أجور العمال. وقد قررت مصلحة الشؤون الاجتماعية التابعة لبلدية شنغهاي الصينية متوسط الأجر الأسبوعي لعمال مصانع النسيج بين ١. ٧٣، ٢. ٧٦ دولار للرجل، وما بين ١. ١٠، ١. ٧٨ دولار للمرأة. وكان متوسط الأجور الأسبوعية للرجال في المطاحن والمصانع ١. ٩٦ دولار وفي مصانع الأسمنت ١. ٧٢ دولار، وفي مصانع الزجاج ١. ٨٤، وفي مصانع الكبريت ٢. ١١؛ وكان متوسط أجر العمال المهرة في المصانع الكهربائية ٣. ١٠ وفي مصانع الآلات ٣. ٢٤ وبين عمال المطابع ٤. ٥٥ (٢٣) وما من شك في أن الزيادة الكبيرة في أجور عمال المطابع إنما ترجع إلى حسن تنظيمهم والى الصعوبة التي يعانيها أصحاب المطابع في استبدال غيرهم بهم إذا توقفوا عن العمل فجأة. وتألفت أولى اتحادات العمال في عام ١٩١٩ م وزاد عددها وقوتها حتى طلبت في أيام برودين أن تتولى هي حكم الصين؛ ولكن جيانج كاي - شك كبح جماحها من غير رحمة بعد نزاعه مع الروسيا؛ وقد سنت لمقاومتها في هذه الأيام قوانين غاية في الصرامة، ولكن عددها مع ذلك آخذ في الازدياد بسرعة لأنها الملجأ الوحيد للعمال من عنت النظام الصناعي الذي لم يعمل حتى الآن أكثر من أن يبدأ بوضع التشريع الخاص بالعمال، ولم يبدأ قط في تنفيذه (٢٤). وإن ما يعانيه صعاليك المدن في هذه الأيام من فقر مدقع وكدح يدوم اثنتي عشرة ساعة في اليوم بأجور لا تكاد تمسك الروح بالجسم، يهددهم الموت جوعا إذا لم يجدوا عملاً في يوم من الأيام، إن ما يعانيه هؤلاء الصعاليك في هذه الأيام لأسوأ مما كان يعانيه فقراء القرى في الأيام الخالية حيث لم يكن يسمح للفقراء أن يروا الأغنياء، وحيث كانوا يرضون بما قسم لهم منذ الأزل.
ولعله كان من المستطاع تجنب هذه الشرور لو أن تبدل الأحوال في شرق الصين لم يتم بغير ما تم به من السرعة ولم يبلغ ما بلغه من الكمال. إذن لكان في مقدور كبار الموظفين الصينيين، وإن فقدوا ما كان لهم من حيوية وتلوثت أيديهم بالرشوة، أن يكبحوا جماح القوى الصناعية الجديدة حتى تتأهب الصين
стр. 1367
لقبولها من غير أن تقع في براثن الفوضى والعبودية؛ وإذن لنشأت من نمو الصناعة عاماً بعد عام طبقة جديدة من السكان لعلها كانت تستطيع أن تخطو بسلام إلى ميدان السلطة السياسية، كما خطا الصناع إليها في إنجلترا وحلوا محل كبار ملاّك الأراضي الزراعية.
ولكن الحكومة الجديدة ألفت نفسها بلا جيش، ولا زعماء مجربين، ولا مال؛ ووجد الكومنتانج، أي حزب الشعب الذي أنشئ لتحرير الأمة، أن بد له أن يقف موقف العاجز وهو يرى الأمة تخضع لرؤوس الأموال الأجنبية والوطنية. وكان هذا الحزب قد ولد في مهاد الديمقراطية ونشأ في أحضان الشيوعية، ثم أضحى جل اعتماده على مصارف شنغهاي المالية، فترك الديمقراطية وانحاز إلى الدكتاتورية وحاول أن يقضي على اتحاد الصناع (١). ذلك الحزب يعتمد على الجيش، ولا بد للجيش من مال، والمال لا يأتي إلا من القروض؛ وإلى أن يكون للجيش من القوة ما يمكنه من إخضاع الصين فإن الحكومة ستظل عاجزة عن فرض الضرائب على الصين، وإلى أن تستطيع الحكومة فرض الضرائب على الصين ستظل تتلقى النصح والإرشاد من حيث تتلقى المال. على إنها مع هذا كله قد أنجزت الشيء الكثير، فقد أعادت إلى الصين إشرافها التام على التعريفة الجمركية وعلى صناعاتها - داخل نطاق قوة المال العالمية - وأنشأت ودربت وجهزت جيشاً قد يستخدم في يوم من الأيام لقتال غير الصينيين؛ ووسعت رقعة الأقاليم التي تعترف بسلطة الحكومة، وقللت في هذه الرقعة من قوة قطاع الطرق الذين كانوا يجثمون على أنفاس الأمة ويكادون يقضون على حياتها الاقتصادية. وهي تسير في هذا سيراً بطيئاً لأن إشعال نار الثورة مستطاع في يوم وليلة ولكن إقامة حكومة ثابتة يحتاج إلى جيل.
стр. 1368
وليس تفكك الصين وانفصام عرى وحدتها إلا مظهراً مما في النفس الصينية من انقسام ونتيجة لازمة له. إن أقوى ما في الصين من مشاعر في هذه الأيام هو شعور الكراهية للأجانب، وأقوى التيارات التي تجتاح الصين هو تيار محاكاة الأجانب. والصين تعرف أن الغرب لا يستحق أن تتملقه وتحاكيه؛ ولكن الصين يضطرها روح الأيام ودوافعها القوية إلى تملق الغرب ومحاكاته لأن الأمم في هذا العصر لابد لها أن تختار بين التصنيع والاسترقاق ولا ثالث لهما. ومن أجل هذا نرى الصينيين في المدن الشرقية يهجرون الحقول إلى المصانع، والثياب الفضفاضة إلى السراويل الضيقة، ونغمات الماضي البسيطة الشجية إلى موسيقى الغرب المعقدة، ويتخلون عن ذوقهم الجميل في الثياب والأثاث والفن، ويزينون جدرانهم بالصور الأوربية، ويشيدون دور الحكومة ومكاتب الأعمال على أقبح الطرز الأمريكية. وقد تخلت نساء الصين عن عادة ضغط أقدامهن من الأمام إلى الخلف وأخذن يضغطنها من اليمين إلى اليسار على آخر طراز غربي (١)، وأخذ فلاسفتها يتخلون عن مبادئ كنفوشيوس المعتدلة القنوعة الظريفة ويهرعون إلى مبادئ موسكو ولندن وبرلين وباريس ونيويورك الشرسة الخصيمة، ويتلقونها بنفس الحماسة التي كان الأوربيون يتلقون بها مبادئ النهضة في أواخر العصر الوسيط.
لقد ثلّ عرش كنفوشيوس وكان في الطريقة التي ثل بها شيء من سمات عصر النهضة وعصر الاستنارة؛ ولقد كان نبذاً لأرسطو الصين والآلهة التي عبدها الشعب من أقدم الأزمنة. وأتى على الدولة حين من الدهر اضطهدت فيه البوذية وطوائف الرهبان في الأديرة، ذلك أن ثوار الصين كانوا كثوار فرنسا ملاحدة لا يخفون عن الناس إلحادهم، ويجهرون بعدائهم للدين، ولا يعبدون غير
стр. 1369
العقل. ولعل الكنفوشية كانت تترك الناس أحراراً في عقائدهم الدينية لأنها تفترض أن الآلهة ستبقى ما بقي الفقر؛ أما الثورة فكانت تظن أن في وسعها أن تقضى على الفقر ولذلك لم تر حاجة إلى الآلهة؛ وكانت الكنفوشية ترى أن الزراعة والأسرة هما نظام الحياة العملية والاجتماعية الطبيعية ولذلك شادت صرحاً للأخلاق يهدف إلى حفظ النظام وإشاعة القناعة في نطاق دائرة البيت والحقل؛ أما الثورة فوجهتها الصناعة وهي في حاجة إلى أخلاق جديدة تتفق مع الحياة الفردية في الحواضر. وقد بقيت الكنفوشية لأن الوصول إلى المناصب السياسية والمهن العلمية كان يتطلب معرفة مبادئها والآخذ بها، أما الآن فنظام الامتحانات قد انقضى عهده وحلت العلوم الطبيعية في المدارس محل الفلسفة الأخلاقية والسياسية؛ وأضحى الرجل لا يصاغ للحكم بل يصاغ للصناعة؛ وكانت الكنفوشية محافظة تكبح بحذر الشيوخ مُثُل الشباب العليا؛ أما الثورة فروحها من أنفاس الشباب ولا تقبل أن يفرض عليها شيء من هذه القيود، وهي تسخر من الشيوخ إذا رفعوا عقيرتهم محذرين: "إن الذين يظنون أن الجسور القديمة عديمة النفع ويحطمونها تحطيماً سيصيبهم الدمار ويغرقهم تيار المياه الجارف" (١).
وقضت الثورة بطبيعة الحال على دين البلاد الرسمي ولم تعد تقرب القرابين الآن من مذبح السماء إلى التِّيَان الصامت المجرد. وتجيز الحكومة عبادة الأسلاف ولكن هذه العبادة آخذة هي الأخرى في الانقراض، وينزع الرجال إلى تركها شيئاً فشيئاً للنساء وقد كانوا يظنونهن من قبل غير خليقات بهذه الطقوس المقدسة. ولقد تلقى نصف زعماء الثورة تعليمهم في المدارس المسيحية ولكن الثورة رغم انتماء جيانج كاي شك إلى الطائفة المسيحية النظامية (Methodism) لا تميل إلى دين يؤمن بخوارق الطبيعة وتصبغ كتبها المدرسية بالصبغة الإلحادية (٢٩). أما
стр. 1370
الدين الجديد الذي يحاول أن يسد الفراغ العاطفي الناشئ من فراق الآلهة فهو دين الوطنية، كما أن الدين الجديد في الروسيا هو الشيوعية. لكن هذه العقيدة في الوقت الحاضر لا ترضى كافة الناس، ولهذا ترى الكثيرين من صعاليك المدن يعمدون إلى العرافين والمتنبئين والوسطاء ليجدوا عندهم ملجأ من كدح الحياة اليومية الرتيب الذي لا لذة فيه ولا طرافة، ولا يزال القرويون يجدون بعض ما يسليهم عن فقرهم ويفرج عنهم كربهم في سكون المزارات القديمة. والقانون الأخلاقي القديم الذي كان الناس منذ جيل واحد يظنونه قانوناً سرمدياً لا يتبدل آخذ في التفكك والانحلال بسرعة تتضاعف ثم تتضاعف على مدى الأيام بعد أن فقد حماية الحكومة والدين والحياة الاقتصادية. وأهم ما طرأ على الصين من تبدل في هذه الأيام، إذا استثنينا ما أحدثه فيها الغزو الصناعي، هو تحطيم نظام الأسرة القديمة لتحل محله نزعة فردية تترك كل إنسان حراً يواجه العالم بمفرده، وقد استبدل الولاء للدولة من الوجهة النظرية بالولاء للأسرة. وإذ كان هذا الولاء الجديد لم ينتقل الآن من طور الأقوال والنظريات إلى طور الأعمال فإن المجتمع الجديد يعوزه الأساس الخلقي الذي يستند إليه. إن الزراعة يلائمها نظام الأسرة لأن الأرض، قبل انتشار الآلات، كانت تستغل أحسن استغلال على أيدي جماعة من الناس تربطهم الدين والسلطة الأبوية. أما الصناعة فتمزق الأسرة لأنها تعطي العمل والجزاء عليه للأفراد لا للجماعات، ولا تعطيهم هذا الجزاء دائماً في مكان معين، ولا تعترف بأن للضعفاء حقاً في مال الأقوياء، ولا يجد التعاون والتراحم الطبيعيين القائمين بين الأسرة سنداً من التنافس المرير الذي هو من طبية الصناعة والتجارة؛ وترى الجيل الجديد الذي ينفر على الدوام من سلطان الشيوخ يهرع عن عمد إلى المدينة وفردية المصنع، ولعل سلطان الأب القوي في الزمن الماضي قد عجل بالانقلاب لأن الرجعية هي التي يرجع إليها على الدوام إسراف المتطرفين. وهكذا انتزعت الصين نفسها من ماضيها واستأصلت
стр. 1371
جذوره، وما من أحد يدري هل تستطيع أن تمد لها جذوراً جديدة في وقت يمكنها من أن تنجي بها حياتها الثقافية.
وكذلك أخذت أساليب الزواج القديم تزول بزوال سلطان الأسرة. نعم إن معظم الزيجات لا تزال ينظمها الآباء، ولكن الزواج بالاختيار الحر بين الفتيان والفتيات آخذ في الانتشار في الحواضر؛ فالشاب لا يكتفي الآن بأن يرى نفسه حراً في أن يتزوج من يشاء، بل هو يجري تجارب في الزواج قد يرتاع لها أبناء الغرب أنفسهم، وهذا القول نفسه ينطبق على الفتيات كما ينطبق على الفتيان. لقد كان نيتشه يرى أن آسية على حق فيما تعامل به النساء، ويرى أن إخضاعهن للرجال هو العاصم الوحيد من سيطرتهن عليهم سيطرة لا تقف عند حد، ولكن آسية قد اختارت أساليب أوربا لا أساليب نيتشه في معاملة النساء. وتعدد الزوجات آخذ في النقصان لأن الزوجة الجديدة تعارض فيه وتعارض في التسري. والطلاق قليل غير عادي، ولكن السبيل إليه أوسع مما كانت في الأيام الماضية (١). والتعليم المشترك هو القاعدة المتبعة في الجامعات، واختلاط الجنسين اختلاطاً حراً أمر عادي في المدن، وقد سنت النساء لهن قوانينهن الخاصة بهن وأنشأن مدارسهن الطبية، بل سرن إلى أبعد من هذا فأنشأن مصرفاً مالياً خاصاً بهن (٣١). واللائي انضممن إلى الحزب من النساء منحن حق الانتخاب، وقد وجدت لهن وظائف في أرقى لجان الحزب والحكومة على السواء (٣٢). ولقد نبذن عادة قتل الأطفال
стр. 1372
وأخذن يزاولن عادة تحديد النسل (١)، ولم يزد عدد السكان زيادة ملحوظة منذ قيام الثورة ولعل تيار السكان الصينيين الجارف قد أخذ الآن يتراجع (٣٣).
ومع هذا فإن خمسين ألف صيني جديد يولدون في كل يوم (٣٤). وسيكونون في مستقبل أيامهم جدداً من كل الوجوه، جدداً في تفصيل ملابسهم وترجيل شعرهم، جدداً في تعليمهم وعاداتهم وأخلاقهم ودينهم وفلسفتهم. لقد اختفى ذيل ملابسهم الطويل واختفى معه ما كان في الأيام الخالية من ظرف ورقة، وخشنت أحقاد الثورة روح الأهلين، وأضحى من أصعب الأمور على المتطرفين أن يجاملوا المحافظين (٣٥). وهاهو ذا تيار الصناعة السريع يبدل ما كان يتصف به الشعب الصيني القديم من تواكل وعدم مبالاة إلى صفات أخرى أكثر دلالة على طبيعتهم. إن هذه الوجوه البليدة لتخفي تحتها نفوساً نشيطة سريعة الاهتياج، وإن النزعة السلمية التي أشربتها نفوس الصينيين بعد حروب دامت عدة قرون لآخذة في الزوال من طول تفكيرهم في هزائمهم القومية وتقطيع أوصال بلادهم؛ والمدارس تعد الآن كل طالب لأن يكون جندياً، وعاد القوم مرة أخرى يرون القائد بطلاً.
وتبدل نظام التعليم من أوله إلى آخره فألقت المدارس بكنفوشيوس من النافذة وأحلت العلوم الطبيعية والرياضية محله، وإن لم يكن من الضروري أن تتخلى عنه لتحل العلوم محله لأن تعاليم كنفوشيوس لا تتعارض مطلقاً مع روح العلم. ولكن التاريخ كله لحمته وسداه يتكون في جميع مراحله من غلبة الإحساسات النفسية على العقائد المنطقية. فدراسة الرياضيات والميكانيكا واسعة الانتشار لأنهما يعينان على صناعة الآلات، والآلات تعين على جمع الثروة وعلى صناعة المدافع، والمدافع قد تحفظ الحرية. ودراسة الطب في الصين آخذة في
стр. 1373
الانتشار، والفضل في انتشارها راجع معظمه إلى هبات المحسن ركفلر (١). وقد تضاعف عدد المدارس الجديدة والمدارس العليا والكليات بسرعة فائقة على الرغم من فقر البلاد، والصين الحديثة تأمل ألا يمضي إلا القليل من الوقت حتى يستطيع كل طفل أن يتعلم من غير آخر وأن يسودها النظام الديمقراطي بفضل انتشار التعليم.
وقد حدث في الأدب الصيني والفلسفة الصينية انقلاب شبيه بما حدث في عهد النهضة. ذلك أن دخول الكتب الغربية كان له من الأثر المنتج ما كان للمخطوطات اليونانية من أثر في عقول الإيطاليين؛ وكما أن إيطاليا في إبان نهضتها قد هجرت اللغة اللاتينية لتكتب بالإيطالية فكذلك فعلت الصين بزعامة هوشي إذ حولت اللهجة الأرستقراطية القديمة إلى لغة أدبية هي المعروفة بالباي هوا، وأقدم هوشي على عمل خطير جازف فيه بمصيره الأدبي فكتب بهذه "اللغة البسيطة" تاريخ الفلسفة الصينية في عام ١٩١٩ م؛ وكانت شجاعته سبباً في فوزه العظيم، فاتخذت الكتابة الرسمية في المدارس. وقامت في الوقت نفسه "حركة الحروف الألف" لإنقاص رموز الكتابة الصينية من ٠٠٠ ر ٤٠ رمز وهو العدد الذي كان يستخدمه العلماء في كتاباتهم إلى ٣٠٠ ر ١ تكفي للاستعمال العادي، وبهذه الطريقة أخذت لهجة المنذرين تذاع بسرعة في الأقاليم الصينية، وقد لا ينتهي هذا القرن حتى تكون للصين كلها لغة واحدة وحتى تقترب من الوحدة الثقافية.
والأدب الصيني أخذ في الانتشار مدفوعاً بهذه اللغة الشعبية وبحماسة الأهلين، وقد أضحت الروايات والقصائد والتمثيليات لا يقل عددها عن الصينيين أنفسهم، وانتشرت الصحف والمجلات في كل مكان، وأخذ الصينيون يترجمون آداب الغرب
стр. 1374
بالجملة، كما أخذت أشرطة الخيالة الأمريكية، يشرحها مترجم صيني يقف إلى جانب الشاشة البيضاء، تبعث البهجة في نفوس الصينيين العلماء منهم والسذج. وكذلك عادت الفلسفة إلى عظماء الفلاسفة الأقدمين الملحدين، وأخذت تعيد دراستهم وتفسيرهم على نمط جديد بعزيمة واندفاع لا يقلان عن عزيمة أوربا ونشاطها في القرن السادس عشر. وكما أن إيطاليا بعد أن تحررت من القيود الكنسية قد راعتها العقلية اليونانية اللاتينية وأثارت إعجابها، كذلك أخذت الصين الجديدة تستمع بشغف ليس كمثله شغف إلى أقوال مفكري الغرب أمثال جون ديوي وبرتراند رسل وأمثالهم من العلماء المستقلين في تفكيرهم استقلالاً تاماً عن جميع الأديان، والذين يعظمون التجارب ويعتقدون أنها وحدها هي المنطق الواجب الاتباع، والذي تتفق فلسفتهم لهذا السبب مع مزاج أمة تحاول أن تجمع الإصلاح الديني وإحياء العلوم والاستنارة والنهضة والثورة في جيل واحد (١). وإذا ما امتدح أحدنا الآن ما لآسية من "قيم روحية" سخر منه هوشي وقال إنه يجد في إصلاح نظم الصناعة والحكم إصلاحا يعين على استئصال العوز من البلاد قيما أخلاقية أعظم من كل ما في "حكمة الشرق"، وهو يلقب كنفوشيوس "بالشيخ الطاعن في السن" ويقول إن التفكير الصيني ليظهر على حقيقته إذا ما وضعت مدارس الملحدين التي كانت قائمة في القرن الخامس والرابع والثالث قبل الميلاد في مكانها الصحيح من تاريخ الصين (٣٨).
بيد أنه وهو وسط هذا "التيار الجديد" الجارف وهذه الحركة الفكرية الجديدة التي كان من أنشط زعمائها قد أوتى من الحكمة ما جعله يدرك ما للشيوخ أنفسهم من قيمة، وقد صاغ مشكلة بلاده أكمل صياغة في الفقرة الآتية:
стр. 1375
"إن الجنس البشري بأجمعه لتصيبه أكبر خسارة إذا ما استبدلت الحضارة الجديدة بالحضارة القديمة استبدالاً سريعاً مفاجئاً يمحوها من الوجود بدل أن تمتصها البلاد امتصاصاً بطيئاً وتمثلها كما يمثل الغذاء الصالح. وعلى هذا فإن المشكلة التي تواجهنا يمكن أن تصاغ على النحو الآتي: كيف نستطيع أن نهضم الحضارة الجديدة ونمثلها بحيث نجعلها متجانسة مؤتلفة مع الحضارة التي أنشأناها نحن في أيامنا الخالية؟ " (٣٠).
ويخيل إلى كل من يشهد ظواهر الأمور الخارجية السائدة في الصين الآن أنها لن تستطيع حل هذه المشكلة. ذلك أن الإنسان إذا ما فكر فيما يخيم على الحقول الصينية من وحشة وما حاق بها من خراب، وما يتناوبها من جدب تارة وفيضان جارف تارة أخرى، وما أصاب أشجارها من تقطيع وتدمير، وفيما أصيب به زراعها من إنهاك وخمول، وفي الموت التي يحصد أطفالها حصداً، وفي عمالها الذين يكدحون في المصانع كالعبيد كدحاً يضعفهم ويهد قواهم، وفي مدنها القذرة التي تتفشى فيها الأمراض، وتفرض على بيوتها أفدح الضرائب، وفي الرشوة المنتشرة في تجارتها، وفي صناعاتها التي يسيطر الأجانب عليها، وفي فساد حكومتها، وضعف وسائل الدفاع عن بلادها، وفي أهلها الذي تفرقوا شيعاً وأحزاباً وامتلأت قلوبهم غلاً وحقداً، إذا ما فكر في هذا كله هاله الأمر فلا يدري هل تستطيع الصين أن تستعيد عظمتها الماضية، وهل في مقدورها أن تمتص مرة أخرى فاتحيها وتمثلهم في جسمها الضخم، وتحيى من جديد حياتها النشيطة المبدعة؟ ولكنا إذا نظرنا إليها نظرة تدقيق وإمعان رأينا من تحت هذه المظاهر السطحية عوامل النقاهة والتجديد. فأراضيها الواسعة الرقعة المختلفة الأنواع غنية بمعادنها الكفيلة بأن تجعلها بلداً صناعياً عظيماً، وقد لا يكون فيها من الثروة المعدنية ما قدره رختوفن، ولكن فيها بلا ريب أكثر مما كشفت عنه البحوث التجريبية في هذه الأيام. وإذا مات سربت الصناعة إلى داخل البلاد فستكشف عن خامات ومواد للوقود لا يتصور الناس
стр. 1376
الآن أنها توجد فيها، كما لم يكن أحد يتصور منذ قرن واحد ما في أمريكا من ثروة معدنية ومن وقود. أما عن قواها المعنوية فإن هذه الأمة التي مرت عليها ثلاثة آلاف عام سمت فيها إلى المجد تارة وتردت في مهاوي الشقاء تارة أخرى، وتوالت عليها فترات موت وبعث، إن هذه الأمة لتظهر فيها اليوم كل دلائل الحيوية المادية والمعنوية التي نتبينها في أكثر عهودها إبداعاً وإنتاجاً. وليس في العالم كله شعب أكثر من هذا الشعب نشاطاً وذكاء، وليس فيه شعب يماثله في قدرته على التكيف حسب ما يواجهه من الظروف، وفي مقاومته للأمراض، وفي انتعاشه بعد الكوارث والآلام، شعب علمه تاريخه الطويل الصبر على الأرزاء والخروج منها سالماً على مر الأيام. وليس في وسع الخيال أن يتصور ما يخبئه المستقبل لحضارة تمتزج فيها الموارد المادية والطاقة البشرية والعقلية لهذا الشعب والوسائل والأدوات الفنية التي أوجدتها الصناعة الحديثة.
وأكبر الظن أن الصين ستنتج من الثروة ما لم تنتجه قارة من القارات حتى أمريكا نفسها، وأن الصين ستتزعم العالم في نعيم الحياة وفنها كما تزعمته مراراً في الزمن القديم في التنعم وفي فنون الحياة.
ذلك أن الهزائم الحربية واستبداد الأموال الأجنبية مهما قست لا تستطيع أن تكبت إلى مدى طويل روح أمة غنية في مواردها وفي حيويتها، بل سيخسر المغير عليها ماله وينفذ صبره قبل أن تستنفذ البلاد قدرتها على التكاثر؛ ولن يمضي قرن واحد من الزمان حتى تكون الصين قد امتصت فاتحيها وهضمتهم وحضرتهم بحضارتها، وتعلمت جميع الفنون التي سيطلق عليها إلى وقت قصير اسم الصناعة الحديثة. وسوف توحد الطرق وسبل الاتصال بين أجزاءها، وتمدها أساليب الاقتصاد والادخار بحاجتها من المال، وستعيد إليها الحكومة القوية السلم والنظام. ويقيننا أن الفوضى مهما اشتدت ليست إلا أمراً عارضاً مصيره إلى الزوال، ثم يتوازن
стр. 1377
الاضطراب آخر الأمر مع الطغيان ويتعادلان، وحينئذ تكتسح العوائق القديمة وتنمو البلاد نماء حراً جديداً. إن الثورة كالموت هي اكتساح الأقذار، وبتر الذي لا نفع فيه؛ وهي لا تقول إلا إذا كان في البلد الذي تقوم به أشياء كثيرة في دور الاحتضار. ولقد ماتت الصين مراراً من قبل، ثم عادت وولدت من جديد.
الباب الثامن والعشرون
بناة اليابان
تاريخ اليابان مسرحية لم تكمل بعد، قد تم منها ثلاثة فصول: فصلها الأول- بغض النظر عن القرون البدائية الأسطورية- هو اليابان البوذية الكلاسيكية (٥٢٢ - ١٦٠٣ ميلادية) التي دخلتها المدنية فجأة على أيدي الصين وكوريا، والتي هذبها الدين وصقلها، فخلقت آيات الأدب الياباني والفن الياباني في العصر الذي يدونه التاريخ؛ والفصل الثاني من المسرحية هو اليابان الإقطاعية الآمنة التي تنسب إلى توكوجادا شوجاتى (١٦٠٣ - ١٨٦٨) والتي اعتزلت العالم وحصرت نفسها في نفسها، لا تريد لنفسها شيئاً من اتساع الرقعة ولا تنشد تبادلاً تجارياً مع الخارج، قانعة بالزراعة منصرفة إلى الفن والفلسفة؛ أما الفصل الثالث فهو اليابان الحديثة، التي كشف عنها الستار أسطول أمريكي سنة ١٨٥٣، والتي اضطرتها العوامل الداخلية والخارجية اضطراراً أن تضرب بسهم في التجارة والصناعة، وأن تبحث عن خامات من الخارج وأسواق في الخارج، وتقاتل قتالاً مستميتاً في سبيل التوسع، محاكية في ذلك بلاد الغرب في نزعتها الاستعمارية وطرائقها في هذا السبيل، مهددة بذلك سيادة الجنس الأبيض وسلام العالم؛ وإن سوابق التاريخ كلها لتدل على أن الفصل التالي من المسرحية سيكون قتالاً (١).
لقد درس اليابانيون مدنيتنا دراسة فاحصة لكي يتشربوا معاييرها ثم يفوقوها، فقد يكون من الحكمة أن تدرس مدنيتهم في صبر يشبه صبرهم في دراسة مدنيتنا، حتى إذا تأزم الأمر على نحو يضطرنا إما إلى حرب أو تفاهم معهم، كان في مقدورنا أن نصل معهم إلى تفاهم.
стр. 1380
الفصل الأول
أبناء الآلهة
كيف خلقت اليابان - أثر الزلازل
في البداية كانت الآلهة، هكذا يقول أقدم ما دُوّن عن اليابان من تاريخ (١) وكانت الآلهة تولد ذكراً وأنثى، ثم تموت، حتى صدر الأمر في النهاية من شيوخ الآلهة إلى اثنين منها، هما "إيزاناجى" و "إيزانامى". وهما أخ وأخت من الآلهة، أن يخلقا اليابان، فوقفا على جسر السماء العائم، وقذفا في المحيط برمح مرصع بالجوهر، ثم رفعاه إلى السماء فتقطرت من الرمح قطرات أصبحت هي "الجزر المقدسة"؛ وشهدت الآلهة ما تصنعه الضفادع في الماء، فتعلمت منها سر اتصال الذكر بالأنثى، ومن ثم التقى "إيزاناجى" و "إيزانامى" التقاء الزوجين وأنسلا الجنس الياباني، وولدت "أماتيراسو"- إلهة الشمس- من عين "إيزاناجى" اليسرى، وكذلك من حفيدها "ننيجى" نشأت سلسلة متصلة مقدسة حلقاتها هم كل أباطرة "دي نيبون" (أي اليابان العظمى)، فمنذ ذلك اليوم حتى يومنا هذا لم تشهد اليابان إلا هذه الأسرة الحاكمة الإمبراطورية (١).
كان الرمح المرصع بالجوهر قد قطر أربعة آلاف ومائتين وثلاثاً وعشرين قطرة، لأن هذا هو عدد الجزائر التي يتألف منها أرخبيل الجزر الذي هو اليابان (٢): من هذه الجزر ستمائة مأهولة، لكن ليس بينها إلا خمس لها حجم
стр. 1381
جدير بالاعتبار؛ أما أكبرها فهي "هوندو" أو "هونشو" ويبلغ طولها ١١٣٠ ميلاً ومتوسط عرضها ٧٣ ميلاً، ومساحتها واحد وثمانون ألف ميل مربع، وهي تعادل نصف مساحة الجزر كلها، ويشبه موقعها- كما يشبه تاريخها الحديث- موقع إنجلترا وتاريخها: فقد حمتها البحار المحيطة بها من الغزوات، وحملتها سواحلها الطويلة التي يبلغ مداها ثلاثة عشر ألف ميل على أن تكون أمة بحرية، فكأنما قضى عليها المؤثر الجغرافي والضرورة التجارية أن تبسط لنفسها سيادة واسعة على البحار؛ وتلتقي الرياح والتيارات البحرية الدافئة الآتية من الجنوب، بالهواء البارد الهابط من قمم الجبال، فينتج عن ذلك في اليابان مناخ إنجليزي تملؤه الأمطار، وتكثر فيها الأيام الغائمة بالسحب (٤)، ومن ثم تمتلئ أنهارها القصيرة السريعة الانحدار، ويزدهر فيها النبات وتزدان المناظر، فهناك- إذا ما بعدت عن المدن والمساكن العتيقة القذرة- ترى نصف البلاد جنة عدن في ازدهارها، وليست جبالها أكداساً مركومة من الصخر والقذر، بل هي ذوات أشكال فنية، تكاد تبلغ في تخطيطها حد الكمال، كما هي الحال في فيوجى (١).
ولاشك أن هذه الجزر قد ولدتها الزلازل لا القطرات التي انتثرت من الرياح (٦)؛ فليس على الأرض مكان- وربما جاز أن نستثني أمريكا الجنوبية- قد عانى كل ما عانته اليابان من اضطراب أرضها، فحدث سنة ٥٩٩ أن اهتزت
стр. 1382
الأرض وابتلعت قرى بأكملها في فمها الضاحك، وهوت الشهب ولمعت المذنَّبات وابيضت الشوارع بالثلج في منتصف يوليو، وأعقب ذلك قحط ومجاعة، وقضى من اليابانيين ألوف الألوف؛ وكذلك حدث سنة ١٧٠٣ أن قضى زلزال على اثنين وثلاثين ألفاً في طوكيو وحدها، وعادت العاصمة سنة ١٨٨٥ فتقوض بنيانها من جديد، وانفرجت الأرض عن فجوات واسعة ابتلعت في جوفها ألوفاً، وجعلوا يحملون جثث الموتى في عربات النقل ليقذفوا بها بعيداً جماعات جماعات؛ وفي زلزال ١٩٢٣ أتت موجة المد وألسنة النار على مائة ألف نفس في طوكيو، وسبعة وثلاثين ألف نفس في يوكاهاما وما يجاورها، وأما كاما كورا- التي طالما أحسنت لبوذا- فكادت تندك من أساسها (٧)، مع أن التمثال النحيل الذي كان قائماً هناك للقديس الهندي (يقصد بوذا) قد لبث وسط هذا الخراب الشامل قائماً كما هو، لم يصبه سوى ارتجاج، كأنما أراد بقيامه ذاك سليماً من الأذى أن يضرب مثلاً يوضح للناس أهم درس يلقيه التاريخ- وهو أن الآلهة يمكن لها أن تصمت في مختلف اللغات؛ ولبث الناس في حيرة تملكتهم حيناً، كيف ينزل هذا الخراب كله بأرض خلقتها الآلهة وتحكمها الآلهة؛ وأخيراً فسروا هذا الاضطراب بأن سمكة ضخمة تحت الأرض انزعجت في نعاسها فاهتزت (٨) ويظهر أن لم يطرأ ببال أحد إذ ذاك أن يغادر تلك المدينة التي تعرض ساكنيها لأكبر الخطر؛ ففي اليوم التالي لاهتزاز الأرض بزلزالها العظيم الأخير، استخدم صبية المدارس قطعاً من مادة الطلاء المتناثرة أقلاماً، والأحجار الارتوازية المنثورة من بيوتهم المحطمة ألواحاً (٩) واحتملت الأمة صابرة هذه الضربات من يد القدر وخرجت من هذا الدمار المتكرر نشيطة نشاطاً لا سبيل إلى الحد منه، ومقدامة على نحو ما يكون المتفائل إقداماً.
стр. 1383
الفصل الثاني
اليابان البدائية
مقوماتها الجنسية - مدنيتها الباكرة - الدين
"شنتو" - البوذية - بدايات الفن "الإصلاح العظيم"
لقد ضاعت الأصول اليابانية- كما ضاع غيرها من أصول الأمم- في خليط عام من النظريات، فيظهر أن الجنس الياباني مزيج من عناصر ثلاثة: عنصر بدائي أبيض جاء عن طريق "الأينويين" الذين وفدوا إلى اليابان من منطقة نهر أمور في العصر الحجري الأخير؛ وعنصر أصفر مغولي جاء من كوريا أو عبر خلالها في نحو القرن السابع قبل المسيح؛ وعنصر قاتم من الملايو وأندونيسيا تسرب إلى البلاد من جزر الجنوب: ففي اليابان- كما في أي بلد آخر- شهدت البلاد خليطاً من عناصر مختلفة قبل أن تشهد- بمئات السنين- قيام نمط جنسي جديد يتكلم بلغة جديدة وينشئ مدنية جديدة، وكون عملية المزج بين هذه الأجناس لم تبلغ تمامها بعد، تراه ظاهراً في الفوارق التي بين الأرستقراطي الطويل النحيل طويل الرأس، وبين الرجال من الشعب في قصره وبدانته ورأسه العريض.
وتصف الروايات التاريخية الصينية التي ترجع إلى القرن الرابع، تصف اليابانيين بأنهم "أقزام"، ثم تضيف إلى ذلك أنهم "لا يعرفون الثيرة ولا الوحوش الكاسرة؛ وهو يَشِمُون وجوههم بزخارف تختلف شكلاً باختلاف المنزلة الاجتماعية، ويلبسون رداء مصنوعاً من قطعة واحدة، ولديهم حراب وقِسِىٌّ ورماح في أطرافها حجر أو حديد، وهم لا يلبسون أحذية، ومن خصائصهم طاعة القانون وتعدد الزوجات ويدمنون الشراب وهم طوال الأعمار.
стр. 1384
ونساؤهم يطلين أجسامهن بالأحمر والقرمزي" (١١). وتروى هذه المدَّونات عنهم "أن ليس يقع بينهم سرقة، وقلما يشكو أحد منهم أحداً إلى القضاء" (١٢)، ولم تكد المدنية تبدأ عندهم، وقد صور "لافكاديوهيرن"- مدفوعاً بصدق نظره وبحبه لذلك العصر القديم- صورها فردوساً لا يشوبها استغلال أو فقر؛ ووصف "فنلوزا" طبقة الفلاحين إذ ذاك بأنها مكونة من سادة عسكريين مستقل بعضهم عن البعض (١٣)؛ وجاءت الصناعات اليدوية إلى اليابان من كوريا في القرن الثالث الميلادي، وسرعان ما انتظمتها نقابات (١٤)، ودون هؤلاء الصناع اليدويين، كانت تقع طبقة كبيرة من العبيد، جُمع أفرادها من المسجونين وأسرى الحروب (١٥)، وكان النظام الاجتماعي إقطاعياً إلى حد ما وقبلياً إلى حد ما، فكان بعض الفلاحين يزرعون الأرض عبيداً للسادة أصحاب الأرض، ولكل قبيلة رئيس يكاد يكون ملكاً عليها (١٦)، وكانت الحكومة بدائية في تفككها وضعفها.
كانت العاطفة الدينية عند اليابانيين الأولين تجد ما يشبعها في العقيدة بأن لكل كائن روحاً، وفي الطوطمية، وفي عبادة الأسلاف وعبادة العلاقة الجنسية (١٧)؛ فعندهم أن الأرواح سارية في كل شيء- في كواكب السماء ونجومها، في نباتات الحقل وحشراته، والأشجار والحيوان والإنسان (١٨)، ويعتقدون أن عدداً لا يحصى من الآلهة يحوم فوق الدار وساكنيها ويرقص مع ضوء المصباح ووهجه إذا رقص (١٩)، والاتصال بالآلهة يكون عندهم بإحراق عظام غزال أو قوقعة سلحفاة، وبفحص العلامات والخطوط التي تحدثها النار، فحصاً تستمد فيه المعونة من الخبراء؛ وتذكر لنا المدونات القديمة الصينية أنه بهذه الطريقة "كان اليابانيون يستوثقون من طيب الحظوظ وخبيثها، ومن ملاءمة الظروف لقيامهم برحلات برية وبحرية أو عدم ملاءمتها" (٢٠). كانوا يخافون الموتى ويعبدونهم، لأن غضبهم قد ينزل بالعالم شراً مستطيراً؛ فلكي يسترضوا هؤلاء الموتى، كان لزاماً عليهم أن يضعوا لهم النفائس في
стр. 1385
قبورهم- كأن يضعوا سيفاً إذا كان الميت رجلاً، ومرآة إذا كانت امرأة، وكانوا يؤدون الصلاة ويقدمون الطعام أمام صور أسلافهم في كل يوم (٢١) وكانوا يلجأون إلى التضحية البشرية آناً بعد آن توسلاً لإيقاف مطر غزير، أو ضماناً لثبات بناء أو جدار، وكان يحدث أحياناً أن يدفن الأتباع مع سيدهم الذي مات ليدافعوا عنه في أولى مراحل حياته الآخرة (٢٢).
ومن عبادة الأسلاف نشأت أقدم ديانة قائمة في اليابان، وهي "شنتو" أي "طريق الآلهة" ولها صور ثلاث ": العقيدة المنزلية التي تتجه بالعبادة إلى أسلاف القبيلة، وعقيدة الدولة التي تتجه بالعبادة إلى الحاكمين الأسلاف وهم الآلهة الذين أسسوا للدولة بناءها؛ فكانوا يخاطبون السلف المقدس الأول الذي عنه جاءت سلسلة الأباطرة، ضارعين سبع مرات كل عام، فيتوجه إليه الإمبراطور نفسه بالدعاء، أو من ينوب عن الإمبراطور؛ ثم كانوا يؤدون له صلاة خاصة إذا ما همت الأمة بالاضطلاع بمشروع تراه استثنائياً في قداسته، مثل الاستيلاء على شانتونج (سنة ١٩١٤) (٢٣)؛ ولم تكن ديانة "شنتو" بحاجة إلى تفصيل مذهبي أو طقوس معقدة أو تشريع خلقي، ولم تكن لها طبقة من الكهنة خاصة بها، كلا ولا تذهب إلى ما يبعث العزاء في نفوس الناس من خلود الروح ونعيم الفردوس؛ فكان كل ما تطالب به معتنقيها أن يحجوا آناً بعد آن لأسلافهم وأن يقدموا لهم ضراعة الخاشعين، ويفعلوا كذلك لإمبراطورهم ولماضي أمتهم؛ وقد حلت عقيدة أخرى محل هذه العقيدة حيناً، لأنها مسرفة التواضع في جزائها التي تعد به، وفي أوامرها التي تلزم بها الناس.
وفي سنة ٥٢٢ جاءت البوذية- وكانت قد دخلت الصين قبل ذاك بخمسمائة عام- إلى اليابان خلال القارة الآسيوية، فأخذت تغزو أرجاءها غزواً
стр. 1386
سريعاً؛ وقد تآمر عاملان فكتبا لها النصر، وهما: الحاجات الدينية عند الشعب، والحاجات السياسية عند الدولة، لأنه لم تكن بوذية بوذا هي التي جاءت إلى اليابان، بما عرفت به تلك البوذية من لا أدرية وتشاؤم وتزمت وشوق إلى النعيم الناشئ عن انمحاء الفرد في الكل، بل جاءتها بوذية "ماهايانا" بآلهتها الوديعة من أمثال "أميدا" "وكوانون"، وباحتفالاتها الدينية البهيجة، واعترافها ببوذيين منتظرين يخلصون البشر، وبخلود الروح الإنسانية، ثم ما هو خير من ذلك، جاءت هذه البوذية تبث في النفوس بأسلوب لا يقاوم لفرط رقته، كل فضائل الورع والسلام والطاعة التي يمكن أن تصوغ الناس صياغة تجعلهم أكثر انصياعاً للحكومة، وراحت تفسح للمظلومين من الأمل والعزاء ما يجعلهم راضين قانعين بشظف عيشهم؛ وتخفف من وطأة الحياة الكادحة وما فيها من برود يشبه برود النثر وفتور العمل المكرور المعاد، بما تبثه في تلك الحياة من شعر متمثلة في الأساطير والصلاة، ومن مسرحية تتمثل في الاحتفالات البهيجة، وهيأت للناس سبيل الوحدة في الشعور والعقيدة، وهما شيئان طالما رحب بهما الساسة، لأنهما أصل النظام الاجتماعي، ودعامة القوة القومية.
ولسنا ندرى أكانت السياسة أم الورع هو الذي كتب النصر للبوذية في اليابان، فلما مات الإمبراطور "يومى" سنة ٥٨٦، تنازعت وراثة العرش من بعده أسرتان متنافستان، تنازعاً استخدمت فيه السلاح، واعتنقت كلتاهما العقيدة الدينية الجديدة اعتناقاً سياسياً، واستطاع الأمير "شوتوكوتايشي"- الذي يقال عنه إنه ولد وفي يده تميمة مقدسة- أن ينتهي بالحزب البوذي إلى النصر، ثم أقام على العرش "الإمبراطورة سويكو". ولبث تسعة وعشرين عاماً (٥٩٢ - ٦٢١) يحكم الجزر المقدسة أميراً إمبراطورياً ووصياً على العرش وراح يغدق العطاء لمعابد البوذيين، ويشجع رجال الدين البوذي ويعينهم،
стр. 1387
ويدخل الأخلاق البوذية في صلب القوانين القومية، حتى لقد أصبح بوجه عام للبوذية اليابانية ما كان "أشوكا" لها في الهند، وامتدت رعايته إلى الفنون والعلوم، واستقدم الفنانين ومهرة الصناع من كوريا والصين، وكتب التاريخ، ورسم التصاوير، وأشرف على بناء معبد "هوريوجي"، وهو أقدم آية بقيت لنا في تاريخ الفن الياباني.
لكن على الرغم مما تركه هذا الرجل الناشر لأسباب الحضارة من مختلف الآثار، وعلى الرغم من كافة الفضائل التي راحت البوذية تبثها في النفوس أو تبشر بها، فقد طغت على اليابان أزمة أخرى عنيفة، ولم يكن قد مضى على موت "شوتوكو" جيل واحد؛ ذلك أن أرستقراطياً طموحاً، هو "كاماتاري" قد دبر مع "الأمير تاكا" ثورة في القصر، كانت بداية واضحة لتغير مجرى التاريخ السياسي في "نيبون" (اليابان) حتى ليشير إليها المؤرخون من أبناء البلاد في حماسة وطنية فيصفونها بقولهم "الإصلاح العظيم" (سنة ٦٤٥)؛ فقد قتل ولي العهد، وأجلس على العرش ملك كهل لم يكن إلا صورة، وكان الأمر في يد "كاماتاري" باعتباره رئيساً للوزراء، فطفق بمعونة "الأمير تاكا"- حين كان لم يزل ولياً للعهد، ثم حين أصبح هو "الإمبراطور تنشي"- يعيد بناء الحكومة اليابانية بحيث جعلها سلطة إمبراطورية أوتوقراطية؛ وارتفع الحاكم من مجرد كونه زعيماً لكبرى القبائل، إلى سلطة شاملة تسيطر على كل موظف في اليابان، فهو الذي يعين كل الحكام، وتدفع له الضرائب كلها مباشرة، وأعلن أن البلاد كلها ملك يمينه؛ وبهذا سارت اليابان بخطوات سريعة من ارتباط بين القبائل مخلخل العرى ورؤساء قبائل يشبهون أشراف الإقطاع، إلى دولة ملكية وثيقة العرى فيما يربط بين أجزائها.
стр. 1388
الفصل الثالث
العصر الإمبراطوري
الأباطرة - الأرستقراطية، تأثير الصين، عصر كيوتو الذهبي - التدهور
منذ ذلك الوقت فصاعداً، جعل الإمبراطور يتمتع بألقاب ضخمة، فكان يسمى أحياناً "تنشي" أو "شمس السماء" على أن اسمه كان غالباً "تنو" أي "الملك السماوي" ونادراً ما كان يطلق عليه "ميكادو" أي "الباب المجيد"؛ وكان من امتيازه أن يطلق عليه اسم جديد بعد موته، يعرف في التاريخ باسم خاص يختلف كل الاختلاف عن الاسم الذي أطلق إبان الحياة؛ ولكي يضمن اتصال النسل الإمبراطوري، كان للإمبراطور الحق في أي عدد شاء من الزوجات أو الرفيقات؛ ولم يكن حتماً أن يهبط الملك إلى أكبر الأبناء، بل تؤول ولاية العرش من بعده إلى من كان في رأيه هو، أو في رأي أبطال العصر أقرب أبنائه إلى أن يكون أقواهم، أو أضعفهم على العرش [فيختار أقواهم إن كان الذي يختار هو الملك، ويختار أضعفهم إن كان الذي يختار هم أعلام العصر ذوو المصالح الشخصية] وكان الأباطرة في بواكير العصر الكيوتي يميلون إلى الورع، حتى لقد تنازل بعضهم عن العرش ليجعلوا من أنفسهم رهباناً بوذيين، وحرَّم أحدهم السِّماكة على أنها إساءة إلى بوذا (٢٥)؛ لكنك تجد بينهم "يوزي" يشذ عن هذا المجرى، ويتعب الناس بنشاطه، فجاء مثلاً يوضح كيف تكون الأخطار التي يستهدف لها الملك إذا نشط؛ فكان يأمر الناس أن يصعدوا الأشجار ثم يرميهم بقوسه ونشابه، ويمسك بالعذارى في الطرقات، ويوثق قيدهن بأوتار قيثارة ويقذف بهن في البرك، وكان مما يمتع جلالته أن يركب جائساً خلال العاصمة فيلهب الناس بسوطه ليدفعهم إلى العمل، لكن رعيته خلعته عن العرش آخر الأمر بثورة أعلنت فيها
стр. 1389
العصيان السياسي الذي هو بمثابة الخروج على حدود التقوى وهو شيء نادر الوقوع في تاريخ اليابان (٢٦)؛ وحدث سنة ٧٩٤ أن انتقلت مراكز الحكومة من "نارا" إلى "ناجاوكا" ثم لم تلبث بعدئذ أن انتقلت إلى كيوتو (أي عاصمة السلام) فظلت هي العاصمة خلال الأربعة قرون (٧٩٤ - ١١٩٢) التي يجمع معظم المؤرخين على أنها كانت في اليابان عصرها الذهبي، فلما أن كانت سنة ١١٩٠ بلغ سكان كيوتو نصف المليون، وهو ما لم تبلغه أية مدينة أوروبية في ذلك العصر ما عدا القسطنطينية وقرطبة (٢٧)، وقد خصص جزء من المدينة لأكواخ الناس وحظائر لماشيتهم، والظاهر أن قد نعم هؤلاء الناس بعيشهم رغم فقرهم المدقع؛ ثم خصص آخر- جعلوه معزولاً بما تقتضيه الحكمة لحدائق العلية والأسرة الإمبراطورية وقصورهم؛ وكان يطلق على حاشية الإمبراطور بحق "سكان ما فوق السحب" (٢٨) لأن تقدم الحضارة وارتفاع الأساليب الفنية كان من نتائجها في اليابان- كما هي الحال في غيرها- ازدياد الفوارق الاجتماعية؛ وبهذا زالت المساواة التقريبية التي كانت تسود الناس في باكورة الأيام، وحل محلها تفاوت لا مندوحة عن وقوعه إذا ما قُسمِّت الثروة المتزايدة بين الناس على قدراتهم المختلفة وشخصياتهم وامتيازاتهم المتباينة؛ ونشأت أسرات كبيرة، مثل الـ "فويجيوارا" والـ "تايْرا" والـ "ميناموتو" والـ "سوجاوارا"، وهي أسرات كانت تقيم الأباطرة وتخلعهم، ويحارب بعضها بعضاً على النحو العنيف الذي شهدته أيام النهضة الإيطالية؛ ولقد قرَّب "سوجاوارا متشيزاني" نفسه من قلوب اليابانيين لرعايته للأدب، وهو الآن معبود لديهم بوصفه إلهاً للآداب، وتعطل المدارس تكريماً له في الخامس والعشرين من كل شهر؛ وكذلك امتاز الشاب "ميناموتو سانيتومو" بإنشائه في الصباح السابق لاغتياله هذه المقطوعة الشعرية الساذجة، التي تمثل الأسلوب الياباني في أنصع صوره:
стр. 1390
إذا لم أعد إليك ثانياً
يا شجرة البرقوق التي تجاور داري
فلا تنسي أنت موعد الربيع
وازدهري ما وسعك الازدهار
ولبثت اليابان في عهد "دايجو" المتنوّر (٨٩٨ - ٩٣٠) - وهو أعظم الأباطرة الذين أقامتهم على الحكم قبيلة فوجيوارا، لبثت في عهده تتشرب- بل بدأت تنافس- ثقافة الصين وأسباب ترفها، التي كانت عندئذ في أعلى ذرى ازدهارها في عهد "تانج"؛ ولما كانت اليابان قد استمدت عقيدتها الدينية من "المملكة الوسطى" فقد طفقت تستمد من المعين نفسه لباسها وألعابها وطهيها وكتابتها وشعرها وأساليب حكومتها وموسيقاها وفنونها وبساتينها وعمارتها، بل خُطِّطت عاصمتاها الجميلتان "نارا" و "كيوتو" على غرار "شانجان"؛ فقد استوردت اليابان ثقافة الصين منذ ألف عام، كما تستورد ثقافة أوربا وأمريكا في عصرنا هذا، وهي في هذا تتعجل أولاً ثم تتمهل لتنتقي وتختار ثانياً؛ لكنها تحتفظ بروحها الخاصة وشخصيتها الخاصة غيرة عليهما، ولا تدخر في وسعها جهداً في سبيل مداومة الأساليب الجديدة إلى الأغراض القومية القديمة.
ودخلت اليابان في عهدها "الأنجي" (٩٠١ - ٩٢٢) الذي يعتبر ذروة العصر الذهبي (١) مدفوعة إلى ذلك الصعود بحافز من جارتها العظيمة، وبوقاية
стр. 1391
حكومية مستتبة؛ فتراكمت الثروة وأتجه إنفاقها نحو أسباب حياة مترفة رقيقة تشيع فيها الثقافة بحيث لا يكاد يضارعها في ذلك مثيل حتى جاءت عصور أسرة مديتشي و "صالونات" "التنوير الفرنسي" (١).
وأصبحت "كيوتو" بمثابة باريس وفرساي في فرنسا، رقيقة قي شعرها وثيابها، رشيقة في أخلاقها وفنونها، تضع للأمة كلها معايير المعرفة والذوق، وانفتحت "الشهية" عند الناس على اختلاف صورها وإلى آخر حدودها وآمادها، فابتكر الطهاة صنوفاً جديدة من شهيّ الطعام، وكدسوا الآكال تكديساً ليُشبعوا أصحاب النهم وأرباب الذوق في الطعام على حد سواء، وغُض الطرف عن جرائم الزنا على أساس أنها من أتفه خطايا الإنسان (٣٢)، وتزمَّل كل سيد أو سيدة بالحرير ونفيس الثياب، وكنت ترى مختلف الألوان متناسقة على كل كم تلبسها ذراع، وازدانت حياة المعابد والقصور بالموسيقى والرقص كما أشاع الرقص والموسيقى روح الرشاقة في بيوت العِلْية التي كانت تحاط بروائع المناظر الطبيعية من الخارج، وتزدان صقلاً من الداخل بما فيها من آيات البرونز واللؤلؤ والعاج والذهب والخشب الذي حفر حفراً بلغ الغاية القصوى من دقة الحفر (٣٣)؛ لقد ازدهر الأدب إذ ذاك وانحلَّت الأخلاق.
أمثال هذه العصور التي تتلألأ بجوانب الرقة، يغلب ألا تدوم طويلاً، لأنها ترتكز ارتكازاً مقلقلاً على ثروة متراكمة يمكن في أية لحظة أن تذروها عوامل تذبذب التجارة، وقلق الطبقات المستغَلَّة وتقلبات الحروب؛ وقد أدى إسراف القصر آخر الأمر إلى إفلاس الدولة وارتفعت الثقافة بحيث رجحت كفتها بالقياس إلى القدرة العلمية، فانتهى ذلك إلى ملء المناصب الإدارية بمتشاعرين عاجزين، وأخذ الفساد يتكاثر تحت أنوفهم المعطَّرة دون أن يستوقف انتباههم، ثم أصبحت المناصب آخر الأمر تباع لمن يدفع في شرائها أغلى ثمن وازدادت الجرائم بين الفقراء بقدر ما ازدادت أسباب
стр. 1392
الترف بين الأغنياء، وانبث وباء اللصوص والقراصنة في الطرقات والبحار، فكانوا ينقضون على كل فريسة تقع في أيديهم، لا فرق عندهم بين الإمبراطور والشعب، ويسطون على جباة الضرائب فيسلبونهم ما كانوا يحملونه إلى القصر من أموال، ونظمت عصابات من اللصوص في الأقاليم، بل وفي العاصمة نفسها، وكان يتاح لأخطر مجرم في اليابان- كما هي الحال عندنا- أن يعيش في رفاهية علنية؛ لأنه كان من القوة بحيث يتعذر على أولى الأمر أن يقبضوا عليه أو يسيئوا إليه (٣٥)، وأهمل الناس عاداتهم وفضائلهم الحربية، وتراخوا في نظامهم العسكري والأهبة للدفاع، بحيث باتت الحكومة مفتوحة الصدر لكل ضربة يسددها إليها من شاء من القراصنة القساة؛ وراحت الأسر الكبيرة تجيَّش لنفسها جيوشها، فبدأت بذلك عهداً من حروب أهلية، ولبثت تناضل بعضها بعضاً نضالاً تسوده الفوضى، كل منها يحاول أن يظفر لنفسه بحق تعيين الإمبراطور، وأما الإمبراطور نفسه فكان يزداد كل يوم ضعفاً على ضعف، في الوقت الذي كان رؤساء القبائل فيه يوشكون أن يعودوا إلى سابق عهدهم من حيث استقلال كل منهم بسلطته؛ وهكذا أخذ التاريخ مرة أخرى يتذبذب على نحو ما كان يتذبذب قديماً، بين حكومة قوية مركزية من ناحية، ونظام إقطاعي لا مركزي من ناحية أخرى.
стр. 1393
الفصل الرابع
الطغاة
"الشواجنة" - سلطان عسكري في كاماكورا - وصاية هوجو على
العرش - غزوة قبلاي خان - سيادة أشيكاجا - القراصنة الثلاثة
كان من شأن هذه الظروف القائمة أن سنحت الفرصة لظهور فئة من الطغاة العسكريين الذين قبضوا بأيديهم على زمام الأمور كلها، في كثير من أجزاء الجزر اليابانية؛ ولم يعترفوا بالإمبراطور إلا على أنه ظاهرة مقدسة في اليابان يحتفظ بها بأقل ما يمكن من النفقات؛ وجعل الفلاحون الذين لم تعد تحميهم من عصابات اللصوص جيوش الإمبراطور ولا رجال شرطته، يدفعون الضرائب لهؤلاء "الشواجنة" أي القادة بدل دفعها للإمبراطور، لأن "الشواجنة" وحدهم هم الذين كانوا يستطيعون حمايتهم من اعتداء اللصوص (٣٦). وهكذا ساد النظام الإقطاعي في اليابان لنفس الأسباب التي كان قد ساد بسببها في أوربا، وأعني أن مصادر السلطان في الإقطاعات ازدادت نفوذاً بمقدار ما فشلت الحكومة المركزية النائبة في حفظ الأمن والنظام.
وحدث في سنة ١١٩٢ أن جمع "يوريتومو"- وهو أحد رجال قبيلة ميناموتو- حوله جيشاً من الجند والعبيد، وأقام لنفسه سلطة مستقلة، اتخذت لنفسها اسماً هو اسم المكان الذي قامت فيه، وهو "باكوفوكاماكورد" وكلمة "باكوفو" معناها منصب عسكري، وإذن فهي تدل صراحة على نوع الحكومة الجديدة؛ ومات "يوريتومو" العظيم فجأة في عام ١١٩٨ (١)
стр. 1394
أعقبه في الحكم أبناؤه الضعفاء، وذلك- كما يقول المثل الياباني- لأن "الرجل العظيم لا ذرية له" (٣٨) فأقامت أسرة منافسة وصاية لنفسها على العرش عام ١١٩٩ ويسمى العهد باسم "وصاية هوجو"، ولبثت تلك الأسرة مدى مائة وأربعة وثلاثين عاماً تحكم "الشواجنة" الذين كانوا بدورهم يحكمون الأباطرة؛ فكانت هذه الحكومة الثلاثية فرصة سانحة لقبلاي خان يحاول فيها غزو اليابان؛ فقد وصفها له الكوريون الدُّهاة الذين كانوا يخشون بأسها، فقالوا إنها من الثراء بحيث تستحق المجهود؛ فأمر قبلاي بناة سفنه أن يشيدوا له أسطولاً بلغ من الضخامة حداً جعل شعراء الصين يصورون التلال باكية ترثى ما سُلِبَ من غاباتها (٣٩)؛ ويقول اليابانيون- حين يروون حوادث الماضي رواية الفخور ببطولته- إن النفس بلغت سبعين ألفاً، لكن المؤرخين الذين لا يتأججون بمثل هذه الحاسة الوطنية يكفيهم من العدد ثلاثة آلاف وخمسمائة سفينة ومائة ألف محارب؛ وتبدّى هذا الأسطول الجبار على مبعدة من شواطئ اليابان في أواخر سنة ١٢٩١ فخرج سكان الجزر الأبطال ليلاقوه في أسطول لهم بنوه على عجل؛ وهو أسطول ضئيل بالقياس إلى الأسطول المهاجم؛ لكن حدث لهذه الأرمادا، ما حدث للأرمادا التي كانت أصغر منها، وإن تكن أشهر (١)، وهو أن هبت "ريح عظيمة" لا تزال مذكورة لما أسدته للناس من جميل، هبت فحطمت سفائن "الخان" الجبار، إذ رطمتها على جوانب الصخور، وأغرقت من بحارته سبعين ألفاً، وأبقت على بقيتهم ليعيشوا حياة الرقيق في بلاد اليابان.
ودارت الدوائر على أسرة "هوجو" عام ١٣٣٣، إذ أصابتهم السيطرة هم أيضاً بسمومها، وانتهى الأمر إلى انتقال الحكم الوراثي من أيدي الأبالسة والعباقرة إلى أيدي الجبناء والحمقى؛ وكان آخر هذه السلالة رجل يدعى "تاكا
стр. 1395
توكي" يحب الكلاب حباً شديداً، فيقبلها بدل الضرائب، حتى لقد جمع منها عدداً يتراوح بين أربعة وخمسة آلاف، وأعد لها حظائر زينها بالذهب والفضة وأطعمها بالسمك والطيور، وهيأ لها العربات المزخرفة تحملها للتنزه؛ فوجد الإمبراطور القائم على العرش إذ ذاك، وهو "جو دايجو" أن انحلال حماته فرصة سانحة يستعيد فيها سلطانه الإمبراطوري، وأيدته قبيلتا "ميناموتو" و "أشيكاجا" وقادتا له جيوش حتى ظفرتا له بالنصر على "أسرة الوصاية" بعد سلسلة من هزائم، ومن ثم أوى "تاكا توكي" ومعه ثمانمائة وسبعون من عبيده وقادته، إلى معبد، وجرع كأساً أخيرة من "الساقي" ثم أنزل بنفسه "الهاراكيري" (أي أنه أنتحر)؛ ولقد أخرج أحد الحاضرين أمعاء المنتحر بيديه قائلاً: "إن هذه لتضفي على الخمر طعماً لذيذاً" (٤٠).
وانقلب "أشيكاجاتا كاوجي" على الإمبراطور بعد أن كان هو الذي أعانه على استعادة سلطته؛ وقاتل الجيوش التي جاءت لإخضاعه قتالاً موفقاً من حيث خطته العسكرية ومؤامرات الخيانة؛ وأزال "جودايجو" عن العرش ليضع مكانه إمبراطوراً صورياً هو "كوجون"، وأقام في كيوتو تلك الحكومة العسكرية المعروفة باسمه "أشيكاجا" والتي ظلت تحكم اليابان مدى مائتين وخمسين عاماً سادتها الفوضى والحرب الأهلية التي لم تنقطع؛ ولا بد لنا أن نعترف هنا بأن جزءاً من تلك الفوضى كان يرجع إلى الجانب السامي من طغاة "أشيكاجا"- وهو حبهم للفن ورعايتهم له؛ فهاهو ذا "يوشيمتسو" قد مل الكفاح فأدار يديه نحو التصوير، حتى أصبح يعد من مصوري عصره الأفذاذ، وارتبط "يوشيمازا" بصلات الود مع كثير من المصورين، وأعان بالمال كثيراً من الفنون، وأصبح في عالم الفن ذواقة دقيقاً، حتى ليعد هواة الآثار الفنية اليوم القطع التي كان قد اختارها هو وأتباعه خير ما يستحق الاقتناء (٤١) لكن مهام الحكم الإداري قد أهملت إذ ذاك، ولم يعد حفظ
стр. 1396
الأمن والسلام في مقدور القادة العسكريين (أي الشواجنة) الأغنياء، ولا في مقدور الأباطرة الذين حل بهم الإفلاس.
فكان من شأن هذه الفوضى نفسها وما أصاب الحياة من انحلال، ومطالبة الأمة بقادة يهيئون لها النظام، أن ظهر القراصنة الثلاثة المعروفون في التاريخ الياباني؛ وتقول الرواية إن هؤلاء الثلاثة- وهم "نوبوناجا" و "هيديوشي" و "أيياسو"- اعتزموا أن يتعاونوا معاً في شبابهم على إعادة الوحدة لوطنهم، وحلف كل منهم يميناً على أن يطيع طاعة الأتباع مَنْ يفوز من زميليه الآخرين بموافقة الإمبراطور على توليه حكومة اليابان (٤٢)؛ وحاول "نوبوناجا" بادئ ذي بدء، لكنه مُني بالفشل، وحاول بعده "هيديوشي" لكنه مات حين أوشك على النجاح؛ وكان "أيياسو" يرقب فرصته، فجاءته آخر الأمر وحاول بعد زميليه، وأسس الحكومة العسكرية المعروفة باسم "توكوجاوا". وبهذا افتتح عهداً من أطول عهود السلام، وعصراً هو من أخصب عصور الفن، في تاريخ الإنسانية كلها.
стр. 1397
الفصل الخامس
"وجه القردة" العظيم
ظهور هيديوشي - الهجوم على كوريا - الاشتباك مع المسيحية
كانت الملكة اليصابات و "أكبر" (في الهند) معاصرين لـ "هيديوشي" العظيم- هكذا قد يحلو لليابانيين أن يذكروا هذه الحقيقة على سبيل التنويه بفضل عظيمهم- كان "هيديوشي" ابن فلاح، يعرفه أصدقاؤه، وتعرفه رعيته حين أصبح فيما بعد حاكماً، باسم "سارو من كانجا"- ومعناها "وجه القردة" لأنه لم يكن ينافسه في دمامة الوجه أحد حتى ولا كونفوشيوس؛ وكان والداه قد عجزا عن إخضاعه للنظام فبعثا به إلى مدرسة في دير؛ لكن "هيديوشي" سخر من كهنة البوذية سخرية شديدة، وأثار في الدير ضجة وثورة، بحيث انتهى أمره إلى الطرد من مدرسته، فألحق صبياً في كثير من الحرف، وطرد من عمله سبعاً وثلاثين مرة (٤٣)؛ وجعل من نفسه قاطعاً للطريق، لكنه عاد فرأى أنه يستطيع أن يسلب وهو مع القانون أكثر مما يسلبه وهو خارج على القانون؛ ثم التحق بخدمة "الساموراي" (أي حملة السيف) وأنقذ حياة مولاه، وسمح له بعدئذ أن يحمل سيفاً؛ وانضم إلى أتباع "نوبوناجا" وعاونه بتفكيره وببسالته، حتى إذا ما مات "نوبوناجا" تولى هو قيادة الثائرين الخوارج على القانون، الذين شنوا حملتهم ليغزوا أرض وطنهم؛ فما انقضت ثلاثة أعوام حتى كان "هيديوشي" قد أصبح حاكماً على نصف الإمبراطورية وظفر بإعجاب الإمبراطور العاجز، وأحس في نفسه من القوة ما يتيح له أن يهضم في جوفه كوريا والصين؛ وفي ذلك قال متواضعاً يخاطب
стр. 1398
"ابن السماء": "لقد اعتزمت أن أطوي الصين كلها تحت سلطاني، بمعونة الجنود الكوريين وبتأييد من نفوذك الساطع؛ فإذا ما تم لي ذلك، ستصبح الأقطار الثلاثة (الصين وكوريا واليابان) قطراً واحداً؛ وسيتم لي ذلك في يسر كأنما أطوي حصيرة لأحملها تحت ذراعي" (٤٤). لكنه حاول جهده بغير جدوى، لأن رجلاً شيطانياً من الكوريين اخترع قارباً حربياً من المعدن- ولولا سبقه في الزمن لقلنا إنه سرق منا الـ "مونتِور" والـ "مِرِماك"- وبهذا القارب راح يحطم سفن "هيديوشي" المثقلة بجنوده؛ سفينة بعد سفينة، وكان "هيديوشي" قد أنفذها بجنده إلى كوريا (١٥٩٢)، لقد أغرقت في يوم واحد اثنان وسبعون مركباً، وانقلب البحر بحراً من دماء، ورست أربع وثمانون سفينة أخرى على الشاطئ حيث فر منها اليابانيون وخلفوها وراءهم، فأحرقها الظافرون حتى لم يذروا منها شيئاً؛ وبعد أن تبادل الفريقان نصراً وهزيمة دون أن يكون فيها ما يفصل بالنصر، أرجأ الفاتحون فتح كوريا والصين حتى القرن العشرين؛ وقال ملك كوريا عن "هيديوشي" إنه حاول "أن يعبر المحيط في صَدفَة من أصداف المحار" (٤٥).
وإلى أن يحين ذلك الحين، استقر "هيديوشي" ليستمتع بهذه "الوصاية" التي أسسها لنفسه، وليدير فيها عجلة الحكم، وجمع لمتعته ثلاثمائة غانية، لكنه وهب مبلغاً كبيراً من المال لزوجته الريفية التي كان قد طلَّقها منذ زمن طويل وبحث عن أحد سادته القدماء؛ وأعاد له المال الذي كان قد سرقه منه أيام أن كان يعمل معه صبياً، وأضاف إلى المال قيمة الربح طوال هذه المدة؛ ولم يجرؤ أن يطلب من الإمبراطور أن يوافق له على تلقيب نفسه بلقب "شوجن" (أي حاكم عسكري) لكن معاصريه عوضوه عن ذلك بلقب آخر أطلقوه عليه، وهو "تايكو" أي "الحاكم العظيم"، وهي كلمة غامرت في رحلة من تلك الرحلات "الأوذيسِّيَّة" التي تتعقب آثارها في علم اللغات، حتى
стр. 1399
دخلت في ختام رحلتها إلى لغتنا نحن وأصبحت كلمة من كلماتنا، وهي كلمة Tycoon: ووصف مبشر ديني "هيديوشي"، فقال: "إنه ماكر ماهر إلى درجة تجاوز كل معقول، فقد نزع عن الشعب سلاحه بحيلة لطيفة، وهي أنه أمر الناس أن يجمعوا كل ما عندهم من أسلحة معدنية ليصنع من مادتها تمثالاً ضخماً- وهو تمثال "دايبوتسو" أي "بوذا العظيم" الذي يقوم في كيوتو- والظاهر أنه لم يكن يعتنق عقيدة دينية، لكنه لم يكن أسمى من أن يستغل الدين من أجل غاياته في طموحه أو سياسته".
ودخلت المسيحية اليابان سنة ١٥٤٩ متمثلة في شخص رجل هو في طليعة طائفة الجزويت ومن خيرتهم، وأعنى به "القديس فرانسس اكسافير" ولم يكد يكون جمعية صغيرة حتى أخذت تزداد ازدياداً سريعاً، بحيث لم يمض جيل واحد بعد قدومه إلا وقد بلغ عدد أعضاء الجزويت سبعين، وعدد من تحولوا إلى المسيحية في الإمبراطورية اليابانية مائة وخمسين ألفاً (٤٧)؛ وكانوا من الكثرة في ناجازاكي بحيث جعلوا ذلك الميناء التجاري مدينة مسيحية، وحملوا حاكمها المحلي "أومورا" على اتخاذ التدابير المباشرة في نشر العقيدة الجديدة (٤٨)؛ يقول "لافكاديوهيرن": "إن البوذية في إقليم ناجازاكي قد طمست طمساً تاماً فكهنتها أصابهم الاضطهاد والتشريد"؛ ففزع "هيديوشي" لهذا الفتح الروحاني للبلاد، وارتاب في أن تكون وراءه أهداف سياسية، فأرسل رسولاً إلى نائب الجزويت في اليابان، مزوداً بخمسة أسئلة عاجلة:
١ - لماذا وبأي حق أرغم هو (نائب رئيس الجزويت) وأعضاء طائفته الدينية رعية "هيديوشي" على اعتناق المسيحية؟
٢ - لماذا حرضوا أتباعهم وأشياعهم على هدم المعابد؟
٣ - لماذا اضطهدوا كهنة البوذية؟
стр. 1400
٤ - لماذا أكلوا هم وبعض البرتقاليين حيوانات نافعة للإنسان مثل العجول والأبقار؟
٥ - لماذا سمح لتجار من بني جلدته أن يشتروا أفراداً من اليابانيين يتخذونهم عبيداً في جزر الهند الشرقية؟ (٥٠)
ولما لم يقنع "هيديوشي" بالإجابات، أصدر سنة ١٥٨٧ الأمر الآتي:
بما أننا قد علمنا من مستشارينا الأمناء أن طائفة دينية أجنبية قد جاءت إلى مملكتنا، حيث جعلت تبشر بقانون يتنافى وقانون اليابان، بل ذهبت بها الجرأة إلى تحطيم المعابد التي شيدت باسم (آلهتنا القومية) "كامى" و "هوتوكي" وعلى الرغم من أن هذه الفتنه تستحق أقسى ألوان العقاب، فإننا مع ذلك راغبون في مقابلة أعضائها بالرحمة، لذلك نأمرهم بمغادرة اليابان خلال عشرين يوماً، وعلى من يعصى تقع عقوبة الموت؛ ولن يصيب أحداً منهم أثناء هذه المهلة ضرر أو أذى، أما إذا بلغ ذلك الأمر ختامه فإننا نأمر بأن يقبض على من يوجد منهم في بلادنا وأن يعاقب على أنه من أخطر المجرمين (٥١).
وفي وسط هذه المفازع كلها وجد القرصان الأكبر من وقته فراغاً ينفقه في تشجيع رجال الفن، وأن يُسْهم في مسرحيات "لا"؛ وفي تأييد "ركْيو" في جعل الاحتفال بالشاي حافزاً على تشجيع صناعة الخزف الياباني، وحلِيْة هامة تزدان بها الحياة في اليابان؛ ومات سنة ١٥٩٨ بعد أن استوعد "أيِياسو" وعداً ببناء عاصمة جديدة في "ييدو"، (وهي الآن طوكيو)، وفي الاعتراف بابن هيديوشي- وهو هيديوري- وارثاً له على وصاية العرش في اليابان.
стр. 1401
الفصل السادس
الشوجن (أي الحاكم العسكري) العظيم
أيياسو في منصب السلطان - فلسفته - أيياسو والمسيحية-
موت أيياسو - طائفة الحكام العسكريين من توكوجاوا
مات "هيديوشي" فأعلن "أيياسو" أنه حين حلف اليمين له، لم يشهد على يمينه قطرات من دمه يستقطرها من أصابعه أو من فمه، كما يقضي بذلك تشريع "ساموراي" أي حملة السيف بل استقطر دمه ساعة حلف اليمين من خدش وراء أذنه ومن ثم كان يمينه غير ملزم بالوفاء (٥٢)، والتقى بجماعة من قادته كانوا ينافسونه السلطان، التقى بهم عند سكيجاهارا، فعصف بهم عصفاً في موقعة انتثر على أرضها أربعون ألفاً من القتلى؛ وأبقى على "هيديوري" حتى بلغ سن الرشد فأصبح بذلك خطراً عليه، وعندئذ أوحى له بالتسليم صيانة لحياته؛ ولما قَرَّعوه على موقفه ذاك، حاصر قلعة أوساكا الجبارة حيث كان هيديوري محصناً، واستولى عليها في الوقت الذي كان الفتى فيه يزهق روح نفسه، ومكّن لنفسه من السلطان كاملاً بأن قتل أبناء "هيديوري" جميعاً الشرعيين منهم وغير الشرعيين، وبعدئذ نظم "أيياسو" الأمن في مهارة وقسوة كما نظم القتال، وحكم اليابان حكماً بلغ من صلاحيته أن رضيت اليابان بأن تحكم بأبنائه وعلى مبادئه مدى ثمانية أجيال.
كان رجلاً له أفكاره الخاصة، وكان يتخذ لنفسه من قواعد الأخلاق ما تقتضيه ظروف الساعة؛ فلما جاءته سيدة من أكرم السيدات تشكو إليه أن أحد رجاله قد قتل زوجها لكي يظفر بها، أمر "أيياسو" ذلك الرجل أن يخرج أمعاء نفسه بيده، وبعدئذ اتخذ من السيدة خليلة له (٥٣) وهو شبيه بسقراط
стр. 1402
في جعل الحكمة الفضيلة التي لا فضيلة سواها، ورسم الطرق المؤدية إليها في ذلك الكتاب العجيب الذي أسماه "التراث" أو العهد العقلي الذي خلَّفه لأسرته عند موته:
"الحياة شبيهة برحلة طويلة يحمل فيها الراحل حملاً ثقيلاً، فاجعل خطاك وئيدة ثابتة، حتى لا تتعثر، واقنع نفسك بأن النقص والتعب هما نسيج الحياة الطبيعي عند من تفنى حياته، ولن يكون في حياتك ما يمد لك في سبيل السخط أو اليأس فإذا ما نَزَتْ في قلبك نزوات الطموح، فتذكر أيام الشقاء البالغ حده الأقصى، التي اجتزتها في ماضي حياتك؛ فالصبر هو أس السكينة والطمأنينة إلى الأبد؛ انظر إلى السخط نظرتك إلى عدوك؛ فإذا اقتصر علمك على كيف تَهزِم، ولم تعلم كيف تنهزم، فالويل لك، ويا سوء سبيلك في الحياة الدنيا؛ فاكشف عن الخطأ في نفسك قبل أن تكشف عنه في سواك" (٥٤).
أما وقد ظفر لنفسه بالسلطان بقوة السلاح، فقد قرر أن اليابان لم تعد بها حاجة إلى مواصلة الحروب، وكَرَّسَ نفسه للنهوض بما يقيم السلام من وسائل وفضائل، ولكي يباعد بين "الساموراي" (أي حملة السيف) وبين عاداتهم العسكرية، شجعهم على دراسة الأدب والفلسفة والخلق الفني، وهكذا ازدهرت الثقافة في اليابان في ظل حكمه الذي نشره في ربوع البلاد؛ وتدهورت الروح العسكرية، وقد كتب يقول: "إن الشعب هو أساس الإمبراطورية" (٥٥). واستثار في قلوب خلفه الرحمة والرأفة "بالأرمل والأرملة واليتيم ومن لا أنيس له" لكنه لم يتصف بالميول الديمقراطية، حتى لقد ذهب إلى أن أفدح الجرائم جميعاً هو العصيان، "فالزميل" الذي يخرج على صفوف الزملاء من طبقته، لابد من الفتك به فور ساعته، ولا مندوحة من قتل أسرة الثائر بأسرها (٥٦)، ومن رأيه أن النظام الإقطاعي هو أفضل
стр. 1403
نظام يمكن وضعه لبني الإنسان كما هم في حقيقة طبائعهم، لأنه يهيئ اتزاناً معقولاً بين السلطة المركزية والسلطة المحلية، كما يقيم نظاماً طبيعياً وراثياً تتسق به الجوانب الاجتماعية والاقتصادية، وهو كذلك يضمن استمرار المجتمع دون أن يتعرض لسلطان الحاكم المستبد، ولا بد لنا من الاعتراف هنا بأن "أيياسو" قد نظم في بلاده أكمل صورة عرفها الإنسان لحكومة تقوم على نظام الإقطاع (٥٧).
وهو- ككل سياسي آخر- قد فكر في الدين على أنه أداة للنظام الاجتماعي قبل أن يكون أي شيء آخر، وأحزنه أن يرى أن اختلاف الناس في عقائدهم الدينية قد قضى على نصف هذا الخير الاجتماعي بما أحدثته العقائد المتعادية من فوضى؛ وقد كانت العقيدة التقليدية للشعب الياباني- وهي خليط مضطرب من الشنتوية والبوذية- كانت هذه العقيدة التقليدية من وجهة نظره السياسية الخالصة، رباطاً بالغ القيمة يربط الجنس الياباني في وحدة روحية ونظام خلقي وولاء وطني، وهو على الرغم من أنه نظر إلى المسيحية بادئ ذي بدء بعين التسامح وبأفق عقلي فسيح كاللذين عرفا عن "أكبر" في (الهند) وأبى أن يفرض عليها ما كان يفرضه عليها "هيديوشي" من أوامر يعلن بها غضبه منها، إلا أنه عاد فضاق بها صدراً لتعصبها، ولاتهامها القاسي للديانة القومية بأنها وثنية، وما أحدثته بتعصبها الجامح من شحناء لم تقتصر على أن تكون بين المعتنقين المسيحية وبقية أفراد الأمة، بل امتدت فدبت بين معتنقي الديانة الجديدة أنفسهم (١)؛ ثم ثار في صدره السخط آخر الأمر
стр. 1404
لما عرف أن المبشرين بالمسيحية كانوا أحياناً يُستخدمون طلائع للفاتحين وأنهم كانوا في أجزاء متناثرة من أرض الوطن يتآمرون على الدولة اليابانية (٥٨)؛ فأمر سنة ١٦١٤ بتحريم العبادة المسيحية أو التبشير بتعاليمها في اليابان، وطالب المعتنقين لهذه الديانة من الأهالي إما أن يغادروا البلاد وإما أن يرتدوا عن عقيدتهم الجديدة، واستطاع قساوسة كثيرون أن ينجوا بأنفسهم من طائلة هذا القانون، وألقي القبض على طائفة منهم، ولكن لم يُعدم أحد منهم في حياة "أيياسو"، فلما قضى نحبه، صبَّ سادة الحكومة غضبهم على المسيحيين، وأعقب ذلك موجةٌ وحشية من الاضطهاد الديني، كان من أثرها أن أمحت المسيحية من بلاد اليابان محواً تاماً تقريباً، ولما كان عام ١٦٣٨ تجمعت البقية الباقية من المسيحيين، وبلغ عددها سبعة وثلاثين ألفاً، في شبه جزيرة "شيمابارا" وحصنتها ووقفت وقفة أخيرة دفاعاً عن حرية العبادة؛ فأرسل لها "أبيمتسو"- حفيد أيياسو- قوة كبيرة مسلحة لإخضاعها؛ وبعد حصار دام ثلاثة أشهر سقطت الحامية في أيدي اليابانيين، وذبح المعتصمون بها ذبحاً في الشوارع، لم يبق منهم على قيد الحياة إلا مائة وخمسة أشخاص.
مات "أيياسو" في نفس العام الذي مات فيه شكسبير؛ وخلَّف هذا الحاكم العسكري القوى سلطانه إلى ابنه "هيديناميا" مصحوباً بنصح بسيط وهو: "ارْعَ أبناء الشعب، وحاول أن تكون فاضلاً، ولا تهمل أبداً في حماية البلاد"؛ وكذلك قدم النصح إلى الأشراف الذين وقفوا إلى جانب سريره ساعة احتضاره، فكان نصحاً على أحسن ما تجرى به التقاليد كما عُرفت عند "كونفوشيوس" و "منشيوس" إذا قال لهم: "لقد بلغ ابني الآن سن الرشد، ولست أشعر بأي قلق على مستقبل الدولة، ولكن إذا ما اقترف خلفي خطأ فادحاً في إدارة حكومته، فتولوا أنتم زمام الأمور بأيديكم، فليست البلاد مِلْكاً
стр. 1405
لرجل واحد، لكنها وطن للأمة بأسرها، وإذا ما أضاع حفدتي سلطانهم بسبب أخطائهم، فلن آسف على ضياعه منهم" (٦٠).
لكن حفدته ملكوا زمام أنفسهم على نحو أحسن جداً مما كان ينتظر عادة من ملوك عصرهم أن يفعلوا خلال أمد طويل من الزمن؛ أما "هيديتارا" فقد كان رجلاً متوسط القدرة لا يصدر عنه الأذى؛ ثم جاء "أييمتسو" مثلاً لصورة أقوى من صور أفراد هذه الأسرة، فاستطاع بشدته أن يحبط حركة نهضت لإعادة النفوذ الحقيقي إلى الأباطرة الذين كانوا لم يزالوا يملكون ولكنهم لم يكونوا يحكمون؛ وأغدق "تسونايوشي" إغداقاً في رعايته لرجال الأدب، ورعايته للمدرستين المتنافستين العظيمتين في عالم التصوير. وهما "كانو" و "توسا" اللتان زَيَّنتا عصر "جنروكو" (١٦٨٨ - ١٧٠٣)؛ وجاء "يوشيموني" فجندّ نفسه للغاية التي ما انفكت الإنسانية تهدف لها حيناً بعد حين، وهي محو الفقر، وكان ذلك في نفس الوقت الذي كانت ميزانية حكومته تعاني فيه عجزاً جاوز المألوف؛ فاستقرض من طبقة التجار قرضاً طائلاً، وهاجم إسراف الأغنياء، وخفض نفقات حكومته خفضاً نزع به نحو جانب الزهد الرواقي، الذي ذهب به إلى حد إخراجه سيدات القصر الخمسين اللائي كن أجمل السيدات، واكتفى في ثيابه بلبس القطن، وفي نومه بحصير مما يرقد عليه الفلاحون، وفي طعامه بأبسط ألوان الطعام؛ ووضع صندوقاً أمام قصر المحكمة العليا ليضع فيه الشاكون شكاواهم، ودعا الناس إلى نقد السياسة الحكومية أو موظفي الحكومة على أي نحو شاءوا؛ فلما قدم رجل يدعي "ياماشيتا" عريضة اتهام لاذع يهاجم بها الحكومة من أساسها، أمر "يوشيموني" بالاتهام فَقُرِأ على مسمع من الملأ، وكافأ كاتبها على صراحته بأجزل العطاء (٦١).
ولقد قرظ "لافكاديوهيرن" حكمه في ذلك العهد فقال: "إن عصر "توكوجاوا" كان أسعد العصور التي شهدتها الأمة في حياتها الطويلة" (٦٢).