← История

История · id 35104

قصة الحضارة

ول ديورانت

Полный текст (15 136 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

وكانت الكتابة في بدايتها - كما لا تزال عند أهل الصين واليابان - ضرباً من الرَّسم أي كانت ضرباً من الفن؛ فكما أن الإنسان كان يستخدم الإشارات حين كانت تتعذر عليه الكلمات، فكذلك استخدم الصور لينقل أفكاره عَبر المكان وخلال الزمان؛ فكل كلمة وكل حرف مما نستعمله اليوم كان فيما سبق صورة، كما هي الحال الآن في العلامات التجارية وفي التعبير عن أبراج السماء؛ والصور الصينية البدائية التي سبقت الكتابة كانت تسمى "كوروان" ومعناه الحرفيّ "صور للإشارات"؛ وكانت القوائم الطوطمية كتابة تصويرية، أو كانت - كما يقترح "ماسون" Mason رسماً تدونه القبائل لتعبر به عن نفسها؛ فبعض القبائل كان يستعمل عصيًّا محزوزة لتذكّرهم بشيء أو ليبعثوا بها رسالة؛ وبعضها الآخر - مثل "هنود الجُنكِوِن" Algonquin لم يكتف بحزّ العصيّ، بل رسم عليها أشكالاً تجعلها صوراً مصغرة للقوائم الطوطمية؛ أو ربما العكس هو الصحيح، أي أن هذه القوائم الطبيعية كانت صورة مكبرة للعصيّ المحزوزة، وكان هنود بيرو يحتفظون بمدوّنات طويلة من الأعداد ومن الأفكار، بأن يعقدوا حبالاً مختلفة الألوان بالعُقَد والعُرَى؛ وربما ألقى شيء من الضوء على أصل هنود أمريكا الجنوبية إذا عرفنا أن هذه العادة نفسها سادت بين سكان الأرخبيل الشرقي وأهل بولينزيا. ولما أهاب "لَاوتسي" Lao-Tse بقومه الصينيين أن يعودوا إلى الحياة الساذجة، اقترحَ عليهم أن يرتدُّوا إلى ما كانوا يصنعونه من حِبال معقودة (١٨) وتظهر صور من الكتابة أرقى مما ذكرنا بين الشعوب الفطرية آنا بعد آن، فلقد وجدنا رموزاً هيروغليفية في جزيرة "إيستر" في البحار الجنوبية؛ وكشفنا الغطاء في إحدى جزر "كارولينا" عن مخطوط يتكون من واحد وخمسين رمزاً مقطعياً تصور أعداداً وأفكاراً (١٩)، وأن الرواية لتروي كيف حاول رؤساء جزيرة إيستر وكهنتها أن يحتفظوا لأنفسهم بكل معرفة تتصل

стр. 142

بالكتابة،: وكيف كان الناس يحتشدون مرة في كل عام ليسمعوا المدوّنات وهي تُقرأ عليهم؛ فبديهي أن الكتابة كانت في مراحلها الأولى شيئاً غامضاً مقدساً، ولفظة "هيروغليف" معناها نقش مقدس، ولسنا على يقين من أن هذه المخطوطات البولينيزية لم يكن مصدرها إحدى المدنيَّات التاريخية؛ لأن الكتابة - على وجه العموم - علامة تدل على الحضارة، وهي من أوثق المميزات التي تفرق بين أهل المدنيَّة وأبناء العصور البدائية. الأدب في أول مراحله كلمات تقال أكثر منه حروفاً تكتب "على الرغم من أن الكلمة في الإنجليزية تنتمي في أصلها اللغوي إلى ما يدل على الكتابة"؛ وهو ينشأ في ترانيم دينية وطلاسم سحرية، يتغنى بها الكهنة عادةً، وتنتقل بالرواية من ذاكرة إلى ذاكرة؛ والكلمة التي معناها الشعر عند الرومان، وهي " Carmina" تدل على الشعر وعلى السحر في آن واحد؛ والكلمة التي معناها نشيد عند اليونان، وهي " Ode" معناها في الأصل طلسم سحريّ، وكذلك قل في الكلمتين الإنجليزيتين " Tune" و " Lay" والكلمة الألمانية " Lied" وأنغام الشعر وأوزانه، التي ربما أَوحَى بها ما في الطبيعة وحياة الجسد من اتساق، قد تطورت تطوراً ظاهراً على أيدي السحرة الذين أرادوا أن يحتفظوا وينقلوا ثم يزيدوا من "التأثير السحريّ لأشعارهم" (٢٠) ويعزو اليونان أول ما قيل من شعر في البحر العُشاري إلى كهنة دلفي، الذين ابتكروا هذا البحر ليستخدموه في نظم نبوءاتهم (٢١)، وبعدئذ أخذ الشاعر والخطيب والمؤرخ يتميز بعضهم من بعض شيئاً فشيئاً، ويتجهون اتجاهاً دنيوياً في فنونهم، بعد أن اتحدوا جميعاً في هذا الأصل الكهنوتي، فأصبح الخطيب مُشيدا رسمياً بأعمال الملك أو مدافعاً عن الآلهة، وبات المؤرخ مسجلاً لأعمال الملك، والشاعر مغنياً لأناشيد كانت في الأصل مقدسة، ومعبراً وحافظاً لأساطير البطولة، وموسيقيَّا صاغ أقاصيصه صياغة الألحان ليعلّم بها الشعب وملوكه جميعاً؛ وهكذا كان لأهل فيجي وتاهيتي وكالدونيا

стр. 143

الجديدة خطباء ومؤرخون رسميون، عليهم أن يخطبوا الناس في المحافل العامة، وأن يثيروا حماسة المقاتلين في القبيلة بذكر أعمال أجدادهم والإشادة بمجد أمتهم التليد الذي لا تضارعها فيه أمة أخرى؛ وكان للصومال شعراء محترفون يطوفون من قرية إلى قرية ينشدون الأناشيد مثل الشعراء المنشدين والشعراء الطوافين الذين عرفتهم العصور الوسطى، ولم تكن أشعارهم التي يتغنون بها عن الحب إلا في حالات نادرة، وأما في أكثر الحالات فقد كانت تقال عن البطولة البدنية أو حومة القتال أو علاقة الآباء بأبنائهم، وهاك مثلاً من الشعر مأخوذاً عن أحد الآثار القديمة في جزيرة إيستَر، وهو رثاء والد لابنته أبعدتها تصاريف الحروب عنه: إن ركوب ابنتي لمتون البحار لم تُفسده عليها قط قبائل الأعداء إن ركوب ابنتي لمتون البحار لم يفسده عليها التآمر من أهل هونيتي فما فتئت ظافرة في كل حروبها هل أغرَوها بشرب الماء المسموم من الزجاجة الحجرية السوداء؟ هذا مستحيل هل يمكن لأحزاني أن يقلّ سعيرها بينما يفصلني عن ابنتي خضمُّ البحار؟ أواه يا ابنتي، أواه يا ابنتي! إنه لطريق مائي فسيح ذلك الذي أمدّ بصري خلاله تجاه الأفق يا ابنتي، أواه يا ابنتي!

стр. 144

الفصل الثاني العلم البدايات - الرياضة - الفلك - الطب - الجراحة يرى هربرت سبنسر ذلك الأخصائي العظيم في جمع الشواهد للوصول إلى النتائج، أن العلم- كالأدب- بدأ بالكهنة، واستمد أصوله من المشاهدات الفلكية التي كانت تحدد مواقيت المحافل الدينية، ثم صِينَ في كنف المعابد ونُقِلَ عَبر الأجيال باعتباره جزءاً من التراث الديني (٢٣)؛ ولسنا نستطيع الجزم برأي في هذا، لأن البدايات لا تمكننا من معرفتها، سواء في العلم أو في غيره؛ وكل ما نستطيعه هو التخمين والظن؛ فيجوز أن يكون العلم- شأنه في ذلك شأن المدنيَّة بصفة عامة- قد بدأ مع الزراعة؛ فالهندسة في أولها كانت عبارة عن قياس الأرض المزروعة؛ وربما أنشأ علمَ الفلك حسابُ المحصول والفصول الذي يستدعي مشاهدة النجوم وإنشاء التقويم؛ ثم تقدم الفلك بالملاحة، وطَورَت التجارة علم الرياضة، كما وضعت فنونُ الصناعة أسس الطبيعة والكيمياء. وربما كان العدُّ من أول ما شهد الإنسان من صور الكلام، ولا يزال العدُّ في كثير من القبائل يتم على صورة تبعث على الابتسام ببساطتها؛ فقد عَدَّ "التسمانيون" إلى العدد اثنين لم يجاوزوه: "بارمَرِى، كالاباوا، كاردِيا"- يعني: "واحد، اثنين، كثير" والهولنديون الجدد ليس لديهم كلمات للفظتي ثلاثة أو أربعة، بل هم يطلقون على ثلاثة كلمة "اثنين- واحد" وعلى أربعة كلمة "اثنين- اثنين"؛ وأهل

стр. 145

"دامارا" لا يقبلوا أن يبادلوا غنمتين بأربع عصي، لكنهم يقبلون أن يبادلوا غنمة بعَصَوَين، ثم يكررون العملية مرة أخرى؛ ولقد كان العَدُّ وسيلته الأصابع، ومن هنا نشأ النظام العشري؛ ولما أدرك الإنسان فكرة العدد اثني عشر، والأغلب أن يكون أدركه بعد حين من الزمن، فرح به لأنه كان مريحاً للنفس بقبوله القسمة على خمسة من الأعداد الستة الأولى؛ وهنا وُلد النظام الاثنا عشري في الحساب، وهو نظام لا يزال قائماً، لا يريد لنفسه الزوال، في المقاييس الإنجليزية حتى اليوم؛ فاثنا عشر شهراً تكوّن عاما، واثنا عشر بنساً تكون شلناً، و "الدستة" اثنا عشر، و "الجروسة" اثنا عشر "دستة" والقدم اثنا عشر بوصة؛ أما العدد ثلاث عشر، فهو على عكس سالفه، يأبى الانقسام، ولذا أصبح بغيضاً عند الناس، ومبعثاً للتشاؤم إلى الأبد؛ ولما أضيفت أصابع القدمين إلى أصابع اليدين، تكونت فكرة العشرين؛ ولا يزال استعمال هذا العدد في العدّ ظاهراً في قول الفرنسيين "أربع عشرينات" ليدلوا على "ثمانين"؛ وكذلك استخدمت أجزاء أخرى من البدن معايير للقياس، فاليد كلها "للشبر" والإبهام للبوصة "اللفظتان في اللغة الفرنسية ينوب عنهما لفظة واحدة تؤدي المعنيين" والذراع حتى المرفق للذراع؛ والذراع كلها لمقياس آخر "يسمى ذراع الهندازة" والقدم للقدم؛ وفي عصر متقدم، أضيف الحصوات إلى الأصابع لتعين على عملية العدّ؛ ولا تزال الكلمة الإنجليزية للعدّ، " Calculate" تشير بأصلها اللغوي إلى أصلٍ معناه "حجر صغير" مما يدل على صغر المسافة التي تفصل القدماء السذج عن المحدثين، ولقد تمنى "ثورو" Thoreau أن يحيا هذه الحياة البدائية الساذجة، وأجاد التعبير عن حالة كثيراً ما تعاود الإنسان فقال: "إن الرجل الأمين لا يكاد يجد الحاجة إلى عدّ يجاوز به أصابع يديه، وقد يضيف إليها أصابع قدميه في حالات نادرة؛ ثم يكدس ما بقى له بعد ذلك في كتلة واحدة؛ فرأيي هو أن نُجري أمورنا على نسق الاثنين أو الثلاثة، لا على نسق المائة أو الألف، فبدل

стр. 146

المليون، عُدَّ ستة فقط، وسجل حسابك على ظفر إبهامك" (٢٥). وربما كانت بداية الفلك في قياس الزمن بحركات الأجرام السماوية وكلمة "مقياس" نفسها "في اللغة الإنجليزية measure" وكلمة شهر " month"- بل ربما كانت كلمة إنسان man أيضاً وهو الذي يقوم بالقياس- كل هذه الكلمات تَرتَدُّ- بغير شك- إلى أصل لغويَّ معناه القمر " moon" (٢٦) ذلك لأن الناس قاسوا الزمن بدورات القمر قبل قياسه بالأعوام بزمن طويل؛ فالشمس- مَثَلُها في ذلك مَثَلُ الأب لم تستكشف إلا في وقت متأخر نسبيا؛ وحتى اليوم ترانا نحسب موعد عيد الربيع " Easter" بأوجه القمر؛ وكان لأهل بولنيزيا تقويمَّ، العامُ فيه ثلاثة عشر شهراً ينظمها القمر؛ فلما رأوا أن سنتهم القمرية تختلف اختلافا بيّنا عن مواكب الفصول، أسقطوا شهراً قمرياً، وبذلك استعادوا التوازن بين سنتهم وبين الفصول (٢٧)؛ لكن استخدام الأجرام السماوية على هذا النحو المتزن كان شذوذاً بالقياس إلى التخبط في استخدامها للتنجيم، فالتنجيم قد سبق علم الفلك، وربما دام وجوده على الرغم من ظهور علم الفلك؛ ذلك لأن النفوس الساذجة أكثر اهتماما بالكشف عما يخبئه لها الغيب منها بمعرفة الزمن؛ فنشأت ألوف الخرافات عن تأثير النجوم في خُلُق الإنسان ونصيبه المقدور، ولا يزال كثير من هذه الخرافات مزدهراً في يومنا هذا (١) وربما لم تكن هذه الخرافات خرافات بالمعنى الصحيح، ويجوز أن تكون ضربا آخر من الخطأ في التعليل؛ وما العلم نفسه إلا الضرب الأول من ذلك الخطأ. والإنسان البدائي لا يصوغ شيئاً من قوانين علم الطبيعة، ويكتفي بممارستها من الوجهة العملية؛ فلئن لم يكن في مقدوره أن يقيس مسار المقذوف في الفضاء،

стр. 147

إلا أنه يستطيع أن يصوب سهامه نحو الهدف فلا يخطئ؛ ولئن لم يكن لديه رموز كيماوية، إلا أنه يستطيع أن يميز بلمحة سريعة أي النباتات سام وأيها طعام، بل يستطيع أن يستخدم الأعشاب استخداماً دقيقاً في شفاء أمراض البدن؛ والأرجح أن يكون أول من أمتهن حرفة الطب هن من النساء، لا لأنهن الممرضات الطبيعيات للرجال فحسب، ولا لأنهن جعلن من فن التوليد- أكثر مما جعلن من مهنة الارتزاق- أقدم المهن جميعاً فحسب؛ بل لأن اتصالهن بالأرض كان أوثق من اتصال الرجال بها، فأتاح ذلك لهن علما أوسع بالنبات، ومكنَهن من التقدم بفن الطب، ومَيَّزنَه عن التجارة بالسحر التي كان يقوم بها الكهنة؛ فمنذ أقدم العصور حتى عصر يقع في حدود ما تعيه ذاكرتنا، كانت المرأة هي التي تباشر شفاء المرضى؛ ولم يلجأ المريض عند البدائيين إلى طبيب يشفيه أو إلى ساحر إلا إذا أخفقت المرأة في أداء هذه المهمة (٢٨). وإنه لما يثير الدهشة في نفسك أن تعلم كم من الأمراض كان يشفيها هؤلاء البدائيون على الرغم من قصور علمهم بالأمراض (٢٩)؛ فالمرض عند هؤلاء السُّذَّج- فيما بدا لهم- كان نتيجة لحلول قوة غريبة عنه أو روح غريبة في بدنه- وهو تصور لا يختلف من حيث الجوهر عن النظرية التي تسود الطب الآن من تعليل المرض بدخول الجراثيم في الجسم؛ وأوسع طرق العلاج شيوعا بين البدائيين هو اصطناع رُقيَةٍ سحرية من شأنها أن تسترضي الروح الشريرة التي حَلَّت في البدن العليل؛ لعلها تنزاح عنه؛ وإذا أردت أن تعرف مدى رسوخ هذه الطريقة في أفئدة الناس بحيث لا تزول عنها أبداً، فاقرأ قصة "خنزير جادارين" Gadarene Swine (٢٩) ، وحتى اليوم ترى الناس يعللون الصرع بحلول روح شرير في البدن؛ وبعض العقائد الدينية المعاصرة تنص على طرائق معينة لإخراج مثل هذا الروح الشرير من جسم العليل إذا أريد شفاؤه؛ والكثرة الغالبة من الناس تعترف بالصلاة والدعوات على أنها تعين على الشفاء مع أقراص الدواء؛ وربما

стр. 148

كان البدائيون يقيمون طريقتهم في العلاج على نفس الأساس الذي يقيم عليه أحدث الطب طريقته، ألا وهو الشفاء بقوة الإيحاء؛ غير أن أفاعيل أولئك الأطباء الأولين كانت أشد استلفاتاً للنظر بأساليبها المسرحية، مما يصطنعه خلفاؤهم الذين ازدادوا عنهم حضارة؛ فقد كانوا يحاولون طرد الروح الحالّ في جسم المريض بتخويفه بما يلبسونه له من أقنعة مفزعة، وما يغطون به أجسادهم من جلود الحيوان، وبصياحهم وهذيانهم وتصفيقهم بالأيدي، و "الشخشخة" بالصفائح وامتصاص الشيطان من الجسم المريض بواسطة أنبوبة مجوفة؛ فكما كان يقول المثل السائر: "الطبيعة تشفى المريض، والعلاج يسرُّ المريض" وأما قبائل "بورورو" Bororos البرازيلية فقد تقدمت بالعلم خطوة حين كانت تطلب إلى الوالد شرب الدواء ليشفى بذلك طفله المريض، ولقد كان الطفل يشفى في اطّراد كاد أن يكون شاملا كاملاًا (٣٠). وإلى جانب الأعشاب الطبية نجد بين الأساليب الصيدلية الكثيرة التي كان يلجأ إليها الإنسان البدائي، صوفاً من المخدرات المنومة التي أريد بها أن تخفف الألم وتهوّن الجراحات؛ فسموم مثل Curare الذي كثيراً ما يضعونه على أطراف سهامهم؛ ومخدرات مثل نبات القنَّب والأفيون والكافور، هي أقدم تاريخاً من التاريخ؛ حتى ليرجع أحد المخدرات الشائعة بيننا اليوم إلى استخدام سكان بيرو لنبات الكوكا لهذه الغاية؛ ويحدثنا "كارتييه" Cartier كيف كان أهل "إراكوا" يشفون مرض الإسقربوط بلحاء أشجار التنّوب والشوكران وأوراقها (٣١) وكذلك عرف الجراحون البدائيون طائفة مختلفة من الجراحات والأدوات، فالولادة كانت تتم على نحو مُرضٍ، والكسور والجروح كانت تُضَمَّدُ وتُلَفُّ بمهارة (٣٢)؛ وبواسطة مُدى من الحجر الزجاجي الأسود، أو من الصّوَّان المرهف، أو أسنان السمك، كانوا يستخرجون الدم من "الخُرَّاجات" ويجففونها، كما كانوا يشرطون الأنسجة؛ وقد مارس البدائيون "تَربَنَةً"

стр. 149

الجمجمة منذ أيام هنود بيرو الأقدمين إلى أهل ملينزيا المحدثين؛ وكان الملنيزيون ينجحون في تسع حالات من كل عشر حالات بينما كانت الجراحة نفسها عام ١٧٨٦ تنتهي بالموت في كل الحالات بغير استثناء في مستشفى "أوتيل دييه" Hotel- Dieu في باريس (٣٣). إننا نبتسم لجهل البدائيين، بينما نستسلم جادّين للأساليب الطبّية الكثيرة التكاليف في أيامنا؛ يقول "الدكتور أولفر وندل هولمز" Oliver Wendell Holms بعد حياة طويلة قضاها في شفاء المرضى: "لن يتردد الناس في أداء شيء، بل ليس هناك شيء لم يؤدوه فعلا، في سبيل استعادة العافية وإنقاذ الحياة؛ فقد رضوا أن يغُرَقوا في الماء نصف إغراق، ويختنقوا بالغاز نصف اختناق؛ ورضوا أن يدفنوا في الأرض إلى أذقانهم، وأن يوصموا بالحديد المُحَمَّى مثل عبيد قادس؛ ورضوا أن يُقصَبُوا بالُمدَى كأنهم سمك القُدّ، وأن تثقب لحومهم بالإبرَ، وأن تُشعَلَ المشاعل على جلودهم، ورضوا أن يجرعوا كل صنوف المقززات، وأن يدفعوا لذلك كله أجراً كأنما سَلقُ الجسم وإحراقه ميزةّ ثمينة، وكأنما "الفقافيق" نعمة، ودُودُ العَلَق ضرب من الترف" (٣٤).

стр. 150

الفصل الثالث الفن معنى الجمال - معنى الفن - إحساس البدائي بالجمال - صبغ الجسم - دهان الوجه للتجميل - الوشم - الوصم - الثياب - الحلي - الخزف - التصوير - النحت - فن البناء - الرقص - الموسيقى - تلخيص للخطوات البدائية التي مهدت للمدنية بعد أن أنفق الفن من عمره خمسين ألف سنة، لا يزال الناس يتنازعون على تحديد مصادره من غريزة الإنسان، ومبادئه في عصور التاريخ، فما الجمال؟ - لماذا تُفتَنُ به؟ لماذا نحاول أن نبدعه؟ لما لم يكن هذا مجال المناقشة النفسية، فسنكتفي بالردّ مختصراً وفي غير قَطعٍ باليقين، بأن الجمال هو أية صفة تجعل شيئاً أو شكلا ممتعاً لمن يشهده؛ ولم يكن الشيء - من حيث الأصل والبداية - ليمتع الناظر إليه لأنه جميل، لكن الأقرب إلى الصواب هو أن الرائي يسمى الشيء جميلا لأنه يمتعه؛ وكل ما من شأنه أن يشبع رغبة عند الإنسان، يبدو لعينيه جميلا؛ وعلى ذلك فالطعام جميل لمن يتضور جوعاً، بينما "تاييس" ليست عنده حينئذ بذات جمال، وقد يكون الشيء الممتع هو المشاهِدُ نفسه، وقد لا يكون - كلا الفرضين على درجة واحدة من قوة الاحتمال؛ ففي أعماق قلوبنا لسنا نرى شيئاً أجمل من أشكالنا، ويبدأ الفن من تمجيد الإنسان لجسمه الرائع؛ أو قد يكون الشيء الممتع هو العشير من الجنس الآخر الذي يرغب فيه الرائي، وعندئذ يصطنع إحساسنا بالجمالِ شدَّةً وقوةَ إبداعٍ هما شدةُ الشهوة الجنسية وقوةُ إبداعها؛ ثم يوسّع من هالة الجمال حتى تشمل كل شيء يمس الحبيب من بعيد أو قريب - فتشمل كل صورة جاءت شبيهة بصورتها، وكل الألوان التي تزينها أو تسرهّا أو تتحدث عنها، وكل الحلي والثياب التي تلائمها؛ وكل الأشكال

стр. 151

والحركات التي تذكر بما لها من تناسق ورشاقة؛ أو قد يكون الشكل الممتع هو صورة الذكر المطلوب؛ ومن الجاذبية التي تجذب ضعف الإنسان نحو عبادة القوة يأتي إحساسنا بروعة الفخامة - فتطمئن نفوسنا في حضرة القوة - وهو إحساس يخلق أرفع آيات الفن جميعاً؛ وأخيراً قد تصبح الطبيعة نفسها - بمعونة منا - فخمة وجميلة في آن معاً، لا لأنها تشبه وتوحي برقة المرأة كلها وقوة الرجل كلها فحسب، بل لأننا نخلع عليها مشاعرنا وما أصبناه من حظوظ، وحبنا لأنفسنا ولغيرنا - فنحن نستمتع فيها بمدارج صبانا، ونستمتع فيها بالعزلة الهادئة لأنها مهرب من عاصفة الحياة؛ ونحيا معها في تقلّب فصولها الذي يكاد أن يكون إنساني المراحل: فيفاعة نضيرة، ونضج متّقد، وإثمار يانع، ثم انحلال بارد؛ ونرى فيها على نحو غامض أما وهبتنا الحياة، وستتقبلنا عند الموت. الفن هو إبداع الجمال، هو التعبير عن الفكر أو الشعور في صورة تبدو جميلة أو فخمة، فتثير فينا هزة هي هزة الفرح الفطريّ التي تثيرها المرأة في الرجل، أو الرجل في المرأة؛ وقد يكون الفكر إدراكا لمعنى من معاني الحياة كائناً ما كان، وقد يكون الشعور إثارة أو استرخاء لوتر مشدود من أوتار الحياة كائناً ما كان؛ وقد تبعث الصورة الفنية في أنفسنا الرضى لما فيها من تناسق دَورِىّ يسرنا لأنه يتجاوب في طبائعنا مع نوبات الأنفاس، ونبضات الدم؛ وتداول الشتاء والصيف على نحو يبعث على الإجلال، وتعاقب الجزر والمد والليل والنهار؛ أو قد تبعث الصورة الفنية في أنفسنا الرضى لما فيها من تماثل هو بمثابة الوزن في الشعر قد تمجد، يمثّل القوة أمام أبصارنا، ويصوّر لنا التناسب المنتظم في النبات والحيوان، وفي النساء والرجال؛ أو قد تحدث الصورة الفنية في أنفسنا الرضى لألوانها التي تضيء الروح بضيائها أو تعمق بالحياة من السطح إلى الغزير؛ وأخيراً قد تبعث الصورة الفنية في أنفسنا الرضى لما فيها من صدق، إذ ترى فيها محاكاة واضحة ناصعة للطبيعة أو للواقع الخارجي، حين تلقف لمحة من جمال النبات أو الحيوان كان

стр. 152

قمينا أن يزول، أو تلمح معنى عابراً لظرف قائم لكنه وشيك الزوال، ثم تعرضه ساكناً ثابتاً أمام حسّ يتلكأ في استمتاعه بما يرى، أو أمام عقل يحبُّ أن يتأمل على مهل؛ من هذه المصادر الكثيرة يأتي ما في الحياة من ألوان الكماليات السامية - الغناء والرقص، الموسيقى والمسرحية، الخزف والتصوير، النحت والعمارة، الأدب والفلسفة؛ فما الفلسفة إن لم تكن فنا؟ ما الفلسفة إن لم تكن محاولة أخرى تضاف إلى محاولات سائر الفنون في أن تُفيض على فوضى ما يقع لنا في دنيا التجربة "صورة لها معنى"؟. فإذا كان الإحساس بالجمال ضعيفاً في الجماعة البدائية فقد يكون ذلك بسبب انعدام الفارق الزمني بين الشعور بالشهوة الجنسية وبين تحقيقها، لأن ذلك لا يتيح الفرصة للخيال أن يضفي على موضوع الشهوة ألواناً من عنده، تزيد من جماله زيادة كبيرة؛ إن الإنسان البدائي قلما يفكر في اختيار النساء على أساس ما نسميه نحن فيهن بالجمال، بل هو أدنى إلى التفكير فيهن على أساس نفعي، ويستحيل أن يدور في خلده أن يرفض عروساً مفتولة العضلات بسبب قبحها؛ فرئيس القبيلة من الهنود حين سئل أيّ زوجاته أروع جمالا، اعتذر عن عدم الجواب لأنه لم يفكر قط في هذا الموضوع، وقال في حكمة ناضجة تشبه حكمة فرانكلين: "قد تكون الوجوه أكثر جمالا أو أقل جمالا؛ لكن النساء في جوانبهن الأخرى لا يختلف بعضهن عن بعض في شيء"؛ وحتى إن كان للإنسان البدائي إحساس بالجمال، فهو أحياناً يُفلت منا فلا نراه، لشدة اختلافه عن إحساسنا نحن بالجمال؛ يقول "رتشارد": "كل مَن أعرف من أجناس الزنوج، يعدُّون المرأة جميلة إذا لم تكن نحيلة عند خصرها، وإذا ما كان جذعها من الإبطين إلى الردفين ذا عَرض واحد - حتى يقول عنها زنجي الساحل: إنها كالسُّلم" والآذان المطروقة كآذان الفيل، والبطن المتثنّى هما من مفاتن المرأة عند الرجال في إفريقية وفي أرجاء إفريقية كلها، أجمل النساء هي المرأة السمينة؛ فيقول "منجوبارك"

стр. 153

Mango Park عن نيجيريا: "يظهر أن لفظتي السَّمنة والجمال تكادان تكونان مترادفتين؛ فالمرأة التي تزعم لنفسها ولو قليلا من جمال، لا بد أن تكون ممن يتعذر عليهن المشي إلا إذا سار إلى جانبيها عَبدَان، يسير كل منهما تحت ذراع ليكون لها دعامة؛ والجمال الكامل تبلغه المرأة إن ساوت بوزنها حِمل الجمل" ويقول "بريفو" Briffault: " إن معظم الهمج يؤثرون ما نظنه نحن من أقبح ما تتصف به المرأة، وأعني به الأثداء الطويلة المتدلية" (٣٥)؛ ويقول "دارون": "إنه من المعلوم لنا جميعاً أن العَجز عند كثيرات من نساء الهوتنتوت يبرز بروزاً عجيباً ولا يشك "سير أندرو سمث" أبداً في أن هذه الخصيصة للعجيبة موضع إعجاب من الرجال، فلقد رأى ذات يوم امرأة هي عندهم من ربات الجمال، كانت من الضخامة في أردافها بحيث إذا ما أجلسوها على أرض منبسطة استحال عليها الوقوف إلا إذا زحفت زحفاً حتى دَنَت من سفح مائل .... ويروي لنا "بيرتُن" Burton عن أهل الصومال أن الرجال إذا ما أرادوا اختيار الزوجات، صفّوا النساء صفاً واختاروا من بينهن أكثرهن بروزاً في العجز؛ وليس أقبح في عيني الزنجي من المرأة النحيلة" (٣٦). لكن الرجل الطبيعي في أرجح الظن - يقيس الجمال بمقياس نفسه هو أكثر مما يقيسه بمعيار شكل المرأة، "فالأقربون - في الفن - أولى بالمعروف"؛ وقد لا يُصَدّقُ النساء ما نزعمه لهن من أن الرجال البدائيين والمحدثين يأخذهم العُجبُ بأنفسهم سواء بسواء؛ فالذكر لا الأنثى في الشعوب الساذجة - كما هو الحال في الحيوان - هو الذي يتزين ويُنزل بجسده الجروح؛ سعياً وراء الجمال، فيقول "بُنوِك" Bonwick: " إن التَزين في استراليا يكاد يكون كله احتكاراً للرجل" وهكذا قُل في مالنيزيا وغينا الجديدة وكالدونيا الجديدة وبريطانيا الجديدة، وهانوفر الجديدة وهنود أمريكا الشمالية (٣٧) وفي بعض القبائل يستنفذ تجميل الجسم وقتاً أكثر مما تستهلكه أية مهمة أخرى من

стр. 154

مهام النهار (٣٨) وواضح أن أول صورة للفن هي صبغ الجسم صبغة صناعية وهم يصبغون الجسم ليجذبوا النساء حيناً وليخيفوا الأعداء حيناً آخر؛ والرجل من أهل استراليا الوطنيين - كأحدث فاتنة من فاتنات أمريكا اليوم - كان دائماً يحمل معه مقداراً من الصبغة البيضاء والحمراء والصفراء، ليُصلح من جماله حيناً بعد حين، فإذا ما أوشكت أصباغه على النفاذ، قام برحلات بعيدة خطرة ليزود نفسه منها بمقدار جديد؛ وهو يكتفي في الأيام العادية ببقع من اللون على خديه وكتفيه وصدره، ولكن كان في مناسبات الأعياد، يُحِسُّ ما يحسّه العُريان من خجل إذا لم يصبغ جسده كله من أعلاه إلى أسفله (٣٩). في بعض القبائل يحتكر الرجال لأنفسهم حق صبغ الجسم، وفي قبائل أخرى يحَّرم على النساء المتزوجات أن يصبغن أعناقهن (٤٠)؛ لكن ما لبث النساء أن ظفرن لأنفسهن بفن التجمل بالأصباغ، وهو أقدم الفنون جميعاً؛ فلما وقف "كابتن كوك" Captain Cook في زيلندة الجديدة حيناً، لاحظ أن بحارته حين عادوا إليه من جولاتهم على الشاطئ، كانوا حُمرَ الأنوف أو صُفرها بأصباغ صناعية، ذلك لأن أنوفهم قد لصقت بها الأصباغ التي كانت الجميلات من أهل ذلك الإقليم قد طلين بها أجسادهن (٤١)؛ ونساء "الفَلاّتة" Fellatah في إفريقية الوسطى ينفقن عدة ساعات كل يوم في تجميل أنفسهن: فهن يصبغن أصابع أيديهن وأرجلهن صبغة أرجوانية بأن يلففنها طوال الليل في أوراق الحناء، ويصبغن أسنانهن بالأزرق والأصفر والأرجواني على هذا التوالي؛ ويطلين شعرهِن طلاء أزرق، ويخططن جفونهن بالكحل (٤٢) وكل سيدة من قبيلة "بُنجو" تحمل في حقيبة أدوات التجميل، ملقطاً تنزع به الرموش والحواجب، ومشابك شعر على هيئة الرماح، وخواتم وأجراساً، وأزراراً ومشابك (٤٣). لكن السُّذج الأولين - مثل الإغريق أيام بركليز - ضاقوا صدراً لسرعة زوال هذه الأصباغ، فابتكروا الوشم والوصم والثيابَ أدواتٍ للتزين أدوم بقاء،

стр. 155

ففي كثير من القبائل أسلم الرجال والنساء معاً أنفسهم للإبرة الصابغة وتحملوا في غير تململ حتى وشم الشفاه؛ ففي جريلنده تَشِمُ الأمهات بناتهن في سن مبكرة ليمهدن لهن الزواج عاجلا (٤٤)؛ لكن الوشم في أغلب الحالات لم يكن له ما أراده الناس من وضوح وتأثير؛ لذلك طفق عدد من القبائل في كل قارة يَصِمُ الجسمَ بوصمات عميقة ليكونوا أجمل منظراً في أعين زملائهم، أو أبشع هيئة في أعين أعدائهم؛ فكما قال عنهم "ثيوفيل جوتييه" Theophil Gautier: " إنهم لما عزت عليهم الثياب ووسائل الزينة، زينوا جلودهم" (٤٥)، فكانوا يجرحون أجسامهم بحجر الصوّان أو بقواقع المحار، ثم كثيراً ما يضعون في الجرح كرةً من الطين لتوسع من الوصمة؛ فأهالي "مضيق تورس" كانوا يجعلون بصماتهم شبيهة بشكل الضب أو التمساح أو السلحفاة (٤٦)، ويقول "جيورج" Georg: " لست تجد من أجزاء الجسم جزءاً لم يجملوه أو يزينوه أو يشوهوه أو يصبغوه أو يحرقوه أو يشموه أو يصلحوه أو يبسطوه أو يقبضوه، مدفوعين إلى ذلك بالعجب بأنفسهم والرغبة في التجميل (٤٧) فقبيلة "بوتوكودو" Butocudos استمدت اسمها هذا من خابور يغرزونه في الشفة السفلى وفي الأذنين حينما يكون الناشئ في سنته الثامنة، ثم ما ينفكون يستبدلون به خابوراً أكبر حتى تبلغ الفتحة اتساعاً طول قطره أربع بوصات (٤٨)؛ والنساء الهوتنتوت يعملن على إطالة الشفرتين الصغيرتين حتى تبلغا طولا عظيما، بحيث يتكون منها ما يسمّى بـ "فوطة الهوتنتوت" التي تلقى عند رجالهم إعجاباً عظيما (٤٩)، وكانت أقراط الآذان وأقراط الأنوف ضرورات لا غنى عنها؛ حتى لقد ذهب سكان "جبِسلندة" Gippsland إلى أن من يموت بغير قرط في أنفه سيلاقي في الآخرة عذاباً أليماً (٥٠)؛ وكأني بالسيدة العصرية تقول عن ذلك كله إنه وحشية فظيعة، تقول هذا إذ هي تثقب أذنيها للأقراط، وتصبغ شفتيها وخديها، وتلقط شعرات حاجبيها، وتقيم أهداب جفنيها

стр. 156

و "تُبَدرُ" وجهها وعنقها وذراعها وتضغط قدميها؛ إن بَحّارنا الموشوم ليتحدث عن "الهمج" الذين رآهم في رحلاته حديث الرجل الرفيع يعطف على هؤلاء الأذنين؛ والطالب من أهل أوربا، يفزعه ما يحدثه البدائيون في أجسامهم من تشويه، لكنه مع ذلك يزهى بما عليه هو من وصمات يعدها علائم الشرف. والغالب أن تكون الثياب في بدايتها ضرباً من الزينة، فهي عامل يعوق الاتصال الجنسي أو يشجع عليه، أكثر منها وقاية نافعة من البرد أو ستراً للعورة (٥١)؛ فقد كانت العادة عند قبيلة "كمبري" Cimbri أن يزحفوا على الثلج بأجسامهم عارية (٥٢)، ولما أشفق "دارِون" على الفويجيين من عُريهم، أعطى أحدهم قطعة من القماش الأحمر ليتقي بها البرد لكن الرجل مزقها أشرطة، ووزعها على زملائه، فاستعملوها للزينة؛ فهم كما قال عنهم "كوك" إنهم منذ الأزل "قد رضوا لأنفسهم العُرى لكنهم ما زالوا يطمعون في الجمال" (٥٣)، وكذلك حدث أن مزق نساء أورينوكو ما أعطاهن إياه الآباء الجزويت من ثياب، ولبستها أشرطة حول أعناقهن، قائلات في غير تردد "إنهن يستحين أن يلبسن الملابس" (٥٤) ويصف كاتب قديم أهل البرازيل الأصليين بأنهم عراة الأجسام عادة، ثم يضيف إلى ذلك قوله: "وبعضهم الآن يلبس الثياب، لكنهم لا يقدرونها كثيراً حتى إنهم ليرتدونها على سبيل البدع أكثر مما يرتدونها التزاماً للاحتشام، أو يلبسونها لأنهم مأمورون بذلك … وإنك لتشهد ذلك فيمن يخرجون أحياناً من ديارهم، لا يرتدون من الثياب ما يغطي أجسامهم أبعد من سُرَّة البطن، أو هم يضيفون إلى ذلك طاقية على رءوسهم، مخلفين سائر الثياب في دُورهم" (٥٥)؛ فلما زادت الثياب على كونها أداة للزينة، أصبحت علامة تدل على أن المرأة متزوجة ومخلصة لزوجها، أو استخدمت لإبراز قوام المرأة وجمالها؛ وفي معظم الحالات، ترى النساء البدائيات يتطلبن من الثياب ما تتطلبه النساء في العصور التي تَلَت، وهو ألا تكون الغاية تغطية العُرى، بل أن تزيد من فتنة

стр. 157

أجسامهن أو توحي بها؛ إن كل شيء في تغير إلا المرأة والرجل. وكلا الجنسين منذ البداية آثرا الزينة على الثياب؛ فالتجارة البدائية قلما تعنى بالضرورات، إنما هي تحصر نفسها عادة في مواد الزينة واللعب (٥٦)؛ والأحجار الكريمة هي من أقدم عناصر المدنيَّة؛ فلقد وُجدت أصداف القواقع والأسنان معقودة في عقود للزينة، وُجدت في مقابر لبثت على وجه الدهر عشرين ألف عام" (٥٧) ثم من البدايات الساذجة، سرعان ما تتطور أمثال هذه الحلي حتى تبلغ من ضخامة الحجم حداً بعيداً، وتلعب في الحياة دورا عظيما؛ فنساء قبيلة "غالا" كن يلبس خواتم بلغ وزنها ستة أرطال للمرأة الواحدة، وبعض نساء "الدنكا" يحملن نصف قنطار من الزينة؛ وحدث لجميلة من جميلات إفريقية أن لبست خواتم نحاسية حميت في حرارة الشمس بحيث اضطرت أن تستخدم خادماً خاصاً يظللها أو يُروّح عليها؛ وكانت ملكة "الوابونيا" Wabunias على نهر الكونغو تلبس حول عنقها إطار نحاسيا يزن عشرين رطلا؛ فكان لزاماً عليها إن ترقد حينا بعد حين لتستريح؛ أما النساء الفقيرات اللائى لم يسعفهن الحظ إلا بمقدار خفيف من المعادن الكريمة، فقد كن يحاكين في دقة مشية أولئك اللائى يحملن من تلك الزينة البشعة حملا ثقيلاً (٥٨). إذن فأول مصادر الفن قريب الشبه بزهو الحيوان الذكر بألوانه وريشه أيام التزاوج؛ والدافع إليها هو الرغبة في تجميل الجسم وتزيينه؛ وكما أن حب الإنسان لنفسه وحبه لعشيره من الجنس الآخر؛ إذا فاض عن القدر المطلوب، صَبَّ فيضه من الحب على الطبيعة، فكذلك الدوافع إلى التجميل ينتقل من العالم الخاص إلى الدنيا الخارجية؛ فتحاول النفس أن تعبر عن نفسها في أشياء موضوعية؛ متخذة في ذلك وسيلتي اللون والشكل؛ ولذا فالفن يبدأ حقيقة حين يبدأ الناس في تجميل الأشياء؛ ولعل أول ما تعلق به فن التجميل هو الخزف، فعجلة الخزَّاف - مثل الكتابة ومثل الدولة - هي وليدة العصور التاريخية؛ لكن البدائيين

стр. 158

- أو على الأصح النساء البدائيات - حتى قبل هذه العجلة التي يستعملها الخزَّاف، استطعن أن يرتفعن بهذه الصناعة القديمة إلى مرحلة الفن، وأخرجن من الطين والماء وأصابعهن الماهرة صوراً لها اتساق يبعث على الدهشة؛ وإن أردت شاهدا فانظر إلى الخزف الذي صنعته قبيلة "بارونجا" Baronga في إفريقية الجنوبية (٥٩) أو الذي صنعته قبيلة "بُويبلُو" من الهنود (٦٠) Pueblo Indians. والخزَّاف حين يزخرف سطح الآنية التي صنعها بزخارف ملونة، إنما هو بذلك يخلق فن التصوير، فالتصوير في أيدي البدائيين لم يكن بعد قد أصبح فنا مستقلا، بل كان وجوده متوقفاً على فن الخزف وصناعة التماثيل؛ والفطريون إنما يصنعون ألوانهم من الطين، وأهل "أندامان" Andamanes يصنعون الألوان بخلط المغرة "تراب حديدي" بالزيوت أو الشحوم (٦١)؛ واستخدموا مثل هذه الألوان في زخرفة الأسلحة والآلات والآنية والمباني؛ وكثير من القبائل الصائدة في إفريقية وأوقيانوسيا، كانت تصوّر على جدران كهوفها أو على الصخور المجاورة لها، تصاوير ناصعة لصنوف الحيوان التي أرادت صيدها (٦٢). ويجوز كذلك أن يكون الخزف وصناعته أصل النحت كما كان أصل التصوير؛ فتبيّن للخَّزاف أنه لا يستطيع فقط أن يصنع الأواني النافعة، بل في مقدوره كذلك أن يصور الأشخاص في تماثيل يستفاد منها تمائم للسحر، ثم بعدئذ أراد أن يصنع هذه الأشياء لتكون جمَالا في ذاتها؛ لقد نَحَتَ الإسكيمو قرون الوعل وعاج فيلة البحر تماثيل صغيرة للحيوان والإنسان (٦٣)؛ وكذلك أراد البدائي أن يميز كوخه بعلامة، أو يميّز عمود الطوطم أو قبراً من القبور بتمثال صغير يدل على معبوده أو على مَيّته؛ فكان أول ما نحت من ذلك وجه على عمود، ثم نحت رأسا، ثم نحت العمود كله؛ ومن هذا التميز لقبور الآباء بتماثيل تصور الموتى، أصبح النحت فنا (٦٤)؛ وعلى هذا النحو أقام سكان جزيرة إيستر القدامى تماثيل هائلة على قبور موتاهم، كل تمثال من حجر واحد، ولقد وجدنا عشرات من هذه

стр. 159

التماثيل يبلغ كثير منها عشرين قدماً في ارتفاعه، وبعضها تراه الآن سطيح الأرض مهشما، كان ارتفاعه لا يقل عن ستين قدماً. لكن كيف بدأ فن العمارة؟ إننا لا نكاد نستطيع إطلاق هذا الاسم الضخم على بناء الكوخ البدائي، لأن العمارة ليست مجرد بناء، لكنها بناء جميل؛ وإنما بدأت العمارة فناً حين فكّر رجل أو فكّرت امرأة لأول مرة أن تقيم بناء للمظهر وللنفع معاً: وربما اتجه الإنسان بهذه الرغبة في خلع الجمال والفخامة على البناء، إلى المقابر قبل أن يتجه بها إلى الدُّور؛ وبينما تطور العمود التذكاري الذي أقيم عند المقبرة إلى فن التماثيل، فقد تطور القبر نفسه إلى المعبد، ذلك لأن الموتى عند البدائيين كانوا أهم وأقوى من الأحياء، هذا فضلاً عن أن الموتى مستقرون في مكان واحد، بينما الأحياء يتجولون هنا وهناك بحيث لا تنفعهم الدُّور الدائمة. ولقد وجد الإنسان لذة في الإيقاع منذ زمان بعيد، وربما كان ذلك قبل أن يفكر في نحت الأشياء أو بناء المقابر بزمن طويل؛ وأخذ يُطَوّرُ صياح الحيوان وتغريده؛ وقفزه ونَقرَه، حتى جعل منه غناء ورقصاً؛ وربما أنشد - مثل الحيوان - قبل أن يتعلم الكلام (٦٥) ورقص حين أنشد الغناء؛ والواقع أنك لن تجد فنا يميز البدائيين ويعبر عن نفوسهم كما يميزهم الرقص ويعبّر، ولقد طَوَّرَه من سذاجة أولّية إلى تركيب وتعقيد أين منهما رقص المتحضرين؛ ونَوَّعَهُ صوراً شتى تُعَدُّ بالمئات؛ فالأعياد الكبرى عند القبائل، كانت تحتفل أولاً بالرقص في صورتيه: الجمعي والفردي؛ وكذلك كانت الحروب الكبرى تبدأ بخطوات وأناشيد عسكرية؛ والمحافل الكبرى في الدين كانت مزيجاً من غناء ومسرحية ورقص؛ إنما يبدو لنا ضرباً من اللعب، قد كان على الأرجح أموراً جدية للإنسان الأول؛ فهم حين كانوا يرقصون، لم يريدوا بذلك أن يعبروا عن أنفسهم وكفى بل قصدوا إلى الإيحاء إلى الطبيعة وإلى الآلهة، مثال ذلك استحثاث

стр. 160

الطبيعة على وفرة النسل كانوا يؤدونه أساساً بالتنويم الذي ينتج عن الرقص؛ ويرى "سبنسر" أن الرقص يرجع في أصله إلى ترحيب ذي طقوس برئيس عاد من الحروب ظافراً؛ أما "فرويد" فرأيه أن الرقص أصله التعبير الطبيعي عن الشهوة الحسية، وفن الجماعة في إثارة الرغبة الجنسية؛ فلو كان لنا أن نقول - غير متجاوزين هذه الآراء من حيث ضيق النظر - بأن الرقص إنما نشأ من الطقوس المقدسة وألوان العربدة، ثم جمعنا النظريات الثلاث التي أسلفنا ذكرها في نظرية واحدة؛ كان لنا بذلك فكرة عن أصل الرقص هي أدق ما يمكننا الوصول إليه اليوم. ولنا أن نقول بأنه عن الرقص نشأ العزف الموسيقي على الآلات كما نشأت المسرحية؛ فالعزف الموسيقي - فيما يبدو - قد نشأ عن رغبة الإنسان في توقيع الرقص توقيعاً له فواصل تحدده، وتصاحبه أصوات تقويّة؛ وعن رغبته كذلك في زيادة التهيج اللازم للشعور الوطني أو الجنسي بفعل صرخات أو نغمات موزونة؛ وكانت آلات العزف محدودة المدى والأداء، ولكنها من حيث الأنواع لا تكاد تقع تحت الحصر؛ فقد بذل الإنسان كل ما وهبته الطبيعة من نبوغ في صناعة الأبواق بأنواعها والطبول والشخاشيخ والمصفقات والنايات وغيرها من آلات الموسيقى، صنعها من قرون الحيوان وجلودها وأصدافها وعاجها، ومن النحاس والخيزران والخشب؛ ثم زخرف الإنسان هذه الآلات بالألوان والنقوش الدقيقة؛ ومن وتر القوس قديماً نشأت عشرات الآلات، ومن القيثارة البدائية إلى الكمان والبِيان الحديثين؛ ونشأ بين القبائل منشدون محترفون كما نشأ بينهم الراقصون المحترفون، وتطور السُّلَّم الموسيقي من غموض وخفوت حتى أصبح على ما هو عليه الآن (٦٦). ومن الموسيقى والغناء والرقص مجتمعة، خَلَقَ لنا "الهمجي" المسرحية والأوبرا، ذلك لأن الرقص البدائي كان في كثير من الأحيان يختص بالمحاكاة،

стр. 161

فقد كان يحاكي حركات الحيوان والإنسان ولا يجاوز هذه المرحلة، ثم انتقل إلى أداء يحاكي به الأفعال والحوادث؛ فمثلا بعض القبائل الأسترالية كانت تقوم برقصة جنسية حول فجوة في الأرض يوشّون حوافيها بالشجيرات ليمثلوا بها فرج المرأة وبعد أن يحركوا أجسامهم حركات نشوانة غَزِلَة، يطعنون برماحهم طعنات رمزية في الفجوة؛ وقبائل استراليا الشمالية الغربية، كانت تمثل مسرحية الموت والبعث لا تختلف إلا في درجة البساطة عن مسرحية اللغز في القرون الوسطى والمسرحية العاطفية في العصر الحديث؛ فكنت ترى الراقصين يهبطون إلى الأرض في حركة بطيئة، ثم يغطون وجوههم بغصون يحملونها، تمثيلاً للموت؛ حتى إذا ما أشار لهم الرئيس، نهضوا نهوضاً مباغتاً وهم يرقصون ويغنون رقصا وغناء عنيفين يَدُلون بهما على فوزهم الذي أحرزوه، ويعلنون بعث الروح (٦٧) وعلى هذا النحو أو ما يشبهه، كانوا يقومون بمئات الأوضاع في التمثيل الصامت، ليصفوا بها أهم الأحداث في تاريخ القبيلة، أو أهم الأفعال في حياة الفرد؛ فلما اختفى التوقيع من هذا التمثيل، تحول الرقص إلى مسرحية، وبهذا وُلدَت لنا صورة من أعظم صور الفنون. بهذه الوسائل خلق لنا البدائيون السابقون لعصر الحضارة صور الحضارة وأسسها؛ فإذا ما نظرنا إلى الوراء نستعرض هذا الوصف الموجز للثقافة البدائية، وجدنا هناك كل عنصر من عناصر المدنية إلا عنصرين: هما الكتابة والدولة، فكل أوضاع الحياة الاقتصادية وُضعت لنا أصولهُا في هذه المرحلة: الصيد والسّماكة، الرعي والزراعة، النقل والبناء، الصناعة والتجارة وشئون المال؛ وكذلك كل الأنظمة السياسية البسيطة نبتت جذورها في هذه المرحلة: العشيرة والأسرة، القرية والجماعة والقبيلة؛ وكذلك ترى الحرية والنظام - هذان المحوران المتضادان اللذان تدور حولهما المدنيَّة كلها - قد تلاءما وتوافقا لأول مرة في هذه المرحلة، فبدأ حينئذ القانون وبدأت العدالة؛ وقامت أسس الأخلاق:

стр. 162

تدريب الأطفال وتنظيم الجنسين: وتلقين الشرف والحشمة وقواعد السلوك والولاء؛ وكذلك وضعت أسس الدين؛ واستخدمت آماله ومخاوفه في تأييد الأخلاق وتدعيم المجتمع؛ وتطور الكلام إلى لغات معقدة، وظهرت الجراحة وظهر الطب، وبَدَت بوادر متواضعة للعلم والأدب والفن؛ وفوق هذا كله كانت هذه المرحلة صورة لعهد تم فيه إبداع عجيب، فنظام يُخلق من فوضى، وطريق بعد طريق يُشَقُّ من حياة الحيوان لينتهي إلى الإنسان الحكيم؛ فبغير هؤلاء "الهمج" وما أنفقوه من مائة ألف عام في تجريب وتحسُّس، لما كتُب للمدنيَّة النهوض؛ فنحن مَدِينون لهم بكل شيء تقريباً - كما يرث اليافع المحظوظ، أو إن شئت فقل كذلك إنه اليافع المتحلّل، كما يرث هذا اليافع سبيله إلى الثقافة والأمن والدّعة، من أسلاف أمّيّين وَرَّثوه ما ورَّثوه بكدحهم الطويل.

стр. 163

الباب السادس بدايات المدنية فيما قبل التاريخ الفصل الأول ثقافة العصر الحجري القديم الغاية من دراسة ما قبل التاريخ - فتنة الدراسة الأثرية إننا في حديثنا السابق، لن نلتزم الدقة في الحديث، فهذه الثقافات البدائية التي عرضناها كوسيلة لدراسة عناصر المدنيَّة، لم تكن بالضرورة الأصول التي تفرعت عنها مدنيَّتنا؛ فليس ما يمنع أن تكون بقايا متحللّةً لثقافات أعلى تدهورت حين تحركت زعامة البشر في إثر الثلوج التي كانت تنزاح عن صدر الأرض، فانتقلت من المدارين إلى المنطقة الشمالية المعتدلة، ولقد حاولنا أن نفهم كيف تنشأ المدنيَّة بصفة عامة وكيف يتم تشكيلها؛ ولا يزال أمامنا أن نتعقب أصول مدنيتنا الخاصة فيما قبل التاريخ (١)، ونحب الآن أن نبحث بحثاً موجزاً- لأن مجال هذا البحث لا يمس أغراضنا إلا من هوامشها- فنتعقب الخطوات التي خطاها الإنسان قبل التاريخ، ليمهد السبيل إلى المدنيَّة التي عرفها التاريخ؛ كيف أصبح إنسان الغابة أو إنسان الكهف هو المعماري المصري، أو الفلكي البابلي، أو النبي العبري، أو الحاكم الفارسيّ، أو الشاعر اليوناني،

стр. 164

أو المهندس الروماني، أو القديس الهندي، أو الفنان الياباني، أو الحكيم الصيني؛ لا بد لنا أن نسلك سبيلنا من علم الأجناس البشرية- عن طريق علم الآثار- لننتهي إلى التاريخ. إن الباحثين ليملأون بطاح الأرض كلها ينقبونها بحثاً: طائفة تريد الذهب، وطائفة تريد الفضة، وثالثة تنشد الحديد، ورابعة تسعى وراء الفحم، وكثيرون إلى جانب هؤلاء يطلبون المعرفة؛ فيالها من مهمة عجيبة هذه التي يضطلع بها مَن يستخرجون آلات العصر الحجري من جوف الأرض عند ضفاف السوم، ويدرسون بأعناق مشرئبة الصور الناصعة المرسومة على أسقف الكهوف من عهد ما قبل التاريخ، ويخرجون جماجم قديمة من مدافنها عند "تشوكوتين" Chou Kou Tien ويكشفون عن المدائن الدفينة في "موهنجودارو" Mohengo-daro أو "يقطان" Yucaton؛ وينقلون الأنقاض في سلال تحملها القوافل في مقابر المصريين التي استنزل أصحابها اللعنة على نابشيها، وينفضون التراب عن قصور "مينوس" و "بريام" ويزيلون الغطاء عن "برسوبوليس" ويحفرون الأرض في إفريقية حفراً ليجدوا بقية من قرطاجنة، وينقذون من ثنايا الغابات معابد "أنجور" العظيمة! لقد عثر في فرنسا "جاك بوشيه دي برت" في سنة ١٨٣٩ على أول أثر من الصوّان مما خلَّفه العصر الحجري؛ ولبث العالم يسخر منه تسعة أعوام كاملة، لأنه كان في رأي العالم عندئذ مخدوعاً؛ وفي سنة ١٨٧٢ أزال "شليمان"- بماله الخاص، ويوشك أن يكون قد أعتمد على يديه دون غيرهما في ذلك- أزال التراب عن أحداث مدائن طروادة وإنها لكثيرة؛ لكن العالم كله ابتسم له ابتسامة المرتاب؛ ولعل التاريخ لم يشهد من قرونه قرناً اهتم أهله بالتاريخ كالقرن الذي تلا رحلة شامبليون الشاب في صحبة نابليون الشاب إلى مصر (عام ١٧٩٨) وعاد نابليون من رحلته خالي الوفاض؛

стр. 165

أما شامبليون فقد عاد وفي قبضته مصر بأسرها، ماضيها وحاضرها؛ ومنذ ذلك الحين، أخذ كل جيل يستكشف مدنيات جديدة وثقافات جديدة، ويرجع خطوة وراء خطوة بحدود معرفة الإنسان لتطوره؛ فلن تجد جوانب كثيرة من حياة هذا النوع البشري السافك للدماء، أجمل من هذا الشغف الشريف بالاستطلاع، هذه الرغبة القلقة المغامرة في سبيل العلم.

стр. 166

الفصل الثاني أهل العصر الحجري القديم بطانة جيولوجية - الأنماط البشرية في ذلك العصر كتب لنا الكُتَّابُ عدداً ضخماً من الكتب ليوسّع نطاق علمنا بالإنسان البدائي، ويخفوا معالم جهلنا به، ونحن نترك للعلوم الأخرى ذات الخيال المبدع مهمة وصف الناس في العصرين الحجريين القديم والحديث، ونكتفي هنا بما نحن مَعنِيُّون به، وهو تعقّب الإضافات التي أضافتها الثقافات الحجرية بعصريها القديم والحديث، إلى حياتنا المعاصرة. إن الصورة التي ينبغي أن نكونّها لأنفسنا بطانةً للقصة التي نرويها، هي صورة أرض تختلف اختلافاً بيّنا عن الأرض التي تحملنا اليوم في حياتنا العابرة؛ هي صورة أرض ربما كانت ترتجف بأنهار الثلج التي كانت تجتاحها حيناً بعد حين، والتي جعلت من المنطقة المعتدلة اليوم منطقة متجمدة مدى آلاف السنين، وكوَّمَت جلاميد من الصخر مثل جبال الهمالايا والألب والبرانس، في طريق هذا المحراث الثلجي الذي كان يشق الأرض في سيره شقاً (١). فلو أخذنا بنظريات العلم المعاصر على سرعة تغيّرها قلنا إن الكائن الذي أصبح فيما بعد إنساناً حين تعلمّ الكلام، كان أحد الأنواع القادرة على الملاءمة بين نفسها وبين البيئة، التي بقيت بعد هذه القرون المتجمدة بجليدها؛ وبينما كان

стр. 167

الجليد يتراجع في المراحل التي تتوسط العصور الجليدية، "بل قبل ذلك بكثير فيما نعلم" استكشف هذا المخلوق العجيب النار، وطَوَّرَ فنَّ نحت الصخر والعظم ليصنع أسلحة وآلات، فمهد السبيل بذلك لقدوم المدنيَّة. ولقد وجدت بقايا كثيرة ترجع إلى هذا الإنسان السابق للتاريخ- ولو أن هذه المعلومات أصابها كثير من التعديل فيما بعد- ففي سنة ١٩٢٩ كشف صيني شاب عالم بالحفريات الحيوانية والنباتية، وهو "و. س. بي" W. C. pei في كهف عند "تشوكوتين"- وهو يبعد عن "بيبين" Peiping نحو سبعة وثلاثين ميلاً- عن جمجمة، وقد قال عنها علماءُ خبراءُ مثل "الأب بريل" Abbe Breuil و "ج. إليَت سمث" G. Eliot Smith أنها جمجمة بشرية ووجدت آثار من النار بالقرب من الجمجمة؛ كما وجدت أحجار استخدمت آلات بغير شك؛ لكنهم وجدوا كذلك عظام حيوان ممزوجة بتلك الآثار، أجمع الرأي على أنها ترجع إلى عصر البليستوسين الأول وهو عصر تاريخه مليون سنة مضت (٣)؛ هذه الجمجمة التي وجدت عند "بيبين" هي بإجماع الآراء أقدم ما نعرف من القواقع البشرية، والآلات التي وجدت معها هي أقدم مصنوعات في التاريخ؛ وكذلك وَجَدَ "دُوسُن" Dawson و "وُودوُورد" Woodward عند "بلِتداون" في مقاطعة سَسِكس بإنجلترا، سنة ١٩١١ قطَعاً من العظم يمكن أن تكون بشرية، وهي التي تعرف اليوم باسم "إنسان بلِتداون" أو باسم "يوانتروبس" Eoanthropus " معناها إنسان الفجر" والتاريخ الذي يحددونه يتراوح على مسافة طويلة من الزمن، من سنة مليون إلى ٠٠٠ ر ١٢٥ ق. م؛ ومثل هذه التخمينات يدور أيضاً حول عظم الجمجمة وعظم الفخذ التي وجدت في جاوة سنة ١٨٩١ وعظمة الفك التي وجدت قرب هيدلبرج سنة ١٩٠٧؛ وأقدم القواقع التي لا شك في أنها بشرية وجدت في "نياندرتال" بالقرب من دسلدورف بألمانيا سنة ١٨٥٧، وتاريخها فيما يظهر هو سنة ٠٠٠ ر ٤٠

стр. 168

قبل الميلاد، وهي تشبه البقايا البشرية التي كُشف عنها في بلجيكا وفرنسا وأسبانيا بل وعلى شواطئ بحر جاليلي؛ حتى لقد صَوَّر العلماء عصراً بأسره من "إنسان النياندرتال" ساد أوربا منذ حوالي أربعين ألف عام قبل عصرنا هذا؛ وكان هؤلاء الناس قصاراً، لكن لهم جماجم سعة الواحدة منها ١٦٠٠ سنتيمتر مكعب أي أنها أكبر من جمجمة الرجل في هذا العصر بمائتي سنتيمتر مكعب (٤). ويظهر أن قد حل جنس جديد اسمه "كرو- مانيون" Cro-Mangon حول سنة ٠٠٠ ر ٢٠ ق. م محل هؤلاء السكان الأقدمين لأوربا، كما تدلنا الآثار التي كُشف عنها (سنة ١٨٦٨) في مغارة بهذا الاسم في منطقة "دوردوني" في فرنسا الجنوبية؛ ولقد استخرجت بقايا كثيرة من هذا النمط ترجع إلى العصر نفسه؛ من مواضع مختلفة في فرنسا وسويسرا وألمانيا وويلز. وكلها تدل على قوم ذوي قوة عظيمة وقوام فارع يتراوح طوله من خمس أقدام وعشر بوصات إلى ست أقدام وأربع بوصات ولهم جماجم سعة الواحدة منها تختلف من ١٥٩ إلى ١٧١٥ سم مكعب (٥)، وتعرف فصيلة "كرو- مانيون" كما تعرف فصيلة "نياندرتال" باسم "سكان الكهوف" ذلك لأن آثارهم وجدناها في الكهوف، لكن ليس هناك دليل واحد على أن الكهوف كانت كل ما لديهم من المساكن؛ فقد يكون ذلك سخرية بنا من الزمن، أعني أن علماء الحفريات لم يجدوا من آثار هؤلاء الناس إلا آثار من سكنوا الكهوف ولاقوا فيها مناياهم؛ والنظرية العلمية اليوم تذهب إلى أن هذه الفصيلة العظيمة إنما جاءت من آسيا الوسطى مارة بإفريقية. حتى بلغت أوربا، وأنها شقت طريقها فوق جسور من اليابس يقال أنها كانت عندئذ تربط إفريقية بإيطاليا وأسبانيا (٦). وأن طريقة توزيع هذه القواقع البشرية ليميل بنا إلى الظن بأنهم لبثوا عشرات من السنين بل ربما لبثوا قروناً طوالا يقاتلون فصيلة "نياندرتال" قتالا عنيفاً لانتزاع أوربا من أيديهم. وهكذا ترى أن النزاع بين ألمانيا وفرنسا ضارب بجذوره في القدم؛ ومهما يكن من

стр. 169

أمر فقد زال إنسان "نياندرتال" عن ظهر الأرض حيث عمرها إنسان "كرو- مانيون" الذي أصبح السلف الأساسي الذي عنه جاءت أوربا الغريبة الحديثة، وهو الذي وضع أساس المدنية التي انتهت إلى أيدينا اليوم. إن الآثار الثقافية لهذه الأنماط البشرية التي بقيت في أوربا من العصر الحجري القديم تقع في سبعة أقسام رئيسية تختلف باختلاف المواضع التي وجدنا فيها أقدم الآثار أو أهمها في فرنسا. وكلها جميعاً إنما تتميز باستخدام آلات غير مصقولة؛ والأقسام الثلاثة الأولى منها قد تم لها التكوين في الفترة المضطربة التي توسطت العصرين الجليديين الثالث والرابع. ١ - الثقافة "أو الصناعة" السابقة للعهد الشيلي Pre-Chellean وهو عصر يقع تاريخه حول سنة ٠٠٠ ر ١٢٥ ق. م ومعظم الأحجار الصوّانية التي وجدناها في هذه الطبقة الوطيئة من طبقات الأرض لا تدل دلالة قوية على أن أهل ذلك العصر قد صاغوها بصناعتهم والظاهر أنهم قد استخدموها كما صادفوها في الطبيعة (ذلك إن كانوا قد استخدموها إطلاقا) لكن وجود أحجار كثيرة بينها لها مقبض يلائم قبضة اليد، ولها حَدُّ وَطَرَفُ "إلى حَدّ ما" يجعلنا نزعم هذا الشرف للإنسان السابق للعهد الشيلي، شرف صناعة أول آلة استخدمها الأوربيون، وهي المدية الحجرية. ٢ - الثقافة الشيلية ويقع تاريخها حول سنة ٠٠٠ ر ١٠٠ ق. م وقد تحسنت فيها الآلة بإرهاف جانبيها إرهافاً على شيء من الغلظة وبتدبيبها بحيث تتخذ شكل اللوزة، ثم بتهيئتها تهيئة تكون أصلح لقبضة اليد البشرية. ٣ - الثقافة الأشولية Acheulean ويقع تاريخها حول ٠٠٠ ر ٧٥ ق. م ولقد تخلفت عنها آثار كثيرة في أوربا وجرينلندة والولايات المتحدة والمكسيك وإفريقية والشرق الأدنى والهند والصين؛ وهذه المرحلة لم تُصلح من المدية الحجرية إصلاحاً يجعلها أكثر تناسقاً وأحَدَّ طرفا فحسب، بل أنتجت إلى جانب ذلك

стр. 170

أنواعاً كثيرة من الآلات الخاصة كالمطارق والسندانات والكاشطات والصفائح ورءوس السهام وسنان الرماح والمدى، وفي هذه المرحلة تستطيع أن ترى صورة تدل على مرحلة نشيطة للصناعة البشرية. ٤ - الثقافة الموستيرية Mousterian، وتوجد آثارها في القارات كلها، مرتبطة ارتباطاً يسترعي النظر ببقايا إنسان النياندرتال، وذلك في تاريخ يقع على نحو التقريب ق. م بأربعين ألفا من السنين؛ والمدية الحجرية نادرة نسبيا بين هذه الآثار، كأنما أصبحت عندئذ شيئا عفا عليه الزمان وحلّ محله شيء جديد؛ أما هذه الآلات الجديدة فقوام الواحدة منها رقيقةّ واحدة من الصخر، أخف من المدية السابقة وزنا وأرهف حَداً وأحسن شكلا، صنعتها أيد طال بها العهد بقواعد الصناعة؛ فإذا صعدت طبقة من الأرض في طبقات العهد البليستوسيني في جنوب فرنسا وجدت بقايا الثقافة التالية. ٥ - الثقافة الأورجناسية Aurignacian وتقع حول عام ٠٠٠ ر ٢٥ ق. م، وهي أول المراحل الصناعية بعد أعصر الجليد، وأولى الثقافات المعروفة لإنسان "كرو- مانيون"؛ وهاهنا في هذه المرحلة أضيفت إلى آلات الحجر آلات من العظم- مشابك وسندانات وصاقلات الخ- وظهر الفن في نقوش غليظة منحوتة على الصخر، أو في رسوم ساذجة بارزة، أغلبها رسوم لنساء عاريات (٧)؛ ثم جاءت في مرحلة متقدمة من مراحل تطور إنسان "كرومانيون" ثقافة أخرى، هي؛ ٦ - الثقافة "السُّولَترْيه" Solutrean التي ظهرت حول سنة ٠٠٠ ر ٢٠ ق. م في فرنسا وأسبانيا وتشيكوسلوفاكيا وبولندة؛ وهنا أضيفت إلى أسلحة العهد الأورجناسي السالف وأدواته، مُدّى وصفائح ومثاقب ومناشير ورماح وحراب وصُنِعَتْ كذلك إبَرّ دقيقة حادة من العظم، وقُدَّت آلات كثيرة من قرن الوعل؛ وترى قرون الوعل منقوشة أحيانا برسوم جسوم حيوانية أرقى بكثير من

стр. 171

الفن في العصر الأورجناسي السابق، وأخيرا عندما بلغ إنسان كرومانيون ذروة تطوره، ظهرت: ٧ - الثقافة المجدلية Magdalenian التي ظهرت في أرجاء أوربا كلها حول سنة ٠٠٠ ر ١٦ ق. م، وهي تتميز في الصناعة بمجموعة كبيرة منوعة من رقيق الآنية المصنوعة من العاج والعظم والقرن، وهي تبلغ حدها الأقصى في مشابك وإبر متواضعة لكنها تصل حد الكمال في الإتقان، وهذه المرحلة هي التي تميزت في الفن برسوم "أَلتَاميرا" Altamira وهي أدق وأرق ما صنعه إنسان كرومانيون. وضع إنسان ما قبل التاريخ، في هذه الثقافات التي شهدها العصر الحجري القديم، أسس الصناعات التي كُتِبَ لها أن تبقى جزءا من التراث الأوربي حتى الثورة الصناعية، وكان مما سَهَّل نقلها إلى المدنيَّة الكلاسيكية والمدنية الحديثة انتشار صناعة العصر الحجري القديم؛ والجمجمة وتصاوير الكهوف التي وجدناها في روسيا سنة ١٩٢١، والأحجار الصَّوانية التي كشف عنها في مصر "دي مورجان" De Morgan سنة ١٨٩٦، وآثار العصر الحجري القديم التي وجدها "سِتُن كار" Seton-Karr في الصومال؛ ومستودعات العصر الحجري القديم في منخفض الفيوم (١) وثقافة جليج ستِل في جنوب إفريقية، كلها تدل على أن "القارة المظلمة" قد اجتازت نفس المراحل تقريبا التي أوجزناها فيما سلف عن أوربا قبل التاريخ، وذلك من حيث صناعة الرقائق الحجرية (٨)؛ بل ربما كانت الآثار التي وجدناها في تونس والجزائر، مما يشبه آثار العصر الأورجناسىّ، يؤيد النظرية القائلة بأن إفريقية هي الأصل في تلك الثقافة، أو هي الحد الذي وقف عنده إنسان "كرومانيون"، وبالتالي الإنسان الأوربي (٩) ولقد احتُفِرَت آلات من العصر الحجري القديم في سوريا والهند والصين وسيبيريا وغيرها من أصقاع آسيا (١٠) كما

стр. 172

عثر عليها "أندرو" وسابقوه من الجزويت في منغوليا (١١)؛ وكذلك احتُفِرَت هياكل لإنسان النياندرتال وأحجار صَوَّانية كثيرة من العهدين "الموستيري" و "الأورجناسىّ" في فلسطين، ولقد رأينا كيف كشف حديثا في "ببين" عن أقدم ما نعرفه من بقايا الإنسان وأدواته، ووجدت آلات من العظم في نبراسكا، وأراد بعض العلماء الذين يتأثرون بالروح الوطنية أن يردوها إلى عام ٠٠٠ ر ٥٠٠ ق. م، وكذلك وجدت رءوس سهام صنعت عام ٠٠٠ ر ٣٥٠ ق. م، وهكذا تراه جسرا عريضا ذلك الذي نقل عَبرَ إنسان ما قبل التاريخ أسس المدنيَة إلى زميله الإنسان الذي يظهر في عصور التاريخ.

стр. 173

الفصل الثالث الفنون في العصر الحجري القديم الآلات - النار - التصوير - النحت لو أننا في هذا الموضع أوجزنا ذكر الآلات التي صنعها إنسان العصر الحجري القديم، لصورَّنا لأنفسنا صورة عن حياته أوضح مما لو تركنا لخيالنا الحبل على الغارب؛ وطبيعي أن يكون أول الآلات حجرا في قبضة الإنسان، فكم من حيوان كان في مستطاعه أن يعلمّ الإنسان هذه الآلة؛ وإذن فقد أصبحت المدية الحجرية المُدبَبَةُ في أحد طرفِيها، والمستديرة في طرفها الآخر لتلائم قبضة اليد، أصبحت هذه المدية الحجرية للإنسان البدائي مطرقة وفأساً وإزميلاً وكاشطة وسكيناً ومنشاراً؛ إلى يومنا هذا ترى الكلمة "الإنجليزية" التي نستعملها لتدل على المطرقة: " hammer" معناها حجر من حيث أصلها اللغوي (٢) ثم حدث على مَرّ الأيام أن تنوعت هذه الآلات في أشكالها حتى بَعُدَت عن أصلها المتجانس، فثقبت الثقوب لتركيب مقبض، وأُدخلت الأسنان لتكون الآلة منشارا، وغرزت فروع في المدية الحجرية لتصبح مغرازا أو سهما أو حربة؛ كما أصبح الحجر الكاشط الذي كان يتخذ شكل القوقعة، مجرافا أو معزاقا؛ وأما الحجر الخشن الملمس فقد جعلوه مِبرَداً، وجعلوا حجر المقلاع أداة للقتال بقيت قائمة حتى اجتاز بها الإنسان عصر المدنيَّة الكلاسيكية ذاتها؛ ولما ظفر إنسان العصر الحجري القديم بالعظم والخشب والعاج إلى جانب الحجر، صنع لنفسه مجموعة منوعة من الأسلحة والآلات: صنع الصاقلات والهاونات والفؤوس والصفائح والكاشطات والمثاقب والمصابيح والمدى والأزاميل والشواطير والحراب والسندانات، وحافرات المعادن والخناجر وأشصاص السمك وحراب الصيد والخوابير والمغازير والمشابك

стр. 174

وكثيراً غير هذه بغير شك (١٤)؛ فكان يَعُثرُ في كل يوم على عِلمٍ جديد، وكان له من قدرته العقلية أحيانا ما يُطوَرُ به مكتشفات المصادفة إلى مخترعات مقصودة. لكن آيته العظمى هي النار، وفي ذلك أشار "دارون" إلى أن حمم البراكين الحار قد يكون هو الذي علمّ الإنسان ما النار؛ ويقول لنا "أسخيلوس" (١) إن "برومثيوس" صنع النار بإشعاله حَطَبةً في فوهة بركان مشتعل على جزيرة "لمنوس" (١٥)؛ وبين آثار إنسان النياندرتال قِطَعُّ من الفحم وقطع من العظم المحترق، وإذن فالنار التي صنعها الإنسان تذهب في القِدَم إلى أربعين ألف عام مضت (١٦) وقد أعد إنسان "كرو- مانيون" لنفسه آنية خاصة تمسك الشحم الذي كان يشعله ليستضيء بضوئه، وإذن فالمصباح كذلك له من العمر هذا الزمن الطويل؛ والراجح أن تكون النار هي التي مكنت الإنسان من اتقاء البرد الناشئ عن الجليد الزاحف؛ وهي التي أتاحت له النوم في الليل آمنا من الحيوان الذي ارتعد لهذه الأعجوبة ارتعاداً يَعدِل عبادة الإنسان البدائي إياها؛ وهي التي قهرت الظلام فكانت أول عامل من العوامل التي حَدَّت من الخوف، والتقليل من خوف الإنسان أحد الخيوط الذهبية في نسيج التاريخ الذي ليست كل خيوطه ذهبا، وهي التي أدت أخيرا إلى صهر المعادن والتحام بعضها في بعض، وهي الخطوة الوحيدة الحقيقية التي تقَدَمها الإنسان في فنون الصناعة من عهد إنسان "كرو- مانيون" إلى عصر الانقلاب الصناعي (١٧). وإننا لنروي لك عجبا- وكأنما نرويه لنوضح قصيدة "جوتييه" (٢) على

стр. 175

الفن الجبار الذي يحيا بعد فناء الأباطرة وزوال الدول- إننا نروي لك عجباً إذ نقول إن أوضح آثار خلفها لنا إنسان العصر الحجري القديم هي قِطَع من فنه؛ فقد حدث منذ ستين عاما أن وقع "السنيور مارسلينو دي سوتولا" Marceleno de Soutuola على كهف واسع في مزرعته في "أَلتَاميرا" في شمال أسبانيا، وكان هذا الكهف قد لبث آلاف الأعوام مقفل الباب كأنه صومعة راهب، أقفلته صخور سقطت عليه وأمدتها الطبيعة بملاط من لدنها حين ربطت بعضها ببعض بأعمدة من رواسب؛ ثم جاء الإنسان فضرب في هذا الموضع بضرباته لينشئ لنفسه جديدا، فإذا به يكشف بضرباته عن مدخل الكهف بطريق المصادفة؛ ومرت بعدئذ ثلاثة أعوام ثم جاء "سوتولا" ليستطلع الكهف فلحظ على جدرانه علامات غريبة؛ وذات يوم صحبته ابنته الصغيرة، ولما لم تكن بذات طول يُلزمها الانحناء كما كانت الحال مع أبيها، فقد صعَّدت بصرها نحو السقف تشهد ما فيه، فرأت تخطيطا غامضاً لبَيزُونٍ ضخم "البيزون هو ثور بريُّ"

стр. 176

جميع الرسم ناصع الألوان؛ فلما فُحص السقف وفُحصت الجدران فحصاُ دقيقاً وجدت صور أخرى كثيرة، وفي عام ١٨٨٠ نشر "سوتولا" تقريراً عن مشاهدته، فقابله علماء الآثار بريبة هي من خصائصهم دائماً؛ وتفضل عليه بعض هؤلاء العلماء بزيارة يفحص فيها تلك الرسوم، وينتهي بها إلى الإعلان بأن الرسوم زائفة خطتَّها يد خادعة؛ ودام هذا الشك- الذي ليس لأحد أن يعترض عليه مدى ثلاثين عاماً؛ ثم اكتُشِفت رسوم أخرى في كهوف يُجمع الرأي على أنها من عهد ما قبل التاريخ "مما فيها من آلات صَوَّانية غير مصقولة وعظم وعاج مصقولين" فأيدت ما كان وصل إليه "سوتولا" من رأي لكن "سوتولا" عندئذ لم يكن على قيد الحياة؛ وجاء الجيولوجيون إلى "ألتاميرا" وأقروا بإجماع أدرك الحقيقة بعد أوانها، أقروا بإجماع أن الرواسب التي كانت تغطي بعض الرسوم إنما ترجع إلى العصر الحجري الأول (١٨) وأن الرأي السائد الآن هو أن رسوم "ألتاميرا"- والجزء الأكبر من بواقي الفن التي بقيت لنا من عهد ما قبل التاريخ- ترجع إلى الثقافة المجدلية؛ أي إلى عهد يقع نحو سنة ٠٠٠ ر ١٦ ق. م (١٩)؛ وكذلك وجدت رسوماً أحدث تاريخا من هذه بقليل، لكنها ما زالت من بقايا العصر الحجري القديم، في كهوف كثيرة في فرنسا (١). وتمثل الرسوم في معظم الحالات صنوفا من الحيوان- أوعالا وماموث وجياداُ وخنازير ودببة وغيرها؛ وربما كانت هذه الصنوف عن إنسان ذلك العصر طعاما شهيا، ولذلك كانت موضع عنايته في صيده؛ وأحيانا نرى صورة حيوان مطعونا بالسهام، ومن رأى "فريزر" و "ريناخ" Reintach أن أمثال هذه الصور قُصد بها أن تكون رسوما سحرية تأتي بالحيوان في قبضة الفنان أو الصائد، وبالتالي تأتي به إلى معدته (٢٠) ومن الجائز أنها رسوم لم يقصد بها إلا

стр. 177

إلى الفن الخالص. دفع إليها الإبداع الفني وما يصاحبه من لذة فنية خالصة؛ ذلك لأن أغلظ الرسوم كان يكفي لتحقيق غايات السحر، على حين ترى هذه الصور في كثير من الحالات قد بلغت من الرقة والقوة والمهارة حداً يوحي إليك بما يحزنك، وهو أن الفن- في هذا الميدان على أقل تقدير- لم يتقدم كثيراً في شوط التاريخ الإنساني الطويل؛ فها هنا الحياة والحركة والفخامة قد عُبّر عنها تعبيراً قوياً أخاذا بخط واحد جريء أو خَطين؛ وهاهنا خَط واحد يصور حيواناً حياً مهاجماً"أم هل تكون سائر الخطوط قد محاها الزمن؟ " تُرى هل تبقى صورة "العشاء الأخير" لـ "ليوناردو" Leonardo أو صورة الادعاء للرسام "إلجريكو" El Greco كما بقيت رسوم "كرو- مانيون" فتظهر خطوطها وألوانها بعد عشرين ألف عام؟. إن التصوير فن مترف، لا يظهر إلا بعد قرون طوال تنقضي في تطور عقلي وفني؛ ولو أخذنا بالنظرية السائدة اليوم "ومن الخطر دائما أن تأخذ بالنظريات السائدة" فالتصوير قد تطور عن صناعة التماثيل، التي بدأت بتماثيل كاملة، ثم تطورت إلى تماثيل بارزة على لوحة منحوتة، وعن هذه جاءت خطوة التصوير بالخطوط والألوان؛ وإذن فالتصوير عبارة عن نحت نقص بعد من أبعاده؛ والخطوة الوسطى من فن ما قبل التاريخ تراها ممثلة خير تمثيل في نحت بارز يدهشك بقوة وضوحه؛ والنحت تمثال لرجل رامٍ بسهم "أو بحربة" وهو منقوش على الصخور الأورجناسيّة "بلوسل" في فرنسا؛ وكَشَفَ "لوي بجوان" Louis Begouen في كهف "بأربيج" في فرنسا- بين آثار مجدلية أخرى عن كثير من المقابض المزخرفة صنعت من قرون الأوعال؛ وأحد هذه المقابض يدل على فن ناضج ممتاز، كأنما كان الفن عندئذ قد اجتاز أجيالا من التدريب والتطور؛ وكذلك ترى في أرجاء البحر الأبيض المتوسط منذ عهد ما قبل التاريخ- في مصر وكريت وإيطاليا وفرنسا وأسبانيا- صوراً لا عدد لها لنساء سمينات

стр. 178

قصيرات تدل إما على عبادة هؤلاء الناس للأمومة، وإما على تصوير الإفريقيين عندئذ للجمال؛ واستخرجت من الأرض في تشكوسلوفاكيا تماثيل حجرية لحصان وحشي ووعل وماموث، وجدت بين آثار ترجع- على سبيل الشك- إلى سنة ٠٠٠ ر ٣٠ ق. م (٢٢). إن تفسيرنا لسير التاريخ على أنه سير إلى الأمام، لينهار من أساسه إذ شككنا في أن هذه التماثيل وهذه النقوش البارزة وهذه الصور- على كثرة عددها- قد لا تكون إلا جزءاً صغيراً جداً من الفن الذي عبر به الإنسان البدائي عن نفسه، أو الذي زَيَّنَ به حياته؛ إن ما بقى لنا كله في كهوف، حيث عَزَّ على عوامل المناخ أن تتسلَّل إليها فتفسدها، ولكن ذلك لا يقتضي أن إنسان ما قبل التاريخ لم يكن فناناً إلا حين سكن الكهوف؛ فربما نحتوا في كل مكان كما يفعل اليابانيون، وربما أكثروا صناعة التماثيل مثل اليونان، وربما لم يقتصروا في تصويرهم على صخور الكهوف، بل صوروا كذلك رسومهم على أقمشة وخشب وعلى كل شيء آخر- غير مستثنين أجسامهم؛ ربما أبدعوا في الفن آيات تفوق بكثير هذه القطع التي بقيت لنا؛ ففي أحد الكهوف وجدنا أنبوبة مصنوعة من عظم الوعل وملآنة بمادة ملونة لجلد الإنسان (٢٣)؛ وفي كهف آخر وجدنا لوحة مصور فنان مما يوضع عليه الألوان عند التصوير، وجدناها لا تزال تحمل على سطحها طلاء مَغْرَةٍِ "تراب حديدي" أحمر، على الرغم من مائتي قرن مضت عليه (٢٤)؛ فالظاهر أن الفنون بلغت درجة عالية من التطور، واتسع نطاقها بين الناس منذ ثمانية عشرة ألف عام؛ فيجوز أن قد كان بين أهل العصر الحجري القديم فنانون محترفون، ويجوز أن قد كان بينهم كذلك همج متأخرين يتضورون جوعا ويسكنون الكهوف الحقيرة، حيث ينكرون الطبقات الغنية من التجار، ويتآمرون على قتل المجاميع العلمية، ويصنعون بأيديهم أشياء وصلت إلينا فأصبحت تُحفَا.

стр. 179

الفصل الرابع ثقافة العصر الحجري الحديث فضلات المطبخ - سكان البحيرة - ظهور الزراعة - استئناس الحيوان - الأساليب الفنية - النسيج في العصر الحجري الحديث - صناعة الخزف - البناء - النقل - الدين - العلم - موجز لما تم فيما قبل التاريخ من تمهيد للمدنية حدث في فترات مختلفة من القرن الأخير أن وُجِدت أكداس هائلة مما يرجح أنها من فضلات ما قبل التاريخ، وجدت في فرنسا وساردينيا والبرتغال والبرازيل واليابان ومنشوريا، ثم وُجدت فوق ذلك كله في الدانمركه حيث أطلق عليها هذا الاسم العجيب "فضلات المطبخ" التي أصبحت تعرف به أمثال هذه الأكداس من آثار القديم؛ وتتألف أكداس الفضلات هذه من قواقع، خصوصاً قواقع المحار وبلح البحر وحلزون البحر، ومن عظام كثير من الحيوانات البرية والبحرية، ومن آلات وأسلحة صنعت من العظم والقرن والحجر غير المصقول، ومن بقايا أرضية مثل الفحم والرماد والخزف المكسور؛ وهذه الآثار التي لا تأخذ العين بجمالها- دلائل واضحةُّ على ثقافة تكونت في تاريخ يقع حول سنة ثمانية آلاف ق. م؛ وهو تاريخ أَحدث من العصر الحجري القديم بالمعنى الدقيق، لكنه كذلك لا يبلغ من الحداثة أن يكون من العصر الحجري الحديث، لأنه لم يكن قد وصل بعد إلى عصر استخدام الحجر المصقول؛ ولا نكاد نعلم شيئا عَمَّن خَلفَّوُا لنا هذه الآثار، سوى أن ذوقهم كان أصيلا إلى حدٍ ما؛ ويمكن اعتبار "فضلات المطبخ"- بالإضافة إلى ثقافة "مادزيل" Mas dazil في فرنسا، وهي أقدم من الفضلات قليلا ممثلة لعصر حجري وسيط، هو بمثابة مرحلة انتقال بين العصرين الحجريين القديم والحديث.

стр. 180

وفي عام ١٨٥٤ حيث كان الشتاء من الجفاف بدرجة خارقة للمألوف، هبط مستوى الماء في البحيرات السويسرية، فكشف عن عصر آخر من عصور ما قبل التاريخ؛ فوجدت أكوام فيما يقرب من مائتي موضع في هذه البحيرات؛ ووجد أن هذه الأكوام ظلت مكانها تحت الماء زمنا يتراوح بين ثلاثين قرنا وسبعين؛ ولقد كانت تلك الأكوام مصفوفة على نحو يبيّن أن قد شيدت فوقها قُرَّى صغيرة، وربما شيدت هناك رغبة في العزلة أو في الدفاع؛ وأن كل قرية كانت تتصل باليابس بجسر ضيق لم تزل أساس بعضها في أماكنها؛ وكانت قوائم المنازل نفسها ما تزال باقية هنا وهناك، لم تُزِلِها الأمواج بفعلها الدءوب (١) وبين هذه الخرائب الباقية وجدت آلات من العظم والحجر المصقول الذي أصبح
следующие страницы →