أجرهم لأنّ من أحسن عملا هم الذين آمنوا وعملوا الصالحات.
فكذلك قوله: لما آتيتكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم تقديره: مصدّق له: أي: مصدق لما آتيتكم من كتاب وحكمة. ألا ترى أنّ ما معهم هو ما أوتوه من كتاب وحكمة؟
فهذا وجه. ويجوز فيه شيء آخر، وهو: أن يكون: (لما آتيتكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول [مصدق لما معكم لتؤمنن] به) أي: بتصديقه، أي: بتصديق ما آتيتكموه، فحذف من الصلة، وحسن الحذف للطّول، كما حسن الحذف للطول فيما حكاه «١» الخليل من قولهم: «ما أنا بالذي قائل لك شيئا» «٢».
فأمّا من فتح اللام فقال: لما آتيتكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم فإنّ ما فيه تحتمل «٣» تأويلين: أحدهما: أن تكون موصولة، والآخر: أن تكون للجزاء. فمن قدّرها موصولة، كان القول فيما يقتضيه قوله: ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم [آل عمران/ ٨١] من الراجع إلى الموصول، ما تقدّم ذكره في وجه قراءة حمزة. فأمّا الراجع إلى الموصول من الجملة الأولى فالضمير المحذوف من الصلة تقديره: لما آتيتكموه، فحذف الراجع كما حذف من قوله: أهذا الذي بعث الله رسولا [الفرقان/ ٤١] ونحو ذلك. واللّام في لما فيمن قدّر ما موصولة لام الابتداء وهي المتلقية «٤» لما أجري مجرى القسم من قوله:
стр. 982
وإذ أخذ الله ميثاق النبيين [آل عمران/ ٨١] وموضع ما رفع بالابتداء، والخبر: لتؤمنن به [آل عمران/ ٨١] ولتؤمننّ: متعلق بقسم محذوف، المعنى: والله لتؤمننّ به. فإذا قدرت (ما) للجزاء كانت (ما) في موضع نصب بآتيتكم وجاءكم في موضع جزم بالعطف على آتيتكم، واللّام الداخلة على (ما) لا تكون المتلقية للقسم، ولكن تكون بمنزلة اللّام في قوله: لئن لم ينته المنافقون والذين في قلوبهم مرض [الأحزاب/ ٦٠]. والمتلقية للقسم قوله:
لتؤمنن به كما أنّها في قوله: لئن لم ينته المنافقون قوله لنغرينك بهم [الأحزاب/ ٦٠]. وهذه اللّام الداخلة على إن في لئن لا يعتمد القسم عليها، فلذلك جاز حذفها تارة وإثباتها تارة كما قال: وإن لم ينتهوا عما يقولون ليمسن الذين كفروا [المائدة/ ٧٣] فتلحق هذه اللّام مرة (إن) ولا تلحق أخرى، كما أنّ «١» (أن) كذلك في قوله: والله أن لو فعلت لفعلت، وو الله لو فعلت لفعلت.
فهذه اللام بمنزلة (أن) الواقعة بعد لو. قال سيبويه: سألته- يعني الخليل- عن قوله: وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه [آل عمران/ ٨١] فقال: (ما) هاهنا بمنزلة الذي، ودخلتها اللام كما دخلت على (إن) حين قلت: لئن فعلت لأفعلنّ، فاللّام التي في (ما) مثل هذه التي في (إن) واللّام التي في الفعل كهذه التي في الفعل هاهنا «٢».
стр. 983
قال أبو عثمان: فيما حكى عنه أبو يعلى [ابن أبي زرعة] «١»: زعم سيبويه أنّ (ما) هاهنا بمنزلة الذي، ثمّ فسّر تفسير الجزاء.
والقول فيما قاله من أنّ لما بمنزلة الذي، أنّه أراد أنّه اسم كما أنّ الذي اسم، وليس بحرف كما كان حرفا في قوله: وإن كلا لما ليوفينهم [هود/ ١١١] وإن كل ذلك لما متاع
الحياة الدنيا
[الزخرف/ ٣٥] فهذا المعنى أراد بقوله: أنّه بمنزلة الذي ولم يرد أنّها موصولة كالذي. وإنّما لم يحمله سيبويه على أنّ (ما) موصولة بمنزلة الذي لأنّه لو حمله على ذلك للزم أن يكون في الجملة المعطوفة على الصّلة، ذكر يعود إلى «٢» الموصول فلمّا لم ير ذلك مظهرا، ولم ير أن يضع المظهر موضع المضمر كما يراه أبو الحسن، عدل عن القول بأنّ (ما) موصولة إلى أنّها للجزاء، ولا يجيز سيبويه:
لعمرك ما معن بتارك حقّه ولا منسئ أبو زيد «٣» ...
стр. 984
إذا كان أبو زيد كنيته لأنّه ليس باسمه الظاهر ولا المضمر، وأبو الحسن يجيز ذلك فلم يحمل الآية على ما لا يراه، ولم يحملها على الحذف من المعطوف على الصلة أيضا، لأنّه ليس بالكثير، ولا بموضع يليق به الحذف، ألا ترى أنّها إنّما تذكر للإيضاح. فإن قلت فمن جعل (ما) موصولة في قوله: لما آتيتكم من كتاب وحكمة [آل عمران/ ٨١] وجب أن تكون على قوله ابتداء، وإذا كانت «١» ابتداء اقتضت «٢» خبرا، فما خبر هذا المبتدأ؟.
قيل: خبره قوله: لتؤمنن به، والذكر الذي في به يعود على الذي آتيتكموه، والذكر الذي في لتنصرنه يعود على رسول المتقدم ذكره، ولا يجوز أن يعود الذكر الأول أيضا على رسول «٣» لبقاء الموصول حينئذ غير عائد إليه من خبره ذكر. فأمّا من جعله جزاء فإنّه لا يمتنع على رأيه أن يكون الذكر في لتؤمننّ به عائدا أيضا على رسول المتقدّم ذكره، لأنّ (ما) إذا كانت للجزاء لا تحتاج إلى عائد ذكر، كما تحتاج إليه (ما) التي بمنزلة الذي في أنّها موصولة لأنّ (ما) إذا كانت جزاء مفعول بها، والمفعول لا يحتاج إلى عائد ذكر. فإن قلت: فما وجه قوله: ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم
стр. 985
، والنبيّون لم يأتهم الرسول؟ ألا ترى أنّ النبي- ﷺ «١» لم يكن في وقته رسول ولا نبي، وإنّما الذين [كانوا في زمانه أهل الكتاب] «٢». قيل: يجوز أن يعنى بذلك أهل الكتاب في المعنى، لأنّ الميثاق إذا أخذ على النبيّين، فقد أخذ على الذين أوتوا كتبهم من أممهم، وعامّة ما شرع للأنبياء قد شرع لأممهم وأتباعهم، من ذلك «٣» أن الفروض التي تلزمنا تلزم نبينا ﷺ «٤»، وإذا كان كذلك، فأخذ الميثاق على النبيّين كأخذ ميثاق الذين أوتوا كتبهم من أممهم. ومن ثم جاء نحو: يا أيها النبي إذا طلقتم النساء [الطلاق/ ١] فجمع النبي ﷺ «٥» ومن تبعه «٦» في الخطاب الواحد. فهذا من جهة المعنى. ويجوز من جهة اللفظ أن يكون المراد: وإذ أخذ الله ميثاق أمم النبيّين أو أتباع النبيّين. وأهل الكتاب إنّما يأخذ عليهم الميثاق الأنبياء الذين أتوهم بالكتب، كما أخذه نبيّنا، ﵇، على أمّته فيما جاء من قوله «٧»: وما لكم لا تؤمنون. بالله والرسول يدعوكم لتؤمنوا بربكم وقد أخذ ميثاقكم «٨» إن كنتم مؤمنين [الحديد/ ٨].
[آل عمران: ٨١]
اختلفوا في التاء والنون من قوله تعالى «٩»: آتيتكم [آل عمران/ ٨١].
стр. 986
فقرأ نافع وحده: (آتيناكم) بالنون. وقرأ الباقون: آتيتكم بالتاء «١».
[قال أبو علي] «٢»: الحجة لنافع في قراءته: (لما آتيناكم)، قوله تعالى: وآتينا داود زبورا [الإسراء/ ٥٥] وآتيناه الحكم صبيا [مريم/ ١٢] وآتيناهما الكتاب المستبين [الصافات/ ١٧] ونحو ذلك.
وحجة من قال: آتيتكم، قوله: هو الذي ينزل على عبده آيات بينات [الحديد/ ٩] ونزل عليك الكتاب بالحق [آل عمران/ ٣] والحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب [الكهف/ ١].
[آل عمران: ٨٣]
اختلفوا في الياء والتاء من قوله تعالى «٣»: يبغون، و (ترجعون) [آل عمران/ ٨٣].
فقرأ أبو عمرو وحده: يبغون، بالياء مفتوحة (وإليه ترجعون) بالتاء مضمومة. وقرأهما الباقون: (تبغون وإليه ترجعون) بالتاء جميعا.
وروى حفص عن عاصم: يبغون، ويرجعون بالياء جميعا «٤».
قال أبو علي: هذا مخاطبة للنّبيّ ﷺ «٥»، بدلالة قوله: قل آمنا بالله [آل عمران/ ٨٤] فإذا كان كذلك كان هذا حجة لمن قرأ
стр. 987
بالتاء على تقدير: قل لهم: (أفغير دين الله تبغون وإليه ترجعون) [آل عمران/ ٨٣] ليكون مثل (تبغون) في أنّه خطاب. ويؤكّد التاء في (ترجعون) أنّهم كانوا منكرين للبعث، ويدل على ترجعون إلي مرجعكم [آل عمران/ ٥٥].
وحجة من قرأ بالياء: يبغون أنّه على تقدير: قل: كأنّه قل لهم: أفغير دين الله يبغون، وإليه يرجعون؟! فهذا: لأنّهم غيب فجاء على لفظ الغيبة وكذلك: وإليه يرجعون. وقد تقدّم القول في ترجعون ويرجعون. والمعنى على الوعيد، أي: أيبغون غير دين الله، ويزيغون عن دينه مع أنّ مرجعهم إليه فيجازيهم على رفضهم له.
وأخذهم ما سواه «١»؟.
[قوله: إصري آل عمران/ ٨١] «٢».
قال: كلهم قرأ إصري بكسر الألف إلّا ما حدّثني به محمد بن أحمد بن واصل قال: حدثنا محمد بن سعدان عن معلّى [ابن منصور] «٣» عن أبي بكر عن عاصم أنّه قرأ:
أصري بضم الألف «٤».
قال أبو علي: يشبه أن يكون الضمّ في «الأصر» لغة في «الإصر».
[آل عمران: ٩٧]
اختلفوا في نصب الحاء وكسرها من قوله جلّ وعزّ «٥»: حج البيت [آل عمران/ ٩٧].
стр. 988
فقرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم: حج البيت بكسر الحاء.
وقرأ الباقون: (حج البيت) بفتح الحاء «١» قال أبو علي: قال سيبويه: حجّ حجّا، مثل: ذكر ذكرا «٢»، فحجّ على هذا مصدر، فهذا حجة لمن كسر الحاء. وقال أبو زيد:
قال المفضّل: أنشدني أبو الغول هذا البيت لبعض أهل اليمن:
لا همّ إن كنت قبلت حجّتج ... فلا يزال شاحج يأتيك بج
«٣» قال أبو علي فقوله: حجّتي مصدر حججت، حجّة.
قال أبو زيد: الحجج: السنون، واحدتها «٤» حجّة.
قال أبو علي: يدلّ على ذلك قوله «٥»: على أن تأجرني ثماني حجج [القصص/ ٢٧].
стр. 989
وقال أبو زيد: والحجّة، من حجّ البيت: الواحدة «١».
وقال سيبويه: قالوا: غزاة، فأرادوا عمل وجه واحد، كما قالوا: حجّة يريد «٢»: عمل سنة «٣»، ولم يجيئوا بها على الأصل، ولكنّه اسم له «٤»:
فقوله: لم يجيئوا به «٥» على الأصل، أي: على الفتح الذي هو للدّفعة من الفعل، ولكن كسروه فجعلوه اسما لذا المعنى كما أنّ غزاة كذلك، ولم تجىء فيه الغزوة وكان القياس [أن تجيء] «٦».
قال أبو زيد: ويقال: حجّ، وأنشد:
أصوات حج من عمان غادي «٧» قال: يريد أصوات حجّاج، وأنشد أبو زيد:
وإن رأيت الحجج الرّواددا ... قواصرا للعمر أو مواددا
«٨»
стр. 990
فالحجج اسم السنين كما قدّمه. وقولهم: حجّ في الحجّاج يجوز أن يكون تسمية بالمصدر على قول من كسر فيكون كزور وعدل، ويجوز أن يكون اسما صيغ للجمع كقوم
ورهط.
[آل عمران:/ ١١٥]
اختلفوا في الياء والتاء من قوله [جلّ وعزّ] «١»: وما تفعلوا من خير فلن تكفروه «٢» [آل عمران/ ١١٥].
فقرأ ابن كثير ونافع وعاصم في رواية أبي بكر وابن عامر بالتاء، وكان أبو عمرو لا يبالي كيف قرأهما بالياء، أو بالتاء.
وقال علي بن نصر عن هارون عن أبي عمرو بالياء، ولم يذكر التاء. وكان حمزة والكسائي وحفص عن عاصم يقرءونها بالياء «٣».
[قال أبو علي] «٤»: حجة من قرأ بالتاء: قوله «٥» إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم [الإسراء/ ٧] وقوله: وما تنفقوا من خير، يوف إليكم [البقرة/ ٢٧٢] وقوله «٥»: وما تفعلوا من خير يعلمه الله وتزودوا [البقرة/ ١٩٧] قوله: يعلمه الله أي: يجازي «٧» عليه.
وحجّة من قرأ بالياء أنّه قد تقدّم أمة قائمة يتلون آيات الله [آل عمران/ ١١٣] وما يفعلوا من خير فلن يكفروه [آل عمران/ ١١٥].
стр. 991
[آل عمران: ١٢٠]
اختلفوا في ضمّ الضّاد وتشديد الرّاء، وكسر الضاد، وتخفيف الراء من قوله تعالى «١» لا يضركم [آل عمران/ ١٢٠].
فقرأ ابن كثير وأبو عمرو ونافع: (لا يضركم) «٢» بكسر الضاد وتخفيف الراء.
وقرأ عاصم وابن عامر وحمزة والكسائي: يضركم: بضم الضاد وتشديد الراء. [حدثنا ابن مجاهد قال]: أخبرني أبو عبد الله محمد بن عبد الله المقرئ «٣» عن عبد الرزّاق بن الحسن قال حدثنا: أحمد بن جبير قال: حدثنا حجّاج الأعور عن حمزة أنّه
стр. 992
قرأ: (لا يضركم) مثل قراءة أبي عمرو «١».
قال أبو علي: من قال: (لا يضركم) جعله من ضار يضير مثل باع يبيع وحجّته قوله: قالوا: لا ضير [الشعراء/ ٥٠] فضير مصدر كالبيع.
وقال الهذليّ:
فقلت تحمّل فوق طوقك إنّها ... مطبّعة من يأتها لا يضيرها
«٢» وحجّة من قال: لا يضركم قوله تعالى: ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم [يونس/ ١٨] فكلتا القراءتين حسنة لمجيئهما جميعا في التنزيل.
[آل عمران: ١٢٤]
قال: وكلّهم قرأ منزلين، [آل عمران/ ١٢٤] خفيف «٣» الزاي غير ابن عامر فإنّه قرأ منزلين مشدد الزاي «٤».
قال أبو علي: حجّة ابن عامر: تنزل الملائكة والروح فيها [القدر/ ٤] ألا ترى أنّ [مطاوع نزّل ينزّل نزّلته فتنزّل] «٥»، وقوله
стр. 993
[جلّ اسمه] «١»: ولو أننا نزلنا إليهم الملائكة [الأنعام/ ١١١] وحجّة من خفّف قوله: وقالوا لولا أنزل عليه ملك [الأنعام/ ٨] ولو أنزلنا ملكا لقضي الأمر [الأنعام/ ٨]. ومن حجّة «٢» من قرأ:
منزلين أنّ الإنزال يعمّ التنزيل وغيره، قال تعالى «٣»: وأنزلنا إليك الذكر [النحل/ ٤٤]. وإنا أنزلناه في ليلة القدر [القدر/ ١] وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد [الحديد/ ٢٥] وأنزل لكم من الأنعام ثمانية أزواج [الزمر/ ٦].
[آل عمران: ١٢٥]
واختلفوا في فتح الواو وكسرها من قوله [جلّ وعز] «٤»:
مسومين [آل عمران/ ١٢٥].
فقرأ ابن كثير وأبو عمرو وعاصم: مسومين بكسر الواو.
وقرأ الباقون: مسومين بفتح الواو «٥».
قال أبو علي «٦»: جاء في التفسير في قوله تعالى: يعرف المجرمون بسيماهم [الرحمن/ ٤١] أنّه سواد الوجوه وزرقة الأعين. قال أبو زيد: السّومة: العلامة تكون على الشاة ويجعل عليها لون يخالف لونها لتعرّف به «٧». قال أبو علي: فقوله: مسومين من هذا، وهذه العلامة يعلمها الفارس يوم اللقاء ليعرف بها. قال:
стр. 994
فتعرّفوني إنّني أنا ذاكم ... شاك سلاحي في الحوادث معلم
«١» وقال أبو زيد: سوّم الرجل تسويما فهو مسوّم إذا أغار على القوم إغارة فعاث فيهم. وقال: وسوّمت الخيل تسويما إذا أرسلتها وخلّيتها تخلية. وأمّا من قرأ: مسومين فقال أبو الحسن: لأنّهم هم سوّموا الخيل. قال: ومن قرأ: مسومين فلأنّهم هم سوّموا.
قال: ومسوّمين. يكون معلمين، ويكون مرسلين من قولك:
سوّم فيها الخيل، أي: أرسلها، ومنه السائمة. وذكر بعض شيوخنا أنّ الاختيار عنده الكسر، لما جاء في الخبر أن رسول الله، ﷺ ، قال يوم بدر: «سوّموا فإنّ الملائكة قد سوّمت» «٢» فنسب الفعل إلى الملائكة.
[آل عمران: ١٣٣]
أحمد: وكلّهم «٣» قرأ: وسارعوا-[آل عمران/ ١٣٣] بواو
стр. 995
غير نافع وابن عامر فإنّهما قرأ: سارعوا بغير واو، وكذلك هي في مصاحف أهل المدينة وأهل الشام. وروى أبو عمر الدوري عن الكسائي: وسارعوا وأولئك يسارعون في الخيرات [المؤمنون/ ٦١] ونسارع لهم في الخيرات [المؤمنون/ ٥٦] بالإمالة في كلّ ذلك «١».
قال أبو علي: [كلا الأمرين سائغ] «٢» مستقيم، فمن قرأ بالواو فلأنّه عطف الجملة على الجملة، والمعطوف عليها قوله: وأطيعوا الله والرسول [آل عمران/ ١٣٢] وسارعوا. ومن ترك الواو فلأنّ الجملة الثانية ملتبسة بالأولى مستغنية بالتباسها بها «٣» عن عطفها بالواو.
وقد جاء الأمران في التنزيل في قوله: سيقولون ثلاثة رابعهم كلبهم [الكهف/ ٢٢] وقال: ويقولون سبعة وثامنهم كلبهم [الكهف/ ٢٢] وقال «٤»: أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون [البقرة/ ٣٩] فهذا على قياس قراءة نافع وابن عامر. وما روي عن الكسائي من إمالة الألف في وسارعوا وأولئك يسارعون ونسارع لهم في الخيرات فالإمالة هنا في الألف حسنة، لوقوع الراء المكسورة بعدها، وكما تمنع المفتوحة الإمالة، فكذلك المكسورة تجلبها.
[آل عمران: ١٤٠]
اختلفوا في فتح القاف وضمّها من قوله تعالى «٥»: قرح [آل عمران/ ١٤٠].
стр. 996
فقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر: قرح بفتح القاف في كلّهنّ.
وقرأ عاصم في رواية أبي بكر وحمزة والكسائي: قرح* بضم القاف في جميعهنّ. وروى حفص عن عاصم: قرح بالفتح مثل أبي عمرو. وكلّهم أسكن الراء في قرح «١».
قال أبو علي: قرح وقرح مثل: الضّعف والضّعف، والكره والكره، والفقر والفقر، والدّف والدّف. والشّهد والشّهد. وكأن الفتح أولى لقراءة ابن كثير، ولأنّ لغة أهل الحجاز الأخذ بها أوجب، لأنّ القرآن عليها نزل.
وقال أبو الحسن: قرح، يقرح قرحا، وقرحا، فهذا يدلّ على أنّهما مصدران، وأنّ كلّ واحد منهما بمعنى الآخر.
ومن قال: إنّ القرح الجراحات بأعيانها، والقرح ألم الجراحات «٢» قبل ذلك منه إذا أتى فيه برواية، لأنّ ذلك ممّا لا يعلم بالقياس.
[آل عمران: ١٤٦]
اختلفوا في الهمز من قوله تعالى «٣» كأين [آل عمران/ ١٤٦].
стр. 997
فقرأ ابن كثير وحده: وكائن* الهمزة بين الألف والنون في وزن كاعن.
وقرأ الباقون: وكأي الهمزة بين الكاف والياء، والياء مشدّدة في وزن كعيّ «١».
قال أبو علي: كنّا رأينا قديما في قولهم: وكائن وأكثر ما يجيء في الشعر كقول الشاعر: [كما أنشده سيبويه] «٢»:
وكائن رددنا عنكم من مدجّج ... يجيء أمام القوم يردي مقنّعا
«٣» وكقوله «٤»:
وكائن إليكم قاد من رأس فتنة ... جنودا وأمثال الجبال كتائبه
وقول جرير: «٥».
وكائن بالأباطح من صديق ... يراني لو أصبت المصابا
стр. 998
وكائن على وزن كاعن، كان الأصل فيه كأيّ دخلت الكاف على أيّ كما دخلت على (ذا) من (كذا) و (أنّ) من (كأنّ)، وكثر استعمال الكلمة فصارت ككلمة واحدة، فقلب قلب الكلمة الواحدة، كما فعل ذلك في قولهم: لعمري ورعملي، حكي «١» لنا عن أحمد بن يحيى، فصار كيّإن [مثل كيّع] «٢» فحذفت الياء الثانية كما حذفت في كينونة فصار كيء بعد الحذف، ثمّ أبدلت من الياء الألف كما أبدل من طائيّ، وكما أبدلت من «آية» عند سيبويه، وكانت «أيّة». وقد حذفت الياء «٣» من أيّ في قول الفرزدق:
تنظّرت نصرا والسّماكين أيهما ... عليّ من الغيث استهلّت مواطره
«٤» ومن قول الآخر: «بيّض .. » «٥».
فحذف الياء الثانية من أيّ أيضا. فأمّا النون في أيّ، فهي التنوين الداخل على الكلمة مع الجرّ، فإذا كان كذلك، فالقياس إذا وقفت عليه (كاء) فتسكن الهمزة المجرورة للوقف، وقياس من
стр. 999
قال: مررت بزيدي أن يقول: كائي، فيبدل منه «١» الياء. ولو قال قائل: إنّه بالقلب الذي حدث في الكلمة، صارت بمنزلة النون التي من نفس الكلمة، فصار بمنزلة لام فاعل فأقرّه نونا في الوقف، وأجعله بمنزلة ما هو من نفس الكلمة، كما جعلت التي في «لدن» بمنزلة التنوين الزائد في قول من قال «٢»: لدن غدوة لكان قولا.
ويقوّي ذلك أنّهم لمّا حذفوا الكلام في قولهم: إما لا جعلوها بالحذف ككلمة واحدة حتى أجازوا الإمالة في ألف لا* كما أجازوها في التي تكون من نفس الكلمة في الأسماء والأفعال.
وسمعت أبا إسحاق يقول: إنّها تقال ممالة فجعل القلب في كائن بمنزلة الحذف في إما لاجتماعهما في التغيير، لكان قولا، فيقف على كائن بالنون، ولا يقف على النون إذا لم تقلب، كما لا تميل الألف في لا* إذا «٣» لم تحذف معها.
[آل عمران: ١٤٦]
اختلفوا في ضمّ القاف وفتحها وإدخال الألف وإسقاطها من قوله تعالى: قتل معه [آل عمران/ ١٤٦].
فقرأ ابن كثير وأبو عمرو ونافع قتل معه [آل عمران/ ١٤٦] بضم القاف بغير ألف.
وقرأ الباقون: قاتل بفتح القاف وبألف «٤».
стр. 1000
[قال أبو علي] «١»: أمّا قتل فيجوز أن يكون مسندا إلى ضمير أحد اسمين إلى ضمير «نبي»، والدّليل على جواز إسناده إلى هذا الضمير أنّ هذه الآية في معنى قوله: أفإن مات أو قتل انقلبتم [آل عمران/ ١٤٤] وروي عن الحسن أنّه قال: «ما قتل نبي في حرب قطّ» «٢» وقال ابن عباس في قوله «٣»: وما كان لنبي أن يغل «٤» [آل عمران/ ١٦١]: «قد كان النبيّ يقتل فكيف لا يخوّن» «٥»! والذي في الآية من قوله: قتل لم يذكر أنّه في حرب.
فإذا أسند قتل إلى هذا الضمير احتمل قوله: معه ربيون أمرين:
أحدهما: أن يكون صفة لنبي «٦»، فإذا قدّرته هذا التقدير كان قوله: ربّيون: مرتفعا بالظرف بلا خلاف «٧». والآخر: أن لا تجعله صفة ولكن حالا من الضمير الذي في قتل، فإن جعلته صفة كان الضمير الذي في «٨» معه* المجرور، لنبيّ، وإن جعلته حالا كان الضمير الذي في معه* يعود إلى الذكر المرفوع الذي في قتل، والاسم الآخر الذي يجوز أن يسند إليه قتل ربّيّون فيكون قوله:
стр. 1001
معه* على هذا التقدير معلّقا «١» بقتل، وعلى القولين الآخرين اللذين هما: الصفة والحال متعلّقا في الأصل بمحذوف، وكذلك من قرأ:
قاتل فهو يجوز فيه ما جاز في قراءة من قرأ قتل*:
والرّبيون: الذين يعبدون الرّبّ، واحدهم ربّي. هكذا فسره أبو الحسن، وقيل فيه: إنه منسوب إلى علم الربّ وكذا «٢» الربّانيّون.
وحجّة من قرأ: قتل* أنّ هذا الكلام اقتصاص ما جرى عليه سير أمم الأنبياء قبلهم ليتأسوا بهم، وقد قال: أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم [آل عمران/ ١٤٤] وحجّة من قرأ: قاتل أن المقاتل قد مدح كما مدح المقتول فقال: «٣» وقاتلوا وقتلوا لأكفرن عنهم سيئاتهم [آل عمران/ ١٩٥]. فمن أسند الضمير الذي في قتل إلى نبي كان قوله: فما وهنوا [آل عمران/ ١٤٦] أي: ما وهن الرّبيون، ومن أسند الفعل إلى الربّيين دون ضمير نبي كان معنى: فما وهنوا ما وهن باقيهم بعد من قتل منهم في سبيل الله، فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه. ومن جعل قوله: معه ربيون صفة أضمر للمبتدإ الذي هو كأيّ خبرا، وموضع الكاف الجارّة في كأيّ مع المجرور: رفع، كما أنّ موضع الكاف في قوله «٤»: له كذا وكذا: رفع، ولا معنى للتشبيه فيها، كما أنّه لا معنى للتشبيه في كذا وكذا.
[آل عمران: ١٥١]
اختلفوا في تخفيف قوله: [جلّ وعز] «٥»: الرعب
стр. 1002
وتثقيله [آل عمران/ ١٥١] فقرأ ابن كثير ونافع وعاصم وأبو عمرو وحمزة: الرعب ساكنة العين خفيفة. وقرأ ابن عامر والكسائي: الرعب* مضمومة العين مثقلة حيث
وقعت «١».
قال أبو علي: الإلقاء في قوله تعالى: سنلقي في قلوب الذين كفروا الرعب [آل عمران/ ١٥١] أصله في الأعيان، واستعمل في غيرها على طريق الاتّساع. يدل «٢» على ذلك قوله «٣»: وألقى الألواح [الأعراف/ ١٥٠] وفألقوا حبالهم وعصيهم [الشعراء/ ٤٤] وإذ يلقون أقلامهم [آل عمران/ ٤٤].
وقال سيبويه: «ألقيت متاعك بعضه على بعض» «٤»، وليس الرعب بعين، وكذلك قوله تعالى: وألقيت عليك محبة مني [طه/ ٣٩] ومثل الإلقاء في ذلك الرمي، قال: رمى فأخطأ أي:
السهم. وقال «٥»:
كشهاب القذف يرميكم به
стр. 1003
فأضاف الشهاب إلى القذف لمّا كان من رمي الرامي به، كما قال «١»:
يسدد أبينوها الأصاغر خلّتي وإذا مات لم تكن له خلّة، ولكن أضافها إلى نفسه، لما كان منه من سدّه لها، وهذا النحو من الإضافة على هذا الوجه كثير.
وقال تعالى: والذين يرمون أزواجهم [النور/ ٦] أي: بالزنا، فهذا اتساع لأنّ هذا ليس بعين، وكذلك قوله «٢».
стр. 1004
رماني بأمر كنت منه ووالدي ... بريئا ....
وقال «٣»:
قذفوا سيّدهم في ورطة ... قذفك المقلة وسط المعترك
«٤» فالأوّل: على الاتساع، والثاني: على الأصل، ألا ترى أن المقلة تلقى للتصافن، كما يلقى غيرها؟ فهذا بمنزلة: ألقيت الحجر ونحوه. ومما جاء قريبا من الرمي والقذف والإلقاء، الرجم، ورجم ماعز «٥»، ومن الاتساع فيه قوله:
стр. 1005
هما نفثا في فيّ من فمويهما ... على النابح العاوي أشدّ رجام
«١» فالرجام المراجمة بالسّباب، فهذا نحو: رماه بالزّنا، وقذفه به، وألقى عليه مسألة، ونفثا السّباب: اتساع أيضا، لأنّه ليس بعين. فأمّا مثل «٢» الرّعب والرعب، والطنب والطنب، والعنق والعنق، فقد تقدّم ذكره.
[آل عمران: ١٥٤]
اختلفوا في الياء والتاء من قوله تعالى «٣»: يغشى طائفة منكم [آل عمران/ ١٥٤] فقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وعاصم وابن عامر يغشى طائفة منكم بالياء. وقرأ حمزة والكسائي تغشى بالتاء «٤».
[قال أبو علي] «٥»: حجّة من قرأ بالياء: قوله تعالى «٦»: إذ يغشاكم النعاس [الأنفال/ ١١] فالنّعاس هو الغاشي، وكذلك قراءة من قرأ: إذ يغشيكم النعاس لأنّه إنّما جعل الفاعل بتضعيف العين مفعولا. ومن حجّتهم: أنّ يغشى أقرب إلى النعاس،
стр. 1006
فإسناد الفعل إليه أولى. ومنها «١» أنّه يقال: غشيني النعاس، وغلب عليّ النعاس، ولا يسهل: غشيني الأمنة، ومن قرأ بالتاء حمله «٢» على الأمنة.
فأمّا قوله: إن شجرة الزقوم طعام الأثيم كالمهل يغلي [الدخان/ ٤٥] فحمل الكلام على الشجرة لقوله تعالى «٣»:
فإنهم لآكلون منها فمالؤن منها البطون [الصافات/ ٦٦] وقال:
لآكلون من شجر من زقوم [الواقعة/ ٥٢] فنسب الأكل إلى الشجر.
ومن حجّة من قرأ بالتاء: أنّ النعاس، وإن كان بدلا من الأمنة، فليس المبدل منه في طريق ما يسقط من الكلام، يدلّك على ذلك قولهم: الذي مررت به زيد أبو عبد الله.
وقال:
وكأنّه لهق السّراة كأنّه ... ما حاجبيه معيّن بسواد
«٤» فجعل الخبر عن «٥» الذي أبدل منه.
стр. 1007
[آل عمران: ١٥٤]
واختلفوا في رفع اللام ونصبها من قوله: [جلّ وعز] «١»:
قل إن الأمر كله لله [آل عمران/ ١٥٤].
فقرأ أبو عمرو وحده: قل إن الأمر كله لله رفعا. وقرأ الباقون كله نصبا «٢».
قال أبو علي: حجّة من نصب: أنّ كله بمنزلة أجمعين وجمع في أنّه للإحاطة والعموم، فكما أنّه لو قال:
[إنّ الأمر] «٣» أجمع، لم يكن إلّا نصبا «٤»، كذلك إذا قال:
كله لأنّه بمنزلة أجمعين، وليس الوجه أن يلي العوامل، كما لا يليها أجمعون. وحجّة أبي عمرو في رفعه كله* وابتدائه به أنّه وإن كان في أكثر الأمر بمنزلة أجمعين لعمومها، فإنّه قد [ابتدئ بها كما] «٥» ابتدئ «٦» بسائر الأسماء في نحو «٧» قوله: وكلهم آتيه يوم القيامة فردا [مريم/ ٩٥] فابتدأ به في الآية.
ولم يجره على ما قبله، لأنّ قبله كلاما قد بني عليه فأشبه [بذلك ما يكون] «٨» جاريا على ما قبله، وإن خالفه في الإعراب، ألا ترى أنّ اسم الفاعل يعمل عمل الفعل إذا جرى صفة لموصوف أو حالا لذي حال أو خبرا لمبتدإ، ولا يحسن إعماله عمل الفعل، إلّا في هذه المواضع؟ وقد قالوا: أقائم أخواك وأ ذاهب إخوتك،
стр. 1008
وما ذاهب إخوتك، فأعملوا اسم الفاعل لمّا تقدّمه كلام أسند إليه، وإن لم يكن أحد تلك الأشياء التي تقدّم ذكرها، فكذلك حسن ابتداء كلّهم في الآية لمّا كان قبله كلام، فأشبه بذلك [اتباعه، ما كان] «١» جاريا عليه كما أشبه اسم الفاعل في إجرائه على ما ذكرنا، ما يجري صفة على موصوف أو حالا أو خبر مبتدأ، نحو:
مررت برجل قائم أبواه، وهذا زيد قائما غلامه وزيد منطلق أبواه، فكذلك. حسن الابتداء بكلّهم، وقطعه مما قبله لما ذكرت من المشابهة.
ومن ثمّ أجاز سيبويه: أين تظن زيد ذاهب «٢»، فألغى الظنّ، وإن كان أين غير مستقرّ، كما جاز إلغاؤه إذا كان أين مستقرّا لأنّ قبله كلاما، فجعله، وإن لم يكن مستقرا، بمنزلة المستقر كما جعلوا همزة الاستفهام، وحرف النفي في: أقائم أخواك، بمنزلة الموصوف نحو: مررت برجل قائم أخواه.
[آل عمران: ١٥٦]
واختلفوا «٣» في التاء والياء من قوله: [جلّ اسمه] «٤» يحيى ويميت والله بما تعملون بصير [آل عمران/ ١٥٦] فقرأ ابن كثير وحمزة والكسائي يعملون بالياء.
وقرأ الباقون بالتاء. وروى هارون الأعور وعلي بن نصر عن أبي عمرو بالياء «٥».
стр. 1009
[قال أبو علي] «١»: حجّة من قرأ بالتاء قوله تعالى «١»: يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين كفروا [آل عمران/ ١٥٦] وحجّة الياء: أنّ قبلها أيضا غيبة وهو قوله: وقالوا لإخوانهم [آل عمران/ ١٤٧] وما بعده، فحمل الكلام على الغيبة.
[آل عمران: ١٥٧]
واختلفوا «٣» في ضمّ الميم وكسرها [من قوله جلّ وعزّ] «٤»: مت ومتنا ومتم، في كلّ القرآن. فقرأ ابن كثير وأبو عمرو وعاصم في رواية أبي بكر، وابن عامر: مت، ومتم ومتنا برفع الميم في كلّ «٥» القرآن. وروى حفص عن عاصم ولئن قتلتم في سبيل الله أو متم [آل عمران/ ١٥٧] ولئن متم أو قتلتم [آل عمران/ ١٥٨] برفع الميم في هذين الحرفين، ولم يكن يرفع الميم في غير هذين الحرفين في جميع القرآن.
[حدّثنا ابن مجاهد قال] «٦»: حدثنا وهيب المروذيّ قال:
حدّثنا الحسن بن المبارك، قال: حدّثنا أبو حفص قال: حدّثنا سهل أبو عمرو قال: قال عاصم: ولئن قتلتم في سبيل الله أو متم [آل عمران/ ١٥٧] بضمّ الميم من الموت، وباقي القرآن متّم «٧» بكسر الميم، أي: بليتم. ومتنا ومتّ.
стр. 1010
وقرأ نافع وحمزة والكسائي: متم*، ومت*، ومتنا* في كلّ القرآن بالكسر «١».
قال أبو علي: الأشهر «٢» الأقيس: متّ تموت، مثل: قلت تقول وطفت تطوف، وكذلك هذا يستمرّ على ضمّ الفاء منه، والكسر شاذ في القياس، وإن لم يكن في الاستعمال كشذوذ «٣».
... اليجدّع «٤» ونحوه مما شذّ عن الاستعمال والقياس، ونظيره: فضل يفضل في الصحيح، وأنشدوا:
ذكرت ابن عباس بباب ابن عامر ... وما مرّ من عمري ذكرت وما فضل
«٥» وقد أنشد بعضهم:
عيشي ولا يومي بأن تماتي «٦» ولا أظنّه ثبتا، وكذلك شعر آخر فيه «تدام» «٧» وهو عندي مثل
стр. 1011
الأول، ولا أعلم فصلا بين الموت إذا تبعه البلى، وبينه إذا لم يتبعه البلى.
قال: وكلّهم قرأ: خير مما تجمعون بالتاء [آل عمران/ ١٥٧] إلّا عاصما في رواية حفص، فإنّه قرأ بالياء، ولم يروها عن عاصم غيره بالياء «١».
[قال أبو علي] «٢»: والمعنى: خير مما تجمعون. أيها المقتولون في سبيل الله، أو المائتون مما تجمعون من أعراض الدنيا التي تتركون القتال في سبيله للاشتغال بها وبجمعها عنه.
ومعنى الياء أنه: لمغفرة من الله خير مما يجمعه غيركم، مما تركوا القتال لجمعه. والأول أظهر وأشكل بالكلام.
[آل عمران: ١٦١]
اختلفوا في فتح الياء وضمّ الغين، وضمّ الياء وفتح الغين من قوله: [جلّ وعز] «٣»: يغل [آل عمران/ ١٦١].
فقرأ ابن كثير وأبو عمرو وعاصم بغل بفتح الياء وضمّ الغين.
وقرأ الباقون: يغل بضم الياء، وفتح الغين «٤».
стр. 1012
[قال أبو علي] «١»: قالوا في الخيانة: أغلّ يغلّ إغلالا: إذا خان ولم يؤدّ الأمانة، قال النمر بن تولب «٢»:
جزى الله عنّا جمرة ابنة نوفل ... جزاء مغلّ بالأمانة كاذب
وقال آخر:
حدّثت نفسك بالوفاء ولم تكن ... للغدر خائنة مغلّ الإصبع
«٣» أي: لكراهة الغدر.
فأمّا «٤» «خائنة» فيحتمل أن تكون مصدرا كالعافية، والعاقبة، فإن حملته في البيت على هذا قدرت حذف المضاف، وإن شئت جعلته مثل راوية.
стр. 1013
ونسب الإغلال إلى الإصبع كما نسب الآخر الخيانة إلى اليد في قوله:
فولّيت العراق ورافديه ... فزاريا أحذّ يد القميص
«١» [الرواية: أأطعمت العراق] «٢».
وقالوا: من الغلّ الذي هو الشحناء والضّغن، غلّ يغلّ، بكسر الغين. وقالوا في الغلول من الغنيمة: غلّ يغلّ بضمّ الغين.
والحجّة «٣» لمن قرأ: يغل أنّ ما جاء في التنزيل من هذا النحو أسند الفعل فيه إلى الفاعل نحو ما كان لنا أن نشرك بالله من شيء [يوسف/ ٣٨] وما كان ليأخذ أخاه [يوسف/ ٧٦] وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله [آل عمران/ ١٤٥] وما كان الله ليضل قوما بعد إذ هداهم [التوبة/ ١١٥] وما كان الله ليطلعكم على الغيب [آل عمران/ ١٧٩] ولا يكاد يجيء منه «٤»: ما كان زيد ليضرب، فيسند الفعل فيه «٥» إلى المفعول به.
فكذلك ما كان لنبي أن يغل [آل عمران/ ١٦١] يسند الفعل فيه إلى الفاعل. وروي عن ابن عباس أنّه قرأ: يغل وقيل له: إنّ
стр. 1014
عبد الله قرأ: يغل فقال ابن عباس: بلى والله ويقتل «١»، وروي أيضا «٢» عن ابن عباس: «قد كان النبي يقتل فكيف لا يخوّن» «٣»؟.
ومن قال: يغلّ احتمل أمرين: أحدهما أن ينسب إلى ذلك، أي:
لا يقال له غللت، كقولك: أسقيته. أي «٤»: قلت له: سقاك الله. وقال:
وأسقيه حتّى كاد ممّا أبثّه ... تكلّمني أحجاره وملاعبه
«٥» وكقولهم: [أكفرتني أي: نسبتني] «٦» إلى الكفر قال:
فطائفة قد أكفرتني بحبّكم «٧» .....
أي: نسبتني إلى الكفر. ويجوز أن يكون يغل. أي: ليس لأحد أن يغلّه، فيأخذ من الغنيمة التي حازها، وإن كان لا يجوز أن يغلّ غير النبي ﷺ «٨» من إمام للمسلمين «٩» وأمير لهم، لأنّ ذلك يجوز أن يعظم بحضرته، ويكبر كبرا لا يكبر عند غيره [عليه
стр. 1015
السلام] «١»، لأنّ المعاصي تعظم بحضرته، كما قال: لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي. [الحجرات/ ٢] فالغلول «٢» وإن كان كبيرا، فهو بحضرته ﵇ أعظم.
قال: وكلهم قرأ: ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله [آل عمران/ ١٦٩] مخففة التاء إلا ابن عامر فإنّه قرأ: قتلوا* مشدّدة التاء «٣».
[قال أبو علي] «٤»: وجه من قرأ قتلوا بالتخفيف أنّ التخفيف يصلح للكثير والقليل، تقول: قتلت القوم فيصلح، التخفيف للكثرة، وضربت زيدا ضربة، فيصلح للقلّة. ووجه التّثقيل أنّ المقتولين كثرة «٥» فحسن التثقيل، كما قال: مفتحة لهم الأبواب [ص/ ٥٠] وفعّل يختص به الكثير دون القليل.
[آل عمران: ١٧١]
اختلفوا في قوله [جلّ وعز] «٦» وأن الله لا يضيع [آل عمران/ ١٧١] في كسر الألف وفتحها، فقرأ الكسائي وحده:
وإن الله لا يضيع بكسر الألف وقرأ الباقون: وأن الله بفتح الألف «٧».
[قال أبو علي] «٨»: وجه الفتح أنّ المعنى يستبشرون بنعمة من الله، وبأنّ الله لا يضيع، فأنّ معطوفة على الباء، المعنى:
يستبشرون، بتوفر ذلك عليهم، ووصوله إليهم، لأنّه إذا لم يضعه،
стр. 1016
وصل إليهم، فلم يبخسوه، ولم ينقصوه، فهذا مما يستبشر به «١»، كما أنّ النعمة والفضل كذلك. ومن كسر فإلى ذا «٢» المعنى يؤول، لأنّه إذا لم يضعه وصل إليهم، فلم ينقصوه، فالأول أشدّ إبانة لهذا المعنى.
[آل عمران: ١٧٦]
اختلفوا في فتح الياء وضمّ الزاي، وضمّ الياء وكسر الزاي من قوله تعالى «٣»: ولا يحزنك [آل عمران/ ١٧٦].
فقرأ نافع وحده يحزنك* وليحزن [المجادلة/ ١٠] وإني ليحزنني [يوسف/ ١٣] بضم الياء، وكسر الزاي في كلّ القرآن إلّا في سورة الأنبياء: لا يحزنهم الفزع [الآية/ ١٠٣] فإنّه فتحها، يعني الياء، وضمّ الزاي.
وقرأ الباقون في جميع ذلك يحزن* بفتح الياء وضمّ الزاي في كلّ القرآن «٤».
[قال أبو علي] «٥»: قال سيبويه تقول «٦»: فتن «٧» الرجل وفتنته، وحزن وحزنته. قال: وزعم الخليل أنّك حيث قلت: فتنته
стр. 1017
وحزنته لم ترد أن تقول: جعلته حزينا وجعلته فاتنا، كما أنّك حين قلت: أدخلته، أردت: جعلته داخلا، ولكنك أردت أن تقول: جعلت فيه حزنا وفتنة، فقلت: فتنته، كما قلت: كحلته، أي: جعلت فيه كحلا، ودهنته جعلت فيه دهنا، فجئت بفعلته على حدّه «١». ولم ترد بفعلته هاهنا تغيير قوله: حزن وفتن، ولو أردت ذلك لقلت أحزنته، وأفتنته، وفتن من فتنته، كحزن من حزنته. قال: وقال بعض العرب: أفتنت الرجل، وأحزنته: أراد «٢» جعلته حزينا وفاتنا، فغيروا فعل «٣».
قال أبو علي: فهذا الذي حكاه عن بعض العرب حجة نافع في قراءته «٤» ليحزنني وأمّا قراءته: لا يحزنهم الفزع الأكبر [الأنبياء/ ١٠٣] فعلى أنّه يشبه أن يكون تبع فيه أثرا أو أحبّ الأخذ بالوجهين إذ كان كل واحد منهما جائزا.
[آل عمران: ١٨٨، ١٨٠، ١٧٨]
اختلفوا في الياء والتاء من قوله [جلّ وعز] «٥»:
ولا يحسبن الذين كفروا [آل عمران/ ١٧٨] فقرأ ابن كثير وأبو عمرو: ولا يحسبن الذين كفروا بالياء «٦»، ولا يحسبن الذين يبخلون [آل عمران/ ١٨٠] ولا يحسبن الذين يفرحون [آل عمران/ ١٨٨] فلا يحسبنهم [آل عمران/ ١٨٨] بضمّ «٧»
стр. 1018
الباء في يحسبنهم وكلّهنّ بالياء وكسر السين في كل «١» القرآن.
وقرأ نافع وابن عامر ولا يحسبن الذين كفروا [آل عمران/ ١٧٨] ولا يحسبن الذين يبخلون «٢» [آل عمران/ ١٨٠] لا يحسبن الذين يفرحون [آل عمران/ ١٨٨] كل ذلك بالياء «٣» فلا تحسبنهم [آل عمران/ ١٨٨] بالتاء وفتح الباء غير أنّ نافعا كسر السين وفتحها ابن عامر. وقرأ حمزة: ولا تحسبن الذين كفروا [آل عمران/ ١٧٨] ولا تحسبن الذين يفرحون ... فلا تحسبنهم [آل عمران/ ١٨٨] بفتح الباء والسين وكل ذلك بالتاء. وقرأ عاصم والكسائي كلّ ما في هذه السورة بالتاء إلّا حرفين: قوله «٤»: ولا يحسبن الذين يبخلون [آل عمران/ ١٨٠] ولا يحسبن الذين كفروا [آل عمران/ ١٧٨] فإنّهما بالياء غير أنّ عاصما فتح السين وكسرها الكسائي. ولم يختلفوا في قوله: ولا تحسبن الذين قتلوا [آل عمران/ ١٦٩] أنها بالتاء «٥».
قال أبو علي: قراءة ابن كثير وأبي عمرو، ولا يحسبن الذين كفروا* [آل عمران/ ١٧٨] ولا يحسبن الذين يبخلون [آل عمران/ ١٨٠] ولا يحسبن الذين يفرحون
стр. 1019
[آل عمران/ ١٨٨] فلا يحسبنهم بضم الباء في يحسبنهم وكلّهنّ بالياء وكسر السين في كلّ القرآن.
[قال أبو علي] «١»: الذين في هذه الآي في قراءتهما:
رفع بأنّه فاعل يحسب، وإذا كان الذي في الآي فاعلا اقتضى حسب «٢» مفعولين، لأنّها تتعدى إلى مفعولين، أو إلى مفعول يسد مسدّ المفعولين، وذلك إذا جرى في صلة ما يتعدى إليه ذكر الحديث والمحدّث عنه نحو: حسبت أنّ زيدا منطلق، وحسبت أن تقوم «٣»، فقوله: أنما نملي لهم خير لأنفسهم [آل عمران/ ١٧٨] قد سدّ مسدّ المفعولين اللذين يقتضيهما يحسبنّ. وكسر إنّ في قول من قرأ: يحسبن بالياء لا ينبغي، وقد قرئ فيما حكاه غير أحمد بن موسى. ووجه ذلك أنّ «إنّ» يتلقّى بها القسم كما يتلقّى بلام الابتداء، ويدخل كلّ واحد منهما على الابتداء والخبر فكسر إنّ بعد يحسبنّ، وعلّق عليها الحسبان كما يعلّق باللّام. فقال: لا يحسبن الذين كفروا إنما نملي [آل عمران/ ١٧٨] كما قال: لا يحسبن الذين كفروا للآخرة خير لهم. وما تحتمل ضربين أحدهما: أن تكون بمعنى الذي فيكون التقدير: لا يحسبنّ الذين كفروا أنّ الذي نمليه خير لأنفسهم، والآخر: أن يكون ما نملي بمنزلة الإملاء فيكون مصدرا، وإذا كان مصدرا، لم يقتض راجعا إليه «٤». وقال أبو الحسن: المعنى: ولا يحسبنّ الذين كفروا أنّ ما نملي لهم ليزدادوا إثما، إنّما نملي لهم خير لأنفسهم. وأمّا قوله: ولا يحسبن الذين
стр. 1020
يبخلون بما آتاهم الله من فضله هو خيرا لهم [آل عمران/ ١٨٠] فالذين يبخلون فاعل يحسبنّ والمفعول الأول محذوف من «١» اللفظ لدلالة اللفظ عليه، وهو بمنزلة قولك: من كذب كان شرا له، أي:
الكذب، فكذلك: لا يحسبنّ الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله البخل «٢» هو خيرا لهم، فدخلت «٣» هو فصلا، لأنّ تقدّم يبخلون بمنزلة تقدّم البخل، فكأنّك قلت: لا يحسبنّ الذين يبخلون البخل هو خيرا لهم. فأمّا قوله: ولا يحسبن الذين يفرحون بما أتوا [آل عمران/ ١٨٨] فلا تحسبنهم فالذين في موضع رفع بأنّه فاعل يحسب، ولم توقع يحسبنّ على شيء. قال أبو الحسن لا يعجبني «٤» قراءة من قرأ الأولى بالياء، لأنّه لم يوقعه على شيء، ونرى أنّه لم يستحسن أن لا يعدّى حسبت، لأنّه قد جرى مجرى اليمين في نحو: علم الله لأفعلنّ.
ولقد علمت لتأتينّ منيتي «٥» .......
وظننت ليسبقنّني، وظنوا ما لهم من محيص [فصلت/ ٤٨] فكما أنّ القسم لا يتكلّم به حتى يعلّق بالمقسم عليه، كذلك ظننت وعلمت، في هذا الباب.
وأيضا فإنّه قد جرى في كلامهم لغوا، وما جرى [في