← История

История · id 35104

قصة الحضارة

ول ديورانت

Полный текст (15 136 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

جميع الرسم ناصع الألوان؛ فلما فُحص السقف وفُحصت الجدران فحصاُ دقيقاً وجدت صور أخرى كثيرة، وفي عام ١٨٨٠ نشر "سوتولا" تقريراً عن مشاهدته، فقابله علماء الآثار بريبة هي من خصائصهم دائماً؛ وتفضل عليه بعض هؤلاء العلماء بزيارة يفحص فيها تلك الرسوم، وينتهي بها إلى الإعلان بأن الرسوم زائفة خطتَّها يد خادعة؛ ودام هذا الشك- الذي ليس لأحد أن يعترض عليه مدى ثلاثين عاماً؛ ثم اكتُشِفت رسوم أخرى في كهوف يُجمع الرأي على أنها من عهد ما قبل التاريخ "مما فيها من آلات صَوَّانية غير مصقولة وعظم وعاج مصقولين" فأيدت ما كان وصل إليه "سوتولا" من رأي لكن "سوتولا" عندئذ لم يكن على قيد الحياة؛ وجاء الجيولوجيون إلى "ألتاميرا" وأقروا بإجماع أدرك الحقيقة بعد أوانها، أقروا بإجماع أن الرواسب التي كانت تغطي بعض الرسوم إنما ترجع إلى العصر الحجري الأول (١٨) وأن الرأي السائد الآن هو أن رسوم "ألتاميرا"- والجزء الأكبر من بواقي الفن التي بقيت لنا من عهد ما قبل التاريخ- ترجع إلى الثقافة المجدلية؛ أي إلى عهد يقع نحو سنة ٠٠٠ ر ١٦ ق. م (١٩)؛ وكذلك وجدت رسوماً أحدث تاريخا من هذه بقليل، لكنها ما زالت من بقايا العصر الحجري القديم، في كهوف كثيرة في فرنسا (١). وتمثل الرسوم في معظم الحالات صنوفا من الحيوان- أوعالا وماموث وجياداُ وخنازير ودببة وغيرها؛ وربما كانت هذه الصنوف عن إنسان ذلك العصر طعاما شهيا، ولذلك كانت موضع عنايته في صيده؛ وأحيانا نرى صورة حيوان مطعونا بالسهام، ومن رأى "فريزر" و "ريناخ" Reintach أن أمثال هذه الصور قُصد بها أن تكون رسوما سحرية تأتي بالحيوان في قبضة الفنان أو الصائد، وبالتالي تأتي به إلى معدته (٢٠) ومن الجائز أنها رسوم لم يقصد بها إلا

стр. 177

إلى الفن الخالص. دفع إليها الإبداع الفني وما يصاحبه من لذة فنية خالصة؛ ذلك لأن أغلظ الرسوم كان يكفي لتحقيق غايات السحر، على حين ترى هذه الصور في كثير من الحالات قد بلغت من الرقة والقوة والمهارة حداً يوحي إليك بما يحزنك، وهو أن الفن- في هذا الميدان على أقل تقدير- لم يتقدم كثيراً في شوط التاريخ الإنساني الطويل؛ فها هنا الحياة والحركة والفخامة قد عُبّر عنها تعبيراً قوياً أخاذا بخط واحد جريء أو خَطين؛ وهاهنا خَط واحد يصور حيواناً حياً مهاجماً"أم هل تكون سائر الخطوط قد محاها الزمن؟ " تُرى هل تبقى صورة "العشاء الأخير" لـ "ليوناردو" Leonardo أو صورة الادعاء للرسام "إلجريكو" El Greco كما بقيت رسوم "كرو- مانيون" فتظهر خطوطها وألوانها بعد عشرين ألف عام؟. إن التصوير فن مترف، لا يظهر إلا بعد قرون طوال تنقضي في تطور عقلي وفني؛ ولو أخذنا بالنظرية السائدة اليوم "ومن الخطر دائما أن تأخذ بالنظريات السائدة" فالتصوير قد تطور عن صناعة التماثيل، التي بدأت بتماثيل كاملة، ثم تطورت إلى تماثيل بارزة على لوحة منحوتة، وعن هذه جاءت خطوة التصوير بالخطوط والألوان؛ وإذن فالتصوير عبارة عن نحت نقص بعد من أبعاده؛ والخطوة الوسطى من فن ما قبل التاريخ تراها ممثلة خير تمثيل في نحت بارز يدهشك بقوة وضوحه؛ والنحت تمثال لرجل رامٍ بسهم "أو بحربة" وهو منقوش على الصخور الأورجناسيّة "بلوسل" في فرنسا؛ وكَشَفَ "لوي بجوان" Louis Begouen في كهف "بأربيج" في فرنسا- بين آثار مجدلية أخرى عن كثير من المقابض المزخرفة صنعت من قرون الأوعال؛ وأحد هذه المقابض يدل على فن ناضج ممتاز، كأنما كان الفن عندئذ قد اجتاز أجيالا من التدريب والتطور؛ وكذلك ترى في أرجاء البحر الأبيض المتوسط منذ عهد ما قبل التاريخ- في مصر وكريت وإيطاليا وفرنسا وأسبانيا- صوراً لا عدد لها لنساء سمينات

стр. 178

قصيرات تدل إما على عبادة هؤلاء الناس للأمومة، وإما على تصوير الإفريقيين عندئذ للجمال؛ واستخرجت من الأرض في تشكوسلوفاكيا تماثيل حجرية لحصان وحشي ووعل وماموث، وجدت بين آثار ترجع- على سبيل الشك- إلى سنة ٠٠٠ ر ٣٠ ق. م (٢٢). إن تفسيرنا لسير التاريخ على أنه سير إلى الأمام، لينهار من أساسه إذ شككنا في أن هذه التماثيل وهذه النقوش البارزة وهذه الصور- على كثرة عددها- قد لا تكون إلا جزءاً صغيراً جداً من الفن الذي عبر به الإنسان البدائي عن نفسه، أو الذي زَيَّنَ به حياته؛ إن ما بقى لنا كله في كهوف، حيث عَزَّ على عوامل المناخ أن تتسلَّل إليها فتفسدها، ولكن ذلك لا يقتضي أن إنسان ما قبل التاريخ لم يكن فناناً إلا حين سكن الكهوف؛ فربما نحتوا في كل مكان كما يفعل اليابانيون، وربما أكثروا صناعة التماثيل مثل اليونان، وربما لم يقتصروا في تصويرهم على صخور الكهوف، بل صوروا كذلك رسومهم على أقمشة وخشب وعلى كل شيء آخر- غير مستثنين أجسامهم؛ ربما أبدعوا في الفن آيات تفوق بكثير هذه القطع التي بقيت لنا؛ ففي أحد الكهوف وجدنا أنبوبة مصنوعة من عظم الوعل وملآنة بمادة ملونة لجلد الإنسان (٢٣)؛ وفي كهف آخر وجدنا لوحة مصور فنان مما يوضع عليه الألوان عند التصوير، وجدناها لا تزال تحمل على سطحها طلاء مَغْرَةٍِ "تراب حديدي" أحمر، على الرغم من مائتي قرن مضت عليه (٢٤)؛ فالظاهر أن الفنون بلغت درجة عالية من التطور، واتسع نطاقها بين الناس منذ ثمانية عشرة ألف عام؛ فيجوز أن قد كان بين أهل العصر الحجري القديم فنانون محترفون، ويجوز أن قد كان بينهم كذلك همج متأخرين يتضورون جوعا ويسكنون الكهوف الحقيرة، حيث ينكرون الطبقات الغنية من التجار، ويتآمرون على قتل المجاميع العلمية، ويصنعون بأيديهم أشياء وصلت إلينا فأصبحت تُحفَا.

стр. 179

الفصل الرابع ثقافة العصر الحجري الحديث فضلات المطبخ - سكان البحيرة - ظهور الزراعة - استئناس الحيوان - الأساليب الفنية - النسيج في العصر الحجري الحديث - صناعة الخزف - البناء - النقل - الدين - العلم - موجز لما تم فيما قبل التاريخ من تمهيد للمدنية حدث في فترات مختلفة من القرن الأخير أن وُجِدت أكداس هائلة مما يرجح أنها من فضلات ما قبل التاريخ، وجدت في فرنسا وساردينيا والبرتغال والبرازيل واليابان ومنشوريا، ثم وُجدت فوق ذلك كله في الدانمركه حيث أطلق عليها هذا الاسم العجيب "فضلات المطبخ" التي أصبحت تعرف به أمثال هذه الأكداس من آثار القديم؛ وتتألف أكداس الفضلات هذه من قواقع، خصوصاً قواقع المحار وبلح البحر وحلزون البحر، ومن عظام كثير من الحيوانات البرية والبحرية، ومن آلات وأسلحة صنعت من العظم والقرن والحجر غير المصقول، ومن بقايا أرضية مثل الفحم والرماد والخزف المكسور؛ وهذه الآثار التي لا تأخذ العين بجمالها- دلائل واضحةُّ على ثقافة تكونت في تاريخ يقع حول سنة ثمانية آلاف ق. م؛ وهو تاريخ أَحدث من العصر الحجري القديم بالمعنى الدقيق، لكنه كذلك لا يبلغ من الحداثة أن يكون من العصر الحجري الحديث، لأنه لم يكن قد وصل بعد إلى عصر استخدام الحجر المصقول؛ ولا نكاد نعلم شيئا عَمَّن خَلفَّوُا لنا هذه الآثار، سوى أن ذوقهم كان أصيلا إلى حدٍ ما؛ ويمكن اعتبار "فضلات المطبخ"- بالإضافة إلى ثقافة "مادزيل" Mas dazil في فرنسا، وهي أقدم من الفضلات قليلا ممثلة لعصر حجري وسيط، هو بمثابة مرحلة انتقال بين العصرين الحجريين القديم والحديث.

стр. 180

وفي عام ١٨٥٤ حيث كان الشتاء من الجفاف بدرجة خارقة للمألوف، هبط مستوى الماء في البحيرات السويسرية، فكشف عن عصر آخر من عصور ما قبل التاريخ؛ فوجدت أكوام فيما يقرب من مائتي موضع في هذه البحيرات؛ ووجد أن هذه الأكوام ظلت مكانها تحت الماء زمنا يتراوح بين ثلاثين قرنا وسبعين؛ ولقد كانت تلك الأكوام مصفوفة على نحو يبيّن أن قد شيدت فوقها قُرَّى صغيرة، وربما شيدت هناك رغبة في العزلة أو في الدفاع؛ وأن كل قرية كانت تتصل باليابس بجسر ضيق لم تزل أساس بعضها في أماكنها؛ وكانت قوائم المنازل نفسها ما تزال باقية هنا وهناك، لم تُزِلِها الأمواج بفعلها الدءوب (١) وبين هذه الخرائب الباقية وجدت آلات من العظم والحجر المصقول الذي أصبح

стр. 181

في رأي علماء الآثار علامة مميزة للعصر الحجري الجديد الذي ازدهر حول سنة ٠٠٠ ر ١٠ ق. م في آسيا، وحول سنة ٥٠٠٠ ق. م في أوربا (٢٨): وشبيه بهذه الآثار ما تركه الجنس البشري العجيب الذي نسميه باسم "بُنَاة الجبال" من بقايا هائلة ضخمة في وديان المسسبي وفروعه؛ ولسنا ندري عن ذلك الجنس من أجناس البشر إلا أنه في هذه الجبال التي بنوها وتركوها على هيئة مذابح القربان أو على أشكال هندسية مختلفة أو على هيئة حيوانات الطوطم، وجدت أشياء صنعوها من حجر وقوقع وعظم ومعدن مطروق، مما يضع هؤلاء الناس الملغزين في خاتمة العصر الحجري الجديد. فلو حاولنا أن نلفّق صورة من هذه الأشتات الأثرية عن العصر الحجري الجديد، لرأينا في الصورة على الفور خطوة جديدة خطاها الإنسان، تثير فيك الدهشة عند رؤيتها، ألا وهي الزراعة؛ إنك تستطيع أن تقول إن التاريخ الإنساني كله- بمعنى من معانيه- يدور حول انقلابين: الانقلاب الذي حدث في العصر الحجري الحديث فنقل الإنسان من الصيد إلى الزراعة، والانقلاب الذي حدث أخيراً فنقله من الزراعة إلى الصناعة؛ ولن تجد فيما شهد الإنسان من ضروب الانقلاب ما هو حقيقي أساسيّ كهذين الانقلابين؛ فالآثار تدلنا على أن "سكان البحيرة" كانوا يأكلون القمح والذرة والجويدار والشعير والشوفان، فضلا عن مائة وعشرين نوعاً من أنواع الفاكهة، وأنواع كثيرة من البندق (٢٩)؛ ولم نجد في هذه الآثار محراثاً، ويجوز أن تكون علة ذلك هي أن سنان المحاريث كانت تصنع من خشب، فيُدَقَّ جذع شجرة إلى فرع بمسمار من حجر الصَّوان؛ لكن نقشا محفورا على الصخر من العصر الحجري الحديث يدل دلالة لا يأتيها الشك على أنها صورة فلاح يسوق محراثاً يَشُدُّه ثوران (٣٠) وهذا يحدد لنا اختراعا جاء بمثابة بداية لعصر جديد من عصور التاريخ؛ إن الأرض قبل أن تدخلها الزراعة كان في مستطاعها أن تهيئ أسباب العيش لما يقرب من عشرين مليوناً من

стр. 182

الأنفس البشرية "في تقدير سير آرثر كيث غير الدقيق"، وحياة هؤلاء الملايين العشرين كانت معرضة لموت سريع بسبب الصيد والحرب (٣١)، أما بعد الزراعة فقد بدأ تكاثر الناس تكاثراً أيَّدَ سيادة الإنسان على الأرض سيادة مكينة لا شك فيها. وفي الوقت نفسه كان أهل العصر الحجري الحديث يقيمون أساسا آخر من أسس الحضارة، وهو استئناس الحيوان وتربيته؛ ولا شك أن قد استغرق هذا العمل حينا طويلا من الدهر، قد تكون بدايته أسبق تاريخاً من العصر الحجري الحديث؛ فحب الإنسان بغريزته للاجتماع بغيره ربما كان عاملا مساعدا على اتصال الإنسان والحيوان، كما لا نزال نرى علائم ذلك واضحة في فرحة البدائيين بتدريب الوحوش المفترسة، وفي ملء أكواخهم بالقردة والببغاوات وأمثالها من سائر الزملاء (٣٢) وأقدم العظام في آثار العصر الحجري الحديث (حوالي ٠٠٠ ر ٨ ق. م) هي عظام الكلب- الذي هو أقدم زملاء الجنس البشري عهداً وأشرفها خلقاً؛ ثم جاءت بعد ذلك (حوالي ٦٠٠٠ ق. م) الماعز والخروف والخنزير والثور (٣٣) وأخيرا جاء الحصان الذي لم يكن عند أهل العصر الحجري القديم إلا حيوانا يصاد، إذا حكمنا من الرسوم التي في الكهوف؛ أما في هذا العصر الحجري الحديث فقد أخذه الناس إلى حيث يسكنون واستأنسوه وجعلوا منه عبداً محبباً إلى نفوسهم (٣٤) إذ استخدموه على شتى العصور ليزيد من ثروة الإنسان وفراغه وقوته؛ وهكذا أخذ هذا الإنسان الذي بسط سيادته على الأرض آخر الأمر، في الإكثار من موارد طعامه بتربية الحيوان إلى جانب صيده له؛ وربما عرف الإنسان كذلك- في هذا العصر الحجري الحديث- كيف يستخدم لبن البقرة طعاماً. وأخذ المخترعون في العصر الحجري الجديد شيئاً فشيئاً يوسّعون ويحسنون آلاتهم وأسلحتهم، فها هنا ترى بين مخَلفّاتهم بَكَرات ورافعات ومُرهِفّات ومغارز

стр. 183

وملاقط وفؤوساً ومعازيق وسلالم وأزاميل ومغازل ومناسج ومناجل ومناشير وأشصاص السمك وقباقيب للانزلاق على الثلج وإبرا ومشابك صَدر ودبابيس (٣٥) ثم هاهنا فوق هذا كله ترى العجلة، وهي مخترع آخر من مخترعات الإنسان الأساسية، وضرورة متواضعة من ضرورات الصناعة والمدنيَّة؛ فهي في هذه المرحلة من العصر الحجري كانت قد تطورت إلى قرص وإلى أنواع أخرى من العجلات ذوات الأقطار؛ وكذلك استعملوا كل صنوف الحجر في هذه المرحلة- حتى العِصِيّ منها كالحجر الزجاجي الأسود- فطحنوه وثقبوه وصقلوه، واحتُفِرت الصَّوانات على نطاق واسع؛ فوجدت في أحد محافر العصر الحجري الحديث، في مدينة براندُن بإنجلترا، ثمان حافرات من قرن الغزال، ورؤيت على أسطحها المعفّرة بصمات العمّال الذين وضعوها هناك منذ عشرة آلاف من السنين؛ وفي بلجيكا كشف عن هيكل عظمي لعامل من عمال المناجم في العصر الحجري الحديث، سقط عليه حجر فأرداه، كُشف عنه ولا تزال الحافرة في قبضة يده (٣٦) فعلى الرغم من مائة قرن تفصلنا عنه، نحسّ كأنه واحد منا ونشاطره بخيالنا الضعيف فَزَعَه وآلامه؛ فكم من آلاف السنين قضاها الإنسان وهو يمزق أحشاء الأرض يستخرج الأسس المعدنية التي قامت عليها المدنية! فلما أن صنع الإنسان الإبر والدبابيس، بدأ ينسج، أو إن شئت فقل إنه لما بدأ ينسج حَرَّكَتْه الضرورة إلى صناعة الإبر والدبابيس؛ ذلك أن الإنسان لم يعد يرضيه أن يدثّر نفسه بفراء الحيوان وجلوده، فنسج صوف خرافه وألياف النبات أردية كانت هي أساس الثوب الذي يلبسه الهندوسيّ، والشَملة التي كان يلبسها اليوناني، والثوب الذي يغطي أسفل الجسم الذي كان يرتديه المصري، وسائر الصنوف الخلابة التي تراها في الثياب عند الإنسان، ثم اصطنع الناس صبغة استخرجوها صنوفا من أخلاط عصير النبات أو مستخرجا الأرض، وصبغوا بها الثياب لتكون علامة ترف ينفرد بها الملوك؛ والظاهر أن الإنسان

стр. 184

أو ما نسج جعل يضفر الخيوط على نحو ما يضفر القشَّ بأنه يجدل خيطا مع خيط؛ ثم انتقل بعد ذلك إلى ثَقب جلود الحيوان وربطها من هذه الثقوب بألياف غليظة تتخللها، كالمِشدَّات التي كان يستعملها النساء حديثاً، وكالأحذية التي نلبسها اليوم؛ ثم أخذت الألياف تتهذب تدريجياً حتى أصبحت خيط، وعندئذ أصبحت الحياكة من أهم الفنون عند المرأة؛ فالمغازل التي بين آثار العصر الحجري الحديث تكشف عن أصل من الأصول العظمى للصناعة الإنسانية بل أنك لتجد في هذه الآثار حتى المرايا (٣٧)، وإذن فقد اصبح كل شيء مُعَدًّا للمدنيَّة. ولم نجد آثاراً خزفية في قبور الجزء الأول من العصر الحجري العظيم، وإنما ظهرت منه قِطَع قليلة في آثار الثقافة المجدلية في بلجيكا (٣٨)؛ لكنه في العصر الحجري الحديث الذي خَلَّفَ لنا "فضلات المطبخ" هو الذي نجد في آثاره خزفاً على شيء من التقدم في الصناعة؛ ونحن بالطبع لا نعلم كيف نشأت هذه الصناعة؛ فيجوز أن قد لاحظ الإنسان البدائي أن الفجوة التي تصنعها قدمه في الطين، كانت تحتفظ في جوفها بالماء دون أن يتسرب (٣٩)؛ ويجوز أن قد شاءت المصادفة أن تلقى قطعة من الطين إلى جانب نار موقدة فتجف، فتوحي بجفافها هذا إلى الإنسان الأول بالفكرة التي أفرزت في النهاية هذا المخترع، وكشفت له عما يمكنه استغلاله من هذه المادة التي توجد بكثرة، والتي تطاوع يده في تشكيلها، والتي يسهل تجفيفها في النار أو في الشمس؛ ولا شك في أن الإنسان قد لبث آلاف السنين يحفظ طعامه وشرابه في آنية طبيعية كهذه، إلى جانب كؤوس القَرع وجوز الهند وقواقع البحر؛ ثم صنع لنفسه أقداحاً ومغارف من الخشب أو الحجر؛ كما صنع السلال والمقاطف من الحلفاء والقش، وهاهو ذا قد صنع لنفسه كذلك آنية أدوم بقاء من الطين المجفف وبه ابتدع مخترعاً جديداً يُعَدُّ من أعظم الصناعات التي عرفها الإنسان، لكن إنسان العصر الحجري

стр. 185

الجديد لم يعرف عجلة الخزَّاف، فيما تدل الآثار الباقية لنا؛ إنما صنع بيديه هذا الطين أشكالا ذات جمال ونفع في آن معاً؛ وزخرفة الآنية برسوم ساذجة (٤٠) وهكذا جعل صناعة الخزف منذ بدايتها تقريباً لا تقف عند حد كونها صناعة فحسب، بل جعل منها فنًّا كذلك. وهاهنا كذلك نجد العلامات الأولى لصناعة أخرى من كبُرى الصناعات الأولى: صناعة البناء؛ فإنسان العصر الحجري القديم لم يخلّف لنا أثراً كائناً ما كان لمسكن غير الكهوف؛ حتى إذا ما بلغنا العصر الحجري الحديث، ألقينا بعض وسائل البناء مثل السلمّ الخشبّي والبكرة والرافعة والمقصلة (٤١)؛ فقد كان "سكان البحيرة" نجارين مهرة يربطون أعمدة الخشب إلى أساس البناء بخوابير ثابتة من الخشب؛ أو يصلونها وهي موضوعة رأساً لرأس، أو يزيدونها قوة بدقّ عوارض تتطلب معها على الجوانب؛ وكانت أرضيَّة الغرفة عندهم من الطين، وجدرانها من الغصون المجدولة مغطاة بطبقة من الطين، والسقف من اللحاء والقش والحلفاء والغاب؛ ثم بمعونة البكرة والعجلة استطاع الإنسان أن ينقل مواد البناء من مكان إلى مكان، وبدأ في وضع أسس ضخمة من الحجر لقُراه؛ وكذلك أصبح النقل صناعة من الصناعات، فصُنِعت الزوارق التي لا بد أن تكون قد ملأت البحيرات حركة؛ ونُقِلت التجارة عبر الجبال وإلى القارات البعيدة (٤٢)، وأخذت أوربا تستورد من البلاد النائية أحجاراً نادرة كالعنير والبَشم والحجر الزجاجي الأسود (٤٣) وأنك لتجد في أصقاع مختلفة من الأرض تشابها في كلمات أو حروف أو أساطير أو خزف أو رسوم، مما يدلك على ما كان بين جماعات البشر قبل التاريخ من اتصال ثقافي (٤٤). ولو استثنيت الخزف، وجدت أن العصر الحجري الجديد لم يخلّف لنا فنا نستطيع مقارنته إلى ما كان عند إنسان العصر الحجري القديم من تصوير وصناعة تماثيل؛ فهنا وهناك بين مشاهد الحياة في هذا العصر الحجري الحديث،

стр. 186

من إنجلترا إلى الصين، ترى أكواما مستديرة من الحجر، أو أعمدة قائمة أو آثاراً ضخمة من البناء لا نعرف الغاية من بنائها، كالتي تراها في "ستوُنهِنج" أو "موربهان"، والراجح أننا لن نعرف معنى هذه الآثار البنائية أو وظائفها، وربما كانت بقايا مذابح للقرابين أو معابد (٤٥) ذلك لأن إنسان العصر الحجري الجديد لابد أن قد كانت له ديانات وأساطير يصوّر بها ما يعتور الشمس كل يوم من مأساة ونصر، وما تصيب التربة من موت وبعث، كما يصور بها تأثير القمر تأثيراً عجيباً على الأرض؛ إنه ليستحيل علينا أن نفهم عقائد الإنسان في عصور التاريخ بغير افتراض أصول كهذه تمتد إلى ما قبل التاريخ (٤٦)؛ ويجوز أن يكون ترتيب الأحجار في هذه الأبنية نتيجة لاعتبارات فلكية، ويدل على معرفتهم بالتقويم- كما يظن "شنيدر" Shneider (٤٧) ؛ وكان للناس في ذلك العصر أيضاً بعض المعرفة العلمية، لأن بعض الجماجم من العصر الحجري الجديد وجدت بها آثار تَربَنَة، وبعض الهياكل العظيمة فيها أعضاء يظهر أنها كُسِرَت ثم جُبِرَت (٤٨). ليس في وسعنا أن نقدر ما أداه الإنسان فيما قبل التاريخ تقديراً تاماً، لأننا من جهة لا ينبغي أن ننساق وراء الخيال في تصوير حياتهم بحيث نجاوز ما تبرره الشواهد، ولكننا قد نشك من جهة أخرى أن الدهر قد محا آثاراً لو بقيت لضيَّقَت مسافة الحُلف بين الإنسان الأول والإنسان الحديث؛ ومع ذلك فما قد بقى لنا من أدلة على خطوات التقدم التي خطاها إنسان العصور الحجرية، يكفي وحده لتقديره: فحسبنا ما تم في العصر الحجري القديم من صناعة الآلات واكتشاف النار وتقدم الفنون، وحسبنا ما ظهر في العصر الحجري الحديث من زراعة وتربية حيوان ونسج وخزف وبناء ونقل وطب. وسيادة الإنسان على الأرض سيادة لم يَعُد منازَعاً فيها، والتوسع في عمرانها بأبناء الجنس البشري؛ هكذا وُضعت للمدنية كل أساسها؛ كل شيء قد تم إعداده للمدنيات التاريخية إلا المعادن "فيما نظن" والكتاب والدولة؛ فهيأ للإنسان سبيلا لتسجيل أفكاره وأعماله، بحيث يمكن نقلها كاملةً آمنة من جيل إلى جيل، تبدأ له المدنية.

стр. 187

الفصل الخامس مرحلة الانتقال إلى العصور التاريخية ١ - ظهور المعادن النحاس - البرونز - الحديد متى وكيف بدأ الإنسان استخدام المعادن؟ لسنا ندري، نقولها هنا مرة أخرى؛ وكلما نستطيعه هو أن نقول على سبيل الظنّ إنه بدأ بفعل المصادفة، ونفترض أن قد كانت بداية ذلك في نهاية العصر الحجري الحديث، ويؤيدنا في ذلك عدم ظهوره فيما وجدنا من آثار العصور السابقة لذلك التاريخ؛ فلو حددنا هذا التاريخ بسنة ٤٠٠٠ ق. م أو نحوها، أبصرنا أمامنا صورة لعصر المعادن "والكتابة والمدنية" لا تمتد إلى أكثر من ستة آلاف عام، تراها بمثابة الذيل الصغير الذي أعقب عصراً حجرياً امتد على وجه الدهر أربعين ألف عام على أَقل تقدير، أو أعقب عمراً طويلا عاشه الإنسان مداه مليون عام (١)؛ إلا ما أحدث العهد الذي يدونّه لنا التاريخ. كان النحاس أول معدن يلين لاستخدام الإنسان فيما نعلم؛ فنجده في مسكن من "مساكن البحيرة" عند "روبتهاوزن" في سويسره، ويرجع ذلك إلى سنة ٦٠٠٠ ق. م تقريباً (٤٩) ونجده أيضاً في أرض الجزيرة "بين دجلة والفرات" من عهد ما قبل التاريخ، ويرجع إلى سنة ٤٥٠٠ ق. م تقريبا؛ ثم نجده في مقابر البداري في مصر، ويرجع عهده إلى ما يقرب من سنة ٤٠٠٠ ق. م، ونجده كذلك في آثار "أور" التي ترجع إلى سنة ٣١٠٠ قبل الميلاد

стр. 188

تقريباً، وفي آثار "بناة الجبال" في أمريكا الشمالية، التي ترجع إلى عصر لا نستطيع تحديده (٥٠) وليست تقع بداية عصر المعادن عند تأريخ اكتشافها بل يبدأ ذلك العصر بتحوير المعادن بواسطة النار والطَّرق بحيث تلائم غايات الإنسان؛ ويعتقد علماء المعادن أن أول استعدان للنحاس من مناجمه الحجرية جاء بفعل المصادفة حين أذابت نارُ أوقدها الناس ليستدفئوا، نحاساً كان لاصقا بالأحجار التي أحاطوا بها النار؛ ولقد لوحظت أمثال هذه المصادفة مراراً في اجتماعات البدائيين حول نارهم في عصرنا هذا؛ ومن الجائز أن تكون هذه الحادثة العابرة هي التي أدت بالإنسان الأول في نهاية الأمر- بعد تكرارها مرات كثيرة- ذلك الإنسان الذي لبث أمداً طويلا لا يساوره القلق في استعمال الحجر الأصم الصليب، أن يجعل من هذه المادة المرنة عنصراً يتخذ منه آلاته وأسلحته، لأنها أيسر من الحجر صياغة وأدوم بقاء (٥١)؛ والأغلب أن يكون المعدن قد استعمل بادئ ذي بدء بالصورة التي قدمته عليها يد الطبيعة، وإنها لَيَدٌ فيها سخاء وبها إهمال في آن واحد؛ فكان نقيا حينا، مشوبا في معظم الأحيان ثم حدث بعد ذلك بزمن طويل- وربما كان ذلك حول سنة ٣٥٠٠ ق. م- في المنطقة التي تحيط بالطرف الشرقي من البحر الأبيض المتوسط، أن وقع الناس على فن صهر المعادن واستخراجها من مناجمها؛ ثم بدءوا في صبهّا نحو سنة ١٥٠٠ ق. م "كما تدل على ذلك النقوش البارزة في مقبرة رخ- مارا في مصر)؛ فكانوا يصبّون النحاس المصهور في إناء من الطين أو الرمل، ثم يتركونه يبرد على صورة يريدونها، مثل رأس الرمح أو الفأس (٥٢)؛ فلما أن كشف الإنسان عن هذه العملية في النحاس، استخدمها في مجموعة منوَّعة من المعادن الأخرى؛ وبهذا توفر للإنسان من العناصر القوية ما استطاع به أن يبني أعظم ما يعرف من ضروب الصناعة، وتهيأ له الطريق إلى غزو الأرض والبحر والهواء؛ ومن الجائز أن تكون كثرة النحاس في شرقي البحر الأبيض المتوسط

стр. 189

هي التي سبَّبَت قيام ثقافات جديدة قوية في الألف الرابع من السنين قبل الميلاد، في "عيلام" و "ما بين النهرين" ومصر، ثم امتدت من هاتيك الأصقاع إلى سائر أجزاء المعمورة فبدّلتها حالا بعد حال (٥٣). غير أن النحاس وحده ليّن، فهو على الرغم من شدة صلاحيته للتشكيل مما ينفع في تحقيق طائفة من أغراضنا "ماذا كان يصنع عصرنا الكهربائي بغير نحاس؟ " إلا أنه أضعف من أن يحتمل مهام السلم والحرب التي تتطلب معدنا أقوى؛ لهذا كان لابد من عنصر آخر يضاف إلى النحاس ليشدّ من صلابته؛ ورغم أن الطبيعة قد أشارت إلى الإنسان بما عسى أن يضيفه إلى النحاس لهذه الغاية من مواد كثيرة الأنواع، بل إن الطبيعة كثيراً ما قدمت له نحاسا تم بالفعل خلطه واشتدت صلابته بما فيه من قصدير وزنك، مكونّةً بذلك برونزاً طبيعيا أو نحاسا أصفر، على رغم هذه المعونة من الطبيعة، فقد لبث الإنسان- فيما نظن- قرونا قبل أن يخطو الخطوة الثانية في هذا الصدد؛ وأعني بها خلط معدن بمعدن خلطا مدبرَّا مقصودا للحصول على مركبات أصلح لأغراضه، وعلى كل حال فهذا الكشف قد اهتدى إليه الإنسان منذ خمسة آلاف عام على أقل تقدير لأننا وجدنا البرونز بين الآثار الكريتية التي ترجع الى سنة ٣٠٠٠ ق. م، وفي الآثار المصرية التي ترجع إلى سنة ٢٨٠٠ ق. م، وفي ثاني مدن طروادة سنة ٢٠٠٠ ق. م (٥٤)، فلم يعد- إذن- في وسعنا أن نتحدث عن "عصر البرونز" بمعنى الكلمة الدقيق، لأن هذا المعدن قد ظهر لشعوب مختلفة، في عصور مختلفة، وإذن فعبارة "عصر البرونز" ليس لها معنى زمني تؤديه (٥٥) أضف إلى أن بعض الثقافات الإنسانية قد عَبَرَ مرحلة البرونز لم يَخطهُا، بل وثب رأسا من عصر الحجر إلى عصر الحديد، كما هي الحال في ثقافات فنلندة وشمال روسيا وبولنيزيا وإفريقية الوسطى وجنوب الهند وأمريكا وواستراليا واليابان (٥٦)؛ بل إن الثقافات التي ظهرت فيها مرحلة البرونز لم يحتل فيها هذا

стр. 190

المعدن إلا مكانة ثانوية، باعتباره ترََفاً يتمتع به الكهنة وعلِيَةُ الناس والملوك، على حين ظل غمار الشعب مرغما على الوقوف عند مرحلة الحجر لا يجاوزها (٥٧) وحتى عبارتا "العصر الحجري القديم" و "العصر الحجري الحديث" فهما نسبيتان إلى حد كبير، وتصفان صورا من الحياة أكثر مما تحددان أزماناً وعصورا فإلى يومنا هذا يعيش كثير من الشعوب البدائية في عصرنا الحجري "مثل الإسكيمو وسكان جزاير بولنيزيا" لا يعرفون الحديد في حياتهم إلا على أنه ترََفّ يجيئهم به الرحالة المستكشفون من خارج؛ فعندما أرسى "الكابتن كوك" سفنه في زيلندة الجديدة سنة ١٧٧٨، اشترى بضعة خنازير بمسمار ثمنه ستة بنسات "قرشان ونصف قرش"، ووصف رحالة آخر سكان "جزيرة الكلب" بأنهم "في حاجة نهمة للحديد، حتى لتحدثهم أنفسهم أن ينتزعوا المسامير من السفن" (٥٨). ولئن كان البرونز قوياً شديد الاحتمال، إلا أن النحاس والقصدير اللازمين لصناعته لم يكونا من الكثرة في الكمية أو في أماكن وجودهما بحيث يجد الإنسان حاجته من أجوده صنفاً لشئون الصناعة والحرب؛ فكان لابد للحديد أن يظهر عاجلا أو آجلا؛ وإنه لمن متناقضات التاريخ ألا يظهر الحديد- على وفرته- إلا بعد أن ظهر النحاس والبرونز؛ وربما بدأ الناس استخدام الحديد بصناعة الأسلحة من حديد الشهُب، كما قد صنع "بُناةُ الجبال"- فيما يظهر- وكما يفعل بعض البدائيين حتى يومنا هذا؛ ويجوز أن يكون الناس قد عقبوا على ذلك بإذابة المعدن من منجمه بواسطة النار، ثم طرقوه إلى حديد مشغول؛ ولقد وجدنا ما يشبه أن يكون حديداً شهابياً في المقابر المصرية قبل عهد الأسرات المالكة؛ وتذكر النقوشُ البابليةُ الحديدَ على أنه سلعة نادرة ثمينة في عاصمة حمورابي (٢١٠٠ ق. م) وكشفنا عن مَسبَك للحديد قد يرجع عهده إلى أربعة آلاف عام، في روديسيا الشمالية، كما أن استنجام الحديد في جنوب أفريقيا

стр. 191

ليس وليد العصور الحديثة؛ وأقدم حديد مشغول مما نعرف، مجموعةُّ من المُدَى وُجِدَت في "جيرار" في فلسطين، حَدَّدَ "بترى" تاريخها بسنة ١٣٥٠ ق. م؛ ثم ظهر الحديد بعد ذلك بقرن كامل في مصر، في عهد الملك العظيم رمسيس الثاني؛ وبعد ذلك بقرن آخر من الزمان، ظهر في جزر بحر إيجه؛ وأما في غرب أوربا فقد ظهر في "هولستات" Holistatt بالنمسا حوالي سنة ٩٠٠ ق. م، كما ظهر في صناعة مدينة "لاتين" La Tene في سويسرا حول سنة ٥٠٠ ق. م؛ وقد عرفته الهند حين أدخله فيها الإسكندر، وعرفته أمريكا على يد كولمبس، كما عرفته أوشيانيا بفضل "كوك" (٥٩)؛ وبهذه السرعة الوئيدة الخطى، طفق الحديد، قرناً بعد قرن، يطوف بالعالم ليغزوه. ٢ - الكتابة أصولها الخزفية الممكنة - "رموز البحر الأبيض المتوسط" - الكتابة الهيروغليفية - أحرف الهجاء لكن أوسع خطوة خطاها الإنسان في انتقاله إلى المدنية هي الكتابة؛ ففي قطع من الخزف هبطت إلينا من العصر الحجري الثاني، خطوط مرسومة بالألوان فَسرَّها كثير من الباحثين على أنها رموز (٦٠)؛ وقد يكون هذا موضعاً للشك، لكنه من الجائز أن تكون الكتابة- بمعناها الواسع الذي يدل على رموز من رسوم تعبّر عن أفكار- قد بدأت بعلاماتٍ مطبوعة بالأظفار أو بالمسامير على الطين وهو ليّن؛ بغية زخرفته أو تمييزه بعد أن تتم صناعته خزفاً؛ ففي أقدم كتابة هيروغليفية في "سومر" توحي صورة الطائر بأوجُه شبه بينها وبين الزخارف الطائرية الموجودة على أقدم الآثار الخزفية عند "سوزا" في "عيلام" كذلك أقدم صورة للغلال مما استُخدم في الكتابة التصويرية؛ نُقلَت رأساً من الزخارف الغلالية الهندسية الأشكال في "سوزا" و"سومر"؛

стр. 192

والأحرف المستقيمة الخطوط التي ظهرت بادئ الأمر في "سومر" حول سنة ٣٦٠٠ ق. م إن هي- فيما يظهر- إلا صورة مختصرة من الرموز والرسوم المصورة أو المطبوعة على الخزف البدائي في الجزء الأدنى من بلاد ما بين النهرين أو في "عيلام" (٦٠ أ)؛ وإذن فالكتابة- شأنها شأن التصوير والنحت- قد تكون في نشأتها فناً خزفياً إذ بدأت ضرباً من ضروب النقش والرسم؛ وبذلك تكون الطينة نفسها التي استحالت في يد الخزّاف آنية، وفي يد النحات تماثيل، وفي يد البناء آجُرًّا، قد هيأت للكاتب مادته التي يخط عليها كتابته؛ وطريق التطور من هذه البداية إلى الكتابة المسمارية في بلاد ما بين النهرين، منطقي المراحل مفهوم التدرّج. وأقدم الرموز التصويرية المعروفة لدينا هي تلك التي وجدها "فِلِندَرز بتِرى" Flinders Petrie على قطع الفخار وآنيته وعلى قطع من الحجر، مما كَشَفَ عنه في مقابر ما قبل التاريخ، في مصر وإسبانيا والشرق الأدنى، ولقد حَدَّدَ عمرها بسخائه المعهود في تقدير الأعمار، بسبعة آلاف عام؛ وهذه الرموز الكتابية التي وجدت في حوض البحر الأبيض المتوسط، تبلغ ما يقرب من ثلاثمائة رمز، معظمها متشابه في جميع الأرجاء، مما يدل على علاقات تجارية قامت بين طرفي البحر الأبيض المتوسط في عهد يرجع في التاريخ إلى سنة ٥٠٠٠ ق. م؛ ولم تكن هذه الرموز صوراً، بل كان معظمها علامات تجارية- علامات تدل على الملِكية والكمية أو غير ذلك من معلومات يقتضيها التبادل التجاري؛ فلئن كان هذا الأصل المتواضع مما يؤذي الطبقة الوسطى من الأغنياء، فإن لهم ما يعزيهم في أن الأدب قد اشتقَّ أصوله من "فواتير" الحساب ومن شحنات المراكب؛ ولم تكن العلامات حروفاً، لأن العلامة الواحدة كانت كلمة كاملة أو فكرة بأسرها، ومع ذلك فمعظمها كان شديد الشبه بأحرف الهجاء الفينيقية؛ ويستنتج "بترى" من ذلك أن "مجموعة كبيرة من الرموز قد استخدمت شيئاً فشيئاً في العصور الأولى لأغراض شتى، فقد تبودلت مع التجارة، وانتشرت من قطر إلى

стр. 193

قطر … حتى كتب النصر لنحو ستة رموز، فأصبحت مِلكا مشاعاً لطائفة من هيئات التجارة، بينما أخذت سائر الأشكال التي اقتصر استعمالها على قطر واحد دون بقية الأقطار، تموت في عزلتها شيئاً فشيئاً" (٦١) والنظرية القائلة بأن هذه العلامات الرمزية هي أصل الأحرف الهجائية، جديرة بالاهتمام، وهي نظرية امتاز الأستاذ "بتري" بأنه يعتنقها دون سائر العلماء (٦٢). ومهما يكن من أمر تطور هذه الرموزية التجارية الأولى، فلقد سايرها جنبا إلى جنب ضرب من الكتابة كان فرعاً من الرسم والتصوير، وكان يعبر بالصور عن فكر متصل؛ ولا تزال صخور بالقرب من البحيرة العليا "بحيرة سوبيرير" تحل آثارا من الصور الغليظة التي استخدمها هنود أمريكا في روايتهم لقصة عبورهم هذه البحيرة الجبارة رووها للخلف، أو ربما رووها لزملائهم، روايةً يعبرون فيها عن زهوهم بما صنعوا (٦٣)؛ كذلك يظهر أن تطوراً كهذا نَقَلَ الرسم إلى كتابة في أرجاء حوض البحر الأبيض المتوسط عند نهاية العصر الحجري الحديث؛ ويقيناً أنه ما جاءت سنة ٣٦٠٠ ق. م- وقد يكون قبل ذلك التاريخ بزمن طويل- حتى كانت "عيلام" و"سومر" ومصر قد طوَّرت مجموعة من الصور التي يعبرون بها عن أفكارهم، وأطلقوا عليها اسم "الكتابة الهيروغليفية" لأن معظم من قام بها كان من الكهنة (٦٤) وظهرت مجموعة أخرى من هذه الصور شبيهة بتلك، في كريت حول سنة ٢٥٠٠ ق. م؛ وسنرى فيما بعد كيف استحالت هذه الكتابة الهيروغليفية التي تمثل كلُّ صورة منها فكرة، كيف استحالت بخطأ الاستعمال، ثم بما تناولها من تنسيق وتنظيم عرفي، إلى مقاطع. أعني إلى مجموعة من الرموز يدل كل منها على مقطع؛ ثم كيف استخدمت العلامات آخر الأمر لا لتدل على المقطع كله، بل على أول ما فيه من أصوات. وبهذا أصبحت حروفاً؛ وربما كان تاريخ هذه الكتابة الهيروغليفية يرتد في التاريخ إلى سنة ٣٠٠٠ ق. م في مصر، وأما في كريت فقد ظهرت

стр. 194

حول سنة ١٦٠٠ ق. م (٦٥)؛ إن الفينيقيين لم يخلقوا أحرف الهجاء، ولكنهم اتخذوا منها سلعة للبيع والشراء؛ فقد أخذوها- فيما نظن- من مصر وكريت (٦٦) وأدخلوها جزءاً جزءاً في "صور" و "صيدا" و "بيبلوس" Byblos، ثم أصدروها إلى كل مدينة من مدن البحر الأبيض المتوسط؛ وهكذا كانوا سماسرة لأحرف الهجاء يأخذونها من أصحابها ليذيعوها، ولم يكونوا مبدعيها حتى إذا ما كان عصر هومر، كان اليونان يأخذون هذه الأحرف الفينيقية- أو قُل الأحرف التي اتحد في خلقها الآراميون جميعاً- وكانوا يطلقون عليها الاسمين الساميَّين الحرفين الأولَّين "وهما: ألفا، بيتا؛ وبالعبرية ألفِ، بيت (٦٧). فالظاهر أن الكتابة من نتائج التجارة، وهي إحدى وسائل التجارة المسهلة لأمورها، فها هنا أيضا ترى الثقافة كم هي مدينةّ للتجارة؛ ذلك أنه لما اصطنع الكهنة لأنفسهم مجموعة من رسوم يكتبون بها عباراتهم السحرية والطقوسية والطبيّة، اتحدت الطائفتان: الدنيوية والدينية، وهما طائفتان متنازعتان عادة، اتحدتا مؤقتاً لتتعاونا على إخراج أعظم ما أخرجته الإنسانية من مخترعاتها منذ عرف الإنسان الكلام؛ نستطيع أن نقول إن تطور الكتابة هو الذي كان يخلق الحضارة خلقاً، لأن الكتابة هيأت وسيلة تسجيل المعرفة ونقلها كما كانت وسيلة ازدهار العلم وازدهار الأدب، وانتشار السلام والنظام بين القبائل المتنافرة، لكنها متصلة على تنافرها، لأن استخدام لغة واحدة أخضعتها جميعاً لدولة واحدة؛ إن بداية ظهور الكتابة هي الحدُّ الذي يُعَيّن بداية التاريخ، تلك البداية التي يتراجع عهدها كلما اتسعت معارف الإنسان بآثار الأولين.

стр. 195

٣ - المدنيَّات المفقودة بولينزيا - أطلانطس ما دمنا الآن قد دنونا من تاريخ الأمم المتحضرة، فلا بد لنا أن نلاحظ أننا سنكتفي من كل ثقافة نعرضها بجزء يسير نختاره منها، وليس ذلك فحسب، بل قد لا نتناول بوصفنا إلا عدداً قليلا من المدنيات التي يجوز أن تكون قد قامت قوائمها يوماً على الأرض؛ فليس في وسعنا أن نُصَمَّ آذاننا فلا نسمع هذه الأساطير التي لم تنقطع روايتها طوال عصور التاريخ، عن مدنيات كانت ذات يوم عظيمة عالية الثقافة، ثم حلت بها كارثة من كوارث الطبيعة أو الحرب فحطمتها تحطيماً لم يُبق منها ولم يَذَر، فإن حفائرنا الحديثة في مدنيَّات كريت وسومر ويقطان تدل كلها على مدى احتمال الصدق في هذه الأساطير. ففي المحيط الهادي آثار مدنيَّة واحدة على الأقل من هذه المدنيَّات الضائعة؛ فالتماثيل الضخمة في جزيرة "إبستر" وما يرويه الرواة في بولينزيا عن أمم قوية ومقاتلين أبطال كانوا ذات يوم يكتبون المجد لساموا وتاهيتي؛ ثم ما لسكانها من قدرة في الفن وحساسية في الشعر، كل ذلك يدل على مجد ذاهب، يدل على شعب لا يبدأ اليوم نهوضه ليأخذ في الحضارة، بل يتدهور من منزلة عالية كان ينزلها؛ وفي قاع المحيط الأطلسي، يمتد جزء مرتفع تحت الماء (١) من أيسلندة شمالا إلى القطب الجنوبي، فينهض دليلا جديدا يؤيد هذه الأسطورة التي نقلها إلينا أفلاطون (٦٨) في صورة جذابة خلابة الأسطورة التي تروى عن حضارة ازدهرت يوما على قارة محاطة بالماء بين أوربا وآسيا، ثم ضاعت بين عشية وضحاها حين ارتجَّت الأرض ارتجاجا فابتلع اليمُّ تلك القارة في جوفه ابتلاعا؛ ويعتقد "شليمان"

стр. 196

- الذي بعث طروادة بعد موت- أن قارة أطلنطس كانت بمثابة حلقة اتصال بين ثقافتي أوربا ويقطان، وأن مصر كانت قد استمدت حضارتها من أطلنطس هذه (٦٩) ولعل أمريكا نفسها أن تكون هي أطلنطس وأنها كانت ذات حضارة قديمة متصلة بحضارات إفريقية وأوربا في العصر الحجري الحديث؛ ويجوز أن كل كشف جديد يقع عليه الإنسان اليوم، هو كشف للمرة الثانية، سبقه في العصر السالف كشف أول. لاشك أنه من الجائز- كما ظن أرسطو- أن يكون العالم قد شهد مدنيات كثيرة، وصلت إلى كثير من المخترعات وأسباب الترف ثم أصابها الدمار وزالت من ذاكرات البشر؛ ويقول "بيكُن" عن التاريخ إنه حطام سفينة، إذ ضاع من الماضي أكثر مما بقى؛ وإننا لنجد العزاء عن هذا الضائع في الرأي القائل بأنه كما أن ذاكرة الفرد لا بد أن تنسى الجزء الأعظم مما يصادفه في خبرته من حوادث، لكي يحتفظ الفرد بقوته العاقلة، فكذلك الجنس البشري كله لم يحتفظ في تراثه إلا بأنصع وأقوى ما مَر به من تجارب ثقافية- أم هل استمد هذا المحفوظ نصوعه في الذاكرة وقوته لأنه وحده ما أجاد الذاكرة الاحتفاظ به؟ - ومهما يكن من أمر تراثنا الذي نعيه، فحتى لو لم يكن إلا عُشر ما مَر بالإنسان من تجارب، فليس في وسع إنسان أن يلم به كله؛ وسنجد قصة الإنسان رغم ذلك كله مليئة مترعة بما يكفي. ٤ - مهود المدنيّة آسيا الوسطى - أناو - خطوط الانتشار إنه من المناسب أن نختم هذا الفصل الذي ملأناه بأسئلة لا يمكن الجواب عنها، بهذا السؤال: "أين بدأت المدنية؟ "- وهو كذلك سؤال يعزّ على الجواب؛ فلو أخذنا بما يقوله الجيولوجيون الذين يعنون في أبحاثهم عما قبل التاريخ بضباب أين منه شطحات الميتافيزيقا، لو أخذنا بما يقولونه، لكانت المناطق

стр. 197

القاحلة في آسيا الوسطى ذات ماضٍ فيه ماء وفيه اعتدال في حرارة الجو، وفيه ما يُزهره من بحيرات عظيمة وأنهار كثيرة (٧٠)، تراجعت عنها آخر الموجات الجليدية، فجفَّت شيئا فشيئا حتى لم يعد ما يسقط على ذلك الإقليم من مطر كافيا لقيام المدن والدول؛ فأخذت المدائن تقفر من أهلها واحدة في إثر واحدة، حين هرب الناس غربا وشرقا وشمالا وجنوبا سعيا وراء الماء؛ ولا تزال ترى أنقاض مدن مثل "باكترا" Bactrai غائصة في الصحراء إلى نصفها- ولابد أن تكون "باكترا" هذه قد ازدحمت بسكانها في مساحتها التي تمتد قطر دائرتها اثنين وعشرين ميلا؛ ولقد حدث في عهد جدّ حديث- سنة ١٨٦٨ - أن اضطر عدد من أهل تركستان الغربية يقرب من ثمانين ألف نسمة، أن يهاجر لأن الرمال الزاحفة قد غمرت موضعه من الأرض (٧١) وكثيرون يذهبون إلى أن هذه الأصقاع التي تسير اليوم في طريقها إلى الفناء، قد شهدت أول خطوات أساسية من خطوات التقدم، في هذا المزيج المؤلف من نظام وطعام وعرف وأخلاق وترف وثقافة، والذي منه تتكون المدنية (٧٢). ولقد كشف "بَمبلِي" سنة ١٩٠٧ قي "أناو" جنوبي التركستان، عن خزف وآثار أخرى تدل على ثقافة قديمة أرجعها إلى سنة ٩٠٠٠ ق. م، وربما أسرف في تقديره هذا فزاد أربعة آلاف (٧٣)؛ وهاهنا نجد زراعة القمح والشعير والذرة، واستخدم الناس واستئناس الحيوان، وزخرفة الفخار بزخارف بينها من التشابه في قواعد الرسم ما يدل على أنهم كانوا قد جمعوا تقاليد وبطانة في الفنون لعدة قرون سلفت (٧٤) والظاهر أن ثقافة تركستان سنة ٥٠٠٠ ق. م كانت قد قطعت من الزمن أشواطا؛ وربما كان بينهم إذ ذاك مؤرخون يضربون في أعماق ماضيهم عبثاً للبحث عن أصول المدنية، وفلاسفة أخذوا يندبون بعبارة فصيحة ما أصاب الجنس البشري إذ ذاك من تدهور كان يؤدي به إلى الموت. ولو اهتدينا بالخيال حيث يعزُّ علينا العلم الصحيح، لقلنا إنه من هذا المركز

стр. 198

هاجر الناس- يلوذون فراراً مما أصاب أرضهم من جفاف في المطر وجفاف في تربة الأرض- فساروا في اتجاهات ثلاثة، يحملون معهم ما لهم من فن ومدنية؛ فبلغت فنونهم- إن لم يبلغوا بفضيلتهم- أرض الصين ومنشوريا وأمريكا الشمالية من جهة الشرق؛ وبلغت شمال الهند في سيرها إلى الجنوب؛ ثم أدركت في طريقها نحو الغرب بلاد "عيلام" و "سومر" ومصر؛ بل إيطاليا وأسبانيا كذلك (٧٥)؛ فقد وجدت في "سوزا" وهي في "عيلام" القديمة (فارس الحديثة) آثار تشبه في نمطها آثار "أناو" شبهاً يكاد يبرر للخيال الذي يعيد قوته صورة الماضي، أن يفترض أنه قد كان بين "سوزا" و "أناو" صلات ثقافية في فجر المدنية (أي حول سنة ٤٠٠٠ ق. م) (٧٦) وكذلك يوجد شَبَه كهذا في الفنون والمنتجات القديمة يوحي بوجود علاقة كهذه بين بلاد ما بين النهرين ومصر فيما قبل التاريخ، وبوجود ارتباط يدل على اتصال مجرى المدنية. ويستحيل علينا أن نعلم علم اليقين أيّ هذه الثقافات جاء أولا، وليس ذلك بكبير الأهمية، لأنها جميعاً كانت في جوهرها أفراد أسرة واحدة ونمط واحد، فلو كان لنا أن نخالف الرأي الشائع الذي اكتسب احتراما لقِدَمه، بحيث نضع "عيلام" و"سومر" قبل مصر، فلسنا نصدر في ذلك عن عبث يريد مخالفة المعروف لذاتها، لكننا نعتمد على الحقيقة التي تدل على أن عمر هذه المدنيات الآسيوية، إذا قيس إلى مدنيات إفريقية وأوربا، يمتد طولا كلما ازداد علمنا بتلك المدنيات عمقا؛ فمجاريف علماء الآثار بعد أن قضت قرنا كاملا في بحثها المظفّر على ضفاف النيل، انتقلت في سيرها عبر السويس إلى جزيرة العرب وإلى فلسطين وبين النهرين وفارس، وهي كلما خطت في طريقها هذا، ازددنا ترجيحا مع تزايد المعرفة التي تعود علينا من أبحاثنا، أن الدلتا الخصيبة للأنهار التي تجري في أرض الجزيرة "ما بين النهرين" هي التي شهدت أول مناظر المسرحية التاريخية للمدنية الإنسانية، فيما نعلم.

стр. 199

الكتاب الأول الشرق الأدنى (١)

стр. 200

الباب السابع سومر (١) توجيه - فضل الشرق الأدنى على الحضارة الغربية لقد انقضى منذ بداية التاريخ المكتوب حتى الآن ما لا يقل عن ستة آلاف عام، وفي خلال نصف هذا العهد كان الشرق الأدنى مركز الشئون البشرية التي وصل إلينا علمها. وإذا ذكرنا هذا اللفظ المبهم لهذا الكتاب فإنا نقصد به جميع بلاد آسية الجنوبية الغربية الممتدة جنوب الروسيا والبحر الأسود، وغرب الهند وأفغانستان. وسنطلق هذا الاسم أيضا- وإن خرجنا في هذا على مقتضيات الدقة أكثر من ذي قبل- على مصر، لأن هذه البلاد كانت شديدة الاتصال بذلك الجزء من العالم كما كانت مركزا انتشرت منه الحضارة الشرقية. على هذا المسرح غير الدقيق التحديد الآهل بالسكان وبالثقافات المتباينة نشأت الزراعة والتجارة، والخيل المستأنسة والمركبات، وسكت النقود، وكتبت خطابات الاعتماد، ونشأت الحرف والصناعات، والشرائع والحكومات، وعلوم الرياضة والطب، والحقن الشرجية، وطرق صرف المياه، والهندسة والفلك، والتقويم والساعات، وصورت دائرة البروج، وعرفت الحروف الهجائية والكتابة، واخترع الورق والحبر، وألفت الكتب وشيدت المكتبات والمدارس، ونشأت الآداب والموسيقى والنحت وهندسة البناء، وصنع الخزف المطلي المصقول والأثاث الدقيق الجميل، ونشأت عقيدة التوحيد ووحدة الزواج، واستخدمت دهان التجميل والحلي، وعرف النرد والداما، وفرضت ضريبة الدخل، واستخدمت المرضعات وشربت الخمور- عرفت هذه الأشياء كلها واستمدت منها أوربا وأمريكا

стр. 201

ثقافتهما على مدى القرون عن طريق كريت واليونان والرومان. وقصارى القول أن "الآريين" لم يشيدوا صرح الحضارة- بل أخذوها عن بابل ومصر، وأن اليونان لم ينشئوا الحضارة إنشاء لأن ما ورثوه منها أكثر مما ابتدعوه. وكانوا الوارث المدلل المتلاف لذخيرة من الفن والعلم مضى عليها ثلاثة آلاف من السنين، وجاءت إلى مدائنهم مع مغانم التجارة والحرب. فإذا درسنا الشرق الأدنى وعظمنا شأنه، فإننا بذلك نعترف بما علينا من دين لمن شادوا بحق صرح الحضارة الأوربية والأمريكية، وهو دين كان يجب أن يؤدى من زمن بعيد.

стр. 202

الفصل الأول عيلام ثقافة السوس - عجلة الفخارى - عجلات المركبات إذ نظر القارئ إلى مصور لبلاد إيران ومر بإصبعه على نهر دجلة-مبتدئا من الخليج الفارسي حتى يصل إلى العمارة، ثم اتجه به شرقاً مخترقاً حدود العراق إلى مدينة شوشان الحديثة، إذا فعل هذا فقد حدد لنفسه موقع مدينة السوس القديمة- التي كانت فيما مضى مركز إقليم يسميه اليهود بلاد عيلام- أي الأرض العالية. في هذا الصقع الضيق الذي تحميه من غربة المنافع ومن شرقه الجبال الحافة بهضبة إيران العظيمة، أنشأ شعب من الشعوب لا نعرف أصله ولا الجنس الذي ينتمي إليه إحدى المدنيات الأولى المعروفة في تاريخ العالم. وقد وجد علماء الآثار الفرنسيون في هذا الإقليم منذ جيل مضى آثاراً بشرية يرجع عهدها إلى عشرين ألف عام، كما وجدوا شواهد تدل على قيام ثقافة راقية يرجع عهدها إلى عام ٤٥٠٠ ق. م (١). ويبدو أن أهل عيلام كانوا في ذلك الوقت قد خرجوا من الحياة البدوية، حياة صيد الحيوان والسمك، ولكنهم كانت لهم وقتئذٍ أسلحة وأدوات من النحاس، وكانوا يزرعون الحبوب ويؤنسون الحيوان، وكانت لهم كتابة مقدسة ووثائق تجارية، ومرايا وحلي، وتجارة تمتد من مصر إلى الهند (٣). ونجد بين أدوات الظران المسواة التي ترجع بنا إلى العصر الحجري الجديد مزهريات كاملة الصنع رشيقة مستديرة عليها رسوم أنيقة من أشكال هندسية أو صور جميلة تمثل الحيوان والنبات، تعد بعضها ما صنعه الإنسان في عهود التاريخ

стр. 203

كله (٤). ولسنا نجد في تلك البلاد أقدم ما عرف من عجلات الخزاف وحسب بل نجد فيها أيضاً أقدم ما عرف من عجلات المركبات، ذلك أنا لا نعثر مرة أخرى على هذه المركبة التي كان لها شأن متواضع، ولكنه شأن حيوي، في نقل المدينة من مكان إلى مكان، إلا بعد هذا الوقت في بلاد بابل، ثم بعد ذلك أيضا في مصر (٥). ثم انتقل العيلاميون من هذه البدايات المعقدة إلى حياة السلطان والغزو ذات الأعباء الثقال، فامتلكوا سومر وبابل ثم دارت عليهم الدائرة فاستولت عليهم هاتان الدولتان كلتاهما بعد الأخرى. وعاشت مدينة السوس ستة آلاف من السنين، شهدت في خلالهما عظمة إمبراطوريات سومر، وبابل، ومصر، وأشور، وفارس، واليونان، ورومة؛ وظلت باسم شوشان، مدينة مزدهرة حتى القرن الرابع عشر الميلادي. ومرت بها في خلال تاريخها الطويل فترات مختلفة نمت فيها ثروات نموا عظيما. وحسبنا شاهداً على هذا وصف المؤرخين لما عثر عليه فيها أشور بانيبال حين استولى عليها ونهبها في عام ٦٤٦ ق. م من ذهب وفضة، وحجارة كريمة، وجواهر ملكية، وثياب ثمينة، وأثاث فخم، ومركبات ساقها الفاتحون وراءهم إلى نينوى. ذكر المؤرخون هذه المغانم كلها ولم يحاولوا الانتقاص من شأنها أو الاستخفاف بها. وهكذا بدأ التاريخ دورته المحزنة فبدلها في وقت قصير من فنها المزدهر حربا وخرابا.

стр. 204

الفصل الثاني السومريون ١ - تاريخهم الكشف عن أرض سومر - جغرافيتها - أهلها وجنسيتهم - مظهرهم - الطوفان السومري - الملوك مصلح قديم - سرجون ملك أكاد - عصر أور الذهبي إذا عدنا إلى خريطة الشرق الأدنى وتتبعنا المجرى المشترك المكون من نهري دجلة والفرات من مصبه في الخليج الفارسي إلى أن ينفصل المجريان "عند بلدة القرنة الحديثة"، ثم تتبعنا نهر الفرات متجهين إلى الغرب، وجدنا في شماله وجنوبه المدن السومرية القديمة المطمورة هي: إريدو "أبوشهرين الحديثة" وأور "المُقَيَّر الحديثة" وأورك "وهي المسماة إرك في التوراة والمعروفة الآن باسم الوركاء" ولارْسا "المسماة في التوراة باسم إلاسار والمعروفة الآن باسم سنكرة" ولكش "سيبرلا الحديثة" ونبور "نفر". تتبع بعدئذ نهر الفرات في سيره نحو الشمال الغربي إلى بابل التي كانت في يوم من الأيام أشهر بلاد الجزيرة "أرض ما بين النهرين" تجد إلى شرقها مباشرة بلدة كش مقر أقدم ثقافة عرفت في هذا الإقليم، ثم سر بعدئذ مع النهر صعدا قرابة ستين ميلا حتى مقر أجاد قصبة مملكة أكد في الأيام الخالية. ولم يكن تاريخ أرض الجزيرة القديم من إحدى نواحيه إلا صراعا قامت به الشعوب غير السامية التي تسكن بلاد سومر لتحتفظ باستقلالها أمام الهجرات السامية والزحف السامي من كش وأجاد وغيرهما من مراكز العمران الشمالية. وكانت هذه الأجناس المختلفة الأصول في خلال هذا الصراع تتعاون دون أن تشعر بتعاونها- ولعلها كانت تتعاون على الرغم منها- لتقيم صرح

стр. 205

حضارة هي أول ما عرف من حضارة واسعة شاملة فذة، وهي من أعظمها إبداعا وإنشاء (١). وليس في وسعنا رغم ما قام به العلماء من بحوث أن نعرف إلى أية سلالة من السلالات البشرية ينتمي هؤلاء السومريون، أو أي طريق سلكوه حتى دخلوا بلاد سومر. ومن يدري لعلهم جاءوا من آسية الوسطى أو من بلاد القفقاس أو من أرمينية واخترقوا أرض الجزيرة من الشمال متتبعين في سيرهم مجريي دجلة

стр. 206

والفرات- حيث توجد- كما في أشور مثلا شواهد دالة على ثقافتهم الأولى. أو لعلهم قد سلكوا الطريق المائي من الخليج الفارسي- كما تروي الأساطير- أو من مصر أو غيرها من الأقطار، ثم اتخذوا سبيلهم نحو الشمال متتبعين على مهل النهرين العظيمين. أو لعلهم جاءوا من السوس حيث يوجد بين آثارها رأس من الأسفلت فيه خواص الجنس السومري كلها. بل إن في وسعنا أن نذهب إلى أبعد من هذا كله فنقول إنهم قد يكونون من أصل مغولي قديم موغل في القدم. ذلك بأن في لغتهم كثيراً من التراكيب الشبيهة بلسان المغول (٩)). لكن علم هذا كله عند علام الغيوب. وتدل آثارهم على أنهم كانوا قصار القامة ممتلئ الجسم، لهم أنوف شم مصفحة ليست كأنوف الأجناس السامية، وجباه منحدرة قليلا إلى الوراء، وعيون مائلة إلى أسفل. وكان كثيرون منهم ملتحين، وبعضهم حليقين، وكثرتهم العظمى يحفون شواربهم. وكانوا يتخذون ملابسهم من جلود الغنم، ومن الصوف المغزول الرفيع، وكانت النساء يسدلن من أكتافهن اليسرى مآزر على أجسامهن، أما الرجال فكانوا يشدونها على أوساطهم ويتركون الجزء الأعلى من أجسامهم عارياً. ثم علت أثواب الرجال مع تقدم الحضارة شيئاً فشيئاً حتى غطت جسمهم كله إلى الرقبة. أما الخدم رجالا كانوا أو نساء فقد ظلوا يمشون عراة من الرأس إلى وسط الجسم إذا كانوا في داخل البيوت. وكانوا في العادة يلبسون قلانس على رؤوسهم وأخفافاً في أقدامهم، ولكن نساء الموسرين منهم كن ينتعلن أحذية من الجلد اللين الرقيق غير ذات كعاب عالية، وذات أربطة شبيهة بأربطة أحذيتنا في هذه الأيام. وكانت الأساور والقلائد والخلاخيل والخواتم والأقراط زينة النساء السومريات التي يظهرن بها ثراء أزواجهن كما تظهره النساء الأمريكيات في هذه الأيام (١٠). ولما تقدم العهد بمدنيتهم- حوالي ٢٣٠٠ ق. م- حاول الشعراء والعلماء

стр. 207

السومريون أن يستعيدوا تاريخ بلادهم القديم. فكتب الشعراء قصصاً عن بداية الخلق، وعن جنة بدائية، وعن طوفان مروع غمر هذه الجنة وخربها عقاباً لأهلها على ذنب ارتكبه أحد ملوكهم الأقدمين (١١). وتناقل البابليون والعبرانيون قصة هذا الطوفان وأصبحت بعدئذ جزءاً من العقيدة المسيحية. وبينما كان الأستاذ َولي ينقب في خرائب أور عام ١٩٢٩ إذ كشف على عمق عظيم من سطح الأرض، عن طبقة من الغرين سمكها ثمان أقدام، رسبت - إذا أخذنا بقوله - على أثر فيضان مروع لنهر الفرات ظل عالقاً بأذهان الأجيال التالية ومعروفاً لديهم باسم الطوفان، وصفها الشعراء فيما بعد بأنها العصر الذهبي لتلك البلاد. وحاول الكهنة المؤرخون في هذه الأثناء أن يخلقوا ماضياً يتسع لنمو جميع عجائب الحضارة السومرية. فوضعوا من عندهم قوائم بأسماء ملوكهم الأقدمين، ورجعوا بالأسر المالكة التي حكمت قبل الطوفان إلى ٠٠٠ ر ٤٣٢ عام (١٢)، ورووا عن اثنين من هؤلاء الحكماء وهما تموز وجلجمش من القصص المؤثرة ما جعل ثانيهما بطل أعظم ملحمة في الأدب البابلي. أما تموز فقد انتقل إلى مجمع الآلهة البابليين، وأصبح فيما بعد أدونيس اليونان. ولعل الكهنة قد تغالوا بعض الشيء في قدم حضارتهم ولكن في وسعنا أن نقدر عمر الثقافة السومرية تقديراً تقريبياً إذا لاحظنا أن خرائب نبور تمتد إلى عمق ست وستين قدما، وأن ما يمتد منها أسفل آثار سرجون ملك أكد يكاد يعدل ما يمتد فوق هذه الآثار إلى أعلى الطبقات الأرضية (أي إلى بداية القرن الأول من التاريخ الميلادي). وإذا حسبنا عمر نبور على هذا الأساس رجع بنا إلى عام ٥٢٦٢ ق. م. ويلوح أن أسرا قوية من ملوك المدن مستمسكة بعروشها قد ازدهرت في كش حوالي عام ٤٥٠٠ ق. م وفي أور حوالي ٣٥٠٠ ق. م. وإنا لنجد في التنافس الذي قام بين هذين المركزين الأولين من مراكز الحضارة القديمة أول دور من

стр. 208

أدوار النزاع بين السامية وغير السامية، وهو النزاع الذي يكوَّن في تاريخ الشرق الأدنى مأساة دموية متصلة تبدأ من عظمة كش السامية وتستمر خلال فتوح الملكين الساميين سرجون الأول وحمورابي إلى استيلاء القائدين الآريين قورش والإسكندر على بابل في القرنين السادس والرابع قبل الميلاد، وإلى اصطراع الصليبيين والمسلمين لامتلاك قبر المسيح، وإلى التسابق التجاري، وتمتد إلى هذا اليوم الذي يحاول فيه البريطانيون جاهدين أن يسيطروا على الأقوام الساميين المنقسمين على أنفسهم في الشرق الأدنى وينشروا السلام في ربوعه. وبعد عام ٣٠٠٠ ق. م تروى السجلات المكونة من ألواح الطين التي كان الكهنة يحتفظون بها، والتي وجدت في خرائب أور، قصة دقيقة دقة لا بأس بها عن قيام ملوك المدائن وتتويجهم وانتصارهم غير المنقطع وجنائزهم الفخمة في مدن أور ولكش وأرك وما إليها. وما أكثر ما غالى المؤرخون في هذا الوصف، لأن كتابة التاريخ وتحيز المؤرخين من الأمور التي يرجع عهدها إلى أقدم الأزمان. وكان واحد من هؤلاء الملوك وهو أوروكاجينا ملك لكش ملكاً مصلحاً ومستبداً مستنيراً، أصدر المراسيم التي تحرم استغلال الأغنياء للفقراء واستغلال الكهنة لكافة الناس. وينص أحد هذه المراسيم على أن الكاهن الأكبر يجب "ألا يدخل بعد هذا اليوم إلى حديقة الأم الفقيرة ويأخذ منها الخشب أو يستولي على ضريبة من الفاكهة". وخفضت رسوم دفن الموتى إلى خمس ما كانت عليه، وحرم على الكهنة وكبار الموظفين أن يقتسموا فيما بينهم ما يقربه الناس قرباناً للآلهة من أموال أو ماشية. وكان مما يباهى به الملك أنه "وهب شعبه الحرية". وما من شك في أن الألواح التي سجلت فيها مراسيمه تكشف عن أقدم القوانين المعروفة في التاريخ وأقلها ألفاظاً وأكثرها عدلا. واختتمت هذه الفترة الواضحة من تاريخ أور كما تختتم في العادة مثيلاتها من الفترات على يد رجل يدعى لوجال- زجيزي، غزا لكش وأطاح بأوروكاجينا

стр. 209

ونهب المدينة وهي في أوج عزها ورخائها، وهدم معابدها وذبح أهلها في الطرقات، وساق أمامه تماثيل الآلهة أسيرة ذليلة. ومن أقدم القصائد المعروفة في التاريخ قصيدة كتبت على لوح من الطين لعل عمرها يبلغ ٤٨٠٠ سنة يرثى فيها الشاعر السومري دِنْجِرِ دَّامو انّهاب إلهة لكش ويقول فيها: وا أسفاه! إن نفسي لتذوب حسرة على المدينة وعلى الكنوز وا أسفاه! إن نفسي لتذوب حسرة على مدينتي جرسو "لكش" وعلى الكنوز إن الأطفال في جرسو المقدسة لفي بؤس شديد لقد استقر "الغازي" في الضريح الأفخم وجاء بالملكة المعظمة من معبدها أي سيدة مدينتي المقفرة الموحشة متى تعودين؟ ولا حاجة بنا إلى الوقوف عند السفاح لوجال- زجيزي وغيره من الملوك السومريين ذوي الأسماء الطنانة الرنانة أمثال لوجال- شجنجور، ولوجال- كيجوب- تدودو، وننيجي- دبتي، ولوجال- أندرنوجنجا … وفي هذه الأثناء كان شعب آخر من الجنس السامي قد أنشأ مملكة أكد بزعامة سرجون الأول، واتخذ مقر حكمه في مدينة أجاد على مسيرة مئتي ميل أو نحوها من دول المدن السومرية من ناحية الشمال الغربي. وقد عثر في مدينة سومر على أثر ضخم مكون من حجر واحد يمثل سرجون ذا لحية كبيرة تخلع عليه كثيراً من المهابة، وعليه من الثياب ما يدل على الكبرياء وعظيم السلطان. ولم يكن سرجون هذا من أبناء الملوك: فلم يعرف التاريخ له أباً، ولم تكن والدته غير عاهرة من عاهرات المعابد (١٦). ولكن الأساطير السومرية اصطنعت له سيرة روتها على لسانه شبيهة في بدايتها بسيرة موسى، فهو يقول: "وحملت بي أمي الوضيعة الشأن، وأخرجتني إلى العالم سراً ووضعتني في قارب من السل كالسلة وأغلقت علىَّ

стр. 210

الباب بالقار" (١٧). وأنجاه أحد العمال، وأصبح فيما بعد ساقي الملك، فقربه إليه، وزاد نفوذه وسلطانه. ثم خرج على سيده وخلعه وجلس على عرش أجاد، وسمى نفسه "الملك صاحب السلطان العالي" وإن لم يكن يحكم إلا قسما صغيراً من أرض الجزيرة. ويسميه المؤرخون سرجون "الأعظم" لأنه غزا مدناً كثيرة، وغنم مغانم عظيمة، وأهلك عدداً كبيراً من الخلائق. وكان من بين ضحاياه لوجال- زجيزي نفسه الذي نهب لكش وانتهك حرمة إلهتها، فقد هزمه سرجون وساقه مقيداً بالأغلال إلى نبور. وأخذ هذا الجندي الباسل يخضع البلاد شرقاً وغرباً، شمالاً وجنوباً، فاستولى على عيلام وغسل أسلحته في مياه الخليج الفارسي العظيم رمزاً لانتصاراته الباهرة، ثم اجتاز غرب آسية ووصل إلى البحر الأبيض المتوسط (١٨)، وظل يحكمها خمساً وخمسين سنةً، وتجمعت حوله الأساطير فهيأت عقول الأجيال التالية لأن تجعل منه إلهاً. وانتهى حكمه ونار الثورة مشتعلة في جميع أنحاء دولته. وخلفه ثلاثة من أبنائه كل منهم بعد أخيه. وكان ثالثهم نارام - سِنْ بنَّاء عظيما وإن لم يبق من أعماله كلها إلا لوحة تذكارية تسجل انتصاره على ملك خامل غير ذي شأن. وقد عثر ده مورجان على هذه اللوحة ذات النقش البارز في مدينة السوس عام ١٨٩٧، وهي الآن من كنوز متحف اللوفر، وتمثل نارام- سِنْ رجلاً مفتول العضلات، مسلحاً بالقوس والسهام، يطأ بقدميه في خيلاء الملوك أجسام من ظفر بهم من أعدائه. ويدل مظهره على أنه يتأهب لأن يرد بالموت العاجل على توسل أعدائه المنهزمين واسترحامهم. وصور بين هؤلاء الأعداء أحد الضحايا وقد أصابه سهم اخترق عنقه فسقط على الأرض يحتضر، وتطل على هذا المنظر من خلفه جبال زجروس. وقد سجل انتصار نارام- سِنْ على أحد التلال بكتابة مسمارية جميلة. وتدل هذه اللوحة على أن فن النحت قد توطدت وقتئذ قواعده وأصبحت له تقاليد مرعية طويلة الأمد.

стр. 211

على إن إحراق مدينة من المدن لا يكون في جميع الأحوال من الكوارث الأبدية التي تبتلى بها، بل كثيراً ما يكون نافعاً لها من الناحيتين العمرانية والصحية. وهذه القاعدة تنطبق على لكش في ذلك العهد، فقد ازدهرت هذه المدينة من جديد قبل أن يحل القرن السادس والعشرون قبل الميلاد، وذلك في عهد ملك آخر مستنير يدعى جوديا تعد تماثيله القصيرة المكتنزة أشهر ما بقى من آثار فن النحت السومري. وفي متحف اللوفر تمثال له من حجر الديوريت يمثله في موقف من مواقف التقوى، ورأسه ملفوف بعصابة ثقيلة كالتي نشاهدها في التماثيل المقامة في مسرح الكولوسيوم، ويداه مطويتان في حجره، وكتفاه

стр. 212

وقدماه عارية، وساقاه قصيرتان ضخمتان يغطيهما ثوب نصفي مطرز بطائفة كبيرة من الكتابة المقدسة. وتدل ملامحه القوية المتناسبة على أنه رجل مفكر، عادل، حازم، دمث الأخلاق. وكان رعاياه يجلونه، لا لأنه جندي محارب، بل لأنه فيلسوف مفكر أشبه ما يكون بالإمبراطور ماركس أوريليوس الروماني، يختص بعنايته الشؤون الدينية والأدبية والأعمال النافعة الإنشائية، شاد المعابد، وشجع دراسة الآثار القديمة بالروح التي تدرسها بها البعثات التي كشفت عن تمثاله، ويحد من سلطان الأقوياء رحمة بالضعفاء. ويفصح نقش من نقوشه التي عثر عليها عن سياسته التي من أجلها عبده رعاياه واتخذوه إلهاً لهم بعد موته: "في خلال سبع سنين كانت الخادمة نداً لمخدومتها، وكان العبد يمشي بجوار سيده، واستراح الضعيف في بلده بجوار القوي" (١٩). وفي هذه الأثناء كانت "أور مدينة الكلدان" تنعم بعهد من أكثر عهودها الطوال رخاءً وازدهاراً، امتد من عام ٣٥٠٠ ق. م "وهو على ما يلوح عهد أقدم مقابرها" إلى عام ٧٠٠ ق. م وأخضع أعظم ملوكها أور- انجور جميع بلاد آسيا الغربية ونشر فيها لواء السلام وأعلن في جميع الدولة السومرية أول كتاب شامل من كتب القانون في تاريخ العالم. وفي ذلك يقول: "لقد أقمت إلى أبد الدهر صرح العدالة" (٢٠). ولما زادت ثروة أور بفضل التجارة التي انصبت إليها صبا عن طريق نهر الفرات فعل فيها ما فعل بركليز بأثينا من بعده فشرع يجملها بإنشاء الهياكل، وأقام فيها وغيرها من المدائن الخاضعة له أمثال لارسا وأوروك ونبور كثيراً من الأبنية. وواصل ابنه دنجى طوال حكمه الذي دام ثمانية وخمسين عام أعمال أبيه، وحكم البلاد حكماً عادلاً حكيماً، جعل رعاياه يتخذونه من بعد موته إلهاً، ويصفونه بأنه الإله الذي أعاد إليهم جنتهم القديمة. لكن سرعان ما أخذ هذا المجد يزول، فقد انقض على أور التي كانت تنعم

стр. 213

وقتئذ بالرخاء والفراغ والسلم أهل عيلام ذوو الروح الحربية من الشرق، والعموريون الذين علا شأنهم وقتئذ من الغرب، وأسروا ملكها، ونهبوها ودمروها شر تدمير. وأنشأ شعراء أور القصائد التي يندبون فيها انتهاب تمثال إشتار أمهم الإلهة المحبوبة التي انتزعها من ضريحها الغزاة الآثمون. ومن الغريب أن هذه القصائد التي صيغت في صيغة المتكلم، وأسلوبها مما لا تسر منه الأدباء السفسطائيين، ولكننا على الرغم من هذا نحس من خلال الأربعة آلاف من السنين التي تفصل بيننا وبين الشاعر السومري بما حل بالمدينة وأهلها من خراب وتدمير. يقول الشاعر: لقد انتهك العدو حرمتي بيديه النجستين؛ انتهكت يداه حرمتي وقضى على من شدة الفزع. آه، ما اتعس حظي! إن هذا العدو لم يظهر لي شيئاً من الاحترام، بل جرّدني من ثيابي وألبسها زوجه هو، وانتزع مني ُحليي وزين بها أخته، وأنا "الآن" أسيرة في قصوره- فقد أخذ يبحث عني في ضريحي- واحسرتاه. لقد كنت ارتجف من هول اليوم الذي اخرج فيه، فقد أخذ يطاردني في هيكلي، وقذف الرعب في قلبي، هناك بين جدران بيتي؛ وكنت كالحمامة ترفرف ثم تحط على رافدة، أو كالبومة الصغيرة اختبأت في كهف، وأخذ يطاردني في ضريحي كما يطارد الطير، طاردني من مدينتي كما يطارد الطير وأنا أتحسر وأنادي "إن هيكلي من خلفي، ما أبعد المسافة بينه وبيني وهكذا ظلت بلاد سومر خاضعة لحكم العيلاميين والعموريين مائتي عام تبدو لأعيننا كأنها لحظة لا خطر لها.

стр. 214

ثم أقبل من الشمال حمورابي العظيم ملك بابل واستعاد من العيلاميين أوروك وإيسين، وظل ساكناً ثلاثاً وعشرين سنة غزا بعدها بلاد عيلام، وقبض على ملكها، وبسط حكمه على عمور وأشور النائية، وأنشأ إمبراطورية لم يعهد لها التاريخ من قبل لها مثيلاً في قوتها، وسن لها قانوناً عاماً نظم شئونها. وظل الساميون بعد ذلك الوقت قروناً كثيرة يحكمون ما بين النهرين حتى قامت دولة الفرس، فلم نعد نسمع بعدئذ شيئا عن السومريين إذ طويت صحفهم القليلة في كتاب التاريخ. ٢ - الحياة الاقتصادية الزراعة - الصناعة - التجارة - طبقات الناس - العلوم انقضى عهد السومريين، ولكن حضارتهم لم ُيقض عليها، فقد ظلت سومر وأكد تخرجان صناعاً وشعراء وفنانين وحكماء ورجال دين، وانتقلت حضارة المدن الجنوبية إلى الشمال على طول مجرى نهر الفرات ودجلة حتى وصلت إلى بلاد بابل وأشور، وكانت هي التراث الأول لحضارة بلاد الجزيرة. وكان أساس هذه الثقافة وتربة الأرض التي أخصبها فيضان النهرين السنوي، وهو الفيضان الناشئ من سقوط الأمطار الشتوية. وكان هذا الفيضان ضاراً ونافعاً، فقد هدا السومريين إلى أن يجروا ماءه جرياناً أميناً في قنوات للري تخترق البلاد طولاً وعرضاً؛ وقد خلدوا أخطاره الأولى بالقصص التي تتحدث عن فيضان عظيم طغى على الأرض ثم انحسر عنها آخر الأمر ونجا الناس من شره (٢٣). وكان نظام الري المحكم الذي يرجع عهده إلى أربعة آلاف سنة ق. م من أعظم الأعمال الإنشائية في الحضارة السومرية، وما من شك في أنه كان أيضا الأساس الذي قامت عليه. فقد أخرجت الحقول التي عنوا بريها وزرعها محصولات موفورة من الذرة والشعير والقمح والبلح والخضر الكثيرة

стр. 215

المختلفة الأنواع، وظهر عندهم المحراث من أقدم العصور تجره الثيران كما كانت تجره في بلادنا حتى الأمس القريب. وكان يتصل به أنبوبة مثقوبة لبذر البذور. وكانوا يدرسون المحاصيل بعربات كبيرة من الخشب ركبت فيها أسنان من الظران تفتت القش ليكون علفاً للماشية، وتفصل منه الحب ليكون طعاماً للناس (٢٤). ولقد كانت هذه الثقافة بدائية من نواحٍ كثيرة فقد كان السومريون يستخدمون النحاس والقصدير، وكانوا يخلطونهما في بعض الأحيان ليصنعوا منهما البرونز، وبلغ من أمرهم أنهم كانوا من حين إلى حين يصنعون من الحديد آلات كبيرة (٢٥). ولكن المعادن مع هذا كانت نادرة الوجود قليلة الاستعمال؛ وكانت كثرة الآلات السومرية تتخذ من الظران، وبعضها، كالمناجل التي يقطع بها الشعير، يصنع من الطين؛ أما الدقيق منها كالإبر والمثاقب فكان يصنع من العاج والعظام (٢٦). وكانت صناعة النسيج واسعة الانتشار يشرف عليها مراقبون يعينهم الملك (٢٧) على أحدث طراز من الإشراف الحكومي على الصناعات عرف حتى الآن. وكانت البيوت تبنى من الغاب تعلوه لبنات من الطين والقش تعجن بالماء وتجفف بالشمس. ولا يزال من اليسير العثور على منازل من هذا الطراز في الأرض التي كانت من قبل بلاد سومر، وكان لهذه الأكواخ أبواب من الخشب تدور في أوقاب منحوتة من الحجارة، وكانت أرضها عادة من الطين، وسقفها مقوسة تصنع من الغاب المثنى إلى أعلى، أو مستوية مصنوعة من الغاب المغطى بالطين المبسوط فوق دعامات من الخشب. وكانت البقر والضأن والخنازير تجول في المساكن في رفقة الإنسان البدائية وكان ماء الشرب يؤخذ من الآبار (٢٨). وأكثر ما كانت تنقل البضائع بطريق الماء. ولما كانت الحجارة نادرة الوجود في بلاد سومر فقد كانت تنقل إليها من خارج البلاد عن طريق الخليج الفارسي أو من أعالي النهرين، ثم تحمل في القنوات إلى أرصفة المدن النهرية.
следующие страницы →