وتعض بأسنانها على شفتيها،
وتنحني وتركع مرارا يخطئها الحصر.
قد يكون في هذه المقتبسات ظلم للبيت الصيني؛ نعم قد كان فيه خضوع ومذلة، وكثيرا أقام فيه النزاع بين الرجل والمرأة وبين بعض الأطفال، ولكن كان في البيت أيضا كثير من الحب والحنان، وكثير من التعاون والتآزر في الأعمال المنزلية، مما يجعل البيت مكانا طبيعيا ومستقرا صالحا للأسرة. وكانت المرأة رغم خضوعها للرجل من الناحية الاقتصادية تستمع بكامل حقها في استخدام لسانها، وكان في وسعها أن تؤنب الرجل حتى يرهبها أو يفر من وجهها كأحسن ما تستطيعه المرأة الغربية في هذه الأيام. هذا وجدير بنا أن نقول أن الأسرة ذات النظام الأبوي ليس في مقدورها أن تكون أسرة ديمقراطية، وهي أشد من ذلك عجزا عن أن يكون جميع أفرادها متساوين في الحقوق، وذلك لأن الدولة كانت تترك للأسرة مهمة القيام على النظام الاجتماعي، ولأن المنزل كان مربى للأطفال ومدرسة ومصنعا وحكومة في وقت واحد. ولم يتراخ نظام الأسرة في أمريكا إلا بعد أن ضعف شأن المنزل في المدينة وقلت أهميته بانتقال واجبات الأسرة إلى المدرسة والمصنع والدولة.
ولقد أثنى كثير من الرحالة أجمل ثناء على الخلق الذي كان ثمرة هذه النظم المنزلية. فإذا صرفنا النظر عن الحالات الشاذة الكثيرة التي تضعف كل حكم عام يمكن أن يصدره الإنسان على أي نظام اجتماعي، استطعنا أن نقول أن الصيني العادي كان مثلا يحتذى في طاعة الأبناء للآباء وإخلاصهم ووفائهم لهم وفي احترام الصغار للكبار وعنايتهم بهم عن رضا واختيار (١). وكان الصيني يقبل الحكم
стр. 1332
الأخلاقية التي جاءت في اللي- شي أو كتاب الحفلات ويعمل بما فيها من آداب اللياقة رغم مشقتها، وينظم كل ناحية من نواحي حياته حسب ما فيها من قواعد المجاملة العاطفية التي أكسبت أخلاقه من الرقة والسهولة والاتزان والكرامة ما لم ينله أمثاله من الغربيين- فقد يظهر الحمّال الذي ينقل الأقذار في الطرقات من الأدب وحسن التربية واحترام النفس أكثر مما يظهره التاجر الأجنبي الذي باعه الأفيون. ولقد تعلم الصيني فن التراضي والمصالحة واستطاع بذلك أن يستل ضغينة عدوه المغلوب. ولقد كان في بعض الأحيان عنيفا في قوله، وكان على الدوام ثرثارا، وكثيرا ما تراه قذرا أو ثملا يدمن القمار ويلتهم الطعام التهاما (١)، ويميل إلى ابتزاز الأموال العامة وإلى سؤال الناس في غير إلحاف (١٢٤)، يعبد إله المال عبادة وثنية مسرفة في صراحتها (١٢٥)، ويجري وراء الذهب جري الأمريكي كما نراه في صوره الساخرة، يستطيع أحيانا أن يكون قاسيا فظا غليظ القلب، إذا توالت عليه المظالم ثار أحيانا وأقدم على ضروب من السلب والتقتيل في جماعات كبيرة. ولكنه في جميع أحواله تقريبا رجل مسالم رحيم، كثير الاستعداد لمساعدة جيرانه، يحتقر المجرمين والمحاربين، مقتصد مجد مثابر على عمله وإن كان لا يعجل فيه، بسيط في أسلوب حياته لا يحب التظاهر والتصنع، شريف إلى حد كبير في معاملاته التجارية والمالية. وكان من عادته الصبر على النوائب، يستقبل النعم والنقم على السواء بحكمة ووداعة، ويتحمل الحرمان والعذاب دون أن يفقد سلطانه على نفسه، ويصبر عليهما صبر من يرى أن كل شيء مقدر عليه في الأزل، ولا يعطف قط على من يتأفف منهما على مسمع من الناس، يحزن حزنا صادقا طويلا على من يموت من أقاربه، وإذا عجز عن الفرار من الموت بجميع ما لديه من الوسائل واجهه وهو صابر صبر الفلاسفة؛ وكان
стр. 1333
مرهف الشعور بالجمال بقدر ما كان قليل الشعور بالألم، وكان يزين مدائنه بالنقوش الملونة ويتنعم في حياته بأرقى أنواع الفن.
وإذا شئنا أن نفهم هذه الحضارة حق الفهم كان علينا أن ننسى، ولو إلى حين، ما تردت فيه البلاد من فوضى وعجز بسبب ضعفها في الداخل، واحتكاكها بمدافع الغرب وآلاته الضخمة القوية، وأن نراها في فترة من فترات عزها ومجدها في عهد أمراء جو أو في عهد منج هوانج أو هواي دزونج أو كانج- شي. ذلك أن الصيني في تلك الأيام أيام حب الجمال كان يمثل بلا ريب أرقى المدنيات وأنضج الثقافات اللتين شهدتهما آسية أو إن شئت فقل أية قارة من القارات.
стр. 1334
الفصل السادس
حكومة يثني عليها فلتير
الفرد المغمور - الحكم الذاتي - القرية والإقليم - تراخي القانون -
صرامة العقاب - الإمبراطور - الرقيب - المجالس الإدارية - الإعداد
للمناصب العامة - الترشيح بالتعليم - نظام الامتحانات - عيوبه - وفضائله
إن أكثر ما يروعنا في هذه الحضارة هو نظام حكومتها. وإذا كانت الدولة المثالية هي التي تجمع بين الديمقراطية والأرستقراطية فإن الصينيين قد أنشأوا هذه الدولة منذ ألف عام أو تزيد؛ وإذا كانت خير الحكومات هي أقلها حكما، فقد كانت حكومة الصين خير حكومات العالم على الإطلاق. ولم يشهد التاريخ قط حكومة كان لها رعايا أكثر من رعايا الحكومة الصينية أو كانت في حكمها أطول عهدا وأقل سيطرة من تلك الحكومة.
ولسنا نقصد بهذا أن الفردية أو الحرية الفردية كان لها شأن عظيم في بلاد الصين؛ ذلك أن فكرة الفردية كانت ضعيفة في تلك البلاد وأن الفرد كان مغمورا في الجماعات التي ينتمي إليها. فقد كان أولا عضوا من أعضاء أسرة، ووحدة عابرة في موكب الحياة بين أسلافه وأخلافه؛ وكانت القوانين والعادات تحمله تبعة أعمال غيره من أفراد أسرته كما يحملون هم تبعة أعماله؛ وكان فضلا عن هذا ينتمي عادة على جمعية سرية، وإذا كان من سكان الحواضر فانه ينتمي إلى نقابة من نقابات الحرف.
وهذه كلها أمور تحد من حقه في أن يفعل ما يشاء. وكان يحيط به فضلا عن هذا طائفة من العادات القديمة ويهدده رأي عام قوي بالطرد من البلاد إذا خرج على أخلاق الجماعة أو تقاليدها خروجا خطيرا. وكانت قوة هذه النظم
стр. 1335
الشعبية التي نشأت بطبيعتها من حاجات الناس وتعاونهم الاختياري هي التي مكنت الصين من أن تحتفظ بنظامها واستقرارها رغم ما يشوب القانون والدولة من لين وضعف.
ولكن الصينيين ظلوا أحرارا من الناحيتين السياسية والاقتصادية في داخل هذا الإطار من نظم الحكم الذاتي التي أقاموها بأنفسهم لأنفسهم.
لقد كانت المسافات الشاسعة التي تفصل كل مدينة عن الأخرى وتفصل المدن كلها عن عاصمة الإمبراطورية، والجبال الشامخة والصحاري الواسعة والمجاري التي تتعذر فيها الملاحة أو لا تقوم عليها القناطر، وانعدام وسائل النقل والاتصال السريع وصعوبة تموين جيش كبير يكفي لفرض سلطان الحكومات المركزية على شعب تبلغ عدته أربعمائة مليون من الأنفس - كانت هذه كلها عوامل تضطر الدولة لأن تترك لكل إقليم من أقاليمها استقلالا ذاتيا يكاد أن يكون كاملا من كل الوجوه.
وكانت وحدة الإدارة المحلية هي القرية يحكمها حكما متراخيا رؤساء العشائر بإشراق "زعيم" منهم ترشحه الحكومة. وكانت كل طائفة من القرى مجتمعة حول بلدة كبيرة تؤلف "بينا" أي مقاطعة بلغت عدتها في الصين نحو ألف وثلاثمائة. ويتألف من كل بينين أو أكثر تحكمهما معا مدينة "فو"، ومن كل فوين أو ثلاثة "داو" أي دائرة، ومن كل داوين أو أكثر "شنج" أي إقليم. وكانت الإمبراطورية في عهد المنشو تتألف من ثمانية عشر من هذه الأقاليم. وكانت الدولة تعين من قبلها موظفا في كل بين يدير شئونه، ويجبى ضرائبه، ويفصل في قضاياه، وتعين موظفا آخر في كل فو وآخر في كل داو؛ كما تعين قاضيا، وخازنا لبيت المال، وحاكما، ونائبا للإمبراطور أحيانا في كل إقليم (١٢٧). ولكن هؤلاء الموظفين كانوا يقنعون أحيانا بجباية الضرائب والفروض الأخرى
стр. 1336
والفصل في المنازعات التي يعجز المحكمون عن تسويتها بالحسنى، ويتركون حفظ النظام لسلطان العادة وللأسرة والعشيرة والنقابة الطائفية. وكان كل إقليم ولاية شبه مستقلة لا تتدخل الحكومة الإمبراطورية في أعمالها، ولا تفرض عليها شرائعها طالما كانت تدفع حصتها من الضرائب وتحافظ على الأمن والنظام في داخل حدودها. وكان انعدام وسائل الاتصال السهلة مما جعل الحكومة المركزية فكرة معنوية أكثر منها حقيقة واقعية. ومما جعل عواطف الأهلين الوطنية تنصرف في دوائرهم وأقاليمهم، ولا تتسع إلا في القليل النادر حتى تشمل الإمبراطورية بوجه عام.
وفي هذا البناء غير المحكم كان القانون ضعيفا، بغيضا، متباينا. وكان الناس يفضلون أن تحكمهم عاداتهم وتقاليدهم، وأن يسووا نزاعهم بالتراضي خارج دور القضاء. وكانوا يعبرون عن آرائهم في التقاضي بمثل هذه الحكم والأمثال القصيرة القوية: "قاض برغوثا يعضك" و "اكسب قضيتك تخسر مالك". وكانت تمر سنين على كثير من المدن التي تبلغ عدة أهلها آلافاً مؤلفة لا ترفع فيها قضية واحدة إلى المحاكم (١٢٨) وكانت قوانين البلاد قد جمعت في عهد أباطرة تانج ولكنها كلها اقتصرت تقريبا على الجرائم ولم تبذل محاولات جدية لوضع قانون مدني. وكانت المحاكمات بسيطة سهلة لأن المحامي لم يكن يسمح له بمناقشة الخصم داخل المحكمة، وإن كان في استطاعة كتاب مرخصين من الدولة أن يعدوا في بعض الأحيان تقارير بالنيابة عن المتقاضين ويتلوها على القاضي (١٢٩). ولم يكن هناك نظام للمحلفين، ولم يكن في نصوص القوانين ما يحمي الفرد من أن يقبض عليه موظفو الدولة على حين غفلة ويعتقلوه. وكانت تؤخذ بصمات أصابع المتهمين (١٣٠)، ويلجأ أحيانا إلى تعذيبهم لكي يقروا بجرائمهم، ولم يكن هذا التعذيب الجسمي ليزيد إلا قليلا على ما يتبع الآن لهذا الغرض عينه في أكثر المدن رقيا. وكان العقاب صارما، وإن لم يكن أشّد وحشية مما كان في معظم
стр. 1337
بلاد القارة الآسيوية؛ وكان أوله قص الشعر ويليه الضرب ثم النفي من البلاد ثم الإعدام. وإذا كان المتهم ذا فضائل غير معهودة أو كان من طبقة راقية سمح له أن ينتحر (١٣١). وكانت العقوبات تخفف أحيانا تخفيفا كريما، وكان حكم الإعدام لا يصدر في الأوقات العادية إلا من الإمبراطور نفسه. وكان الناس جميعا من الناحية النظرية سواسية أمام القانون، شأنهم في هذا كشأننا نحن في هذه الأيام. ولكن هذه القوانين لم تمنع السطو في الطرق العامة أو الارتشاء في وظائف الدولة ودور القضاء، غير أنها كان لها قسط متواضع في معاونة الأسرة والعادات الموروثة في أن تهب الصين درجة من النظام الاجتماعي والأمن والاطمئنان الشخصي لم تضارعها فيها أمة أخرى قبل القرن العشرين (١٣٢).
وكان الإمبراطور يشرف على هذه الملايين الكثيرة من فوق عرشه المزعزع. وكان يحكم من الوجهة النظرية بحقه المقدس؛ فقد كان هو "ابن السماء" وممثل الكائن الأعلى (١) في هذه الأرض. وبفضل سلطانه الإلهي هذا كانت له السيطرة على الفصول وكان يأمر الناس أن يوفقوا بين أعمالهم وبين النظام السماوي المسيطر على العالم، وكانت كلمته هي القانون وأحكامه هي القضاء الذي لا مرد له. وكان المدبر لشؤون الدولة ورئيس ديانتها، يعين جميع موظفيها ويمتحن المتسابقين لأعلى مناصبها ويختار من يخلفه على العرش. لكن سلطانه كان يحده من الوجهة العملية القانون والعادات المرعية، فكان ينتظر منه أن يحكم من غير أن يخرج على النظم التي انحدرت من الماضي المقدس. وكان معرضا في أي وقت لأن يعزَّر على يد رجل ذي مقام كبير يسمى بالرقيب؛ وكان في واقع الأمر محوطاً بحلقة قوية من المستشارين والمبعوثين من مصلحته أن يعمل بمشورتهم، وإذا ظلم أو فسد حكمه خسر بحكم العادات المرعية وباتفاق أهل الدولة "تفويض السماء"، وأمكن
стр. 1338
خلعه بالقوة من غير أن يعد ذلك خروجا على الدين أو الأخلاق.
وكان الرقيب رئيس مجلس مهمته التفتيش على جميع الموظفين في أثناء قيامهم بواجباتهم، ولم يكن الإمبراطور نفسه بمنجاة من إشرافه. وقد حدث مرارا في تاريخ الصين أن عزر الرقيب الإمبراطور نفسه. من ذلك أن الرقيب سونج أشار على الإمبراطور جياه تشنج (١١٩٦ - ١٨٢١)، بالاحترام اللائق بمقامه العظيم طبعا، أن يراعى جانب الاعتدال في صلاته بالممثلين وبتعاطي المسكرات. فما كان من جياه تشنج إلا أن استدعى سونج للمثول أمامه، وسأله وهو غاضب أي عقاب يليق أن يوقع على من كان موظفا وقحا مثله، فأجابه سونج: "الموت بتقطيع جسمه إرباً". ولما أمره الإمبراطور باختيار عقاب أخف من هذا أجابه بقوله "إذن فليقطع رأسي" فطلب إليه مرة أخرى أن يختار عقابا أخف فاختار أن يقتل خنقا. وأعجب الإمبراطور بشجاعته وخشي وجوده بالقرب منه فعينه حاكما على إقليم إيلي (١٣٤).
وأضحت الحكومة المركزية على مر الزمن أداة إدارية شديدة التعقيد. وكان أقرب الهيئات إلى العرش المجلس الأعلى، ويتكون من أربعة "وزراء كبار" يرأسهم في العادة أمير من أمراء الأسرة المالكة. وكان يجتمع بحكم العادة في كل يوم في ساعات الصباح المبكرة لينظر في شؤون الدولة السياسية. وكان يعلو عنه في المنزلة، ولكن يقل عنه في السلطان، هيئة أخرى من المستشارين يسمون "بالديوان الداخلي". وكان يشرف على الأعمال الإدارية "ستة مجالس" للشؤون المدنية، والدخل، والاحتفالات، والحرب، والعقوبات، والأشغال العامة؛ وكان ثمة إدارة للمستعمرات تصرف شؤون الأقاليم النائية مثل منغوليا، وسنكيانج والتبت. ولكنها لم تكن لها إدارة للشؤون الخارجية لأن الصين لم تكن تعترف بأن في العالم دولة مساوية لها، ومن أجل ذلك لم تنشئ في
стр. 1339
بلادها للاتصال بها غير ما وضعته من النظم لاستقبال البعوث التي تحمل لها الخراج.
وكان أكبر أسباب ضعف الحكومة قلة مواردها وضعف وسائل الدفاع عن أراضيها ورفضها كل اتصال بالعالم الخارجي يعود عليها بالنفع. لقد فرضت الضرائب على أراضيها، واحتكرت بيع الملح، وعطلت نماء التجارة بما فرضته بعد عام ١٨٢١ من عوائد على انتقال البضائع على طرق البلاد الرئيسية، ولكن فقر السكان، وما كانت تعانيه من الصعاب في جباية الضرائب والمكوس، وما يتصف به الجباة من الخيانة، كل هذا قد ترك خزانة الدولة عاجزة عن الوفاء بحاجات القوى البحرية والبرية التي كان في وسعها لولا هذا العجز أن تنقذ البلاد من مذلة الغزو والهزيمة (١). ولعل أهم أسباب هزائمها هو فساد موظفي حكومتها؛ وذلك أن ما كان يتصف به موظفوها من جدارة وأمانة قد ضعف في خلال القرن التاسع عشر فأضحت البلاد تعوزها الزعامة الرشيدة في الوقت الذي كانت فيه نصف ثروة العالم ونصف قواه يتجمعان لسل استقلالها وانتهاب مواردها والقضاء على أنظمتها.
بيد أن أولئك الموظفين كانوا يختارون بوسيلة لا مثيل لها في دقتها وتعد في جملتها أجدر وسائل الاختيار بالإعجاب والتقدير، وخير ما وصل إليه العالم من الوسائل لاختيار الخدام العموميين. لقد كانت وسيلة جديرة بإعجاب أفلاطون، ولا تزال رغم عجزها وتخلي الصين عنها تقرب الصين إلى قلوب الفلاسفة. وكانت
стр. 1340
هذه الطريقة من الناحية النظرية توفق أحسن التوفيق بين المبادئ الأرستقراطية والديمقراطية: فهي تمنح الناس جميعا فرصة متكافئة لإعداد أنفسهم للمناصب العامة، ولكنها لا تفتح أبواب المناصب إلا لمن أعدوا أنفسهم لها. ولقد أنتجت خير النتائج من الوجهة العملية مدى ألف عام.
وكانت بداية هذه الطريقة في مدارس القرى - وهي معاهد خاصة ساذجة لا تزيد قليلا على حجرة واحدة في كوخ صغير - كان يقوم فيها معلم واحد بتعليم أبناء أسر القرية تعليما أوليا ينفق عليه بما يؤديه هؤلاء الأبناء من أجر ضئيل. أما النصف الفقير من السكان فقد ظل أبناؤه أميين (١٣٧). ولم تكن الدولة هي التي تنفق على تلك المدارس، ولم يكن الكهنة هم الذين يديرونها، ذلك أن التعليم قد بقى في الصين كما بقى الزواج فيه مستقلا عن الدين لا صلة بينهما سوى أن الكنفوشية كانت عقيدة المعلمين. وكانت أوقات الدراسة طويلة كما كان النظام صارما في هذه المدارس المتواضعة. فكان الأطفال يأتون إلى المعلم في مطلع الشمس ويدرسون معه حتى الساعة العاشرة، ثم يفطرون ويواصلون الدرس حتى الساعة الخامسة، ثم ينصرفون بقية النهار. وكانت العطلات قليلة العدد قصيرة الأجل، وكانت الدراسة تعطل بعد الظهر في فصل الصيف، ولكن هذا الفراغ الذي كان يصرف في العمل في الحقول كان يعوض بفصول مسائية في ليالي الشتاء. وكان أهم ما يتعلمه الأطفال كتابات كنفوشيوس وشعر تانج؛ وكانت أداة المعلم عصا من الخيزران. وكانت طريقة التعليم الحفظ عن ظهر قلب؛ فكان الأطفال الصغار يواصلون حفظ فلسفة المعلم كونج ويناقشون فيها مدرسهم حتى ترسخ كل كلمة من كلماته في ذاكرتهم وحتى يستقر بعضها في قلوبهم. وكانت الصين تأمل أن يتمكن جميع أبنائها، ومنهم الزراع أنفسهم، بهذه الطريقة القاسية الخالية من اللذة أن يصبحوا فلاسفة وسادة مهذبين،
стр. 1341
وكان الصبي يخرج من المدرسة ذا علم قليل وإدراك كبير، جاهلا بالحقائق ناضج العقل (١).
وكان هذا التعليم هو الأساس الذي أقامت عليه الصين - في عهد أسرة هان على سبيل التجربة وفي عهد أسرة تانج بصفة نهائية - نظام تولي المناصب العامة بالامتحان. ومن أقوال الصينيين في هذا: إن من أضر الأمور بالشعب أن يتعلم حكامه طرق الحكم بالحكم نفسه، وإن من واجبهم كلما استطاعوا أن يتعلموا طرق الحكم قبل أن يحكموا، ومن أضر الأمور بالشعب أن يحال بينه وبين تولي المناصب العامة وأن يصبح الحكم امتيازا تتوارثه فئة قليلة من أبناء الأمة؛ ولكن من الخير للشعب أن تقصر المناصب على من أعدوا لها بفضل مواهبهم وتدريبهم. وكان الحل الذي عرضته الصين لمشكلة الحكمة القديمة المستعصية هي أن تتيح لكل الرجال ديمقراطيا فرصة متكافئة لأن يدربوا هذا التدريب، وأن تقصر الوظائف أرستقراطيا على من يثبتون أنهم أليق الناس لأن يتولوها. ومن أجل هذا كانت تعقد في أوقات معينة امتحانات عامة في كل مركز من المراكز يتقدم إليها كل من شاء من الذكور متى كانوا في سن معينة.
وكان المتقدم إلى الامتحان يمتحن في قوة تذكره وفهمه لكتابات كنفوشيوس وفي مقدار ما يعرف من الشعر الصيني ومن تاريخ الصين، وفي قدرته على أن يكتب أبحاثا في السياسة والأخلاق كتابة تدل على الفهم والذكاء. وكان في وسع من يخفق في الامتحان أن يعيد الدرس ويتقدم إليه مرة أخرى، ومن نجح منح درجة شيو دزاي التي تؤهله لأن يكون عضوا في طبقة الأدباء ولأن يعين في
стр. 1342
المناصب الصغرى في الحكومة الإقليمية؛ وأهم من هذا أن يكون من حقه أن يتقدم إما مباشرة أو بعد استعداد جديد لامتحان آخر يعقد في الأقاليم كل ثلاث سنوات شبيه بالأول ولكنه أصعب منه. ومن خفق فيه أجاز أن يتقدم إليه مرة أخرى؛ وكان يفعل ذلك كثيرون من المتقدمين فكان يجتازه في بعض الأحيان رجال جاوزا الثمانين وظلوا طوال حياتهم يدرسون، وكثيرا ما مات الناس وهم يتأهبون لدخول هذه الامتحانات. وكان الذين ينجحون يختارون للوظائف الحكومية الصغرى، كما كان من حقهم أن يتقدموا للامتحان النهائي الشديد الذي يعقد في بكين. وكان في تلك المدينة ردهة للامتحان العام تحتوي على عشرة آلاف حجرة انفرادية يقضى فيها المتسابقون ثلاثة أيام متفرقة في عزلة تامة، ومعهم طعامهم وفراشهم، يكتبون مقالات أو رسائل في موضوعات تعلم لهم بعد دخولهم. وكانت هذه الغرف خالية من وسائل التدفئة والراحة رديئة - الإضاءة غير صحية لأن الروح لا الجسم - في رأيهم - هي التي يجب أن تكون موضع الاهتمام! وكان من الموضوعات المألوفة في هذه الامتحانات أن ينشئ المتقدم قصيدة في: "صوت المجاديف والتلال الخضراء والماء"، وأن يكتب مقالا عن الفقرة الآتية من كتابات كنفوشيوس. قال دزانج دزي: "من يك ذا كفاية ويسأل من لا كفاية له؛ ومن يك ذا علم كثير ويسأل من لا يعلم إلا القليل؛ ومن يملك ثم يتظاهر بأنه لا يملك؛ ومن يمتلئ ثم يبدي أنه فارغ" ولم يكن في أي امتحان من هذه الامتحانات كلمة واحدة عن العلوم أو الأعمال التجارية أو الصناعية؛ لأنها لم تكن تهدف إلى تبين علم الرجل بل ترمي إلى معرفة ما له من حكم صادق وخلق قويم. وكان كبار موظفي الدولة يختارون من الناجحين في هذا الامتحان النهائي.
وتبين على مر الزمن ما تنطوي عليه هذه الطريقة من عيوب. فقد وجد الغش سبيله إلى الحكم في الامتحان، وإن كان الغش في الامتحان أو في
стр. 1343
تقديره يعاقب عليه أحيانا بالإعدام. وأصبح شراء الوظائف بالمال كثيرا متفشيا في القرن التاسع عشر (١٣٨)، من ذلك أن موظفا صغيرا باع عشرين ألف شهادة مزورة قبل أن يكشف أمره (١٣٩). ومنها أن صورة المقالة التي تكتب في الامتحان أصبحت صورة عادية معروفة يعد المتسابقون أنفسهم لها إعدادا آلياً. كذلك كان منهج الدراسة ينزع إلى الهبوط بالثقافة إلى الصور الشكلية دون اللباب، ويحول دون الرقي الفكري لأن الأفكار التي كانت تتداول في هذه المقالات قد تحددت وتعينت خلال مئات السنين. وكان من آثارها أن أصبح الخريجون طبقة بيروقراطية ذات عقلية رسمية متعجرفة بطبيعتها، أنانية، مستبدة في بعض الأحيان وفاسدة في كثير من الأحوال؛ لا يستطيع الشعب مع ذلك أن يعزلها أو يشرف على أعمالها إلا إذا لجأ بعد يأسه إلى الطريقة الخطرة طريقة الإضراب عن طاعتها أو مقاطعتها وعدم التعامل معها. وقصارى القول أن هذا النظام كان ينطوي على كل العيوب الني يمكن أن ينطوي عليها أي نظام حكومي يبتدعه ويسيره بنو الإنسان؛ فعيوبه هي عيوب القائمين عليه لا عيوب النظام نفسه، وليس ثمة نظام آخر لم يكن فيه من العيوب من في هذا النظام (١).
أما مزاياه فهي كثيرة: فهو برئ من طريقة الترشيح وما يؤثر فيها من تيارات خفية؛ وليس فيه مجال للمساعي الدنيئة وللنفاق والخداع في تصوير النتائج، ولا تدور فيه المعارك الصورية بين الأحزاب، ولا يتأثر بالانتخابات الفاسدة ذات الجلبة والضجيج، ولا يتيح الفرصة لتسلم المركز الرفيع عن طريق الشهرة الزائفة. لقد كانت الحكومة القائمة على هذا النظام حكومة ديمقراطية على الزعامة وعلى المناصب الرفيعة. وكانت أرستقراطية في أحسن صورها، لأنها
стр. 1344
حكومة يتولاها أقدر الرجال الذين اختيروا اختيارا ديمقراطيا من بين جميع طبقات الشعب ومن كل جيل. وبفضل هذه الطريقة وجهت عقول الأمة ومطامعها وجهة الدرس والتحصيل، وكان أبطالها الذين تقتدي بهم هم رجال العلم والثقافة لا سادة المال (١).
ولقد كان جديرا بالإعجاب أن يجرب مجتمع من المجتمعات أن يحكمه من الناحيتين الاجتماعية والسياسية رجال أعدوا للحكم بتعلم الفلسفة والعلوم الإنسانية، ولذلك كان من شر المآسي أن تنقض قوى التطور والتاريخ القاسية التي لا ترحم ولا تلين على ذلك النظام الفذ وعلى جميع معالم الحضارة التي كان هو أهم عناصرها فتدمرها تدميرا.
стр. 1345
الباب السابع والعشرون
الثورة والتجديد
الفصل الأول
الخطر الأبيض
النزاع بين آسية وأوربا - البرتغاليون - الأسبان - الهولنديون -
الإنجليز - تجارة الأفيون - حروب الأفيون - فتنة بنج تاي - منج-
حرب اليابان - محاولة تمزيق الصين- "الباب المفتوح" - الإمبراطورة
الوالدة - إصلاحات كوانج شو - عزله - الملاكون - الغرامة الحربية
اتخذت هذه القوى شكل الانقلاب الصناعي. فقد نشطت أوربا وتجدد شبابها على أثر كشف القوى الآلية واستخدامها في صنع الآلات ومضاعفة الإنتاج. وما لبثت أوربا أن وجدت نفسها قادرة على إنتاج سلع أرخص من التي تنتجها أية أمة أو قارة ظلت تعتمد على الصناعات والحرف اليدوية. وعجزت أوربا عن تصريف منتجات آلاتها بين سكانها، لأنها كانت تؤدي لعمالها أجوراً أقل بعض الشيء من القيمة الكاملة لجهودهم، واضطرت من أجل ذلك إلى البحث عن أسواق خارجية لتصرف فيها ما زاد من منتجاتها على حاجتها، فكان لا بد لها أن تستعمر ودفعها الاستعمار إلى الحروب. وأصبح القرن التاسع عشر بحكم الظروف القائمة فيه وبدافع الاختراعات الكثيرة التي تعاقبت في خلاله لا ينقطع فيه النظام بين ما كان في آسية من حضارة قديمة ناضجة منهوكة، وما قام في أوربا الصناعية من حضارة فتية، قوية منهومة.
стр. 1346
وكان الانقلاب التجاري الذي حدث في أيام كولمب هو الذي أفسح الطريق ومهد السبيل للانقلاب الصناعي. فقد كشف الرحالة عن أراضي قديمة، وفتحوا ثغوراً جديدة، ونقلوا إلى الثقافات القديمة منتجات الغرب وأفكاره. وكان البرتغاليون المغامرون في أوائل القرن السادس عشر قد استولوا على جزائر ملقا، وكانوا من قبل قد ثبتوا أقدامهم في بلاد الهند، ثم طافوا حول شبه جزيرة الملايو، ووصلوا بسفائنهم الجميلة ومدافعهم الرهيبة إلى كانتون (١٥١٧).
وكان أولئك القادمون خلقاً متوحشين لا يخضعون لقانون، ويعدون كل الشعوب الشرقية فريسة مشروعة مباحة لهم، ولم يكونوا يفترقون إلا قليلاً عن القراصنة .. إن كان بين هؤلاء وبينهم فرق على الإطلاق (١) … ، وعاملهم الصينيون معاملة القرصان فألقوا بممثليهم في السجون، ورفضوا ما عرضوه عليهم من تجارة حرة، وكثيرا ما طهر الصينيون الغضاب الحانقون الأحياء التي استقر فيها البرتغاليون بذبح ساكنيها. ولكن البرتغاليين أعانوا الصينيين على قتال غيرهم من القرصان، فكان جزاؤهم على هذه المعونة أن منحتهم بيكين حق الإقامة في مكاو وحكمها كأنها ملك لهم، فشادوا في تلك المدينة مصانع كبيرة لصنع الأفيون، وأجازت لهم أن يستخدموا في هذه المصانع الرجال والنساء والأطفال. ودرت عليهم هذه الصناعة أرباحاً عظيمة يكفي لمعرفة مقدارها أن نقول أن مصنعاً واحداً كان يعود على الحكومة البرتغالية التي أنشئت في هذا الإقليم بربح مقداره ٠٠٠ ر ٥٦٠ ر ١ دولار في كل عام (٢).
ثم جاء الأسبان وفتحوا جزائر الفلبين في عام ١٥٧١ م واستقروا في جزيرة فرموزا الصينية؛ وأعقبهم الهولنديون، وفي عام ١٦٣٧ م أقبلت خمس سفن إنجليزية وصعدت في النهر إلى كانتون وأسكتت بمدافعها القوية المدافع التي قاومتها وأنزلت في المدينة بضائعها (٣). وعلم البرتغاليون الصينيين شراء الدخان وشربه، ثم بدأ في مستهل القرن الثامن عشر استيراد الأفيون من الهند إلى الصين. وحرمت
стр. 1347
الحكومة الصينية على الشعب تعاطي الأفيون، ولكن عادة تعاطيه انتشرت انتشار النار في الهشيم حتى بلغ ما استورد منه إلى الصين في عام ١٧٩٥ م أربعة آلاف صندوق (١). وحرمت الحكومة استيراده في تلك السنة وكررت هذا التحريم في عام ١٨٠٠ م ولجأت إلى المستوردين وإلى الأهلين على السواء تبين لهم ما لهذا المخدر القوي من أثر في إضعاف حيوية الأمة. ولكن تجارة الأفيون لم تنقطع رغم هذا التحريم، ولم تكن رغبة الصينيين في شرائه أقل من رغبة الأوربيين في بيعه، ولم يجد الموظفون حرجاً في تناول الرشاوي التي كانت تقدم إليهم ليتغاضوا عن أوامر التحريم بل كانوا يتقبلونها شاكرين.
وأصدرت حكومة بيكين في عام ١٨٣٨ م أمراً بالتشديد في تنفيذ قرار تحريم استيراد الأفيون، وجاء موظف قوي يدعى لن تزه- شو فأمر من في كانتون من المستوردين الأجانب أن يسلموا ما في مخازنهم منه. فلما أبوا حاصر الأحياء الأجنبية وأرغمهم على أن يسلموه عشرين ألف صندوق من هذا المخدر، ثم أقام في كانتون شبه حفلة أفيونية أتلف فيها هذه الكمية كلها. وعلى أثر هذا انسحب البريطانيون إلى هنج كنج وبدأت "حرب الأفيون" الأولى. وقال الإنجليز إن الحرب لم تكن حرب أفيون، بل كان سببها أنهم غضبوا لما أظهرته الحكومة الصينية من قحة وغطرسة في استقبالها ممثليهم أو برفضها استقبالهم، وما وضعته أمامهم من عقبات في صورة ضرائب باهظة ومحاكم فاسدة مرتشية أقامتها القوانين والعادات الصينية تعطل بها تجارة منظمة مشروعة. وأطلقوا المدافع على المدن الصينية التي كان في وسعهم أن يصلوا إليها من الشاطئ وأرغموا الصين على طلب الصلح باستيلائهم على مصب القناة الكبيرة عند شنكيانج. ولم تذكر معاهدة نانكنج شيئاً عن الأفيون، وتخلت الصين بمقتضاها عن هنج كنج إلى
стр. 1348
البريطانيين، وأرغمت الصين على تخفيض الضرائب إلى ٥%، وفتحت للتجارة الأجنبية خمسة "ثغور معاهدات" (كانتون، وأموي، وفوتشو، وتنجبو، وشنغهاي)، وفرضت على الصين غرامة حربية لتغطية نفقات الحرب وما أتلفته من أفيون، واشترطت أن يحاكم الرعايا البريطانيون في الصين، إذا اتهموا بمخالفة قوانين البلاد، أمام محاكم بريطانية (٥). وطلبت عدة دول أخرى منها الولايات المتحدة الأمريكية وفرنسا أن تطبق هذه "الامتيازات الأجنبية" على تجارها ورعاياها المقيمين في الصين وأجيبت إلى طلبها.
وكانت هذه الحرب بداية انحلال النظام القديم. ذلك أن الحكومة خذلت أشد الخذلان في نزاعها مع الأوربيين، فقد سخرت منهم أولاً، ثم تحدتهم بعدئذ، ثم خضعت لهم آخر الأمر، ولم تفد الألفاظ الظريفة المعسولة في إخفاء الحقائق عن الوطنيين المتعلمين أو الأجانب المتربصين.
وسرعان ما ضعف سلطان الحكومة في كل مكان تسربت إليه أخبار هزيمتها، وما لبثت القوى التي كانت من قبل صامتة خاضعة والتي كانت تظل صامتة خاضعة لولا هذه الهزيمة- ما لبثت هذه القوى أن ثارت علناً على حكومة بيكين. من ذلك أن وطنياً متحمساً يدعى هونج سيو- شوان، بعد أن تعلم طرقاً من البروتستنتية وتراءت له بعض الخيالات الوهمية اعتقد في عام ١٨٤٣ م أن الله قد اختاره ليطهر الصين من عبادة الأوثان ويحولها إلى المسيحية. وبعد أن بدأ هونج عمله بهذه الدعوة المتواضعة تزعم آخر الأمر حركة ترمي إلى القضاء على أسرة المنشو الحاكمة وإيجاد أسرة جديدة هي أسرة التاي بنج أي السلم العظيم، وحارب أتباعه حرب الأبطال البواسل يحدوهم التعصب الديني من جهة والرغبة في إصلاح الصين على غرار الدول الأوربية من جهة أخرى، وحطموا الأصنام، وقتلوا المخالفين من الصينيين، وأتلفوا كثيراً من دور الكتب والمجامع العلمية القديمة ومصانع الخزف القائمة في جنج ده- جَن، واستولوا على نانكنج وظلت في
стр. 1349
أيديهم اثنتي عشرة سنة (١٨٥٣ - ١٨٦٥ م)، وزحفوا على بيكين وزعيمهم من خلفهم في مأمن من الأعداء منغمس في ترفه وملذاته؛ ولكنهم هزموا وتشتتوا لعجز قادتهم، وارتدوا إلى أحضان إخوانهم مئات الملايين الصينيين (٦).
وبينما كانت فتنة تاي- بنج الصماء تمزق الصين وتقطع أوصالها اضطرت الحكومة إلى مواجهة أوربا مرة أخرى في "حرب الأفيون" الثانية (١٨٥٦ - ١٨٦٠ م). وكان سببها أن بريطانيا العظمى، تعاونها فرنسا والولايات المتحدة معاونة تقوى تارة وتضعف تارة أخرى، طلبت إلى الصين أن تجعل تجارة الأفيون تجارة مشروعة (وكانت هذه التجارة قد ظلت قائمة بين الحربين رغم ما صدر من الأوامر بتحريمها)، وأن تسمح لها بالدخول في مدن جديدة غير التي كانت قد سمح لها بدخولها، وأن يستقبل الرسل الغربيون بما يليق بهم من التكريم في بلاط بيكين. فلما رفض الصينيون هذه المطالب استولى البريطانيون والفرنسيون على كانتون، وأرسلوا حاكمها مقيداً بالأغلال إلى الهند، واقتحموا حصون تينتسين وزحفوا على العاصمة، ودمروا القصر الصيفي انتقاماً لما نال مبعوثي الحلفاء من تعذيب وقتل على يد الصينيين في بيكين. وأملى الغزاة الظافرون على المهزومين معاهدة فتحت لهم بمقتضى شروطها ثغور جديدة كما فتح نهر جنج- دزه للتجارة الأجنبية، وحددت طريقة لاستقبال الوزراء الأمريكيين والأوربيين في الصين على قدم المساواة مع الوزراء الصينيين، ووضعت الضمانات القوية لسلامة المبشرين والتجار الأجانب والسماح لهم بممارسة نشاطهم في جميع أجزاء الصين، وأخرجت البعثات التبشيرية من اختصاص المحاكم والموظفين، وزادت في امتيازات أبناء الأمم الغربية وتحررهم من الخضوع لقوانين البلاد، وأعطت بريطانيا قطعة من الأرض مقابلة لهنج كنج؛ وجعلت استيراد الأفيون عملاً مشروعاً، وفرضت على الصين غرامة حربية لينفق منها على إخضاعها لسلطان الغربيين وتدريبها على أساليبهم.
стр. 1350
وشجعت الأمم الأوربية انتصاراتها السهلة فأخذت تقتطع من الصين قطعة بعد قطعة، فاستولت الروسيا على الأراضي التي تقع في شمال نهر عامور وشرق نهر الأوسوري (١٨٦٠ م)، وانتقم الفرنسيون لموت أحد المبشرين بالاستيلاء على الهند الصينية (١٨٨٥ م)، وانقضت اليابان على جارتها ومصدر حضارتها وأثارت عليها حرباً فجائية (١٨٩٤ م)، وهزمتها بعد عام واستولت على فرموزا وحررت كوريا من الصين لتستولي عليها فيما بعد (١٩١٠ م)، وفرضت على الصين غرامة حربية تبلغ ٠٠٠ ر ٠٠٠ ر ١٧٠ دولار لما سببته لها من متاعب جمة (٧). ومنعت الروسيا اليابان أن تستولي على شبه جزيرة لياتنج على أن تؤدي الصين إلى اليابان غرامة إضافية، فلما انقضت ثلاث سنين من ذلك الوقت استولت الروسيا نفسها على شبه الجزيرة وأقامت فيها عدة حصون منيعة. وكان مقتل اثنين من المبشرين على يد الصينيين سبباً في استيلاء ألمانيا على شبه جزيرة شانتنج (١٨٩٨ م)، ثم قسمت الدولة الصينية التي كانت تحكمها من قبل حكومة قوية إلى "مناطق نفوذ" تستمتع فيها هذه الدولة الأوربية أو تلك بامتيازات في التعدين أو التجارة لا تشاركها فيها غيرها من الدول. وخشيت اليابان أن تقسم الصين تقسيماً حقيقياً بين الدول الغربية، وأدركت شدة حاجتها إلى الصين في مستقبل الأيام، فانضمت إلى أمريكا وطالبت الدولتان بسياسة "الباب المفتوح"، أي بحق الدول جميعاً في الاتجار مع الصين على قدم المساواة رغم اعترافها بما للدول في الصين من "مناطق نفوذ"، على أن تكون الضرائب الجمركية ونفقات النقل واحدة لجميع الدول على السواء. وأرادت الولايات المتحدة أن تضع نفسها في مركز يمكنها من أن تساوم على هذه المسائل، فوضعت يدها على جزائر الفلبين (١٨٩٨ م) وأعلنت بعملها هذا عزمها على أن تشترك في النزاع القائم من أجل الاتجار مع الصين.
وفي هذه الأثناء كان فصل آخر من الرواية يمثل وراء جدران القصر الإمبراطوري في بيكين. ذلك أنه لما دخل الحلفاء عاصمة الصين ظافرين في
стр. 1351
نهاية "حرب الأفيون" الثانية (١٨٦٠ م) فر الإمبراطور الشاب شيان فنج إلى جيهول حيث توفي بعد عام واحد من ذلك الوقت وترك العرش لابنه البالغ من العمر خمس سنين، فما كان من زوجة الإمبراطور الثانية أم ذلك الغلام إلا أن استولت على مقاليد الحكم وتسمت باسم تزه شي- وعرفها العالم باسم الإمبراطورة الوالدة- وحكمت الصين حكماً طيباً صارماً مجرداً من الرحمة دام جيلاً كاملاً. وكانت هذه السيدة في شبابها قد حكمت البلاد بقوة جمالها، أما الآن فقد حكمتها بقوة إرادتها. ولما مات ولدها عند بلوغه سن الرشد (١٨٧٥ م) لم تعبأ الإمبراطورة بالسوابق ولم تأبه بالمعارضين وأجلست على العرش غلاماً قاصراً- جوانج تشو- واستبقت مقاليد الحكم في يدها. وحافظت هذه الإمبراطورة الجريئة على السلام في بلاد الصين نحو ثلاثين عاماً مستعينة في ذلك برجال من دهاقين السياسة أمثال لي هونج- جانج، وأرغمت الدول الجشعة على أن تحسب للصين بعض الحساب. فما أن انقضت اليابان على الصين فجأة، وأسرعت الدول الأوربية إلى تقطيع أوصال البلاد تقطيعاً جديداً بعد انتصار اليابانيين عليها، قامت في عاصمة الصين حركة قوية تطالب بأن تحذو حذو اليابان التي أخذت بأساليب الدول الغربية- أي أن تجيش جيشاً قوياً، وأن تنشئ المصانع وتمهد الطرق وأن تحاول الحصول على الثروة الصناعية التي مولت بها اليابان وأوربا حروبهما الظافرة. وقاومت الإمبراطورة ومستشاروها هذه الحركة بكل ما لديهم من قوة، ولكن جوانج شو انضم إليهم سراً، وكان قد أذن له أن يتربع على العرش وأن يكون إمبراطوراً بحق. فلم تشعر الإمبراطورة ومستشاروها إلا وقد أصدر جوانج إلى الشعب الصيني (في عام ١٨٩٨ م) من غير أن يستشير "بوذا العجوز" (وهو الاسم الذي كانت حاشية الإمبراطورة تطلقه عليها) عدة مراسيم عجيبة لو أن البلاد قبلتها وعملت بها لسارت سيراً حثيثاً سلمياً في طريق الأخذ بأساليب الغرب ونظمه، ولحال أخذها بها دون سقوط الأسرة المالكة وتدهور الأمة في هاوية الفوضى والشقاء.
стр. 1352
فقد أمر الإمبراطور الشاب بإقامة نظام جديد للتعليم وإنشاء مدارس لا يقتصر التعليم فيها على كتب كنفوشيوس وأتباعه القدماء بل تدرس فيها أيضاً الثقافة الغربية في العلوم والآداب والفنون الصناعية؛ وشجع على إنشاء الطرق وإصلاح الجيش والبحرية، وكان يهدف بهذا إلى الاستعداد لمواجهة "الأزمة" المقبلة على حد قوله هو "لأننا محاطون من كل ناحية بجيران أقوياء يريدون بختلهم أن يظفروا بنا، ويحاولون بتألبهم علينا أن يغلبونا على أمرنا" (٧). وهال الإمبراطورة الوالدة أن يصدر الإمبراطور هذه المراسيم التي رأت فيها تطرفاً لا تحمد مغبته فسجنت جوانج شو في أحد القصور الإمبراطورية، ونقضت مراسيمه، وقبضت بيدها مرة أخرى على أزمة الحكم في الصين.
وبدأ في ذلك الوقت رد فعل عنيف ومعارضة قوية لجميع الأفكار الغربية اتخذتهما الإمبراطورة الداخلية عوناً لها على الوصول إلى أغراضها. وكان بعض العصاة قد أقاموا في البلاد جماعة تعرف باسم أي هو- جوان؛ أي قبضات التوافق الصالحة. ويطلق عليهم المؤرخون اسم "الملاكمين" (البكسر). وكانت هذه الجماعة تهدف في الأصل إلى خلع الإمبراطورة والأسرة المالكة. ولكن الإمبراطورة أفلحت في إقناع زعمائها بأن يوجهوا هذه الحركة وقوّتها لمقاومة الغزاة الأجانب بدل أن يوجهوها لمقاومتها هي. وقبل الملاكمون أن يصدعوا بأمرها ونادوا بإخراج جميع الأجانب من بلاد الصين، وجرفهم تيار الوطنية العارمة فشرعوا يذبحون المسيحيين بلا تفريق بين الطيب منهم والخبيث في كثير من أنحاء الصين (١٩٠٠ م). فما كان من الجيوش المتحالفة إلا أن زحفت مرة أخرى على بيكين، وكان زحفها في هذه المرة لحماية مواطنيها الذي استولى عليهم الرعب فاختبئوا في أركان دور السفارات الأجنبية. وفرت الإمبراطورة وحاشيتها إلى شيانغو، وانقضت جيوش إنجلترا وفرنسا والروسيا وألمانيا واليابان والولايات المتحدة على المدينة، وأعملت فيها السلب والنهب،
стр. 1353
وقتلت كثيراً من الصينيين انتقاماً منهم لمواطنيها، وخربت كثيراً من الممتلكات القيمة أو نهبتها (١). وفرض الحلفاء على عدوهم المهول المغلوب غرامة حربية مقدارها ٠٠٠ ر ٠٠٠ ر ٣٣٠ دولار يجمعها الأوربيون من المكوس المفروضة على الواردات الصينية وعلى احتكار الملح. على أن جزءاً كبيراً من هذه الغرامة قد رفعته فيما بعد الولايات المتحدة، وبريطانيا العظمى، والروسيا، واليابان، عن الصين. وكانت هذه الدول تشترط عليها عادة أن تنفق الأموال التي نزلت عنها على تعليم الطلبة الصينيين في جامعات الدول التي كانت هذه الأموال من حقها. وكان هذا منها عملاً كريماً كان له من الأثر في تحطيم الصين القديمة أقوى مما كان لأي عمل آخر بمفرده في الصراع التاريخي المرير بين الشرق والغرب.
стр. 1354
الفصل الثاني
حضارة تموت
طلبة الغرامة الحربية - تشربهم بالحضارة الغربية - أثرهم في
تفكك الوحدة الصينية - عمل المبشرين - صون يات - صن
المسيحي - مغامراته في شبابه - التقاؤه بلي هونج - جانج -
تدبيره للثورة - نجاحهما - يو آن شي - كاي - موت صون
بات - صن - الفوضى والنهب - الشيوعية - "الشمال
يهدأ" - جيانج كاي - شك - اليابان في منشوريا - شنغهاي
وغادر "طلبة الغرامة" وآلاف غيرهم من الطلبة بلاد الصين ليرتادوا حضارة الغزاة الفاتحين. فذهب كثيرون منهم إلى إنجلترا، وذهب أكثر من هؤلاء إلى ألمانيا، وأكثر من هؤلاء وأولئك إلى أمريكا، وأكثر منهم جميعا إلى اليابان، وتخرج في جامعات أمريكا وحدها مئات منهم في كل عام. وكانوا يأتون إلى هذه الجامعات وهم صغار السن سريعوا التأثر قبل أن تنضج عقولهم، فيدركوا ما تنطوي عليه حضارتهم القومية من عمق ومالها من قيمة، وارتووا وهم شاكرون معجبون من معين التربية الجديدة التي قدمت لهم، ومن علوم الغرب وأساليبه وأفكاره، وأدهشهم ما شاهدوه حولهم من وسائل الراحة والحياة النشيطة القوية، ومن حرية الأفراد في بلاد الغرب، وما تستمتع به الشعوب من حقوق. ودرسوا الفلسفة الغربية وفقدوا إيمانهم بدين آبائهم، وسرهم أن يكونوا مصلحين متطرفين يشجعهم في ذلك من لقنوهم علومهم وحضارتهم، كما تشجعهم بيئتهم الجديدة على نبذ جميع العناصر التي تتكون منها حضارة بلادهم. ورجع إلى الصين في كل عام آلاف من هؤلاء الشبان الذي انتزعوا من بيئتهم في حداثة سنهم وهم حانقون على تأخر بلادهم المادي وخطوها البطيء في سبيل الحضارة الغربية، وبذروا في كل مدينة دخلوها بذور البحث والثورة على القديم.
стр. 1355
وأعانتهم على غرضهم سلسلة من الحوادث والظروف، منها أن التجار والمبشرين الذي غزوا الصين من الغرب قد ظلوا قرابة جيلين مراكز للعدوى الغربية أرادوا هم ذلك أو لم يريدوه، فقد كان طراز معيشتهم وأساليب متعتهم وراحتهم مما بعث في نفوس من حولهم من شباب الصين رغبة قوية في أن ينالوا حظاً من هذه الحضارة الراقية. وكان هؤلاء التجار والمبشرون رغم قلتهم قد قوّضوا بنشاطهم العقيدة الدينية التي كانت دعامة القانون الأخلاقي القديم؛ وأثاروا شبان البلاد على شيوخها بدعوتهم إلى نبذ عبادة الآباء؛ ومع أنهم كانوا يدعون إلى دين عيسى المسالم الوديع فقد كانوا إذا تأزمت الأمور تحميهم مدافع ترهب الشرق بضخامتها وقوتها وتخضعه لسيطرة الأوربيين. لقد كانت المسيحية في أول نشأتها ثورة المظلومين على الظالمين، وهاهي ذي قد عادت في يد معتنقيها من شباب الصين عاملاً من عوامل الثورة.
وكان زعيم الثورة ممن اعتنقوا المسيحية. ذلك أن أحد المستأجرين من الزراع القاطنين قرب كانتون قد ولد له في عام ١٨٦٦ م ولد مشاغب سماه العالم فيما بعد- في سخرية غير مقصودة- صون يات- صن؛ أي الشمس جنية السكينة (١٠). واعتنق صون المسيحية وقوى إيمانه بها فاندفع يحطم أصنام الآلهة في معبد قريته. وكان لهذا الغلام أخ له أكبر منه سناً هاجر من قبل إلى جزائر هاواي، فجاء بأخيه الأصغر إلى هنولولو وأدخله مدرسة يديرها راهب من أتباع الكنيسة الإنجليزية ويسير التعليم فيها بالأساليب الغربية البحتة (١١). ولما عاد صون إلى الصين التحق بالكلية الحربية البريطانية فكان أول من تخرج فيها من الصينيين.
وكانت هذه الدراسات من أكبر الأسباب التي أفقدت الرجل كل ما كان في قلبه من العقائد الدينية، كما كانت الإهانات وضروب الإذلال التي يلقاها هو وأبناء وطنه في الجمارك التي يسيطر عليها الأوربيون وفي الأحياء الأجنبية من
стр. 1356
ثغور المعاهدات مما أوغر صدره وجعله يفكر في الثورة. وكان عجز الحكومة الفاسدة الرجعية عن أن تقي الصين العظيمة مذلة الهزيمة على يد اليابان الصغيرة، وتجزئة البلاد بين الدول الأوربية لأغراضها التجارية، مما أشعره بالمذلة وملأ قلبه حقداً وضغينة على تلك الحكومة، فاعتقد أن أول خطوة يجب عليه أن يخطوها في سبيل تحرير الصين هي أن يقضي على أسرة المنشو.
وكانت أولى حركاته شاهداً حقاً على ثقته بنفسه، ومثاليته، وبساطته. ذلك أنه ركب سفينة تجارية دفع أجرها من ماله الخاص وسار بها مدى ألف وستمائة ميل نحو الشمال ليعرض على لي هونج- جانج نائب الملكة الوالدة مشروعاته التي تهدف إلى إصلاح أحوال البلاد واستعادة عزها وكرامتها. فلما رفض هذا الحاكم مقابلته بدأ حياة كلها مغامرات وتجوال لجمع المال الذي يؤجج به نار الثورة الصينية، ولقي معونة من كثير من النقابات التجارية والجمعيات السرية القوية التي كان قادتها يحسدون الطبقة الحاكمة الأرستقراطية ويتوقون إلى إقامة نظام للحكم يكون فيه للطبقات الحديثة من أرباب المصانع والمتاجر شأن يتناسب وثروتهم المتزايدة. ثم غادر الصين وأبحر إلى أمريكا وأوربا يجمع المال القليل من ملايين الغسالين وآلاف التجار الصينيين. فلما جاء إلى لندن اعتقلته المفوضية الصينية دون سند قانوني وأوشكت أن ترسله سراً إلى الصين مكبلاً بالأغلال بحجة أنه خائن لحكومته، ولم ينجه إلا مبشر ممن علموه في صباه، فنبه الحكومة البريطانية وتدخلت هذه في الأمر وأنقذته. وظل خمسة عشر عاماً أخرى يتنقل من مدينة إلى مدينة في جميع أنحاء العالم، وجمع في تجواله مليونين ونصف مليون من الدولارات ليمول بها الثورة، ويلوح أنه لم ينفق شيئاً من هذا المال على نفسه. ثم جاءته على حين غفلة في أثناء تجواله رسالة تنبئه أن قوات الثورة قد استولت على الجزء الجنوبي من بلاد الصين، وأنها بسبيل الاستيلاء على شمالها، وإنما اختارته رئيساً مؤقتاً للجمهورية الصينية. وبعد بضعة أسابيع من
стр. 1357
ذلك الوقت رست السفينة التي أقلته في هنج كنج التي لقي في ثغرها المذلة منذ عشرين عاماً على يد الموظفين البريطانيين.
وكانت الإمبراطورة الوالدة قد قضت نحبها في عام ١٩٠٨ م بعد أن دبرت موت الإمبراطور السجين جوانج شو قبل موتها بيوم واحد، وخلفها على العرش بويسي ابن أخي جوانج، وهو الآن إمبراطور منشوكو (١). وأدخلت الحكومة الصينية في أواخر حكم الإمبراطورة الوالدة وأوائل حكم حليفها الطفل كثيراً من ضروب الإصلاح التي تهدف إلى تجديد البلاد وصبغها بالصبغة الغربية الحديثة؛ فمدت الطرق الحديدية مستعينة في الغالب برؤوس الأموال الأجنبية وبخبرة الأجانب وإشرافهم، وألغى نظام الامتحان للتعيين في المناصب الحكومية، وأنشئ نظام جديد للتعليم، ودعيت جمعية وطنية لتجتمع في عام ١٩١٠ م، ووضع مشروع يستغرق تنفيذه تسع سنين يهدف إلى إقامة حكومة ملكية دستورية وينتهي بتعميم حق الانتخاب بعد أن يتدرج خطوة خطوة مع انتشار التعليم العام في البلاد. وجاء في المرسوم الذي أعلن به هذا المنهج ما يأتي: "كل تسرُّع في إدخال هذه الإصلاحات سيؤدي في النهاية إلى ضياع كل ما بذل فيها من جهود" (١٣). ولكن الثورة لم تكن لتوقف تيارها هذه النوبة التي جهرت بها الأسرة المريضة وهي على فراش الموت، وألفى الإمبراطور الشاب نفسه تحيط به الثورة من كل جوانبه، وقد تخلى عنه الجيش فلم يجد من يدافع عنه، فلم ير بُداً من أن يعلن تخليه عن العرش، وأصدر نائب الإمبراطور الأمير جون مرسوماً هو أعجب ما صدر من المراسيم في تاريخ الصين كله:
إن الشعب في جميع أنحاء الإمبراطورية يتجه الآن بعقله نحو الجمهورية …
стр. 1358
إن إرادة الله واضحة ورغبات الشعب غير خافية. فكيف أستطيع أن أعارض رغبات الملايين الكثيرة للاحتفاظ بمجد أسرة واحدة وكرامتها؟ ومن أجل ذلك فإني أنا والإمبراطور نرى أن تكون الحكومة في الصين جمهورية دستورية إجابة لرغبات الشعب في داخل الإمبراطورية كلها، وعملاً بآراء الحكماء الأقدمين الذي كانوا يرون أن العرض تراث عام (١٤).
وكانت الثورة كريمة كل الكرم في معاملتها لبو- يى؛ فقد أمنته على حياته ومنحته قصراً مريحاً ومرتباً سنوياً يقوم بشئونه وخليلة يسكن إليها. لقد جاء المنشو إلى الصين آساداً وخرجوا منها حملاناً.
وكان مولد الثورة هادئاً سلمياً، ولكن حياتها كانت حياة عاصفة مليئة بالأحداث. فقد كان ليوان شي- كاي وهو سياسي من الطراز القديم جيش قادر على مقاومة الثورة. وطلب أن يكون ثمن تأييده إياها أن يتولى رياسة الجمهورية، وأجابه صون يات- صن إلى ما طلب واعتزل الحياة العامة في كرم وعزة نفس، وكان قد بدأ منذ قليل يستمتع بمنصبه الجديد. وأخذ يوان يعد العدة لأن يجعل نفسه إمبراطوراً وينشئ أسرة حاكمة جديدة مستعيناً في عمله هذا بجماعات مالية قوية أجنبية ووطنية؛ وحجته في هذا أن الإمبراطورية هي السبيل الوحيد لمنع تدهور الصين وتفككها. واتهمه صون يات- صن بالخيانة وأهاب بأتباعه أن يجددوا عهد الثورة، ولكن يوان مرض ومات قبل أن يصل الأمر إلى امتشاق الحسام.
ولم تعرف الصين النظام والوحدة من ذلك الحين. فقد تبين أن صون يات- صن رجل أحلام يسبح في بيداء الخيال، وأنه خطيب مفوه ولكنه سياسي عاجز عن تولي زمام الحكم وقيادة الأمة إلى بر السلام، فكان ينتقل من خطة إلى خطة ومن نظرية إلى أخرى، أغضب من عاونوه من الطبقات الوسطى بما أظهر من ميل إلى الشيوعية، وانتهى أمره بالانزواء في كانتون ليعلم شبابها ويبث فيهم روحه،
стр. 1359
ويحكم أهلها في بعض الأحيان (١). وحرمت الصين من حكومة تعترف بها جميع أجزائها، ومن ملكية كانت رمز وحدتها، ونبذت عادة الطاعة والخضوع لتقاليدها وشرائعها؛ وهي من بداية أمرها ضعيفة النزعة الوطنية التي تربط النفس بالوطن كله لا بالإقليم الذي يعيش فيه، فشبت فيها نار حرب متقطعة بين الجنوب والشمال تارة، وبين طائفة وطائفة تارة أخرى، ثم بين السراة والجياع، وبين الشيوخ والشبان. وقام المغامرون يجيشون الجيوش ويفرضون سلطانهم على الولايات النائية يجبون منها الضرائب ويزرعون الأفيون (١٥) ويخرجون بجنودهم من حين إلى حين ليضموا ضحايا جدداً إلى رعاياهم المساكين. واضطربت أحوال الصناعة والتجارة واضمحلت لكثرة ما كان يفرضها عليها قائد منتصر بعد قائد. وأخذ اللصوص وقطاع الطريق يفرضون الإتاوات، وينهبون ويقتلون، لأنهم لا يجدون قوة منظمة تقف في وجههم وتضرب على أيديهم. ووجد الناس في التلصص والجندية وقاية لهم من الهلاك جوعاً، وكثيراً ما كان هذا القائد أو ذاك المنسر من اللصوص يداهم أسرة مقتصدة فيسلبها ما ادخرته طول حياتها من المال أو ما جمعته من المتاع. وحسبنا تصويراً لهذه الحال أن عدد قطاع الطريق في ولاية هونان وحدها قد بلغ في عام ١٩٣١ م- ٠٠٠ ر ٤٠٠ (١٦) أو يزيدون.
وبينما كانت هذه الفوضى ضاربة إطنابها في البلاد أرسلت الروسيا في عام ١٩٢٢ م اثنين من أقدر ساستها هما كرخان وجف ليضما الصين إلى نطاق الثورة الشيوعية. ومهد كرخان لعمله هذا بنزول الروسيا عمالها من امتيازات في الصين، وبتوقيع معاهدة تعترف فيها بشرعية حكومة الثورة وبمركزها الدولي. ولم يجد جف الداهية صعوبة ما في أن يستميل صون يات- صن إلى الشيوعية لأن جميع السلطات الأخرى كانت قد نبذته، ولم يمض إلا وقت قصير حتى تكون جيش وطني جديد ودرب بمعونة سبعين من الضباط السوفيت. وزحف هذا
стр. 1360
الجيش من كانتون إلى الشمال تحت إمرة "جيانج كاي- شك" أمين سر صون يات- صن السابق، ويقوده عملياً المستشار الروسي برودين يخضع بلدة في إثر بلدة حتى استقر أخيراً في بيكين (١). ولكن المنتصرين انقسموا على أنفسهم في ساعة النصر فخرج جيان كاي- شك على الحركة الشيوعية وأقام دكتاتورية عسكرية إجابة لرغبات رجال الأعمال والمال (٢).
إن الأمم كالأفراد من العسير عليها إلا تفيد من مصائب جيرانها. ومصداق ذلك أن اليابان، التي كان يبغي صون يات- صن أن تكون صديقة الصين وحليفتها على الأمم الغربية، والتي شجعت الثورة الصينية بنجاحها السريع في السير على النظم الأوربية في الصناعة والسياسة والحرب، نقول إن اليابان وجدت في الفوضى التي تردت فيها معلمتها القديمة فرصة سانحة لحل المشكلة التي أثارها نجاحها هي وتقدمها السريع. ذلك أن اليابان لم يكن في وسعها أن تحد من عدد سكانها دون أن تعرض سلامتها للخطر الشديد بعجزها عن صد من تحدثه نفسه بالإغارة عليها؛ ولم يكن في وسعها كذلك أن تكون سكانها المتزايدين إلا إذا زادت مواردها بتشجيع الصناعة والتجارة؛ وليس في وسعها أن تشجع الصناعة والتجارة من غير أن تستورد الحديد والفحم وغيرهما من المواد الأولية التي لا تجدها في بلادها، وليس في وسعها أن تنمي تجارتها وأن تفيد منها أكبر فائدة دون أن يكون لها نصيب موفور في السوق العظيمة الوحيدة التي لا تزال خارجة عن نطاق الاستعمار الأوربي الذي شمل الكرة الأرضية كلها. وكانت الصين
стр. 1361
مشهورة بكثرة ما فيها من الحديد والفحم ويرجى منها أن تكون في المستقبل أعظم الأسواق العالمية. وهي إلى ذلك أقرب الأسواق إلى اليابان. وهل في العالم أمة يبدو لها أن في مقدورها أن تختار بين العودة إلى الزراعة والفاقة والمذلة، وبين التقدم في الصناعة والفتح والاستعمار ثم تستطيع أن تقاوم الميل الشديد إلى اختطاف جزء من الصين الضعيفة المقطعة الأوصال في الوقت الذي كانت فيه النسور الأوربية يقطع بعضها أشلاء بعض في ميدان فرنسا (١).
من أجل هذا أعلنت اليابان الحرب على ألمانيا في بداية الحرب الأولى، وانقضت على إقليم جياو جو وهو الإقليم الذي كانت ألمانيا قد استأجرته من الصين قبل ذلك الوقت بستة عشر عاماً، ثم قدمت إلى حكومة يوان شي كاي "واحد وعشرين مطلبا" لو أجابتها الصين لأصبحت مستعمرة سياسية واقتصادية لليابان، ولولا احتجاج الولايات المتحدة ومقاطعة الصينيين بزعامة طلابها الغضاب للبضائع اليابانية لنفذت هذه المطالب قوة واقتداراً. ذلك أن الطلاب انطلقوا في شوارع المدن الصينية يبكون أو يقتلون أنفسهم لأنهم يستحون أن يرى الناس وجوههم بعد هذا الإذلال الذي حاق ببلادهم (١٧).
وكان اليابانيون يستمعون وهم ساخرون إلى غضب أوربا واحتجاجها وهي التي ظلت تنخر في عظام الصين خمسين سنة أو تزيد. وارتدت اليابان دون أن تصل إلى أهدافها ولكنها ظلت تتحين فرصة أخرى تحقق فيها أطماعها. ولاحت لها هذه الفرصة حين كانت أوربا وأمريكا تترديان في عواقب خططهما الصناعية الاستعمارية التي كانت تعتمد على الأسواق الأجنبية لاستيعاب "الفائض" من محصولاتها التي لا يستطيع منتجوها أن يبتاعوها. وزحفت اليابان على منشوريا وأقامت بو يي إمبراطور الصين السابق رئيساً لجمهورية منشوكو التي أنشأتها في ربوعها ثم نصبته بعدئذ إمبراطوراً عليها. ثم عقدت مع الدولة الجديدة حلفاً
стр. 1362
سياسياً، ثم تغلغلت فيها اقتصادياً، وسيطرت عليها عسكرياً، وجعلت لنفسها بهذه الوسائل فيها مركزاً ممتازاً يمكنها من استغلال موارد منشوريا الطبيعية، واستخدام أهلها، وفتح أسواقها للتجارة اليابانية. وانضمت الدول الأوربية التي كانت قد أنفقت فيما بينها على وقف غارات التلصص زمناً ما بعد أن جمعت كل ما تستطيع أن تجمعه من الأسلاب، انضمت هذه الدول إلى أمريكا، ووجهت احتجاجا ضعيفاً إلى اليابان على هذا النهب الصريح؛ ولكنها كانت في هذه المرة كما هي عادتها في جميع الأحوال على استعداد لأن تعد النصر مبرراً للغاية.
وكانت آخر مذلة لحقت بأوربا وأمريكا هي ما أقدمت عليه اليابان في شنغهاي. ذلك أن اليابان ثار ثائرها لما أصاب تجارتها من جراء المقاطعة الصينية، فأنزلت جيوشها المنتصرة في أغنى ثغور الصين، واحتلت حي جاباي ودمرته، وأنذرت الحكومة الصينية بأن توقف أعمال جمعيات المقاطعة. ودافع الصينيون عن أنفسهم دفاع الأبطال، وقاوم جيش الطريق التاسع عشر القادم من كانتون قوى اليابان التي كانت تفوقه عدة ونظاماً، ووقف وحده تقريباً في وجهها شهرين كاملين. ثم عرضت حكومة نانكنج على اليابان أن تتراضى وإياها على حل وسط، وانسحبت اليابان من شنغهاي، وعادت الصين تضمد جراحها، فاعتزمت أن تضع لنفسها أساس حضارة جديدة أقوى من حضارتها السابقة وأمتن منها دعامة تستطيع أن تدفع بها العالم النهم وترد مطامعه.
стр. 1363
الفصل الثالث
بداية عهد جديد
التغيير في القرية - وفي المدينة - المصانع - التجارة - اتحادات العمال-
الأجور - الحكومة الجديدة - القومية واتباع الأساليب الغربية - إنزال
كنفوشيوس عن عرشه - مناهضة الدين - المبادئ الخلقية الجديدة - التحول في
نظام الزواج - تحديد النسل - التعليم المشترك بين الذكور والإناث - "التيار الجديد"
في الأدب والفلسفة - لغة الأدب الجديدة - هوشي - عناصر التدمير - عناصر التجديد
كان كل شيء في الماضي يتغير ماعدا الشرق، أما الآن فليس شيء في الشرق لا يتغير، وأضحت أشد الأمم استمساكا بالقديم أكثرها تطرفاً بعد الروسيا، وأخذت تدمر عامدة عادات ونظماً كانت تعدها من قبل حرماً آمناً غير قابل للتعديل. فليس الأمر الآن مقصوراً على القضاء على أسرة حاكمة كما حدث في عام ١٦٤٤ م بل هو اقتلاع جذور حضارة قديمة.
وقد جرت العادة أن يكون آخر التغيير وأقله في القرية، لأن اعتدال القرية وبطء سيرها لا يشجعان على التجديد، والجيل الجديد نفسه لا بد له أن يزرع أولاً ثم يحصد ما زرعه فيما بعد. وأما الآن فإن سبعة آلاف ميل من الخطوط الحديدية تخترق الريف الصيني، ولا تزال تربط القرى الشرقية بالمدن الساحلية وتحمل كل جديد من سلع الغرب إلى الملايين من بيوت الزراع، رغم ما أصابها من الدمار في خلال الفوضى وسوء الإدارة اللذين داما عشرات السنين، ورغم ما تحملته من الأعباء الباهظة بسبب حاجات الحرب ومطالبها الملحة. ففي هذه القرى يرى السائح كثيراً من الواردات الأجنبية مثل الكيروسين، ومصابيح الكيروسين، وعيدان الثقاب، ولفافات التبغ، بل يرى فيها القمح الأمريكي نفسه. ولعل القارئ يظن أن وجود هذه البضائع والسلع في داخل البلاد أمر عادي غير جدير بالذكر؛ والحق أن
стр. 1364
نقلها إليها من أصعب الأمور لأن البلاد لا تزال جد فقيرة في وسائل النقل، حتى أن نقل البضائع بين الأقاليم الداخلية والمقاطعات الساحلية يتطلب من النفقات أكثر مما يتطلبه نقلها إلى ثغور الصين من أستراليا أو الولايات المتحدة. ولقد تبين لأهل البلاد أن نمو الحضارة من الناحية الاقتصادية موقوف على سهولة سبل النقل ووسائل الاتصال. من أجل ذلك أنشئت طرق برية يبلغ طولها نحو عشرين ألف ميل تسير عليها ستة آلاف مركبة حافلة سيراً غير منتظم مملوءة على الدوام بالركاب. فإذا ما ارتبطت هذه القرى التي يخطئها الحصر بالسيارات السريعة فإن ذلك يحدث في الصين أعظم تغيير شهدته في تاريخها الطويل وهو القضاء حتى على القحط الذي طالما هددها وأفنى الكثيرين من أهلها.
هذا في القرى أما في الحواضر فإن انتصار الأساليب الغربية يسير بخطى أسرع وأيسر، فالحرف اليدوية أخذت في الزوال بتأثير منافسة السلع الرخيصة السهلة النقل المستوردة من خارج البلاد. وقد تعطل لهذا السبب آلاف من الصناع، ولكن المصانع الآلية التي أنشئت على طول السواحل بمعونة رؤوس الأموال الأجنبية والوطنية تبتلعهم ابتلاعاً سريعاً، وقد سكت صوت الأنوال اليدوية في المدن وإن كانت لا تزال تدور في الريف، وغمر القطن والمنسوجات القطنية أسواق البلاد، وشيدت مصانع النسيج لتجعل من فقراء الصين عبيداً مسخرين للآلات، وأقيمت في هانجتشاو أفران لصهر المعادن لا تقل ضخامة وروعة عن مثيلاتها في البلاد الغربية، ووضعت مشروعات هائلة لإنشاء مخابز ومصانع لحفظ الطعام ولصنع الأسمنت والورق والصابون والشمع وتكرير السكر، وهي تعمل رويداً رويداً على تحويل العامل الصيني اليدوي إلى صانع ومشرف على الآلات. لكن الصناعات الجديدة يعوق نموها السريع تردد أصحاب رؤوس الأموال في أن يستثمروها في بلاد لا تنقطع فيها الثورات، ويلاقون فيها صعاباً جمة من جراء نقص وسائل النقل وكثرة نفقاتها وقلة المواد في داخل
стр. 1365
البلاد، ومن جراء تمسك الصينيين بتلك العادات الجميلة عادة الولاء للأسرة قبل الولاء لكل ما عداها من الجماعات، والتي تجعل كل مكتب من مكاتب الموظفين وكل مصنع معششاً للأقارب والعاجزين عن أداء عمل من الأعمال (١٩). والتجارة يعوقها فضلاً عن هذا ما يفرض عليها من الضرائب في داخل البلاد ومن الرسوم الجمركية والرشاوي وضروب الاغتصاب، وإن كانت مع ذلك تنمو أسرع من نمو الصناعة وتضطلع بدور خطير في تحول الصين الاقتصادي (١).
وقد قضت الصناعات الجديدة على نقابات أرباب الحرف القديمة وأحدثت كثيراً من الاضطراب والفوضى بين العمال وأرباب الأعمال. ذلك أن هذه النقابات كانت تعيش بفضل ما تبذله من الجهود لتحديد أجور العمال وأثمان البضائع بالتوفيق بين الملاك والمنتجين الذين لم يكن لمنتجاتهم ما ينافسها في التجارة المحلية. فلما أن اتسع نطاق التجارة بزيادة وسائل النقل، وجاءت البضائع من البلاد البعيدة تنافس في جميع المدن بضائع النقابات المصنوعة باليد، تبين لها أن ليس في استطاعتها أن تشرف على الأسعار أو تحدد الأجور من غير أن تخضع في ذلك إلى أوامر المتنافسين الأجانب وإلى رؤوس الأموال الأجنبية. ومن أجل هذا تفككت النقابات وتقسمت إلى غرف تجارية من جهة وإلى اتحادات للعمال من جهة أخرى. فالغرف تعنى بالنظام والولاء لأصحاب الأعمال وبالحرية الاقتصادية، والعمال يعنون بأجورهم المنخفضة التي تكاد تميتهم جوعاً. وقد كثر الإضراب والمقاطعة ولكن هذين قد أفلحا في إرغام أرباب الأعمال من الأجانب على التسليم للحكومة الصينية ببعض الامتيازات أكثر مما أفلحا في رفع
стр. 1366
أجور العمال. وقد قررت مصلحة الشؤون الاجتماعية التابعة لبلدية شنغهاي الصينية متوسط الأجر الأسبوعي لعمال مصانع النسيج بين ١. ٧٣، ٢. ٧٦ دولار للرجل، وما بين ١. ١٠، ١. ٧٨ دولار للمرأة. وكان متوسط الأجور الأسبوعية للرجال في المطاحن والمصانع ١. ٩٦ دولار وفي مصانع الأسمنت ١. ٧٢ دولار، وفي مصانع الزجاج ١. ٨٤، وفي مصانع الكبريت ٢. ١١؛ وكان متوسط أجر العمال المهرة في المصانع الكهربائية ٣. ١٠ وفي مصانع الآلات ٣. ٢٤ وبين عمال المطابع ٤. ٥٥ (٢٣) وما من شك في أن الزيادة الكبيرة في أجور عمال المطابع إنما ترجع إلى حسن تنظيمهم والى الصعوبة التي يعانيها أصحاب المطابع في استبدال غيرهم بهم إذا توقفوا عن العمل فجأة. وتألفت أولى اتحادات العمال في عام ١٩١٩ م وزاد عددها وقوتها حتى طلبت في أيام برودين أن تتولى هي حكم الصين؛ ولكن جيانج كاي - شك كبح جماحها من غير رحمة بعد نزاعه مع الروسيا؛ وقد سنت لمقاومتها في هذه الأيام قوانين غاية في الصرامة، ولكن عددها مع ذلك آخذ في الازدياد بسرعة لأنها الملجأ الوحيد للعمال من عنت النظام الصناعي الذي لم يعمل حتى الآن أكثر من أن يبدأ بوضع التشريع الخاص بالعمال، ولم يبدأ قط في تنفيذه (٢٤). وإن ما يعانيه صعاليك المدن في هذه الأيام من فقر مدقع وكدح يدوم اثنتي عشرة ساعة في اليوم بأجور لا تكاد تمسك الروح بالجسم، يهددهم الموت جوعا إذا لم يجدوا عملاً في يوم من الأيام، إن ما يعانيه هؤلاء الصعاليك في هذه الأيام لأسوأ مما كان يعانيه فقراء القرى في الأيام الخالية حيث لم يكن يسمح للفقراء أن يروا الأغنياء، وحيث كانوا يرضون بما قسم لهم منذ الأزل.
ولعله كان من المستطاع تجنب هذه الشرور لو أن تبدل الأحوال في شرق الصين لم يتم بغير ما تم به من السرعة ولم يبلغ ما بلغه من الكمال. إذن لكان في مقدور كبار الموظفين الصينيين، وإن فقدوا ما كان لهم من حيوية وتلوثت أيديهم بالرشوة، أن يكبحوا جماح القوى الصناعية الجديدة حتى تتأهب الصين
стр. 1367
لقبولها من غير أن تقع في براثن الفوضى والعبودية؛ وإذن لنشأت من نمو الصناعة عاماً بعد عام طبقة جديدة من السكان لعلها كانت تستطيع أن تخطو بسلام إلى ميدان السلطة السياسية، كما خطا الصناع إليها في إنجلترا وحلوا محل كبار ملاّك الأراضي الزراعية.
ولكن الحكومة الجديدة ألفت نفسها بلا جيش، ولا زعماء مجربين، ولا مال؛ ووجد الكومنتانج، أي حزب الشعب الذي أنشئ لتحرير الأمة، أن بد له أن يقف موقف العاجز وهو يرى الأمة تخضع لرؤوس الأموال الأجنبية والوطنية. وكان هذا الحزب قد ولد في مهاد الديمقراطية ونشأ في أحضان الشيوعية، ثم أضحى جل اعتماده على مصارف شنغهاي المالية، فترك الديمقراطية وانحاز إلى الدكتاتورية وحاول أن يقضي على اتحاد الصناع (١). ذلك الحزب يعتمد على الجيش، ولا بد للجيش من مال، والمال لا يأتي إلا من القروض؛ وإلى أن يكون للجيش من القوة ما يمكنه من إخضاع الصين فإن الحكومة ستظل عاجزة عن فرض الضرائب على الصين، وإلى أن تستطيع الحكومة فرض الضرائب على الصين ستظل تتلقى النصح والإرشاد من حيث تتلقى المال. على إنها مع هذا كله قد أنجزت الشيء الكثير، فقد أعادت إلى الصين إشرافها التام على التعريفة الجمركية وعلى صناعاتها - داخل نطاق قوة المال العالمية - وأنشأت ودربت وجهزت جيشاً قد يستخدم في يوم من الأيام لقتال غير الصينيين؛ ووسعت رقعة الأقاليم التي تعترف بسلطة الحكومة، وقللت في هذه الرقعة من قوة قطاع الطرق الذين كانوا يجثمون على أنفاس الأمة ويكادون يقضون على حياتها الاقتصادية. وهي تسير في هذا سيراً بطيئاً لأن إشعال نار الثورة مستطاع في يوم وليلة ولكن إقامة حكومة ثابتة يحتاج إلى جيل.
стр. 1368
وليس تفكك الصين وانفصام عرى وحدتها إلا مظهراً مما في النفس الصينية من انقسام ونتيجة لازمة له. إن أقوى ما في الصين من مشاعر في هذه الأيام هو شعور الكراهية للأجانب، وأقوى التيارات التي تجتاح الصين هو تيار محاكاة الأجانب. والصين تعرف أن الغرب لا يستحق أن تتملقه وتحاكيه؛ ولكن الصين يضطرها روح الأيام ودوافعها القوية إلى تملق الغرب ومحاكاته لأن الأمم في هذا العصر لابد لها أن تختار بين التصنيع والاسترقاق ولا ثالث لهما. ومن أجل هذا نرى الصينيين في المدن الشرقية يهجرون الحقول إلى المصانع، والثياب الفضفاضة إلى السراويل الضيقة، ونغمات الماضي البسيطة الشجية إلى موسيقى الغرب المعقدة، ويتخلون عن ذوقهم الجميل في الثياب والأثاث والفن، ويزينون جدرانهم بالصور الأوربية، ويشيدون دور الحكومة ومكاتب الأعمال على أقبح الطرز الأمريكية. وقد تخلت نساء الصين عن عادة ضغط أقدامهن من الأمام إلى الخلف وأخذن يضغطنها من اليمين إلى اليسار على آخر طراز غربي (١)، وأخذ فلاسفتها يتخلون عن مبادئ كنفوشيوس المعتدلة القنوعة الظريفة ويهرعون إلى مبادئ موسكو ولندن وبرلين وباريس ونيويورك الشرسة الخصيمة، ويتلقونها بنفس الحماسة التي كان الأوربيون يتلقون بها مبادئ النهضة في أواخر العصر الوسيط.
لقد ثلّ عرش كنفوشيوس وكان في الطريقة التي ثل بها شيء من سمات عصر النهضة وعصر الاستنارة؛ ولقد كان نبذاً لأرسطو الصين والآلهة التي عبدها الشعب من أقدم الأزمنة. وأتى على الدولة حين من الدهر اضطهدت فيه البوذية وطوائف الرهبان في الأديرة، ذلك أن ثوار الصين كانوا كثوار فرنسا ملاحدة لا يخفون عن الناس إلحادهم، ويجهرون بعدائهم للدين، ولا يعبدون غير
стр. 1369
العقل. ولعل الكنفوشية كانت تترك الناس أحراراً في عقائدهم الدينية لأنها تفترض أن الآلهة ستبقى ما بقي الفقر؛ أما الثورة فكانت تظن أن في وسعها أن تقضى على الفقر ولذلك لم تر حاجة إلى الآلهة؛ وكانت الكنفوشية ترى أن الزراعة والأسرة هما نظام الحياة العملية والاجتماعية الطبيعية ولذلك شادت صرحاً للأخلاق يهدف إلى حفظ النظام وإشاعة القناعة في نطاق دائرة البيت والحقل؛ أما الثورة فوجهتها الصناعة وهي في حاجة إلى أخلاق جديدة تتفق مع الحياة الفردية في الحواضر. وقد بقيت الكنفوشية لأن الوصول إلى المناصب السياسية والمهن العلمية كان يتطلب معرفة مبادئها والآخذ بها، أما الآن فنظام الامتحانات قد انقضى عهده وحلت العلوم الطبيعية في المدارس محل الفلسفة الأخلاقية والسياسية؛ وأضحى الرجل لا يصاغ للحكم بل يصاغ للصناعة؛ وكانت الكنفوشية محافظة تكبح بحذر الشيوخ مُثُل الشباب العليا؛ أما الثورة فروحها من أنفاس الشباب ولا تقبل أن يفرض عليها شيء من هذه القيود، وهي تسخر من الشيوخ إذا رفعوا عقيرتهم محذرين: "إن الذين يظنون أن الجسور القديمة عديمة النفع ويحطمونها تحطيماً سيصيبهم الدمار ويغرقهم تيار المياه الجارف" (١).
وقضت الثورة بطبيعة الحال على دين البلاد الرسمي ولم تعد تقرب القرابين الآن من مذبح السماء إلى التِّيَان الصامت المجرد. وتجيز الحكومة عبادة الأسلاف ولكن هذه العبادة آخذة هي الأخرى في الانقراض، وينزع الرجال إلى تركها شيئاً فشيئاً للنساء وقد كانوا يظنونهن من قبل غير خليقات بهذه الطقوس المقدسة. ولقد تلقى نصف زعماء الثورة تعليمهم في المدارس المسيحية ولكن الثورة رغم انتماء جيانج كاي شك إلى الطائفة المسيحية النظامية (Methodism) لا تميل إلى دين يؤمن بخوارق الطبيعة وتصبغ كتبها المدرسية بالصبغة الإلحادية (٢٩). أما
стр. 1370
الدين الجديد الذي يحاول أن يسد الفراغ العاطفي الناشئ من فراق الآلهة فهو دين الوطنية، كما أن الدين الجديد في الروسيا هو الشيوعية. لكن هذه العقيدة في الوقت الحاضر لا ترضى كافة الناس، ولهذا ترى الكثيرين من صعاليك المدن يعمدون إلى العرافين والمتنبئين والوسطاء ليجدوا عندهم ملجأ من كدح الحياة اليومية الرتيب الذي لا لذة فيه ولا طرافة، ولا يزال القرويون يجدون بعض ما يسليهم عن فقرهم ويفرج عنهم كربهم في سكون المزارات القديمة. والقانون الأخلاقي القديم الذي كان الناس منذ جيل واحد يظنونه قانوناً سرمدياً لا يتبدل آخذ في التفكك والانحلال بسرعة تتضاعف ثم تتضاعف على مدى الأيام بعد أن فقد حماية الحكومة والدين والحياة الاقتصادية. وأهم ما طرأ على الصين من تبدل في هذه الأيام، إذا استثنينا ما أحدثه فيها الغزو الصناعي، هو تحطيم نظام الأسرة القديمة لتحل محله نزعة فردية تترك كل إنسان حراً يواجه العالم بمفرده، وقد استبدل الولاء للدولة من الوجهة النظرية بالولاء للأسرة. وإذ كان هذا الولاء الجديد لم ينتقل الآن من طور الأقوال والنظريات إلى طور الأعمال فإن المجتمع الجديد يعوزه الأساس الخلقي الذي يستند إليه. إن الزراعة يلائمها نظام الأسرة لأن الأرض، قبل انتشار الآلات، كانت تستغل أحسن استغلال على أيدي جماعة من الناس تربطهم الدين والسلطة الأبوية. أما الصناعة فتمزق الأسرة لأنها تعطي العمل والجزاء عليه للأفراد لا للجماعات، ولا تعطيهم هذا الجزاء دائماً في مكان معين، ولا تعترف بأن للضعفاء حقاً في مال الأقوياء، ولا يجد التعاون والتراحم الطبيعيين القائمين بين الأسرة سنداً من التنافس المرير الذي هو من طبية الصناعة والتجارة؛ وترى الجيل الجديد الذي ينفر على الدوام من سلطان الشيوخ يهرع عن عمد إلى المدينة وفردية المصنع، ولعل سلطان الأب القوي في الزمن الماضي قد عجل بالانقلاب لأن الرجعية هي التي يرجع إليها على الدوام إسراف المتطرفين. وهكذا انتزعت الصين نفسها من ماضيها واستأصلت