ووقتئذ لا ترحمكم الأرض ولا السماء.
وهل تعرفون أن في شانتونج مائتي مقاطعة قد استحالت صحاري مجدبة،
وأن آلافا من القرى والمزارع قد غطاها الحسك والشوك؟
وأن الرجال يذبحون ذبح الكلاب، والنساء يسقن كما يساق الدجاج …
ولو أنني كنت أعرف ما هو مخبأ للأولاد من سوء المصير
لفضلت أن يكون أطفالي كلهم بنات …
ذلك أن الأولاد لا يولدون إلا ليدفنوا تحت العشب الطويل.
ولا تزال عظام من قضت عليهم الحرب في الماضي البعيد مدفونة بجوار البحر الأزرق تراها وأنت مار.
فهي بيضاء رهيبة تراها العين فوق الرمال،.
هنالك تجتمع أشباح الصغار وأشباح الكبار لتصيح جماعات،
وإذا هطل المطر وأقبل الخريف وهبت الريح الباردة،
علت أصواتهم حتى علمتني كيف تقتل المرء الأحزان …
إن الطيور تتناغى في أحلامها وهي تحلق فوق الماء
والبراعة تشع بضيائها في غسق الليل.
فلم يقتل الإنسان أخاه الإنسان ليعيش؟
إني أتحسر خلال الليل في غير طائل؟.
وقضى الشاعر عامين خلال عهد الثورة يطوف بأنحاء الصين تقاسمه إملاقَه زوجته وأبناؤه، وقد بلغ من فقره أنه كان يستجدي الناس الخبز، ومن ذلته أنه خر راكعاً يدعو بالخير للرجل الذي آوى أسرته وأطعمها حيناً من الزمان (٦٥). ثم أنجاه من بؤسه القائد الرحيم ين وو فعينه أمينا لسره، وغفر له أهواؤه وأطواره
стр. 1192
الشاذة، وأسكنه كوخاً على ضفة "مجرى غاسل الأزهار"، ولم يطلب إليه أكثر من أن يقرض الشعر (١). وعاش الرجل حينئذ سعيداً طروباً يتغنى بالأمطار والأزهار والقمر والجبال:
وماذا تجدي العبارة أو المقطوعة الشعرية الجميلة؟
إن أمامي جبالاً وغابات كثيفة سوداء فاحمة.
وإن نفسي لتحدثني بأن أبيع تحفي وكتبي
وأعب من الطبيعة وهي صافية عند منبعها …
فإذا قدمت على مكان بهذا الجمال
مشيت رويداً. وتمنيت أن يغرق الجمال روحي.
أحب أن ألمس ريش الطير.
وأنفخ فيه بقوة حتى أكشف عما تحته من الزغب
وأحب أن أعد إبر النبات أيضاً،
بل أحب أن أعد لقاحه الذهبي،
ألا ما أحلى الجلوس على الكلأ،
ولست بحاجة إلى الخمر حين أجلس عليه، لأن الأزهار تسكرني ..
أحب الأشجار القديمة حباً يسري في عظامي، وأحب أمواج البحر التي في زرقة اليشب.
وأحبه القائد الطيب القلب حباً أفسد على الشاعر راحته، لأنه رفعه إلى منصب عال في الدولة، إذ جعله رقيباً في شانجان، ثم مات القائد فجأة، وثارت الحرب حول الشاعر، فأمسى وحيداً لا سند له إلا عبقريته، وسرعان ما ألفى نفسه
стр. 1193
فقيراً معدماً، وأخذ أطفاله وقد أذهب عقلهم الجوع يسخرون منه لقلة حيلته، وكان في آخر أيامه شيخاً مهدماً بائساً وحيداً، "يؤذي العين منظره"، وأطاحت الريح بسقف كوخه، وسرق الأطفال قش فراشه، وهو ينظر إليهم ولا يستطيع لضعفه أن يقاومهم (٦٧)، وشر من هذا كله أنه فقد لذة الخمر، ولم يعد في وسعه أن يحل مشاكل الحياة كما يحلها لي بو.
ثم لجأ آخر الأمر إلى الدين ووجد سلواه في البوذية، وعاجلته الشيخوخة ولم يتجاوز التاسعة والخمسين من عمره، فحج إلى جبل هون المقدس ليزور فيه معبداً ذائع الصيت، وهناك عثر عليه حاكم من الحكام قد قرأ شعره، فآواه إلى منزله وأقام وليمة تكريماً له، صُفَّت فيها صحاف الشواء وكؤوس الخمر. ولم يكن ووفو قد رأى ذلك من عدة سنين فأكل أكل الجياع. ثم طلب إليه مضيفه أن ينشد الشعر ويغني، فحاول أن يجيبه إلى ما طلب، ولكنه خارت قواه وسقط على الأرض ومات في اليوم الثاني (٦٨).
стр. 1194
الفصل السابع
النثر
وفرة الآداب الصينية - الروايات الغرامية - التاريخ -
زوماتشين - المقالات - هان يو على عظام بوذا
ليس شعراء تانج إلا فئة من شعراء الصين، وليس الشعر إلا جزءاً من الأدب الصيني، وإنه ليصعب علينا أن ندرك حقيقة ما كان في هذا العصر من وفرة في الأدب ومن سعة انتشاره بين كافة طبقات الشعب. وكان عدم وجود قانون للملكية الأدبية عاملاً من العوامل التي ساعدت على رخص أثمان المطبوعات، ولذلك كان من الأمور العادية، قبل دخول الأفكار الغربية في البلاد، أن يجد الإنسان مجموعات جديدة مجلدة من عشرين كتاباً تباع الواحدة منها بريال أمريكي، وأن يرى موسوعات مؤلفة من عشرين مجلداً تباع جديدة بأربعة ريالات، وأن تباع جميع روائع الأدب الصيني القديم كلها بريالين (٦٩). وأصعب مما سبق أن نقدر نحن قيمة هذا الأدب، وذلك لأن الصينيين يضعون الشكل والأسلوب فوق المادة حين يحكمون على كتاب ما، وليس في وسع أية ترجمة مهما بلغت أن تظهر جمال الشكل أو روعة الأسلوب.
ليس من حقنا أن نلوم الصينيين حين يقولون إن آدابهم أرقى من أية آداب أخرى عدى الآداب اليونانية، ولعلهم حين يستثنون آداب اليونان إنما يفعلون هذا من قبيل المجاملات المأثورة عن الشرقيين.
والصينيون لا يعدون القصص فرعاً من فروع الأدب، وهم في هذا يختلفون عن الغربيين حيث يرفع القصص من شأن المؤلفين ويذيع أسمائهم في سرعة وسهولة. ولذلك فإنا قلما نجد له ذكراً في بلاد الصين قبل أن يدخلها المغول (٧٠)
стр. 1195
بل إن أدباء الصين لا يزالون إلى هذا اليوم يعدون خير الروايات القصصية مجرد تسلية شعبية غير خليقة بأن تذكر في تاريخ الآداب الصينية. لكن سكان المدن الصينية السذج لا يبالون بهذه الفروق، ويتركون أغاني بو- جوي، ولي بو في غير تحرج، ويفضلون عليها الروايات الغرامية التي لا حصر لها، والتي يكتبها مؤلفون يخفون عن القراء أسماءهم، وينشرونها باللهجات الشعبية التي تكتب بها المسرحيات. وهي تصوّر للصينيين في وضوح ما في ماضيهم من أحداث روائية رائعة؛ ذلك أن جميع الروايات الصينية الشهيرة، إلا القليل النادر منها، روايات تاريخية، وقلّ أن يوجد فيها ما هو واقعي النزعة، وأقلّ منه ما يحاول فيه مؤلفوه ذلك القرب من التحليل النفساني أو الاجتماعي الذي يرقى "بأخوة كرمزوف" The Brothers Karamazov و "الجبل المسحور" The Magic Mountain و "الحرب والسلم" War and Peace و "البائسون" Les Miserables إلى مستوى الأدب الرفيع.
ومن أقدم الروايات الصينية رواية شوي هو جوان أو "قصة حواشي الماء" التي ألفها رهط من الكُتاّب في القرن الرابع (١).
ومن أكبر هذه الروايات حجماً رواية "هونج لومن" أو حلم الغرفة الحمراء (حوالي ١٦٥٠ م) وهي رواية في أربعة وعشرين مجلداً؛ ومن أحسنها كلها رواية لياو جاي جبىْ أو قصص عجيبة (حوالي ١٦٦٠ م) وهي التي يجلها الصينيون لجمال أسلوبها وأناقة عبارتها. وأشهرها كلها رواية ساق جورجي ياق إي أو "رواية الممالك الثلاث" وهي رواية منمقة الأسلوب في ألف صفحة ومائتين كتبها لو جوان - جونج (١٢٦٠ - ١٢٤١ م) في وصف الحرب
стр. 1196
والدسائس التي أعقبت سقوط أسرة هان (١)، وكلها شبيهة بالروايات الطويلة التصويرية التي كانت منتشرة في أوربا في القرن الثامن عشر. وكثيراً ما تجمع هذه الروايات (إذا جاز لنا في مثل هذه الموضوعات أن ننقل إلى القارئ ما يتحدث به الناس عنها) بين تصوير الأخلاق الفكه اللطيف الذي تراه في رواية تم جونز Tom Jones وبين القصص الشائق الذي نراه في جل بلاس Gil Blas. وهي أصلح ما تكون لأن يقرأها الشيوخ الطاعنون في السن ليقطعوا بها أوقات فراغهم.
والتاريخ أجل الآداب شأناً في الصين، وهو كذلك أحبها إلى الصينيين، وليس ثمة أمة ظهر فيها من المؤرخين عدد يوازي ما ظهر منهم في الصين، وما من شك في أنه ليس بين الأمم جميعهاً أمة كتبت في التاريخ بقدر ما كتبت الأمة الصينية. وذلك أن أقدم عصور الملوك كان لها كتابها الرسميون، يسجلون أعمال الملوك وأحداث الأيام؛ ولقد دام منصب مؤرخ البلاط إلى أيامنا هذه، وأوجد في الصين قدراً من الأدب التاريخي لا نرى له مثيلاً في طوله ولا في ملله في جميع بلاد العالم. وحسبنا أن نضرب بعض الأمثلة ليدرك القارئ طول هذه التواريخ. فمنها أربعة وعشون كتاباً في "تواريخ الأسر" وهو تاريخ رسمي نشر في عام ١٧٤٧ م في ٢١٩ مجلداً ضخماً (٧١). وأخذت كتابة التواريخ تخطو خطى سريعة في الصين مبتدئة بالشو - جنج أو "كتاب التاريخ" الذي هذبه كنفوشيوس أحسن تهذيب، وبالدوز - جواق وهو شرح لكتاب المعلم الكبير وإحياء له كتب بعد مائة عام من ذلك الوقت وحوليات كتب الغاب التي وجدت في قبر أحد ملوك ويه، حتى أخرجت في القرن الثاني قبل ميلاد
стр. 1197
المسيح أعظم كتب التاريخ الصينية على الإطلاق، وهو كتاب السجل التاريخي الذي جمعه زوماتشين وبذل في جمعه جهوداً جبارة.
ذلك أنه لما خلف زوما أباه في منصب منجم البلاط بدأ عمله بإصلاح التقويم، ثم وجه جهوده للعمل الذي بدأه أبوه وهو رواية تاريخ الصين من عهد الأسرة الأولى الأسطورية إلى العصر الذي كان يعيش فيه. ولم يكن زوما مولعاً بجمال الأسلوب، بل كل ما كان يهدف إليه أن يجعل سجله هذا كاملاً. وقد قسم كتابه هذا خمسة أقسام هي: (١) حوليات الأباطرة، (٢) الجداول التاريخية، (٣) ثمانية فصول في المراسم، والموسيقى، وموازين النغمات، والتقويم، والتنجيم، والقرابين الإمبراطورية، والمجارى المائية، والاقتصاد السياسي، (٤) حوليات أمراء الإقطاع، (٥) تراجم عظماء الرجال. ويبلغ طول العهد الذي تُؤرّخ له هذه الكتب كلها نحو ثلاثة آلاف عام، وقد سجلت في ٠٠٠ ر ٥٢٦ متر صيني نقشت بقلم مدبب على ألواح من الغاب في صبر طويل (٧٢). ولما فرغ زوماتشين من وضع كتابه هذا الذي قضى فيه حياته كلها أرسله إلى الإمبراطور وإلى العالم ولم يضف إليه إلا هذه المقدمة المتواضعة:
"لقد وهنت الآن قوة خادمك الجسمية، وضعف بصره وأظلمت عيناه، ولم يبق من أسنانه إلا العدد القليل، وضعفت ذاكرته حتى أصبح ينسى حوادث الساعة حين تدبر عنه، ذلك أن قواه كلها قد استنفدها إخراج هذا الكتاب. وهو لهذا يرجو أن تصفح جلالتكم عن محاولته الجريئة التي تشفع لها نيته الخالصة، وأن تتفضل في لحظات الفراغ بلقاء نظرة قدسية على هذا الكتاب حتى تعرف من أسباب قيام الأسر السابقة وسقوطها سر نجاح هذه الساعة وإخفاقها، فإذا ما استخدمت هذه المعرفة لخير الإمبراطورية، فإن خادمك يكون قد حقق غرضه ومطمعه في الحياة، وإن ثوت عظامه في الينابيع الصفراء" (٧٣).
стр. 1198
ولسنا نجد في صفحات كتاب زوماتشين شيئاً من تألق تين Taine، ولا ثرثرة ساحرة أو قصصا طريفة مكتوبة بأسلوب هيرودوت، ولا تعاقبا للعلة والمعلول كما نجدها في توكيديد Thucydides، ولا نظرة واسعة الآفاق في لغة موسيقية كما نجد في ِجبُن Gibbon. ذلك أن التاريخ قلما يرتفع في الصين من صناعة إلى فن.
وقد ظل المؤرخون الصينيون من أيام زوماتشين إلى أيام سميه زوما جوانج الذي حاول بعد أحد عشر قرناً أن يكتب مرة أخرى تاريخاً عاماً للصين، نقول ظل هؤلاء المؤرخون يكدحون ليدونوا في صدق وإخلاص حوادث أسرة حاكمة أو ملك من أسره. وكثيراً ما أضاعوا في هذا العمل كل ما كان لهم من مال، بل إنهم أضاعوا فيه أحياناً حياتهم نفسها؛ وكانوا ينفقون جهودهم كلها في سبيل الحقيقة لا يبغون عنها بديلاً، ولم يدخروا شيئاً من هذه الجهود ينفقونه في جمال الأسلوب، ولعهم كانوا في عملهم هذا على حق، ولعل التاريخ ينبغي أن يكون علماً لا فناً، ولربما كانت حوادث الماضي يعتريها الغموض إذا وصلت إلينا في زينة ِجبُن أو في مواعظ كارليل.
ولم تخل بلادنا نحن (١) أيضا من مؤرخين ثقال، وفي وسعنا أن ننافس أية أمة من الأمم في عدد المجلدات التي خصصت لتسجيل - وجمع - أتفه الأشياء.
أما المقالة الصينية فهي أجمل من التاريخ الصيني وأعظم منه بهجة. ذلك أن الفن فيها غير محرم والفصاحة مطلقة العنان. وأوسع كتاب المقالات شهرة هان يو العظيم الذي يقدر الصينيون كتبه أعظم تقدير، ويجلونها إجلالا بلغ من قدره أنهم يطلبون إلى من يقرؤها أن يغسل يديه بماء الورد قبل أن يمسها.
وكان هان يو وضيع المولد ولكنه وصل إلى أرقى المراتب في خدمة الدولة، ولم يغضب عليه الإمبراطور إلا لأنه احتج احتجاجاً شديداً صريحاً على تسامحه
стр. 1199
مع البوذية وما حباها من امتيازات. ذلك أن هان كان يعتقد أن الدين الجديد إن هو إلا خرافة هندية، وقد آلمه أشد الألم، وهو الكنفوشي الصميم، أن يرضى الإمبراطور عن هذا الحلم الموهن الذي أسكر أهل بلاده. ومن أجل هذا رفع مذكرة إلى الإمبراطور (٨٠٣ ق. م) نقتبس منها هذه السطور لنقدم للقارئ مثلاً من النثر الصيني، وإن كانت الترجمة الأمينة قد شوهته:
"لقد سمع خادمكم أن أوامر صدرت إلى جماعة الكهنة بأن يسيروا إلى فنج - شيانج ليتسلموا عظماً من عظام بوذا، وأن جلالتكم ستشرفون من برج عال على دخوله في القصر الإمبراطوري؛ وأن أوامر أخرى أرسلت إلى الهياكل المختلفة تقضي بأن يحتفل بهذا الأثر الاحتفال الذي يليق به. وقد يكون خادمكم أبله ضعيف العقل، ولكنه يدرك أن جلالتكم لا تفعلون هذا لتنالوا منه نفعاً، بل تفعلونه مسايرة منكم لرغبة الشعب في أن يحتفل بهذا المجون الباطل في عاصمة البلاد، في الوقت الذي بلغ فيه الرخاء غايته، وامتلأت جميع القلوب بهجة وانشراحاً. وإلا فكيف تجيز لكم سامي حكمتكم أن تؤمنوا كما يؤمن عامة الشعب بهذه العقائد السخيفة؟ وعامة الشعب يا مولاي بطيئو الإدراك يسهل التغرير بهم، فإذا رأوا جلالتكم تركعون خاشعين أمام قدمي بوذا صاحوا من فورهم: هاهو ذا ابن السماء مصدر الحكمة قوى الإيمان ببوذا؛ فهل يحق لنا نحن عامة شعبه أن نضن عليه بأجسامنا.
ثم يعقب هذا سفع النواصي وحرق الأصابع؛ وتجمع الناس من كل صوب يمزقون ملابسهم، وينثرون أموالهم، ويقضون وقتهم كله من الصباح إلى المساء يحذون حذو جلالتكم. ونتيجة هذا أن تتملك الشعب كله، صغاره وكباره، هذه الحماسة نفسها فيهمل الناس ما يجب عليهم أن يفعلوه في حياتهم. وتراهم يحجون إلى الهياكل زرافات، يقطعون أيديهم ويشوهون أجسامهم، ليقدموها قرباناً إلى الإله، إلا إذا حرمتم عليهم جلالتكم هذا العمل. وبهذا يقضى على
стр. 1200
عادتنا وتقاليدنا، ونصبح مضغة في أفواه الناس وهدفاً لسخريتهم على ظهر الأرض ..
ولهذا فإن خادمكم، وقد تجلل بالعار من أفعال الرقباء (١)، يضرع إلى جلالتكم أن تتركوا هذه العظام طعمة للنار والماء، حتى يجتث هذا الشر من منابته فلا يعود أبداً، وحتى يعرف الشعب أن حكمة جلالتكم أعلى من حكمة عامة الناس. وإذا كان للرب بوذا من القوة ما يستطيع به أن يثأر لنفسه من هذه الإهانة بالكوارث يصبها على رأس من كان سبباً فيها، فليصب جام غضبه على شخص خادمكم، وهو في هذه اللحظة يشهد السماء على أنه لن يحيد عن عقيدته" (٧٤).
وبعد فإذا ما قام النزاع بين التخريف والفلسفة فأكبر الظن أن النصر سيكون حليف التخريف، ذلك بأن العالم قد أوتي من العقل ما يجعله يفضل السعادة على الحكمة، ومن أجل ذلك نفي هان إلى قرية في هوانج - تونج حيث كان الناس لا يزالون همجاً سذجاً. ولم يشك من هذا النفي، بل شرع يهذب الناس ويجعل من نفسه خير قدوة يقتدون بها عملاً بتعاليم كنفوشيوس. وقد بلغ من نجاحه في عمله هذا أن صورته لا تزال يكتب عليها في هذه الأيام تلك الأسطورة "لقد كان ينشر الطهر حيثما مر" (٧٥). ثم استدعي آخر الأمر إلى عاصمة البلاد، وأدى للدولة خدمات جليلة، ومات معززاً مكرماً أعظم الإعزاز والتكريم. وقد نصبت له لوحة تذكارية في هيكل كنفوشيوس - وهو المكان الذي يحتفظ به عادة لأتباع المعلم العظيم أو لكبار شرّاحه -؛ وذلك لأنه دافع عن العقائد الكنفوشية دفاعاً لم يبال فيه بما يتعرض له من الأخطار، وقاوم عقيدة كانت من قبل صالحة نبيلة ولكنها أصبحت الآن منحطة فاسدة.
стр. 1201
الفصل الثامن
المسرح
منزلته الوضيعة في الصين - منشؤه - المسرحية - النظارة - الممثلون - الموسيقى
ليس من السهل أن نقسم المسرحيات الصينية أقساماً جامعة مانعة، لأن الصينيين لا يقرون أن التمثيل أدب أو فن، وليس للتمثيل في الصين منزلة تتناسب مع ما يتمتع به من انتشار واسع بين طبقات الشعب، وشأنه في هذا شأن كثير من مقومات الحياة. من أجل ذلك لا نكاد نسمع بأسماء كُتاّب المسرحيات، والممثلون ينظر إليهم على أنهم من طبقة منحطة ولو أنفقوا حياتهم كلها في إعداد أنفسهم لهذا العمل والنبوغ فيه، ولو بلغوا فيه أعظم ما يبلغه الإنسان من الشهرة. وما من شك في أن شيئاً من هذا كان من نصيب الممثلين في جميع الحضارات، وبخاصة في العصور الوسطى، حين كان التمثيل يكافح للخروج من دائرة التمثيل الديني الصامت المضحك الذي نشأ منه وتفرع عنه.
وكان هذا بعينه منشأ المسرح الصيني. فلقد كانت الطقوس الدينية في عهد أسرة جو تشمل أنواعاً من الرقص المصحوب بالمخاطر. ويقال أن هذا الرقص قد حرم فيما بعد لأنه أصبح مدعاة للفساد الخلقي، ولعل هذا التحريم الذي فصل الرقص عن المراسم الدينية هو الذي نشأ منه التمثيل غير الديني (٧٦). وشجع منج هوانج قيام هذا النوع المستقل من التمثيل كما شجع كثيراً من الفنون الأخرى، وذلك بأن جمع حوله طائفة من الممثلين والممثلات أطلق عليهم اسم: "فتيان حديقة الكمثرى". غير أن المسرح لم يصبح نظاماً قومياً معترفاً به إلا في عهد كوبلاى خان. ذلك أنه لما اختير كونج دوْفو - وهو من سلالة كنفوشيوس - في عام ١٠٣١ م ليكون مبعوثاً صينياً إلى البلاط المغولي استقبل فيه باحتفال عظيم شمل فيما
стр. 1202
شمل تمثيل إحدى المسرحيات. بيد أن الماجن في هذه المسرحية كان يمثل كنفوشيوس. ومن أجل هذا خرج كونج دو - فو غاضبا؛ لكنه لما عاد إلى الصين هو وغيره من الرحالة الذين طافوا بلاد المغول، تحدثوا إلى أبناء وطنهم عن ضرب من التمثيل أرقى كثيراً من كل ما عرفته بلادهم منه. ولما أن فتح المغول الصين أدخلوا فيها القصة المقروءة والمسرحية، ولا تزال أرقى المسرحيات الصينية في هذه الأيام هي المسرحيات التي كتبت في أثناء حكم المغول (٧٧).
وتقدم فن التمثيل على مهل، لأنه لم يلق معونة من رجال الدولة ولا من رجال الدين. وكان معظم العاملين فيه ممثلين جوالين، يقيمون طواراً في حقل خال من الزرع ويمثلون ما يشاءون أمام النظارة القرويين الواقفين في العراء.
وكان الحكام الصينيون يستخدمون الممثلين أحياناً لإقامة حفلات تمثيلية خاصة في أثناء المآدب، كما كانت النقابات أحياناً تمثل بعض المسرحيات. وزاد عدد دور التمثيل في أثناء القرن التاسع عشر الميلادي، ولكنها رغم هذه الزيادة لم يكن منها في مدينة نانكنج الكبيرة أكثر من دارين (٧٦)؛ وكانت المسرحية الصينية مزيجاً من التاريخ والشعر والموسيقى، وكانت حبكتها عادة تدور حول حادثة تاريخية روائية، وكان يحدث في بعض الأحيان أن تمثل مشاهد من مسرحيات مختلفة في ليلة واحدة؛ ولم يكن لزمن التمثيل حد محدود، فتارة يكون قصيراً وتارة يدوم عدة أيام، لكنه في أكثر الأحيان كان يمتد نحو ست ساعات أو سبع، وهو الزمن الذي تستغرقه أحسن المسرحيات الأمريكية في هذه الأيام وكان يتخلل المسرحيات كثير من التفاخر والخطب الرنانة، وكثير من العنف في الأقوال والأعمال، ولكن واضع المسرحية كان يبذل غاية جهده ليجعل خاتمتها انتصاراً للفضيلة على الرذيلة؛ ومن أجل ذلك أصبحت المسرحية الصينية أداة للتعليم والإصلاح الأخلاقي، تعلم الشعب شيئاً من تاريخه، وتغرس
стр. 1203
في نفوس أفراده الفضائل الكنفوشية - وأهمها كلها بر الأبناء بالآباء-وكانت تعمل لذلك باطراد ودأب أفسدا عليها غايتها.
وقلما كان المسرح يزين بالمناظر أو الأثاث، ولم يكن له مخرج للممثلين، فكان هؤلاء جميعاً، سواء منهم أصحاب الأدوار وغير أصحابها، يجلسون على المسرح طوال وقت التمثيل ويقفون إذا ما جاء دورهم؛ وكان يحدث في بعض الأحيان أن يقدم الخدم الشاي لهم وهم جالسون؛ وكان غيرهم من الخدم يطوفون بين النظارة يبيعونهم الدخان والشاي والمرطبات، ويقدمون لهم القطائل ليمسحوا بها وجوههم في ليالي الصيف؛ وكان يشربون ويأكلون ويتحدثون حتى تستلفت أنظارهم قطعة من التمثيل جميلة أو عالية الصوت؛ وكثيراً ما كان الممثلون يضطرون إلى الصراخ بأعلى أصواتهم لكي يسمعهم النظارة، وكان في أغلب الأحيان يلبسون أقنعة على وجوههم حتى يسهل على النظارة فهم أدوارهم.
ولما حرّم تشين لونج على النساء أن يظهرن على المسرح كان الرجال يمثلون أدوار النساء، وقد مثلوها تمثيلاً بلغ من إتقانه أن النساء حين سمح لهن في أيامنا هذه بالظهور على المسرح من جديد كان لا بد لهن أن يعملن جاهدات على تقليد مقلديهن حتى يضمنّ النجاح. وكان لا بد للممثلين أن يتقنوا الرقص والألعاب البهلوانية، لأن أدوارهم كثيراً ما كانت تتطلب منهم المهارة في تحريك أعضائهم، ولأن كل حركة من حركات التمثيل كانت تؤدى طبقاً لقواعد من الرشاقة معينة منسجمة مع النغمات الموسيقية التي تعزف في خلال التمثيل؛ وكانت حركات اليدين تستخدم رمزاً للكثير من الأعمال، كما كانت تصحب الكثير من الأقوال، وكان لابد أن تكون هذه الحركات دقيقة متفقة مع العرف والتقاليد القديمة؛ وكان فن تحريك اليدين والجسم عند بعض كبار الممثلين أشباه ماي لانج - فانج يؤلف نصف ما في المسرحية من شعر.
وقصارى القول أن التمثيلية لم تكن كلها رواية مسرحية، ولم تكن كلها
стр. 1204
مسرحية غنائية، ولم تكن في أكثر أدوارها مرقصة، بل كانت مزيجاً من هذا كله تكاد تشبه في صفاتها مسرحيات العصور الوسطى في أوربا، ولكنها كاملة في نوعها كمال الموسيقى البلسترينائية Palestrina أو الزجاج المصبوغ (٧٩).
وقلما كانت الموسيقى فناً قائماً بذاته عند الصينيين بل كانت تعزو منشأ كثير غيرها من الفنون إلى الإمبراطور الأسطوري فوشي. وقد احتوى اللي - جى أو "كتاب المراسم" الذي يرجع عهده إلى ما قبل كنفوشيوس عدة رسائل في الموسيقى وأسماء عدة رسائل فيها، كما احتوى الدزو - جوان الذي كتب بعد مائة عام من أيام كنفوشيوس وصفاً بليغاً للموسيقى التي كانت تصحب غناء قصائد ويه. وما أن حل عهد كونج فو - دزه حتى كان السلم الموسيقى الصيني قد ثبت وتقادم عهده؛ وحتى كانت البدع التي أخذت تتسرب إليه تقض مضاجع الهادئين المحافظين، وحتى أخذ هذا الحكيم يضج بالشكوى من الأنغام الداعرة الشهوانية التي بدأت في أيامه تحل محل أيام الماضي المتفقة في رأيه مع الفضائل وكرم الأخلاق (٨٠).
ثم شرع النفوذ اليوناني البكتري والنفوذ المغولي يتسربان إلى الموسيقى الصينية حتى تركا آثارهما في السلم الموسيقي الصيني المعروف ببساطته.
وقد عرف الصينيون تقسيم البعد الكلي في الموسيقى إلى اثني عشر نصفاً من أنصاف النغمات، ولكنهم كانوا يؤثرون كتابة موسيقاهم في سلم خماسي يطابق على وجه التقريب نغماتنا F. G. A. D. C وكانوا يطلقون على هذه النغمات الكاملة أسماء "الإمبراطور" و "رئيس الوزراء" و "الرعية" و "شئون الدولة" و "صورة الكون". وكانوا يفهمون التوافق في الألحان، ولكنهم قلما كانوا يعنون به إلا إذا أرادوا ضبط آلاتهم الموسيقية. وكانت هذه الآلات تشمل من آلات النفخ الناي والبوق والمزمار والصفارة، ومن الآلات الوترية
стр. 1205
الكمان الأوسط والمزهر وغيرهما، ومن آلات الدق الدفوف والطبول والأجراس والصنوج. وكانت لهم ألواح موسيقية من اليشب والعقيق (٨١). وكانت النغمات التي تنبعث من هذه الآلات عجيبة مزعجة لأذن المستمع الغربي، كما تبدو، في ظننا، أحسن الأغاني الغربية عجيبة مزعجة للمستمع الصيني. ولكن هذه النغمات هي التي أثرت في نفس كنفوشيوس فامتنع عن أكل اللحم، وأصبح رجلاً نباتياً، وهي التي جعلت كثيراً من مستمعيها يفرّون من منازعات الحياة واختلاف الأفكار والإرادات، وهو الفرار الذي لا يكون إلا نتيجة الاستسلام إلى الموسيقى الشجية.
ومن أقوال هان يو في هذا: "لقد علم الحكماء الإنسان لكي يقشعوا ما في نفسه من حزن وغم" (٨٢). وكانوا يؤمنون بقول نيتشه: "لولا الموسيقى لكانت الحياة عبثاً لا خير فيه".
стр. 1206
الباب الخامس والعشرون
عصر الفنانين
الفصل الأول
النهضة في عهد أسرة سونج
١ - اشتراكية وانج آن - شي
أسرة سونج - رئيس وزراء متطرف - طريقته في علاج التعطل - تنظيم
الصناعة - قوانين الأجور والأثمان - تأميم التجارة - مشروعات الدولة للتأمين
من التعطل والفقر والشيخوخة - المناصب العامة بالامتحان - هزيمة وانج آن - شي
لم تفق أسرة تانج من هزيمتها على يد آن لو- شان وثورته. فقد عجز الأباطرة الذين خلفوا منج هوانج عن إعادة سلطان الإمبراطور إلى سابق عهده في أجزاء الإمبراطورية المختلفة، ثم انقضى عهد تلك الأسرة بعد مائة عام من وهن الشيخوخة، وجاءت بعدها خمس أسر لم يطل عهدها مجتمعة أكثر من ثلاث وخمسين سنة، ولكنها بلا استثناء بلغت من الضعف ما بلغته من قصر الأجل. وكانت البلاد في حاجة إلى يد قوية قاسية لتعيد إليها النظام شأن الدول كلها في مثل هذه الأحوال. وهذا ما حدث فعلا، فقد خرج جندي مقدام من غمار هذه الفوضى وأسس أسرة سونج واستولى على العرش وتسمى باسم تاي- دزو، وأعاد الحكومة إلى ما كانت عليه من البيروقراطية في أيام كنفوشيوس، كما أعاد طريقة تقلد المناصب الحكومية بالامتحانات العامة، وحاول أن يحل مشاكل استغلال الفقراء بوضع نظام للإشراف على حياة الأمة الاقتصادية لا يكاد يختلف
стр. 1207
عن النظام الاشتراكي في شئ، ومستعيناً في هذا الحل بمستشار إمبراطوري خاص يشرف على هذه الشئون.
ويعد وانج آن- شي (١٠٢١ - ١٠٨٦) من الشخصيات الفذة التي تبعث الحياة والروح في تاريخ الصين الطويل؛ وقد خلد التاريخ ذكره رغم هذا الطول، وإن شخصيته لتبدو لنا ناصعة فذة رغم ما بين بلادنا وبلاده من تناء.
ذلك أن من مساوئ هذا التنائي أن يجعل انفصالنا الطويل عن مسرح الحوادث الأجنبية يطمس معالم الاختلاف في الأماكن وفي أحوال الناس، ويخفى ما بين الناس الشخصيات الشديدة الاختلاف من فروق، ويخلع عليها كلها غشاوة من وحدة المظهر والصفات تجعلها كلها جامدة كليلة. لكن وانج شذّ عن هذه القاعدة، فقد كان حتى في رأي أعدائه- وإن كثرتهم في حد ذاتها لدليل على جلال شأنه- رجلاً يختلف عن سائر الرجال، وهب حياته لإقامة نظام صالح لحكم البلاد، وعمل مخلصا لرفاهية شعبه، غير مبال بما يصيبه في سبيل هذا العمل من نصب وأذى، لا يدخر في ذلك جهداً، ولا يترك لنفسه من الوقت ما يعنى فيه بشخصه أو بملبسه، ولا يقل عن كبار العلماء في أيامه علماً وبراعة في الأسلوب، يحارب في شجاعة جنونية الطائفة الجامدة المتحفظة الغنية صاحبة السلطان القوي في أيامه. وتشاء المصادفات أن يكون الشخص العظيم الوحيد الذي يشبهه في تاريخ بلاده هو سميه وانج مانج الذي عاش قبله بنحو ألف عام- أي أن مجرى التاريخ الصاخب المضطرب قد سار ألف عام كاملة منذ الوقت الذي أجريت فيه أول تجربة بارزة لتحقيق المبادئ الاشتراكية.
وما كاد وانج آن- شي يتولى أكبر منصب في مقدور الإمبراطور أن يوليه إياه، حتى وضع ذلك المبدأ العام وهو أن الحكومة يجب أن تكون مسئولة عن رفاهية جميع السكان البلاد. ومن أقواله في هذا: "يجب أن تسيطر الدولة على جميع شئون التجارة والصناعة والزراعة وتصرفها بنفسها، وأن يكون الهدف
стр. 1208
الذي ترمى إليه من وراء ذلك غوث الطبقات العاملة، وأن تحول بينها وبين أن يذلها الأغنياء ويطحنوها طحن الرحى" (١). وقد بدأ عمله بإلغاء نظام السخرة الذي ظلت الحكومة الصينية تفرضه على الصينيين من أقدم العهود، فكانت تأخذ الناس بمقتضاه من الحقول حين تكون أعمال الزرع أو الحصاد في أشد الحاجة إليهم؛ ومع هذا فإنه أقام أعمالاً هندسية عظيمة لوقاية البلاد من غوائل الفيضان.
ومن أعماله أنه أنقذ الزراع من المرابين الذين كانوا يستعبدونهم، وأقرضهم أموالا بفوائد كانت تعد وقتئذ قليلة ليستعينوا بها على زرع أراضيهم، وأمد الفلاحين بالبذور من غير ثمن، ومنحهم من الأموال ما يعينهم على بناء مساكنهم على شريطة أن يردوا هذه الأموال إلى الدولة من غلات أرضهم. وأنشأ لجاناً في كل مركز من المراكز لتحديد أجور العمال وأثمان ضرورات الحياة. وقد أمم التجارة فكانت الحكومة تبتاع محصول كل إقليم من أقاليم البلاد، وتخزن بعضه في الإقليم ذاته اتقاء للطوارئ المحلية، ثم تنقل ما بقى منه ليباع في مستودعات أقامتها الدولة في سائر أنحاء الإمبراطورية. ثم إنه وضع نظاما لميزانية الدولة، فعين لجنة للميزانية تعرض عليه مقترحاتها وما تقدره من نفقات لكل مصلحة حكومية، وكانت الحكومة تتمسك بهذا التقديرات في إدارة أعمال الدولة، فاقتصدت بذلك كثيرا مما كان يتسرب قبل من الأموال إلى الجيوب الواسعة الخفية التي تعترض طريق كل درهم حكومي. يضاف إلى هذا كله أنه خصص معاشات للشيوخ والمتعطلين والفقراء، وأصلح أساليب التعليم والامتحانات العامة، وابتكر ضروبا من الاختبارات ليعرف بها مقدار ما يعلمه الطلاب من الحقائق لا من الألفاظ، ويستبدل بعناية الناس بالأسلوب الأدبي عنايتهم بتطبيق مبادئ كنفوشيوس على الواجبات العامة والأعمال اليومية. وقلل من اهتمام المعلمين بالشكليات وبالحفظ عن ظهر قلب، وقد أتى على البلاد حين من الدهر
стр. 1209
ألقى فيه "التلاميذ أنفسهم"، كما يقول أحد المؤرخين الصينيين، "في مدارس القرى بكتب البلاغة وأخذوا يدرسون الكتب المبسطة في التاريخ والجغرافية والاقتصاد السياسي" (٢).
ترى لم أخفقت التجربة النبيلة؟ لعل من الأسباب الأولى لإخفاقها أن فيها عناصر عملية أكثر منها مثالية. وأولى هذه العناصر أن الضرائب، وإن كان معظمها يجبى من الأغنياء- وذلك يتفق مع مبادئ الاشتراكية التي كان يسير عليها وانج آن -شي- فإن الدولة كانت تحصل على جزء من المال الذي كانت تحتاج إليه لمواجهة نفقاتها الكثيرة المتنوعة باستيلائها على جزء من محاصيل كل حقل من الحقول. وسرعان ما انضم الفقراء إلى الأغنياء في الشكوى من فدح الضرائب، لأن الناس في جميع الأوقات أكثر استعداداً للمطالبة بإلقاء الأعمال على كاهل الحكومة منهم لأداء ما يلزمها للقيام بها.
يضاف إلى هذا أن وانج آن- شي أنقص الجيش العامل لأنه يستنزف جزء كبير من موارد البلاد، ولكنه استعاض عنه بإصدار قانون عام يفرض على كل أسرة فيها من الذكور أكثر من فرد واحد أن تقدم من أبنائها جنديا في وقت الحرب. وأهدى الرجل إلى كثير من الأسر خيلا وعلفا لها، ولكنه اشترط عليها أن تعنى بالخيل العناية الواجبة، وأن تقدمها إلى الحكومة إذا احتاجت إليها في الأعمال العسكرية. فلما أن تبين الناس أن الغزوات والثورات أخذت تزيد من مطالب الحكومة العسكرية فقد وانج آن- شي في أسرع وقت مكانته بين الشعب وحبه إياه. وفوق هذا كله فإنه قد وجد من العسير عليه أن يعثر على الرجال الأشراف الأمناء ليعهد إليهم بالأعمال التي شرع في تنفيذها، وما لبث الفساد أن استشرى في جميع نواحي الإدارة البيروقراطية الضخمة، ووجدت الصين نفسها- كما وجدت نفسها أمم أخرى كثيرة من
стр. 1210
بعد- مرغمة على أن تختار بين اثنتين كلتاهما شر من الأخرى، فإما الانتهاب الفردي وإما الفساد الحكومي.
وقام المحافظون بزعامة أخي وانج نفسه والمؤرخ زوما كوانج ينددون بهذه التجربة الحكومية ويظهرون فسادها؛ ويقولون إن الفساد والعجز المتأصلين في الطبيعة البشرية يجعلان إشراف الحكومة على الصناعات مستحيلا، وإن خير النظم الحكومية هو النظام الذي يدع الأمور تجرى في مجراها، والذي يعتمد على الدوافع الاقتصادية الطبيعية التي تحمل الناس على إنتاج السلع وأداء الخدمات. واستخدم الأغنياء الذين أذاهم ما فرض على أموالهم من ضرائب باهظة واحتكار الحكومة للتجار، استخدم هؤلاء ما لهم من ثروة وقوة في العمل على الحط من شأن النظم التي وضعها وانج آن -شي ومقاومة تنفيذها، والقضاء عليها. وزاد ضغط هذه المعارضة المنظمة أحسن تنظيم على الإمبراطور. وحدث أن تعاقبت على البلاد عدة سنين من الجدب وفيضان الأنهار، اختتمت بظهور مذنب في السماء، فلم ير ابن السماء نفسه بدا من إقصاء وانج عن منصبه، وإلغاء القوانين التي أثارت غضب الشعب، ورفع أعداء وانج إلى مناصب الحكم، وعادت الأمور مرة أخرى إلى ما كانت عليه من قبل (٣).
٢ - إحياء العلوم
ازدياد عدد العلماء - الورق والحبر في الصين - خطوات في
سبيل اختراع الطباعة - أقدم كتاب معروف - العملة الورقية -
الحروف المتنقلة - مجموعات الرسائل، ومعاجم اللغة والموسوعات
لقد كانت حياة الشعب الصيني في هذه الأثناء تجري في مجراها العادي خلال جميع ضروب التجارب والنظم التجارية والنظم الإدارية، لا تضطرب ولا تؤثر فيها الحادثات التي كانت لبعدها لا تصل إلى مسامعه، إلا بعد أن تمر وتنقضي بزمن طويل لقد زال حكم آل سونج في شمالي البلاد ولكنه عاد من جديد في جنوبيها
стр. 1211
وانتقلت العاصمة من بيان لينج (وهي الآن كايفنح) إلى لين - آن (هانج تشاو الآن).
وبدت مظاهر العز والنعمة في العاصمة الجديدة كما كانت في العاصمة القديمة، وأقبل التجار من كل فج ليبتاعوا منتجات الصناعة الصينية والفن الصيني. وضرب الإمبراطور هوى دوزنج نفسه (١١٠١ - ٢٥) لشعبه أروع الأمثال في بيان - ليانج بأن كان فناناً قبل أن يكون حاكما، فكان في الوقت الذي يهاجم فيه البرابرة عاصمة ملكه يشتغل برسم الصور الفنية. وقد أنشأ مجمعاً للفن بعث النشاط في الفنون بما كان يعرض فيه من روائعها وما يغدقه على الفنانين من جوائز جعلت الفنون أكبر مفاخر أسرة سونج وأجدرها بتخليد ذكراها في سجلات الحضارة الإنسانية.
وقد حوت المتاحف وقتئذ مجموعات موحية من النقوش الفنية على البرنز وأحجار اليشب ومن الصور الزيتية والمخطوطات؛ وأنشئت في البلاد دور الكتب التي بقى بعضها بعد أن زالت أمجاد الحروب، وكانت كلتا العاصمتين الشمالية والجنوبية كعبة يحج إليها العلماء والفنانون.
وفي أيام هذه الأسرة دخلت الطباعة البلاد فأحدثت في حياة الصين الأدبية ثورة كاملة وإن لم يدرك الناس مداها وقتئذ، وكان هذا الفن قد نما شيئاً فشيئاً في خلال القرون الطوال حتى بلغ أوجه في أيام تلك الأسرة، فأتم مرحلتيه الكبيرتين إذ صنعت الألواح المحفورة لتطبع عليها صفحات كاملة، وصُفت الحروف المفككة المفردة، من المعادن المجموعة في القوالب. وكان هذا الاختراع الصيني الخالص (٤) أعظم اختراع في تاريخ الجنس البشري بعد الكتابة.
وكانت الخطوة الأولى في هذا الاختراع العظيم هي كشف مادة تكون الكتابة عليها أسهل منها على الحرير أو الغاب الذين قنع بهما الصينيون. ذلك أن الحرير غالي الثمن والغاب ثقيل، وقد احتاج مودى في تجواله إلى ثلاث
стр. 1212
عربات نقل يحمل عليها معه الكتب المدونة على شرائح الغاب التي كانت أثمن ما يملك من متاع الدنيا.
وكان شي هوانج - دي يضطر إلى مراجعة مائة وعشرون رطلا من الوثائق الحكومية في كل عام (٥). فلما كان عام ١٠٥ ب. م أبلغ رجل يدعى تساي لون الإمبراطور أنه اخترع مادة للكتابة أقل من الغاب ثمنأً وأخف منه وزناً مصنوعة من لحاء الشجر والقنب الهندي والخرق وشباك السمك. وعين الإمبراطور تساي لون هذا في منصب كبير، ومنحه لقباً رفيعاً، ولكنه تورط مع الإمبراطورة في بعض الدسائس، وافتضح أمره "فذهب إلى منزله، واغتسل ومشط شعره، ولبس أحسن ثيابه، وتجرع السم " (٦). وسرعان ما انتشرت الصناعة الجديدة انتشاراً واسع النطاق، وشاهد ذلك أن أقدم ما لدينا من الورق هو ما وجده سير أرول اشتين Sir Aurel Stien في طنف من السور الكبير، وهو مجموعة من الوثائق الرسمية دونت قيها حوادث وقعت فيما بين عامي ٢١، ١٣٧ بعد الميلاد، وأكبر الظن أنها كانت معاصرة لآخر الحوادث التي دونت عليها. ولهذا فإن عهدها يرجع إلى حوالي عام ١٥٠ م أي بعد خمسين عاماً لا أكثر من الوقت الذي أبلغ فيه تساي لون الإمبراطور نبأ اختراعه (٧). وكان هذا الورق القديم يصنع من الخرق البالية دون غيرها من المواد، فهو من هذه الناحية شبيه بما يصنع في هذه الأيام من ورق يحتاج فيه إلى طول البقاء. واستطاع الصينيون أن يرتقوا بصناعه الورق إلى أعلى درجة وذلك باستخدام مادة ماسكة من الغراء أو الجلاتين مخلوطة بعجينة نشوية ليقووا بها الألياف، وليجعلوا الورق سريع الامتصاص للحبر. ولما أن أخذ العرب عن الصينيين هذه الصناعة في القرن الثامن الميلادي، ثم أخذتها أوربا عن العرب في القرن الثالث عشر، كانت قد بلغت غاية الكمال.
وكان اختراع الحبر أيضاً في بلاد الشرق. نعم إن المصريين قد صنعوا الورق
стр. 1213
والحبر في العهد الذي نستطيع أن نسميه أقدم العهود، ولكن الصين هي التي أخذت عنها أوربا طريقة خلط الحبر بسناج المصابيح. ولقد كانت "الحبر الهندي" صيني الأصل. وكذلك كان الحبر الأحمر المصنوع من كبريتور الزئبق شائع الاستعمال في الصين من أيام أسرة هان. فلما ظهر الحبر الأسود في القرن الرابع الميلادي أصبح استعمال الحبر الأحمر ميزة خاصة بالأباطرة. وكان اختراع الحبر الأسود من العوامل المشجعة على انتشار الطباعة، لأنه كان أصلح المواد للاستعمال في القوالب الخشبية، ويمتاز بأن الكتابة به لا تكاد تمحى مطلقاً. فلقد وجدت أكداس من الورق في آسية الوسطى ظلت تحت الماء حتى عطنت ولكن ما عليها من الكتابة ظل واضحاً تستطيع قراءته (٩).
وكان استخدام الأختام في مهر الأوراق هو البداية غير المقصودة التي نشأت عنها الطباعة. ولا يزال اللفظ الصيني الذي يطلق على الطباعة هو نفسه الذي يطلق على الخاتم. وكانت الأختام الصينية تطبع في بادئ الأمر على الطين كما كانت تطبع عليه في بلاد الشرق الأدنى. ثم أخذوا في القرن الخامس الميلادي يُنَدُّونها بالحبر. وفي هذه الأثناء كانت أمهات الكتب الصينية القديمة تحفر على الحجر في القرن الثامن بعد الميلاد، وسرعان ما نشأت بعدئذ عادة استخراج صور من هذه النقوش المحفورة بعد طلاءها بالحبر. وفي القرن السادس نجد الدَّوَّيين يستعملون أختاما من الخشب لطبع الرقى السحرية، وبعد مائة عام من ذلك الوقت أخذ المبشرون البوذيون يجرون التجارب بقصد استخراج عدة نسخ مطبوعة باستخدام أختام وألواح وورق نضاح وطباعة على المنسوجات، وقد أخذوا هذا النوع الأخير عن الهنود. وأقدم ما وصل إلينا من الطباعة على لوح محفور ألف ألف رقية سحرية طبعت في اليابان حوالي عام ٧٧٠ م مكتوبة بالغة السنسكريتية وبحروف صينية، فهي بذلك مثل طيب لتفاعل الحضارات في بلاد آسية. وطبعت أشياء أخرى كثيرة من القوالب (الكليشهات) في هذه أيام أسرة تانج، ولكن يلوح
стр. 1214
أنها قد تلفت أو فقدت في أثناء الفوضى والقلاقل التي أعقبت عهد منج هوانج (١٠).
وحدث في عام ١٩٠٧ أن استطاع سي أرول اشتين أن يقنع الكهنة الدويين في بلاد التركستان بأن يسمحوا له بفحص "كهوف الألف بوذا" التي في تون- هوانج. فلما تم له ذلك عثر في حجرة منها -يلوح أنها قد سد مدخلها حوالي عام ١٠٣٥ م ولم تنفح بعدئذ إلا في عام ١٩٠٠ - على ١١٣٠ إضمامة من الأوراق تشتمل كل منها على نحو اثني عشر ملفاً مخطوطاً أو أكثر من اثني عشر، تتكون منها كلها مكتبة من خمسة عشر ألف كتاب، مكتوب على الورق، قد حفظت بعناية فبقيت في حالة جيدة كأنها لم تكتب إلا قبل العثور عليها بيوم واحد. وهذه المخطوطات هي التي عثر من بينها على أقدم كتاب مطبوع في العالم -كتاب "الحكم الماسية"- وهو ملف يختتم بالعبارة الآتية "طبعه في (اليوم المقابل لليوم) الحادي عشر من شهر مايو سنة ٨٦٨ وانج - جيه، ليوزع بغير ثمن تخليداً لذكرى والديه وإجلالا لهما". ووجدت بين هذه المخطوطات ثلاثة كتب أخرى مطبوعة، يدل واحد منها على تطور جديد في شكل الكتب. ذلك أنه لم يكن ملفا ككتاب "الحكم القاسي" بل كان كتاباً صغيراً مطويا هو أول ما عرف من هذا النوع من الكتب التي لا يحصى عديدها.
وقد كان الباعث الأول على اختراع الطباعة في بلاد الصين باعثاً دينياً، كما كانت الحال في أوربا في العصور الوسطى المتأخرة، وكما هي الحال بين بعض الشعوب البدائية في الوقت الحاضر. ذلك أن الأديان في ذلك الزمن القديم كانت تسعى لنشر عقائدها من طريق العين ومن طريق الأذن معا، ولجعل صلواتها ورقاها وأقاصيصها في متناول كل إنسان. وتكاد أوراق اللعب أن تعادل هذه المطبوعات الدينية في قدم العهد- فقد ظهرت هذه الأوراق في الصين في عام ٩٦٩ أو قبل ذلك العام بقليل، ثم انتقلت من الصين إلى أوربا في أواخر القرن الرابع عشر (١٢).
стр. 1215
وقد طبعت الكتب الأولى على قوالب خشبية، وأول ما وصل إلينا من نبأ عن هذا العمل ما ورد في رسالة صينية كتبت حوالي ٨٧٠ م. فقد جاء فيها: "حدث وأنا في سشوان أن فحصت في حانوت وراق كتاباً مدرسياً مطبوعاً عن أصل خشبي" (١٣). ويلوح أن فن الطباعة كان قد تقدم تقدما كبيراً في الوقت الذي عثر فيه على هذا الخطاب. ومن الظريف أن نلاحظ أن هذا التقدم حدث أولا في الولايات الغربية مثل سشوان والتركستان- وهي الولايات التي دفعها في تيار المدينة المبشرون البوذيون الذين جاءوا من الهند والذين كانت لهم من عهد بعيد ثقافة خاصة مستقلة عن ثقافة العواصم الشرقية. ثم دخلت طريقة الطبع بالقوالب إلى الولايات الشرقية في أوائل القرن العاشر حين أقنع فنج - دو أحد رؤساء الوزارات الإمبراطور أن يخصص بعض المال لطبع أمهات الكتب الصينية القديمة. وتطلب القيام بهذا العمل عشرين عاما، وكان مقدار ما طبع منها مائة وثلاثين مجلداً، وذلك لأن المطبوع لم يكن مقصورا على نصوص هذه الكتب بل شمل أيضاً أشهر شروحها. ولما أن تم طبع هذه الكتب انتشرت في البلاد انتشاراً واسعاً كان سبباً في إحياء المعارف القديمة وتقوية دعائم العقائد الكنفوشية في عهد الملوك من أسرة سونج.
وكان صنع الأوراق النقدية من أقدم ما أخرجته الطباعة بالقوالب. وقد ظهرت هذه الأوراق أولا في سشوان في القرن العاشر الميلادي ثم أصبحت عملا هاما من أعمال الحكومة الصينية؛ ولم يكد يمضى على اختراعها قرن من الزمان حتى أدت إلى تجارب في التضخم المالي، واتبعت بلاد في عام ١٢٩٤ م هذه الطريقة الجديدة من طرق خلق الثروة. وقد وصف ماركو بولو في عام ١٢٩٧ في دهشة بالغة ما يظهره الصينيون من تقدير لهذه القصاصات من الورق. أما أوربا فلم تعرف النقود الورقية إلا في عام ١٦٥٦ حين أصدرت أولى عملتها منها (١٤).
стр. 1216
كذلك كانت حروف الطباعة المنفصلة المنتقلة من اختراع الصينيين، ولكن عدم وجود حروف هجائية محددة محصورة من جهة، ووجود نحو ٠٠٠ ر ٤٠ من العلامات في اللغة الصينية المكتوبة من جهة أخرى، جعلا استعمال هذا الاختراع ترفاً يتعذر الانتفاع به في بلاد الشرق الأقصى. وقد صنع بى شنج حروف الطباعة المنفصلة المنتقلة من الخزف في عام ١٠٤١ م، ولكن هذا الاختراع لم ينتفع به إلا قليلا. وفي عام ١٤٠٣ صنع أهل كوريا أول ما عرف في التاريخ من حروف الطباعة المعدنية؛ وكانت طريقة صنعها أن تحفر الحروف أولا على الخشب الصلب، ثم تصنع لهذه النماذج قوالب من عجين الخزف تجفف في الأفران، ثم تصب فيها الحروف المعدنية بعدئذ. وسرعان ما استخدم تاي دزونج أعظم أباطرة كوريا هذا الاختراع لتستعين به الحكومة في أعمالها، وللاحتفاظ بالضارة القائمة. ومن أقوال هذا المليك المستنير: "من شاء أن يحكم فعليه أن يكون ذا علم واسع بالقوانين وبالآداب القديمة؛ ذلك بأنه إذا عرف هذه القوانين والآداب استطاع أن يكون عادلا مستقيما في أعماله الخارجية وأمكنه أن يكون بينه وبين نفسه ذا خلق كريم؛ وبهذا ينتشر السلام والنظام في البلاد. وإذ كانت بلادنا الشرقية تقع وراء البحار، فإن الكتب التي تصلنا من بلاد الصين قليلة العدد، وكثيراً ما تكون الكتب المطبوعة على القوالب ناقصة.
"هذا إلى أنه يتعذر طبع كل ما لدينا من الكتب كاملة. ولهذا آمر أن تصنع الحروف من البرنز، وأن يطبع كل ما تستطيع يداي أن تصل إليه بلا استثناء حتى ينتقل ما تحتويه هذه الكتب إلى أحفادنا من بعدنا، وتلك نعمه من أجل النعم التي تعود على البلاد إلى أبد الدهر. على أن نفقات هذا العمل الجليل لن تفرض ضرائب على الشعب، بل سأتحملها أنا وأسرتي ومن يريد أن يساهم فيها من الوزراء" (١٥).
стр. 1217
وانتشرت حروف الطباعة المفردة المنتقلة من كوريا إلى اليابان ثم عادت بعدئذ إلى الصين، ولكن يظهر أنها لم تعد إليها إلا بعد اختراع جوتنبرج Gutenberg الضئيل في أوربا. واستمر الكوريين يستخدمون حروف الطباعة المنتقلة قرنين كاملين ثم عفا عليها الزمان. أما في الصين فإن هذه الحروف لم تكن تستخدم إلا في أوقات متفرقة، حتى نقل التجار والمبشرين أساليب الطباعة الغربية إلى بلاد الشرق، كمن يعيد هدية قديمة إلى مهديها. وظل الصينيون من أيام فنج دو إلى أيام لي هونج - جانج مستمسكين بطريق الطباعة على القوالب لأنهم كانوا يرونها أكثر الطرق ملاءمة للغتهم. واستطاعت المطابع الصينية رغم هذا القصور أن تغمر الشعب بما لا يحصى من الكتب، فأصدرت فيما بين عامي ٩٩٤، ١٠٦٣ م مئات من المجلدات في تواريخ الأسر الحاكمة، كما أتمت في عام ٩٧٢ إصدار قوانين الشريعة البوذية في خمسة آلاف مجلد (١٦). ذلك أن الكتاب وجدوا في يدهم سلاحا لم بكن لهم به عهد من قبل، وكثير عدد من يقرأ كتبهم فلم يعد مقصوراً على أعيان البلاد، بل شمل الأعيان والطبقة الوسطى على السواء وشمل كذلك بعض أفراد الطبقة الدنيا نفسها. واصطبغ الأدب بصبغة أكثر ديمقراطية وأكثر تباينا مما كان عليه من قبل. وجملة القول أن فن الطباعة بالقوالب كان من أسباب النهضة العلمية في عهد أسرة سونج.
وكان من نتائج هذا الاختراع المجيد أن غمر البلاد فيض من الأدب لم يكن له مثيل من قبل، وأن عمت البلاد نهضة في الآداب الإنسانية شملت كل ما شملته النهضة في إيطاليا وسبقتها بمائتي عام كاملة. وطبعت من الآثار الأدبية القديمة نحو مائة طبعة، كما طبعت لها شروح وتعليقات تبلغ الألف عدّا. وأجاد المؤرخون العلماء دراسة الحياة الصينية في الأيام الخالية، ووضعوها بين أيدي ملايين القراء مطبوعة بحروف الطباعة الجديدة العجيبة. ونشرت مجموعات كبيرة من الأعمال الأدبية، ووضعت معاجم لغوية واسعة وألفت موسوعات ضخمة
стр. 1218
جبارة انتشرت في طول البلاد وعرضها. وكانت أولى ما صدر من الموسوعات ذات الشأن هي الموسوعة التي أصدرها ووشو (٩٤٧ - ١٠٠٢)؛ وقد حالت الصعاب الناشئة من عدم وجود حروف هجائية سهلة دون إصدارها مرتبة ترتيباً هجائيا، فاضطر إلى تقسيمها حسب الموضوعات. وكان أهم ما احتوته من المعلومات ما يتصل منها بالعالم المادي.
وفي عام ٩٧٧ أمر الإمبراطور تاي دزونج أحد أباطرة أسرة سونج أن تجمع موسوعة أخرى أوسع من الأولى، بلغت مجلداتها اثنين وثمانين مجلداً، معظمها مختارات من ١٦٩٠ كتاباً كانت موجودة قبل ذلك الوقت. ثم وضعت موسوعة أخرى فيما بعد في عهد الإمبراطور يونج لو من أباطرة أسرة منج (١٤٠٣ - ١٤٢٥)، وبلغت مجلداتها عشرة آلاف، ولكن كثرة النفقات حالت دون طبعها. وحدث في فتنة الملاكمين التي قامت في عام ١٩٠٠ أن احترقت النسخة الوحيدة التي أورثتها ذلك العهد الأجيال التالية فلم يبق منها إلا مائة وستون مجلداً (١٧). إن التاريخ لم يشهد قبل تلك الأيام عهداً سيطر فيه العلماء على الحضارة كما سيطروا عليها في ذلك العهد.
٣ - بعث الفلسفة
جو- شي - وانج يانج - منج - ما وراء الخير والشر
لم يكن هؤلاء العلماء كلهم من أتباع كنفوشيوس، ذلك أن مدراس فكرية منافسة لمدرسته قد نشأت في خلال الخمسة عشر قرناً الخالية، وحدثت في الحياة العقلية لهذا الشعب الخصيب حركات قوية أثارت لديه أعنف الجدل حول هذه الآراء والآراء المناهضة لها. ولم تقف المبادئ البوذية التي تسربت إلى نفوس الصينيين عند عامة الشعب وطبقاته الوسطى، بل وصلت إلى الفلاسفة أنفسهم، فآثر معظمهم الآن طريقة العزلة والتأمل، وبلغ من بعضهم أن احتقروا
стр. 1219
كنفوشيوس لاحتقاره الفلسفة ما وراء الطبيعة، ونبذوا الطريقة التي كان يتبعها في معالجة مشاكل الحياة والعقل، وعابوا عليها أنها طريقة خارجية فجة إلى حد كبير، وأضحت طريقة التأمل الذاتي هي الطريقة المستحبة في دراسة الكون والكشف عن خفاياه، وظهرت لأول مرة نظرية فلسفة المعرفة بين الصينيين، وصار الأباطرة يتخذون الفلسفة البوذية أو الدوَّية وسيلة يتحببون بها إلى الشعب أو يسيطرون بها عليه، ولاح في وقت من الأوقات أن سلطان كنفوشيوس على العقلية الصينية قد انقضى عهده إلى غير رجعة.
لكن جوشي أنجاه من هذا المصير. وكما أن شنكارا قد طعم الفلسفة العقلية التي سادت الهند خلال القرن الثامن عشر الميلادي بما كان للأبانيشاد أحياناً من فراسة وبُعد نظر؛ وكما أن أكويناس Aquinas في أوربا قد مزج في القرن الثالث عشر مبادئ أرسطو والقديس بولس فأخرج منها الفلسفة الكلامية التي كانت لها الغلبة والسيادة خلال العصور الوسطى، كذلك فعل جوشي في الصين في القرن الثاني عشر، إذ أخذ حكِم كنفوشيوس المتفرقة غير متماسكة، وأقام منها طريقة فلسفية بلغت من النظام حدا أرضى ذوق هذا العصر الذي ساد فيه العلماء وبلغت من القوة درجة جعلت أتباع كنفوشيوس يتزعمون الحياة السياسية والعقلية في الصين طوال سبعة قرون.
وكان أهم ما ثار حوله الجدل الفلسفي في ذلك الوقت معنى فقرة في كتاب العلم العظيم يعزوها كل من جوشي ومعارضيه إلى كنفوشيوس، فكان المتجادلون يتساءلون: ما معنى هذا المطلب العجيب القائل بأن نظام الدول يجب أن يقوم على تنظيم أحوال الأسرة، وأن يقوم تنظيم الأسرة على تهذيب الإنسان لنفسه، وأن تهذيب النفس يقف على الإخلاص في
стр. 1220
التفكير، وأن الإخلاص في التفكير ينشأ من "انتشار المعرفة إلى أبعد حد" وذلك عن طريق "البحث عن حقائق الأشياء؟ ".
وكان جواب جوشي عن ذلك أن هذه الفقرة تعني بالضبط ما يفهم من ألفاظها؛ تعني أن الفلسفة والأخلاق وسياسة الحكم يجب أن تبدأ كلها بدراسة الحقائق دراسة متواضعة. وكان يقبل بلا معارضة أو مناقشة النزعة الإيجابية التي اتصف بها المعلم الأكبر؛ ومع أنه كان يجهد نفسه في دراسة علم أصول الكائنات الحية دراسة أطول مما كان يرتضيه كنفوشيوس لو أنه كان حيا، فقد أوصله هذا الدرس إلى أن يمتزج الإلحاد بالتقوى مزجاً غريباً لعله كان يعجب حكيم شانتونج. وكان جوشي يعترف بوجود شيء من الاثنينية المتناقضة في الحقائق الواقعية كما كان يعترف بها كتاب التغيرات الذي كانت له على الدوام السيطرة على علم ما وراء الطبيعة عند الصينيين؛ فهو يرى أن اليانج والين- أي الفاعلية والانفعالية، أو الحركة والسكون - يمتزجان في كل مكان امتزاج الذكورة والأنوثة، ويؤثران في العناصر الخمسة الأساسية: الماء والنار والتراب والمعادن والخشب ليوجدا منها ظواهر الخلق؛ وأن اللي والجي- أي القانون والمادة - وكلاهما عنصر خارجي، ويتعاونان معاً للتحكم في جميع الأشياء واكتسابها صورها. ولكن من فوق هذه الصور شئ يجمعها ويؤلف بينهما، وهو التاجي- أي الحقيقة المطلقة أو قانون القوانين غير البشرى، أو بناء العالم. جوشي يقول: إن هذه الحقيقة المطلقة هي التين أو السماء الذي تقول به الكنفوشية الصادقة. وكان يرى أن الله هو عملية عقلية في الكون منزه عن الشخصية أو الصور المحسوسة، وأن "الطبيعة إن هي إلا القانون" (١٨).
ويقول جو أن قانون الكون السالف الذكر هو أيضاً قانون الأخلاق والسياسة. فالأخلاق الفاضلة هي الانسجام مع قوانين الطبيعة، وخير أنواع السياسة هو تطبيق قوانين الأخلاق على أعمال الدولة، والطبيعة في كل معانيها
стр. 1221
تنتهي إلى الخير، وطبيعة الناس خيرة، واتباع سنن الطبيعة هو سر الحكمة والسلام. "وقد أبى جواما وشو أن يقتلع الأعشاب التي كانت أمام نافذة بيته وقال إن ما يدفعها إلى النماء هو بعينه الذي يدفعني" (١٩). ولربما ظن القارئ من هذه الأقوال أن جوشي كان يرى أن الغرائز هي الأخرى طيبة صالحة وأن على الإنسان أن يطلق لها العنان. ولكنه لم ير هذا بل كان يندد بها ويقول إنها هي المظهر الخارجي للمادة "جي" ويطلب بإخضاعها لحكم العقل والقانون "لي" (٢٠). وقد يكون في هذا شئ من التناقض ولكن الإنسان لا يستطيع أن يكون عالماً أخلاقيا ومنطقيا معاً.
لقد كان في هذه الفلسفة كثير من الناقض، ولكن هذا التناقض رغم كثرته لم يثر ثائرة كبير معارضيها وهو وانج يانج - منج صاحب الشخصية الظريفة الفذة. ذلك أن وانج لم يكن فيلسوفاً فحسب بل كان إلى جانب ذلك قديساً تملكته نزعة التأمل التي اتصفت بها البوذية المهايانية (١)، وسرت عاداتها إلى أعماق نفسه. وقد بدا له أن غلطة جوشي الأساسية ليست فيما يقوله عن الأخلاق بل في طريقته، ولقد كان يرى أن البحث عن حقائق الأشياء يجب ألا يبدأ بدراسة العلم الخارجي بل بما هو أعمق من هذا العالم وأكثر منه إظهاراً للحقائق وهو دراسة النفس الداخلية كما يقول الهنود. ذلك أن العلوم الطبيعية في بلاد العلم كلها إذا اجتمعت لا تستطيع أن تفسر حقيقة غصن خيزران أو حبة أرز، وفي هذا يقول:
قلت لصديقي تشين في السنين الخالية: "إذا كان لابد للإنسان أن يبحث كل ما تحت قبة السماء لكي يكون حكيما أو إنساناً فاضلا، فكيف يستطيع إنسان في الوقت الحضر أن يستحوذ على هذه القدرة العظيمة؟ " ثم أشرت إلى أعواد الخيزران التي أمام خيمتي وطلبت إليه أن يفحص عنها ويرى
стр. 1222
نتيجة فحصه. فواصل تشين نهاره بليله يبحث في عناصر الخيزران، وأضنى عقله وتفكيره بهذا البحث ثلاث أيام كاملة، حتى نضب معين جهوده العقلية وسئم العمل. وظننت في بادئ الأمر أن منشأ عجزه أن جهوده وقواه لم تكن كافية لهذا العمل، فأخذت أنا على عاتقي أن أقوم بهذا البحث، وقضيت فيه ليلى ونهاري ولكني عجزت عن فهم كنه الخيزران. وبعد أن واصلت العمل سبعة أيام انتابني المرض أنا أيضاً من فرط ما أجهدت نفسي وفكري؛ فلما التقينا بعدئذ قال كلانا لصاحبه في حسرة: "إنا لا نستطيع أن نكون حكيمين أو فاضلين" (٢١).
ومن أجل هذا تخلى وانج يانج - منج عن بحث طبيعة الأشياء، بل تخلى أيضاً عن دراسة أمهات الكتاب القديمة، فقد بدا له أن قراءة الإنسان قلبه وعقله وتأملها في عزلته يهيئان له من أسباب الحكمة أكثر مما تهيئه له دراسة جميع الكتب والأشياء المادية" (٢٢). ولما نفي إلى برية جبلية يسكنها أقوام همج وتنتشر فيها الأفاعي السامة اتخذ له من المجرمين الذين فروا إلى هذه الأصقاع أصدقاء وأتباعاً، وعلمهم الفلسفة وطهي لهم طعامهم وأنشد لهم الأناشيد. وفي ذات مرة، بينما هو قائم بالحراسة في منتصف الليل، قفز من كوخه على حين غفلة وصاح قائلا: "لاشك في أن طبيعتي وحدها كافية. ولقد أخطأت حين أخذت أبحث عن مبادئ في الأشياء المادية وفي شئون الخلق". ولم يكن رفاقه واثقين من أنهم يدركون ما يرمي إليه؛ ولكنه لم يلبث أن أرشدهم إلى الغاية المثالية التي كان يرمي إليها فقال: "إن العقل نفسه لينطوي على القانون الطبيعي، وهل في الكون شئ يوجد مستقلا عن العقل؟ وهل ثمة قانون لا صلة له بالعقل؟ " (٢٣) ولم يستدل من هذا على أن الله مكن تصوير الخيال، بل كان يعتقد أنه قوة أخلاقية غامضة ولكنها قادرة على كل شئ، وأنها أعظم من أن تكون إنساناً فحسب، ولكنها قادرة على أن تحسن بالعطف والغضب على الخلق (٢٤).
стр. 1223
ومن هذه البداية المثالية وصل إلى المبادئ الأخلاقية التي وصل إليها جوشي والقائلة أن الطبيعة هي الخير الأسمى، وأن الفضيلة الكبرى إنما تكون بإطاعة قوانين الطبيعة والعمل بها كاملة (٢٥). ولما قيل له إن في الطبيعة أفاعي كما فيها فلاسفة أجاب إجابة فيها أثر من فلسفة أكويناس وسبنوزا Spinoza ونيتشة فقال إن "الخير" و "الشر" إن هما إلا رأيان مبتسران ولفظان تسمى بهما الأشياء حسب ما فيها من نفع أو أذى للفرد أو لبني الإنسان. وكان يعلم أتباعه أن الطبيعة نفسها فوق الخير والشر لا تعرف ما نطلقه نحن عليها من أسماء مبعثها الأنانية وقد نقل عنه أحد تلاميذه، أو لعله وضع من عنده، حواراً كان في مقدوره أن يعنونه: ما وراء الخير والشر.
ثم قال بعد ذلك بقليل: "إن منشأ هذه النظرة إلى الخير والشر في الجسم نفسه وأكبر الظن أنها نظرة خاطئة". ولم أستطع فهم هذا فقال المعلم: "إن الغرض الذي تهدف إليه السماء من وراء عملية الخلق ليتمثل في الأزهار والحشائش، فهل لدينا طريقة نفرق بها بينها فنقول إن هذه خير وتلك شر؟ فإن كنت أنت أيها الطالب يسرك أن ترى الأزهار قلت إن الأزهار حسنة والحشائش رديئة، أما إن كنت ترغب في أن تنتفع بالحشائش فإنك ترى فيها الخير كل الخير؛ وهذا النوع من الخير أو الشر إنما ينشأ مما هو كامن في عقلك من حب هذا الشيء أو كرهه، ومن هذا أعرف أنك مخطئ".
فقلت له: "إن الاطمئنان الناشئ من سيطرة القانون الطبيعي لهو حالة لا يكون ثمة خير أو شر، فهل هذا صحيح؟ " فأجاب المعلم: "إن الاطمئنان الناشئ من سيطرة القانون الطبيعي لهو حالة لا يفرق فيها بين الخير والشر، على حين أن استشارة الطبيعة العاطفية هي الحالة التي يوجد فيها الخير والشر كلاهما. فإذا لم تثر تلك الطبيعة العاطفية لم يكن ثمة خير أو شر، وهذا هو الذي يطلق عليه اسم الخير الأسمى ..... "
стр. 1224
فقلت: "وإذن فالخير والشر لا يوجدان قط في الأشياء نفسها؟ " فقال: "إنهما لا يوجدان إلا في عقلك".
ولقد كان من الخير أن يضرب وانج وأن تضرب البوذية على هذه النغمة، نغمة ما وراء الطبيعة المثالية، في أبهاء الكنفوشيين الصادقين والمتأنقين؛ ونقول المتأنقين لأن هؤلاء العلماء كانوا مفتونين بعض الافتنان بحكمتهم، وأنهم أضحوا يؤلفون فيما بينهم بيروقراطية ذهنية متعبة مملة معادية لكل روح مبدعة معرضة للخطأ، وإن كانت نظرتهم إلى الطبيعة البشرية وإلى الأداة الحكومية أصدق ما تصوره الفلسفة من نظرات، وأكثرها عدالة. وإذا كان أتباع جوشي قد كتب لهم النصر على معارضيهم في آخر الأمر، وإذا كانت اللوحة التذكارية التي نقش عليها اسمه قد حظيت بشرف وضعها في البهو الذي وضعت فيه لوحة المعلم نفسه (كنفوشيوس)، وإذا كان شرحه لأمهات الكتب الصينية قد أصبح هو القانون الذي يرجع إليه كل تفكير سليم مدى سبعمائة عام، إذا كان هذا وذاك قد حدث فإن حدوثه كان نصراً مؤزراً للعقلية السليمة البسيطة غير المعقدة على التحذلق المزعج الذي كان يعمد إليه أصحاب العقول الميتافيزيقية.
ولكن الأمة الفذة قد تفرط في الحساسية، وقد تكون عاقلة رزينة فوق ما يجب، وقد تسرف في الاستمساك بالحق والصواب إسرافاً لا يطاق. ولقد كان انتصار جوشي والكنفوشية هذا الانتصار الكامل من الأسباب التي جعلت ثورة الصين ضرورة لا بد منها.
стр. 1225
الفصل الثاني
البرنز واللَّك واليَشْب
منزلة الفن في الصين - المنسوجات - الأثاث - الحلي - المراوح -
صنع اللك - قطع حجر اليشب - روائع فنية في البرنز - النحت الصيني
طلب الحكمة والهيام بالجمال هما قطب العقل الصيني، وفي استطاعتنا أن نعرف بلاد الصين بأنها بلاد الفلسفة والخزف، وإن لم يكن هذا التعريف جامعاً مانعاً. وكما أن طلب الحكمة لم يكن معناه في بلاد الصين الجري وراء أخيلة ميتافيزيقية لا علاقة لها بالحياة، بل كان فلسفة إيجابية تهدف إلى ترقية الفرد والنظام الاجتماعي، فكذلك لم يكن عشق الجمال إحساساً به كامناً في النفس أو هواية خاوية للأشكال الفنية التي لا صلة لها بالشئون الإنسانية، بل كان تزاوجاً أرضيا وثيقاً بين الجمال والمنفعة، وتصميما عملياً لتزيين موضوعات الحياة اليومية وأدواتها.
ومن أجل ذلك ظلت الصين، إلى الوقت الذي أخذت فيه تخضع مثلها العليا لتأثير الغرب، تأبى أن تعترف بوجود فرق ما بين الفنان والصانع أو بين هذا وبين العامل العادي. ولقد كانت الصناعات كلها إلا القليل منها من عمل الأيدي البشرية، وكان كل ما تعمله الأيدي منها حِرفاً متقنة؛ وكانت الصناعة كما كان الفن تعبيراً عن شخصية الصانع بالشيء المصنوع، ولذلك بزت الصين كل ما عداها من البلاد في الذوق الفني وفي كثرة ما لديها من الأدوات الجميلة التي تستخدمها في حياتها اليومية، وإن لم تمد أهلها عن طريق الصناعات الكبيرة بالسلع التي تنعم بها كثرة الناس في البلاد الغريبة. فقد كان الصيني المتوسط الثراء يتطلب أن يكون كل ما يحيط به، من الحروف التي يكتب بها إلى
стр. 1226
الصحاف التي يأكل فيها، مما يشجع حاسة الجمال، وأن يدل بشكله وصنعه على الحضارة الناضجة الذي هو رمز لها وقطعة منها.
وبلغت هذه الحركة التي ترمي إلى تجميل الجسم والمعبد والمسكن غايتها في عهد أسرة سونج. لقد كانت هذه الحركة عنصراً من عناصر الحياة في عصر أسرة تانج، وكان من شأنها أن تستمر وتنتشر في عهد الأسر التي أعقبتها؛ ولكن عهد
стр. 1227
النظام والرخاء الطويل الذي عم البلاد تلك الأسرة قد أمد الفنون كلها بحاجتها من الغذاء، وخلع على الحياة الصينية جمالا وزينة لم تستمتع بمثلهما من قبل. ولقد بلغ الصناع الصينيون في صناعة النسيج والمعادن في عهد أسرة سونج وما بعدها درجة من الإتقان والكمال لم يفقهم فيها أحد قبلهم، وبزوا جميع منافسيهم في كافة أنحاء العالم في اليشب وغيره من الأحجار الصلبة، ولم يتفوق عليهم في نحت الخشب والنقش على العاج إلا من أخذوا عنهم هذه الصناعة من اليابانيين (٢٧). لقد كان أثاث المنازل يصنع على أشكال متعددة مختلفة، فذة في صورتها ولكنها غير مريحة لصاحبها؛ وكان صناع الأثاث، الذين تكفيهم صفحة من الأرز يوما كاملا، يخرجون منه تحفة فنية صغيرة إثر تحفة.
وكان الفنان ذو اليد الصناع الذي يخرج هذه الروائع الفنية الدقيقة يزين بها داره ويتخذها بديلا من الأثاث الغالي الثمن ومن أسباب المتعة المنزلية، وكانت تبعث في نفس مالكها بهجة لا يدركها في بلاد الغرب إلا الخبراء الأخصائيون.
أما الحلي فلم تكن موفورة العدد ولكنها كانت بديعة القطع، وكان الرجال والنساء يبردون وجوههم بمراوح مزخرفة من الريش والخيزران، أو الورق أو الحرير الملوّن، بل إن المتسولين أنفسهم لم تكن تنقصهم المراوح الجميلة وهم يمارسون حرفتهم التليدة.
ونشأ فن الطلاء باللك في الصين، وبلغ ذروة الكمال في اليابان. واللك في بلاد الشرق الأقصى نتاج طبيعي لشجرة (١) أصلها من أشجار الصين، ولكنها الآن تزرع بكثرة في بلاد اليابان، ويؤخذ عصيرها من جذعها وغصونها، ثم
стр. 1228
يصفى ويغلى ليزول منه ما لا حاجة لهم من السوائل، ويطلي به الخشب الرقيق كما يطلى به المعدن والخزف في بعض الأحيان، ثم يجفف بتعريضه للرطوبة (٢٨). ويتكوَّن الطلاء من طبقات تتراوح بين عشرين وثلاثين طبقة يبذل في تجفيف كل واحة منها وصقلها جهد عظيم وعناية بالغة، وتختلف كل طبقة عن غيرها في لونها وسمكها. وينقش الصينيون بعدئذ هذه الطبقات بعد تمامها بآلة حادة على شكل (٧) بحيث يصل كل حز إلى الطبقة ذات اللون الذي يتطلبه الشكل المطلوب.
وقد نما هذا الفن على مهل وبدأ في صورة كتابة على شرائح من الخيزران؛ وكانت مادة اللك تستخدم في عهد أسرة جو لتزيين الأواني والسروج والعربات وما إليها. ثم استخدم في القرن الثاني بعد الميلاد لطلاء الأبنية والآلات الموسيقية؛ وفي عهد أسرة تانج صدرت الصين كثيرا من الأدوات المطلية باللك إلى اليابان. ولما تولت الُملك أسرة تانج كانت كل فروع صناعة اللك قد ازدهرت وتحددت أشكالها، وكانت ترسل منتجاتها بحرا إلى الثغور النائية كثغور الهند وبلاد العرب. ولما ولى الملكُ أباطرة أسرة منج خطا الفن خطوة أخرى في طريق الكمال، وبلغ في بعض نواحيه ذروته (٢٩). فلما جلس على العرش الإمبراطوران المستنيران كانج - شى، وتشين لونج من أباطرة المانشو صدرت الأوامر الإمبراطورية بتشييد المصانع والإنفاق عليها من مال الدولة، فأخرجت من روائع الفن أمثال عرش تشين لونج (٣٠) والستر الذي أهداه كانج - شى إلى ليوبولد الأول إمبراطور الدولة الرومانية الشرقية (٣١). واحتفظ هذا الفن بتلك الدرجة الرفيعة حتى القرن التاسع عشر، فكانت الحروب التي أوقد نارها التجار الأوربيون، وما للمستوردين والعملاء الأوربيين من أذواق منحطة كانت هذه وتلك سبباً في حبس معونة الأباطرة عنه فتدهور مستواه وانحطت رسومه، وانقطعت زعامته إلى اليابان.
стр. 1229
أما صناعة اليشب فهي قديمة قدم التاريخ الصيني نفسه، وشاهد ذلك أن آثارها وجدت في أقدم القبور. وتعزو أقدم السجلات أول استخدامه"حجر سمع"إلى عام ٢٥٠٠ ق. م. وذلك أن حجر اليشب كان يقطع على صورة سمكة أو نحوها تعلق في إسار؛ فإذا ما أجيد قطع الحجر وتعليقه خرجت منه أنغام موسيقية واضحة جميلة تدوم مدهشاً في طوله. والاسم الإنجليزي لهذا الحجر Jade مشتق من اللفظ الأسباني Ijada (المأخوذة عن اللفظ اللاتيني Ilia) عن طريق اللفظ الفرنسي Jade ومعناه الحقو. ولما فتح الأسبان أمريكا وجد الفاتحون أهل المكسيك الأقدمين يأتون بهذا الحجر مسحوقاً ومعجوناً بالماء ليعالجوا به كثيراً من الأمراض الباطنية، فلما عادوا إلى أوربا حملوا معهم هذا العلاج هو والذهب الأمريكي إلى بلادهم. أما الاسم الصيني لهذا الحجر فهو أليق به من الاسم الأوربي وأكثر مطابقة للمعقول. فلفظ جون الذي يطلق عليه معناه لين كالندا (٣٢)، ويتركب حجر اليشب من معدني الجاديث والتفريت، والأول يتكون من سليكات الألومنيوم والصوديوم ويتكون الثاني من الكالسيوم والمغنيزيوم. وكلا المعدنين صلب قاس يحتاج تهشيم البوصة المكعبة منه إلى ضغط خمسين طنا في بعض الأحيان. وتكسر القطع الكبيرة منه عادة بتعريضها إلى الحرارة الشديدة ثم إلى الماء البارد على التعاقب.
وفي وسع الإنسان أن يدرك حذق الفنان الصيني من قدرته على إظهار ألوان براقة خضراء وسمراء وسوداء بيضاء من هذا الحجر العديم اللون بطبيعته، ومن صبره الطويل ومثابرته، حتى يخرج منه أشكالا مختلفة لا عداد لها، حتى لا يكاد الإنسان يجد بين مجموعات اليشب التي في العالم كله قطعتين متماثلتين، اللهم إلا أزرار الملابس.
وكان أول ما عثر عليه من مصنوعات يشبية في عهد أسرة شانج في صورة ضفدعة تستخدم قرباناً مقدساً (٣٣)، وصنعت منه أدوات غاية في الجمال في أيام
стр. 1230
كنفوشيوس (٣٤). وبينما كان الناس في غير الصين يتخذون من اليشب فؤوساً، ومدى وأواني، فإن الصينيين كانوا يعظمون الحجر تعظيماً حملهم على ألاّ يستخدموه إلا في التحف الفنية الجميلة، إذا استثنينا بعض القطع النادرة القليلة العدد. وكان عندهم أثمن من الفضة والذهب والحلي على اختلاف أنواعها (٣٥). وكانوا يقدرون بعض مصنوعات اليشب الصغيرة كخواتم الإبهام التي يتحلى بها كبار الحكام الصينيين بما يقرب من خمسة آلاف ريال، ويقدرون بعض القلائد اليشيبية بمائة آلاف ريال. وكان المعنيون بجمع القطع النادرة منه يقضون السنين الطوال في البحث عن قطعة واحدة، ويقال إن ما يوجد في الصين من التحف اليشبية إذا جمعت في مكان واحد تكونت منها مجموعة لا تماثلها مجموعة من أية تحف صنعت من مادة أخرى في جميع أنحاء العالم (٣٦).
ولا يكاد البرنز يقل قدماً عن اليشب في الفن الصيني، وهو يفوقه مقاماً وتقديراً عند الصينيين. وتروى الأقاصيص الصينية أن الإمبراطور يو، أحد أباطرة الصين الأقدمين وبطل الطوفان الصيني، تلقى المعادن التي بعثت بها إليه الدويلات التسع الخاضعة لحكمه، وهى الخراج المفروض عليها، ثم صبها كلها وصنع منها ثلاث قدور لكل منها تسع أرجل، لها من القوة السحرية وتستطيع به أن تدفع المؤثرات البغيضة، وتجعل ما يوضع فيها من المواد يغلى بغير النار، ويخرج منها كل ما لذ وطاب من طعام وشراب.
ثم أصبحت هذه القدور الرمز المقدس للسلطة الإمبراطورية، وتوارثتها الأسر واحدة بعد واحدة، فكانت كل منها تتلقاها بعناية فائقة من التي قبلها، ولكنها اختفت بطريقة مجهولة غامضة بعد سقوط أسرة جو، وهي حادثة كان لها أسوأ الأثر في منزله شى هوانج - دي. ثم أصبح صب البرونز ونقشه فنا من الفنون الجميلة الصينية، وأخرجت منه البلاد مجموعات تطلب حصر أسمائها وتصنيفها اثنين وأربعين مجلدا (٣٧). وكان يصنع منه أواني للحفلات الدينية التي