فسافر إلى الصين، ودرس هناك فن الخزف مدى ستة أعوام، وعاد بعدها ليقيم مصنعاً له في سيتو، وتفوق بضاعته على كل ما سبقه في بلاده من هذه الصناعة، حتى أصبحت "منتجات سيتو" علماً على كل صناعة خزفية في اليابان كلها، وذلك شبيه بما حدث في اللغة الإنجليزية في القرن السابع عشر، حين أطلقت كلمة "منتجات صينية" على الخزف البورسلاني؛ وقد كتب الحاكم العسكري "يوريتومو" الثراء لذلك الخزاف "شيروزيمون" حين ابتدع بدعاً جديداً، وهو أن يكافئ الخدمات الصغرى بهدايا من أباريق الشاي التي "صنعها شيروزيمون"، هذا بعد أن يملأها بهذه الأعجوبة الجديدة، وهي مسحوق الشاي، وما بقي لنا اليوم من آثار هذه المنتجات - ويطلق عليها اسم "توشيرو - ياكي" (١) - يكاد يغلو عن أي ثمن مهما غلا، وترى تلك الآثار باقية ملفوفة في الحرير الموشي الثمين، ومصونة في صناديق من خشب "اللاكيه" الجميل، وإذا حدثك محدث عن أصحابها، حدثك عنهم بأنفاس متقطعة على أنهم سادة خبراء الفن (٦٧).
وبعد ذلك بثلاثمائة عام، أغرت الصين يابانياً آخر بالرحلة إليها، وهو "شونْزِوِي" ليدرس مخازفها المشهورة؛ ولما عاد إلى بلاده، أنشأ مصنعاً في "أريتا" في إقليم "هيزن"، وكان مما قام في وجهه من صعاب، أنه لم يجد في تربة بلاده المواد المعدنية التي تعين على صناعة الخزف الرقيق، كالتي توجد في تربة الصين؛ وقد قيل عن منتجاته إن عنصراً من أهم عناصرها مستمد من عظام صُنَّاعه، ومهما يكن من أمر، فمنتجات "شونزِوِي" ذات اللون الأزرق الإسلامي (كذا؟) قد بلغت من الروعة حداً أغرى خزافي الصين في القرن الثامن عشر أن يبذلوا وسعهم في تقليدها وتصديرها مُزَوَّدة باسمه، والعينات الباقية من صناعته، تقدر اليوم بما يقدر به أندر الصور
стр. 1507
الفنية التي رسمتها ريشة الصفوة من أعلام الفن في اليابان (٦٨)، وحدث حوالي سنة ١٩٠٥، أن كشف رجل من كوريا - هو "رايزمبي" - في "إزومي - ياما" الواقعة في إقليم "أريتا" عن رواسب غزيرة من حجر البورسلان، فأصبحت "هيزن" منذ ذلك الحين مركزاً لصناعة الخزف في اليابان، وكذلك كان "كاكيمون" المشهور ممن قاموا بهذه الصناعة في "أريتا" إذ تعلم فن الطلاء بالميناء من ربان سفينة صينية، وبعدئذ احترف هذه الصناعة حتى كاد اسمه يصبح كلمة معناها البورسلان الذي طلى بالميناء طلاء رقيق الزخارف، وراح التجار الهولنديون يرسلون إلى أوربا مقادير هائلة من مصنوعات هيزن، كانوا يعبئونها في السفن من ميناء "أريتا" عند "عماري"، فأرسلوا من ذلك ٩٤٣ ر ٤٤ قطعة إلى هولندا وحدها عام ١٦٦٤، فأثارت "المنتجات العمارية" الباهرة هزة في أوربا، وأوحت إلى "إيبرجت دي قيصر" أن يفتتح عهداً ذهبياً من صناعة الخزف الهولندية بمصانعه في "دلفت".
هذا إلى أن ظهور الاحتفال بشرب الشاي، قد حفز على تطور جديد في اليابان، وذلك أنه في عام ١٥٧٨ كلَّف "نوبوجانا" - بإشارة من "ركْيُو" سيد الشاي - أسرة كورية من المشتغلين بصناعة الخزف في كيوتو، أن تصنع له مقداراً كبيراً من أقداح الشاي وغيرها من الأدوات المستعملة في عمله وشربه، ومضت أعوام قلائل بعد ذلك ثم أهدى "هيديوشي" تلك الأسرة خاتماً ذهبياً، وجعل مصنوعاتها وتعرف باسم "راكو - ياكي" شرطاً يكاد يكون لازماً لتمام الاحتفال بشرب الشاي، وعاد قادة جيش هيديوشي من حملتهم الفاشلة على كوريا، عادوا ومعهم عدد كبير من الأسرى، كان بينهم كثير من رجال الفن، اختيروا قصداً، وهو اختيار لا نألفه في رجال الحروب، وفي سنة ١٥٩٦ أحضر "شيمازويو شيهيرو" إلى "ساتسوما" مائة من مهرة الكوريين، بينهم سبعة عشر خزَّافاً، فكان لهؤلاء الرجال وأخلاقهم الفضل
стр. 1508
في نشر سمعة "ساتسوما" في أرجاء العالم كله مقرونة بتلك المصنوعات الخزفية المصقولة الزاهرة الألوان، والتي نطلق عليها اليوم اسم مدينة إيطالية، إذ نسميها "فاينْس"، وكان علم أعلام هذا الفرع من فن الخزف هو خزف كيوتو، واسمه "نِنسي"، ولم يكتف هذا الرجل بابتكاره بطلي خزف "فاينس" بالميناء، بل أضاف إلى ذلك رشاقة في مصنوعاته واعتدالاً سليم الذوق يعلو بقيمتها، مما جعلها نفيسة في أعين هواة هذا الفن منذ ذلك اليوم، حتى إن اسمه ليزوَّر أكثر مما يزور أي اسم آخر من رجال الفن في اليابان (٦٩)، وقد كان من أثر صناعته، أن أقبل الناس على خزف "فاينس" المزخرف، إقبالاً بلغ في العاصمة حد الجنون، وفي بعض الأحيان في كيوتو كنت ترى منزلاً من كل منزلين قد انقلب تحفة خزفية (٧٠)؛ وهناك خزاف آخر، لا يفوقه شهرة إلا "نِنسى" وهو "كِنزان" الذي كان شقيقاً أكبر للمصور "كورين".
وهنالك قصة تروي عن كيفية إحضار "جوتوسايجيرو" لفن البورسلان من "هيزن" إلى "كاجا"، ومن تلك القصة نتبين طرفاً من أعاجيب الخيال التي كثيراً ما نراها كامنة وراء فن الخزف في نشأته وتطوره، وذلك أن طبقة من رواسب الحجر الخزفي الجميل قد استُكشفت قريباً من قرية "كوتاني"، فصمم الحاكم الإقطاعي في ذلك الإقليم على إنشاء صناعة البورسلان في إقليمه، وأرسل جوتو إلى هيزن لدراسة طرائق صناعته في الأفران وزخرفته بالرسوم، لكن جوتو لم يجد طريقه ميسَّراً، إذ وجد القائمين على صناعة الخزف يكتمون أسرار صناعتهم كتماناً شديداً، وأخيراً تنكر خادماً وقبل عملاً وضيعاً في منزل خزاف، وبعد أن قضى في خدمته ثلاثة أعوام أذن له سيده بالدخول في مصنع الخزف، وهناك لبث جوتو يعمل أربعة أعوام أخرى؛ وبعدئذ هجر الزوجة التي كان تزوج بها في هيزن والأطفال الذين أنجبتهم له تلك الزوجة، وفر إلى كاجا، حيث أحاط مولاه علماً كاملاً بالطرائق التي تعلمها، ومنذ ذلك الحين (١٦٦٤) أصبح خزافو "كوتاني" أعلاماً في هذا
стр. 1509
الفن، وباتت "كوتاني" - "ياكا" (أي مصنوعات كوتاني) تنافس خيرة منتجات اليابان في هذا الباب (٧١).
واحتفظت مصانع "هيزن" لمنتجات الخزف بزعامتها إبان القرن الثامن عشر كله؛ وكان ذلك يرجع إلى حد كبير إلى العناية الكريمة التي أولاها الحاكم الإقطاعي "هيرادو" عمال مصانعه، ولبثت مصنوعات الخزف الأزرق المسماة "منشاواكي" والتي كانت تنتمي لـ "هيرادو"، لبثت قرناً كاملاً (١٧٥٠ - ١٨٤٣) في طليعة البورسلان الياباني، ثم نَقَلَ "زنجورو هوزن" الزعامة في القرن التاسع عشر إلى كيوتو، بتقليد بارع لمصنوعات "متشاواكي"، كثيراً ما بز فيها النموذج المحتذي، بحيث كان يستحيل أحياناً أن تفرق بين الأصل والتقليد، وفي الربع الأخير من ذلك القرن، هذبت اليابان من صناعة الطلي بالميناء، فطوَّرتها من الحالة البدائية التي كانت عليها منذ قدومها من الصين، وتزعمت العالم كله في هذا الميدان من ميادين الصناعة الخزفية (٧٢)، وتدهورت فروع أخرى من تلك الصناعة في الفترة عينها، لأن ازدياد الطلب في أوربا للخزف الياباني، أدى إلى نمط فيه إسراف في الزخرف، لا يستسيغه الذوق الياباني، فكان من أثر هذا الطلب للخزف الياباني من خارج البلاد، أثر في تعويد العمال عادات جديدة في صناعتهم تأثرت بها مهارتهم، وضعفت تقاليد ذلك الفن، وجاءت الصناعة الآلية فكانت هاهنا - كما كانت في كل مكان آخر - وبالاً؛ فحل الإنتاج الكبير محل الجودة، كما حل الاستهلاك الكبير محل الذوق الذي يميز الطيب من الخبيث، ومن يدري؟ فلعله بعد أن يفرغ الاختراع الآلي في الصناعة من شوطه الخصيب، وبعد أن تنتشر في الناس نعمة الفراغ وطريقة استعماله استعمالاً فيه خلق وإبداع، بفضل ما يطرأ على المجتمع من تنظيم وخبرة، ستتحول هذه النقمة إلى نعمة، بحيث تنشر الصناعة في أكثرية الناس ألوان الترف، فقد يعود العامل فيصبح فناناً كما كان - بعد أن يستكمل ساعات عمله القليلة أمام الآلة - وقد يحول الإنتاج الآلي إلى عمل يعبر فيه عن شخصيته وفنه إذا ما أحبه حباً صادراً من صميم نفسه وفرديته.
стр. 1510
الفصل التاسع
التصوير
مشكلات الموضوع - الطريقة والمادة - القوالب الفنية والمثل
العليا - الأصول الكورية والوحي البوذي - مدرسة توسا - العودة إلى
الصين - سشيو - مدرسة كانو - كوينسو - وكورين - المدرسة الواقعية
لئن كانت سائر الموضوعات التي مسسناها بالحديث على هذه الصفحات مما لا ينبغي فيه الحديث لغير المتخصصين، فذلك أصدق بالنسبة للتصوير الياباني؛ وإذا نحن استملناه هاهنا بكلامنا جنباً إلى جنب مع غيره من الموضوعات التي تمس خفايا النفس، حيث تخشى الملائكة أن تدوس بأقدامها في غير احتفال، فإنما نشتمله بالكلام آملين أن يستطيع القارئ خلال هذه الغلالة التي نقدمها له من نسيج الأخطاء، أن يلمح قبساً يهديه إلى لب الحضارة اليابانية في تمام خصائصها وجودة عنصرها، فآيات التصوير الياباني نتاج فترة من الزمن طولها ألف ومائتا عام، تتقسمها كثرة متشابكة الخيوط من مختلف المدارس؛ وقد طرأ على تلك الآيات الفساد أو الضياع على مر الزمن، وتكاد كلها تكون خبيثة بين المجموعات الخاصة في اليابان (١).
وأما الآيات القليلة المعروضة لأعين الباحثين من الأجانب، فمختلفة في قالبها وطريقتها وأسلوبها ومادتها عن الصور الغربية اختلافاً، يستحيل معه إصدار حكم سليم عليها من عقل غربي.
فالصور اليابانية - قبل كل شيء تشبه نماذجها في الصين من حيث
стр. 1511
إنها رُسمت أول ما رسمت بنفس الفرجون الذي كان يستخدم للكتابة؛ والكلمة التي معناها كتابة، والأخرى التي معناها تصوير، هما في الأصل كلمة واحدة - كما هي الحال أيضاً عند اليونان، فالتصوير كان عبارة عن فن خطي؛ وهذه الحقيقة الأساسية قد تفرع عنها نصف خصائص التصوير في الشرق الأقصى، بادئاً من المادة المستعملة في التصوير، ومنتهياً إلى إخضاع اللون للتخطيط، فالمواد المستعملة بسيطة: مداد أو ألوان مائية، وفرجون وورق نشاف أو حرير نشاف، وأما العمل نفسه فعسير: فالفنان لا يعمل وهو واقف، بل يعمل جاثياً على ركبتيه، منحنياً على قطعة الحرير أو قطعة الورق المنشورة على الأرض؛ ولابد له من ضبط يده في التخطيط بالفرجون، حتى يستطيع أن يخط إحدى وسبعين درجة أو أسلوباً من درجات التخطيط أو أساليبه (٧٣)؛ وكانت الرسوم ترسم على الجدران في القرون الأولى، أيام أن كانت البوذية مسيطرة على الفن في اليابان، على نحو ما كانت ترسم الصور الجدارية في "أجانتا" أو "تركستان"؛ غير أن كل ما بقي لدينا تقريباً من أعمال فنية واسعة الشهرة إما أن تكون من نوع الـ "ماكيمونو" (أي اللفائف) أو نوع الـ "كاكيمونو" (أي التعاليق) أو من نوع الستائر، ولم تكن هذه الصورة ترسم لتعرض في متاحف الفن عرضاً يخلو من استساغة المشاهدين لفنها - إذ ليس في اليابان متاحف للفن - إنما كانت ترسم لتكون متعة لناظري مقتنيها وأنظار أصدقائه؛ أو كانت تُرسم لتكون جزءاً من زينة زخرفية في معبد أو قصر أو منزل؛ وكان من النادر جداً أن تصور تلك الرسوم أشخاصاً معينين، إذ كان معظمها يصور لمحات من الطبيعة، أو مشاهد من النشاط العسكري، أو قبسات فكهة أو تهكمية تصور ما يشاهده الفنان من طرائق العيش عند الحيوان أو بني الإنسان نساء ورجالاً.
كانت صورهم أقرب إلى أن تكون قصائد تعبر عن وجدان الفنان، منها إلى أن تكون رسماً لأشياء؛ كما كانت أدنى شبهاً بالفلسفة منها بالتصوير
стр. 1512
الفوتوغرافي؛ فلم يحاول الفنان الياباني أن يلتزم الواقع في تصويره، وقلما أراد أن يقلد برسمه الصورة الخارجية للشيء المرسوم، فقد نفض يديه، في ازدراء من ظلال الأشياء، على اعتبار أنها لا تتصل بجواهر الأشياء، مؤثراً لنفسه أن يصور "في الهواء الطلق" بمعنى أنه لا يتقيد بتجسيم الشيء بوساطة تأثير النور والظل، وهو يبتسم ساخراً بالغربيين في إصرارهم على أن يخضعوا الأشياء البعيدة لقواعد النظر في رؤيته للأشياء على أبعاد، بحيث تصغر تبعاً لذلك أو تكبر، يقول "هوكاساي" - في تسامح فلسفي - "إن التصوير الياباني يمثل القالب واللون بغض النظر عن التجسيم. أما طرائق الأوربيين فتهدف إلى التجسيم والإيهام" (٧٤)؛ أراد الفنان الياباني أن ينقل شعوراً أكثر مما ينقل شيئاً، أراد أن يوحي أكثر مما يعرض الشيء بأكمله كما هو، ففي رأيه لا يلزم أن تبين من عناصر المنظر المرسوم أكثر من عدد قليل، فالأمر هنا في التصوير كالأمر في الشعر الياباني، الذي لا يسمح بالزيادة في القول عن مجرد القدر الذي يكفي لإثارة وجدان التقدير الفني في السامع، بحيث يعمل خياله إعمالاً يكمل به النتيجة الجمالية المراد بلوغها، وكان المصور شاعراً، يقدر إيقاع التخطيط، ويقدر موسيقى القوالب، أكثر جداً مما يقدر أشكال الأشياء وطرائق بنائها التي تختار اختياراً كما اتفق، وهو كالشاعر يعتقد أنه لو أخلص لمشاعره، فحسبه هذا القدر من الواقعية.
ويحتمل أن تكون كوريا هي التي جاءت بفن التصوير للإمبراطورية القلقة التي تم لها عندئذ غزوها، وأغلب الظن أن بعض رجال الفن من كوريا هم الذين رسموا الصور الجدارية ذات الانسياب في خطوطها والازدهار في ألوانها التي تراها في "معبد هوريوجي"، لأنك لا تجد شيئاً في تاريخ اليابان فيما قبل القرن السابع، تفسر به مثل هذا الإنتاج القومي المفاجئ الذي بلغ فيه كمال الفن روعة لا يعيبها خطأ، ثم جاءها الحافز الثاني من الصين
стр. 1513
مباشرة، حين ذهب إليها الكاهنان اليابانيان "كوبودايشي" و "دنجيودايشي" ليدرسا فيها فن التصوير، فلما عاد "كوبودايشي" (سنة ٨٠٦) إلى اليابان، كرس نفسه للتصوير وللنحت وللأدب والعبادة في آن معاً، وبعض الآيات التي تعد من أقدم الآيات الفنية، هي من نتاج فرجونه المتعدد المواهب؛ وكانت البوذية أيضاً مصدر وحي للفنان في اليابان كما كانت مصدر حي له في الصين، فممارسة الحالة التأملية البوذية المعروفة باسم "زن" قد اتجهت ناحية الإبداع في ناحيتي اللون والشكل، بقوة تكاد تقرب من القوة التي اتجهت بها نحو الفلسفة والشعر؛ وكثرت مناظر "اميدا بوذا" في الفن الياباني كثرة مناظر البشرى بمولد المسيح ومناظر صَلْبه على الجدران واللوحات التي ترجع إلى عهد النهضة الأوربية؛ والكاهن "ييشين سوزو" (مات سنة ١٠١٧) هو لليابان بمثابة "فرا إنجليكو" و "إلى جريكو" لذلك العصر، فتصويره لصعود "أميدا" وهبوطه جعله أعظم مصور ديني في تاريخ اليابان؛ وكان عندئذ "كوسي نو - كا نوكا" (حوالي ٩٥٠) قد بدأ في جعل التصوير الياباني علماني الصبغة؛ وهاهنا بدأت الطيور والزهور والحيوان تنافس الآلهة والأولياء على لوحات التصوير.
غير أن فرجون "كوسي" كان ما يزال يتحرك على أساس القواعد الصينية ويفكر بعقول أهل الفن في الصين؛ ولم تبدأ اليابان في قرونها الخمسة التي اعتزلت بنفسها فيها وأخذت خلالها تصور مناظرها هي، وموضوعاتها هي، بطريقتها الخاصة، إلا حين وقفت علاقات الاتصال بين اليابان والصين في القرن التاسع؛ ونشأت مدرسة قومية لفن التصوير حوالي سنة ١١٥٠، تحت رعاية الدوائر الإمبراطورية والأرستقراطية في كيوتو؛ وأعلنت تلك المدرسة سخطها على ما يرد إلى البلاد من الخارج، من حوافز وأساليب في عالم الفن، وأخذت على نفسها أن تزخرف منازل العاصمة الفاخرة، برسوم زهور اليابان ومناظرها الطبيعية، وكان لهذه المدرسة عدة أسماء، كما كان لها عدة أعلام بارزين، فيطلق عليها "ياماتو- ريو" أو الأسلوب
стр. 1514
الياباني، و "واجا - ريو" ومعناها كذلك الأسلوب الياباني، و "كاسوجا" باسم مؤسسها المشهور، وأخيراً يطلق عليها "مدرسة توسا" باسم أهم ممثل لها في القرن الثالث عشر، وهو "توسا جون - نو - كومي)؛ ومنذ ذلك الحين، ظل اسم "توسا" يطلق على كل رجال الفن الذين ينتمون إلى تلك المدرسة، وهي مدرسة جديدة بوصفها بالصفة القومية، لأنك لا تجد في الفن الصيني ما يقابل مما أنتجته فراجين أتباع هذه المدرسة من حيث القوة والثبات والتنوع والفكاهة، مما تراه في اللوحات التي تقص قصصاً عن الحب والحرب، فحوالي سنة ١٠١٠ رسم "تاكايوشي" بالألوان رسوماً فخمة تصور حكاية "جنجي" وما فيها من غواية، وسرى "توبا سوجو" عن نفسه برسم صور تهكمية نابضة بالحياة، يسخر فيها من أوغاد عصره وكهنته، تحت ستار من القردة والضفادع، ولما وجد "فوجيوارا تاكانوبو" قرب نهاية القرن الثاني عشر، أن حسبه الشريف لا يغنيه شيئاً مذكوراً في إشباع حاجته من الطعام والشراب، استدار للفرجون يكسب به عيشه، ورسم صوراً عظيمة لـ "يورنيومو" وغيره، لا تشبه في شيء قط ما أنتجته الصين حتى ذلك الحين، وصور ابنه "فوجيوارا نوبوزاني" ستاً وثلاثين صورة للشعراء، محتملاً ما في ذلك العمل من صبر، وفي القرن الثالث عشر رسم ابن "كاسوجا" وهو "كيون" - أو غيره. تلك اللوحات الحية التي تعد من أروع ما أنتجه العالم كله في فن التصوير.
لكن هذه المصادر القومية التي كانت تبعث الوحي، راحت تجف شيئاً فشيئاً، بحيث تتحول إلى أوضاع تقليدية في الأشكال والأساليب، وعاد الفن الياباني من جديد فالتمس غذاءه عند المدارس الجديدة التي كانت ناهضة في الصين أيام "نهضة صنج"، ولبث اليابانيون حيناً مدفوعين إلى تقليد الصين بغير ضابط، وأنفق الفنانون اليابانيون الذين لم يشهدوا "المملكة الوسطى"
стр. 1515
قط، أنفقوا أعمارهم في رسم أشخاص ومناظر من الصين، فرسم "شو دنو" ست عشرة صورة لأولياء بوذيين، هي الآن بين الكنوز المعروضة في "متحف فرير"للفن في واشنطن، وأما "شوبون" فقد شاءت له ظروفه أن يولد وأن ينشأ في الصين، فلما جاء ليقضي حياته في اليابان، استطاع أن يصور مناظر طبيعية صينية مستعيناً في ذلك بذاكرته وبخياله معاً.
وكانت هذه الفترة الثانية من فترات التصوير الياباني، هي الفترة التي أنجبت أعظم شخصية ظهرت في تاريخ التصوير كله، وهو "سشيو"، الذي كان كاهناً من طائفة "زن" في "سوكوكوجي"، وهي مدرسة من المدارس الفنية الكثيرة التي أقامها "يوشيمتسوا" الحاكم العسكري من أسرة "أشيكاجا"؛ فقد استطاع "سشيو" هذا وهو لم يزل في يفاعته أن يدهش بني بلده برسومه؛ وتروي عنه أسطورة لم تدر كيف تعبّر عن إجلالها لفنه، تروي أنه ربط ذات يوم إلى عمود لسوء سلوكه، فرسم بأصابع قدميه جرذاناً بلغ شبهها بالجرذان الحية حداً جعل الحياة تدب فيها فتأتي لتقرض الوثاق الذي شد به (٧٥)، ولما اشتد به الشوق إلى الاتصال بسادة الفن في الصين حينئذ اتصالاً مباشراً، حصل على أوراق اعتماد رسمية من رؤسائه الدينيين ومن الحاكم العسكري، ثم عبر البحر، لكن رجاءه خاب حين وجد التصوير الصيني في طريقه إلى التدهور، ثم عزى نفسه بما وجده في تلك المملكة العظيمة من تنوع في الحياة والثقافة، وعاد إلى وطنه مملوءاً بآلاف الأفكار الجديدة التي توحي إليه بما ينبغي أن يفعله؛ وتروي الرواية أن رجال الفن ورجال الطبقة العليا من أهل الصين، صحبوه إلى السفينة التي أعادته إلى بلاده، وأمطروه بورقات بيض ملتمسين منه أن يرسم فيها رسوماً تخطيطية بسيطة - إن لم يَجُدْ عليهم بأكثر من ذلك - ثم يرسلها إليهم؛ ومن ثم - هكذا تقول هذه الرواية - سمي باسمه الرمزي "سشيو"، الذي معناه "سفينة الثلج" (٧٦)، لأن الورقات البيض
стр. 1516
تساقطت عليه كما يتساقط الثلج، والظاهر أنه لما بلغ اليابان استقبله الناس هناك استقبالهم لأمير، ومنحه الحاكم العسكري "يوشيماسا" منحاً كثيرة، لكنه رفض هذه المنح كلها - لو أخذنا بما نقرأه عن الأمر - وعاد فأوى إلى أبراشيته الريفية في "شوشو" وهناك راح ينثر الفن نثراً، واحدة في إثر واحدة، كأنما ينتج في كل لحظة نتاجاً تافهاً عابراً أوحت به ظروف اللحظة الراهنة، حتى كاد يخلّد بصوره كل جوانب الصين في مناظرها وحياتها؛ فقلما رأت الصين مثل هذا التنوع كله في موضوعات التصوير عند الفنان الواحد - ولم تر اليابان مثل ذلك قط في تاريخها - كلا ولا رأت مثل هذه القوة في التصور والتصوير معاً، وفي ثبات الخطوط؛ ولما بلغ الشيخوخة، دقَّ رجال الفن في اليابان طريقاً إلى بابه وكرموه فجعلوه - حتى قبل موته - فناناً في طليعة الركب؛ وإن الصورة بريشة "سشيو" لتقدر اليوم عند هواة الصور من اليابانيين، بمثل ما يقدر به هواة الأوربيين صورة بريشة ليوناردو؛ وتروي أسطورة من تلك الأساطير التي تحول الأفكار الغريبة إلى حكايات لطيفة، أن رجلاً كان يملك صورة من رسم "سشيو" ثم اشتعلت النار بمنزله بحيث كان يستحيل عليه النجاة، فبقر بطنه بقراً بسيفه ودسّ في معدته قماشة الصورة النفيسة - ووجدت الصورة بعدئذ سليمة من التلف داخل جثمانه الذي كانت النار قد أكلته إلى نصفه (٧٧).
واستمر ازدياد التأثير الصيني في كثير من رجال الفن الذين كانوا في كنف أمراء الإقطاع من الأسرتين العسكريتين: "أشيكاجا" و "توكوجاوا"؛ وكان لكل أمير في حاشيته مصوره الرسمي الذي نيط به أن يدرب مئات الفنانين الناشئين الذين قد تدعو الحاجة المباغتة إلى استخدامهم في زخرفة أحد القصور؛ إذ كانت المعابد عندئذ تُنسى، لأن الفن كان في طريق التحول إلى المجال الدنيوي كلما ازدادت البلاد ثراء؛ ولما دنا القرن الخامس عشر من ختامه، أنشأ "كانو ماسانوبو" في كيوتو تحت رعاية "أشيكاجا" مدرسة
стр. 1517
للفنانين العلمانيين، أطلق عليها الجزء الأول من اسمه، وجعلها تتجه بجهدها كله نحو الاحتفاظ بكل شدة بالتقاليد الكلاسيكية الصينية في الفن الياباني؛ وبلغ ابنه "كانو موتونوبو" في هذا الاتجاه مبلغاً جعله عَلَماً لا يمتاز عليه إلا "سشيو" وحده؛ وإن قصة لتروى عنه فتبين بياناً واضحاً كيف أن تركيز الانتباه والثبات على غاية واحدة هما اللذان يكونان العبقرية؛ تقول عنه القصة إنه قد طُلِبَ إليه أن يصور عدداً من طيور الكركيّ فشوهد مساءً بعد مساء يمشي مشية الكركي؛ واتضح أنه كان في كل ليلة يقلد الكركي الذي كان مصمماً على تصويره في اليوم التالي؛ فيظهر أن الإنسان لابد له من الذهاب إلى مخدعه والغاية المنشودة نصب عينيه، حتى يستيقظ في الصباح مشهوراً، وظهر حفيد لـ "موتونوبو" - هو "كانو ييتوكو"، فطوَّر على يديه تحت رعاية هيديوشي، نمطاً فنياً أبعد ما يكون عن الكلاسيكية المتزمتة التي اصطنعها أسلافه، على الرغم من أنه فرعاً من أسرة "كانو"، وجاء "تانيو" فنقل مركز المدرسة من كيوتو إلى بيدو، وعمل في كنف أفراد أسرة "توكوجاوا" وعاون في زخرفة مقبرة "أيياسو" في "نكو" وبالرغم من كل هذه المحاولات نحو مواءمة الفن لظروف العصر، فقد استنفذت أسرة "كانو" دوافعها إلى الفن على مر الزمن، وأدارت اليابان وجهها نحو أعلام آخرين يبدءون لها في تاريخ فنها شوطاً جديداً.
وهكذا ظهرت طائفة أخرى من رجال التصوير سنة ١٦٦٠، وأطلق عليها اسم عَلَمَيها الزعيمين، إذ سميت "مدرسة كويتسو - كورين"، وكان من طبيعة التذبذب الذي يطرأ على الفلسفات وأنماط الفن، أن تنظر هذه المدرسة الجديدة إلى الأوضاع والموضوعات الصينية التي عني بها "سشيو" و "كانو" نظرتها إلى الشيء الرجعي الذي أبلاه الزمان؛ وتلفت الفنانون الجدد يبحثون عن مناظر في بلادهم نفسها، واستوحوا بلادهم الإلهام الفني والموضوعات التي يديرون فيها فنهم ذاك؛ وكان "كويتسو" رجلاً بلغ به
стр. 1518
تنوع المواهب حداً يذكّرنا بما قاله "كارلايل" غيرةً من سواه من العظماء، إذ قال إنه لا يعرف عظيماً واحداً لم يكن ليستطيع أن يكون عظيماً في أي مجال شاء؛ ذلك أن "كويتسو" هذا كان ممتازاً في الخط وممتازاً في التصوير، وممتازاً في الرسم على المعادن و "اللاكيه" والخشب؛ وهو شبيه بـ "وليم مورس" في قيامه بحركة إحيائية في سبيل الطباعة الجميلة، وأشرف على قرية قام فيها صُنَّاعُه بمختلف ألوان الفن تحت إرشاده (٧٨)، ولم ينافسه الزعامة في التصوير في عهد "توكوجاوا" إلا "كورين" ذلك المصور البارع للأشجار والأزهار، الذي يحدثنا عنه معاصروه فيقولون إنه كان يستطيع بجرة واحدة من فرجونه أن يطبع ورقة من أوراق السوسن على قماشه الحرير فتحيا (٧٩)؛ ولست تجد مصوراً سواه تمثلت فيه الروح اليابانية الخالصة كاملة كما تمثلت فيه؛ أو أظهر الروح اليابانية كما أظهرها هو إظهار جعله بمثابة النمط لليابان كلها في سلامة ذوقه ودقة فنه (١).
وآخر مدارس التصوير اليابانية التي يسجلها التاريخ، بمعنى كلمة التصوير الدقيق، مدرسة أسسها "مارويامي أوكيو" في كيوتو في القرن الثامن عشر؛ وكان "أوكيو" هذا رجلاً من الشعب، حركت نوازع الفن في نفسه معرفته اليسيرة بالتصوير الأوربي، فصمم أن يهجر الأسلوب القديم بما فيه من نزعة مثالية ونزعة تأثرية قد نفذت منهما عصارة الحياة، وأن يحاول وصفاً واقعياً لمشاهد بسيطة يختارها من الحياة اليومية الجارية؛ وأغرم غراماً خاصاً برسم الحيوان، واحتفظ بصنوف كثيرة من أنواع الحيوان تعيش حوله ليتخذ منها موضوعات لفنه؛ وقد حدث مرة أن رسم خنزيراً متوحشاً وأطلع الصيادين
стр. 1519
على صورته فخاب رجاءه حين ظن هؤلاء الصيادون أن الخنزير المرسوم يصور خنزيراً ميتاً؛ فلبث يحاول، حتى رسم صورة لخنزير قال عنها الصيادون إن الخنزير الذي تصوره ليس ميتاً، ولكنه نعسان (٨١)؛ ولما كانت الطبقة العالية في كيوتو مفلسة، اضطر "أوكيو" أن يبيع صوره لأبناء الطبقة الوسطى، ولعل هذه الضرورة الاقتصادية هي التي ألزمته إلى حد كبير أن يختار لفنه موضوعات شعبية، لدرجة أنه جعل يصور بعض غانيات
стр. 1520
كيوتو، وصعق لذلك فنانو الجيل السابق لجيله، ولكنه مضى في طريقه خارجاً على التقاليد؛ وجاء "موري سوزن" فتقبل زعامة "أوكيو" في التزام الطبيعة في الفن، وقصد إلى حيث تسكن الحيوانات فعاش بينها لكي يتاح له الإخلاص في تصويرها، حتى أصبح أعظم مصور ياباني في رسم القردة والغزلان؛ فلما مات "أوكيو" (١٧٩٥) كان الواقعيون قد كسبوا السيادة التامة على فن التصوير، واستطاعت مدرسة شعبية خالصة أن تستوقف الأنظار، لا في اليابان وحدها، بل في أرجاء العالم كله.
стр. 1521
الفصل العاشر
الصور المحفورة
مدرسة "يوكيوبي" - مؤسسوها - أعلامها - هوكوساى - هيروشيجا
إنها لأضحوكة أخرى من أضاحيك التاريخ أن يكون الفن الياباني أقرب إلى الغرب علماً وأعمق فيه تأثيراً، عن طريق جانب من جوانبه، هو أقل تلك الجوانب منزلة في اليابان نفسها؛ فقد تحول فيما يقرب من منتصف القرن الثامن عشر، فن الحفر الذي كان قد وفد على اليابان في ثنايا التعاليم البوذية وملحقاتها قبل ذاك بخمسمائة عام، تحول فأصبح أداة لتوضيح الكتب وحياة الناس بالرسوم، ذاك أن الموضوعات القديمة والطرائق القديمة كانت قد فقدت رونق الجدة ففقدت بذلك اهتمام الناس بها، إذ أترع هؤلاء الناس بصور القديسين البوذيين والفلاسفة الصينيين، والحيوانات التي استغرقت في التأمل، والزهور التي ترمز للطهر والبراءة؛ ونهضت طبقات جديدة من الناس فاحتلت مكان الصدارة، وافتقدت في الفن تصويراً لشؤون حياتهم، وراحت تخلق من رجال الفن من يُقبل راضياً على إشباع تلك الرغبات؛ فلما كان التصوير يتطلب فراغاً ونفقات، ولا ينتج إلا صورة واحدة في المرة الواحدة، عمل الفنانون الجدد على اصطناع فن الحفر لتحقيق غاياتهم، فحفروا الصور في الخشب، وبذلك تمكنوا من إصدار عدد رخيص من الصورة الواحدة بمقدار ما يطلب سوادُ الشارين في السوق، وكانت هذه الرسوم المحفورة تلوَّن باليد أول الأمر حتى إذا جاء عام ١٧٤٠ صنعت ثلاثة "كليشيهات" للصورة الواحدة: واحدة لا لون فيها، وثانية لوِّن جانب منها باللون الأحمر الوردي، وثالثة لونت في بعض أجزائها باللون الأخضر، ثم كانت الأوراق المراد طبعها على "الكليشيهات" بالتناوب، وأخيراً في
стр. 1522
سنة ١٧٦٤ صنع "هارونوبو" أول كليشيهات متعددة الألوان، فمهد بذلك الطريق إلى تلك الرسوم الناصعة التي رسمها "هوكوساى" و "هيروشيجي". والتي جاءت للأوربيين الذين ملوا الثقافة القائمة وتحرقوا ظمأ لكل ما هو جديد. جاءت تلك الرسوم للأوربيين حافزاً وموحياً؛ وهكذا ولدت مدرسة "يوكيوبي" التي جعلت موضوعها "صور الحياة العابرة".
ولم يكن مصوروها أول من جعل الإنسان العاري من الألقاب موضوعاً للفن؛ فقد سبق لـ "إواسا ماتابي" في أوائل القرن السابع عشر أن أدهش فئة "السيافين" بتصويره على ستار سداسيّ الجوانب رجالاً ونساء وأطفالاً في
стр. 1523
أوضاع الحياة اليومية بغير تحفظ؛ وقد وقع اختيار الحكومة اليابانية سنة ١٩٠٠ على هذا الستار "واسمه هيكوني بيوبو" لعرضه في باريس، وأمَّنت على سلامته أثناء الرحلة بثلاثين ألف ين (وهو ما يعادل خمسة عشر ألف ريال) (٨٢) وفي سنة ١٦٦٠ صنع "هيشيكاوا مورونوبو" مصور الزخارف على الأقمشة في مدينة كيوتو، أول رسوم بالكليشيهات، صنعها أول الأمر لتطبع في الكتب توضيحاً لمادتها، ثم صنعها ليستخدمها في طبع رسوم وبيعها للشعب كما تباع البطاقات المصورة عندنا اليوم؛ وحوالي سنة ١٦٨٧، انتقل "توروكوجوموتو" مصور المناظر في مسارح "أوساكا"، انتقل إلى "ييدو" وعلَّم مدرسة "يوكيوبي" (التي كانت محصورة في العاصمة وحدها) كيف يمكنها أن تستفيد من الوجهة المالية، إذا هي اتجهت نحو تصوير الرسوم المحفورة لمشاهير الممثلين في ذلك العصر، وبعدئذ انتقل الفنانون الجدد من المسرح إلى مواخير الدعارة في "يوشيوارا"، فخلعوا بفنهم مسحة من الخلود على كثيرات من ربات الجمال الزائل، وهكذا دخلت الأثداء العارية والأطراف المتلألئة - بعد أن خلعت عذارها - حرم فن التصوير الياباني الذي كان لا يدخله من قبل إلا موضوعات الدين والفلسفة.
وظهر أعلام هذا الفن الذي تقدم وتطور، حول منتصف القرن الثامن عشر؛ فقد صنع "هارونوبو" رسوماً تحتوي على اثني عشر لوناً، بل خمسة عشر لوناً، مستخدماً في ذلك كليشيهات بعدد الألوان، ولما أحس لذعة الضمير لرداءة ما صوره في سابق عهده للمسرح، راح يعوض عن ذلك برسوم تتجلى فيها الرقة اليابانية، يعرض فيها ألوان الشباب المرح في عالمه الشيق وبلغ "كيوناجا" أوج الفن في هذه المدرسة وجعل يستخدم اللون والخطوط متداخلاً بعضه في بعض، في رسمه لسيدات من الطبقة العالية مستقيمات القامة، دون أن تؤثر تلك الاستقامة في مرونة البدن؛ وأما "شاراكو" فالظاهر أنه لم
стр. 1524
ينفق أكثر من عامين في حياته لتصميم الرسوم المحفورة، لكنه في هذا الأمد القصير استطاع أن يرقى إلى طليعة العاملين في هذا الفن، بفضل صوره عن "الأولياء (الرونين) الأربعة والسبعين؛ ورسومه التي أفحشت في سخريتها بـ "نجوم" المسرح الهاويات من سمائها؛ وصور "أوتامارو" الذي عرف بالخصوبة في نبوغه وتنوع قدرته، كل ضروب الأحياء من الحشرات إلى الفاجرات، فقد قضى نصف حياته العاملة في الـ "يوشيوارا" وأرهق نفسه متعهً وعملاً، وزج في السجن عاماً (١٨٠٤) لرسمه "هيديوشي" محاطاً بأربع غانيات من خليلاته (٨٣)؛ وكأنما مل "أوتامارو" تصويره لغمار الناس في أوضاع الحياة العادية، فأخذ يصور سيداته الرقيقات المهذبات في رشاقة تكاد تقول عنها إنها رشاقة روحانية، صورهن برؤوس مائلة قليلاً، وعيون مستطيلة منحرفة، ووجوه طويلة، وقدود عجيبة لفَّتها ثياب مناسبة كثيرة الطبقات؛ ثم فسد في الذوق فأفسد هذا النمط الفني بحيث جعله متكلفاً ممقوتاً، فانحدرت مدرسة "يوكيوبي" إلى ما يدنو من الفساد والتدهور، لولا أن قام بها زعيماها المشهوران فمدا من حياتها نصف قرن آخر.
أما أحدهما فهو "هوكوساى" الذي نعت نفسه "بالرجل الكهل الذي جُنَّ بالتصوير"، وقد امتد به العمر إلى ما يقرب من تسعين عاماً، ومع ذلك كتب يرثي لبطء سيره نحو الكمال وقصر أمد الحياة، فقال:
"لقد تولاني جنون عجيب منذ السادسة من عمري برسم كل ما يصادفني من الأشياء كائناً ما كان، فلما بلغت الخمسين كنت قد نشرت عدداً من آثاري مختلفة أنواعها، لكن لم أطمئن إلى أي منها اطمئناناً تاماً، ولم يبدأ عملي الحق إلا حين بلغت السبعين، وهاأنذا الآن في الخامسة والسبعين، وقد استيقظ في نفسي حب الطبيعة بمعناها الصحيح، ولذا تراني آمل أن أظفر عند الثمانين بقوة من إدراك البصيرة يظل ينمو معي حتى أبلغ التسعين، فإذا ما بلغت
стр. 1525
المائة كان لي - في أغلب الظن - أن أقرر تقرير الواثق بأن إدراك بصيرتي قد أصبح إدراكاً فنياً خالصاً؛ ولو وهبني الله أن أعيش حتى العاشرة بعد المائة كان رجائي عندئذ أن يشعَّ من كل خط أسطره بل من كل نقطة أخطها فهمٌ جوهري صحيح بالطبيعة .... وإني لأطلب من أولئك الذين سيمتد بهم العمر ما يمتد بي أن يروا إن كنت ممن يفون بما يعدون أو لم أكن، لقد كتبت هذا وأنا في سن الخامسة والسبعين، أنا الذي كان اسمه "هوكوساى" وأصبح الآن يدعى "الرجل الكهل الذي جُنَّ بالتصوير" (٨٤).
وكان شأنه شأن سائر رجال الفن من مدرسة "يوكيوبي" من حيث إنه
стр. 1526
نشأ من طبقة العمال، فهو ابنٌ لصانع كان يصنع المرايا، وألحقوه بفنان يدعى "شنسو" ليأخذ عنه الفن، لكنه لم يلبث أن طرد لأصالته، وعاد إلى أسرته ليعيش فقيراً شقياً مدى حياته الطويلة، ولم يستطع أن يعيش بتصويره، فراح يجول في المدينة بائعاً للطعام وكراسات التقويم، وحدث أن احترقت داره، فلم يزد على إنشائه هذه العبارة من الشعر:
لقد احترقت الدار
فما كان أجل الزهور وهي تهوي!.
وجاءه الموت وهو في التاسعة والثمانين، واستسلم له كارهاً وهو يقول:
لو وهبتني الآلهة عشرة أعوام أخرى فقط لأمكنني أن أكون فناناً عظيماً بحق".
وخلف وراءه خمسمائة مجلد تحتوي على ثلاثين ألف صورة كلها مخمور بروح الفن اللاشعوري حين يتناول الطبيعة في شتى صورها؛ فقد رسم - محباً لما رسم مكرراً له في أوضاع مختلفة - رسم الجبال والصخور والأنهار والجسور ومساقط الماء والبحر، وحدث بعد أن فرغ من نشره لكتاب "ست وثلاثين صورة من مناظر فيوجي" أن قفل راجعاً ليجلس عند سفح الجبل المقدس من جديد، كما فعل الكاهن البوذي المفتون الذي تروي عنه الأساطير (١)، وهناك رسم "مائة منظر من فيوجي"، ونشر سلسلة أسماها "أخيلة الشعراء" عاد فيها إلى الموضوعات الرفيعة التي كان يتناولها الفن الياباني من قبل، وكان من بين هذه المجموعة منظر يصور "لي بو" العظيم بجانب الوادي الصخري ومسقط الماء يطلق عليهما "لو".
وفي سنة ١٨١٢ نشر الجزء الأول من مجموعة قوامها خمسة عشر جزءاً،
стр. 1527
أسماها "مانجو" - وهي سلسلة من صور واقعية تشتمل على الأخص تفصيلات الحياة اليومية الجارية تلذع بما فيها من فكاهة، وتفحش بما تحتوي عليه من تشهير مقُنَّع، وقد كان ينثر هذه الصور نثراً دون عناية أو مجهود، فيخرج منها اثنى عشرة كل يوم، حتى صور بها كل ركن من أركان الحياة الشعبية في اليابان، ولم تكن الأمة قد شهدت قط من قبل مثل هذه الخصوبة ولا مثل هذا التصور العقلي السريع النافذ، ولا القدرة على التنفيذ بكل هذه الحيوية الجامحة، وكما أن رجال النقد في أمريكا قد قللوا في حسابهم من شأن "وِتمان"، فكذلك قلل رجال النقد ودوائر الفن في اليابان من شأن "هوكوساى"، فلم يروا إلا فورة فرجونه وسوقية عقله التي تتبدى آناً بعد آن، لكن جيرانه لما مات - جيرانه الذين لم يكونوا يعلمون أن "وِسْلرْ" قد أخذه التواضع لحظة فوضعه في أعلى منزلة من منازل الفن التي لم يحتلها أحد سواه منذ "فلاسكويز" - أقول إنه لما مات دهش جيرانه حين رأوا كل تلك الجنازة الطويلة تنبعث من ذلك المنزل المتواضع.
وآخر شخصية برزت من مدرسة "يوكيوبي" هو "هيروشيجي" (١٧٩٦ - ١٨٥٨) الذي يقل شهرة عن "هوكوساى" في البلاد الغربية، لكنه أكثر منه احتراماً في الشرق، وتنسب إليه مائة ألف صورة حفرية متميزة الخصائص، وكلها يصور المناظر الطبيعية في بلاده تصويراً فيه من الإخلاص ما ليس في رسوم "هوكوساى"، وفيه فنٌ أنزل "هيروشيجي" منزلة قد تجعله أعظم من صوَّر المناظر الطبيعية من أهل اليابان؛ فقد كان "هوكوساى" إذا وقف إزاء الطبيعة لا يرسم المنظر كما يبدو، بل يرسم خيالاً شاطحاً يوحي إليه بالمنظر الذي يراه، أما "هيروشيجي" فقد أحب الطبيعة نفسها بشتى صورها، ورسمها بدرجة من الإخلاص تمكن الرحالة الذي يمرّ بالأجزاء التي رسمها أن يتبين الأشياء والسفوح التي أوحت إليه بصوره تلك،
стр. 1528
وفي وقت يقع حوالي سنة ١٨٣٠ أخذ طريقه في السكة الرئيسية التي تمتد من طوكيو إلى كيوتو، فكان في رحلته شاعراً بأدق معنى الشاعرية حين لم يقصد تواً إلى غايته المقصودة، بل سمح لنفسه أن تنشغل بالمناظر التي استثارتها وهو في الطريق؛ فلما فرغت رحلته جمع انطباعاته بتلك المناظر في مجموعة له مشهورة اسمها "المحطات الثلاثة والخمسون على الطريق العام" (١٨٣٤)، وقد أحب رسم المطر والليل في كل صورهما المشبعة بروح الغموض، ولم يَفُقْه في ذلك إلا "وِسْلرْ" الذي جرى على غراره في رسمه لمناظر المساء (٨٨)، وكذلك أحب "هيروشيجي" "فيوجي" كما أحبها "هوكوساى"، ورسم لجبالها "المناظر الستة والثلاثين"، غير أنه أحب معها مسقط رأسه "طوكيو"، ورسم "مائة منظر من مناظر ييدو" قبيل موته، ولْئن لم يعمَّر ما عُمِّره "هوكوساى" إلا أنه أسلم شعلة الفن وهو مطمئن لما صنع:
إني أترك فرجوني في "أزوما"
وأتابع رحلتي "إلى الغرب المقدس"
لكي أشاهد المناظر المشهورة هناك (١)
стр. 1529
الفصل الحادي عشر
فن اليابان وحضارتها
مراجعة - موازنات - تقدير - خاتمة اليابان القديمة
كانت الرسوم الحفرية في اليابان آخر مرحلة تقريباً من مراحل تلك المدنية اللطيفة الرقيقة التي اندك بناؤها تحت ضغط الصناعة الغربية، كما أن تشاؤم العقل الغربي ومرارة نظرته إلى العالم اليوم، قد يكونان آخر مظهر من مظاهر مدنية أراد لها القضاء أن تموت تحت وطأة الصناعة الشرقية؛ ولما كانت اليابان في عصورها الوسطى التي امتدت حتى عام ١٨٥٣ غير ذات أذى لنا، كان في مستطاعنا أن نقدر جمالها تقديراً فيه العطف والرعاية؛ وإنه لمن العسير علينا أن نرى في اليابان بعد أن أقامت المصانع التي تنافس مصانعنا، وأقيمت بها المدافع التي تتهدد سلامنا، من العسير علينا أن نرى في مثل هذه اليابان ذلك السحر الذي يفتننا حين ننظر إلى مختارات ماضيها الجميلة؛ وقد ننظر أحياناً نظرة عقلية هادئة، فندرك أن تلك اليابان القديمة شهدت كثيراً من العسف، وأن الفلاحين كانوا يعيشون في فقر، والعمال يقيمون على ضيم، وأن النساء كن إماء يُبَعْن وقت الشدة لمتعة من شاء أن يستمتع، وأن الحياة كانت رخيصة، وأنه في النهاية لم يكن ثمة قانون يحمي الرجل من سواد الشعب إلا سيف "السياف"؛ لكن الأمر في أوربا كان على هذه الحال نفسها: كان الرجال يصطنعون القسوة وكانت المرأة خاضعة للرجل، وكان الفلاحون يعيشون في فقر، والعمال يقيمون على ضيم، وكانت الحياة عسيرة، والفكر الحر مجلباً للخطر، ولم يكن في النهاية من قانون سوى إرادة سيد الإقطاع أو الملك.
وكما أننا قد نشعر بالحب لأوربا القديمة التي شهدت كل هذا، لأنها وسط
стр. 1530
ما غمرها من فقر واستغلال وتعصب، استطاع أهلها أن يبنوا الكنائس بناء يعنون فيه بنحت كل حجر من أحجاره نحتاً جميلاً؛ وراحوا يضحون بأنفسهم ليكسبوا لخلفهم حق التفكير؛ أو كانوا يقاتلون في سبيل العدالة حتى خلقوا بقتلهم تلك الحريات المدنية التي هي أنفس جزء من تراثنا وأكثره تعرضاً للزوال؛ فكذلك كان وراء صليل سيوف السيافين (في اليابان) ما يستحق التمجيد من شجاعة لا تزال تبث في اليابان قوة فوق ما يتناسب مع عدد أهلها أو كمية تراثها، وكذلك نستطيع أن نتبين وراء الرهبان الكسالى شاعرية البوذية، وقدرتها التي لا تنفذ على الإيحاء بالشعر والفن؛ ونستطيع كذلك أن نستشف وراء الصفعة القوية التي تنم عن القسوة، والوقاحة الظاهرة التي يعامل بها القويُّ الضعيف؛ نستطيع أن نستشف وراء هذا كله أرق ضروب الأخلاق، وأبهج ألوان المحافل، وإخلاصاً لجمال الطبيعة في كل صورها لا يدانيه إخلاص، ثم نستطيع أن نرى وراء استعباد المرأة، جمالها ورقتها ورشاقتها التي لا تنافسها فيها امرأة أخرى؛ ووسط مظاهر الاستبداد الذي يظلل الأسرة، ترن في آذاننا أصوات السعادة تنبعث من الأطفال وهم يلعبون في جنة الشرق.
إن شعر اليابان الذي يضبط فيه الشاعر نفسه ضبطاً يؤديه إلى الاقتضاب، والذي تستحيل ترجمته، لا يحرك اليوم مشاعرنا تحريكاً قوياً؛ ومع ذلك فهذا الشعر نفسه- فضلاً عن الشعر الصيني- هو الذي أوحى لنا "بالشعر المرسل" و "التصوير الشعري" الذين نعهدهما في شعرنا اليوم؛ ولم تعرف اليابان إلا قليلاً من الفلاسفة، وكذلك يندر جداً في مؤرخيها أن تجد روح الحياد الرفيع الذي يصادفك عند قوم لا يكتبون الكتب لتكون ملحقاً لقوتهم العسكرية أو السياسية؛ لكن هذه أشياء تعدّ من الصغائر في حياة اليابان، لأنها أنفقت جهدها كله في اتجاه حكيم، وهو أن تخلق صور الجمال أكثر مما تتعقب الحق؛ وكانت الأرض التي عاش عليها اليابانيون أشد غدراً من أن تقوم عليها عمارة
стр. 1531
شامخة، ومع ذلك فالدُّور التي كانت تبنيها تلك البلاد هي "أجمل ما خططه العالم من دُور إذا نظرنا إليها من وجهة نظر جمالية" (٩٠)، ولم ينافسها في العصور الحديثة بلد آخر في رشاقة تحفها الصغيرة وجمالها- كثياب النساء والمراوح والشمسيات، والفناجين ولعب الأطفال، والمدلَّيات والعُقَد الحريرية المزخرفة، وروعة الطلاء "باللاكيه" والنحت الرائع في الخشب؛ ولم يبلغ أي شعب حديث ما بلغه الشعب الياباني من ضبط الزخارف ورقتها، أو من شيوع الذوق المرهف الأصيل؛ نعم إن الخزف (البورسلان) الياباني لا ينزل في التقدير- حتى في نظر اليابانيين أنفسهم- منزلة الخزف الذي كان يصنع في "صنج" و "منج" (في الصين)، لكنه إن كانت الصين وحدها قد بزتها في تلك الصناعة، فإن عمل الخزاف الياباني ما يزال يعلو على مثيله من نتاج الأوربيين المحدثين؛ ولئن كان التصوير الياباني تعوزه قوة التصوير الصيني وعمقه، ثم لئن كانت الرسوم الحفرية اليابانية قد تسوء حتى تبلغ أن تكون مجرد رسوم للإعلان، وهي في أجود حالاتها لا تزيد على كونها إثباتاً سريعاً لتوافه كانت قمينة أن تزول وشيكاً، فأضيف إليها شيء مما يميز الفن الياباني من تمام الرشاقة وكمال التخطيط؛ فإن التصوير الياباني- لا التصوير الصيني- وإن الرسوم الحفرية اليابانية لا ألوانها المائية، هي التي أحدثت الثورة في فن التصوير إبان القرن التاسع عشر، وهي التي كانت حافزاً لإجراء مئات التجارب الفنية البديعة الطريفة؛ ولما أعيد التبادل التجاري بعد سنة ١٨٦٠ بين أوربا واليابان كانت تلك الرسوم الحفرية التي تدفقت إلى أوربا في ذيل التجارة، هي التي أثرت أعمق الأثر في "مونيه" و "مانيه" و "ديجا" و "وِسْلَرْ"، فهؤلاء قد أقلعوا إلى الأبد عن "الصلصة البنية اللون" التي لازمت التصوير الأوربي كله تقريباً من "ليوناردو" إلى "مِلِتْ"، وملئوا رقعات التصوير في أوربا بصور الشمس، واستحثوا المصور الفنان أن يكون أقرب إلى الشاعر منه إلى الفوتوغرافي؛ يقول "وِسْلرْ" في اعتداد جعل
стр. 1532
الناس جميعاً إلا معاصريه يكبرونه: "لقد تمت بالفعل قصة الجمال، لأنه تبدى منحوتاً في المرمر الذي تراه في البارثنون، ولأنه مُوَشَّى على هيئة الطير في المروحات التي رسمها "هوكوساى" على سفح فيوجي ياما" (٩١).
وإنا لنرجو ألا يكون هذا القول صواباً، لكنه كان هو الصواب في رأي اليابان القديمة وإن لم تصرح به؛ وماتت اليابان القديمة بعد "هوكوساى" بأربعة أعوام، ذلك لأنها عاشت حياة وادعة رخية في عزلتها البعيدة، فنسيت أن الأمة لا بد أن تساير العالم إذا أرادت ألا يستعبدها المستعبدون، فبينما كانت اليابان في شغل من نحتها للمدليات وزخرفتها للمروحات بالزهر، كانت أوربا تنشئ علماً لم يكد يعلم الشرق عنه شيئاً، وأخيراً تمكن ذلك العلم الذي قام بناؤه على مر الأعوام في المعامل التي يبدو في ظاهرها أنها في عزلة بعيدة عن مصطخب الحياة الجارية، تمكن آخر الأمر من تزويد أوربا بالصناعات الآلية التي أتاحت لها أن تصنع لوازم العيش بثمن أرخص مما تصنعها به آسيا على أيدي مهرة صناعها الذين كانوا يصنعونها بأيديهم، وإن تكن تلك المصنوعات الآلية أقل جمالاً من زميلاتها اليدوية؛ فقد كان لا بد لتلك السلع الرخيصة- عاجلاً أو آجلاً- أن تكتسح أسواق آسيا، فتنزل الخراب الاقتصادي وتغير من الحياة السياسية، في بلاد كانت تمرح مطمئنة في مرحلة الصناعة اليدوية؛ وأسوأ من ذلك شراً أن العلم قد صنع المفرقعات والمدمرات والمدافع، التي تستطيع أن تكون أشد فتكاً من سيف أشجع "السيافين"، فماذا تجدي شجاعة الفارس أمام فزع القنبلة التي لا يعُرف اسم راميها؟
ولن تجد في التاريخ الحديث أروع ولا أعجب من الطريقة التي استيقظت بها اليابان من نعاسها استيقاظاً جازعاً على صوت مدفع الغرب، فوثبت تتعلم الدرس، وأصلحت صنع ما تعلمت صنعه، وأفسحت صدرها للعلم والصناعة والحرب، ثم هزمت كل منافسيها في ميدان الحرب وميدان التجارة معاً، وباتت خلال جيلين أكثر أمم العالم المعاصر تحفزاً للعدوان.
стр. 1533
الباب الحادي والثلاثون
اليابان الجديدة
الفصل الأول
الثورة السياسية
تدهور الحكم العسكري - أمريكا تطرق الباب - عودة السلطة
الإمبراطورية - تغريب اليابان - التجديد السياسي - الدستور
الجديد - القانون - الجيش - الحرب مع روسيا - نتائجها السياسية
يندر أن يأتي الموت إلى مدينة من خارجها، بل لا بد للانحلال الداخلي أن يفت في نسيج المجتمع أولاً قبل أن يتاح للمؤثرات أو الهجمات الخارجية أن تغير جوهر بنائها، أو أن تقضي عليها قضاء أخيراً؛ فقلما يكون للأسرة الحاكمة تلك الحيوية الدؤوب والمرونة السريعة التشكل، اللتان يتطلبهما استمرار السيادة، فمؤسس الأسرة المالكة يستنفذ نصف القوة الكامنة في أصلاب أسرته ثم يترك لغير الممتازين من خلفه عبثاً لا يستطيع حمله إلا العباقرة؛ فأسرة "توكوجاوا" بعد "أيياسو" حكمت البلاد حكماً لا بأس به، لكننا لو استثنينا منها "يوشيموني" لما وجدنا بين أفرادها شخصيات بارزة تستوقف النظر؛ فما انقضت بعد موت "أيياسو" ثمانية أجيال حتى راح أمراء الإقطاع يزعزعون قوائم تلك الأسر العسكرية بثوراتهم التي ما فتئت تنهض حيناً بعد حين؛ فكانوا يسوِّفون في دفع الضرائب أو يمتنعون عن دفعها؛ وعجزت خزانة "ييدو" - بالرغم من التدابير الاقتصادية العنيفة التي اتخذت - عن تمويل الدفاع القومي أو صيانة الأمن في البلاد (١). وقد مر على البلاد أكثر من
стр. 1534
قرنين حيث ساد السلام فتطرَّت خشونة "السيافين" وضعف احتمال الشعب لمكاره الحروب وتضحياتها؛ وحلَّت في الناس نزعات أبيقورية (ترمي إلى التمتع) محل البساطة الرواقية التي كانت سائدة في عهد هيديوشي؛ فلما أن دعيت البلاد فجأة لحماية سيادتها، وجدت نفسها منزوعة السلاح بمعناه المادي والخلقي جميعاً؛ وانحل العقل الياباني بفعل اعتزالها الاتصال بالأجانب، وأخذ الناس يسمعون بتطلع قلق عن ازدياد الثروة وتغير المدنية في أوربا وأمريكا؛ وراح هؤلاء الناس يدرسون ما جاء بكتابي "مابوشي" و "موتو - أوري" وشاع بينهم في الخفاء أن الحكام العسكريين مغتصبون للحكم، وقد فككوا باغتصابهم ذاك استمرار سيادة الإمبراطورية، ولم يستطع الشعب أن يوفق بين الأصل الإلهي للإمبراطور، وبين فقره المدقع الذي فرضته عليه أسرة "توكوجاوا"؛ وجعل الدعاة إلى قلب نظام الحكم العسكري القائم، يخرجون من مكانهم في "يوشيوارا" وغيرها ويغمرون البلاد بنشراتهم التي تحرض الناس على ذلك الانقلاب، وإرجاع الإمبراطور للحكم.
ونزلت النازلة على رأس هذه الحكومة المرتبكة الفقيرة، حين شاع النبأ سنة ١٨٥٣ بأن أسطولاً أمريكياً قد تجاهل الأوامر اليابانية التي تحرم دخول خليج أوراجا، ودخل ذلك الخليج، وأن قائده يلح في مقابلة صاحب السلطة العليا في اليابان، والحقيقة أن "الكومودور بري" كان يقود أربع سفن حربية فيها خمسمائة وستون رجلاً، وبدل أن يعرض هذه القوة المتواضعة عرضاً فيه معنى التهديد، أرسل مذكرة ودية إلى الحاكم العسكري "أييوشي" يؤكد له أن الحكومة الأمريكية لا تطلب أكثر من فتح بضعة موان يابانية في وجه التجارة الأمريكية، واتخاذ بعض الإجراءات لحماية البحارة الأمريكيين الذين قد تتحطم بهم سفائنهم على الشواطئ اليابانية، ولم يلبث "بري" أن اضطر إلى العودة إلى قاعدته في المياه الصينية بسبب "ثورة تاي - ينج"، لكنه عاد إلى اليابان من جديد سنة ١٨٥٤ مسلحاً بقوة بحرية أكبر، ومزوداً
стр. 1535
بمختلف الهدايا المغرية - عطور وساعات ومدافئ وشراب الويسكي، يقدمها للإمبراطور والإمبراطورات وأمراء البيت المالك؛ غير أن الحاكم العسكري الجديد "أييسادا" تعمد ألا يرسل هذه الهدايا إلى أفراد الأسرة المالكة، ووافق على توقيعه لمعاهدة "كاناجاوا" التي اعترفت بكل ما طلبه الأمريكان؛ وهنا أثنى "بري" على حسن لقاء أهل الجزر اليابانية، وأعلن مدفوعاً بقصر نظره أنه "لو جاء اليابانيون إلى الولايات المتحدة، وجدوا المياه الصالحة للملاحة في البلاد مفتوحة أمامهم، وأنه ستفتح لهم أبواب مناجم الذهب نفسها في كاليفورنيا" (٢)؛ وهكذا فتحت الموانئ اليابانية الكبرى للتجارة الخارجية بمقتضى هذه المعاهدة وما تلاها من معاهدات؛ وحددت الضرائب الجمركية وفصِّلت مقاديرها وأنواعها؛ ووافق اليابانيون على أن يحاكم المتهمون من الأوربيين والأمريكيين في اليابان أمام محاكمهم القنصلية؛ واشترطت شروط اتفق فيها على أن يوقف اضطهاد المسيحية في الإمبراطورية اليابانية، ووافقت الولايات المتحدة في الوقت نفسه أن تبيع لليابان كل ما تحتاج إليه من أسلحة وسفن حربية، وأن تعيرها الضباط والصناع لعل هذه الأمة المسالمة مسالمة صبيانية أن تتعلم على أيديهم فنون القتال (٣).
وعانى الشعب الياباني أقسى عناء مما فرضته هذه المعاهدات عليه من فروض الذل، ولو أنه عاد فنظر إليها على أنها أدوات محايدة جاءته لتعمل على تطوره، وتقرير مصيره؛ وود بعض اليابانيين أن يقاتل الأجانب مهما تكلف في سبيل ذلك، وأن يطردهم ويعيد للبلاد نظامها الزراعي الإقطاعي الذي يكفيها مؤونة الاعتماد على غيرها؛ لكن بعضهم الآخر كان من رأيه أن تقليد الغرب أجدى من طرده من بلادهم؛ فالوسيلة الوحيدة التي تستطيع بها اليابان أن تتجنب الهزائم المتكررة والخضوع الاقتصادي الذي يشبه ما كانت أوربا تفرضه عندئذ على الصين؛ هي أن تتعلم اليابان بأسرع طريقة ممكنة أساليب الصناعة الغربية، فن الحرب الحديثة؛ وهنا نهض الزعماء
стр. 1536
الداعون إلى تغريب البلاد، واستعملوا اللباقة البالغة في استخدام سادة الإقطاع أعواناً لهم في قلب الحكم العسكري، وإعادة الإمبراطور، وبعدئذ استخدموا السلطة الإمبراطورية في قلب نظام الإقطاع وإدخال الصناعة الغربية في البلاد، وهكذا حدث سنة ١٨٦٧ أن حمل أمراء الإقطاع "كيكي" - آخر الحكام العسكريين - على النزول عن سلطته، وقد قال "كيكي": "إن معظم أعمال الإدارة الحكومية معيبة، وإني لأعترف خجلاً بأن الأمور في وضعها الراهن يرجع نقصها إلى ما أتصف به أنا من نقص وعجز، وهاهو ذا اتصالنا بالأجانب يزداد يوماً بعد يوم؛ فما لم تتولَّ إدارة البلاد سلطة مركزية موحدة، انهار بناء الدولة انهياراً من أساسه" (٤)؛ وعلى هذا القول أجاب الإمبراطور "ميجي" في اقتضاب قائلاً: "قد قبلنا ما عرضه توكوجاوا كيكي من إعادة السلطة الإدارية إلى البلاط الإمبراطوري، وفي اليوم الأول من يناير سنة ١٨٦٨ بدأ العهد الجديد "عهد ميجي" بداية رسمية.
ورجعت الديانة الشنتوية القديمة، وقام أولو الأمر بدعاية قوية في الشعب حتى أقنعوه بأن الإمبراطور العائد إلى عرشه إلهيُّ النسب والحكمة، وأن ما يصدره من مراسيم يجب طاعته، كما تجب طاعة أوامر الآلهة.
فلما أن توفرت هذه القوة الجديدة لأنصار التغريب تمت على أيديهم معجزة أو ما يوشك أن يكون معجزة في تحول البلاد تحولاً سريعاً؛ فقد شق "إتوا" و "إنويي" طريقهما إلى أوربا رغم كل ما صادفهما من صعاب وعقبات، ودَرَسَا أنظمتها وصناعاتها، ودهشا لطرقها الحديدية وسفنها البخارية، وأسلاكها البرقية وسفنها الحربية؛ ثم عادا إلى بلادهما تشتعل في صدريهما الحماسة الوطنية نحو تحويل اليابان إلى صورة أوربية، فدُعِي رجال من الإنجليز للإشراف على بناء السكك الحديدية وإقامة الأسلاك البرقية وتكوين الأسطول، كذلك دُعي رجال من الفرنسيين ليعيدوا صياغة القوانين ويدربوا
стр. 1537
الجيش؛ وكلف رجال من الألمان بتنظيم شؤون الطب والصحة العامة، واستخدم الأمريكان في وضع نظام للتعليم العام، ولكي يتم لهم الأمر من جميع نواحيه جاءوا برجال من إيطاليا ليعلموا اليابانيين النحت والتصوير (٥)، وقد كان يحدث بعض الحركات الرجعية أحياناً، وكانت تصل هذه الحركات إلى حد إراقة الدماء، بل كانت الروح اليابانية كلها تثور آناً بعد آن على هذا التحول المصطنع الذي رج أوضاع الحياة كلها، لكن الآلة شقت طريقها آخر الأمر، ودخلت اليابان بلداً جديداً في نطاق الانقلاب الصناعي.
ورفعت هذه الثورة بالطبع (وهي الثورة الوحيدة الحقيقية في التاريخ الحديث)، طبقة جديدة من الرجال إلى منازل الثروة والقوة الاقتصادية - منهم الصناع والتجار والممولون - وقد كان هؤلاء في اليابان القديمة يوضعون في أسفل درجات السلّم الاجتماعي؛ وجعلت هذه الطبقة (البرجوازية) الصاعدة تستخدم في هدوء ما أتيح لها من مال وقوة نفوذ في تحطيم النظام الإقطاعي أولاً، ثم عقبت على ذلك بالحد من سلطة العرش العائدة بحيث جعلت منها سلطة وهمية؛ ففي عام ١٨٧١ حملت الحكومة أشراف الإقطاع على النزول عن امتيازاتهم القديمة، وعوضتهم عن أراضيهم بسندات أصدرتها الحكومة (١).
ولما كانت الطبقة الأرستقراطية قد ارتبطت هكذا بروابط المصلحة المادية مع المجتمع الجديد، فقد بذلت خدماتها للحكومة عن ولاء ورضى، ومكنتها من تحويل البلاد من عصرها الوسيط إلى عصرها الحديث دون أن تسفك الدماء في هذا السبيل، وكان "إيتو هيرو بومي" قد عاد لتوه من زيارته الثانية لأوربا؛ فجرى في بلاده على غرار ما رآه في ألمانيا، إذ أنشأ بها طبقة عالية جديدة مؤلفة من خمس درجات:
стр. 1538
أمير؛ فماركيز، فكونت، ففيكونت، فبارون.
لكن هؤلاء جميعاً لم يكونوا هم الأعداء الإقطاعيين للنظام الصناعي الجديد بل كانوا لهذا النظام أعوانه المأجورين.
جاهد "إيتو" في تواضعه جهاداً لم يعرف الكلل، ليحقق لبلاده ضرباً من الحكومة لا تعيبه العيوب التي بدت في عينيه عيوباً ناشئة من الإفراط في الديمقراطية، على ألا يحد ذلك من تجنيد أصحاب النبوغ وتشجيعهم مهما تكن طبقتهم الاجتماعية لكي يحققوا للبلاد رقياً اقتصادياً سريعاً؛ وتمكنت اليابان في ظل زعامته أن تعلن أول دستور لها سنة ١٨٨٩؛ فكان الإمبراطور في قمة البناء التشريعي، إذ كان من الوجهة الدستورية رأس الحكومة الأعلى، ومالكاً للأرض كلها، وقائداً للجيش والأسطول، المسئولين أمامه وحده، وهو الذي يكسب الإمبراطورية وحدتها واستمرارها وقوتها وسمعتها المستمدة من سمعة مليكها، وقد شاءت إرادته الكريمة أن يفوض لقوته التشريعية إنشاء مجلسين نيابيين يظلان قائمين ما شاء هو لهما أن يقوما - مجلس الأشراف، ومجلس النواب، غير أنه هو الذي يعين وزراء الدولة، الذين يسألون أمامه وحده لا أمام مجلس البرلمان، وكان تحت هؤلاء طبقة من الناخبين عددها يقرب من أربعمائة وستين ألفاً، حصروا في هذه الدائرة الضيقة باشتراط مؤهلات كثيرة في الناخب من حيث مقدار ما يملكه؛ ثم ارتفع عدد الناخبين بفعل حركات تحريرية متعاقبة حتى بلغ ثلاثة عشر مليوناً في سنة ١٩٢٨، ولكن فساد الحكومة كان يساير التوسع في الديمقراطية خطوة خطوة (٦).
وساير هذا التقدم السياسي نظام تشريعي جديد (١٨٨١) قائم إلى حد كبير على تشريع نابليون، وهو يحقق خطوة تقدمية جريئة بالنسبة لتشريع العصور الوسطى التي ساد فيها نظام الإقطاع؛ فمنحت للناس حقوقهم المدنية منحاً سخياً - إذ منحت لهم حرية الكلام وحرية الصحافة وحرية الاجتماع
стр. 1539
وحرية العبادة وعدم انتهاك الرسائل والبيوت، والحصانة من القبض والعقاب إلا بإجراء قانوني (١)، وحرم التعذيب والمحنة وفُكتْ عن جماعة الـ "إيتا" قيودهم الطبقية، وسُوِّى بين الطبقات كلها أمام القانون من الوجهة النظرية، وأصلحت السجون، ودفعت الأجور للمسجونين على عملهم، حتى إذا ما أطلق سراح المسجون أعطي مبلغاً من المال متواضعاً يبدأ به حياة جديدة في زراعة أو تجارة؛ وعلى رغم ما أتاحه هذا التشريع للناس من حرية فقد ظلت الجرائم قليلة الحدوث (٧).
ولو اعتبرنا رضى الناس بالقانون عن طواعية علامة على مدنيتهم، عددنا اليابان في طليعة الأمم الحديثة حضارة (إذا استثنينا عدداً قليلاً من حوادث الاغتيال).
ولعل أهم ما يميز الدستور الجديد هو إعفاء الجيش والأسطول من كل رئاسة إلا رئاسة الإمبراطور، فإن اليابان لم تنس قط ما وقع لها من ذل في عام ١٨٥٣، ولذا صممت على إنشاء قوة عسكرية تمكنها من السيطرة على تقرير مصيرها بنفسها، وتجعلها في النهاية سيدة الشرق كله؛ فلم يكفها أن تعمم التجنيد، بل جعلت من كل مدرسة في البلاد معسكراً للتدريب الحربي، وثدياً يُرضع النشء بلبان الحماسة الوطنية؛ وكان لهؤلاء الناس استعداد عجيب للنظام والطاعة، سرعان ما انتهى بقوتهم العسكرية إلى درجة أتاحت لليابان أن تخاطب "الأجانب الهمج" مخاطبة الند للند، كما أتاحت لها احتمال ابتلاعها للصين جزءاً جزءاً، وهو أمل طاف برأس أوربا، لكنه لم يتحقق لها؛ وحدث عام ١٨٩٤ أن أرسلت الصين حملة عسكرية لإخماد ثورة في كوريا، وأن لبثت تعيد وتكرر القول بأن كوريا دولة تابعة لسلطة الصين، فلم يعجب اليابان هذا كله، وأعلنت الحرب على معلمتها القديمة، وأدهشت العالم بسرعة
стр. 1540
انتصارها إذ أرغمت الصين إرغاماً على الاعتراف باستقلال كوريا، وعلى التنازل لها عن "فرموزا" و "بورت آرثر" (على رأس شبه جزيرة لياوتنج)، وعلى دفع تعويض مالي قدره مائتا مليون من التيلات، وقد أيدت ألمانيا وفرنسا روسيا في "نصحها" لليابان بالانسحاب من "بورت آرثر" مقابل زيادة في تعويضها المالي قدرها ثلاثون مليوناً من التيلات (والزيادة تدفعها الصين)، وخضعت اليابان لما طلب إليها، لكنها احتفظت بذكرى هذه المعاكسة على مضض، وراحت ترقب فرصة الانتقام.
ومنذ تلك الساعة أخذت اليابان تعد نفسها إعداداً جاداً لا يعرف اللهو، تعد نفسها للصراع مع روسيا صراعاً كان لا بد من وقوعه نتيجة اتساع الإمبراطوريتين في آمالهما الاستعمارية؛ ونجحت اليابان في إثارة مخاوف إنجلترا من احتمال التوغل الروسي في الهند فأبرمت مع سيدة البحار تحالفاً (١٩٠٢ - ١٩٢٢)، تعهدت به كل من الدولتين أن تساعد الأخرى إذا ما اشتبكت في قتال مع دولة ثالثة ودخلت دولة أخرى في القتال؛ وقلما وقّع الساسة الإنجليز على ما يقيد حريتهم كل هذا التقييد الذي فرضته عليهم تلك المعاهدة؛ فلما بدأت الحرب مع روسيا سنة ١٩٠٤ أقرض الممولون الإنجليز والأمريكان أموالاً طائلة لليابان، لتعينها على كسب النصر من القيصر (٨)، واستولى "نوجي" على "بورت آرثر" وزحف بجيشه نحو الشمال قبل فوات الفرصة لإخماد مذبحة "مكدن" - وهي أفظع ما شهد التاريخ من مواقع دامية، قبل أن يشهد حربنا العالمية (الأولى) التي لا يضارعها مضارع، والظاهر أن ألمانيا وفرنسا فكرتا في مساعدة روسيا بالسياسة أو بالسلاح، لكن الرئيس روزفلت صرح بأنه إذا حدث شيء، كهذا، فلن يتردد في الوقوف إلى جانب اليابان (٩)، وفي ذلك الوقت أقلع أسطول روسي قوامه تسع وعشرون سفينة، وشق طريقه جريئاً حول رأس الرجاء الصالح، مرتحلاً
стр. 1541
بذلك رحلة لم يسبق لأسطول حديث أن ارتحل مثلها طولاً، وذلك لكي يقابل اليابان في مياهها وجهاً لوجه؛ غير أن الأميرال "توجو" استعان لأول مرة في تاريخ الأساطيل البحرية باللاسلكي، وظل على علم متصل بسير الأسطول الروسي، ثم وثب عليه وثبة قوية في مضيق تسوشيما في السابع والعشرين من شهر مايو سنة ١٩٠٥، وأبرق "توجو" لقادته جميعاً رسالة تصور نفسية اليابان كلها. إذ قال: "إن نهوض الإمبراطورية أو سقوطها يتوقف على هذه المعركة" (١٠)، فقتل من اليابانيين فيها ١١٦، وجرح منهم ٥٣٨، وأما الروس فقتل منهم أربعة آلاف، وأسر سبعة آلاف، وأغرقت أو أسرت كل سفنهم إلا ثلاثاً.
كانت "موقعة بحر اليابان" نقطة تحول في مجرى التاريخ الحديث؛ فهي لم تقتصر على إيقاف التوسع الروسي في الأراضي الصينية، بل أوقفت كذلك سيطرة أوربا على الشرق، وبدأت ذلك البعث الذي اشتمل آسيا، والذي يبشر بأن يكون محور الحركات السياسية كلها في هذا القرن الحاضر؛ ذلك أن آسيا كلها قد دبت فيها الحماسة حين رأت الإمبراطورية الجزرية الصغيرة تهزم أكثر دول أوربا عمراناً بأهلها، فدبرت الصين خطة لثورتها، وبدأت تحلم بحريتها، أما اليابان، فلم يَطُف ببالها أن توسع من نطاق الحرية، بل فكرت في الزيادة من سلطانها؛ فانتزعت من روسيا اعترافاً بأن لليابان المكانة العليا في كوريا، ثم ما جاءت سنة ١٩١٠ حتى أعلنت اليابان نهائياً ضم كوريا إليها رسمياً، وهي تلك المملكة القديمة التي بلغت من المدنية يوماً شأناً عظيماً، فلما مات الإمبراطور "ميجي" عام ١٩١٢، بعد حياة طويلة طيبة أنفقها حاكماً وفناناً وشاعراً استطاع أن يحمل معه إلى الآلهة الذين انسلوا اليابان رسالة بأن الأمة التي خلقوها، والتي كانت في بداية حكمه لعبة في يد الغرب الفاجر، قد باتت اليوم رفيعة المكانة في الشرق، وقطعت شوطاً بعيداً في طريقها نحو أن تكون محوراً للتاريخ كله.
стр. 1542
الفصل الثاني
الانقلاب الصناعي
حركة التصنيع - المصانع - الأجور -
الإضرابات - الفقر - وجهة نظر اليابان
لم تلبث اليابان نصف قرن إلا وقد غيرت كل وجه من أوجه حياتها؛ فتحرر الفلاح رغم فقره، وأصبح في مستطاعه أن يملك جزءاً متواضعاً من الأرض يدفعه ضريبة سنوية أو أجراً سنوياً للدولة، ولم يكن من حق أحد من سادة الإقطاع أن يقف في سبيله لو أراد أن يترك الزراعة ليلتمس وسيلة رزقه في المدن؛ ذلك لأن مدناً عظمى قامت عندئذ على طول الساحل؛ منها "طوكيو" (التي معناها العاصمة الشرقية) بقصورها الملكية والأرستقراطية وحدائقها الفسيحة وحماماتها المزدحمة وعدد سكانها الذي لم يفقها فيه إلا لندن ونيويورك، ومنها "أوساكا" التي كانت في سابق عهدها قرية للسّماكة وحصناً، فأصبحت اليوم جباً مظلماً من الأكواخ الحقيرة والمصانع وناطحات السحاب، وهي مركز الصناعات في اليابان، ومنها "يوكوهاما" و "كوبي" اللتين ترسلان من مرفأيهما الهائلين المعدين بكل ضروب الآلات الحديثة، تلك الصناعات إلى مئات المواني، محملة على ثاني أسطول تجاري في العالم (١).
واستعانت البلاد في وثبتها من نظام الإقطاع إلى النظام الرأسمالي باستخدامها لكل وسيلة ممكنة استخداماً لم يسبق له نظير؛ فاستدعت الخبراء الأجانب الذين وجدوا من مساعديهم اليابانيين طاعة المتحرق لمعرفة إرشاداتهم؛ ولم
стр. 1543
تمض خمسة عشر عاماً، حتى تقدم المتعلمون الأذكياء فيما تعلموه تقدماً أتاح لليابان أن تدفع للأخصائيين الأجانب آخر أجورهم وأن ترسلهم إلى أوطانهم بكل إجلال؛ واقتفت اليابان أثر ألمانيا، فاستولت الحكومة على البريد والسكك الحديدية والتلغراف والتليفون؛ لكنها في الوقت نفسه عرضت قروضاً سخية لمن يريد أن ينهض لنفسه بصناعة ما، وجعلت تحمي تلك الصناعات الخاصة بالضرائب الجمركية العالية، من منافسة المصانع الأجنبية في سائر الأقطار؛ واستعانت البلاد بالتعويض المالي الذي أخذته من الصين بعد حرب سنة ١٨٩٤ على تمويل حركة التصنيع في اليابان وتشجيع الصناعات، على نحو ما استعانت ألمانيا بالتعويض الفرنسي سنة ١٨٧١ على استحثاث حركة التصنيع في أرضها؛ وشبهت اليابان ألمانيا قبل ذلك بجيل واحد، في قدرتها على البدء بآلات حديثة مقرونة بطاعة من العمال كالتي سادت في عصور الإقطاع، على حين كانت الدول الأخرى المنافسة لهما، تعاني من آلات قديمة وعمال ثائرين؛ وكانت مصادر القوة في اليابان رخيصة والأجور قليلة، كما كان العمال يخضعون لرؤسائهم خضوع الولاء؛ لهذا تأخرت عندهم قوانين تنظيم المصانع، وفرضت على العمال فرضاً لا عنف فيه (١٢)؛ وفي سنة ١٩٣٣ كنت ترى مغازل "أوساكا" الجديدة لا تحتاج إلى أكثر من فتاة واحدة لكل خمس وعشرين آلة، بينما كانت مغازل لانكشير القديمة تتطلب رجلاً لكل ست آلات (١٣).
وتضاعف عدد المصانع ما بين ١٩٨٠ و ١٩١٨؛ ثم تضاعف مرة أخرى بين ١٩١٨ و ١٩٢٤، حتى إذا ما كانت ١٩٣١ زادت المصانع نصف عددها (١٤) بينما كانت الصناعة في الغرب عندئذ تخوض أغوار أزمة عميقة؛ وفي سنة ١٩٣٣ كانت لليابان الصدارة الأولى في تصدير المنسوجات، بحيث أرسلت بليوني ياردة من الخمسة بلايين ونصف البليون من ياردات المنسوجات القطنية التي استهلكها العالم في ذلك العام (١٥)؛ وفي سنة ١٩٢١
стр. 1544
تنازلت عن معيار الذهب، وسمحت لعملتها الـ "ين" أن تهبط إلى أربعين في المائة من قيمتها السابقة في التجارة الدولية، وبذلك استطاعت أن ترفع مبيعاتها في الخارج خمسين في المائة عما كانت بين عامي ١٩٣٢ و ١٩٣٣ (١٦)؛ وازدهرت التجارة الداخلية كما ازدهرت التجارة الخارجية، وأتيح لأسرات تجارية كبرى، مثل أسرتي "متسوي" و "متسوبيشي" أن تكدسا ثروة طائلة جعلت رجال الجيش يتحالفون مع طبقات العمال في حركة ترمي إلى جعل الحكومة تتولى بنفسها، أو تفرض رقابتها على الصناعة والتجارة (١).
وبينما كان التقدم التجاري يخلق طبقة وسطى جديدة من الأغنياء، كان العمال الذين ينتجون بأيديهم يتحملون عبء الأثمان المنخفضة التي جعلتها اليابان أداة تهزم بها منافساتها في الأسواق العالمية؛ فكان متوسط أجر العامل سنة ١٩٣١ - ١. ١٧ من الريال كل يوم، ومتوسط أجر العاملة ٤٨ سنتاً في اليوم؛ وكان واحد وخمسون في كل مائة من العمال نساء، كما كان اثنتا عشر في كل مائة ممن تقل سنهم عن ستة عشر عاماً (٢)، وكانت الإضرابات كثيرة الوقوع،
стр. 1545
والشيوعية تزداد اتساعاً، حتى هبت على البلاد روح الحرب سنة ١٩٣١، فنفخت في الناس وطنية دعتهم إلى التعاون والتماسك؛ وحرم القانون "الآراء الخطيرة"، وفرضت قيود شديدة على نقابات العمال التي لم تبلغ قط مبلغ القوة في اليابان (٢٠) واتسعت رقعة المساكن الفقيرة في أوساكا وكوبي وطوكيو، فقد كانت الأسرة ذات الخمسة أعضاء في طوكيو تسكن من تلك المنازل الفقيرة غرفة تبلغ في المتوسط من ثماني أقدام إلى عشرة أقدام مربعة - وهي مساحة لا تزيد إلا قليلاً عن المساحة التي يشغلها سرير لشخصين؛ وكان يسكن في أمثال هذه المساكن في مدينة كوبي عشرون ألفاً من المتسولين والمجرمين والشائهين والبغايا، كانوا يسكنون في قذارة بلغت حداً جعل الوباء يتفشى فيهم مرة كل عام، وزادت نسبة الوفيات في الأطفال أربعة أمثال ما كانت عليه في بقية اليابان (٢١)، ونهض شيوعيون مثل "كاتاياما"، واشتراكيون مسيحيون مثل "كاجاوا" يقاومون بالعنف أو باللين تلك الحالة السيئة، حتى استيقظت الحكومة آخر الأمر وقامت بحركة تطهيرية لتلك المساكن الفقيرة، لم يشهد التاريخ أعظم منها.
وقد كتب "لافكاديو هيرن" منذ جيل، يعبر عن رأيه الناقم على النظام الحديث في اليابان، فقال:
"إن التاريخ لم يشهد قط فيما مضى أمثال هذه الألوان من البؤس التي تجد مجالها في ظل النظام الجديد؛ وتستطيع أن تكوّن لنفسك صورة تقريبية عن هذا البؤس، إذا عرفت أن عدد الفقراء في طوكيو الذين يعجزون عن دفع ضريبة المسكن، يربو على خمسين ألفاً، ومع ذلك فهذه الضريبة لا تزيد قيمتها على عشرين "سنًّا" وهو ما يقابل عشرين "سنتا" بالعملة الأمريكية؛ ولم يكن في أي جزء من أجزاء اليابان مثل هذا العوز قبل أن تتراكم الثروة في أيدي نفر قليل - إلا إذا استثنينا بالطبع الأعقاب المؤقتة التي تلحق عهود الحرب" (٢٢).
ولاشك أن "تراكم الثروة في أيدي نفر قليل" عامّ في العالم كله، والظاهر