٤».

стр. 975

قال أبو علي: قال سيبويه: قال «١» تعالى: ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوة ثم يقول للناس [آل عمران/ ٧٩] ثم قال: ولا يأمركم فجاءت منقطعة من الأول، لأنّه أراد: ولا يأمركم الله. قال: وقد نصبها بعضهم على قوله: ما كان لبشر ... أن يأمركم أن تتخذوا «٢». ومما يقوي الرفع أنّه في حرف ابن مسعود زعموا: ولن يأمركم فهذا يدل على الانقطاع من الأول. وممّا يقوّي النصب أنّه قد جاء في السّير فيما ذكر عن «٣» بعض شيوخنا أنّ اليهود قالوا: للنّبيّ ﷺ «٤»: أتريد يا محمد أن نتخذك ربّا؟ فقال الله تعالى: ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوة ثم يقول للناس كونوا عبادا لي من دون الله ... ولا يأمركم «٥». [آل عمران: ٧٩] اختلفوا في فتح التاء واللام والتخفيف وضمّها والتشديد في «٦» قوله [جلّ وعزّ] «٧»: تعلمون الكتاب [آل عمران/ ٧٩]. فقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو: تعلمون بإسكان العين ونصب اللام.

стр. 976

وقرأ عاصم وابن عامر وحمزة والكسائي: تعلمون مثقّلا. قال أبو علي: قال سيبويه: علّمت: أدّبت، وأعلمت: آذنت «١»، والباء في قوله: بما كنتم. متعلقة بقوله: كونوا من قوله: ولكن كونوا ربانيين بما كنتم [آل عمران/ ٧٩] ومثل ذلك قول طفيل «٢»: نزائع مقذوفا على سرواتها ... بما لم تخالسها الغزاة وتركب وقول الأعشى: ................ .. ... قالت بما قد أراه بصيرا «٣» فأمّا (ما) في كلتا «٤» القراءتين فهي التي مع الفعل بتأويل المصدر مثل أن الناصبة للفعل في أنّها مع الفعل كذلك، والتقدير: بكونكم تعلمون، ولا عائد من الصلة إلى الموصول، يدلك على ذلك «٥» أنه لا يخلو الذكر إن عاد من أن يكون من «٦» قوله:

стр. 977

كنتم أو من تعلمون فلا يجوز أن يعود من قوله: كنتم، لأنّ قوله تعلمون في موضع نصب. ألا ترى أنّ التقدير: بكونكم عالمين للكتاب؟ وإذا كان في موضع نصب لم يجز أن يقدر في الكلام راجع إلى الموصول لاستيفائه المفعول الذي يقتضيه ظاهرا، ولا يجوز أن يعود من تعلمون، لأنّ قوله تعلمون قد استوفى أيضا المفعول الذي يقتضيه وهو قوله: الكتاب فإذا كان كذلك علمت أنّه لا راجع في الصلة إلى الموصول، ومثل ذلك قوله: ولهم عذاب أليم بما كانوا يكذبون [البقرة/ ١٠] ومثله قوله: فاليوم ننساهم كما نسوا لقاء يومهم هذا وما كانوا بآياتنا يجحدون [الأعراف/ ٥١] التقدير: كنسيانهم «١» لقاء يومهم هذا، وككونهم «١» بآياتنا جاحدين. فأمّا قوله: تعلمون: فهو من العلم الذي يراد به المعرفة فيتعدى إلى مفعول واحد، كقوله تعالى: ولقد علمتم الذين اعتدوا منكم في السبت [البقرة/ ٦٥] والله يعلم المفسد من المصلح [البقرة/ ٢٢٠]. فإذا ضعّفت العين تعدى إلى مفعولين، كما أنّك لو نقلت بالهمزة كان كذلك، فالمفعول الثاني من قوله: في قراءة من قرأ: تعلمون الكتاب محذوف. التقدير: بما كنتم تعلّمون الناس الكتاب، أو: غيركم الكتاب، ونحو هذا، وحذف [هنا] «٣» لأنّ المفعول به قد يحذف من الكلام كثيرا،

стр. 978

ومثل ذلك قوله تعالى «١»: وعلم آدم الأسماء كلها [البقرة/ ٣١] فهذا منقول من: علم آدم الأسماء، وعلّمه الله الأسماء. وحجّة من قال: (بما كنتم تعلمون)، أبا عمرو قال فيما زعموا: يصدّقها «٢»: تدرسون «٣»، ولم يقل: تدرّسون، ومن حجّتها أنّ العالم الدارس قد يدرك بعلمه ودرسه مما «٤» يكون داعيا إلى التمسك بعلمه، والعمل به ما يدركه العالم المعلّم في تعليمه، ألا ترى أنّه يتكرر عليه في درسه ما يتكرر في تعليمه مما ينبّه ويبصّر من اللطائف التي يثيرها النظر في حال الدرس؟. [قال أبو زيد كلاما معناه: لا يكون الدرس درسا حتى تقرأه على غيرك] «٥». وحجة من قال: تعلّمون، أن التعليم أبلغ في هذا الموضع، لأنّه إذا علّم الناس فلم يعمل بعلمه، ولم يتمسك بدينه كان مع استحقاق الذّم بترك عمله بعلمه داخلا في جملة من وبّخ بقوله: أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم [البقرة/ ٤٤]، ومن حجّتهم: أن الذي يعلّم لا يكون إلّا عالما بما يعلّم. فإذا علّم كان عالما، فيعلّم في هذا الموضع، أبلغ لأنّ المعلّم عالم، والعالم لا يدلّ على علّم.

стр. 979

[آل عمران: ٨١] واختلفوا «١» في فتح اللام وكسرها من قوله: لما آتيتكم [آل عمران/ ٨١]. فقرأ حمزة وحده: (لما) مكسورة اللّام. وقرأ الباقون وأبو بكر عن عاصم: لما مفتوحة اللام. وروى هبيرة عن حفص عن عاصم (لما) بكسر اللام، وذلك غير محفوظ عن حفص عن عاصم، والمعروف عن عاصم في رواية حفص وغيره فتح اللام «٢». قال أبو علي: وجه قراءة حمزة (لما آتيتكم) بكسر اللّام أنّه يتعلق بالأخذ كأنّ المعنى: أخذ ميثاقهم لهذا، لأنّ من يؤتى الكتاب والحكمة يؤخذ عليهم الميثاق لما أوتوه من الحكمة، وأنّهم الأفاضل وأماثل الناس. فإن قلت: أرأيت الجملة التي هي قسم هل يفصل بينها وبين المقسم عليه بالجارّ؟. قيل: قد قالوا: «بالله» والجارّ والمجرور متعلقان بالفعل والفاعل المضمرين وكذلك قوله: ألم ترني عاهدت ربي ......... على حلفة لا أشتم الدهر «٣» ............

стр. 980

فيمن جعل لا أشتم يتلقى قسما. وهو قول الأكثر، علّق قوله: على حلفة بعاهدت، فكذلك قوله: (لما آتيتكم) في قراءة حمزة. فإن قال «١» إنّ (ما) في قوله: (لما) «٢» موصولة، فلا يجوز أن تكون غير موصولة، كما جاز ذلك في قول من فتح اللام، فإذا كان كذلك، لزم «٣» أن يرجع من الجملة المعطوفة على الصلة ذكر إلى الموصول وإلّا لم يجز. ألا ترى أنّك لو قلت: الذي قام أبوه ثم انطلق زيد، ذاهب، لم يجز، إذا لم يكن راجع مذكور، وليس يقدّر «٤» محذوف؟. قيل: يجوز أن يكون المظهر بمنزلة المضمر، ألا ترى أنّ قوله: ما معكم هو في المعنى: ما أوتوه من الكتاب والحكمة، فهذا يكون على قياس قول أبي الحسن مثل قوله «٥»: إنه من يتق ويصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين [يوسف/ ٩٠] والمعنى كأنّه قال: لا يضيع أجرهم لأنّ المحسنين هو من يتقي «٦» ويصبر، وكذلك قوله: إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات إنا لا نضيع أجر من أحسن عملا [الكهف/ ٣٠] المعنى عنده «٧» إنّا لا نضيع

стр. 981

أجرهم لأنّ من أحسن عملا هم الذين آمنوا وعملوا الصالحات. فكذلك قوله: لما آتيتكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم تقديره: مصدّق له: أي: مصدق لما آتيتكم من كتاب وحكمة. ألا ترى أنّ ما معهم هو ما أوتوه من كتاب وحكمة؟ فهذا وجه. ويجوز فيه شيء آخر، وهو: أن يكون: (لما آتيتكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول [مصدق لما معكم لتؤمنن] به) أي: بتصديقه، أي: بتصديق ما آتيتكموه، فحذف من الصلة، وحسن الحذف للطّول، كما حسن الحذف للطول فيما حكاه «١» الخليل من قولهم: «ما أنا بالذي قائل لك شيئا» «٢». فأمّا من فتح اللام فقال: لما آتيتكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم فإنّ ما فيه تحتمل «٣» تأويلين: أحدهما: أن تكون موصولة، والآخر: أن تكون للجزاء. فمن قدّرها موصولة، كان القول فيما يقتضيه قوله: ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم [آل عمران/ ٨١] من الراجع إلى الموصول، ما تقدّم ذكره في وجه قراءة حمزة. فأمّا الراجع إلى الموصول من الجملة الأولى فالضمير المحذوف من الصلة تقديره: لما آتيتكموه، فحذف الراجع كما حذف من قوله: أهذا الذي بعث الله رسولا [الفرقان/ ٤١] ونحو ذلك. واللّام في لما فيمن قدّر ما موصولة لام الابتداء وهي المتلقية «٤» لما أجري مجرى القسم من قوله:

стр. 982

وإذ أخذ الله ميثاق النبيين [آل عمران/ ٨١] وموضع ما رفع بالابتداء، والخبر: لتؤمنن به [آل عمران/ ٨١] ولتؤمننّ: متعلق بقسم محذوف، المعنى: والله لتؤمننّ به. فإذا قدرت (ما) للجزاء كانت (ما) في موضع نصب بآتيتكم وجاءكم في موضع جزم بالعطف على آتيتكم، واللّام الداخلة على (ما) لا تكون المتلقية للقسم، ولكن تكون بمنزلة اللّام في قوله: لئن لم ينته المنافقون والذين في قلوبهم مرض [الأحزاب/ ٦٠]. والمتلقية للقسم قوله: لتؤمنن به كما أنّها في قوله: لئن لم ينته المنافقون قوله لنغرينك بهم [الأحزاب/ ٦٠]. وهذه اللّام الداخلة على إن في لئن لا يعتمد القسم عليها، فلذلك جاز حذفها تارة وإثباتها تارة كما قال: وإن لم ينتهوا عما يقولون ليمسن الذين كفروا [المائدة/ ٧٣] فتلحق هذه اللّام مرة (إن) ولا تلحق أخرى، كما أنّ «١» (أن) كذلك في قوله: والله أن لو فعلت لفعلت، وو الله لو فعلت لفعلت. فهذه اللام بمنزلة (أن) الواقعة بعد لو. قال سيبويه: سألته- يعني الخليل- عن قوله: وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه [آل عمران/ ٨١] فقال: (ما) هاهنا بمنزلة الذي، ودخلتها اللام كما دخلت على (إن) حين قلت: لئن فعلت لأفعلنّ، فاللّام التي في (ما) مثل هذه التي في (إن) واللّام التي في الفعل كهذه التي في الفعل هاهنا «٢».

стр. 983

قال أبو عثمان: فيما حكى عنه أبو يعلى [ابن أبي زرعة] «١»: زعم سيبويه أنّ (ما) هاهنا بمنزلة الذي، ثمّ فسّر تفسير الجزاء. والقول فيما قاله من أنّ لما بمنزلة الذي، أنّه أراد أنّه اسم كما أنّ الذي اسم، وليس بحرف كما كان حرفا في قوله: وإن كلا لما ليوفينهم [هود/ ١١١] وإن كل ذلك لما متاع الحياة الدنيا [الزخرف/ ٣٥] فهذا المعنى أراد بقوله: أنّه بمنزلة الذي ولم يرد أنّها موصولة كالذي. وإنّما لم يحمله سيبويه على أنّ (ما) موصولة بمنزلة الذي لأنّه لو حمله على ذلك للزم أن يكون في الجملة المعطوفة على الصّلة، ذكر يعود إلى «٢» الموصول فلمّا لم ير ذلك مظهرا، ولم ير أن يضع المظهر موضع المضمر كما يراه أبو الحسن، عدل عن القول بأنّ (ما) موصولة إلى أنّها للجزاء، ولا يجيز سيبويه: لعمرك ما معن بتارك حقّه ولا منسئ أبو زيد «٣» ...

стр. 984

إذا كان أبو زيد كنيته لأنّه ليس باسمه الظاهر ولا المضمر، وأبو الحسن يجيز ذلك فلم يحمل الآية على ما لا يراه، ولم يحملها على الحذف من المعطوف على الصلة أيضا، لأنّه ليس بالكثير، ولا بموضع يليق به الحذف، ألا ترى أنّها إنّما تذكر للإيضاح. فإن قلت فمن جعل (ما) موصولة في قوله: لما آتيتكم من كتاب وحكمة [آل عمران/ ٨١] وجب أن تكون على قوله ابتداء، وإذا كانت «١» ابتداء اقتضت «٢» خبرا، فما خبر هذا المبتدأ؟. قيل: خبره قوله: لتؤمنن به، والذكر الذي في به يعود على الذي آتيتكموه، والذكر الذي في لتنصرنه يعود على رسول المتقدم ذكره، ولا يجوز أن يعود الذكر الأول أيضا على رسول «٣» لبقاء الموصول حينئذ غير عائد إليه من خبره ذكر. فأمّا من جعله جزاء فإنّه لا يمتنع على رأيه أن يكون الذكر في لتؤمننّ به عائدا أيضا على رسول المتقدّم ذكره، لأنّ (ما) إذا كانت للجزاء لا تحتاج إلى عائد ذكر، كما تحتاج إليه (ما) التي بمنزلة الذي في أنّها موصولة لأنّ (ما) إذا كانت جزاء مفعول بها، والمفعول لا يحتاج إلى عائد ذكر. فإن قلت: فما وجه قوله: ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم

стр. 985

، والنبيّون لم يأتهم الرسول؟ ألا ترى أنّ النبي- ﷺ «١» لم يكن في وقته رسول ولا نبي، وإنّما الذين [كانوا في زمانه أهل الكتاب] «٢». قيل: يجوز أن يعنى بذلك أهل الكتاب في المعنى، لأنّ الميثاق إذا أخذ على النبيّين، فقد أخذ على الذين أوتوا كتبهم من أممهم، وعامّة ما شرع للأنبياء قد شرع لأممهم وأتباعهم، من ذلك «٣» أن الفروض التي تلزمنا تلزم نبينا ﷺ «٤»، وإذا كان كذلك، فأخذ الميثاق على النبيّين كأخذ ميثاق الذين أوتوا كتبهم من أممهم. ومن ثم جاء نحو: يا أيها النبي إذا طلقتم النساء [الطلاق/ ١] فجمع النبي ﷺ «٥» ومن تبعه «٦» في الخطاب الواحد. فهذا من جهة المعنى. ويجوز من جهة اللفظ أن يكون المراد: وإذ أخذ الله ميثاق أمم النبيّين أو أتباع النبيّين. وأهل الكتاب إنّما يأخذ عليهم الميثاق الأنبياء الذين أتوهم بالكتب، كما أخذه نبيّنا، ﵇، على أمّته فيما جاء من قوله «٧»: وما لكم لا تؤمنون. بالله والرسول يدعوكم لتؤمنوا بربكم وقد أخذ ميثاقكم «٨» إن كنتم مؤمنين [الحديد/ ٨]. [آل عمران: ٨١] اختلفوا في التاء والنون من قوله تعالى «٩»: آتيتكم [آل عمران/ ٨١].
следующие страницы →