بذلك رحلة لم يسبق لأسطول حديث أن ارتحل مثلها طولاً، وذلك لكي يقابل اليابان في مياهها وجهاً لوجه؛ غير أن الأميرال "توجو" استعان لأول مرة في تاريخ الأساطيل البحرية باللاسلكي، وظل على علم متصل بسير الأسطول الروسي، ثم وثب عليه وثبة قوية في مضيق تسوشيما في السابع والعشرين من شهر مايو سنة ١٩٠٥، وأبرق "توجو" لقادته جميعاً رسالة تصور نفسية اليابان كلها. إذ قال: "إن نهوض الإمبراطورية أو سقوطها يتوقف على هذه المعركة" (١٠)، فقتل من اليابانيين فيها ١١٦، وجرح منهم ٥٣٨، وأما الروس فقتل منهم أربعة آلاف، وأسر سبعة آلاف، وأغرقت أو أسرت كل سفنهم إلا ثلاثاً.
كانت "موقعة بحر اليابان" نقطة تحول في مجرى التاريخ الحديث؛ فهي لم تقتصر على إيقاف التوسع الروسي في الأراضي الصينية، بل أوقفت كذلك سيطرة أوربا على الشرق، وبدأت ذلك البعث الذي اشتمل آسيا، والذي يبشر بأن يكون محور الحركات السياسية كلها في هذا القرن الحاضر؛ ذلك أن آسيا كلها قد دبت فيها الحماسة حين رأت الإمبراطورية الجزرية الصغيرة تهزم أكثر دول أوربا عمراناً بأهلها، فدبرت الصين خطة لثورتها، وبدأت تحلم بحريتها، أما اليابان، فلم يَطُف ببالها أن توسع من نطاق الحرية، بل فكرت في الزيادة من سلطانها؛ فانتزعت من روسيا اعترافاً بأن لليابان المكانة العليا في كوريا، ثم ما جاءت سنة ١٩١٠ حتى أعلنت اليابان نهائياً ضم كوريا إليها رسمياً، وهي تلك المملكة القديمة التي بلغت من المدنية يوماً شأناً عظيماً، فلما مات الإمبراطور "ميجي" عام ١٩١٢، بعد حياة طويلة طيبة أنفقها حاكماً وفناناً وشاعراً استطاع أن يحمل معه إلى الآلهة الذين انسلوا اليابان رسالة بأن الأمة التي خلقوها، والتي كانت في بداية حكمه لعبة في يد الغرب الفاجر، قد باتت اليوم رفيعة المكانة في الشرق، وقطعت شوطاً بعيداً في طريقها نحو أن تكون محوراً للتاريخ كله.
стр. 1542
الفصل الثاني
الانقلاب الصناعي
حركة التصنيع - المصانع - الأجور -
الإضرابات - الفقر - وجهة نظر اليابان
لم تلبث اليابان نصف قرن إلا وقد غيرت كل وجه من أوجه حياتها؛ فتحرر الفلاح رغم فقره، وأصبح في مستطاعه أن يملك جزءاً متواضعاً من الأرض يدفعه ضريبة سنوية أو أجراً سنوياً للدولة، ولم يكن من حق أحد من سادة الإقطاع أن يقف في سبيله لو أراد أن يترك الزراعة ليلتمس وسيلة رزقه في المدن؛ ذلك لأن مدناً عظمى قامت عندئذ على طول الساحل؛ منها "طوكيو" (التي معناها العاصمة الشرقية) بقصورها الملكية والأرستقراطية وحدائقها الفسيحة وحماماتها المزدحمة وعدد سكانها الذي لم يفقها فيه إلا لندن ونيويورك، ومنها "أوساكا" التي كانت في سابق عهدها قرية للسّماكة وحصناً، فأصبحت اليوم جباً مظلماً من الأكواخ الحقيرة والمصانع وناطحات السحاب، وهي مركز الصناعات في اليابان، ومنها "يوكوهاما" و "كوبي" اللتين ترسلان من مرفأيهما الهائلين المعدين بكل ضروب الآلات الحديثة، تلك الصناعات إلى مئات المواني، محملة على ثاني أسطول تجاري في العالم (١).
واستعانت البلاد في وثبتها من نظام الإقطاع إلى النظام الرأسمالي باستخدامها لكل وسيلة ممكنة استخداماً لم يسبق له نظير؛ فاستدعت الخبراء الأجانب الذين وجدوا من مساعديهم اليابانيين طاعة المتحرق لمعرفة إرشاداتهم؛ ولم
стр. 1543
تمض خمسة عشر عاماً، حتى تقدم المتعلمون الأذكياء فيما تعلموه تقدماً أتاح لليابان أن تدفع للأخصائيين الأجانب آخر أجورهم وأن ترسلهم إلى أوطانهم بكل إجلال؛ واقتفت اليابان أثر ألمانيا، فاستولت الحكومة على البريد والسكك الحديدية والتلغراف والتليفون؛ لكنها في الوقت نفسه عرضت قروضاً سخية لمن يريد أن ينهض لنفسه بصناعة ما، وجعلت تحمي تلك الصناعات الخاصة بالضرائب الجمركية العالية، من منافسة المصانع الأجنبية في سائر الأقطار؛ واستعانت البلاد بالتعويض المالي الذي أخذته من الصين بعد حرب سنة ١٨٩٤ على تمويل حركة التصنيع في اليابان وتشجيع الصناعات، على نحو ما استعانت ألمانيا بالتعويض الفرنسي سنة ١٨٧١ على استحثاث حركة التصنيع في أرضها؛ وشبهت اليابان ألمانيا قبل ذلك بجيل واحد، في قدرتها على البدء بآلات حديثة مقرونة بطاعة من العمال كالتي سادت في عصور الإقطاع، على حين كانت الدول الأخرى المنافسة لهما، تعاني من آلات قديمة وعمال ثائرين؛ وكانت مصادر القوة في اليابان رخيصة والأجور قليلة، كما كان العمال يخضعون لرؤسائهم خضوع الولاء؛ لهذا تأخرت عندهم قوانين تنظيم المصانع، وفرضت على العمال فرضاً لا عنف فيه (١٢)؛ وفي سنة ١٩٣٣ كنت ترى مغازل "أوساكا" الجديدة لا تحتاج إلى أكثر من فتاة واحدة لكل خمس وعشرين آلة، بينما كانت مغازل لانكشير القديمة تتطلب رجلاً لكل ست آلات (١٣).
وتضاعف عدد المصانع ما بين ١٩٨٠ و ١٩١٨؛ ثم تضاعف مرة أخرى بين ١٩١٨ و ١٩٢٤، حتى إذا ما كانت ١٩٣١ زادت المصانع نصف عددها (١٤) بينما كانت الصناعة في الغرب عندئذ تخوض أغوار أزمة عميقة؛ وفي سنة ١٩٣٣ كانت لليابان الصدارة الأولى في تصدير المنسوجات، بحيث أرسلت بليوني ياردة من الخمسة بلايين ونصف البليون من ياردات المنسوجات القطنية التي استهلكها العالم في ذلك العام (١٥)؛ وفي سنة ١٩٢١
стр. 1544
تنازلت عن معيار الذهب، وسمحت لعملتها الـ "ين" أن تهبط إلى أربعين في المائة من قيمتها السابقة في التجارة الدولية، وبذلك استطاعت أن ترفع مبيعاتها في الخارج خمسين في المائة عما كانت بين عامي ١٩٣٢ و ١٩٣٣ (١٦)؛ وازدهرت التجارة الداخلية كما ازدهرت التجارة الخارجية، وأتيح لأسرات تجارية كبرى، مثل أسرتي "متسوي" و "متسوبيشي" أن تكدسا ثروة طائلة جعلت رجال الجيش يتحالفون مع طبقات العمال في حركة ترمي إلى جعل الحكومة تتولى بنفسها، أو تفرض رقابتها على الصناعة والتجارة (١).
وبينما كان التقدم التجاري يخلق طبقة وسطى جديدة من الأغنياء، كان العمال الذين ينتجون بأيديهم يتحملون عبء الأثمان المنخفضة التي جعلتها اليابان أداة تهزم بها منافساتها في الأسواق العالمية؛ فكان متوسط أجر العامل سنة ١٩٣١ - ١. ١٧ من الريال كل يوم، ومتوسط أجر العاملة ٤٨ سنتاً في اليوم؛ وكان واحد وخمسون في كل مائة من العمال نساء، كما كان اثنتا عشر في كل مائة ممن تقل سنهم عن ستة عشر عاماً (٢)، وكانت الإضرابات كثيرة الوقوع،
стр. 1545
والشيوعية تزداد اتساعاً، حتى هبت على البلاد روح الحرب سنة ١٩٣١، فنفخت في الناس وطنية دعتهم إلى التعاون والتماسك؛ وحرم القانون "الآراء الخطيرة"، وفرضت قيود شديدة على نقابات العمال التي لم تبلغ قط مبلغ القوة في اليابان (٢٠) واتسعت رقعة المساكن الفقيرة في أوساكا وكوبي وطوكيو، فقد كانت الأسرة ذات الخمسة أعضاء في طوكيو تسكن من تلك المنازل الفقيرة غرفة تبلغ في المتوسط من ثماني أقدام إلى عشرة أقدام مربعة - وهي مساحة لا تزيد إلا قليلاً عن المساحة التي يشغلها سرير لشخصين؛ وكان يسكن في أمثال هذه المساكن في مدينة كوبي عشرون ألفاً من المتسولين والمجرمين والشائهين والبغايا، كانوا يسكنون في قذارة بلغت حداً جعل الوباء يتفشى فيهم مرة كل عام، وزادت نسبة الوفيات في الأطفال أربعة أمثال ما كانت عليه في بقية اليابان (٢١)، ونهض شيوعيون مثل "كاتاياما"، واشتراكيون مسيحيون مثل "كاجاوا" يقاومون بالعنف أو باللين تلك الحالة السيئة، حتى استيقظت الحكومة آخر الأمر وقامت بحركة تطهيرية لتلك المساكن الفقيرة، لم يشهد التاريخ أعظم منها.
وقد كتب "لافكاديو هيرن" منذ جيل، يعبر عن رأيه الناقم على النظام الحديث في اليابان، فقال:
"إن التاريخ لم يشهد قط فيما مضى أمثال هذه الألوان من البؤس التي تجد مجالها في ظل النظام الجديد؛ وتستطيع أن تكوّن لنفسك صورة تقريبية عن هذا البؤس، إذا عرفت أن عدد الفقراء في طوكيو الذين يعجزون عن دفع ضريبة المسكن، يربو على خمسين ألفاً، ومع ذلك فهذه الضريبة لا تزيد قيمتها على عشرين "سنًّا" وهو ما يقابل عشرين "سنتا" بالعملة الأمريكية؛ ولم يكن في أي جزء من أجزاء اليابان مثل هذا العوز قبل أن تتراكم الثروة في أيدي نفر قليل - إلا إذا استثنينا بالطبع الأعقاب المؤقتة التي تلحق عهود الحرب" (٢٢).
ولاشك أن "تراكم الثروة في أيدي نفر قليل" عامّ في العالم كله، والظاهر
стр. 1546
أنه عامل مصاحب للمدنية لا يتخلف؛ ويقول الممولون اليابانيون، إن أجور العمال هناك ليست أقل مما ينبغي إذا روعي عدم كفايتهم في العمل نسبياً، وإذا روعي إلى جانب ذلك رخص العيش في اليابان (٢٣)، والرأي في اليابان هو أن الأجور المنخفضة شرط لازم لانخفاض الأسعار، وانخفاض الأسعار شرط لازم للسيطرة على الأسواق الخارجية، والأسواق الخارجية شرط لازم لصناعة تعتمد على حديد وفحم يستوردان من الخارج؛ والصناعة شرط لازم لسد حاجات شعب يتزايد عدده في جزء لا تصلح الزراعة إلا في اثني عشر في كل مائة جزء من أجزاء أرضها، وهي كذلك ضرورية لاكتساب الثروة وإعداد السلاح اللذين بغيرهما لا تستطيع اليابان أن تحمي نفسها ضد عدوان الغرب.
стр. 1547
الفصل الثالث
الانقلاب الثقافي
التغيير في الشباب - وفي آداب السلوك - الخلق الياباني - الأخلاق
والزواج في مرحلة انتقال - الدين - العلم - الطب في اليابان - الفن
والذوق - اللغة والتعليم - القصص الطبيعي - صورة جديدة من الشعر
إنا لنسأل هل تغير الشعب نفسه نتيجة للانقلاب الصناعي؟ إن العين لتلمح بعض ألوان التجديد؛ فالبدلة الأوربية المقبضة ذات الشعبتين، قد سيطرت على معظم سكان المدن ولَفَّتْ أبدانهم، غير أن النساء مازلن يرتدين ثياباً فضفاضة زاهية الألوان، يربطها عند الوسط شريط مزخرف يلتئم طرفاه بعقدة عريضة عند الظهر (١)، وكلما أصلحت الطرق حلت الأحذية محل القباقيب الخشبية؛ غير أن نسبة كبيرة من الجنسين ما تزال تمشي بأقدام حافية سليمة من التشويه؛ وإذا نظرت خلال المدن الكبرى ألفيت كل ضروب التشكيلات والتركيبات التي تجمع بين الثياب الوطنية والثياب الغربية، كأنما أرادوا بذلك أن يرمزوا إلى تحول اسُتعجلَت خطواته فابتُسر ابتساراً.
ولا تزال آداب المعاملة عندهم نموذجاً "للتشريفات" الدبلوماسية، ولو أن الرجال ما برحوا عند عادتهم القديمة في تقدمهم على النساء، إذا ما دخلوا غرفة أو خرجوا منها، أو مشوا في الطريق؛ واللغة عندهم نسيج وحدها في احتشامها، فقلَّ أن يداخلها فحش في اللفظ، وتراهم يكسون بغطاء ظاهري من التواضع احتراماً للنفس يبلغ حد التوحش، وآداب السلوك قد تبلغ من رقتها حداً يلطف من حدة العداوة مهما بلغت من استيلائها على النفوس،
стр. 1548
والخلق الياباني - شأنه شأن الخلق الإنساني في كل بقاع الأرض - مؤلف من أشتات متناقضة، لأن الحياة تضعنا في ظروف مختلفة كل حين، وتتطلب منا أن نأخذها بالشدة حيناً والرقة حيناً، وباليسر حيناً وبالصرامة حيناً، وبالصبر حيناً والشجاعة حيناً، وبالتواضع حيناً والكبرياء حيناً، لهذا لا ينبغي لنا أن نأخذ على أهل اليابان جمعهم بين العاطفية والواقعية، وبين رقة الإحساس وصرامة الجد في الحياة، وبين طلاقة التعبير والكتمان، وبين سرعة التأثر وكبح الجماح؛ إنهم يغلب عليهم المرح والفكاهة وحب المتعة، ويميلون إلى الانتحار الذي يروع المتفرج بمنظره، وهم رقاق القلب - نحو الحيوان غالباً ونحو المرأة أحياناً - لكنهم قساة في بعض الأحيان على الحيوان والرجال (١)، وإن الياباني الصادق في يابانيته ليتصف بكل صفات الجندي المحارب - الاعتداد والشجاعة والاستعداد لملاقاة الموت استعداداً لا يضارعه فيه مضارع؛ ومع ذلك كله تراه في كثير من الأحيان يحمل بين جنبيه روح الفنان - فهو مرهف الحس سهل التأثر رقيق نشيط محب للاطلاع والبحث ذو ولاء وصبر، وله قابلية شديدة لاستيعاب التفصيلات، وهو ذو دهاء وحيلة ككل ذي جسد ضئيل، وذكاؤه وقّاد، تراه لا يبرع في الخلق الفكري، لكنه قادر على الفهم السريع والاقتباس والمهارة العملية؛ ولقد اجتمعت في الياباني روح الرجل الفرنسي وغروره، وشجاعة البريطاني وضيق أفقه، وحرارة الإيطالي واستعداده للفنون، ونشاط الأمريكي وميله للتجارة، وحساسية اليهودي ودهاؤه.
ثم جاء اتصالهم بالغرب وصراعهم معه، فغيروا حياة اليابان الأخلاقية
стр. 1549
وطرائق السلوك فيها، غير أن أمانتهم التقليدية (١) لا تزال قائمة بينهم إلى حد كبير، وإن يكن التوسع في حقوق الانتخاب وحدَّة التنافس التي تلازم التجارة الحديثة، قد أدخلا اليابان نصيبها النسبي من الرشوة التي هي من خصائص الحكم الديمقراطي، والقسوة التي تتصف بها الحياة الصناعية، وخفة اليد في عالَم المال؛ نعم إن "خُلُق الفرسان" (ويسمونه بوشيدو) لا يزال باقياً هنا وهناك بين طبقات الجنود العليا، ولذا فهو بمثابة الضابط الأرستقراطي الخفيف للجموح الشيطاني الذي استولى على عالمي التجارة والسياسة؛ والاغتيال كثير الوقوع على الرغم مما تتصف به عامة الناس من طاعة القانون والصبر على أحكامه - والاغتيال هناك لا يقع خلاصاً من استبدادية رجعية، بل يقع عادة لتشجيع روح الوطنية التي لا تبالي الاعتداء؛ من ذلك أن "جمعية الأفعوان الأسود" التي يرأسها "توياما" الذي يبدو في مظهر المنبوذ، قد كرست نفسها أكثر من أربعين عاماً، لبث سياسة غزو كوريا ومنشوريا بين أصحاب المناصب الحكومية في اليابان (٢)، وقد اتخذت الاغتيال أداة للوصول إلى هذا الغرض، ومنها اكتسب الاغتيال مهمة شعبية ظل يقوم بها في تحريك العالم السياسي في اليابان (٢٦).
لقد شارك الشرق الأقصى بلاد الغرب في الاضطراب الخلقي الذي يصحب كل تغير عميق يتناول الأساس الاقتصادي للحياة؛ وازدادت الحرب التي ما فتئت قائمة بين الأجيال المتعاقبة، بين الشباب الطافح بحماسته، وبين الشيوخ
стр. 1550
المفرطين في حرصهم، ازدادت تلك الحرب حدة لنمو الصناعة التي تعمل على إبراز شخصية الفرد، ونتيجة لإضعاف الإيمان الديني؛ فالانتقال من الريف إلى المدينة، وإحلال الفرد محل الأسرة باعتباره الوحدة القضائية المسئولة للمجتمع الاقتصادي والسياسي، قد قوض أركان السلطة الأبوية، وأخضع عادات القرون الطويلة وأخلاقها للحكم المتسرع الذي يحكم به المراهق على أمثال هذه الأمور؛ وكنت ترى الشباب في المدن الكبرى يثورون على نظام الزواج تحت إشراف الأبوين، وترى العروسين لا يجريان على مألوف العادات من حيث السكنى في بيت والد العريس، بل هما أميل إلى إنشاء بيت مستقل أو "شقة" مستقلة؛ هذا إلى أن سرعة تصنيع النساء قد حتم انحلال الروابط التي كانت تربطهن بالدار واعتمادهن في العيش على الرجال؛ والطلاق في اليابان قد كثر حتى شابه الحال في أمريكا، بل هو هناك أخف عاقبة منه في أمريكا، لأن الرجل قد يستطيع الطلاق بمجرد توقيعه على دفتر للتسجيل، ودفعه رسوماً تبلغ ما يساوي عشر "سنتات" (٢٧)، ولئن حرم القانون نظام الخليلات إلا أنه لا يزال قائماً فعلاً يتمتع به كل من تمكنه حالته المالية من تجاهل القانون (٢٨).
والآلة هي عدو رجل الدين في اليابان كما هي في سائر أنحاء العالم، ولما استوردت اليابان من إنجلترا أوضاعها الصناعية الفنية، استوردت معها "سبنسر" و "ستيورت مِلْ"، وبهذا أسدل الستار فجأة على سيادة المذهب الكنفوشيوسي في الفلسفة اليابانية، ولقد قال تشمبرلين سنة ١٩٠٥: "إن الجيل الموجود الآن في المدارس يتشكل على صورة فولتيرية واضحة المعالم" (٢٩)، ومن نتيجة هذا الاتجاه نفسه أن ازدهر العلم بارتباطه الحديث بالآلة، واكتسب في اليابان قلوب أعظم الباحثين في عصرنا هذا، بحيث انصرفوا إليه مخلصين
стр. 1551
على نحو ما نعهده في اليابانيين من الولاء فيما يخلصون له (١)؛ فالطب في اليابان - على الرغم من اعتماده في معظم مراحله على الصين وكوريا - قد تقدم تقدماً سريعاً حين احتذى مثل الأوربيين واندفع بحافزهم، وخصوصاً الألمان؛ وإذا أردت أن تعلم مدى السرعة التي انتقلت بها اليابان من مرحلة التتلمذ إلى مرحلة الأستاذية التي أخذت تعلم فيها العالم أجمع، فانظر إلى ما عمله "تاكامين" في استكشافه للأدرنالين وفي دراسته للفيتامينات؛ وما أداه "كيتاساتو" في مرض التتنوس وفقر الدم، وفي تقدم التلقيح ضد الدفتريا؛ ثم ما عمله ألمعهم جميعاً وأشهرهم جميعاً، وهو "نجوشي" في مرض الزهري ومرض الحمى الصفراء.
ولد "هيديونجوشي" سنة ١٨٧٦ في إحدى الجزر الصغرى، من أسرة بلغ بها الفقر حداً جعل أباه يترك أسرته حين علم أن طفلاً ثانياً في طريقه إلى الحياة؛ وأهمل الوليد هذا إهمالاً جعله يسقط في مدفأة فاحترقت يده اليسرى حتى شاهت، وأوذيت يده اليمنى إيذاء كاد يفقد نفعها، فكان أن اجتنبه التلاميذ في المدرسة لما في جسده من وصمات وتشويه، وراح الناشئ يفكر في الانتحار، لكن جراحاً قدم إلى القرية حينئذ، وعالج له يده اليمنى علاجاً ناجحاً، واعترف "نجوشي" للجراح بالجميل اعترافاً جعله يقرر لتوه أن يكرس نفسه للطب؛ ومن أقواله عن نفسه سأكون نابليون ينقذ البشرية لا نابليون يفتك بها، إنني أستطيع الآن أن أعيش معتمداً على نعاس أربع ساعات في الليل" (٣٠)؛ وكان "نجوشي" مفلساً، فاشتغل في صيدلية حتى حمل صاحبها
стр. 1552
على رصد مبلغ من المال يتعلم به الطب؛ وبعد أن تخرج في الطب من الجامعة، ذهب إلى الولايات المتحدة وعرض خدماته على الهيئة الطبية في الجيش في واشنطن مقابل نفقاته؛ وهيأت له مؤسسة روكفلر للأبحاث الطبية معملاً، وشرع "نجوشي" يعمل وحده لا يشاركه أحد على الإطلاق في إجراء التجارب والقيام بالبحث العلمي، مما انتهى إلى أطيب الثمرات؛ فهو الذي أنتج أول عينة خالصة من جراثيم الزهري، وكشف عن أثر الزهري في الشلل العام وفي الشلل البطيء الذي يصيب حركة العضلات، وأخيراً استطاع في سنة ١٩١٨ أن يعزل طفيليّ الحمى الصفراء؛ فلما كسب الشهرة والثروة المؤقتة، عاد إلى اليابان، وكرَّم أمه العجوز، وجثا على ركبتيه أمام الصيدلي الذي أنفق على دراسته الطبيعية اعترافاً له بالجميل، ثم ذهب إلى أفريقيا ليدرس الحمى الصفراء التي كانت تفتك بساحل الذهب من أوله إلى آخره، فأصابته هذه الحمى ومات سنة ١٩٢٨؛ ومما يزيدنا حسرة على موته أنه لم يكن قد بلغ من العمر أكثر من اثنين وخمسين عاماً.
كان التقدم العلمي في اليابان - كما كان كذلك في الغرب - مصحوباً بانحلال في الفنون التقليدية؛ فتقويض الطبقة الأرستقراطية القديمة قد قوض عشاً كان يترعرع فيه حسن الذوق، وراحت الأجيال بعدئذ تتخذ لنفسها ما شاء لها هواها من معايير الجمال، بحيث يستقل كل جيل في معياره الذوقي عما سلفه؛ وتدفقت الأموال من البلاد الخارجية سعياً وراء المنتجات الوطنية، فأدى ذلك إلى الإنتاج السريع الذي يعني بالكم وحده، وانحطت مستويات الرسوم اليابانية تبعاً لذلك، فلما عاد الشارون إلى طلب المصنوعات القديمة، انقلب الصناع جماعة من المزورين، وأصبحت صناعة الآثار القديمة في اليابان - كما هي الحال في الصين - أروج الصناعات في الفنون الحديثة؛ ولعل جانب الصناعة الخزفية المعروف باسم Colisoune أن يكون الفرع الوحيد من فروع تلك الصناعة، الذي تقدم في اليابان منذ قدوم الغرب إلى
стр. 1553
البلاد؛ فالانتقال المضطرب من الصناعة اليدوية إلى الصناعة الآلية، وهجمة الأذواق والأساليب الأجنبية على أهل البلاد متسترة برداء من الظفر والثروة، قد أدى إلى زعزعة الحس الجمالي عند اليابانيين وإضعاف ذوقهم بحيث لم يعد على ما كان عليه من ثبات؛ وهاهي ذي اليابان قد اختارت السيف اتجاهاً، فلعلها قد كُتب لها أن تعيد تاريخ الرومان - بأن تقلد في الفن - وتسود في الإدارة والحرب (١).
لقد لبثت الحياة العقلية في الإمبراطورية الحديثة جيلاً اتجهت خلاله نحو ممالأة الأساليب الغربية، فتكاثرت الكلمات الأوربية في لغة القوم، ونظمت الصحف على الطريقة الغربية، وأنشئت مجموعة من المدارس العامة على غرار المدارس النموذجية الأمريكية؛ إذ صممت اليابان تصميم الأبطال على أن تجعل من نفسها أمة تكون أسبق أمم الأرض جميعاً في إزالة الأمية، وقد نجحت فيما أرادت، ففي سنة ١٩٢٥ كان يختلف إلى المدارس من أبناء البلاد ٤ ر ٩٩ في المائة (٣١)، وفي سنة ١٩٢٧ كان في مستطاع ٩٣ في كل مائة من أهل البلاد جميعاً أن يقرءوا (٣٢)؛ فقد أقبل الطلاب على الحركة العرفانية العلمانية الجديدة إقبالاً فيه حرارة الإيمان الديني، حتى لقد أفسد مئات منهم صحة أبدانهم بسبب حماستهم في كسب المعرفة (٣٣)؛ واضطرت الحكومة اضطراراً أن تتخذ الوسائل الفعالة لتشجيع الرياضة البدنية والألعاب بكافة صنوفها، القومي منها والمستعار من البلاد الخارجية؛ وخرج التعليم من كنفه الديني واصطبغ بصبغة علمانية أكثر مما اصطبغ به التعليم في معظم الأقطار الأوربية؛ وأعينت خمس جامعات إمبراطورية، وقامت إحدى وأربعون جامعة أخرى - قد تقل في نزعتها الإمبراطورية عن تلك الخمس - وضمت بين جدرانها آلاف الطلاب المتحمسين؛ وفي سنة ١٩٣١ كانت الجامعة الإمبراطورية في طوكيو تشتمل على ٨٠٦٤ طالباً، وجامعة كيوتو تشتمل على ٥٥٥٢ طالباً (٣٤).
стр. 1554
وأما الأدب الياباني في الربع الأخير من القرن (التاسع عشر) فقد أفنى نفسه في سلسلة من ألوان المحاكاة، وتوالت على الطبقة المثقفة موجات الحرية الإنجليزية والواقعية الروسية والفردية النيتشية والبراجماتية الأمريكية، فاكتسحتها واحدة بعد واحدة، حتى عادت روح الوطنية فأكدت نفسها، وبدأ الكتاب اليابانيون يكشفون عن مادتهم القومية فيعبرون عنها بأساليبهم القومية؛ وقد ظهرت فتاة شابة تدعى "إيشي يو" فافتتحت حركة في كتابة القصة تنحو منحى المذهب الطبيعي قبل موتها سنة ١٨٩٦ وهي في عامها الرابع والعشرين، وذلك بتقديمها صورة ناصعة عن تعاسة النساء وذلهن في اليابان (٣٥)، وفي سنة ١٩٠٦ دفع الشاعر "توسون" هذه الحركة إلى أوجها بقصة طويلة عنوانها "هاكاي" أي عدم الوفاء بالعهد، قصَّ فيها بنثر شعري قصة معلم وعد أباه ألا يفضح عن نفسه حقيقتها وهي أنه من طبقة "إيتا" أي الطبقة التي انحدرت من أسلاف عبيد، وبهذا أتيح له بما كان له من قدرة وما ظفر به من تعليم أن يحتل مكانة عالية، فأحب فتاة مهذبة من ذوات المكانة الاجتماعية؛ وبعدئذ فار فورة صدق اعترف فيها بأصله، وتنازل عن حبيبته ومكانته، وغادر اليابان لغير عودة، فكانت هذه القصة عاملاً قوياً في تحريك النفوس تحريكاً انتهى آخر الأمر بإسدال الستار على العوائق التي لبثت طوال التاريخ مفروضة على طبقة "إيتا".
وكانت صورتا الشعر الموجز المعروفتان باسم "تانكا" و "بوكا" آخر صور الثقافة اليابانية استسلاماً للمؤثرات الغربية، إذ لبثتا أربعين عاماً بعد عودة الإمبراطور إلى عرشه الفعلي، هما الصورتين المنشودتين لقرض الشعر الياباني، وفني الروح الشعري في آيات معجزات من البراعة والصناعة، حتى كان عام ١٨٩٧، ظهر معلم شاب، هو "توسون" في "سنداي"، وباع لأحد الناشرين ديواناً من الشعر بخمسة عشر ريالاً، فجاء هذا الديوان بقصائده الطويلة ثورة تكاد تبلغ في عنفها مبلغ أية ثورة أخرى مما زعزع نسيج الدولة؛ وكان الشعب قد ملَّ الأقوال القصيرة الرشيقة، فأقبل على هذا
стр. 1555
الديوان (ذي القصائد الطويلة) إقبال الشاكر، وسبَّبَ بإقباله هذا ثراء للناشر؛ وسار بعض الشعراء الآخرين في إثر توسون، وانتهى الأمر بصورتي الشعر الموجز الـ "تانكا" والـ "بوكا" أن أسلمتا زمام السيطرة بعد أن ظلتا ممسكتين به ألف عام (٣٦).
وعلى الرغم من ظهور هذه الصور الشعرية الجديدة، فقد ظلت "المباراة الإمبراطورية في قرض الشعر" قائمة كما كانت؛ فالإمبراطور يعلن في كل عام موضوعاً، ثم يسوق مثالاً بنشيد يمليه في ذلك الموضوع؛ وتقتفي الإمبراطورة أثره، وبعدئذ يرسل خمسة وعشرون ألف شاعر ياباني من كافة الأشكال والطبقات، يرسل هؤلاء قصائدهم إلى "مكتب الشعر" في القصر الإمبراطوري، وتشكل لها هيئة تحكيم من أعلى أعلام البلاد؛ حتى إذا ما انتهى التحكيم إلى القصائد العشر الأولى، قرأت على الإمبراطور والإمبراطورة، وطبعت في الصحف اليابانية في العدد الذي يصدر في اليوم الأول من العام (٣٧)، فياله من تقليد بديع خليق أن يدير النفس لحظة عن دنيا التجارة والحروب، وهو يدل على أن الأدب الياباني مازال جزءاً حيوياً في حياة أمة هي أكثر الأمم حيوية في العالم المعاصر.
стр. 1556
الفصل الرابع
الإمبراطورية الجديدة
الأسس المزعزعة للمدنية الجديدة - أسباب النزعة الاستعمارية اليابانية - الطلبات
الواحدة والعشرون - مؤتمر واشنطن - قانون الهجرة الصادر سنة ١٩٢٤ - غزو منشوريا-
المملكة الجديدة - اليابان وروسيا اليابان وأوربا - هل لابد لأمريكا من محاربة اليابان؟
لقد أقامت اليابان الجديدة بناءها على أسس مزعزعة على الرغم من نموها السريع في الثراء والقوة؛ فقد زاد عدد سكانها من ثلاثة ملايين أيام "شوتوكو تايشي" حتى بلغ سبعة عشر مليوناً في حكم "هيديوشي"، ثم بلغ ثلاثين مليوناً في عهد "يوشيموني"، وزاد على خمسة وخمسين مليوناً في آخر عهد "ميجي" (١٩١٢)(١).
وإذن فقد تضاعف السكان في مدى قرن واحد، وضاقت الجزر التي تكتنفها الجبال، والتي تقل فيها الأراضي الصالحة للزراعة، بملايينها المتزايدة؛ فسكان تلك الجزر الذين يبلغون نصف سكان الولايات المتحدة، لا يجدون مما يقيم حياتهم أكثر من جزء من عشرين جزءاً بالنسبة لثروة الولايات المتحدة؛ وإذن فلا سبيل أمامها سوى المصانع، ومع ذلك تراها فقيرة فقراً يبعث على الأسى، في مواد الوقود وفي المعادن التي لا غنى للصناعة عنها، نعم إن القوة
стр. 1557
الكهربائية المتولدة عن تدفق الماء كانت كافية في المجاري التي تسيل من الجبال إلى البحر، لكن استغلال هذا المصدر أكمل استغلال لا يضيف إلى القوة المستعملة بالفعل إلا مقدار ثلثها (٣٩)، ولا يمكن الاعتماد عليها لسد حاجات المستقبل المتزايدة؛ ووجدت طبقات من الفحم هنا وهناك ممتدة في عروق تكاد تعز على متناول الإنسان، وجدت في جزر "كيوشو" و "هوكاديو"، كما أمكن الحصول على البترول من "سخالين"، أما الحديد- وهو من الصناعة لبّها وصميمها- فيكاد لا يكون له أثر في التربة اليابانية (٤٠)؛ وبعد هذا كله، فإن مستوى المعيشة المنخفض الذي فرض على سواد الناس فرضاً بحكم صعوبة الحصول على المواد والوقود وارتفاع تكاليفها، جعل الاستهلاك يزداد تأخراً بالنسبة إلى تقدم الإنتاج؛ فالمصانع التي كانت آلاتها تزداد حٌسناً كل عام، راحت تصب فيضاً من السلع يزيد على حاجة أهل البلاد ولا يمكن شراؤه فيها، ويصرخ صرخات عالية مطالباً لنفسه بأسواق في الخارج.
من مثل هذه الظروف تنشأ الرغبة في الاستعمار، وأعني بكلمة الاستعمار ذلك المجهود الذي يبذله النظام الاقتصادي في بلد من البلاد- مستعيناً في ذلك بالحكومة التي هي أداته في تحقيق أغراضه- يبذله نحو بسط سيادته على مناطق أجنبية يعتقد أنها تمده بما يحتاج إليه من وقود وأسواق ومواد خام وأرباح؛ فأين عسى أن تجد اليابان هذه الفرصة وتلك المواد؟ إنها لا تستطيع أن تتجه بأبصارها نحو الهند الصينية أو الهند أو استراليا أو الفلبين، لأن هذه البلاد قد سبقت الدول الغربية إلى الاستيلاء عليها، وفرضت فيها من الحواجز الجمركية ما يناصر سادتها البيض على أهل اليابان؛ وواضح أن الصين قد وضعها الله على أبواب اليابان مقدراً لها أن تكون سوقاً للسلع اليابانية، كما أن منشوريا- منشوريا الغنية بفحمها وحديدها، والغنية بقمحها الذي لا تستطيع الجزر اليابانية أن تستنبته في بلادها على نحو يفيدها، والغنية برجالها الذين
стр. 1558
يصلحون للصناعة والضريبة والحرب- منشوريا هذه قد كتب عليها كذلك أن تكون تابعة لليابان؛ وبأي حق؟ بنفس الحق الذي استولت به إنجلترا على الهند واستراليا، واستولت فرنسا به على الهند الصينية، واستولت به ألمانيا على شانتونج، وروسيا على بورت آرثر، وأمريكا على الفلبين- وهو حق الحاجة التي يشعر بها القوي؛ وعلى كل حال فليس للناس حاجة في نهاية الأمر إلى التماس المعاذير، وإنما كل ما يتطلبونه هو القوة والفرصة السانحة اللتان تمكنانك من فعل ما تريد؛ فالنجاح في رأي أتباع المذهب الدارويني، يبرر كل الوسائل التي تحققه.
وجاءت الفرصة تفتح لليابان صدرها رحيباً- جاءت أولاً في الحرب العالمية الأولى، ثم جاءت بعد ذلك في انهيار الحياة الاقتصادية في أوربا وأمريكا؛ فلم يقتصر أثر الحرب على مجرد الزيادة من إنتاج اليابان (كما حدث في أمريكا) زيادة تطلبتها سوق عظمى خارجية ناشئة بسبب قيام الحرب- وأعني بتلك السوق قارة أوربا التي كانت مشتبكة في القتال؛ بل إن تلك الحرب قد أدت كذلك إلى إضعاف أوربا واستنفاد قواها، وتركت اليابان موشكة أن تكون بغير شريك في العالم الشرقي؛ فبسبب هذا كله غزت شانتونج سنة ١٩١٤، وبعد ذلك بعام واحد تقدمت إلى الصين "بالمطالب الواحدة والعشرين" التي لو تمكنت من فرضها على الصين، لأصبحت الصين مستعمرة هائلة تابعة لليابان الضئيلة.
فالمجموعة الأولى من المطالب أرادت من الصين أن تعترف بسيادة اليابان على شانتونج؛ وطالبت اليابان بالمجموعة الثانية منها بامتيازات صناعية معينة، وبالاعتراف بحقوق خاصة تتمتع بها اليابان في منشوريا ومنغوليا الشرقية؛ وعرضت المجموعة الثالثة من تلك المطالب أن تكون أكبر شركات التعدين في أرض الصين شركة مشتركة بين الصين واليابان؛ وطالبت المجموعة الرابعة
стр. 1559
(وهي موجهة ضد رجاء أمريكا في أن تكون لها محطة للفحم بالقرب من فوشو) "بألا تتنازل الصين عن أية جزيرة أو ميناء أو مرسى على طول الساحل لدولة ثالثة"؛ واقترحت المجموعة الخامسة اقتراحاً متواضعاً، وهو أن تستخدم الصين منذ ذلك الحين فصاعداً مستشارين يابانيين في شؤونها السياسية والاقتصادية والحربية، وأن تكون إدارة الشرطة في المدن الصينية الكبرى في يد مشتركة بين الصينيين واليابانيين؛ وأن تشتري الصين نصف ذخائرها على الأقل من اليابان؛ وأن تكون لليابان كل الحرية في مد السكك الحديدية وحفر المناجم وبناء الموانئ في منطقة فوكين (٤١).
واحتجت الولايات المتحدة بأن بعض هذه "المطالب" فيه اعتداء على سلامة الأراضي الصينية وعلى مبدأ "الباب المفتوح"، فألغت اليابان المجموعة الخامسة من تلك المطالب، وعدَّلت بقيتها، ثم قدمتها للصين مقرونة بإنذار نهائي في اليوم السابع من شهر مايو سنة ١٩١٥، فقبلتها الصين في اليوم التالي لتقديمها، وتبع ذلك مقاطعة من الصين للبضائع اليابانية؛ لكن اليابان مضت في طريقها قدماً، على زعم يؤيد التاريخُ صحته، وهو أن المقاطعة التجارية لا بد منتهية عاجلاً أو آجلاً إلى فشل، لأن التجارة تميل بطبيعتها إلى أن تتبع أقل التكاليف؛ وفي سنة ١٩١٧ بسط "الفيكونت إشياي" في لباقة، موقف اليابان للشعب الأمريكي، حتى حمل الوزير "لانسنج" على توقيع اتفاق يعترف بأن "لليابان مصالح خاصة في الصين، خصوصاً في الأجزاء المتاخمة لممتلكاتها"؛ وفي مؤتمر واشنطن سنة ١٩٢٢ أرغم الوزير "هيوز" اليابانيين على الاعتراف بمبدأ "الباب المفتوح" في الصين، وبأن تقتنع اليابان بأسطول يبلغ ستين في المائة من حجم الأسطول الإنجليزي أو الأمريكي (١)، ووافقت
стр. 1560
اليابان في نهاية المؤتمر على أن تعيد إلى الصين ذلك الجزء من شانتونج (تسنجتاو) الذي كانت أخذته من ألمانيا إبان الحرب؛ ثم مات الحلف الإنجليزي الياباني موتاً هادئاً، وراحت أمريكا تحلم في فراشها الدافئ بسلام لا تزعجه الحروب أبد الآبدين.
لكن السياسة الأمريكية اصطدمت بفشل من أبشع ما شهدته في تاريخها، بسبب تلك الثقة الصبيانية في مستقبل ناعم، ذلك أن الرئيس "تيودور روزفلت" لما رأى سكان الساحل الممتد على المحيط الهادي قد أزعجتهم هجرات اليابانيين المتواصلة إلى كاليفورنيا، أخذ في سنة ١٩٠٧ يفاوض الحكومة اليابانية مستعيناً بسلامة إدراكه التي كانت تكمن في ثنايا حياته الصاخبة التي قرَّبته إلى قلوب الشعب، واتفق معها "اتفاق السيد الكريم مع السيد الكريم" بحيث وعدت اليابان أن تمنع هجرة عمالها إلى الولايات المتحدة؛ لكن ارتفاع نسبة المواليد بين أولئك اليابانيين الذين كانوا قد سمح لهم فعلاً بالدخول، لم تزل تزعج الولايات الغربية من أمريكا، حتى إن كثيراً من تلك الولايات أصدر القوانين التي تحرم على الأجانب امتلاك الأراضي؛ ولما قرر "الكونجرس الأمريكي" سنة ١٩٢٤ أن يحدد الهجرة إلى البلاد، أبى أن يطبق على الأجناس الآسيوية مبدأ النسبة المخفضة التي سمح بها للشعوب الأوربية (١)، بل حرم هجرة الآسيويين تحريماً قاطعاً، وقد كان من المستطاع أن نصل إلى نفس النتيجة تقريباً لو طبقنا النسبة الجديدة على كل الأجناس بغير تمييز ولا تعيين، واحتج الوزير "هيوز" قائلاً: "إن هذا التشريع لا فائدة منه إطلاقاً حتى بالنسبة للغاية التي سُنَّ من أجل تحقيقها"؛ لكن المتحمسين فسروا الإنذار الذي وجهه السفير الياباني بشأن "النتائج الخطيرة التي قد تترتب على هذا القانون، فسروا بأنه تهديد، واستولت عليهم حمى البغضاء فأصدروا "قانون الهجرة".
стр. 1561
واشتعلت النار اشتعالاً في اليابان كلها لهذا الذي بدأ في عينها إهانة مقصودة؛ وعقدت الاجتماعات وألقيت الخطب، وانتحر وطنيُّ متحمس على طريقة "هارا كيري" أمام دار "الفيكونت إنويي" ليعبر بانتحاره ذلك عن شعور القوم جميعاً بالعار؛ أما زعماء اليابان، فكانوا يعلمون أن بلادهم قد أضعفها زلزال سنة ١٩٢٣، فصمتوا وتربصوا ينتظرون الفرصة السانحة، فلو سارت الأمور سيراً طبيعياً، فسيفتُّ الضعف كذلك بأمريكا وأوربا، وعندئذ ستنتهز اليابان فرصتها الثانية، وتثأر لنفسها ولو بعد حين.
فلما أعقبت أعظم الحروب جميعاً أزمةٌ اقتصاديةُ هي أعظم الأزمات جميعاً، وجدت اليابان فرصتها التي طال انتظارها لها، لكي تثبت أركان سيادتها في الشرق الأقصى؛ إذ أعلنت أن السلطات الصينية قد أساءت إلى تجار اليابان في منشوريا، هذا إلى شعور خفي عندها بأن سككها الحديدية وسائر مُسْتَغَلاتها الاقتصادية هناك تتهددها المنافسة الصينية، فأمرت جيشها في سبتمبر سنة ١٩٤١ أن يتقدم في منشوريا، بادئة في ذلك بالعدوان، أما الصين فكانت في حالة من الفوضى بسبب الثورة وبسبب حركة انفصالية بين أقاليمها وبسبب ارتشاء ساستها، فلم تستطع أن تجمع كلمتها في مناهضة اليابان إلا على صورة واحدة، وهي أن تعود من جديد إلى مقاطعة البضائع اليابانية، فلما تذرعت اليابان بحجة الدعاية الصينية لمقاطعة التجارة اليابانية، وغزت شنغهاي (١٩٣٢)، لم ينهض من الصينيين لمقاومة هذا الغزو إلا قلة ضئيلة؛ ووجهت الولايات المتحدة اعتراضات في هذا الصدد، ووافقتها عليها الدول الأوربية (من حيث المبدأ) موافقة باعثها الحذر، لكنها كانت في شغل من مصالحها التجارية الفردية بحيث لم تستطع أن تجمع كلمتها جميعاً على إجراء حاسم إزاء هذه الإزالة السريعة لسيادة الرجل الأبيض على الشرق الأقصى، تلك السيادة التي لم تدم إلا قليلاً؛ وعينت عصبة الأمم لجنة برئاسة "إيرل ليتُن"، فقامت ببحث يظهر
стр. 1562
فيه الإحكام والحياد، ثم قدمت تقريرها؛ غير أن اليابان انسحبت من العصبة على نفس الأساس الذي دعا الولايات المتحدة سنة ١٩٣٥ إلى رفضها الاشتراك في "هيئة العدل الدولية"- وهو أنها لا تريد أن تحاكم أمام هيئة قُضاتها هُم أعداؤها؛ وكانت مقاطعة البضائع اليابانية في الصين قد خفضت واردات اليابان إلى الصين بنسبة أربعة وسبعين في المائة بين شهر أغسطس سنة ١٩٣٢ وشهر مايو سنة ١٩٣٣؛ لكن التجارة اليابانية في الوقت نفسه كانت تطرد التجارة الصينية من الفلبين وولايات الملايو والبحار الجنوبية؛ ولم تحل سنة ١٩٣٤ حتى استطاع ساسة اليابان- بمعونة ساسة الصين- أن يحملوا الصين على إقرار تعريفة جمركية في صالح المنتجات اليابانية ضد منتجات الدول الغربية (٤٣).
وفي مارس سنة ١٩٣٢ عينت السلطات اليابانية "هنري بويي" وارث عرش مانشو في الصين، رئيساً لحكومة دولة منشوكو الجديدة، ثم نصبته بعد عامين ملكاً باسم "كانج ته"، وكان ذوو المناصب في تلك الحكومة إما من اليابانيين أو من أهل الصين الموالين لليابان، وقد كان خلف كل موظف صيني مستشار ياباني (٤٤)؛ فبينما كانت خطة "الباب المفتوح" معترفاً بها من الوجهة الفنية، التمست اليابان سبلها نحو وضع التجارة والموارد المنشوكية تحت سلطانها (٤٥)؛ ولئن تعذر على اليابانيين أن يمضوا في هجرتهم من بلادهم إلى تلك الدولة، فقد تدفقت رؤوس الأموال اليابانية إليها تدفقاً غزيراً؛ ومدت الخطوط الحديدية لأغراض تجارية وعسكرية، وأصلحت الطرق بخطوات سريعة، وبدأت المفاوضات لشراء "السكة الحديدية الشرقية الصينية" من السوفييت؛ ولم يكتف الجيش الياباني الظافر القادر بتنظيم الدولة الجديدة، بل جعل يملي سياسة حكومتها في طوكيو؛ وغزا إقليم "جبهول" بالنيابة عن الملك "بويي"، ثم تقدم حتى كاد يبلغ "بيبنج"، لكنه تقهقر تقهقراً مشرفاً، لينتظر الفرصة السانحة.
стр. 1563
وإلى أن تحين الفرصة المرتقبة، راح ممثلوا اليابان في تانكنج يبذلون جهدهم المالي كله ليكسبوا من الحكومة الصينية رضاها عن زعامة اليابان في كل جانب من جوانب حياة الصين الاقتصادية والسياسية؛ فإذا ما كسبت الصين بالغزو أو بالقروض المالية، باتت اليابان على استعداد لمواجهة عدوتها القديمة، التي كانت فيما مضى إمبراطورية الروس أجمعين، وأصبحت اليوم تعرف باسم "اتحاد الجمهوريات السوفيتية الاشتراكية"؛ وإن الجيش الياباني ليستطيع أن يضرب ضربته في أي موضع على طول القوافل في منغوليا فيخترق "كالجان" و "أورجا"؛ أو عبر الحدود المنشوكية فيتوغل في "شيتا"، أو في أي موضع آخر من مئات المواضع الضعيفة التي يتثنى عندها الخط الحديدي حول الدولة الجديدة؛ ذلك الخط الذي يخترق سيبريا، والذي لا يزال في معظم أجزائه في الشرق الأقصى خطاً مفرداً، أقول إن الجيش الياباني يستطيع أن يضرب ضربته في أي موضع من تلك المواضع، فيقطع الرباط الحيوي الذي يربط الصين وفلاديفستك وما وراء بيكال، بعاصمة الروس؛ فأخذت روسيا تعد نفسها لهذا الصراع المحتوم إعداداً فيه روح البطولة وحرارة التحمس؛ فبذلت مجهوداً في استغلال مناجم الفحم وإقامة مصانع الصلب في مدينتي "كوزنتسك" و "ماجنيتو جورسك"، بحيث يمكن تحويل تلك المناجم والمصانع إلى معامل هائلة للذخيرة، وأعدت في الوقت نفسه طائفة كبيرة من الغواصات في "فلاديفستك" ليلاقي الأسطول الياباني، كما أعدت مئات من قاذفات القنابل التي جعلت أعينها مفتوحة ترقب مراكز الإنتاج والمواصلات في اليابان، وتلحظ مدنها المنشأة من خشب دماره ميسور.
ووقفت الدول الغربية خلف هذه الطليعة المنذرة بالشر، وقفت وجلة خائبة الرجاء: فأمريكا يأكلها الغضب لفقدانها أسواق الصين؛ وفرنسا تتساءل: ترى كم يتاح لها أن تظل مسيطرة على الهند الصينية، وإنجلترا قلقة
стр. 1564
على استراليا والهند، ومضطربة بسبب منافسة اليابان لها، لا في الصين وحدها بل في كل أرجاء ملكها في الشرق؛ ومع ذلك ففرنسا آثرت أن تعين اليابان معونة مالية على منُاصبتها العدوان، وبريطانيا الحذرة رأت أن تنتظر في صبر لم يسبق له مثيل، راجية أن يفتك كل من منافستيها العظيمتين في التجارة الآسيوية بالأخرى، فتتركا العالم لإنجلترا وحدها من جديد؛ وأخذ تضارب المصالح يشتد حدة يوماً بعد يوم، ويدنو رويداً رويداً من الصراع المكشوف؛ وأصرّت اليابان على أن تحتفظ الشركات الأجنبية التي تبيع لها البترول، بمخزون من البترول على أرض يابانية يكفي حاجة الجزر نصف عام في حالة الطوارئ؛ وأغلقت مانشوكو أبوابها في وجه البترول الياباني، واستطاعت اليابان- رغم احتجاجات الأمريكيين ورغم معارضة رئيس جمهورية أورجواي- استطاعت أن تأخذ تصريحاً من الهيئة التشريعية في أورجواي، بأن تقيم على نهر بلات ميناء حرة، تدخلها السلع اليابانية بغير ضريبة جمركية، أو تصنع فيها البضائع اليابانية؛ ومن هذا المركز الحربي، ستنفذ اليابان إلى قلب أمريكا اللاتينية من حيث التجارة والمال، ستنفذ بخطوات لم يسبق لها مثيل في السرعة منذ عَمِل الغزو الألماني السريع لأمريكا الجنوبية على نشوب الحرب العظمى، وعلى اشتراك أمريكا فيها؛ ولئن أخذت ذكريات تلك الحرب في الزوال، فإن العدة لتتخذ من جديد لحرب جديدة (١).
أليس لأمريكا بد من محاربة اليابان؟ إن نظامنا الاقتصادي يسخو في العطاء لأصحاب رؤوس الأموال، فيعطيهم قسطاً كبيراً من الثروة التي يتعاون على خَلْقها العلم والإدارة والأيدي العاملة، فلا يبقى إلا قدراً أقل مما ينبغي أن يبقيه لسواد المنتجين، حتى يتاح لهم أن يشتروا السلع التي أنتجوها؛ وبهذا يفيض قدرٌ زائد من السلع، يصرخ مطالباً بغزو الأسواق الخارجية،
стр. 1565
وإلا اضطرب مجرى الإنتاج في داخل البلاد (أو اضطر أصحاب تلك السلع أن يزيدوا من القدرة الاستهلاكية بين أفراد الشعب؛ ولئن كان هذا القول صحيحاً بالنسبة لنظامنا الاقتصادي (يقصد النظام الأمريكي) فهو أصح بالنسبة لليابان، فهي مضطرة كذلك إلى غزو أسواق خارجية، لا لكي تحتفظ بثروتها فحسب، بل لتضمن كذلك الوقود والمواد الخام التي لا غنى عنها لقيام صناعتها؛ ويشاء التاريخ الساخر أن تكون هذه اليابان التي أيقظتها أمريكا من حياتها الزراعية الساكنة سنة ١٨٥٣ ودفعتها في حياة الصناعة والتجارة؛ هي نفسها التي توجه اليوم كل قوتها وكل دهائها لكسب الأسواق الآسيوية، بانخفاض أسعار السلع الأمريكية، ولفرض رقابتها على تلك الأسواق بالغزو الحربي وبالأساليب الدبلوماسية، تلك الأسواق التي كانت هي بعينها ما علقت أمريكا رجاءها عليها لأنها أوسع مخرج يمكن تهيئته لفيض البضائع الأمريكية؛ وقد عهدنا في التاريخ أنه إذا تنافست دولتان على أسواق بعينها، فإن الدولة الخاسرة في مجال المنافسة الاقتصادية- إذا ما كانت أقوى من زميلتها ثروة وعدة حربية- هي التي تعلن الحرب على الأخرى.
ولاشك أن حرباً كهذه لو نشبت بين أمريكا واليابان، كانت خاتمة مُرة لما أسدته أمريكا من يد في فتح أعين اليابان؛ لكن شؤون الدول ينتابها مَدٌّ لو أفلت زمامه من أيدي القابضين على الأمور، قبل أن يستجمع قوته، فإنه لا بد مكتسح الأمة التي يطفو بأرضها، إلى مأزق من الظروف لا يدع أمامها مجالاً للاختيار إلا بين طريقين، فإما الذل وإما القتال؛ ويميل مَنْ قد تجاوزوا سن الجندية، إلى إيثار الحرب على الخشوع؛ وليس يقلل من خطر نشوب قتال بيننا وبين اليابان؛ الاحتمالُ القوي بأن تنشب حرب بينها وبين روسيا؛ لأنه لو عادت هاتان الأمتان إلى تحدي إحداهما الأخرى، فقد لا نجد بداً من التدخل في الأمر على أساس المبدأ القديم، ذلك المبدأ الذي نهضت لتأييده
стр. 1566
أمثلة كثيرة في عصرنا بحيث نستخلص منها الحكمة السديدة، وهي أنه خير لنا أن نعاون على الفتك بمنافس تعرض فعلاً لهجمة من عدوه، من أن ننتظر حتى يكسب نصراً يزيد في قوته زيادة خطرة؛ أما إذا أردنا ألا ننساق في هذا الطريق، فكل ما نتطلبه أن نتذكر أنه مهما بلغت شدة الحاجة باليابان إلى أسواق الشرق؛ فهذه الأسواق أبعد جداً من أن تكون شرطاً لازماً لازدهار تجارتنا؛ وأننا إذا كسبنا تلك الأسواق، إما بحرب باهظة النفقات في بحار بعيدة، أو بتنافس يدعونا إلى الهبوط بمستوى حياة شعبنا، فذلك كسب أجوف؛ وقد يكون نعمة لبلادنا أن يضطر تجارنا إلى البحث عن أسواق لسلعهم داخل حدود بلادنا؛ وعندئذ فقد يتبين لنا أن سعادتنا لا تعتمد على غزونا لأسواق وراء البحار، بل إن سعادتنا في نشر ثمرات الاختراع والصناعة ومنتجاتها نشراً يتيح لأهل بلادنا- وإنهم لكثيرون- أن يكونوا سوقاً تكفي لبيع مصنوعاتنا- حتى إذا بلغت المصنوعات أعلى درجات الإنتاج؛ لأن مساحة قدرها ٠٠٠ ر ٧٣٨ ر ٣ ميلاً مربعاً تكفي لاستنفاد ذلك الإنتاج.
أما وقد علَّمنا اليابان أساليب الصناعة والحرب، فلا بد لنا أن نصبر على القضاء الذي جعلها مؤقتاً سيدة الشرق اقتصادياً وحربياً؛ فليس بنا حاجة إلى الحقد على "أبناء الشمس" إذا ما حانت ساعة قوتهم ومجدهم، ولا إلى حسدهم على إمبراطوريتهم المتهافتة أو ثروتهم التي قد تتعرض للزوال؛ إن العالم فيه من سعة الرحب ما يكفينا ويكفيهم معاً؛ ولو شئنا، لوجدنا في البحار آفاقاً لا تزال بعيدة بيننا وبينهم؛ بحيث تهيئ لنا السلام (١).
стр. 1567
خاتمة
تراثنا الشرقي
لقد مررنا مسرعين على نحو لم نكن نودُّه، خلال أربع آلاف عام من أعوام التاريخ، فمررنا بذلك على أغنى الحضارات التي شهدتها أكبر القارات؛ ويستحيل أن نكون قد فهمنا هذه الحضارات أو أن نكون قد وفيناها حقها العادل؛ إذ كيف يستطيع عقل واحد في حياة واحدة أن يستوعب أو يقدر تراث جنس بأسره؟ إن النظم الاجتماعية والعادات والفنون والأخلاق عند شعب من الشعوب تصور عملية الانتخاب الطبيعي الذي تقوم به تجارب لا حصر لعددها، يظل فيها ذلك الشعب يخطئ لكي يهتدي بالخطأ إلى الصواب، كما تصور حكمة الأجيال التي تعاقبت في ذلك الشعب، فتكدست تراثاً غزيراً حتى بات من العسير صياغتها في عبارات تضم أطرافها؛ فلا الفيلسوف بذكائه ولا الطالب الصغير بعقله يستطيع أن يحيط بمثل ذلك التراث إحاطة الفاهم لأسراره، دع عنك أن يحكم عليه حكماً عادلاً؛ إن أوربا وأمريكا هما طفل مدلل وحفيد أنجبتاهما آسيا، ولم يُقَدَّر لهما قط أن يتبينا غزارة الثروة التي جاءتهما قبل بداية تاريخهما القديم، لكننا إذا عمدنا الآن إلى تلخيص تلك الفنون وأساليب العيش التي استمدها الغرب من الشرق، أو التي ظهرت لأول مرة في الشرق- حسب ما يدلنا علمنا المحدود المتداول- فسنجد أننا نرسم بذلك التلخيص- عن غير قصد منا- رسماً تخطيطياً لسير المدنية.
إن أول عوامل المدنية هو العمل- الزراعة والصناعة والنقل والتجارة؛
стр. 1568
ونحن نصادف في مصر وآسيا أقدم ما نعلمه من حضارة زراعية (١)، إذ نصادف أقدم نظم الري؛ كما نصادف أول (٢) إنتاج لتلك المشروبات المنبهة التي لا نظن أن الحضارة الحديثة كان يمكن أن تقوم بغيرها- وهي الجعة والنبيذ والشاي؛ لقد تقدمت الصناعات اليدوية والأعمال الهندسية في مصر قبل عهد موسى، تقدمها في أوربا قبل فولتير؛ والبناء بالقراميد يرجع تاريخه إلى عهد سرجون الأول على أقل تقدير؛ وأول ظهور عجلة الخزَّاف وعجلة العربة كان في "عيلام"، وأول ظهور التيل والزجاج كان في مصر، وأول ظهور الحرير والبارود كان في الصين؛ وخرج الحصان من آسيا الوسطى إلى ما بين النهرين ومصر وأوربا؛ وأبحرت السفن الفينيقية حول أفريقيا قبل عصر بركليز، وجاءت "البوصلة" من الصين فأحدثت في أوربا ثورة تجارية؛ وكانت سومر أول من ترك لنا عقوداً تجارية؛ وأول نظام للقروض وأول استعمال للذهب والفضة معيارين للقيمة؛ والصين هي أول من قام بمعجزة قبول الورق مكان الفضة والذهب.
وثاني عناصر المدنية هو الحكومة- أعني تنظيم الحياة والمجتمع ووقايتهما بفضل القبيلة والأسرة والقانون والدولة؛ ففي الهند تظهر الجماعة القروية، كما تظهر "دولة المدينة" في سومر وأشور؛ ومصر قد أحصت سكانها وفرضت ضريبة على الدخل وحافظت على الأمن الداخلي مدى قرون طويلة دون أن تستخدم من وسائل العنف إلا حدها الأدنى؛ وهاهما "أور- إنجور" و "حمورابي" قد سنَّا تشريعين عظيمين من تشريعات القانون؛ و "دارا"
стр. 1569
قد نظم بجيشه الإمبراطوري ورُسُله إمبراطوريةً من خير ما شهد تاريخ الحكومات في حسن الإدارة.
وثالث عناصر المدنية هو الأخلاق- العادات وآداب السلوك، والضمير والإحسان؛ فالأخلاق قانون ينشأ في باطن النفس، ويولِّد فيها آخر الأمر تمييزاً بين الصواب والخطأ، وينظم ما يجيش في الإنسان من شهوات فيخضعها للطريق السوي؛ وبغير ذلك القانون تنحل الجماعة أفراداً وتسقط فريسة لدولة أخرى يكون فيها التماسك الاجتماعي؛ ومن القصور الملكية القديمة في مصر وما بين النهرين وفارس، عرف العالم آداب المعاملة الرقيقة؛ بل إن الشرق الأقصى ليمكنه اليوم أن يعلم آداب المعاملة وكرامة النفس للغرب الغليظ القلق؛ وظهر في مصر نظام الزواج بزوجة واحدة للزوج الواحد، وهناك أخذ ذلك النظام يكافح ليثبت أقدامه ويديم بقاءه إزاء المنافسة التي لاقاها من نظام تعدد الزوجات للزوج أو الأزواج للزوجة الذي ظهر في آسيا، وهو نظام ظالم لكنه عامل على تحسين النوع البشري؛ وكذلك كانت مصر أول دولة بعثت صرختها مطالبة بإقامة العدل الاجتماعي؛ كما كانت الدولة اليهودية أول من دعا الناس إلى الإخاء البشري، وأول من صاغ للإنسانية قانون الأخلاق الذي يشعر الإنسان بنسبته لأسرة البشرية جمعاء.
ورابع عناصر المدنية هو الدين- أي الانتفاع بعقائد الإنسان في القوى الخارقة للطبيعة للتخفيف من الآلام والسمو بالشخصية الإنسانية وتقوية الغرائز الاجتماعية والنظام الاجتماعي؛ فقد استمدت أوربا أعز أساطيرها وتقاليدها من سومر وبابل والدولة اليهودية؛ وفي تربة الشرق نبتت قصص الخلْق والطوفان وسقوط الإنسان وخلاصه؛ ومن آلهات أمهات كثيرات جاءتنا في النهاية "أجمل زهرة من زهرات الشعر" وأعني بها مارية أم الله- كما وصفها هيني- ومن فلسطين برزت الوحدانية وانبعثت أرق أغاني الحب والثناء في الأدب، كما خرج منها أقوى وأعزل وأفقر شخصية شهدها التاريخ.
стр. 1570
وخامس عناصر المدنية هو العلم- وهو النظر الصافي والتسجيل الصادق والاختبار المحايد وجمع المعرفة شيئاً فشيئاً، بحيث تكون من الصدق الموضوعي بما يمكننا من التنبؤ بمجرى الطبيعة في المستقبل وضبطه؛ فنرى مصر قد طوَّرت الحساب والهندسة وأنشأت التقويم؛ كما نرى الكهنة المصريين قد مارسوا الطب وكشفوا عن الأمراض وقاموا بشتى صنوف العمليات الجراحية وسبقوا أبقراط في إخلاصه لفنه؛ ودرست بابل النجوم ورسمت مواضع البروج وقسمت لنا الشهر أربعة أسابيع وآلة قياس الزمن اثنتي عشرة ساعة والساعة ستين دقيقة والدقيقة ستين ثانية؛ وعلمتنا الهند بواسطة العرب أعدادها البسيطة وكسورها العشرية السحرية كما علَّمت أوربا دقائق التنويم المغناطيسي وفن التطعيم.
وسادس عناصر المدنية هو الفلسفة- وهي محاولة الإنسان أن يفهم شيئاً عن الوجود في مجموعه، ولو أن الإنسان حين يأخذه التواضع حيناً بعد حين يتبين الحقيقة، وهي أن فهم الوجود في مجموعه مستحيل إلا على اللانهاية؛ هي بحث جريء يائس عن العلل الأولى للأشياء ومغزاها النهائي، وعن معنى الحق والجمال والفضيلة والعدالة والإنسان الأمثل والدولة المثلى؛ وهذا كله يظهر في الشرق قبل ظهوره في أوربا بقليل: فنرى المصريين والبابليين يتأملون طبيعة الإنسان وقضائه المرسوم، واليهود يكتبون تعليقات خالدة عن الحياة والموت، بينما كانت أوربا تتخبط في طور الهمجية؛ كذلك نرى الهنود يتناولون المنطق ونظرية المعرفة في نفس الوقت الذي عاش فيه بارمنيدس وزينون الأيلي على أقل تقدير، وكتب الـ "يوبانشاد" تخوض في الميتافيزيقيا، وبوذا يذيع علم نفس يشبه ما جاء في علم النفس الحديث القريب العهد، مع أنه عاش قبل أن يولد سقراط ببضعة قرون؛ وإذا كانت الهند قد أغرقت الفلسفة في الدين، ولم توفق إلى استخلاص التفكير السليم من أوهام الأمل، فإن الصين قد صممت جادة أن تجعل تفكيرها دنيوياً، وأنجبت- قبل أن
стр. 1571
يولد سقراط أيضاً- مفكراُ كانت له حكمة رزينة لا تكاد تغير منها شيئاً إذا أرادت أن تجعلها هادية للناس في عصرنا هذا، ومصدر وحي لأولئك الذين يودون مخلصين أن يسوسوا الدول سياسة شريفة.
وسابع عناصر المدنية هو الأدب- وهو نقل اللغة على تتابع الأجيال، وتربية النشء وترقية الكتابة وإبداع الشعر والمسرحية والحافز على القصة وتدوين ذكريات الماضي؛ وأقدم ما نعرف من مدارس هو ما كان منها في مصر وبلاد النهرين، بل إن أقدم المدارس الحكومية كانت مصرية كذلك؛ والأرجح أن تكون الكتابة قد جاءتنا من آسيا، كما جاءت أحرف الهجاء والورق والمداد من مصر، ثم جاءت الطباعة في الصين؛ ويظهر أن البابليين قد جمعوا أقدم مجموعة من قواعد النحو وقواميس الألفاظ وأول ما جمع من مكتبات؛ والاحتمال قوي في أن تكون جامعات الهند قد سبقت أكاديمية أفلاطون، وصقل الآشوريون أنباء الأساطير فجعلوا منها تاريخاً، ثم نفخ المصريون في التاريخ فجعلوه ملحمة؛ وقدم الشرق الأقصى إلى العالم تلك الصور الرقيقة من الشعر التي تركز كل روعتها في نظرات صادقة لطيفة يصوغونها في صور خيالية ترتسم في أذهانهم لساعتها؛ وكان "نابونيدوس" و "أشور بانيبال" من رجال البحث الأثري- وهما اللذان استكشف الباحثون الأثريون آثارهما؛ وترجع طائفة من الحكايات القديمة الخرافية التي تمتع أطفالنا إلى الهند القديمة.
وثامن عناصر المدنية هو الفن- وهو تجميل الحياة بالألوان والأنغام والصور التي تشرح الصدور؛ والفن في أبسط ظواهره يكون في تجميل البدن، فنرى ثياباً رشيقة ومجوهرات فاخرة ودهوناً للزينة الداعرة، نجد كل ذلك في العصور الأولى من حضارة المصريين والسومريين والهنود؛ وإن المقابر المصرية لتملؤها قطع الأثاث الجميلة والخزف الرشيق والنحت الرائع في العاج والخشب؛ ولا شك في أن اليونان قد تعلموا شيئاً من مهارتهم في النحت والعمارة والتصوير والنقش البارز، لا من آسيا وإقريطش فحسب،
стр. 1572
بل كذلك من الآيات الروائع التي كانت لم تزل في أيامهم تسطع على مرآة النيل، فمن مصر وبلاد النهرين أخذت اليونان نماذج عمدها الدورية والأيونية؛ ومن تلك البلاد نفسها جاءنا إلى جانب العمد "البواكي" والدهاليز والقباب؛ وساهمت أبراجُ الشرق الأدنى القديم بنصيب في تشكيل العمارة الأمريكية اليوم؛ وكان للتصوير الصيني والرسوم الحفرية اليابانية أثرهما في تغيير بعض قواعد الفن في أوربا في القرن التاسع عشر، وكذلك وضع "البورسلان" الصيني أمام أعين الأوربيين نموذجاً جديداً للكمال تحتذيه، والجلال الحزين الذي تسمعه في الأغنية الجريجورية، يرجع عصراً بعد عصر حتى يبلغ أصله الأول في الأغاني الباكية التي كان ينشدها اليهود المشردون إذ هم يجتمعون خاشعين في معابدهم المتناثرة هنا وهناك.
تلك هي بعض عناصر المدنية؛ وجزء من التراث الذي خلفه الشرق للغرب.
ومع ذلك كله فقد وجد العالم القديم (من التاريخ الأوربي) مجال الإضافة إلى هذا التراث الفني فسيحاً، فستبنى إقريطش حضارة تكاد تبلغ في قِدَمِها مبلغ الحضارة المصرية، وستكون حلقة اتصال تربط بين ثقافات آسيا وأفريقيا واليونان؛ وسترقى اليونان بالفن بحيث لا تنشد الحجم بل الكمال، وستزاوج بين رقة الأنوثة التي تتمثل في الصورة النهائية والصقل الختامي للقطعة الفنية وبين قوة الذكورة التي تتمثل في عمارة مصر وتماثيلها، فتمهد السبيل بذلك إلى جو يظهر فيه أعظم عصر شهده تاريخ الفن؛ وستُدخل في نواحي الأدب كلها تلك الخصوبة المبدعة التي يتصف بها العقل الحر، فتضيف ملاحم ملتوية الشعاب ومآسي عميقة الأغوار، وملاهي ضاحكة وتواريخ تأخذ بالخيال، ستضيف كل ذلك إلى ذخيرة الآداب الأوربية، وستنظم الجامعات وتقيم حرية الفكر الدنيوي فترة ناصعة تتخلل فترات يضطهد فيها الفكر المستقل؛ وستفوق كل سوابقها في الرقي بالرياضة والفلك وعلم الطبيعة التي خلفتها لها مصر والشرق؛ وستبتكر علوم الحياة ابتكاراً، وتنشئ نظر الإنسان إلى الكون نظرة طبيعية، وستأخذ بيد الفلسفة حتى تصل بها إلى مرحلة الوعي
стр. 1573
والنظام، وستبحث بحثاً عقلياً خالصاً في كل مشكلات حياتنا؛ ستحرر الطبقات المتعلمة من سلطان رجال الدين ومن الخرافة، وتحاول إقامة الأخلاق على أساس لا يعتمد في شيء على معونة ما فوق الطبيعة؛ وستنظر إلى الإنسان باعتباره مواطناً لا باعتباره "رعية"، وتهبه حريته السياسية وحقوقه المدنية، وتطلق له من الحرية العقلية والخلقية ما لم يسبق له نظير، ستخلق الديمقراطية خلقاً وتنشئ الفرد إنشاء؛ وستستأنف روما السير في هذه الثقافة فتنشرها في أرجاء الدول القائمة في منطقة البحر الأبيض المتوسط، وتحميها مدى خمسمائة عام من هجمات البرابرة، ثم تنقلها خلال الأدب الروماني واللغات اللاتينية إلى أوربا الحديثة؛ وسترفع المرأة إلى مراكز القوة والمجد والتحرير العقلي، التي ربما لم تكن قد ظفرت بها من قبل؛ وتقدم إلى أوربا تقويماً جديداً وتعلمها مبادئ النظام السياسي والأمن الاجتماعي، وتقيم حقوق الفرد على أساس ثابت من القوانين التي عملت على تماسك القارة الأوربية خلال قرون من الفقر والفوضى والخرافة.
وفي الوقت نفسه سيعود الشرق الأدنى ومصر إلى الازدهار مرة أخرى بحافز من التجارة والفكر اليونانيين والرومانيين، وستحيى قرطاجنة كل ما كان لصيدا وصور من ثروة ورفاهية؛ وسيجتمع "التلمود" في أيدي يهود مشتتين لكنهم ذوو ولاء؛ وسيزدهر العلم والفلسفة في الإسكندرية، وسيتولد من امتزاج الثقافتين الأوربية والشرقية دين أريد به أن يمحو الحضارة اليونانية والرومانية إلى حد ما، وأن يُبقي عليها ويضيف إليها إلى حد ما؛ إن كل العوامل كانت مهيأة لتنتج الفترات التي كانت بمثابة الذُّرى للعصور القديمة (الأوربية)، وهي أثينا في عهد بركليز، وروما في عهد أوغسطس، وأورشليم في عصر "هيرود"؛ وكان المسرح معَداً لمسرحية مثلثة الجوانب، قوامها أفلاطون وقيصر والمسيح.
стр. 1574
كلمة عن المؤلف
ولد "وِل ديورَانْت" في "نورث آدمز" من أعمال "ماساشوست" سنة ١٨٨٥؛ وتلقى تعليمه في مدارس "نورث آدمز" هذه ومدارس "كيرني" من أعمال "نيوجيرسي"، وهي مدارس تتبع الكنيسة الكاثوليكية في ذينك الإقليمين؛ وتلقاه كذلك في كلية القديس بطرس (اليسوعية) في مدينة جيرسي وفي جامعة كولمبيا بنيويورك؛ ولبث صيفاً يشتغل مراسلاً ناشئاً "لجريدة نيويورك" وكان ذلك عام ١٩٠٧؛ لكنه وجد هذا العمل شديد الوطأة على نفسه فلم يحتمل المضي فيه، فاكتفى بتدريس اللاتينية والفرنسية والإنجليزية وغيرها من المواد في كلية "ستين هول" في سوث أورانج من أعمال نيوجيرسي (١٩٠٧ - ١١)، وهناك التحق بإحدى حلقات الدرس سنة ١٩٠٩، لكنه عاد فتركها سنة ١٩١١ لأسباب ذكرها في كتابه "مرحلة التحول"، وانتقل من تلك الحلقة الدراسية إلى الدوائر المتطرفة في نيويورك، وهناك اشتغل بالتدريس في "مدرسة فرر" (١٩١١ - ١٣)، فكانت تلك الفترة بمثابة التجربة في التربية الحرة؛ وفي سنة ١٩١٢ طاف بأرجاء أوربا على نفقة "أولدن فريمان"، الذي صادقه وتعهد أن يوسع من آفاقه؛ وفي سنة ١٩١٣ ركز اهتمامه في الدراسة ليحصل على الدرجة الجامعية من جامعة كولمبيا، وتخصص في علم الحياة متتلمذاً على "مررجَنْ" و "كالْكِنْز"؛ وفي الفلسفة متتلمذاً على "وودبردج" وديوي"؛ ونال درجة الدكتوراه من تلك الجامعة سنة ١٩١٧، وأخذ يعلم الفلسفة في جامعة كولمبيا عاماً واحداً؛ ثم بدأ يلقي في سنة ١٩١٤ - في الكنيسة المسيحية الكائنة في شارع أربعة عشر وفي الطريق الثاني بنيويورك- بدأ يلقي هناك تلك المحاضرات في الفلسفة والأدب التي أعدته لإخراج كتابيه "قصة الفلسفة" و "قصة الحضارة"؛ فقد كان
стр. 1575
معظم المستمعين إليه في تلك المحاضرات من العمال والعاملات الذين كانوا يتطلبون وضوحاً تاماً وعلاقة تربط ما يقال بالحوادث الجارية، كانوا يتطلبون ذلك في كل المواد التاريخية التي تعتبر جديرة بالدرس؛ وفي سنة ١٩٢١ نظم "مدرسة ليِبَرْ تمبل" التي أصبحت تجربة من أنجح التجارب التي أجريت في تربية الكبار في العصر الحديث؛ ثم تركها سنة ١٩٢٧ ليكرس نفسه لكتاب "قصة الحضارة" وطاف بأوربا مرة أخرى سنة ١٩٢٧، وطوف بالعالم سنة ١٩٣٠ ليدرس مصر والشرق الأدنى والهند والصين واليابان؛ وعاد فطوف بالعالم من جديد سنة ١٩٣٢ ليزور اليابان ومنشوريا وسيبريا وروسيا؛ وهو يرجو لنفسه في الخمسة الأعوام المقبلة (التي تلت إخراج هذا الجزء من قصة الحضارة) أن ينفق عاماً في اليونان وإيطاليا ليأخذ أهبته للجزء الثاني من "قصة الحضارة".
стр. 1576
- ط -
مقدمة الترجمة
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
نحمدك اللهم على توفيقك ونصلى ونسلم على نبيك الكريم وعلى جميع أنبيائك ورسلك. وبعد فهذا هو الجزء الأول من المجلد الثاني من مجلدات قصة الحضارة التي يصدرها الكاتب الأمريكى ول ديوارانت. وهذا المجلد الثاني هو المعروف "بحياة اليونان"، وقد تمت كذلك ترجمة المجلد الثالث الخاص بحضارة الرومان، والذي سماه المؤلف "قيصر والمسيح" وسيصدر إن شاء الله بعد الفراغ من نشر المجلد الثاني.
ولقد بدأنا منذ بضعة شهور ترجمة المجلد الرابع من هذه السلسلة العظيمة، وهو الذي سماه المؤلف "عصر الإيمان"، والذي يصل بالقصة إلى العصور الوسطى. ونرجو أن نفرغ من هذه الترجمة قبل أن ينشر المؤلف المجلد الخامس الخاص بعصر النهضة، والذي يقول إنه سيصدر في عام ١٩٥٥. فإذا ما مد الله في حياتنا ورزقنا صحة الجسم وراحة البال، بدأنا ترجمة هذا المجلد عقب صدوره، فلا يبقى بعد هذا لكى تتم القصة إلا المجلد السادس "عصر العقل" الذي سيصدر بالإنكليزية في عام ١٩٦٠. فإذا ما ترجمناه هو الآخر فاعتقادنا أننا نكون قد دينا لهذا الوطن العزيز واللغة العربية حقهما علينا ونكون قد آن لنا وللمؤلف كما يقول عن نفسه أن نستريح.
هذا والفضل كل الفضل فيما صدر من قبل من هذا الكتاب الجليل الشأن وما سيصدر بعد من مجلداته الستة إلى الإدارة الثقافية في جامعة
стр. 1577
- ي -
الدول العربية فبمعونتها وثقتها ترجمناه منها، ثم إلى لجنة التأليف والترجمة والنشر التي تولت أعمال الطبع والنشر وتحملت نفقاتهما، ثم إلى القراء في مصر وسائر البلاد العربية الذين أقبلوا على أجزاء المجلد الأول الخمسة إقبالا كان له أكبر الأثر في تشجيعنا على بذل ما يتطلبه هذا العمل الضخم من جهد، وتحمل ما يسببه من عناء.
ولقد كانت طريقتنا في الترجمة هي بعينها الطريقة التي ابتعناها في كل ما ترجمناه من قبل، وهي التقيد التام بالأصل المترجم لم نشذ عنه في شيء، فلم ننقص منه ولم نزد عليه، اللهم إلا شروحاً وتعليقات قليلة في هوامش الصفحات.
أما تعريب الأعلام فقد اتبعنا فيه نطقها الذي ثبته المؤلف في آخر الكتاب، عدا أسماء قليلة نطق بها العرب على غير ما ينطق بها الأوربيون، كأفلاطون وأرسطو، وسقراط، وأسماء أخرى ورد ذكرها في كتب العرب الأقدمين؛ وإذ كان قد فاتنا شيء منها في هذا الجزء فرجاؤنا ألا يفوتنا في الجزأين التاليين، وزيادة في الدقة قد رأينا أن نثبت أسماء الأشخاص والأماكن حين يرد ذكرها أول مرة بالحروف الإنكليزية حتى يسهل النطق بها على الوجه الصحيح، وإنا لنرحب بكل تنبيه لما عساه أن يكون قد خفى علينا من هذه الأسماء، ونعد بالاستفادة منه في الاجزاء التالية مع خالص الشكر لأصحابه، ونرجو ألا يطول انتظار القراء لهذه الأجزاء.
في شهر مارس من عام ١٩٥٣
محمد بدران
стр. 1578
مقدمة المؤلف
إن الغرض الذي أبتغيه من تأليف هذا الكتاب هو أن أجيل الفكر في أصل الحضارة اليونانية ونشأتها وترعرعها واضمحلالها من أقدم العهود التي تدل عليها آثار كريت وطروادة إلى أن فتحت رومة تلك البلاد، وأن أدون ما أهتدى إليه من بحوث في هذا الميدان. وإنى لشديد الرغبة في أن أرى هذه الحضارة المعقدة وأن أحس بها، على ألا يكون إحساسي بها وروايتها مقصورين على البحث في نهضتها وسقوطها بحثا نظرياً مجرداً، بل أريد به بحثاً يتغلغل على البحث في نهضتها وسقوطها بحثاً نظرياً مجرداً، بل أريد به بحثا يتغلغل فيما تشتمل عليه من عناصر حية كثيرة التباين، متعددة الأنواع، منها طريقة أهلها في انتزاع الرزق من الأرض، وفي تنظيم التجارة والصناعة، وما قاموا به من تجارب في الحكم الملكي المطلق، والأرستقراطي والدمقراطى والدكتاتورى، ومن ثورات على حكامهم ونظمهم؛ ومنها عاداتهم وأخلاقهم وطقوسهم الدينية ومعتقداتهم، وتربية أبنائهم وشؤون أسرهم وتنظيم علاقاتهم الجنسية؛ وبيوتهم ومعابدهم وأسواقهم ومسارحهم وميادين ألعابهم؛ وأشعارهم ومسرحياتهم وتصويرهم ونحتهم وعمارتهم ومسيقاهم؛ وعلومهم ومخترعاتهم وخرافاتهم وفلسفاتهم؛ أريد أن أرى هذه العناصر وأن أحس بها لا في عزلتها النظرية العلمية، بل في تفاعلها الحي وأثر كل عنصر منها في سائر العناصر، وأن أبحثها من حيث هي حركة عامة شاملة يقوم بها كائن حي ثقافي عظيم، له مائة عضو ومائة ألف ألف خلية ولكن له جسما واحداً وروحاً واحداً.
ولم هذا العناء كله؟ لأننا لا نكاد نجد شيئاً في ثقافتنا الدنيوية- اللهم إلا آلاتنا لسنا- لسنا مدينين به لليونان فالألفاظ الإنجليزية الدالة على المدارس والملاعب، والحساب والهندسة، والتاريخ، والبلاغة وعلوم الطبيعة
стр. 1579
والأحياء والتشريح والصحة والأقراباذين، وفن التجميل والشعر والموسيقى، والمآسى والمسالى، والفلسفة، والدين، واللاأدرية، والتشكك، والرواقية والأبيقورية، وعلم الأخلاق، والسياسة، والمثالية، وحب الإنسانية، والكلبية، والاستبداد والبلوتوقراطية والدمقراطية، كل هذه ألفاظ يونانية لصور من الثقافة لم ننشئها نحن إنشاءً بل إنها قد نضجت وترعرعت- خيراً كان ذلك أو شراً- بفضل نشاط اليونان العظيم. والمشاكل التي تقض مضاجعنا في هذه الأيام- كتقطيع الغابات واستئصال أشجارها وما ينشأ عن ذلك من تعرية الأرض وإزالة تربتها، وتحرير المرأة وتحديد عدد أفراد الأسرة، والمحافظة على القديم المستعز، وإجراء التجارب على الجديد في الأخلاق والموسيقى ونظم الحكم، وفساد السياسة والاعوجاج الخلقى، والنزاع بين الدين والعلم، وضعف المعنوية التي تستمدها الأخلاق من خوارق الطبيعة، وحروب الطبقات والأمم والغارات، وثورات الفقراء على الأغنياء الأقوياء من الناحية الاقتصادية، وثورات الاغنياء على الفقراء الأقوياء من الناحية السياسية. والنزاع بين الدمقراطية والدكتاتورية، وبين الفردية والشيوعية، وبين الشرق والغرب، كل هذه الأمور قد اضطربت بها حياة بلاد اليونان الباهرة المتألقة، وكأنها قد اضطربت بها لنتعلم منها نحن ونفيد منها في حياتنا. وقصارى القول أنه ليس في الحضارة اليونانية شيء لا ينير لنا سبل حياتنا.
وسنحاول في هذا الكتاب أن ندرس حياة بلاد اليونان من حيث تفاعل عناصرها الثقافية ومن حيث هي مسرحية كبرى ذات فصول خمسة تبدأ بنهضتها وتختتم بسقوطها. سنبدأ بكريت وحضارتها التي أنيط عنها اللثام من وقت قريب لأن من كريت، كما يبدو لنا ومن بلاد آسية جاءت ثقافة ميسيني mycenae وتيرنز Tiryns التي نشأت فيها قبل الأزمنة التاريخية، فحولت على مهل المهاجرين الآخيين Achaeans والغزاة
стр. 1580
الدوريين Dor ans إلى متحضرين، وستخصص بعض الوقت لدراسة عالم المحاربين والمحبين، والقراصنة والمغنين، الذي انتقل إلينا في أشعار هومر القوية الجارفة، وسنرقب نشأ اسبارطة وأثينة في عهد ليكورج lycurgus وصولون solon ونتتبع انتشار الاستعمار اليوناني في جميع جزائر بحر إيجه، وشواطئ آسية الغربية، والبحر الأسود، وأفريقية وإيطاليا وصقلية، وفرنسا وأسبانيا، وسنرى الدمقراطية تدافع عن حياتها في مراثون Marathon ثم تبعث في نشوة الظفر قوة على قوتها، فتنظم نفسا في عهد بركليز pericles وتزدهر وتثمر أغنى حضارة عرفها التاريخ وسنطيل النظر مسرورين مغتبطين إلى العقل البشرى وهو يتحرر من الخرافات والأوهام، فينشئ علوما جديدة، وينزل الطب على حكم العقل، وينزل بالتاريخ من خوارق الطبيعة ومن الأجرام السماوية إلى العالم الأرضى، ويبلغ الغاية التي لم يصل إليها عقل شعب آخر من قبل في الشعر، والتمثيل، والفلسفة، والخطابة والتاريخ، والفن، وسوف نسجل في هذا الكتاب ونحن آسفون محزونون، ما اختتم به العصر الذهبي في الحروب البلوبونيزية من خاتمة قضت فيها المدن اليونانية بعضها على بعض. وسنشاهد ذلك المجهود الجبار المنطوى على البسالة والشهامة والذي بذلته أثينة المضطربة المحتلة النظام لتستعيد قوتها بعد هزيمتها وسنراها عظيمة حتى في اضمحلالها تنجب أفلاطون وأرسطاطاليس وأبليز Apilles وبركستليز Praxiteles وفيليب ودمستين وديجين، والإسكندر؛ وسنرى في أعقاب قواد الإسكندر الحضارة اليونانية، أعظم وأقوى من أن تحتويها شبه الجزيرة، فتخترق حدودها الضيقة وتفيض من جديد على آسية، وأفريقية، وإيطاليا؛ وتعلم الشرق المستغرق في تصوفه وباطنيته جلال الجسم والعقل، وتعيد مجد مصر في إسكندرية البطالمة وتغني رودس بالتجارة والفن وتنهض بالهندسة على يد إقليدس في الإسكندرية وأخميديس في سرقوسة، وتضع على أيدي زينون وأبيقور أبقى الفلسفات في التاريخ؛