← История

История · id 35104

قصة الحضارة

ول ديورانت

Полный текст (15 136 стр.). Показаны 1261–1300 · переход к 1266.

стр. 1261

كان يعرض عليهم أن يشرحوا بالرسم بيتاً من أبيات الشعر هو: "وعاد حافر جواده مثقلاً بعبير ما وطئه من الأزهار". وكان المتسابق الذي أحرز قصب السبق في هذا المضمار فناناً رسم صورة فارس ومن حول كعوب جواده سرب من الفرش. ولما كان الشكل كل شيء فإن من الممكن أن يكون الموضوع أي شيء. وقلما كان الرجال مركز الصورة أو جوهرها؛ وإذا ما ظهروا فيها كانوا في كل الأحوال تقريباً شيوخاً وكانوا كلهم متقاربين في الشبه. وقلما كان المصور الصيني ينظر إلى العالم بعيني الشاب وإن لم يكن قط واضح التشاؤم في تصويره. ولقد رسم المصورون صوراً لبعض الأفراد ولكنها كلها صور لم تبلغ ما بلغه غيرها من الجودة والإتقان؛ ذلك أن الفنان الصيني لم يكن يعنى بالأفراد، وما من شك في أنه كان يحب الأزهار والحيوانات أكثر مما يحب الرجال، ولذلك أطلق لنفسه العنان في تصويرها؛ فترى هواي - دزونج وهو الذي كانت تأتمر بأمره إمبراطورية متسعة الأرجاء يهب نصف حياته لتصوير الطيور والأزهار. وكانت الأزهار والحيوانات كالأزورد والتنين تتخذ رموزاً غير مقصودة لذاتها في بعض الأحيان؛ لكنها في الأغلب الأعم كانت ترسم لأن سر الحياة وسحرها يتمثلان فيها كاملين كما يتمثلان في الإنسان نفسه، وكان الحصان محبباً للفنانين الصينيين بنوع خاص، ومن أجل هذا ترى فنانين كباراً مثل هان كان لا يكادون يعملون شيئاً غير رسم شكل في أثر شكل لهذا المخلوق الذي هو جسم حي للتخطيط الفني. ولسنا ننكر أن التصوير في الصين قد لاقى الأمرّين من جراء التقاليد الدينية أولاً ومن القيود التي وضعها العلماء بعدئذ، وأن تقليد الأساتذة القدامى والنسج على منوالهم كانا من العوامل المعوقة في تدريب طلاب الفن، وأن الفنان كان في كثير من الأحوال يقيد بعدد من المسائل لا يسمح له أن يلجأ إلى

стр. 1262

غيرها في تشكيل مادته (١٠٠). وفي وسع القارئ أن يدرك قوة العرف والتقاليد من قول أحد كبار النقاد الفنيين في عهد آل سونج: "لقد كنت في أيام شبابي أثني على الأستاذ الذي أحب صوره؛ فلما أن نضج عقلي أصبحت اثني على نفسي لأني أحببت ما اختاره الأساتذة لي لكي أحبه" (١٠١)، وإنا ليدهشنا ما بقى في هذا الفن من حيوية بالرغم من قيود العرف والقواعد التي وضعت له. وفي وسعنا أن نقول في هؤلاء ما قاله هيوم عن كتاب عهد الاستنارة وهم الذين علا شأنهم رغم الرقابة المفروضة عليهم: "إن القيود التي عانى الفنانون ما عانوه منها قد أرغمتهم هي نفسها على أن يكونوا عظماء ممتازين". وما من شك في أن الذي أنقذ المصورين الصينيين من وهدة الركود هو إخلاصهم في إحساسهم بالطبيعة. وقد استمدوا هذا الإحساس من مبادئ الدوية، وقوتها في نفوسهم البوذية إذ علمتهم أن الإنسان والطبيعة شيء واحد في مجرى الحياة وتغيرها ووحدتها. وكما أن الشعراء قد وجدوا في الطبيعة ملجأ يهرعون إليه من صخب المدن وكفاحها، وكما أن الفلاسفة كانوا يبحثون فيها عن نماذج للأخلاق وهادياً للحياة، كذلك كان المصورون يطيلون التأمل بجوار المجاري المائية المنعزلة ويوغلون في شعاب الجبال الشجراء، لأنهم يشعرون أن الروح الأعلى الذي لا يعرفون له اسماً قد عبر عن نفسه في هذه الأشياء الصامتة الخالدة تعبيراً أوضح مما عبر عنها في حياة الناس وأفكارهم المضطربة الهائجة (١). ولقد اتخذ الصينيون الطبيعة الشديدة القسوة عليهم، والتي تنفث الموت ببردها وفيضان أنهارها، اتخذوها إلههم الأعلى، ورضوا بذلك في قوة وطمأنينة، ولم يقبلوا أن يقدموا لها القرابين الدينية، بل رضوا بأن تكون فوق هذا معبود فلسفتهم

стр. 1263

وأدبهم وفنهم. وحسبنا شاهداً على قدم عهد الثقافة الصينية وعمقها أن الصينيين قد هاموا بحب الطبيعة قبل أن يهيم بها كلود لورين، وروسو، وورد سورث، وشاتو بريان بألف عام كاملة؛ وأنهم أنشئوا مدرسة من مصوري المناظر الطبيعية أضحت صورها في جميع بلاد الشرق الأقصى أسمى ما عبرت به الإنسانية عن مشاعرها.

стр. 1264

الفصل الخامس الخزف الصيني فن الخزف - صنع الخزف - تاريخه القدي م- اللون الأخضر الحائل - الطلاء بالميناء - براعة هاوشي جيو - تقاسيم الطلاء - عصر كانج شي - عصر تشين لونج اذا اخذنا نتحدث عن الفن الذي تمتاز به الصين عن سائر الامم، والذي لا يجادل احد في انها هي حاملة لوائه في العالم كله، وجدنا في انفسنا نزعة قوية إلى اعتبار الخزف صناعة من الصناعات. ولما كانت كلمة "الصيني" اذا وردت على لساننا ارتبطت في عقولنا بالمطبخ وادواته. فاننا اذا ذكرنا الفاخورة تمثلنا من فورنا المكان الذي يصنع فيه "الصيني"، وظننا هذا المكان مصنعاً ككل المصانع لا تثير منتجاته في النفس روابط عليا سامية. اما الصينيون فقد كانت صناعة الخزف عندهم فناً من الفنون الكبرى، تبتهج له نفوسهم العملية المولعة مع ذلك بالجمال، يجمع بين النفع وبهاء المنظر. فلقد امدهم هذا الفن بآنية يستخدمونها في شرابهم القومي الشهير- شراب الشاي- جميلة في ملمسها ومنظرها، وازدانت منازلهم باشكال بلغت كلها من الجمال حدا تستطيع معه افقر الاسر ان تعيش في صحبة نوع من انواع الكمال، لقد كان فن الخزف هو فن النحت عند الصينيين. ولفظ الفخار يطلق اولاً على الصناعة التي تحيل الطين بعد حرقه إلى ادوات صالحة للاستعمال المنزلي، ويطلق كذلك على الفن الذي يجمل هذه الادوات، وعلى الادوات التي تنتجها هذه الصناعة؛ والخزف هو الفخار المزجج اي انه هو الطين الممزوج بالمعادن والذي اذا عرض للنار ساح واستحال إلى مادة نصف

стр. 1265

شفافة شبيهة بالزجاج (١). وقد صنع الصينيون الخزف من مادتين الكولين- وهو طين ابيض نقي مكون من فتات الفلسبار والحجر الأعبل) الجرانيت (، ومن البي- تن- دزي وهو كوارتز ابيض قابل للانصهار، هو الذي يكسب الأواني الخزفية ما فيها من الشفافية. وتسحق هذه المواد كلها وتخلط بالماء فتتكون منها عجينة تشكل باليد او على عجلة، ثم تعرض لدرجة حرارة مرتفعة تصهر العجينة وتحيلها إلى مادة زجاجية براقة صلبة. وكان يحدث في بعض الاحيان ألا يقنع الخزاف بهذا النوع الابيض البسيط، فكان يغطي "العجينة" اي الاناء قبل حرقه بطبقة من مسحوق الزجاج، ثم يحرق في اتون. وكان في بعض الاحيان يضع هذه الطبقة الزجاجية على العجينة بعد حرقها قليلاً ثم يعيد حرق الاناء بعدئذ. وكانت الطبقة الزجاجية تلون في اغلب الاحيان، ولكن العجينة كثيراً ما كانت تنقش وتلون قبل ان تضاف اليها المادة الزجاجية الشفافة او تلون الطبقة الزجاجية بعد حرقها ثم تثبت عليها بحرقها مرة ثانية. اما الميناء فقد كانت تصنع من الزجاج الملون يدق ويسحق ثم يحول إلى مادة سائلة يضعها الرسام على الآنية بفرشاته الرفيعة. وكان من الصينيين اخصائيون قضوا حياتهم في التدريب على عملهم؛ تخصص بعضهم في رسم المناظر الطبيعية، وغيرهم في رسم القديسين والحكماء المنقطعين للتأمل والتفكير بين الجبال، او الذين يمتطون ظهور حيوانات غريبة فوق امواج البحار. وصناعة الفخار عند الصينيين قديمة العهد قدم العصر الحجري، فقد عثر الاستاذ اندرسن على اواني من الفخار في هونان وكانسو "لايمكن ان تكون احدث عهداً من عام ٣٠٠٠ ق. م". وان ما تتصف به تلك المزهريات

стр. 1266

من جمال فائق في الشكل وفي الصقل ليدل دلالة قاطعة على ان هذه الصناعة قد اصبحت فناً من الفنون الجميلة قبل ذلك العهد بزمن طويل. وبعض القطع التي عثر عليها شبيهة بفخار أنو، وتوحى بأن الحضارة الصينية مأخوذة عن حضارة البلاد الواقعة في غربها. وهناك قطع من الاواني الفخارية الجنازية كشفت في هونان وتعزى إلى عهد اضمحلال اسرة شانج ولكنها احد كثيراً من بقايا العصر الحجري الحديث السالفة الذكر. ولم يعثر المنقبون بعد عذر هذه الاسرة على بقايا من الفخار ذات فنية قبل ايام اسرة هان، ففي عهد هذه الاسرة عثروا على فخار وعثروا فوق ذلك على اول اناء من الزجاج عرف في الشرق الاقصى (١)، وكان انتشار عادة شرب الشاي في عهد اباطرة تانج باعثاً قوياً على تقدم فن الخزف. وقد كشفت العبقرية، او المصادفة المحضة، حوالي القرن التاسع ان من المستطاع صنع اناء مزجج لا منسطحه الخارجي فحسب) كالآنية المصنوعة في عهد اسرة هان وفي حضارات غير حضارة الصين قبل ذلك العهد (، بل زجاجي كله من اوله إلى آخره- اي من خزف حقيقي. وقد كتب احد الرحالة المسلمين المدعو سليمان إلى بني وطنه يقول: "ان في الصين طيناً رقيقاً جميلاً يصنعون منه اواني شفافة كالزجاج يُرى من جدرانها ما في داخلها من الماء". وقد كشفت اعمال التنقيب الحديثة في موضع احدى المدن القديمة عند سر من رأى على نهر دجلة قطعاً من الخزف من صنع الصين. وظهر الخزف بعدئذ في السجلات خارج بلاد الصين حوالي عام ١١٧١ م حين اهدى صلاح الدين إلى سلطان دمشق احدى واربعين قطعة من الخزف (١٠٥).

стр. 1267

وليس ثمة شاهد على ان صناعة الخزف قد بدأت في اوربا عام ١٤٧٠ م، فقد ذكر في ذلك العام على انه فن جميل اخذه البنادقة عن العرب في اثناء الحروب الصليبية. وكان عهد اسرة سونج هو العهد الذي بلغ فيه فن الخزف الصيني ذروة مجده. وخبراء هذا الفن يعزون إلى هذا العهد اقدم ما لدينا من الآنية الصينية واحسنها، بل ان صناع الخزن في عهد اسرة منج، وهم الذين جاءوا بعد هذا العصر ونبغ فيه بعضهم نبوغ فنانيه، حتى هؤلاء كانوا اذا ذكروا خزف اسرة سونج ذكروه بالاجلال والاكبار، وكان جامعوا العاديات الصينية يحتفظون بما يعثرون عليه من خزف هذه الاسرة ويعدونه من الكنوز التي لاتقوم بمال. وأنشئت في القرن السادس الميلادي مصانع عظيمة في جنج ده- جن حيث توجد الرواسب الغنية من المعادن التي تستخدم في صنع الفخار وتلوينه واعترف البلاد الامبراطوري بهذه المصانع رسمياً، وبدأت تغمر الصين بفيض من الصحاف الخزفية والاقداح والجفان والمزهريات والطاسات والاباريق والقنينات والجرار والصناديق ورقع الشطرنج والماثلات (١) والخرائط. وحتى مشاجب القبعات كانت تصنع من الخزف المطلى بالميناء والمرصع بالذهب؛ وظهرت في ذلك الوقت لأول مرة القطع ذات اللون الاخضر اليشبي (٢) المعروفة بالسلادون (٣) والتي اصبحت محاكاتها اهم مايصبو اليه الفخراني في الوقت الحاضر، كما اصبح اقتناؤها أهم ما يصبو إليه جامع التحف (٤). وقد أرسل سلطان مصر في ١٤٨٧ نماذج منها إلى لورنزو ده

стр. 1268

مديشي، وكان الفرس والاتراك يقدرونها لا لنعومة ملمسها وشدة بريقها فحسب، بل لأنها فوق هذا تكشف عن وجود السم، فقد كانوا يعتقدون ان تلك الآنية يتغير لونها اذا وضعت فيها مواد مسمومة. وترى اسر الخبيرين المولعين بهذا الفن يتوارثون هذه القطع جيلا بعد جيل؛ ويحتفظون بها احتفاظ الناس باثمن الكنوز. ولقد ظل الصناع في عهد اسرة منج نحو ثلثمائة عام يبذلون اقصى ما يستطيعون من جهود ليحتفظوا بفن الخزف في المستوى الرفيع الذي بلغه في عهد اسرة سونج، وليس في مقدورنا ان نقول انهم عجزوا عن بلوغ هذه الغاية. وكان في جنج ده- جن خمسمائة اتون لحرق الخزف، وكان البلاط الامبراطوري وحده يستخدم ٩٦٠٠٠ قطعة خزفية لتزيين حدائق القصور وموائدها وحجراتها. وظهرت في ايام هذه الاسرة اول قطع جيدة من الميناء التي حرقت الوانها بعد تزجيجها. واتقن صنع اللون الاصفر الواحد؛ والخزف الازرق والابيض الذي يشبه في رقته قشر البيض، إلى اقصى حدود الاتقان ولايزال القدح الازرق والابيض المطعم بالفضة والمسمى باسم الامبراطور واندلي) اوشن دزونج (يعد من آيات فن الخزف في العالم كله إلى هذه الايام. وكان هاوشي- جي من ابرع صناع الخزف واعظمهم خبرة في ايام واندلي. وكان في مقدوره ان يصنع اقداحاً للنبيذ لايزيد وزن الواحد منها على جزء من ثمانية واربعين جزءاً من الاوقية، ويروى احد المؤرخين الصينيين ان هاوشي- جي زار في يوم من الايام بيت موظف كبير، واستأذنه في ان يفحص عن وعاء من الخزف ذي ثلاث ارجل يمتلكه هذا الكبير ويعد من أثمن ما صنع في عهد أسرة سونج.

стр. 1269

واخذ هاو يلمس الاناء بيديه برقة ولطف، وهو ينقل ما عليه من الرسوم سرا على قطعة من الورق مخبأة في كمه. ثم عاد لزيارة هذا الموظف بعد ستة اشهر من زيارته الاولى، وقال له: "انك يا صاحب السعادة تمتلك مبخرة ذات ثلاث ارجل من الدنج- ياو الابيض (١)، وها هي ذي مبخرة مثلها امتلكها انا". واخذ نانج الموظف الكبير يوازن بين هذه المبخرة ومبخرته، ولكنه لم يستطيع ان يتبين فرقاً ما بينهما. وبلغ من تشابههما ان قاعدة مبخرة الفنان وغطاءها قد واءما مبخرته كل المواءمة. واقرها وهو يبتسم ان مبخرته تقليد لمبخرة العظيم، ثم باعها نانج بستين قطعة من الفضة، وباعها هذا بعدئذ بألف وخمسمائة. وقد بلغت صناعة الخطوط الفاصلة بين الميناء اقصى حد من الاتقان في عهد اسرة منج. ولم يكن منشأ هذا الفن في بلاد الصين بل جاء اليها من بلاد الشرق الادنى في ايام الدولة البيزنطية، وكان الصينيون يسمون مصنوعات هذا الفن في بعض الاحيان جوى جودياو، اي آنية بلاد الشياطين. وهذا الفن يتكون من قطع شرائح من النحاس او الفضة او الذهب، وتثبيتها على حدها فوق خطوط شكل رسم من قبل على جسم معدني، ثم ملء ما بين هذه الفوارق من فراغ بميناء من اللون المطلوب الملائم لها، ثم تعريض الاناء بعدئذ للنار عدة مرات ودلك السطح الصلب بقطعة من حجر الخفاف وصقله بقطعة من فحم الخشب، ثم تزليق اطراف الحواجز المعدنية الظاهرة. واقدم ما عرف من منتجات هذا الفن في الصين مرايا استوردتها نارا في اليابان في منتصف القرن الثامن عشر. واقدم الاواني المحددة التاريخ ترجع إلى اواخر العهد المغولي او إلى ايام اسرة يوان، واحسنها كلها ما صنع في ايام الامبراطور جنج دي

стр. 1270

من أباطرة المنشو العظماء في القرن الثامن عشر الميلادي. ودمرت المصانع التي كانت قائمة في عهد اسرة جنج ده- جين في اثناء الحروب التي قضت على اسرة منج، ولم تعد إلى سابق عهدها إلا بعد ان جلس على العرش امبراطور من اعظم اباطرة الصين استنارة وهو الامبراطور كانج- شي، وكان ملكا اصيلاً جمع كل صفات الملوك كما جمعها معاصره لويس الرابع عشر. وقد امر هذا الملك باعادة بناء مصانع جنج ده- جين، وسرعان ما اوقدت النار في ثلاثة آلاف اخذت تعمل عملها المتواصل، فاخرجت خزفاً جميلاً ظريفاً بلغ من الكثرة درجة لم تر الصين ولاغيرها من البلاد مثيلاً لها من قبل. وكان صناع كانج شي يظنون ان آنيتهم اقل جودة مما صنع في عهد اسرة منج، ولكن الخبيرين باصول الفن في هذه الايام لايوافقونهم على رأيهم، بل يرون ان الاشكال القديمة قد قلدت تقليداً بلغ اقصى درجات الكمال، وان اشكالاً جديدة كثيرة العدد مختلفة الانواع قد ابتكرت وارتقت رقيا عظيماً. وكان في مقدور الفنانين في عهد اباطرة المنشو ان يغطوا عجينة الخزف بطبقة زجاجية تختلف عنها في سرعة انصهارها، فاخرجوا بذلك اواني ذات سطح مسنن؛ ثم كان في مقدورهم ان ينفخوا فقاعات من اللون على السطح الزجاجي فاخرجوا بذلك الصحاف الرفيعة المغطاة بدوائر صغيرة من الالوان. واتقنوا كذلك فن التلوين بلون واحد واخرجوا ظلالاً من اللون الاحمر الخوخي، والمرجاني، والياقوتي، والقرمزي، ودم الثور) الاحمر القاتم (والوردي؛ واخرجوا من اللون الاخضر الخياري، والتفاحي، والطاووسي، والنباتي، والسلادون،) الاخضر الحائل (؛ ومن اللون الازرق "المزران"، والسماوي،، والبنفسجي الفاتح والفيروزجي؛ ومن اللونين الاصفر والابيض ضروباً ملساء مخملية كل ما يستطيع الانسان ان يصفها به انها النعومة ذاتها تُرى رأى العين. وابتدعوا انماطاً مزخرفة يطلق عليها جامعو التحف الفرنسيون الاسر الوردية؛ والخضراء،

стр. 1271

والسوداء، والصفراء (١). وقد اتقنوا ذلك الفن الشاق فن تعدد الالوان بتعريض الاناء في التنور إلى تيارات متعاقبة من الهواء الصافي والمحمل بالسناج- الاول يُدخل فيه الأكسجين، والثاني يمتصه منه- بحيث يتحول الطلاء الزجاجي الاخضر إلى لهب متعدد الالوان. وكانوا يرسمون على بعض آنيتهم صور كبار الموظفين في اثواب فضفاضة ذات ذيول طويلة، فابتدعوا بذلك طراز الآنية المعروفة "بالمندرين") طراز كبار الموظفين (. وكانوا يرسمون ازهار البرقوق باللون الابيض فوق ارضية زرقاء) او سوداء في قليل من الاحيان (، وهم الذين ابتدعوا ما للمزهريات التي في صورة العوسج من رقة ورشاقة. وكان آخر ما مر به الخزف الصيني من عهود المجد في عهد تشين لونج الرخى الطويل. ولم يقل الانتاج في ذلك العهد عما كان عليه في العهود التي تقدمته، كما ان مهارة الصناع الممتازين لم تفقد شيئاً من عظمتها وتفوقها وان لم تحظ بعض الاشكال الجديدة بما كانت تحظى به مبتكرات عهد كانج شي من نجاح. وقد بلغت الاسرة الوردية في هذا العهد اعلى درجات الكمال. فقد انتشرت فيه نصف ازهار الطبيعة وفاكتها فوق ابهى الطبقات الزجاجية، كما كان ذوو الثراء المترفون يستخدمون الخزف الثمين الذي لايزيد سمكه على سمك قشرة البيض غطاء لاضواء المصابيح. ثم شبت نار فتنة تاي- بنج ودامت خمسة عشر عاماً جرت فيها الدماء انهاراً، ودمرت فيها خمس عشرة ولاية من الولايات الصينية، وهدمت ستمائة مدينة، واهلكت عشرين مليوناً من الرجال والنساء واقفرت اسرة المنشو اقفاراً اضطرها إلى ان تحبس معونتها عن مصانع الخزف، فاغلقت هذه المصانع ابوابها؛ وتشتت صناعها في انحاء العالم المضطرب. ولم يفق فن الخزف الصيني حتى الان ما صابه من الدمار في اثناء هذه الفتنة

стр. 1272

الصماء ولعله لن يفيق منها أبداً. ذلك أن عوامل أخرى قد ضاعفت من آثار

стр. 1273

الحرب المخربة ومن امتناع الرعاية الامبراطورية؛ منها ان نمو تجارة الصادرات قد اغرى الفنانين بان يخرجوا قطعاً خزفية توائم ذوق المشترين الاوربيين. واذ كان ذلك الذوق لايبلغ من السمو ما بلغه ذوق اهل الصين فان القطع المنحطة قد طردت القط الثمينة من التداول، كما تطرد العملة الرديئة العملة الطيبة حسب قانون جريشام (١). وما ان حل عام ١٨٤٠ حتى شرع مصنع انجليزي اقيم في مدينة كانتون يخرج انواعاً منحطة من الخزف ويصدرها إلى اوربا ويسميها "الاواني الصينية". ثم قامت مصانع في سيفر بفرنسا، ومايسن في المانيا وبورسلم في انجلترا تحاكي خزف الصينيين، وقللت من نفقات الانتاج باستخدام الآلات، واخذت تستحوذ عاماً بعد عام على تجارة الخزف الصينية الخارجية. وكل ما بقى حتى الان هو ذكرى ذلك الفن الذي خسره العالم خسارة كاملة لاتكاد تقل عن خسارته لزجاج العصور الوسطى الملون. ولقد عجز الخزافون الاوربيون رغم ما بذلوه من محاولات وجهود جبارة عن ان يبلغوا ما بلغه الخزافون الصينيون من الدقة والمهارة. وحسب الفنانين الصينيين فخراً ان الخبراء العالميين يضاعفون في كل عقد من السنين اثمان ما بقى من روائع فن الخزف الصيني، فتراهم يطلبون خمسمائة ريال ثمناً لقدح الشاي، ويبيعون المزهرية التي يفي صورة شجرة العوسج بثلاثة وعشرين ألف ريال، وفي عام ١٧٦٧ وصل ثمن إناءين من الخزف بلون العقيق يعرفان "بكلبي فو" في احد المزادات إلى خمسة اضعاف ما وصل اليه ثمن صورة "الطفل يسوع" لجيدورتي، والى ثلاثة امثال ما وصل اليه ثمن صورة "الاسرة المقدسة" لرفائيل (١١٥). على أن كل من أحس بعينيه وأصابعه، وبكل عصب من اعصاب جسمه، جمال الخزف الصيني يغضب

стр. 1274

بلا ريب من هذا التقدير الضئيل ويعده إهانة للفن الصيني وازدراء به وتدنيساً لقدسيته. ذلك ان دنيا الجمال ودنيا المال لا تلتقيان ابداً حتى في الوقت الذي تباع فيه الاشياء الجميلة. وحسبنا تقديراً للخزف الصيني ان نقول ان هذا الخزف هو ذروة الحضارة الصينية ورمزها، وانه من انبل ما صنعه الجنس البشري ليبرز به وجوده على ظهر الارض.

стр. 1275

الباب السادس والعشرون الشعب والدولة الفصل الأول نبذة تاريخية ١ - ماركو بولو يزور كوبلاي خان رحالة لا يصدَّقون - بندقي في الصين - جمال هانجتشان ورخاؤها - قصور بيجنج - فتح المغول - جنكيز خان - كوبلاي خاي - أخلاقه وسياسته - نساؤه - "ماركو الملايين" في عصر البندقية الذهبي حوالي عام ١٢٩٥ م أقبل على المدينة رجلان طاعنان في السن ومعهما رجل كهل وقد أنهكهم التعب وأضنتهم الأسفار، يحملون متاعهم على ظهورهم ويلبسون أسمالاً بالية، ويعلوهم العثير، ثم طلبوا إلى أهل المدينة أن يأذنوا لهم بدخول موطنهم الذي غادروه كما زعموا منذ ستة وعشرين عاماً، فلما تردد مواطنوهم في الإذن لهم دخلوا المدينة على الرغم منهم. وقال ثلاثتهم إنهم جابوا بحاراً مفعمة بالأخطار، وصعدوا فوق جبال وهضاب شامخة، واجتازوا صحاري ملأى باللصوص وقطاع الطريق، واخترقوا السور العظيم أربع مرات، وأقاموا عشرين عاماً في الخطأ (١)، وخدموا أعظم ملك في العالم كله. وأخذوا يحدثون مواطنيهم عن إمبراطورية أوسع رقعة، ومدن أكثر سكاناً، وحاكماً

стр. 1276

أعظم ثروة، من كل ما عرفته قارة أوربا؛ وعن حجارة تتخذ للتدفئة، وورق يتعامل به الناس بدل الذهب، وعن بندق الواحدة منه أكبر من رأس الإنسان، وعن أمم تقف بكارة الفتيات فيها حجر عثرة في سبيل الزواج، وأمم غيرها يقدم المضيف فيها لضيوفه أزواجه وبناته ليستمتعوا بهنّ وهنّ راضيات (١). ولم يجد هؤلاء القادمون من أهل المدينة من يصدقهم، وأطلقوا على أصغر الثلاثة وأكثرهم ثرثرة لقب "ماركو الملايين" لأن ما كان يرويه لهم من القصص كان مملوءاً بالأعداد الكبيرة العجيبة (٢). ولم يبتئس ماركو وأبوه وعمه من هذا المصير، بل رضوا به مسرورين، لأنهم جاءوا معهم بكثير من الأحجار الكريمة من حاضرة البلاد القاصية، وأتت لهم هذه الأحجار بثروة رفعت منزلتهم في مدينتهم. ولما دارت رحى الحرب بين البندقية وجنوى في عام ١٢٩٨ م عقد لواء إحدى السفن الحربية لماركو، فلما أن استولى الأعداء على هذه السفينة وزج هو في أحد سجون جنوى حيث مكث عاماً كاملاً، أخذ يسلي نفسه بأن يملي على أحد الكتبة أشهر كتاب في الأسفار في آداب العالم؛ وقد قص فيه بأسلوب ساحر جميل خال من التكلف والتعقيد كيف غادر هو وأبوه نيقولو وعمه مافيو مدينة عكا ولما يتجاوز السابعة عشرة من عمره، وكيف تسلقوا جبال لبنان واجتازوا أرض الجزيرة إلى الخليج الفارسي، ثم اخترقوا بلاد فارس وخراسان وبلخ حتى وصلوا إلى هضبة البامير، ثم انضموا إلى بعض القوافل وساروا معها سيراً بطيئاً إلى كاشغر وخوتان، ثم اجتازوا صحراء جوبي إلى تنجوت، ثم اخترقوا السور العظيم إلى شانجتو حيث استقبلهم الخان الأكبر بوصفهم رسلاً أذلاء من الغرب الناشئ (١).

стр. 1277

ولم يكونوا يظنون أنهم سيقيمون في الصين أكثر من عام أو عامين، ولكنهم وجدوا في تلك البلاد من الأعمال المجزية والفرص التجارية المربحة تحت حكم كوبلاي ما حملهم على البقاء فيها ما يقرب من خمسة وعشرين عاماً. وأثري ماركو بنوع خاص وارتقى في مناصب الدولة حتى عين حاكماً على هانجنشاو. ويصفها ماركو في كتابه وصف المعجب بها الحافظ لعهدها، فيقول إنها أرقى من بلاد أوربا بأجمعها في جمال مبانيها وجسورها وفي عدد مستشفياتها العامة ورشاقة دورها ذات الحدائق، وكثرة ما فيها من وسائل المتعة والفساد، وجمال سراريها وسحرهن، وقدرة حكامها على الاحتفاظ بالأمن العام والنظام، ورقة أهلها وحسن أخلاقهن، ويقول إن محيط المدينة يبلغ مائة ميل وإن: طرقاتها وقنواتها عريضة تتسع أولاها لمرور العربات وأخراها لمرور السفن محملة بالبضائع التي يحتاج إليها ساكنوها. والشائع على ألسنة الناس أن عدد ما فيها من الجسور على اختلاف أحجامها يبلغ اثني عشر ألفاً، وأن الجسور الممتدة فوق القنوات الكبرى والمتصلة بالشوارع الرئيسية مقامة على عقود عالية وبمهارة فائقة تستطيع معها السفن أن تمر من تحتها مبسوطة الشراع، كما تستطيع العربات والخيول أن تمر من فوقها لتدرج انحدارها من الشوارع إلى أعالي العقود … وفي داخل المدينة عشرة ميادين رئيسية وأسواق عامة غير ما فيها من الحوانيت التي يخطئها الحصر، والممتدة على جانبي شوارعها … ويبلغ طول كل ضلع من أضلاع هذه الميادين نصف ميل، وأمام الميدان يمتد الشارع الرئيسي ويبلغ عرضه أربعين خطوة، ويسير مستقيماً من أحد طرفي المدينة إلى الطرف الآخر. وتجري في اتجاه مواز إلى اتجاه الشارع الرئيسي … قناة كبيرة أقيمت على شاطئها المجاور للمدينة مخازن واسعة مشيدة من الحجارة يأوي إليها التجار القادمون من الهند وغيرها من الأقطار، ومعهم بضائعهم ومتاعهم. وبهذه الطريقة يسهل عليهم الاتصال بالأسواق العامة. ويجتمع في كل سوق من هذه الأسواق مدة ثلاثة أيام

стр. 1278

في كل أسبوع نحو أربعين أو خمسين ألف شخص … والشوارع كلها مرصوفة بالحجارة والآجر … والشارع الرئيسي في المدينة مرصوف منه على الجانبين مسافة قدرها عشر خطوات، أما ما بينهما فمملوء بالحصباء الصغيرة ومن تحتها مصارف مقبية تجري فيها مياه الأمطار تنقلها إلى القنوات المجاورة بحيث يبقى الشارع جافاً على الدوام. والمركبات لا ينقطع مرورها على هذه الحصباء جيئة وذهاباً. وهي طويلة الشكل مغطاة من أعلاها، ولها ستائر ووسائد من الحرير وتتسع لستة أشخاص، يستأجرها أهل المدينة رجالاً كانوا أو نساء ممن يميلون إلى التنزه والاستمتاع بركوبها … ومن حول الأماكن في جميع الجهات مسارح لصيد الحيوان على اختلاف أنواعه … ولا يبعد البحر عن المدينة أكثر من خمسة عشر ميلاً، وتحمل إليها منه في كل يوم عن طريق النهر كميات كبيرة من السمك … وإذا رأى الإنسان هذا السمك حين يأتي إلى المدينة ظن أول وهلة أنه لن يباع كله فيها، ولكنه لا تمضي على مجيئه إليها إلا ساعات قليلة حتى يباع عن آخره وذلك لكثرة من فيها من السكان … والشوارع المتصلة بالسوق كثيرة العدد وفي الكثير منها حمامات باردة يشرف عليها خدم وخادمات. وقد اعتاد من يتردد عليها من رجال ونساء أن يستحموا فيها بالماء البارد منذ صغرهم لاعتقادهم أن الاستحمام بالماء البارد مفيد لأجسامهم. ولكن هذه الحمامات قد أعدت بجوارها مع ذلك حجرات مجهزة بالماء الساخن ليستحم فيها الغرباء الذين لا يتحملون الماء البارد. ومن عادة الأهلين كلهم أن يغتسلوا في كل يوم وخاصة قبل وجبات الطعام … وخصصت في شوراع أخرى من المدينة أحياء للعاهرات وهن يبلغن من الكثرة حداً لا أجرؤ على ذكره … وهؤلاء النسوة يلبسن الملابس الجميلة، ويتعطرن، ويسكن في بيوت جميلة الأثاث، ويقوم على خدمتهن كثيرات من الخادمات.

стр. 1279

وفي شوارع أخرى يقيم الأطباء والمنجمون … وقد أنشئت على جانبي شارع المدينة الرئيسي بيوت وقصور رحبة … وأهل المدينة كلهم رجالاً كانوا أو نساء بيض الوجوه على جانب كبير من الجمال، يرتدي معظمهم ملابس من الحرير … والنساء ذوات جمال بارع ويُعَوَّدْنَ من صغرهن الرقة والنحافة، وليس في وسع من لم يشهد هؤلاء النسوة أن يتصور ما يتحلين به من حرير وجواهر (٣). وقد أعجب ماركو بولو بمدنية بيجنج (أو كمبلوك كما كانت تسمى وقتئذ) أكثر من إعجابه بهانجتشاو نفسها، فهو إذا ما تحدث عنها عجزت ملايينه عن وصف ثروتها وتعداد عامرها. وكانت ضواحي المدينة الاثنتي عشرة أجمل منها نفسها، ذلك لأن رجال الأعمال قد شادوا في هذه الضواحي كثيراً من البيوت الجميلة (٤). وكان في المدينة نفسها كثير من الفنادق وآلاف المتاجر الثابتة والمتنقلة. وكان الطعام فيها على اختلاف أنواعه موفوراً، وكان يدخلها في كل يوم ألف حمل من الحرير الخام لتصنع منه الملابس لأهلها. وقد كان للخان قصور في هانجتشاو وشانجتو وغيرهما من المدن ولكن أكبر قصوره كان في بيجنج نفسها. وكان يحيط بهذا القصر سور من الرخام ويصعد إليه بدرج من الرخام أيضاً. وكان مبناه الرئيسي كبيراً "يتسع لأن تمد فيه موائد الطعام لجماعات كبيرة من الناس". وقد أعجب ماركو بتنظيم الغرف، وبنوافذها البراقة الدقيقة الشفافة، وبما يغطي سقفها من قرميد مختلف الألوان. ويقول أنه لم ير في حياته مدينة في مثل غناها ولا مَلِكاً في عظمة ملكها (٥). وما من شك في أن الشاب البندقي قد تعلم اللغة الصينية حتى استطاع أن يتحدث بها ويقرأها. ولعله عرف من المؤرخين الرسميين كيف فتح كوبلاي وأسلافه المغول بلاد الصين. وكان سبب غزوات المغول أن ما أصاب الأقاليم الممتدة بإزاء حدود الصين الشمالية الغربية من جفاف قد أحالها صحراء جدباء

стр. 1280

عاجزة عن الوفاء بحاجة أهلها الأقوياء، فاندفع المغول (أي البواسل) إلى شن الغارات المستيئسة لامتلاك بلاد أخصب من بلادهم وأوفر منها أرزاقاً. وكان نجاحهم في غاراتهم سبباً في تقوية روحهم العسكرية ونزعتهم الحربية، فلم يقفوا في فتوحهم إلا بعد أن اكتسحت جحافلهم بلاد آسية كلها إلا القليل منها، وأجزاء من أوربا. وتقول الروايات إن قائدهم الجبار جنكيز خان قد ولد وفي كفه جلطة من الدماء، فلما بلغ الثالثة عشرة من عمره أخذ يؤلف بين قبائل المغول ويجمعها تحت لوائه، واتخذ الإرهاب وسيلة إلى هذا الجمع، فكان يصلب الأسرى على حمير من الخشب، أو يقطعهم إرباً، أو يقلي أجسامهم في القدور، أو يسلخ جلودهم وهم أحياء. ولما تلقى من إمبراطور الصين تنج دزونج رسالة يدعوه فيها للخضوع بصق في اتجاه عرش التنين، وبدأ من فوره حملته مجتازاً ألفاً ومائتين من الأميال في قلب صحراء جوبي، وهجم على ولايات الصين الغربية، ودمر من مدائنها تسعين مدينة سواها بالأرض حتى يستطيع الفرسان أن يسيروا فوق الأراضي المخربة في الظلام دون أن تعثر خيولهم. وظل "عاهل العالم" خمس سنين كاملة يخرب في بلاد الصين الشمالية. ثم أزعجه اقتران كوكبين من الكواكب رأى في اقترانهما نذير شؤم، فقفل راجعاً إلى قريته، ولكنه مرض ومات في الطريق. وواصل خلفاؤه أو جوداي، ومانجو، وكوبلاي حملاته بقوة همجية؛ وكان الصينيون قد أهملوا فنون الحرب ووجهوا همهم كله مدة قرون عدة إلى الثقافة، فلم يثبتوا أمام الغزاة بل خروا صرعى يجللهم العار القومي والبطولة الفردية، وثبت أحد حكام الصين في جويتنج - فو وصمد للحصار حتى قتل المحاصرون كل من كان في المدينة من الشيوخ والعاجزين وأكلوا لحومهم، وهلك جميع القادرين على القتال ولم يبق لحراسة الأسوار إلا النساء، ثم أشعل النار في المدينة واحترق هو نفسه في قصره. واجتاحت جيوش كوبلاي بلاد الصين حتى وقفت أمام

стр. 1281

كنتون آخر ملجأ لجأت إليه أسرة سونج الحاكمة. فلما عجزت الجيوش الصينية عن المقاومة حمل لوشي يوفو القائد الصيني الإمبراطور الغلام على ظهره وألقى به وبنفسه في البحر فماتا معاً. ويقال إن مائة ألف من الصينيين آثروا الموت غرقاً على التسليم للفاتح المغولي. وأمر كوبلاي أن يحتفل بجنازة الإمبراطور احتفالاً رسمياً كبيراً، وشرع يؤسس الأسرة اليوانية "الأصيلة" وهي الأسرة المغولية التي حكمت الصين أقل من مائة عام. ولم يكن كوبلاي نفسه بربرياً همجياً. وليس أهم ما يستثنى من هذا الوصف هو سياسته الغادرة لأن الغدر كان من الأخلاق الشائعة في تلك الأيام، بل أهم ما يستثنى منه هو ما عامل به ون تيان - شيانج، وهو عالم وطني أبى أن يعترف بحكومة كوبلاي وفاء منه لأسرة سونج. فألقاه كوبلاي في السجن ومكث فيه ثلاث سنين ولكنه أبى أن يخضع وكتب في سجنه تلك القطعة التي تعد من أشهر ما كتب في الأدب الصيني كله: إن سجني لا يضيئه إلا الصيهد ولا تدخله نسمة من نسمات الربيع لتؤنسني في وحدتي وتخفف بعض ظلمته … وكثيراً ما فكرت في أن أقضي على نفسي من فرط ما أثر في من الضباب والندى، ولكن الموت ظل عامين كاملين يحوم حولي ولا يقضي عليَّ؛ وأضحت الأرض الرطبة المضرة بالصحة جنة الفردوس نفسها. ذلك بأنه كان يستقر بين جوانحي ما لا تستطيع النائبات أن تغتصبه مني، ولهذا بقيت مطمئن القلب ثابت الجنان أتطلع إلي السحب البيضاء فوق رأسي وأطوي قلبي على آلام لا حد لها كما لا حد للسماء. واستدعاه كوبلاي آخر الأمر إلى المثول بين يديه وسأله الملك قائلاً: "أي شيء تريد؟ " فأجابه ون بقوله: "لقد عطف عليَّ إمبراطور سونج فجعلني وزيراً لجلالته، وليس في وسعي أن أخدم سيدين، وكل ما أطلبه أن أموت! ". وأجابه كوبلاي إلى ما طلب؛ وبينما كان ون ينتظر أن يهوي سيف الجلاد على

стр. 1282

عنقه انحنى في خضوع واحترام نحو الجنوب كأن الإمبراطور من آل سونج لا يزال يحكم في نانكنج العاصمة الجنوبية (٧). ومع هذا فقد أوتي كوبلاي من الحكمة ما جعله يعترف بتفوق الصينيين على المغول في ميدان الحضارة، ويعمل من أجل هذا على مزج عاداتهم بعادات أهل بلاده. وكان لابد له أن يلغي نظام تقلد المناصب العامة بالامتحان، وذلك لأنه لو أتبع هذا النظام لكان جميع الموظفين في حكومته من الصينيين، ثم قصر معظم الوظائف الكبرى على أتباعه من المغول وحاول وقتاً ما أن يدخل إلى البلاد الحروف الهجائية المغولية، ولكنه قَبِل هو وأتباعه في معظم شئونهم حضارة الصين، وما لبثوا أن استحالوا بفضل هذه الحضارة أمة صينية. ومما يذكر له أن أباح ما كان في الصين من ديانات وشجع دخول الديانة المسيحية في البلاد لأنه رأى فيها أداة صالحة لتهدئتها وبسط سلطانه عليها. وأعاد فتح القناة العظمى بين تينتسين وهنجتشاو، وأصلح الطرق الكبرى وأنشأ نظاماً سريعاً للبريد في أقاليم أوسع رقعة من البلاد التي خضعت لحكومة الصين مذ جلس على عرشها، وأقام في البلاد أهراء عامة عظيمة ليخزن فيها ما يفيض عن حاجة البلاد من المحصولات الزراعية ليوزعها على الأهلين في أيام القحط، وألغى الضرائب عن جميع الزراع الذين أضر بمزروعاتهم الجفاف والعواصف والحشرات (١)، وأوجد نظاماً تعين الدولة بمقتضاه الشيوخ من العلماء والأيتام والعجزة، وكان سخياً في تشجيع التعليم والآداب والفنون وبسط رعايته عليها. وقد عدل التقويم في أيامه، وافتتح المجمع العلمي الإمبراطوري (٩)، وشاد عاصمة جديدة للبلاد في بيكين كانت لروعتها وكثرة

стр. 1283

عامرها موضع إعجاب من يزورها من الغرباء، وشيدت القصور وازدهرت العمارة ازدهاراً لم تر الصين له مثيلاً من قبل. ويقول ماركو بولو: "وقد كان بولو حاضراً في البلاد حيث كان هذا كله يحدث فيها" (١٠) واتصل الشاب بالخان وتقرب إليه واستطاع بذلك أن يصف لنا ضروب تسليته وصفاً مفصلاً ينم عن إعجابه الشديد به؛ ويقول إن كان للخان فضلاً عن زوجاته الأربع اللاتي يسمين بالإمبراطورات عدد كبير من السراري جيء بهن من أنجوت في بلاد التتار لأن الإمبراطور كان يعجب بجمال نساء تلك البلاد. ويضيف ماركو إلى هذا قوله إن عدداً من الموظفين المشهود لهم بحسن الذوق كانوا يرسلون إلى هذا الإقليم ليجندوا لخدمة جلالة الإمبراطور مائة من الفتيات حسب الأوصاف التي كان هو نفسه يعنى بوصفها أشد العناية. فإذا ما مثلن أمامه، أمر أن تختبرهن اختباراً جديداً طائفة أخرى من الباحثين وأن يختار من بينهن ثلاثون أو أربعون فتاة يستبقين في قصره … ثم يعهد بكل واحدة منهن إلى إحدى كبار السيدات في القصر لتتأكد من أنها ليس فيها شيء من العيوب التي تخفى عن الأعين وأنها تنام نوماً هادئاً، ولا تغط في أثناء نومها، ولا تنبعث رائحة كريهة من أي جزء من أجزاء جسمها. فإذا ما نجحن في هذا الاختبار الدقيق قسمن جماعات كل منها مؤلفة من خمس تقيم كل منها في حجرة جلالته الداخلية ثلاثة أيام وثلاث ليال يؤدين في خلالها كل ما يطلب إليهن من خدمات ويفعل بهن ما يشاء. فإذا ما انقضت هذه الفترة حلت محل تلك الجماعة جماعة أخرى وهكذا دواليك حتى تأخذ كل جماعة دورها ثم تعود الجماعة الأولى إلى الخدمة من جديد (١١). وبعد أن أقام ماركو بولو هو وأبوه وعمه عشرين سنة في بلاد الصين أغتنم ثلاثتهم فرصة قيامهم بمهمة إلى الفرس، أوفدهم بها الخان، فعادوا إلى بلادهم بأقل

стр. 1284

النفقات وأقل ما يمكن أن يتعرضوا له من الأخطار. وبعث معهم كوبلاي برسالة إلى البابا، وحباهم بجميع ما كان معروفاً في ذلك الوقت من التسهيلات للمسافرين، وقضوا في طوافهم بحراً حول جزيرة الملايو إلى الهند وفارس وفي رحلتهم البرية إلى طربزون على البحر الأسود وأخيرا في رحلتهم البحرية إلى البندقية ثلاث سنين. ولما وصلوا إلى أوربا عرفوا أن الخان والبابا قد توفيا (١). وعمر ماركو طويلاً فلم يستسلم للموت حتى بلغ السبعين من عمره. فلما حضرته الوفاة طلب إليه أصدقائه أن ينجي نفسه من العذاب في الدار الآخرة بمحو ما ورد في كتابه من العبارات الواضحة البطلان ولكنه أفحمهم برده عليهم: "أني لم أذكر في كتابي نصف ما شاهدته". ولم يمض على وفاته إلا وقت قصير حتى أصبح من العادات المألوفة في حفلات البندقية الساخرة أن يرتدي شخص ثياب المهرجين ليسر الناس في تلك الاحتفالات بما ينطق به من المبالغات غير المعقولة؛ وكان يطلق على هذا المهرج الماجن اسم "ماركو الملايين". ٢ - أسرتا منج وجنج سقوط المغول - أسرة منج - غزو المنشو - أسرة جنج - ملك مستنير - شين لونج يأبى قبول الأفكار الغريبة ولم تعرف الصين بعدئذ مثل هذا العهد الزاهر إلا بعد أربعة قرون، فسرعان ما دب الاضمحلال في أسرة يوان متأثرة بانهيار سلطان المغول في أوربا وغرب آسية وفي ذوبان المغول في جسم الشعب الصيني نفسه، إذا جاز أن نلجأ إلى هذه العبارة السهلة المتحذلقة لنعلل بها هذه الظاهرة التي تتكرر في جميع الأوقات. وهناك أسباب أخرى لا تقل عن هذين السببين قوة وخطراً؛ ذلك أن إمبراطورية

стр. 1285

كالصين متسعة الرقعة قليلة التماسك من الناحية الطبيعية تفصلها الجبال والصحراوات والبحار لا يمكن أن تخضع إلى ما شاء الله لحكومة واحدة. وقد كان المغول رجال حرب خيراً منهم رجال حكم وإدارة، ولذلك اضطر خلفاء كوبلاي خان أن يعودوا إلى نظام الامتحان وإلى الانتفاع بكفاية الصين الإدارية، ولم يحدث الفتح المغولي أثراً يذكر في عادات الصينيين وأفكارهم إلا ما عسى أن يكون قد أدخله في الأدب الصيني من الروايات والمسرحيات. وتزوج الصينيون مرة أخرى من فاتحيهم ومدنوهم وغلبوهم على أمرهم، حتى إذا كان عام ١٣٦٨ م تزعم أحد الكهنة البوذيين السابقين ثورة على هؤلاء الفاتحين ودخل بيكين منتصراً وأعلن نفسه أول إمبراطور من أسرة السنج (أي المتألقين). وجلس على العرش في الجيل التالي ملك قدير من ملوك هذه الأسرة، واستمتعت الصين في عهد يونج لو مرة أخرى بعهد جديد من عهود الرخاء، وعادت إلى تشجيع الفنون، بيد أن عهد الأسرة "المتألقة" انتهى مع ذلك بفترة من الفوضى والاضطراب والغزو الخارجي: وبينما كانت البلاد منقسمة إلى أحزاب متنافرة متعادية اجتاحتها جحافل جديدة من الغزاة الفاتحين واقتحمت السور العظيم وحاصرت بيكين. تلك هي جحافل المنشو. وكان المنشو شعبا تنجوسياً ظل قروناً كثيرة يعيش في البلاد التي تعرف الآن باسم منشو كو (أي مملكة المنشو)، ومدوا فتوحهم في أول الأمر نحو الشمال حتى وصلوا إلى نهر عامور، ثم اتجهوا نحو الجنوب وهجموا على عاصمة الصينيين. وجمع آخر أباطرة المنج أسرته حوله وشرب نخبهم، وأمر زوجته أن تنتحر (١)، ثم شنق نفسه بمنطقته بعد أن كتب آخر أوامره على طية ثوبه: "نحن الفقراء في الفضيلة، ذوي الشخصية الحقيرة، قد استحققنا غضب الله العلي القدير.

стр. 1286

"لقد غرر بي وزرائي، وإني لأستحي أن ألقى في الآخرة آبائي وأجدادي، ولهذا فإني أخلع بيدي تاجي عن رأسي، وأنتظر وشعري يغطي وجهي أن يقطع الثوار أشلائي، لا تؤذوا أحداً من أبناء شعبي" (١٥). ودفنه المنشو باحتفال يليق بكرامته وأسسوا أسرة الشنج (الطاهرة) التي حكمت الصين حتى عهدنا الثوري الحاضر. وسرعان ما أصبحوا هم أيضا صينيين واستمتعت البلاد تحت حكم كانج شي بعهد من الرخاء والسلم والاستنارة لم تعرف له مثيلاً في تاريخها كله. جلس هذا الإمبراطور على العرش وهو في السابعة من عمره، فلما بلغ الثالثة عشرة أمسك بيده زمام الأمور في إمبراطورية لم تكن تشمل وقتئذ بلاد الصين وحدها بل كانت تشمل معها بلاد المغول ومنشوريا وكوريا والهند الصينية وأنام والتبت والتركستان. وما من شك في أنها كانت أكبر إمبراطوريات ذلك العهد وأكثرها ثروة وسكاناً. وحكمها كانج شي بحكمة وعدل حسدها عليهما معاصراه أورنجزيب ولويس الرابع عشر. وكان الإمبراطور نفسه رجلاً نشيطاً قوي الجسم والعقل، ينشد الصحة في الحياة العنيفة خارج القصور ويعمل في الوقت نفسه على أن يلم بعلوم تلك الأيام وفنونها. وكان يطوف في أنحاء مملكته ويصلح ما فيها من العلوم حيثما وجدها، ومن أعماله أنه عدل قانونها الجنائي. وكان يعيش عيشة بسيطة ليس فيها شيء من الإسراف أو الترف، ويقتصد في نفقات الدولة الإدارية ويفخر بالعمل على رفاهية شعبه (١٦). وازدهرت الآداب والعلوم في أيامه بفضل تشجيعه إياها ومناصرتها؛ وعاد فن الخزف إلى أعلى ما وصل إليه في أيام مجده السابقة. وكان متسامحاً في الأمور الدينية فأجاز كل العبادات ودرس اللغة اللاتينية على القساوسة اليسوعيين، وصبر على الأساليب الغربية التي كان يتبعها التجار الأوربيون في ثغور بلاده. ولما مات بعد حكمه الطويل الموفق (١٦٦١ - ١٧٢٢) كان آخر ما نطق به هو هذه الألفاظ: "إني

стр. 1287

لأخشى أن تتعرض الصين في مئات أو آلاف السنين المقبلة إلى خطر الاصطدام مع مختلف الأمم الغربية التي تفد إلى هذه البلاد من وراء البحار" (١٧). وبرزت هذه المشاكل الناشئة من ازدياد التبادل التجاري والاتصال بين الصين وأوربا مرة أخرى في عهد إمبراطور آخر قدير من أسرة المنشو هو شين لونج. وكان هذا الإمبراطور شاعراً أنشأ ٠٠٠ ر ٣٤ قصيدة إحداها في "الشاي" وصلت إلى مسامع فلتير فأرسل "تحياته إلى ملك الصين الفاتن" (١٨)، وصوره المصورون الفرنسيون وكتبوا تحت صورته باللغة الفرنسية أبياتاً من الشعر لا توفيه حقه من الثناء يقولون فيها: "إنه يعمل جاهداً دون أن يخلد إلى الراحة للقيام بأعمال حكومته المختلفة التي يعجب الناس بها. وهذا الملك أعظم ملوك العالم وهو أيضاً أعلم الناس في إمبراطوريته بفنون الأدب". وحكم الصين جيلين كاملين (١٧٣٧ - ١٧٩٦ م)، ونزل عن الملك لما بلغ الثامنة والخمسين، ولكنه ظل يشرف على حكومة البلاد حتى توفي (١٧٩٩ م). وحدثت في آخر سني حكمه حادثة كان من شأنها أن تذكر المفكرين من الصينيين بما أنذرهم به كانج- شي، فقد أرسلت إنجلترا بعد أن أثارت غضب الإمبراطور باستيراد الأفيون إلى بلاد الصين بعثة برياسة لورد مكارنتي لتفاوض شين لونج في عقد معاهدة تجارية بين البلدين. وأخذ المبعوثون الإنجليز يشرحون للإمبراطور المزايا التي تعود عليه من تبادل التجارة مع إنكلترا وأضافوا إلى أقوالهم أن المعاهدة التي يريدون عقدها سيفترض فيها مساواة ملك بريطانيا بإمبراطور الصين. فما كان من شين لونج إلا أن أملى هذا الجواب ليرسل إلى جورج الثالث: "إن الأشياء العجيبة البديعة لا قيمة لها في نظري؛ وليس لمصنوعات بلادكم فائدة لدي. هذا إذن هو ردي على ما تطلبون إليَّ من تعيين ممثل لكم في بلاطي

стр. 1288

وهو طلب يتعارض مع عادات أسرتي ولا يعود عليكم إلا بالمتاعب. لقد شرحت لك آرائي مفصلة وأمرت مبعوثيك أن يغادروا البلاد في سلام عائدين إلى بلادهم، وخليق بك أيها الملك أن تحترم شعوري هذا، وأن تكون في المستقبل أكثر إخلاصاً وولاء مما كنت في الماضي، حتى يكون خضوعك الدائم لعرشي من أسباب استمتاع بلادك بالسلم والرخاء في مستقبل الأيام" (١٩). بهذه العبارات القوية الفخورة حاولت الصين أن تدرأ عنها شر الانقلاب الصناعي. ولكننا سنعرف في الفصول التالية كيف غزت الثورة الصناعية البلاد رغم هذا الاحتياط. ولندرس الآن قبل الكلام عن هذه الثورة العناصر الاقتصادية والسياسية والخلقية التي تتألف منها تلك الحضارة الفذة المستنيرة الجديرة بالدرس، والتي يبدو أن الثورة الصناعية ستقضي عليها القضاء الأخير.

стр. 1289

الفصل الثاني الصينيون ولغتهم (١) تعداد السكان - مظهرهم الخارجي - ملبسهم - خصائص اللغة الصينية - خصائص الكتابة الصينية إن أول عنصر من عناصر الصورة التي سنرسمها في هذا الفصل هو عنصر العدد؛ فالصينيون كثيرون، وليس عددهم معروفاً بالضبط، وكل ما يقال عنه من قبيل الحدس والتخمين. ويظن بعض العلماء أن سكان الصين في عام ٢٨٠ ق. م كانوا يبلغون حوالي ٠٠٠ ر ٠٠٠ ر ١٤ وأنهم وصلوا في عام ٢٠٠ ق. م إلى ٠٠٠ ر ٠٠٠ ر ٢٨ وفي عام ٧٢٦ ق. م إلى ٠٠٠ ر ٥٠٠ ر ٤١ وفي عام ١٦٤٤ بعد الميلاد إلى ٠٠٠ ر ٠٠٠ ر ٨٩ وفي عام ١٧٤٣ إلى ٠٠٠ ر ٠٠٠ ر ١٥٠ وفي عام ١٩١٩ إلى ٠٠٠ ر ٠٠٠ ر ٣٣٠ (٢٠). ويقول أحد الرحالة الأوربيين إنه أحصى في الصين في القرن الرابع عشر "مائتي مدينة كل واحدة منها أكبر من مدينة البندقية" (٢١). وإحصاء السكان في الصين يحدث تنفيذاً لقانون يحتم على كل صاحب بيت أن ينقش اسم كل ساكن فيه على لوحة عند مدخله (٢٢). ولسنا نعلم بطبيعة الحال مدى صحة هذه اللوحات، ولا مدى صحة التقريرات التي يقال إنها توضع على أساسها، وحسبنا أن نقول إن سكان الصين يبلغون الآن حوالي أربعمائة مليون من الأنفس. ويختلف الصينيون في أجسامهم، فهم في الجنوب أقصر قامة وأضعف أجساماً منهم في الشمال، غير أنهم بوجه عام أنشط أهل قارة آسية وأكثرهم حيوية، ذوو بأس وصبر على الشدائد والآلام، شديدو المقاومة للأمراض، سريعو التأقلم في كل مناخ؛

стр. 1290

وقد استطاعوا بفضل هذه الصفة أن يعيشوا ويثروا في مناطق العالم كلها تقريباً. ولم يقو الأفيون ولا الزهري ولا عدم الزواج بغيرهم من الشعوب على إضعاف صحتهم؛ وإذا كان نظامهم الاجتماعي قد انهار في الأيام الأخيرة فإن هذا الانهيار لم يكن نتيجة ضعف ظاهر في قواهم الجسمية أو العقلية. ووجه الصيني ينم عن أنه أذكى خلق الله طراً، وإن لم يكن هذا الوجه على الدوام جميلاً جذاباً. نعم إن بعض الطبقات المعدمة تبدو في أعين الغربيين بشعة شديدة القبح، وإن لبعض المجرمين منهم نظرات خبيثة ما أجدر أصحابها بأن يكونوا ممثلين هزليين في دور الخيالة، ولكن كثرتهم العظمى ذات ملامح منتظمة متناسبة هادئة زادها هدوءاً عاملان أحدهما جثماني وهو انخفاض الجفون وثانيهما اجتماعي وهو ما نعموا به من الحضارة التي دامت عدة قرون. وليس انحراف العينين كبيراً واضحاً إلى الحد الذي يتصوره المرء مما يقال أو يكتب عنهم، وكثيراً ما تؤثر الشمس في بشرتهم الصفراء فتخلع عليها لوناً أسمر جميلاً. ونساء الزراع منهم لا يكدن ينقصن عن الرجال قوة في الأجسام، كما أن نساء الطبقات العليا رقيقات الحاشية جميلات يبيضن وجوههن بالمساحيق، ويحمرن شفاههن وخدودهن، ويسودن حواجبهن ويزججنها حتى تكون أشبه بورقة الصفصاف أو الهلال (٢٣). وشعر الرأس خشن قوي عند الرجال والنساء، خال من التجاعيد يعقصه النساء ويزينه عادة بالأزهار. ولقد أراد الرجال في عهد آخر الأسر الحاكمة أن يسروا حكامهم فاتبعوا عادة المنشو وهي حلق شعر نصف الرأس الأعلى. ثم أرادوا أن يعوضوا هذا النقص فتركوا شعر النصف الخلفي وجمعوه في غديرة طويلة أصبحت على مر الزمن أداة لتقويم المخطئ ومظهراً من مظاهر الكبرياء (٢٤). ولحاهم لا تطول، وكانوا يحلقونها على الدوام، وقلما كان الواحد منهم يحلق لحيته بيده، فقد كان من عادة الحلاقين أن يطوفوا بالناس ومعهم أدواتهم، وكانوا طائفة موفورة الكسب.

стр. 1291

وكانوا عادة يتركون رؤوسهم عارية؛ فإذا غطى الرجال رؤوسهم اتخذوا لهم في الشتاء قلانس من المخمل أو الفراء ذوات حافات منثنية إلى أعلى، وفي الصيف قلانس مخروطية الشكل مصنوعة من خيوط الخيزران تعلو الواحدة منها إذا كان صاحبها ذا شأن كرة ملونة وشريط حريري. أما النساء فكن يضعن على رءوسهن، إذا مكنتهن من ذلك مواردهن، أشرطة من نسيج الحرير أو القطن مزينة بالبهرجان والحلي أو الأزهار الصناعية، وكانت الأحذية تتخذ عادة من الأقمشة المدفئة، ولما كانت أرض المنازل تصنع في كثير من الأحيان من القرميد البارد أو الطين فإن الصيني كان يحمل معه أينما سار طنفسة صغيرة يضعها تحت قدميه. وقد نبتت في بلاط الإمبراطور لي هو- جو (حوالي ٩٧٠ ب. م) عادة ربط أقدام البنات وهن في سن السابعة بأربطة ضيقة لكي تبقى صغيرة فتمشي السيدة الكبيرة تخطو خطواً يعجب به الرجال. وكان يعد من سوء الأدب أن يتحدث الناس عن قدم السيدة كما كان يعد من الإهانة الفاضحة أن ينظر الرجل إلى هذه القدم؛ بل إن الكلمة الصينية التي معناها القدم كان يحرم ذكرها في حضرة السيدات (٢٥). وانتشرت هذه العادة بين جميع الطبقات والجماعات عدا المنشو والتتار وأصبحت من العادات الثابتة الجامدة، حتى لقد كان الكذب في حجم قدم العروس كافياً لإلغاء عقد الزواج (٢٦). وحاول كانج شي أن يبطل هذه العادة ولكنه أخفق وظلت حتى أبطلتها الثورة فكان إبطالها أثراً من آثارها الصالحة. وكانت ملابس الرجال هي السراويل والجلابيب، ويكاد لونها أن يكون على الدوام هو اللون الأزرق. وفي الشتاء كان السروال يغطى بالطماق ويضاعف عدد القمصان حتى يبلغ الثلاثة عشر في بعض الأحيان، وكانت كلها تبقى على الجسم ليلاً ونهاراً طوال فصل الشتاء، فإذا أقبل الربيع خلعت تدريجاً واحدة بعد واحدة (٢٧). وكان المئزر مختلف الطول فكان يصل حيناً إلى الحقوين وحيناً إلى

стр. 1292

الركبتين وتارة إلى القدمين، وكان يزرر إلى العنق، وكان له كُمّان كبيران يغنيان عن الجيوب، والصينيون لا يقولون إن الرجل وضع شيئاً ما في "جيبه" بل يقولون إنه وضعه في "كمه". أما القمصان والملابس الداخلية فلسنا نخطئ كثيراً إذا قلنا إنها كانت غير معروفة. وكانت النساء في الريف يلبسن سراويل كسراويل الرجال لأنهن قد اعتدن أن يعملن أعمال الرجال وأكثر من أعمال الرجال. أما في المدن فكن يلبسن فوق السراويل نقباً (١). وكان الحرير كثيراً في المدن يستوي في ذلك هو والقطن. ولم تكن للنساء مناطق تضغط على خصرهن أو مشدات تمسك ثديهن، وبذلك كانت ملابس الصينيين بوجه عام أكثر انطباقاً على مقتضيات العقل وأكثر ملاءمة لصحة الجسم وراحته من ملابس الغربيين في هذه الأيام. ولم يكن لأنماط الملابس سلطان قوي على المرأة الصينية كما لم تكن الملابس وسيلة لتباين الطبقات ورفع بعضها فوق بعض. ذلك لأن أهل المدن مهما اختلفت أقدارهم كانوا لا يختلفون في ملابسهم، كما أن هذه الملابس لا تكاد تختلف في الأجيال المختلفة. نعم قد يختلف القماش الذي يصنع منه الثوب، أما شكله فقد كان واحداً على الدوام، ولم تكن طبقة من الطبقات تشك في أن نمطاً من الأنماط سيبقى إلى أن يبلى الثوب. ولغة الصينيين تختلف عن سائر لغات العالم أكثر مما تختلف ملابسهم عن ملابس سائر الناس. ذلك أنها ليست لها حروف ولا هجاء ولا نحو ولا تنقسم إلى أسماء وأفعال وحروف، وإنا لنعجب كيف استطاعت هذه الأمة وهي أقدم أمم الأرض وأكثرها عدداً أن تعيش من غير هذه البلايا التي أبتلي بها شبان الأمم الغربية. ومن يدري فلربما كان لهذه اللغة في الأيام الخالية المنسية اشتقاق ونحو وصرف وإعراب وتثنية وجمع وأفعال ماضية وحاضرة ومستقبلة، ولكننا لا نجد

стр. 1293

أثراً لشيء من هذا في أقدم ما عرفنا من عهود هذه اللغة، فكل كلمة فيها قد تكون اسما أو فعلاً أو صفة أو ظرفاً بحسب سياقها وطريقة النطق بها. ولما كانت اللهجات الكلامية لا تحتوي على أكثر من ثلاثمائة أو أربعمائة لفظ صوتي ذي مقطع واحد، ولما كانت هذه المقاطع هي التي تستعمل للتعبير عن الأربعين ألف حرف المستخدمة في اللغة الكتابية فإن لكل واحد من الألفاظ الصوتية "نغمات" تختلف من أربع إلى تسع بحيث يختلف معناه باختلاف طريقة التغني به. وتوضح حركات الجسم وسياق الكلام هذه النغمات، وتجعل كل صوت يؤدي أغراضاً متعددة، فحرف الباء وحده مثلاً قد يؤدي تسعة وستين معنى كما أن اللفظ شي تسعة وخمسين، وللفظ كو تسعة وعشرين (٣٠). ولسنا نعرف لغة من اللغات قد بلغت ما بلغته اللغة الصينية من التعقيد والدقة والاختصار. وكانت لغة الكتابة أكثر اختلافاً عن سائر لغات العالم من لغة الكلام. تشهد بذلك الأدوات التي استخرجت من هونان والتي يرجعها المؤرخون إلى عهد أسرة شانج وإن لم يكونوا واثقين من ذلك كل الثقة، فقد وجدوا على هذه الأدوات كتابة برموز لا تختلف كثيراً عن الرموز المستعملة في هذا الجيل. ولهذا فإننا إذا استثنينا عدداً قليلاً من الأقباط الذين يتكلمون اللغة المصرية القديمة (١) فإن اللغة الصينية هي أقدم اللغات التي ينطق بها الناس في هذه الأيام وأوسعها انتشاراً. وكان الصينيون في بادئ الأمر يعقدون عقداً في خيوط لينقلوا بها رسائلهم، وأكبر الظن أن حاجة الكهنة إلى نقل الطلاسم السحرية وحاجة الفخرانيين إلى تمييز آنيتهم بعضها من بعض هي التي أدت إلى الرموز المصوِّرة (٣٢).

стр. 1294

وكانت هذه الرموز المصورة البدائية منشأ العلامات الستمائة وهي الرموز الأساسية في الكتابة الصينية؛ وقد سمي نحو مائتين وأربعة عشر رمزاً منها "أصولاً" لأنها عناصر أساسية. وجميع حروف اللغة الدارجة، والحروف المستعملة في الوقت الحاضر، رموز معقدة غاية التعقيد أثقل فيها العنصر التصويري البدائي بزيادات كثيرة يقصد بها تحديد معنى اللفظ تحديداً واضحاً، ويكون ذلك في العادة ببيان ما يطرأ من تغيير على نغمته. ولم يكتف الصينيون بأن يجعلوا لكل كلمة ينطقون بها علامة بل أنهم يجعلون لكل فكرة أيضاً علامة خاصة، فهذه علامة يرمز بها للحصان وهذه علامة أخرى يرمز بها "للحصان الأحمر الأسود ذي البطن الأبيض" (١) كما يرمز برمز آخر للحصان ذي البقعة البيضاء على جبهته (٢). ولا تزال بعض هذه الرموز بسيطة بساطة نسبية، فالقوس فوق خط مستقيم (أي الشمس فوق الأفق) معناهما "الصباح". والشمس والقمر مجتمعين يمثلان "الضوء"؛ والفم والطائر معاً معناهما "الغناء"، والمرأة تحت سقف معناها "السلام"؛ والمرأة والفم والعلامة الدالة على "الالتواء" يتكون منها الرمز الذي منه "خَطِر"؛ والرجل والمرأة مجتمعين يعنيان "شرشرة"؛ والنزاع يعبر عنه بامرأة ذات فمين، والزوجة يعبر عنها بالعلامات الدالة على امرأة ومكنسة وزوبعة (٣٣). وهذه لغة بدائية من بعض الوجود استطاع أهلها بمحافظتهم الشديدة على القديم أن يبقوها حية في هذه الأوقات "الحاضرة". والصعوبات الكامنة في هذه اللغة أوضح من مزاياها وفضائلها، ويقال إن الصيني يحتاج إلى ما بين عشر سنين وخمسين سنة ليتعلم فيها جميع الأربعين ألف رمز التي تتكون منها

стр. 1295

لغته؛ ولكننا إذا عرفنا أن هذه الرموز ليست حروفاً بل أفكاراً، ثم فكرنا في طول الوقت الذي نحتاجه لكي نعرف أربعين ألف فكرة من الأفكار أو حتى أربعين ألف كلمة من الكلمات، رأينا أن في العبارات التي نستخدمها للمفاضلة بين اللغة الصينية وغيرها من اللغات ظلماً شديداً للصينيين، وأن من واجبنا إذا كنا ننشد الإنصاف أن نقول إن الصيني يحتاج إلى خمسين عاماً ليعرف أربعين ألف فكرة. والواقع أن الصيني العادي يكفيه ثلاثة آلاف علامة أو أربعة آلاف، وأن من السهل عليه أن يعرف هذا العدد بمعرفة "أصولها" السالفة الذكر. وأوضح ميزة لهذه اللغة- التي لا تعبر عن الأصوات بل عن الأفكار-هي أن الكوريين واليابانيين يسهل عليهم أن يقرؤوها كما يسهل على الصينيين، وأنها تعد لغة كتابة دولية لبلاد الشرق الأقصى. يضاف إلى هذا أنها تجمع في نظام واحد من نظم الكتابة بين جميع سكان الصين الذين تختلف لهجاتهم اختلافاً يجعل التفاهم بينهم يكاد أن يكون مستحيلاً، حتى أن الرمز الواحد يقرأ بأصوات مختلفة وكلمات مختلفة في مختلف البيئات. وهذه الميزة تنطبق على مختلف الأزمنة انطباقها على مختلف الأمكنة؛ ذلك بأن لغة الكتابة قد بقيت واحدة في جوهرها على حين أن لغة الكلام قد تفرعت إلى ما ينيف على مائة من اللهجات. ومن أجل هذا كان في وسع الصيني غير الأمي أن يقرأ الأدب الصيني الذي ظل يكتب بهذه الحروف نحو ألفي عام كاملة، وإن كنا لا نعلم كيف كان الكتاب الأقدمون ينطقون بالألفاظ التي كتبوها أو يعبرون عن الأفكار التي ترمز لها هذه العلامات. ولقد كان هذا الإصرار الشديد على الاحتفاظ بالكتابة الموحدة القديمة بين هذا الفيض الدافق من اللهجات الكلامية المتباينة عاملاً قوياً على الاحتفاظ بالأفكار الصينية والثقافة الصينية إلى هذه الأيام كما كانت عاملاً قوياً في تمسك الصينيين بعاداتهم وتقاليدهم القديمة. ذلك أن الأفكار القديمة قد رسخت في البلاد، وكانت هي القالب الذي صبت فيه عقول الشباب.

стр. 1296

وإن خصائص الحضارة الصينية لتتمثل في هذه الظاهرة الفذة التي امتازت بها كتابتها على غيرها من البلاد: وحدتها بين مختلف اللهجات والتطورات، وتمسكها الشديد بالقديم واتصالها المنقطع النظير. ولقد كان هذا النظام الكتابي في حد ذاته من أجل الأعمال العقلية وأعلاها شأناً، فقد صنف العالم بأجمعه- عالم الجماد والنشاط والأوصاف- إلى بضع مئات من الرموز التي جعلت "أصولاً"، ثم أضاف إلى هذه الأصول نحو خمسمائة وألف من العلامات المميزة فأضحت تمثل في صورها الكاملة جميع ما في الحياة من أفكار وآداب. ومن واجبنا ألا نثق كل الثقة من أن الطرق المختلفة التي ندون بها نحن أفكارنا أرقى من هذه الطريقة البدائية، فقد كان ليبنتز في القرن السابع عشر وسير وُنَلْدُرْس في هذه الأيام يحلمان بوضع طريقة من العلامات الكتابية مستقلة كل الاستقلال عن لغات الكلام، بعيدة كل البعد عن الاختلافات القومية، وعن اختلافات الزمان والمكان، يستطاع بها من أجل هذا التعبير عن أفكار الشعوب المختلفة بطرق واحدة يفهمها الناس كلهم على السواء، ولكن لغة الرموز هذه التي كان يحلم بها هذان العالمان قائمة فعلاً في الشرق الأقصى توحد بين مائة من الأجيال وبين ربع سكان العالم. وإن النتيجة التي وصل إليها الشرقي لنتيجة منطقية رهيبة: إن سائر بلاد العالم يجب أن تتعلم طريقة لكتابة الصينية.

стр. 1297

الفصل الثالث الحياة العملية ١ - في الحقول فقر الزراع - الوسائل الاقتصادية - المحصولات - الشاي - الطعام - صبر أهل القرية لقد كان خصب التربة هو الدعامة التي يقوم عليها آخر الأمر كل ما حوته تلك اللغة من آداب، وكل ما اشتمل عليه التفكير الصيني من دقة وعمق، وكل ما انطوت عليه الحياة الصينية من نعيم وترف. وبعبارة أصح لقد كانت هذه الدعامة هي جهود الصينيين أنفسهم، لأن التربة الخصبة لا تخلق خلقاً بل تنشأ إنشاء. وما من شك في أن سكان الصين الأولين قد ظلوا قروناً طوالاً يكافحون الأدغال والغابات، والوحوش والحشرات، والجفاف والفيضان، وأملاح التربة والصقيع، حتى استطاعوا في آخر الأمر أن يحولوا تلك البراري الشاسعة الموحشة إلى حقول خصبة مثمرة، وكان لابد لهم أن يعودوا حيناً بعد حين إلى خوض هذه المعارك لكي يحتفظوا بما نالوا من نصر، فإذا ما استمروا يقطعون أشجار الغابات مائة عام مثلاً استحالت الأرض صحراء مجدبة (١)، وإذا أهملوا تقطيعها بضع سنين استحالت حراجاً وغابات كثيفة. ولقد كان هذا الكفاح كفاحاً مريراُ ينطوي على أخطار جسيمة، وكان يزيد من مرارته أن البلاد كانت معرضة لهجمات البرابرة واستيلائهم على

стр. 1298

محصولات الأرض المستصلحة، ومن أجل هذا كان الزراع يتقون هذه الإغارة بأن يعيشوا في جماعات صغيرة لا في منازل متفرقة متباعدة، وكانوا ينشئون حول قراهم أسواراً ويخرجون لزرع الأرض مجتمعين، وكثيراً ما كانوا يقضون الليل ساهرين يحرسون الحقول. وكانت طرق الزراعة عندهم ساذجة وإن كانت لا تختلف كثيراً عن طرق الزراعة في هذه الأيام. وكانوا في بعض الأحيان يفلحون الأرض بالمحاريث، وقد اتخذوها أولاً من الأخشاب ثم من الحجارة واتخذوها بعدئذ من الحديد، ولكنهم كانوا في أكثر الأحيان يقلبون ما يمتلكون من قطع الأرض الصغيرة بالفأس يكدحون بها صابرين. وكانوا يستعينون على إخصاب التربة بكل ما يجدونه من المخصبات الطبيعية ولا يستنكفون أن يجمعوا لهذا الغرض فضلات الكلاب والآدميين. ولقد احتفروا من أقدم الأزمنة قنوات يجرون فيها مياه أنهارهم المثيرة إلى مزارع الأرز أو حقول الذرة، فشقوا ترعاً عميقة يبلغ طولها عدة أميال في الصخور الصماء ليصلوا بها إلى مجرى مائي بعيد أو يحولوا مجراه حتى يصل إلى سهل جاف، واستطاع الصينيون دون الاستعانة بالدورة الزراعية أو المخصبات الصناعية، ومن غير حيوانات الجر في كثير من الأحيان أن يزرعوا نصف أرضهم على الأقل زرعتين أو ثلاث زرعات في العام، وأن يستخرجوا منها من أنواع الغذاء أكثر مما استخرجه أي شعب آخر في التاريخ (٣٤). وكانت أهم الحبوب التي زرعوها هي الأرز والذرة ويليها في الأهمية القمح والشعير. وكانوا يتخذون من الأرز غداء وخمراً، ولكن الفلاح لم يدمن هذا الشراب في يوم من الأيام. أما شرابه المحبب إليه ومحصوله الذي يلي الأرز في أهميته فهو الشاي. وكان استعماله في مبدأ الأمر مقصوراً على التداوي ثم زاد انتشاراً حتى صار في عهد أسرة تانج من المحصولات التي تصدر إلى خارج البلاد،

стр. 1299

والتي يتغنى بها الشعراء في أشعارهم. ولم يحل القرن الخامس عشر حتى كانت جميع بلاد الشرق الأقصى مغرمة بشرب الشاي تتغنى بمديحه، وحتى أخذ المولعون به يعملون لاستنبات أنواع جديدة منه ويعقدون مجالس الشراب للحكم على خير ما يقدم منها للحاضرين (٣٥). وكان من محصولاتهم الأخرى الخضر اللذيذة والمغذية كفول الصويا، والتوابل المقوية كالثوم والبصل، وعشرات المئات من أنواع الفاكهة (٣٦)؛ وكانت اللحوم أقل المنتجات الريفية شأناً؛ وكانت الثيران والجاموس تستخدم أحياناً في حرث الأرض، أما تربية الماشية للانتفاع بلحومها فكانت مقصورة على الخنازير والدجاج (٣٧)، وكانت طائفة كبيرة من السكان تتخذ غذاءها من سمك البحر والمجاري المائية العذبة. وكان أهم ما تتغذى به الطبقات الفقيرة هو الأرز الجاف والمكرونة والشعرية وقليل من الخضر والسمك. أما الطبقات الوسطى فكانت تضيف إلى هذا لحم الخنازير والدجاج وتضيف إليه الغنية لحم البط، وكانت أرقى المآدب التي تقام في بيكين تحتوي على مائة صنف من أصناف البط (٣٨). وكان لبن البقر نادراً وكذلك كان البيض قليلاً وقلما كان يؤكل طازجاً. غير أن فول الصويا كان يمد الأهلين باللبن الصالح والجبن. وقد تطور فن الطهي في الصين حتى أصبح من الفنون الجميلة، وكان يستخدم فيه كل منتجات الأرض والماء وطيور الهواء، فكانت الحشائش والأعشاب البحرية تقتلع من الأرض وأعشاش الطير، تنتهب لتعمل منها أنواع الحساء اللذيذ، وكانت أطعمة لذيذة تتخذ من زعانف كلب البحر وأمعاء السمك والجراد والجنادب وصغار الديدان ودود القز ولحم الخيل والبغال والجرذان وثعابين الماء والقطط والكلاب (٣٩). وكان الصينيون يحبون لذيذ المأكل ولم يكن من غير المألوف أن تشتمل مائدة الرجل الغني على أربعين صنفاً وأن يظل القوم حول موائد الطعام ثلاث ساعات أو أربعاً يأكلون فيها ويشربون. أما الرجل الفقير فلم يكن يصرف هذا الوقت كله في طعامه الذي كان

стр. 1300

يتناول منه وجبتين في اليوم. ولم يكن الفلاح رغم كدحه المتواصل بمنجاة من الجوع طيلة أيام حياته إذا استثنينا بعض الحالات في مختلف الأقاليم والأوقات. وكان في وسع الأقوياء الماهرين منهم أن يستحوذوا على ضياع واسعة وأن يركزوا ثروة البلاد في أيد قليلة. وكان يحدث في بعض الأحيان، كما حدث في أيام الإمبراطور شي هوانج - دي، أن يعاد توزيع الأرض على السكان، غير أن ما بين الناس من فروق طبيعية سرعان ما كان يؤدي إلى تركيز الثروة مرة أخرى (٤١). وكان معظم الزراع من ملاك الأراضي، ولكن متوسط ما كان يملكه الفرد أخذ يتضاءل في كل قرن عن الذي قبله نظراً لتزايد عدد السكان أسرع من ازدياد مساحة الأرض الصالحة للزراعة. فكانت نتيجة هذا هي الفقر الذي لا مثيل له إلا في أفقر أقاليم الهند! فقد كان دخل الأسرة المتوسطة لا يزيد على ٨٣ ريالاً أمريكياً، وكان كثيرون من الأفراد يعيشون بما يعادل ١ slash ٥٠ من الريال في اليوم كما كان الملايين منهم يموتون من الجوع في كل عام (٤٢). وقد ظلت الصين عشرين قرناً كاملاً تعاني القحط بمعدل مرة في كل عام (٤٣)، ويرجع بعض السبب في هذا إلى أن الفلاح كان يُستغل أسوأ الاستغلال ولا ينال من الطعام إلا ما يمسك الرمق، ويرجع بعضه إلى ازدياد المواليد أسرع من تحسين الإنتاج الزراعي واتساع مساحة الأرض المنزرعة، كما يرجع بعضه الآخر إلى سوء سبل الاتصال والنقل إلى حد يجعل السكان في بعض الأقاليم يهلكون من الجوع بينما الطعام في البعض الآخر يزيد على حاجة الأهلين. وآخر ما نذكره من هذه الأسباب أن الفيضان كان في بعض الأحيان يتلف ما يتركه المالك والجابي للزراع، فكثيراً ما كان نهر هوانج - هو، الذي يسميه الناس "حزن الصين"، يغير مجراه ويغرق ألفاً من القرى ويترك ألفاً أخرى صادية. وكان الفلاحون يصبرون على هذه الكوارث ويتجرعون غصصها، ومن أمثالهم المأثورة: "كل ما يحتاجه الإنسان في هذه الحياة الفانية هو قبعة وحفنة
следующие страницы →