الصحاف التي يأكل فيها، مما يشجع حاسة الجمال، وأن يدل بشكله وصنعه على الحضارة الناضجة الذي هو رمز لها وقطعة منها.
وبلغت هذه الحركة التي ترمي إلى تجميل الجسم والمعبد والمسكن غايتها في عهد أسرة سونج. لقد كانت هذه الحركة عنصراً من عناصر الحياة في عصر أسرة تانج، وكان من شأنها أن تستمر وتنتشر في عهد الأسر التي أعقبتها؛ ولكن عهد
стр. 1227
النظام والرخاء الطويل الذي عم البلاد تلك الأسرة قد أمد الفنون كلها بحاجتها من الغذاء، وخلع على الحياة الصينية جمالا وزينة لم تستمتع بمثلهما من قبل. ولقد بلغ الصناع الصينيون في صناعة النسيج والمعادن في عهد أسرة سونج وما بعدها درجة من الإتقان والكمال لم يفقهم فيها أحد قبلهم، وبزوا جميع منافسيهم في كافة أنحاء العالم في اليشب وغيره من الأحجار الصلبة، ولم يتفوق عليهم في نحت الخشب والنقش على العاج إلا من أخذوا عنهم هذه الصناعة من اليابانيين (٢٧). لقد كان أثاث المنازل يصنع على أشكال متعددة مختلفة، فذة في صورتها ولكنها غير مريحة لصاحبها؛ وكان صناع الأثاث، الذين تكفيهم صفحة من الأرز يوما كاملا، يخرجون منه تحفة فنية صغيرة إثر تحفة.
وكان الفنان ذو اليد الصناع الذي يخرج هذه الروائع الفنية الدقيقة يزين بها داره ويتخذها بديلا من الأثاث الغالي الثمن ومن أسباب المتعة المنزلية، وكانت تبعث في نفس مالكها بهجة لا يدركها في بلاد الغرب إلا الخبراء الأخصائيون.
أما الحلي فلم تكن موفورة العدد ولكنها كانت بديعة القطع، وكان الرجال والنساء يبردون وجوههم بمراوح مزخرفة من الريش والخيزران، أو الورق أو الحرير الملوّن، بل إن المتسولين أنفسهم لم تكن تنقصهم المراوح الجميلة وهم يمارسون حرفتهم التليدة.
ونشأ فن الطلاء باللك في الصين، وبلغ ذروة الكمال في اليابان. واللك في بلاد الشرق الأقصى نتاج طبيعي لشجرة (١) أصلها من أشجار الصين، ولكنها الآن تزرع بكثرة في بلاد اليابان، ويؤخذ عصيرها من جذعها وغصونها، ثم
стр. 1228
يصفى ويغلى ليزول منه ما لا حاجة لهم من السوائل، ويطلي به الخشب الرقيق كما يطلى به المعدن والخزف في بعض الأحيان، ثم يجفف بتعريضه للرطوبة (٢٨). ويتكوَّن الطلاء من طبقات تتراوح بين عشرين وثلاثين طبقة يبذل في تجفيف كل واحة منها وصقلها جهد عظيم وعناية بالغة، وتختلف كل طبقة عن غيرها في لونها وسمكها. وينقش الصينيون بعدئذ هذه الطبقات بعد تمامها بآلة حادة على شكل (٧) بحيث يصل كل حز إلى الطبقة ذات اللون الذي يتطلبه الشكل المطلوب.
وقد نما هذا الفن على مهل وبدأ في صورة كتابة على شرائح من الخيزران؛ وكانت مادة اللك تستخدم في عهد أسرة جو لتزيين الأواني والسروج والعربات وما إليها. ثم استخدم في القرن الثاني بعد الميلاد لطلاء الأبنية والآلات الموسيقية؛ وفي عهد أسرة تانج صدرت الصين كثيرا من الأدوات المطلية باللك إلى اليابان. ولما تولت الُملك أسرة تانج كانت كل فروع صناعة اللك قد ازدهرت وتحددت أشكالها، وكانت ترسل منتجاتها بحرا إلى الثغور النائية كثغور الهند وبلاد العرب. ولما ولى الملكُ أباطرة أسرة منج خطا الفن خطوة أخرى في طريق الكمال، وبلغ في بعض نواحيه ذروته (٢٩). فلما جلس على العرش الإمبراطوران المستنيران كانج - شى، وتشين لونج من أباطرة المانشو صدرت الأوامر الإمبراطورية بتشييد المصانع والإنفاق عليها من مال الدولة، فأخرجت من روائع الفن أمثال عرش تشين لونج (٣٠) والستر الذي أهداه كانج - شى إلى ليوبولد الأول إمبراطور الدولة الرومانية الشرقية (٣١). واحتفظ هذا الفن بتلك الدرجة الرفيعة حتى القرن التاسع عشر، فكانت الحروب التي أوقد نارها التجار الأوربيون، وما للمستوردين والعملاء الأوربيين من أذواق منحطة كانت هذه وتلك سبباً في حبس معونة الأباطرة عنه فتدهور مستواه وانحطت رسومه، وانقطعت زعامته إلى اليابان.
стр. 1229
أما صناعة اليشب فهي قديمة قدم التاريخ الصيني نفسه، وشاهد ذلك أن آثارها وجدت في أقدم القبور. وتعزو أقدم السجلات أول استخدامه"حجر سمع"إلى عام ٢٥٠٠ ق. م. وذلك أن حجر اليشب كان يقطع على صورة سمكة أو نحوها تعلق في إسار؛ فإذا ما أجيد قطع الحجر وتعليقه خرجت منه أنغام موسيقية واضحة جميلة تدوم مدهشاً في طوله. والاسم الإنجليزي لهذا الحجر Jade مشتق من اللفظ الأسباني Ijada (المأخوذة عن اللفظ اللاتيني Ilia) عن طريق اللفظ الفرنسي Jade ومعناه الحقو. ولما فتح الأسبان أمريكا وجد الفاتحون أهل المكسيك الأقدمين يأتون بهذا الحجر مسحوقاً ومعجوناً بالماء ليعالجوا به كثيراً من الأمراض الباطنية، فلما عادوا إلى أوربا حملوا معهم هذا العلاج هو والذهب الأمريكي إلى بلادهم. أما الاسم الصيني لهذا الحجر فهو أليق به من الاسم الأوربي وأكثر مطابقة للمعقول. فلفظ جون الذي يطلق عليه معناه لين كالندا (٣٢)، ويتركب حجر اليشب من معدني الجاديث والتفريت، والأول يتكون من سليكات الألومنيوم والصوديوم ويتكون الثاني من الكالسيوم والمغنيزيوم. وكلا المعدنين صلب قاس يحتاج تهشيم البوصة المكعبة منه إلى ضغط خمسين طنا في بعض الأحيان. وتكسر القطع الكبيرة منه عادة بتعريضها إلى الحرارة الشديدة ثم إلى الماء البارد على التعاقب.
وفي وسع الإنسان أن يدرك حذق الفنان الصيني من قدرته على إظهار ألوان براقة خضراء وسمراء وسوداء بيضاء من هذا الحجر العديم اللون بطبيعته، ومن صبره الطويل ومثابرته، حتى يخرج منه أشكالا مختلفة لا عداد لها، حتى لا يكاد الإنسان يجد بين مجموعات اليشب التي في العالم كله قطعتين متماثلتين، اللهم إلا أزرار الملابس.
وكان أول ما عثر عليه من مصنوعات يشبية في عهد أسرة شانج في صورة ضفدعة تستخدم قرباناً مقدساً (٣٣)، وصنعت منه أدوات غاية في الجمال في أيام
стр. 1230
كنفوشيوس (٣٤). وبينما كان الناس في غير الصين يتخذون من اليشب فؤوساً، ومدى وأواني، فإن الصينيين كانوا يعظمون الحجر تعظيماً حملهم على ألاّ يستخدموه إلا في التحف الفنية الجميلة، إذا استثنينا بعض القطع النادرة القليلة العدد. وكان عندهم أثمن من الفضة والذهب والحلي على اختلاف أنواعها (٣٥). وكانوا يقدرون بعض مصنوعات اليشب الصغيرة كخواتم الإبهام التي يتحلى بها كبار الحكام الصينيين بما يقرب من خمسة آلاف ريال، ويقدرون بعض القلائد اليشيبية بمائة آلاف ريال. وكان المعنيون بجمع القطع النادرة منه يقضون السنين الطوال في البحث عن قطعة واحدة، ويقال إن ما يوجد في الصين من التحف اليشبية إذا جمعت في مكان واحد تكونت منها مجموعة لا تماثلها مجموعة من أية تحف صنعت من مادة أخرى في جميع أنحاء العالم (٣٦).
ولا يكاد البرنز يقل قدماً عن اليشب في الفن الصيني، وهو يفوقه مقاماً وتقديراً عند الصينيين. وتروى الأقاصيص الصينية أن الإمبراطور يو، أحد أباطرة الصين الأقدمين وبطل الطوفان الصيني، تلقى المعادن التي بعثت بها إليه الدويلات التسع الخاضعة لحكمه، وهى الخراج المفروض عليها، ثم صبها كلها وصنع منها ثلاث قدور لكل منها تسع أرجل، لها من القوة السحرية وتستطيع به أن تدفع المؤثرات البغيضة، وتجعل ما يوضع فيها من المواد يغلى بغير النار، ويخرج منها كل ما لذ وطاب من طعام وشراب.
ثم أصبحت هذه القدور الرمز المقدس للسلطة الإمبراطورية، وتوارثتها الأسر واحدة بعد واحدة، فكانت كل منها تتلقاها بعناية فائقة من التي قبلها، ولكنها اختفت بطريقة مجهولة غامضة بعد سقوط أسرة جو، وهي حادثة كان لها أسوأ الأثر في منزله شى هوانج - دي. ثم أصبح صب البرونز ونقشه فنا من الفنون الجميلة الصينية، وأخرجت منه البلاد مجموعات تطلب حصر أسمائها وتصنيفها اثنين وأربعين مجلدا (٣٧). وكان يصنع منه أواني للحفلات الدينية التي
стр. 1231
تقيمها الحكومة أو يقيمها الأفراد في منازلهم، وقد أحال آلافاً من أنواع الأواني المنزلية إلى تحف فنية، وليس في العالم كله ما يضاهي مصنوعات الصين البرنزية إلا ما صنع من في إيطاليا في عهد النهضة الأوربية، ولعلها لا يضاهيها من هذه المصنوعات إلا "أبواب الجنة" التي وضع تصميمها غبرتي Ghiberti ليزين بها موضع التعميد في فلرنس.
وأقدم ما لدينا من القطع البرنزية الصينية أواني قربانية كشفت حديثاً في هونان؛ ويرجعها العلماء الصينيون إلى عهد أسرة شانج، ولكن الخبراء الأوربيين يرجعونها إلى عهد متأخر عن ذلك الوقت وإن كانوا لا يحددون تحديداً مضبوطاً. وأقدم الآثار المعروفة تاريخها هي التي ترجع إلى عهد أسرة جو ومن أروعها كلها مجموعة آنية الحفلات المحفوظة في المتحف الفني بنيويورك. وقد استولى شى أونج - دي على معظم ما كان لدى أسرة جو من آنية برنزية لئلا يصهرها الأهلون ليتخذوا منها أسلحة. وصنع ما تجمع له من هذا المعدن اثنا عشر تمثالا ضخما يبلغ ارتفاع كل منها خمسين قدماً (٣٨)، ولكن هذه التماثيل كلها لم تبق منها قدم واحد. وقد صنعت في عهد أسرة هان كثير من الآنية الجميلة طعمت أحياناً بالذهب.
وليس أدل على رقي هذا الفن في الصين من أن الفنانين الذين دربوا في تلك البلاد هم الذين صنعوا عدداً من التحف التي تعد من روائع الفن، والتي زين بها هيكل هرتوجي في مدينة نارا اليابانية. وأجملها كلها ثلاثة تماثيل لأميدا - بوذا تصورها جالسة على أسرة في صورة زهرة الأزورد (٣٩)؛ وهي أجمل ما وجد من تحف في تاريخ صناعة البرنز في العالم أجمع (١). ووصل فن البرنز إلى ذروة مجده أيام أسرة سونج، وإذا كانت التحف التي صنعت منه لم ترق إلى ذروة الكمال فإنها قد بلغت الغاية في كثرة عددها وتباين أشكالها؛ فقد صنعت منه قدور
ومزهريات؛ وكانت الآنية المنقوشة والتماثيل الصغيرة تملأ الرفوف في دور خبراء الفن وهواته، وتجد لها مكاناً في كل بيت من بيوت الصينيين.
ومن أجمل النماذج الباقية من أيام أسرة سوج مبخرة في صورة جاموسة البحر، وقد ركب عليها لو - دزه وهو هادى مطمئن ليثبت بهذا قدرة الفلسفة على إخضاع الوحوش الكاسرة (٤٠)، ولا يزيد سمك جدران المبخرة على سمك الورقة، وقد اكتسبت على مر الزمان قشرة أو طبقة خضراء مرقشة خلعت عليها جمال القدم (١)، ثم انحط هذا الفن انحطاطاً تدريجياً بطيئاً في عهد أسوة منج. فزاد حجم التحف وقلت جودتها، وأصبح البرنز، الذي كان مقصوراً على صنع آيات الفن في عهد الإمبراطور يو، فناً عاما تصنع منه الآنية العادية التي تستخدم في الأغراض اليومية، وتخلى في مكانته الأولى للخزف.
ولم يكن النحت من الفنون الكبرى، ولا من الفنون الجميلة، عند الصينيين (٤١). وسبب هذا أن تواضع الشرق الأقصى أبى عليه أن يتخذ الجسم البشرى نموذجاً من نماذج الجمال. ولهذا فإن الذين اتخذوا صناعة التماثيل البشرية حرفة لهم وجهوا قليلا من عنايتهم إلى تمثيل ما على الأجسام من ملابس، واستخدموا تماثيل الرجال - وقلما استخدموا تماثيل النساء - لدراسة بعض أنواع الإحساسات أو لتصويرها؛ ولكنهم لم يمجدوا الأجسام البشرية. ومن أجل ذلك تراهم في الغالب قد قصروا تصوير الناس على تماثيل القديسين البوذيين والحكماء الدويين، وأغفلوا تصوير الرياضيين والسراري ممن كانوا وكن مصدر الإلهام للفنانين من اليونان.
стр. 1234
وكان المثالون الصينيون يفضلون تمثيل الحيوانات على تمثيل الفلاسفة والحكماء أنفسهم.
وأقدم ما نعرفه من التماثيل الصينية التماثيل الإثنى عشر الضخمة المصنوعة من البرنز، والتي أقامها شى هوانج - دي. وقد صهرها فيما بعد أحد الحكام من أسرة هان لا يتخذ منها "فكة" (١) برنزية. وبقي من أيام أسرة هان عدد قليل من التماثيل البرنزية، ولكن كل ما صنع منها في ذلك العهد إلا قلة ضئيلة قضت عليه الحرب أو قضى عليها الإهمال الطويل الأمد. والتماثيل البشرية قليلة أيضا في هذه القلة الباقية، والأثر الهام الوحيد الباقي من أيام أسرة هان نقش بارز من نقوش القبور، عثر عليه في شانتونج. وصور الآدميين القليلة نادرة في هذا النقش أيضاً، وأهم ما يشغل رقعته صور حيوانات بارزة رقيقة. واقترب من هذا النقش إلى صناعة النحت التماثيل الجنازية الصغيرة المتخذة من الصلصال - وأكثرها حيوانات منها قلة تمثل خدماً أو زوجات - وكانت تدفن مع الموتى من الذكور عوضا عن الأزواج والخدم الأحياء. وقد بقيت من هذا العهد تماثيل مستقلة لحيوانات منها تمثال رخامي لنمر كله عضلات يمثل اليقظة أدق تمثيل، وكان يتولى حراسة معبد اسنيانج - فو (٤٢)؛ ومن هذا الدببة المزنجرة التي تشتمل عليها الآن مجموعة جاردنر Gardner في مدينة بوسطن Boston، ومنها الآساد المجنحة المصابة بتضخم الغدة الدرقية والتي وجدت في مقابر نانكنج (٤٣). وكل هذه الحيوانات والخيول المزهوة الممثلة في نقوش القبور البارزة السالفة الذكر تشهد بما كان للفن اليوناني البكتري والفن الآشوري والسكوذى من أثر في الفن الصيني؛ وليس فيها شيء من مميزات الفن الصيني الخالص (٤٤).
وفي هذه الأثناء كانت الصين قد بدأت تتأثر بشيء آخر هو أثر الدين
стр. 1235
والفن البوذيين، وقد استوطن هذا الفن البوذي في أول الأمر التركستان، وأقام فيها صرح الحضارة كشف اشتين Stein وبليوت Pelliot في أنقاضها عن أطنان كثيرة من التماثيل المحطمة يضارع بعضها أكثر ما أخرجه الفن الهندي البوذي. واستعار الصينيون هذه الأشكال البوذية من غير تغيير كبير فيها، وأخرجوا على غرارها تماثيل لبوذا تضارع في جمالها ما صنع في جندارا أو في الهند. وأقدم هذه التماثيل ما وضع في معابد يون كان الكهفية في شانسي (حوالي ٤٩٠ م)، ومن أحسنها تماثيل مغارات لونج من هونان، فقد أقيمت في خارج هذه المغارات عدة تماثيل ضخمة أعجبها كلها تمثال بوذستوا الجميل، وأروعها بوذا "فيروشانا" (حوالي ٦٧٢ م) الذي تحطم جزء منه عند قاعدته، ولكنه لا يزال محتفظا بروعته الموحية الملهمة (٤٦). وإلى شرق هذا الإقليم في شانتونج وجد كثير من معابد الكهوف نقشت على جدرانها أساطير على الطريقة الهندية يظهر في أماكن متفرقة منها تمثال قوي لبوذيستوا شبيه بالتمثال الذي في الكهف بون ِمن، (ويرجع تاريخه إلى حوالي عام ٦٠٠ م) (٤٧). واحتفظت أسرة تانج بالتقاليد البوذية في النحت، وقد بلغ درجة الكمال في التمثال بوذا الجالس (حوالي ٦٣٩ م) الذي عثر عليه في ولاية شنسي Shensi (١) . وأخرجت الأسر التي جاءت من بعدها تماثيل ضخمة من الصلصال تمثل أتباعا لبوذا الظريف لهم وجوه كالحة كوجوه رجال المال (٢)، كما أخرجت عددا من التماثيل الجميلة تمثل كوان - بن إله مهايانا وهو يوشك أن يتحول من إله إلى إله (٤٩).
وفقد فن النحت إلهامه الديني بعد أسرة تانج، واصطبغ بصبغة دنيوية تنحط أحياناً إلى صبغة شهوانية، حتى شكا رجال الأخلاق في ذلك الوقت، كما شكا رجال الأخلاق في إيطاليا في عصر النهضة، من أن الفنانين ينحتون
стр. 1236
للقديسين تماثيل لا تقل رشاقة ورقة عن تماثيل النساء، فوضع الكهنة البوذيون قواعد للتصوير تحرم تحديد شخصية صاحب الصورة أو إبراز معالم الجسم.
ولربما كانت النزعة الأخلاقية القوية عند الصينيين هي التي عاقت تقدم فن النحت. وذلك أنه لما أن فقد الدافع الديني أثره المحرك القوي في الفن، ولم يسمح لجاذبية الجمال الجثماني بأن يكون شأن فيه، اضمحل فن النحت في بلاد الصين، وقضى الدين على ما لم يعد في مقدوره أن يكون له ملهماً. وما أن اقترب عهد أسرة تانج من نهايته حتى أخذ الابتكار في فن النحت ينضب معينة. وليس لدينا من القطع الفنية الممتازة التي أخرجتها أسرة سونج إلا عدد قليل؛ أما المغول فقد خصوا الحرب بجهودهم؛ وأما أباطرة المنج فقد نبغ في عهدهم بعض المثالين الذين أخرجوا تماثيل غريبة وأخرى ضخمة من الحجارة كالهولات التي تقف أمام مقابر أباطرة المنج. فلما ضيق الدين الخناق على فن النحت لفظ أنفاسه الأخيرة، وأخلي ميدان الفن الصيني للخزف والنقش.
стр. 1237
الفصل الثالث
المعابد (البجودا) والقصور
العمارة الصينية - برج نانكنج الخزفي - بجودا بيجنج
اليشبي - هيكل كنفوشيوس - هيكل السماء ومذبحه -
قصور كوبلاي خان - بيت صيني - داخل البيت - لونه وشكله
كذلك كانت العمارة من الفنون الصغرى في بلاد الصين، ولم يكد يترك من كان فيها من البنائين العظام أثراً لهم يخلد ذكراهم؛ ويلوح أن الشعب لم يكن يجلهم إجلاله صناع الخزف الكبار. والعمائر الضخمة نادرة في بلاد الصين حتى ما شيد منها تكريماً للآلهة، وقلما نجد فيها مباني قديمة، وليس فيها إلا القليل من المعابد التي يرجع عهدها إلى ما قبل القرن السادس عشر.
وقد أصدر مهندسو أسرة سونج في عام ١١٠٣ م ثمانية مجلدات موضحة بالرسوم الجميلة في شرح أساليب العمارة؛ ولكن الآيات الفنية التي صوروها كانت كلها من الخشب ولم تبق منها قطعة واحدة إلى اليوم. ويستدل من الرسوم المحفوظة في المتحف الأهلي في باريس، والتي يقال أنها تمثل المساكن والهياكل في أيام كنفوشيوس، على أن فن العمارة الصينية قد قنع في خلال تاريخه الطويل الذي دام ثلاثة وعشرين قرناً بما كان عليه في تلك الأيام الخالية من أشكال وأحجام متواضعة (٥٠).
ولعل إحساس الصينيين المرهف في مسائل الفن والذوق هو الذي حدا بهم إلى نبذ ما عساه أن يبدو من العمائر خالياً من الاحتشام مفرطاً في الضخامة، أو لعل تفوقهم في الذكاء قد حد بعض الشيء من مدى خيالهم. ومهما يكن من سبب هذا القصور فإن فن العمارة الصينية قد أضر به كثيراً انعدام ثلاث قوى
стр. 1238
لم يخل منها تاريخ أمة عظيمة من الأمم القديمة، وتلك هي الأرستقراطية الوراثية وطبقة الكهنة القوية (٥١) والحكومة المركزية الكثيرة المال العظيمة السلطان (٥١). ذلك أن هذه القوى هي التي كانت في الأيام الخالية تبذل المال بسخاء لتشجيع الأعمال الفنية العظيمة، من هياكل وقصور ومسارح ومظلمات ومقابر منحوتة في الصخور. ولقد انفردت الصين من بين الأمم القديمة في أنها لم تبتل بهذه النظم الثلاثة.
غير أن العقيدة البوذية قد استحوذت وقتاً ما على روح الصينيين وعلى ما يكفي من ثروة البلاد لإقامة الهياكل العظيمة التي كشفت بقاياها أخيراً في التركستان (٥٢). ولا تزال بعض الهياكل البوذية المتوسطة العظمة والفخامة باقية في أنحاء كثيرة من بلاد الصين، ولكنها لم تسم إلى ما سمت إليه العمائر الدينية في بلاد الهند. ويصل الإنسان إلى هذه الهياكل بممرات طبيعية جميلة المنظر صاعدة بالتواء فوق منحدرات ذات أبواب منقوشة يسمونها البايلو، ولعلها مأخوذة عن دربزين الأضرحة البوذية الهندية.
وتحرس مداخل هذه الهياكل في بعض الأحيان تماثيل بشعة وضعت لتخيف الشياطين الأجنبية فتبعدها عنها بطريقة ما. ومن أجمل الأضرحة البوذية الصينية كلها هيكل بوذا النائم بالقرب من القصر الصيفي المشيد خارج بيجنج. ويرى فرجسون Fergusson أنه "أجمل ما أخرجه فن العمارة في بلاد الصين" (٥٣).
غير أن أكثر ما يميز الشرق الأقصى في فن العمارة عن سائر الأقطار هو الهياكل (البجودات) التي تشرف على جميع المدن الصينية تقريباً (١). وقد
стр. 1239
اصطبغت هذه الصروح الجميلة، كما اصطبغت العقائد البوذية التي ألهمت من شادوها، ببعض الخرافات الدوِّية التي كانت منتشرة في البلاد، فكانت من أجل ذلك مراكز للاحتفالات الدينية وللتنبؤ بالغيب عن طريق دراسة الشقوق والعروق الأرضية. وكانت الجماعات المختلفة تشيد هذه الهياكل لاعتقادها أنها تقي الناس غوائل الأعاصير والفيضان، وتسترضي الأرواح الشريرة، وتجتذب الرخاء ورغد العيش. وكانت تتخذ عادة شكل أبراج ذات ثمانية أضلاع تشاد من الآجر وترتفع فوق قواعد من الحجارة خمس طبقات أو سبعاً أو تسعاً لأن الأعداد الزوجية في اعتقادهم أعداد مشئومة (٥٦). وأقدم البجودات التي لا تزال قائمة حتى الآن البجودة القائمة في سونج إيو - سو، والتي شيدت في عام ٥٢٣ م على جبل سونج شان المقدس في هونان. ومن أجملها كلها البجودة الصيفية، وأروعها منظراً بجودة اليشب في بيجنج و "بجودة المزادة" في وو - واي - شان، وأوسعها شهرة برج الخزف في نانكنج (نانجنج) وقد شيد في ١٤١٢ - ١٤٣١ م ويمتاز بطبقة من الخزف فوق جدرانه المقامة من الآجر. وقد دمر هذا البرج في ثورة تايينج التي استعرت في عام ١٨٥٤ م.
стр. 1240
وأجمل الهياكل الصينية هي التي كانت مخصصة للديانة الرسمية في بيجنج (بيكنج). ومن هذه الهياكل هيكل كنفوشيوس، ويحرسه باي - لو، فخم محفور أجمل حفر، ولكن الهيكل نفسه يخلد الفلسفة أكثر مما يخلد الفن. وقد شيد في القرن الثالث عشر الميلادي ثم أدخلت عليه عدة تعديلات وأعيد بناء بعض أجزائه عدة مرات. وقد وضعت "لوحة روح أقدس القديسين المعلم والأب كونفوشيوس"، على قاعدة خشبية في مشكاة مفتوحة في الهيكل، ونقشت العبارة الآتية فوق المذبح الرئيسي: "إلى المعلم الأعظم والمثال الذي يحتذيه عشرة آلاف جيل". ويقوم من سور بيجنج التتاري الجنوبي هيكل
стр. 1241
السماء ومذبح السماء. والمذبح مكوّن من سلسلة من الدرج والشرفات الرخامية التي كان لعددها الكبير ونظامها أثر سحري في نفوس الزائرين. والهيكل نفسه بجودة معدلة من ثلاث طبقات قائمة فوق ربوة من الرخام ومشيدة من الآجر والقرميد الخاليين من الرونق. وكان الإمبراطور في الأيام الخالية يأتي إلى هذا المكان في الساعة الثالثة من صباح يوم رأس السنة الصينية للصلاة والدعاء لأسرته بالتوفيق والفلاح ولشعبه بالرخاء، ويقرب القربان للسماء التي يرجو أن تكون في صفه لا في صف أعدائه، ولم تكن السماء ذكراً أو أنثى عند الصينيين بل كانت جماداً. وقد نزلت صاعقة من السماء على هذا المعبد في عام ١٨٨٩ م فأصابته بضرر بليغ (٥٧).
وأجمل من هذه الأضرحة الخالية من الرونق والبهاء، وأكثر منها جاذبية، القصور المزينة الضعيفة البناء التي كانت مساكن للأمراء وكبار الحكام في بيجنج. ومن أجمل هذه المباني البهو الأكبر، وقد شاده عند قبر أباطرة منج عباقرة البنائين الذين جاد بهم عهد الإمبراطور تشنج درو (١٤٠٣ - ٢٥)، كما شادوا عدداً من المساكن الملكية في بقعة عرفت فيما بعد باسم "المدينة المحرمة" أقيمت في الموضع الذي شاهد فيه ماركو بولو قصر كوبلاي خان قبل ذلك العهد بمائتي عام، فدهش منه وأعجب به أيما إعجاب. وتقوم آساد بشعة الخلقة على جانبي الدربزين الرخامي المؤدي إلى الشرفة الرخامية. وقد شيدت في هذا المكان مبان رسمية، بعضها غرف لعروش الأباطرة وأخرى للاستقبال أو للمآدب وغيرها من حاجات الأباطرة.
وانتشرت حولها البيوت الأنيقة التي كانت تسكنها في الأيام الخالية أسر الأباطرة وأبناؤهم وأقاربهم وخدمهم وأتباعهم وخصيانهم وسراريهم. ولا تكاد هذه القصور تختلف بعضها عن بعض. ففيها كلها العمد الرفيعة، والنوافذ المتشابكة الجميلة، والطنف المنحوتة أو المسطورة، والألوان الكثيرة الزاهية
стр. 1242
والرفارف المقوسة المتجهة إلى أعلى المتصلة بالسقف المقرمدة الضخمة. وشبيه بهذه المتع المحرمة على غير هذه الطبقات من الأهلين القصر الصيفي الثاني الذي يبعد عن هذا المكان بضعة أميال، ولعله أكثر رشاقة وتناسباً وتأنقاً في النحت من البيوت التي كانت في يوم ما مساكن للملوك في بيجنج.
وإذا شئنا أن نذكر الخصائص العامة لفن العمارة الصينية في عبارة موجزة قلنا: إن من أول مظاهرها السور المجرد من الجمال الذي يفصل المبنى الرئيسي عن الطريق العام. وهذه الأسوار تمتد في الأحياء الفقيرة من بيت إلى بيت متصلة بعضها ببعض، وتدل على أن الحياة في هذه الأحياء كانت غير آمنة. ويحيط هذا السور بفناء تفتح فيه أبواب ونوافذ لبيت واحد أو لعدة بيوت. وبيوت الفقراء مساكن كئيبة مظلمة، ذات مداخل ودهاليز ضيقة وسقف منخفضة، وأرض من التراب. وفي كثير من الأسر تعيش الخنازير والكلاب والدجاج والرجال والنساء في حجرة واحدة. وتعيش أفقر الأسر في أكواخ من الطين والقش تغمرها مياه الأمطار وتصفر فيها الرياح، وإذا كانت الأسر ذات يسار قليل غطت أرض الحجرات بالحصر أو رصفتها بالقرميد. أما الأثرياء فيزينون فناء المنزل الداخلي ببعض الشجيرات والأزهار والبرك، أو يحيطون قصورهم بالحدائق يغرسون فيها مختلف الأشجار، ويمرحون فيها ويلعبون. ولا نرى في هذه الحدائق طرقات تزينها الورود، وممرات غرست حولها الأزهار، ومربعات أو دوائر أو مثمنات من الكلأ أو الزهر؛ بل ترى بدلاً منها مماشي ضيقة لا تثبت على حال، تتلوى في بعض الأحيان مخترقة أخاديد تمر بين الصخور فوق مجار مائية متعرجة بين أشجار اضطرت جذوعها أو أغصانها إلى أن تتخذ لها أشكالاً غريبة ترضي عنها النفوس السفسطائية. وترى في أماكن متفرقة من هذه الحدائق جواسق جميلة تكاد تخفيها الغصون يستريح فيها الجائلون.
وليس البيت نفسه ذا روعة ولو كان قصراً للعظماء، فهو لا يزيد على طبقة
стр. 1243
واحدة، وإذا احتاجت الأسرة إلى أن تزيد حجرات منزلها فإنها تفضل إقامة مبنى جديد على إضافة حجرات للمبنى القديم. ومن ثم فإن القصر العظيم قلما يكون بناء منظم الأجزاء، بل يتكون من عدة مبان تمتد أهمها في صف واحد من مدخل القصر إلى السور وإلى جانبيها المباني الثانوية التي تقل عن الأولى شأناً. وأكثر ما تبنى منه المنازل الخشب والآجر، وقلما تعلو الحجارة إلى أكثر من الشرفات التي فوق الأساس.
وكان يقصر استعمال الآجر عادة على الجدران الخارجية، أما السقف فتتخذ من لبنات رقيقة، وأما الأعمدة المزينة والجدران الداخلية فتقام من الخشب. وكانت تعلو الجدران الزاهية الألوان طنف ذات نقوش. وليست الجدران ولا العمد هي التي تحمل السقف، بل إن هذه السقف رغم ثقلها تستقر على قوائم تكون جزءاً من الهيكل الخشبي للمنزل، والسقف أهم أجزاء الهيكل أو المنزل الصيني، فهو يبنى من القرميد المصقول البراق - ذي اللون الأصفر إن كان يظلل رأس الإمبراطور، وإلا فهو أخضر أو أرجواني أو أحمر أو أزرق. وهو يبدو جميلاً وسط ما يحيط به من المناظر الطبيعية، بل إنه ليبدو كذلك حتى في فوضى شوارع المدن، ولربما كانت أعواد الخيزران التي تبرز أطرافها من أعلى الخيام هي التي أقيمت على غرارها في بلاد الشرق الأقصى رفارف السطوح الرشيقة المنحنية إلى أعلى، ولعل أقرب من هذا إلى الظن أن هذا الطراز الكثير الذيوع لم يكن منشؤه إلا رغبة البنائين الصينيين في وقاية البناء كله من مياه الأمطار (٥٨).
ذلك أن النوافذ ذات المصاريع كانت قليلة في المباني الصينية، وكان يحل محلها الورق الكوري Korean (١) أو النوافذ ذات القوائم المتقاطعة المتشابكة، وهذه لا تقي الحجرات من الأمطار.
стр. 1244
ولا يقع مدخل الدار الرئيسي عند طرفه ذي السقف الهرمي، بل يقع عند واجهته الجنوبية. ويقوم في داخل هذا الباب الكبير عادة ستار أو جدار يحجب نظر الزائر عن رؤية من في داخل الدار، ويقف في طريق الأرواح الخبيثة التي لا تسير إلا في خطوط مستقيمة، وردهة الدار وحجراتها معتمة لأن ضوء النهار تحجبه النوافذ المتشابكة والطنف البارزة. وبهو المنزل وحجراته مظلمة لأن النوافذ المشبكة والطنف البارزة تحجب عنها ضوء النهار. وقلما تجد في المنزل وسائل لتهوية الغرف، وليس فيه من وسائل التدفئة إلا المجامر المتنقلة، أو طبقات من الآجر تبنى فوق نار مدخنة. وليس لهذه المدافئ مداخن أو فتحات يخرج منها الدخان (٥٩). والأغنياء والفقراء على السواء يقاسون آلام البرد ويأوون إلى فراشهم مدثرين بالثياب الثقيلة (٦٠). وإذا التقى السائح بصيني سأله: "أأنت بردان؟ " فيجيبه هذا بقوله: "بطبيعة الحال" (٦١)، وقد تعلق في سقف الدار فوانيس من الورق زاهية الألوان، وتزين الجدران أحياناً بكتابات بخط جميل أو بنقوش من الحبر، أو بسجف من الحرير مطرزة تطريزاً جميلاً ومنقوش عليها مناظر ريفية. ويتخذ أثاث المنزل عادة من الخشب الثقيل المدهون باللون الأسود البرّاق والمنحوت نحتاً جميلاً. أما القطع ذات الألوان الفاتحة فتطلى باللك البراق. والصينيون هم الأمة الشرقية الوحيدة التي يجلس أبناؤها (١) على كراسي، وحتى هم يفضلون أن يجلسوا متكئين أو متربعين؛ وهم يضعون، على نضد خاص، الأواني التي تتخذ لتقديم القرابين لأسلافهم الأموات. وتقع في مؤخرة الدار حجرات النساء، وقد توجد في حجرات مستقلة أو في بناء منفصل عن سائر المنزل مكتبة أو مدرسة.
والأثر العام الذي تتركه العمائر الصينية في ذهن المشاهد الأجنبي غير الفني هو ما تتصف به من وهن سحري يأخذ بالألباب؛ واللون يطغى فيها على
стр. 1245
الشكل، ومن واجب الجمال فيها أن يستغني عن الفخامة والعظمة. والهيكل أو القصر الصيني لا يتطاول إلى الإشراف على الطبيعة بل يتعاون معها على أن يخلق من الكل انسجاماً كاملاً يعتمد على تناسب أجزائه وتواضعها. والعمائر الصينية تعوزها الصفات التي تكسبها متانة وأمناً وطول بقاء، كأن من شادوها يخشون أن تذهب الزلازل بجهودهم.
وإن من الصعب على الإنسان أن يعتقد أن هذه العمائر تنتمي إلى ذلك الفن الذي أقام آثار الكرنك وبرسبويس، والآثار التي شيدت على الأكروبول؛ فليست هي عمائر بالمعنى الذي يفهمه الغربيون من هذا اللفظ، بل هي حفر في الخشب، وطلاء للخزف، ونحت في الحجر. وهي أكثر انسجاماً مع الخزف واليشب من الصروح الضخمة الثقيلة التي أقامها فنّا الهندسة والمعمار في بلاد الهند وبلاد النهرين ورومه. وإذا لم نتطلب إليها العظمة والصلابة التي ربما لم يعن بها من أنشئوها، وإذا أخذناها على أنها أصداف تعبر عن أرق الأذواق في أضعف أشكال المباني وأقلها بقاء، إذا فعلنا هذا وذاك كان لهذه العمائر مكانها بين أجمل طرز الفن الصيني الطبيعية التي تناسب أهل تلك البلاد وبين أجمل الأشكال التي ابتدعها الإنسان.
стр. 1246
الفصل الرابع
التصوير
١ - أساتذة فن التصوير الصيني
جوو كاي - جيه "أعظم مصور، أعظم فكه، وأعظم أبله"-
صورة هان يو الصغيرة - المدرستان الاتباعية والابتداعية - ونج
واي - وو داو دزه - هو دزونج الإمبراطور الفنان - أساتذة عصر سونج
لقد أبطأ الغرب في دراسة فن التصوير الصيني، وليس عليهم في ذلك لوم، لأن مناحي الفن وأساليبه في الشرق تكاد كلها أن تكون مغايرة لمناحيه وأساليبه في الغرب؛ وأول ما نذكره من هذا الخلاف أن المصورين في بلاد الشرق الأقصى لم يكونوا يصورون على القماش، وقد نجد من حين إلى حين مظلمات على الجدران، وأكثر ما يوجد من هذا أثر من آثار النفوذ البوذي؛ ونجد في بعض الأحيان رسوماً على الورق وهذه من آثار ما بعد العهد البوذي؛ كل هذا نجده ولكنه قليل، أما معظم الرسوم الصينية فهي على الحرير؛ ولقد كان ضعف هذه المادة وقصر أجلها سبباً في تلف الروائع الفنية جميعها حتى لم يبق من تاريخ هذا الفن إلا ذكريات له وسجلات تصف جهود الفنانين؛ يضاف إلى هذا أن الصور نفسها كانت رقيقة خفيفة، وأن كثرتها قد استخدمت فيها الألوان المائية وينقصها ما نراه في الصور الزيتية الأوربية من تلوين يظهرها للعين كأنها صور مجسمة نكاد نلمسها باليد. ولقد حاول الصينيون التصوير الزيتي ولكن يلوح أنهم تركوه لأنهم حسبوا هذه الطريقة من طرق التصوير خشنة ثقيلة لا تتفق وأغراضهم الدقيقة الرفيعة؛ كذلك كان تصويرهم في أشكاله الأولى على الأقل، فرعاً من فروع الكتابة أو الخط الجميل يستعملون فيه الفرشاة التي كانوا
стр. 1247
يستعملونها في الخط، وكانوا يقتصرون في كثير من روائعهم الفنية على الفرشاة والحبر (١).
وآخر ما نذكره من أوجه الخلاف أن أعظم ما أخرجوه من الصور الملونة قد أخفى من غير قصد عن أعين الرحالة الغربيين، ذلك أن الصينيين لا يتباهون بعرض صورهم على الجدران العامة والخاصة بل يطوونها ويخبئونها بمنتهى العناية، فإذا أرادوا أن يستمتعوا برؤيتها أخرجوها من مخبئها كما نخرج نحن كتاباً ونقرأه. وكانت هذه الصور المطوية تلف متتابعة في ملفات من الورق أو الحرير ثم (تُقرأ) كما تقرأ المخطوطات. أما الصور الصغيرة فكانت تعلق على الجدران وقلما كانت توضع في إطارات. وكانت عدة صور ترسم أحياناً على شاشة كبيرة، وفي العهد الأخير من عهود أسرة سونج كان فن التصوير قد تفرع إلى ثلاثة عشر فرعاً (٦٣) واتخذ أشكالاً لا حصر لها.
وقد ورد ذكر الفن الصيني بوصفه فناً ثابت الأساس، قبل ميلاد المسيح بعدة قرون، ولا يزال هذا الفن موطد الدعائم في بلاد الصين إلى يومنا هذا رغم ما عاناه بسبب الحروب الكثيرة. وتقول الأقاصيص الصينية إن أول من صور بالألوان في الصين امرأة تسمى لي وهي أخت الإمبراطور الصالح شوين. وقد ساء
стр. 1248
ذلك أحد الناقدين فقال: "مما يؤسف له أشد الأسف أن يكون هذا الفن القدسي من اختراع امرأة" (٦٤).
ولم يبق شيء من الصور التي رسمت في عهد أسرة جو. لكن الذي لا شك فيه أن الفن في عهد هذه الأسرة كان قد تقادم عهده، ويدلنا على ذلك تقرير كتبه كونفوشيوس يقول فيه إنه: أعجب أشد الإعجاب بالمظلمات التي رآها في الهيكل العظيم المقام في لو - يانج (٦٥).
أما في أيام أسرة هان فحسبنا دليلاً على انتشار التصوير أن كاتباً من الكتاب قد شكا من أن بطلاً يعجب به لم يُرسم له عدد كافٍ من الصور فقال: "إن الفنانين كثيرون فلم إذن لا يصوره أحداً منهم؟ (٦٦) " ومن القصص التي تروى عن واحد من مهرة الفنانين في عهد الإمبراطور لي - يه - إي الأول أنه كان في استطاعته أن يرسم خطاً مستقيماً لا ميل فيه طوله ألف قدم؛ وأن يرسم خريطة مفصلة للصين على السطح لا يزيد على بوصة مربعة، وأن في مقدوره أن يملأ فاه ماء ملوناً ثم يبصقه فيكون صورة، وأن الصور التي كان يرسمها للعنقاء قد بلغت من الإتقان حداً جعل الناس إذا نظروا إليها يتساءلون قائلين لم لا تطير من أمامهم؟ (٦٧). ولدينا ما يشير إلى أن فن التصوير الصيني بلغ إحدى درجاته القصوى من الكمال في بداية التاريخ الميلادي، ولكن الحروب محت كل دليل قاطع على هذا. ولقد تناوبت على الصين غلبة الفن والحرب في نزاعهما الأبدي القديم، منذ العهد الذي نهب فيه لويانج المحاربون من إقليم تشين (حوالي عام ٢٤٩ ق. م) وأخذوا يحرقون كل ما لم يستطيعوا الانتفاع به، إلى أيام ثورة الملاكمين (١٩٠٠ م) حين كان جنود تونج جو يستخدمون الصور المرسومة على الحرير في المجموعة الإمبراطورية لحزم ما يريدون حزمه من الأمتعة. فكانت روائع الفن يحل بها الدمار ولكن الفنانين لم يكونوا يتوانون عن الخلق والابتداع.
стр. 1249
ولقد أحدثت البوذية انقلاباً في شئون الدين والفن في بلاد الصين لا يقل في عمقه ومداه عن الانقلاب الذي أحدثته المسيحية في ثقافة البحر الأبيض المتوسط وفنونه. نعم إن الكنفوشية احتفظت بسلطانها السياسي في البلاد، ولكن البوذية امتزجت بالدّوية فأصبحت السلطة المهيمنة على الفن، وأنشأت بين الصينيين وبين البواعث والرموز والأساليب والأنماط الهندية صلات ذات أثر قوي.
وكان أعظم العباقرة من رجال مدرسة التصوير الصينية البوذية جوو - كاي -جيه، وهو رجل بلغ من قوة شخصيته وصفاته الفذة أن اجتمعت حوله أقاصيص وأساطير كثيرة. منها أنه أحب فتاة تسكن منزلاً يجاور منزله، فلما عرض عليها أن تتزوج به أبت لجهلها بما كانت تخبئه له الأيام من شهرة عظيمة، فما كان منه إلا أن رسم صورة لها على أحد الجدران وأنفذ شوكة في قلبها، فأشرفت الفتاة على الموت. ثم تقدم إليها مرة أخري فرضيت به، فرفع الشوكة عن صورتها فشفيت الفتاة من مرضها. ولما أراد البوذيون أن يجمعوا المال لتشييد هيكل في نانكنج وعد أن يمدهم بمليون كاش (١)، وسخرت الصين كلها من هذا الوعد، لأن جوو قد بلغ من الفقر ما يبلغه الفنان.
فقال لهم: "اسمحوا لي أن استخدم أحد الجدران"، فلما وجد الجدار واستطاع أن ينفرد بنفسه عنده رسم عليه صورة القديس البوذي أو إيمالا-كيرتي. ولما أتم الصورة دعا الكهنة، وأخذ يصف لهم طريقة جمع المال المطلوب فقال: "عليكم أن تطلبوا في اليوم الأول مائة ألف كاش" ممن يريد أن يدخل ليرى الصورة، "وأن تطلبوا في اليوم الثاني خمسين ألفاً. أما في اليوم الثالث فدعوا الزائرين أحراراً يتبرعون بما يشاءون". ففعلوا ما أمرهم به وجمعوا بهذه الطريقة مليون كاش (٦٩). ورسم جو سلسلة طويلة من الصور البوذية كما رسم صوراً
стр. 1250
أخرى غير بوذية، ولكننا لم يصلنا شيء من رسومه الموثوق بنسبتها إليه (١). وكتب ثلاث رسائل في التصوير بقيت بعض أجزائها إلى اليوم. ومن أقواله: أن أصعب التصوير تصوير الرجال، ويلي الرجال في الصعوبة تصوير المناظر الطبيعية ثم تأتي بعدهما الخيل والآلهة (٧٢). وكان يصر على أنه فنان وفيلسوف معاً. ولما رسم صورة للإمبراطور كتب تحتها: "ليس في الطبيعة شيء عال لا ينحط بعد قليل … فالشمس إذا بلغت كبد السماء أخذت في الانحدار، والقمر إذا كمل وصار بدراً بدأ يتناقص. وتسنم المجد لا يقل صعوبة عن بناء جبل من حبات التراب؛ أما التردي في الهلاك فسهل كانسياب اللولب المشدود" (٢)، وكان معاصروه يعدونه أعظم رجال زمانه في ثلاث نواح: في التصوير وفي الفكاهة وفي البلاهة (٧٤).
وازدهر التصوير في بلاط الأباطرة من أسرة تانج، ومن الأقوال المؤيدة لهذا قول دوفو: "إن المصورين ليبلغون من الكثرة عدد نجوم الصباح، ولكن الفنانين منهم قليلون" (٧٥).
وكتب جانج ين - يوان في القرن التاسع عشر كتاباً سماه: عظماء المصورين في جميع العصور وصف فيه أعمال ثلاثمائة وسبعين فناناً، ويقول فيه: إن الصورة التي يرسمها أحد أساتذة التصوير كانت تدر عليه وقتئذ نحو عشرين ألف أوقية من الفضة، ولكنه يحذرنا فيما بعد من أن نقدر الفن بالمال ويقول: "إن الصور الجميلة أعظم قيمة من الذهب واليشب، أما الصور الرديئة فلا تساوي الواحدة منها شقفة".
стр. 1251
ولا نزال نعرف من المصورين في عهد أسرة تانج أسماء مائتين وعشرين، أما أعمالهم فلا يكاد يبقى منها شيء، لأن ثوار التتار الذين نهبوا شانج - آن في عام ٧٥٦ م لم يكونوا يعنون بهذا الفن؛ وفي وسعنا أن نلمح الجو الفني الذي كان يمتزج بشعر ذلك الوقت في قصة هان يو "أمير الأدب" الذائع الصيت.
وخلاصة هذه القصة أن هذا الأمير كسب من زميل له يقيم معه في منزل رقعة صغيرة اشتملت في أصغر مساحة مستطاعة على ثلاث وعشرين ومائة صورة من صور الآدميين، وثلاث وثمانين من صور الجياد، وثلاثين من صور الحيوانات الأخرى، وصور لثلاث عربات، وإحدى وخمسين ومائتي صورة لأشياء أخرى، ويقول هو عنها: "لقد فكرت كثيراً في أمر هذه الصورة لأني لم اكن أصدق أنها من عمل رجل واحد، فقد جمعت عدداً من المزايا المختلفة الأنواع، ولم يكن في وسعي أن أتخلى عنها مهما عرض عليّ من المال ثمناً لها. وفي العام الثاني غادرت المدينة وسافرت إلى هو - يانج، وحدث أن كنت في أحد الأيام أتحدث عن الفن إلى بعض الغرباء، وأخرجت لهم الصورة ليروها؛ وكان من بينهم رجل يدعى جو، يشغل وظيفة رقيب (١) وكان ذا ثقافة عالية؛ فلما وقعت عينه على الصورة دهش أيما دهشة لرؤيتها ثم قال بعد تفكير طويل: "إن هذه الصورة من عمل يدي رسمتها في أيام شبابي، وهي منقولة عن صورة في معرض الفن الإمبراطوري، ولقد فقدتها منذ عشرين عاماً، وأنا مسافر في مقاطعة فوفين"، فما كان من هان يو إلا أن أهدى الصورة الصغيرة إلى جو.
ولقد نشأت في فن التصوير الصيني مدرستان مختلفتان إحداهما في الشمال والثانية في الجنوب، كما نشأت في الديانة الصينية مدرستان هي المدرسة الكنفوشية والمدرسة الدوِّية - البوذية، وكما نشأت في الفلسفة مدرستان إحداهما بزعامة جوشي والثانية بزعامة وانج يانج منج، تمثل الأولى ما يطلق عليه الغربيون العقلية
стр. 1252
الاتباعية، وتمثل الثانية العقلية الابتداعية، فكان الفنانون الشماليون يتمسكون بالتقاليد الصارمة ويتقيدون في رسومهم بقيود العفة والوقار؛ أما أهل الجنوب فكانوا يعنون في تصويرهم بإبراز المشاعر والخيال. وعنيت المدرسة الشمالية أشد عناية بإبراز نماذج صحيحة متقنة من الأشكال التي تصورها وجعلها واضحة الخطوط والمعالم، أما المدرسة الجنوبية فقد ثارت كما ثار منتمارتر Montmarter على هذه القيود، فكانت تحتقر هذه الواقعية البسيطة ولا تستخدم الأشياء إلا عناصر في تجارب روحية، أو نغمات في مزاج موسيقي (٧٧). ولقد وجد لي سو - شون وهو يصور في بلاط منج هوانج بين زعازع السلطة السياسية وعُزلة النفي ما يكفي من الوقت لتوطيد دعائم المدرسة الشمالية. وصور هو نفسه بعض المناظر الصينية الطبيعية وبلغ فيها درجة من الواقعية تناقلتها فيما بعد كثير من الأقاصيص. من ذلك قول الإمبراطور أنه يستطيع أن يستمع في الليل إلى خرير الماء الذي صوره لي على شاشة في قصره، وإن سمكة في صورة أخرى له دبت فيها الحياة ووجدت بعد في بركة -وليس لنا أن نلوم الصينيين على هذه الأقوال، فإن لكل أمة أقوالاً مثلها في مدح مصوريها.
ونشأت المدرسة الجنوبية مما أدخل على الفن من تجديد ومن عبقرية وانج واي، فلم يكن المنظر الطبيعي في طرازه التأثيري من طرز الفن أكثر من رمز لمزاج معين، وكان وانج شاعراً ومصوراً معاً، ولذلك عمل على ربط الفنين بعضهما ببعض، وذلك يجعل الصورة تعبر عن قصيدة. وفيه قال الناس لأول مرة العبارة التي طالما لاكتها الألسن حتى ابتذلت، والتي تنطبق كل الانطباق على الشعر والتصوير الصينيين كليهما وهي: "كل قصيدة صورة وكل صورة قصيدة" (وكان يحدث في كثير من الأحيان أن تنقش القصيدة على الصورة وأن تكون القصيدة نفسها مخطوطاً فنياً جميلاً). ويروى المؤرخون أن تونج جي-
стр. 1253
جانج قضى حياته كلها يبحث عن صورة أصلية من عمل وانج ويه (١).
وأعظم المصورين في عهدة أسرة تانج، وأعظم المصورين في الشرق الأقصى كله بإجماع الآراء، رجل علاً فوق فروق مدرستي التصوير السالفتي الذكر، وكان من الذين حافظوا على التقاليد البوذية في الفن الصيني، واسم هذا المصور وو دَوْ - دزه؛ ولقد كان في الحق خليقاً باسمه فإن معنى هذا الاسم هو وو أستاذ الدو أو الطريقة، ذلك أن جميع التأثرات والأفكار المجردة، التي وجدها لو دزه وجوانج دزه أدق من أن تعبر عنها الألفاظ، وقد بدت وكأنها تنساب انسياباً طبيعياً في صورة خطوط وألوان يجري بها قلمه، ويصفه أحد المؤرخين الصينيين بقوله: "إنه كان شخصاً معدماً يتيماً، ولكنه وهب فطرة إلهية، فلم يكد يلبس قلنسوة البلوغ حتى كان من أساتذة الفن، وحتى غمر لو - يانج بأعماله". وتقول الروايات الصينية إنه كان مغرماً بالخمر وبأعمال القوة، وإنه كان يعتقد - كما يعتقد الشاعر الإنكليزي بو Poe - أن الروح تخرج أحسن ثمارها تحت تأثير قليل من السكر (٨١). وقد برز في كل موضوع صوره؛ في الرجال والأرباب والشياطين وفي تصوير بوذا بأشكال مختلفة، وفي رسم الطيور والوحوش والمباني والمناظر الطبيعية - وكانت كلها تأتيه طائعة لفنه الخصيب؛ وبرع في الرسم على الحرير والورق والجدران الحديثة الطلاء فكانت هذه كلها عنده سواء. وقد أنشأ ثلاثمائة مظلم للهياكل البوذية منها مظلم يحتوي على صورة ألف شخص لا تقل شهرته في الصين عن شهرة "يوم الحساب" أو صورة "العشاء الأخير" في أوربا. وكانت ثلاث وتسعون صورة من صوره في معرض الصور الإمبراطوري في القرن الثاني عشر بعد أربعمائة سنة من وفاته، ولكنها لم يبق منها شيء في مكان ما في الوقت الحاضر. ويحدثنا الرواة أن الصور التي رسمها لبوذا "قد كشفت عن أسرار الحياة
стр. 1254
والموت". وقد بلغ من تأثير صوره التي تمثل الحشر أن ارتاع من رؤيتها بعض القصابين والسماكين فنبذوا حرفتيهم المشينتين غير البوذيتين.
ولما رسم صورة تمثل رؤيا منج هوانج أيقن الإمبراطور أن وو قد رأى هو أيضاً رؤيا مثلها (٨٢). ولما أرسل الملك وو ليرسم منظراً على ضفة نهر جيالنج في ولاية سشوان هاله أن لا يعود الفنان دون أن يرسم خطاً واحداً، فقال له وو: "لقد وعيته كله في قلبي". ثم انفرد بنفسه في حجرة من حجر القصر وأخرج، كما يؤكد لنا المؤرخون، مناظر تمثل ألف ميل (١). ولما أراد القائد باي أن ترسم له صورة طلب إليه وو ألا يقف أمامه ليرسمه، بل أن يلعب بالسيف، فلما فعل أخرج المصور له صورة لم يسع معاصريه إلا أن يقولوا أنها قد أوحي إليه بها ولم تكن من عنده. وقد بلغ من شهرته أن أقبلت "شانج - آن" على بكرة أبيها لتشاهده وهو يختتم رسم بعض الصور البوذية في هيكل شنج شان. ويقول مؤرخ صيني من مؤرخي القرن التاسع إنه لما أحاط به هذا الجمع الحاشد "رسم الهالات بسرعة عجيبة عنيفة بدا للناس معها كأن يده يحركها إعصار، وصاح كل من رآه أن إلهاً من الآلهة كان يساعده" (٨٥): ذلك أن الكسالى لا يفتئون يعزون العبقرية "لوحي" يوحى لمن ينتظر هذا الإيحاء.
وتقول إحدى القصص الطريفة إنه لما طال الأجل بوو رسم منظراً طبيعياً كبيراً، ودخل في فم كهف مصور في هذا المنظر، ولم يره أحد بعد دخوله فيه (٨٦). ولا جدال في أن الفن لم يصل قط إلى ما أوصله إليه هو من إتقان وإبداع.
وأصبح الفن في عهد أسرة سونج شهوة عارمة عند الصينيين، ذلك أنه بعد أن تحرر من سيطرة الموضوعات البوذية عليه غمر البلاد بما لا يحصى من الصور المختلفة، ولم يكن الإمبراطور هواي دزونج نفسه أقل الثمانمائة الرسامين المشهورين في أيامه.
стр. 1255
ومن الكنوز المحفوظة بمتحف الآثار الجميلة ببسطن ملف صوّر فيه هذا الإمبراطور في بساطة عجيبة ووضوح أعجب المراحل المختلفة التي تسير فيها عملية إعداد الحرير على يد النساء الصينيات (٨٧). ومن أعماله أنه أنشأ متحفاً للفن جمع فيه أكبر مجموعة من الروائع الفنية عرفتها الصين من بعده (٨٨)؛ وأنه رفع المجمع الفني من فرع تابع للكلية الأدبية لا غير إلى معهد مستقبل من الدرجة الأولى، واستبدل الاختبار في الفن ببعض الاختبارات الأدبية التي جرت العادة بأن يمتحن فيها طلاب المناصب السياسية، ورفع رجالاً إلى مناصب الوزراء لأنهم برعوا في الفن بقدر ما رفع إليها غيرهم لأنهم برعوا في السياسة (٨٩). وسمع التتار بهذا كله فغزوا الصين وأنزلوا الإمبراطور عن عرشه، ونهبوا المدينة وعاثوا فيها فساداً، ودمروا كل الصور المحفوظة في المتحف الإمبراطوري إلا القليل، وكانت سجلات هذه الصور تملأ عشرين مجلداً (٩٠). وساق الغزاة الإمبراطور الفنان أمامهم ومات في ذل الأسر.
стр. 1256
وكان أجل من هذا الإمبراطور الفنان شأناً رجلان من غير الأسر المالكة هما جوو شي، ولي لونج - مين. "ويقول الناقدون والفنانون إن جوو شي بز جميع معاصريه في تصوير أشجار الصنوبر الباسقة، والدوحات الضخمة، والمياه الدوامة، والصخور الناتئة، والجروف الوعرة، وقلل الجبال السامقة التي لا يحصى عديدها" (١). وكان لي لونج - مين فناناً وعالماً وموظفاً ناجحاً ورجلاً سميذعاً (٢) يجله الصينيون ويرون فيه مثلاً أعلى لما يجب أن يكون عليه الصيني المثقف. وقد بدأ أولاً بالخط ثم انتقل منه إلى الرسم بالخطوط ثم بالألوان، وقلما كان يستخدم في هذا كله شيئاً غير المداد؛ وكان يفخر بمحافظته الشديدة على تقاليد المدرسة الشمالية، ويبذل جهوده كلها في ضبط الخطوط ودقتها. وقد برع في رسم الخيل براعة بلغ منها أن اتهمه الناس حين ماتت ستة منها بأن الصورة التي رسمها لها قد سلبتها أرواحها؛ وإن حذره كاهن بوذي من أنه سيصبح هو نفسه جواداً إذا دأب على العناية برسم الجياد بدقته المعهودة، فما كان منه إلا أن قبل نصيحة الكاهن وصور خمسمائة لوهان (٣). وفي وسعنا أن ندرك شهرته إذا عرفنا أن معرض هواي دزونج الإمبراطوري حين نُهب كان يحتوي على مائة صورة وسبع صور من عمل لي لونج - مين وحده.
ونبغ في عهد أسرة سونج عدد كبير من أساتذة الفن، نذكر منهم مي فاي وهو عبقري غريب الأطوار، كان لا يُرى إلا وهو يغسل يديه أو يغير ملابسه إذا لم يكن يشتغل بجمع أعمال رجال الفن القدماء، أو يرسم صوراً لمناظر طبيعية
стр. 1257
"بطريقة التنقيط" أي بنقط من المداد يضعها دون أن يستعين بالخطوط الخارجية (١). ومنهم أيضا شيه جواي وقد رسم ملفاً طويلاً يحتوي على مناظر متفرقة بنهر يانج - دزه (٢) من منابعه الصغيرة، ومجراه، مخترقاً اللويس والخوانق إلى مصبه الواسع الخاص بالسفن التجارية وبالقوارب الصغيرة (السمبان)؛ وهذا الملف قد جعل بعض الفنانين (٩٣) يضعون صاحبه على رأس مصوري المناظر الطبيعية في الشرق والغرب على السواء. ومن مشهوري المصورين في هذا العهد مايوان، ويزدان متحف الفن الجميل في بسطن بمناظر طبيعية أنيقة، ومناظر مصورة عن
стр. 1258
بعد%=@ومن أروع الصور صورة "السيدة لنج - جاو واقفة بين الثلوج". والصورة تمثل السيدة (وهي صوفية بوذية من نساء القرن الثامن) ساكنة غارقة في التفكير كأنها سقراط واقف وسط الثلوج في بلاتيه. ويخيل إلينا أن الفنان يقول "إن العالم لا وجود له إلا إذا أدرك العقل وجوده، وإن في وسع العقل أن يتجاهله إلى حين". @. ومنهم ليانج كاي الذي رسم صورة فخمة للشاعر الصيني لي بو؛ وموتشي صاحب صورة النمر الرهيب، والزرزور، وصورة كوان ين الظريف المكتئب؛ وفي وسعنا أن نذكر غير هؤلاء كثيرين من المصورين الصينيين الذين لم يألف الغرب سماع أسمائهم أو يعيها إذا سمعها لغرابتها، ولكنهم في واقع الأمر نماذج من تراث الشرق العقلي العظيم. وما أصدق ما قاله عنهم فنلوزا Fenollosa: " لقد كانت ثقافة أسرة سونج أنضج تعبير عن العبقرية الصينية" (٩٥).
وإذا شئنا أن نقدر فن التصوير الصيني في أيام مجد أسرتي تانج وسونج، كنا كمن يحاولون من مؤرخي المستقبل أن يكتبوا عن عصر النهضة الإيطالية بعد أن فقدت جميع أعمال رفائيل وليوناردو دافنشي وميكل إنجلو. ويبدو أن فن التصوير الصيني قد كسر في ذرعه وهدر دمه لما توالى عليه من غارات جحافل البرابرة الذين دمروا روائعه وعاقوا تقدمه قروناً عدة. ومع أنه قد نبغ في عهد الأسر التي تربعت على عرش الصين بعد أسرتي تانج وسونج، الصينية منها والأجنبية، فنانون لهم رسوم بلغت مستوى عظيماً من الظرف أو القوة، فليس من هؤلاء الفنانين من يرقى إلى مستوى أولئك الرجال الذين عاشوا في جنان بلاط منج هوانج أو هواي دزونج. وخليق بنا إذا فكرنا في الصينيين ألا نفكر فيهم على أنهم مجرد شعب سلطت عليه الفاقة، وأضعفه فساد الحكم، وفرقته التحزبات والانقسامات السياسية، وأذلته الهزائم الحربية، بل يجب أن نفكر فيهم أيضاً على أنهم أمة شهدت في تاريخها الطويل عصوراً لا تقل في مجدها عن عصور بركليز وأغسطس وآل مديشي، وأنها قد تشهد عصوراً أخرى مثلها في مستقبل الأيام.
стр. 1259
٢ - خصائص فن التصوير الصيني
نبذ فن المنظور - الواقعية - الخط أسمى من اللون - الشكل
إيقاع - التصوير بالإيحاء - العرف والقيود - أمانة الفن الصيني وإخلاصه
ترى ما هي الخصائص التي تميز فن التصوير الصيني فتجعله يختلف كل الاختلاف عما أنتجته أية مدرسة أخرى من مدارس التصوير في التاريخ كله عدا تلاميذه في اليابان؟ إن أول ما نذكره من هذه الخصائص أن الصور الصينية ترسم على ملفات أو شاشات كبيرة، ولكن هذه مسألة تتعلق بالشكل الخارجي، وأهم منها وأعمق وأكثر صلة بالصفات الذاتية احتقار الصينيين للمنظور والظلال. فلما أن قبل مصوران أوربيان دعوة وجهها إليهم الإمبراطور كانج شي ليزينوا له قصوره رفض الإمبراطور ما عرضوه عليه من زينات لأنهم رسموا العمد البعيدة في صورهم أقصر من القريبة. وقال لهم الصينيون في هذا أن لا شيء يمكن أن يكون أكذب وأبعد عن الطبيعة من تمثيل المسافات حيث لا توجد مسافات مطلقاً (٩٦).
ولم تستطع إحدى الفئتين أن تفهم آراء أخرى ومبادئها لأن الأوربيين اعتادوا أن ينظروا إلى المنظر وهم في مستواه، على حين أن الفنانين الصينيين قد اعتادوا أن ينظروا إليه من أعلاه (٩٧). كذلك كان يخيل إلى الصينيين أن الظلال لا محل لها في نمط من أنماط الفن لا يهدف في زعمهم إلى محاكاة الحقيقة بل يهدف إلى إدخال السرور على النفس، وتمثيل الأمزجة، والإيحاء بالأفكار عن طريق الأشكال التامة الكاملة.
وكان الشكل كل شيء في هذه الصور، ولم تكن السبيل إلى إجادته غزارة اللون أو بهجته، بل كانت في انسجامه ودقة خطوطه. وكانت الألوان محرمة تحريماً باتاً في الرسوم الأولى، وظلت نادرة في رسوم أساتذة الفن؛ فقد كان هؤلاء يكتفون بالمداد والفرشاة؛ ذلك أن اللون لم يكن في رأيهم ذا صلة ما
стр. 1260
بالشكل، بل كان الشكل على حد قول شياه - هُو هو الانسجام؛ وأول معاني الانسجام عند الصينيين هو أن يكون الرسم الصيني السجل المرئي لحركة منسجمة أو رقصة تمثلها اليد (٩٨)؛ ومعناه كذلك أن الشكل البديع يكشف عن "انسجام الروح" وعن جوهر الحقيقة وحركتها الهادئة (٩٩). ومظهر الانسجام في آخر الأمر هو الخط - غير مستخدم في بيان حدود الأشياء ومحيطها الخارجي، بل مستخدم في بناء الأشكال التي تعبر عن النفس بطريق الإيحاء أو الرمز. وتكاد دقة الخطوط وجمالها أن يكونا وحدهما في فن التصوير الصيني السبب الوحيد في براعة التنفيذ المستقلة عن قوة الإدراك والشعور والخيال. ومن أجل هذا كان من واجب المصور أن يلاحظ ما يريد تصويره بصبر وعناية، وإن يكون ذا شعور قوي مرهف، وأن يضبط أحاسيسه أدق الضبط وأحكمه، وأن يتبين غرضه واضحاً، ثم ينقل بعد هذا على الحرير ما تمثله في خياله، نقلا لا يترك فيه مجالاً للإصلاح أو التعديل، وذلك بعدد قليل من الضربات المتواصلة السهلة. وقد وصل فن التصوير بالخطوط ذروة مجده في الصين واليابان، كما اقترب فن التلوين من ذروة مجده في البندقية وفي الأراضي الوطيئة.
ولم يُعن فن التصوير الصيني بالواقعية في يوم من الأيام، بل كان يهدف إلى الإيحاء أكثر مما يهدف إلى الوصف. أما "الحقيقة" فقد تركها للعلم ووهب نفسه للجمال. ولقد كان هذا النوع من التصوير فرعاً لم ينبت في غير بلاد الصين، ثم ترعرع وازدهر بعض الازدهار تحت سماء صافية، فأصبح كافياً لأن يستهوي نفوس أعظم أساتذة الفن ويملك عليهم تفكيرهم، وأن يكون تناولهم لرقعة التصوير الفارغة وتقسيمها تقسيماً يتناسب مع ما يريدون تصويره، أن يكون هذا وذاك محكاً تختبر به قدرتهم ومهارتهم. ومن الموضوعات التي كانت تعرض على طالبي الالتحاق بمجمع هواي دزونج للتصوير موضوع يوضح لنا مقدار توكيد الصينيين للإيحاء غير المباشر وعنايتهم به لا بالتصوير الصريح. ذلك أن المتسابقين
стр. 1261
كان يعرض عليهم أن يشرحوا بالرسم بيتاً من أبيات الشعر هو: "وعاد حافر جواده مثقلاً بعبير ما وطئه من الأزهار". وكان المتسابق الذي أحرز قصب السبق في هذا المضمار فناناً رسم صورة فارس ومن حول كعوب جواده سرب من الفرش.
ولما كان الشكل كل شيء فإن من الممكن أن يكون الموضوع أي شيء. وقلما كان الرجال مركز الصورة أو جوهرها؛ وإذا ما ظهروا فيها كانوا في كل الأحوال تقريباً شيوخاً وكانوا كلهم متقاربين في الشبه. وقلما كان المصور الصيني ينظر إلى العالم بعيني الشاب وإن لم يكن قط واضح التشاؤم في تصويره. ولقد رسم المصورون صوراً لبعض الأفراد ولكنها كلها صور لم تبلغ ما بلغه غيرها من الجودة والإتقان؛ ذلك أن الفنان الصيني لم يكن يعنى بالأفراد، وما من شك في أنه كان يحب الأزهار والحيوانات أكثر مما يحب الرجال، ولذلك أطلق لنفسه العنان في تصويرها؛ فترى هواي - دزونج وهو الذي كانت تأتمر بأمره إمبراطورية متسعة الأرجاء يهب نصف حياته لتصوير الطيور والأزهار. وكانت الأزهار والحيوانات كالأزورد والتنين تتخذ رموزاً غير مقصودة لذاتها في بعض الأحيان؛ لكنها في الأغلب الأعم كانت ترسم لأن سر الحياة وسحرها يتمثلان فيها كاملين كما يتمثلان في الإنسان نفسه، وكان الحصان محبباً للفنانين الصينيين بنوع خاص، ومن أجل هذا ترى فنانين كباراً مثل هان كان لا يكادون يعملون شيئاً غير رسم شكل في أثر شكل لهذا المخلوق الذي هو جسم حي للتخطيط الفني.
ولسنا ننكر أن التصوير في الصين قد لاقى الأمرّين من جراء التقاليد الدينية أولاً ومن القيود التي وضعها العلماء بعدئذ، وأن تقليد الأساتذة القدامى والنسج على منوالهم كانا من العوامل المعوقة في تدريب طلاب الفن، وأن الفنان كان في كثير من الأحوال يقيد بعدد من المسائل لا يسمح له أن يلجأ إلى
стр. 1262
غيرها في تشكيل مادته (١٠٠). وفي وسع القارئ أن يدرك قوة العرف والتقاليد من قول أحد كبار النقاد الفنيين في عهد آل سونج: "لقد كنت في أيام شبابي أثني على الأستاذ الذي أحب صوره؛ فلما أن نضج عقلي أصبحت اثني على نفسي لأني أحببت ما اختاره الأساتذة لي لكي أحبه" (١٠١)، وإنا ليدهشنا ما بقى في هذا الفن من حيوية بالرغم من قيود العرف والقواعد التي وضعت له. وفي وسعنا أن نقول في هؤلاء ما قاله هيوم عن كتاب عهد الاستنارة وهم الذين علا شأنهم رغم الرقابة المفروضة عليهم: "إن القيود التي عانى الفنانون ما عانوه منها قد أرغمتهم هي نفسها على أن يكونوا عظماء ممتازين".
وما من شك في أن الذي أنقذ المصورين الصينيين من وهدة الركود هو إخلاصهم في إحساسهم بالطبيعة. وقد استمدوا هذا الإحساس من مبادئ الدوية، وقوتها في نفوسهم البوذية إذ علمتهم أن الإنسان والطبيعة شيء واحد في مجرى الحياة وتغيرها ووحدتها. وكما أن الشعراء قد وجدوا في الطبيعة ملجأ يهرعون إليه من صخب المدن وكفاحها، وكما أن الفلاسفة كانوا يبحثون فيها عن نماذج للأخلاق وهادياً للحياة، كذلك كان المصورون يطيلون التأمل بجوار المجاري المائية المنعزلة ويوغلون في شعاب الجبال الشجراء، لأنهم يشعرون أن الروح الأعلى الذي لا يعرفون له اسماً قد عبر عن نفسه في هذه الأشياء الصامتة الخالدة تعبيراً أوضح مما عبر عنها في حياة الناس وأفكارهم المضطربة الهائجة (١). ولقد اتخذ الصينيون الطبيعة الشديدة القسوة عليهم، والتي تنفث الموت ببردها وفيضان أنهارها، اتخذوها إلههم الأعلى، ورضوا بذلك في قوة وطمأنينة، ولم يقبلوا أن يقدموا لها القرابين الدينية، بل رضوا بأن تكون فوق هذا معبود فلسفتهم
стр. 1263
وأدبهم وفنهم. وحسبنا شاهداً على قدم عهد الثقافة الصينية وعمقها أن الصينيين قد هاموا بحب الطبيعة قبل أن يهيم بها كلود لورين، وروسو، وورد سورث، وشاتو بريان بألف عام كاملة؛ وأنهم أنشئوا مدرسة من مصوري المناظر الطبيعية أضحت صورها في جميع بلاد الشرق الأقصى أسمى ما عبرت به الإنسانية عن مشاعرها.
стр. 1264
الفصل الخامس
الخزف الصيني
فن الخزف - صنع الخزف - تاريخه القدي م- اللون الأخضر الحائل - الطلاء
بالميناء - براعة هاوشي جيو - تقاسيم الطلاء - عصر كانج شي - عصر تشين لونج
اذا اخذنا نتحدث عن الفن الذي تمتاز به الصين عن سائر الامم، والذي لا يجادل احد في انها هي حاملة لوائه في العالم كله، وجدنا في انفسنا نزعة قوية إلى اعتبار الخزف صناعة من الصناعات. ولما كانت كلمة "الصيني" اذا وردت على لساننا ارتبطت في عقولنا بالمطبخ وادواته. فاننا اذا ذكرنا الفاخورة تمثلنا من فورنا المكان الذي يصنع فيه "الصيني"، وظننا هذا المكان مصنعاً ككل المصانع لا تثير منتجاته في النفس روابط عليا سامية. اما الصينيون فقد كانت صناعة الخزف عندهم فناً من الفنون الكبرى، تبتهج له نفوسهم العملية المولعة مع ذلك بالجمال، يجمع بين النفع وبهاء المنظر.
فلقد امدهم هذا الفن بآنية يستخدمونها في شرابهم القومي الشهير- شراب الشاي- جميلة في ملمسها ومنظرها، وازدانت منازلهم باشكال بلغت كلها من الجمال حدا تستطيع معه افقر الاسر ان تعيش في صحبة نوع من انواع الكمال، لقد كان فن الخزف هو فن النحت عند الصينيين.
ولفظ الفخار يطلق اولاً على الصناعة التي تحيل الطين بعد حرقه إلى ادوات صالحة للاستعمال المنزلي، ويطلق كذلك على الفن الذي يجمل هذه الادوات، وعلى الادوات التي تنتجها هذه الصناعة؛ والخزف هو الفخار المزجج اي انه هو الطين الممزوج بالمعادن والذي اذا عرض للنار ساح واستحال إلى مادة نصف
стр. 1265
شفافة شبيهة بالزجاج (١). وقد صنع الصينيون الخزف من مادتين الكولين- وهو طين ابيض نقي مكون من فتات الفلسبار والحجر الأعبل) الجرانيت (، ومن البي- تن- دزي وهو كوارتز ابيض قابل للانصهار، هو الذي يكسب الأواني الخزفية ما فيها من الشفافية. وتسحق هذه المواد كلها وتخلط بالماء فتتكون منها عجينة تشكل باليد او على عجلة، ثم تعرض لدرجة حرارة مرتفعة تصهر العجينة وتحيلها إلى مادة زجاجية براقة صلبة.
وكان يحدث في بعض الاحيان ألا يقنع الخزاف بهذا النوع الابيض البسيط، فكان يغطي "العجينة" اي الاناء قبل حرقه بطبقة من مسحوق الزجاج، ثم يحرق في اتون. وكان في بعض الاحيان يضع هذه الطبقة الزجاجية على العجينة بعد حرقها قليلاً ثم يعيد حرق الاناء بعدئذ. وكانت الطبقة الزجاجية تلون في اغلب الاحيان، ولكن العجينة كثيراً ما كانت تنقش وتلون قبل ان تضاف اليها المادة الزجاجية الشفافة او تلون الطبقة الزجاجية بعد حرقها ثم تثبت عليها بحرقها مرة ثانية. اما الميناء فقد كانت تصنع من الزجاج الملون يدق ويسحق ثم يحول إلى مادة سائلة يضعها الرسام على الآنية بفرشاته الرفيعة. وكان من الصينيين اخصائيون قضوا حياتهم في التدريب على عملهم؛ تخصص بعضهم في رسم المناظر الطبيعية، وغيرهم في رسم القديسين والحكماء المنقطعين للتأمل والتفكير بين الجبال، او الذين يمتطون ظهور حيوانات غريبة فوق امواج البحار.
وصناعة الفخار عند الصينيين قديمة العهد قدم العصر الحجري، فقد عثر الاستاذ اندرسن على اواني من الفخار في هونان وكانسو "لايمكن ان تكون احدث عهداً من عام ٣٠٠٠ ق. م". وان ما تتصف به تلك المزهريات