← История

История · id 35104

قصة الحضارة

ول ديورانت

Полный текст (15 136 стр.). Показаны 1681–1720 · переход к 1686.

стр. 1681

بما يخلعه عليه من معنى وشكل ظريف. ولسنا نقصد بقولنا هذا أن الإلياذة قد وصلت إلى حد الكمال في شكلها، إذ الحقيقة أن تركيبها مهلهل غير رصين، وأن القصص فيها متناقض تارة وغامض تارة أخرى، وأن خاتمتها ليست خاتمة بالمعنى الصحيح. غير أن كمال كل جزء على حدته يعوض ما في مجموعها الكلي من اضطراب، والقصة رغم عيوبها الصغرى لا تقل في مستواها عن مسرحيات التاريخ العظمى، ولعلها لا تقل عن مستوى التاريخ نفسه. (١) %=@تشير الأعداد المحصورة بين قوسين إلى كتب الإلياذة. @ نرى اليونان في مستهل القصيدة وقد قضوا في حصار طروادة تسع سنين دون أن يظفروا بها: وقد غلبهم اليأس والحنين إلى الوطن، وفتك بهم المرض. وقد وقفوا طويلاً عند أوليس Oulis لأن المرض وسكون الريح في البحر قد حالا بينهم وبين مواصلة السير، وأثار أجممنون غضب كلتمنسترا، وهيأ السبيل لسوء مصيره بأن ضحى بابنتهما إفجينيا لكي تهب الريح. وكان اليونان قد وقفوا في أماكن متفرقة في طريقهم ليأخذوا حاجتهم من الطعام والسراري، فأخذ أجممنون الحسناء كريسيس Chryseis وأخذ أكليز بريسيس البارعة الجمال؛ ثم يقول عراف إن أبلو يمنع النصر عن اليونان لأن أجممنون قد اعتدى على عفاف ابنة كاهنه كريسز Chryses. فيرد أجممنون كريسيس لأبيها ولكنه يواسي نفسه ويخلق في القصة موقفاً مثيراً بأن يرغم بريسيس على أن تفارق أكليز وتحل محل كريسيس في الخيمة الملكية. ويدعو أكليز الجمعية العامة إلى الانعقاد، ويشكو إليها أجممنون وهو غاضب ثائر، وينطبق بأول كلمة في الإلياذة ويثير الموضوع الذي يتردد فيها مراراً وتكراراً، ويقسم أنه لن يمد هو أو جنوده يداً لمساعدة اليونان. (٢) ثم ننتقل بعدئذ إلى استعراض سفن الجيوش المتجمعة وقبائلهم، ثم (٣) نشاهد منلوس المتعجرف يبارز باريس

стр. 1682

مبارزة يراد بها وضع حد للقتال؛ ويتهادن الجيشان مهادنة المتحفزين، ويشترك بريام مع أجممنون في تقديم القربان إلى الآلهة. ويظفر منلوس بباريس ولكن أفرديتي تنقذه وتختطفه في سحابة ثم تلقيه على فراش زوجته بعد أن تعطره وتمسحه بالمساحيق الربانية. وتأمره هلن أن يعود إلى القتال ولكنه يعرض عليها بدلا من هذا أن "يصرفا الوقت في الفراش". وتتغلب على هلن شهوتها فتجيبه إلى طلبه (٤)، ويعلن أجممنون انتصار منلوس، ويلوح أن الحرب قد وضعت أوزارها، ولكن الآلهة تعقد مجلساً على جبل أولمبس للتشاور في الأمر كما يتشاور البشر، وتقرر أنها في حاجة إلى أن يسفك فوق ما سفك من الدماء. ويقترع زيوس لمصلحة السلم ولكنه يسحب صوته وينقلب مرتاعاً حين توجه زوجته هيرا خطابها إليه، وتقترح أن تسمح لزيوس بأن يدّك ميسيني وأرجوس وإسبارطة دكاً إذا وافق على تدمير طروادة. ويبدأ القتال من جديد ويهلك عدد كثير من الرجال تمزق أجسامهم السهام أو الحراب أو السيوف "ويخيم الظلام على أعينهم". (٥) وتشترك الآلهة في هذه اللعبة المرحة لعبة التقتيل والتقطيع، فتنفذ حربة ديوميد في جسم أريس إله الحرب الرهيب، ويصيح صيحة كأنها صادرة من تسعة آلاف رجل"، ويسرع إلى زيوس ليبثه شكواه. (٦) وتعقب ذلك فترة يودع فيها هكتر البطل الطروادي زوجته أندرمكا وداعاً حاراً قبل عودته إلى القتال. وتخاطبه بصوت رقيق قائلة: "حبيبي، إن بسالتك ستؤدي إلى هلاكك؛ إنك لا ترحم طفلك ولا ترحمني، أنا التي سأكون عما قريب أرملة، لقد قتل أبي وأمي وإخوتي جميعاً، ولكنك أنت يا هكتر أبي وأمي، وأنت زوج شبابي، فأشفق عليَّ إذن وأقم هنا في البرج". فيرد عليها بقوله: "إني أعلم حق العلم أن مآل طروادة هو السقوط، وأرى بعين الخيال أحزان إخواني وأحزان الملك؛ غير أني لا أحزن من أجلهم؛ أما الذي يكاد يزلزل كياني فهو أن أراك أسيرة رقيقة في أرجوس؛ ولكني مع هذا لن أحجم

стр. 1683

عن القتال (٧١) " ويصرخ ابنه الطفل أستياناكس Astyanax، الذي قدر له أن يلقيه اليونان المنتصرون من فوق أسوار المدينة بعد قليل فيسقط على الأرض جثة هامدة، يصرخ مرتاعاً حين يبصر الريش يتماوج في خوذة أبيه. فيرفع البطل خوذته حتى يستطيع أن يضحك، ويبكي ويصلي للطفل الحائر المندهش. ثم يتخذ طريقه إلى المعركة. (٧) ويبارز أجاكس Ajax ملك سلاميس. ويستميت البطلان في القتال ثم يفترقان في المساء بعد أن يتبادلا الثناء والهدايا. يالها من زهرة مجاملة تسبح في بحر من الدماء. (٨) وبعد أن يقضي الطرواديون يوماً كاملاً ينتقلون فيه من نصر إلى نصر يأمر هكتر المحاربين بالكف عن القتال ليستريحوا. هكذا خطب فيهم هكتر؛ وحياه الطرواديون بأعلى أصواتهم وصفقوا له بأكفهم. ثم رفعوا النير عن جيادهم الحربية والعرق يتصبب من أجسامها وعقل كل منهم جواديه بالسيور بجوار عربته، وجاء من المدينة بالثيران والضأن السمين؛ وقدم هكتر لهم النبيذ وهو يخاطبهم بأعذب الألفاظ وأرقها .... وجاءهم بالحب من البيوت، وجمع الرجال وقود النار، وحمل الهواء الرائحة الذكية من السهل إلى السماء، وسهر من كانوا على جانبي الميدان الليل الطويل يملأ الأمل صدورهم، وأوقدوا نار المراقبة، وعلا لهب النيران الكثيرة التي أوقدها الطرواديون مروضو الخيول بجوار إلْيوم بين السفن السود ونهر زنثوس Thanathus، وتلألأت تلألؤ النجوم حول آية الليل، فكان منظراً من أعجب المناظر، وسكنت الريح، ولاحت قمم الجبال والرؤوس، وظهرت الخلوات التي بين الجبال، وبدت السماء الواسعة ذات الجلال، وتلألأت نجومها التي يخطئها الحصر على قلب الراعي الذي أضناه النصب. وفي هذه الأثناء كانت خيل القتال المتعبة تلوك القمح والشعير الأبيض بالقرب من مركباتها تنتظر مقدم الفجر فوق عرشه الجميل (٧٤). (٩) ويشير نسطور ملك ببلوس الإيلية على أجممنون أن يرد بريسيس

стр. 1684

إلى أكليز، ويجيبه أجممنون إلى طلبه، ويعد أكليز بأن يعطيه نصف بلاد اليونان إذا انضم مرة أخرى إلى المحاصرين، ولكن أكليز يظل غاضباً. (١٠) ويفاجئ أديسيوس وديوميد معسكر الطرواديين بهجمة في أثناء الليل يقتلان فيها اثني عشر من رؤساء العشائر. (١١) ويقود أجممنون جنده ويستبسل في القتال ويُجرح ثم ينسحب من الميدان. (١٢) ويلتف الأعداء حول أوديسيوس فيقاتلهم قتال الأسود، ويشق له أجاكس ومنلوس الطريق وينجيانه ليقاسي فيما بعد حياة مريرة (١٢ - ١٣) ويتقدم الطرواديون إلى الأسوار التي أقامها اليونان حول معسكرهم. (١٤) فتنزعج هيرا وتصمم على إنقاذ اليونان، فتدهن بالزيت وتتعطر وتلبس أفخر الثياب، وتتمنطق بمنطقة أفرديتي المقوية؛ وتغوي زيوس فيضاجعها، ويعمد بوسيدن في هذه الأثناء إلى مساعدة اليونان علىطرد الطرواديين (١٥). وتظل الحرب سجالاً فيصل الطرواديون إلى سفن اليونان، وهنا تصل حماسة الشاعر ذروتها وهو يقص علينا كيف كان اليونان يحاربون مستيئسين وهم يتراجعون تراجعاً سيؤدي بهم إلى الهلاك. (١٦) ويقنع بتركلوس حبيب أكليز هذا البطل فيسمح له بأن يقود جنوده لمحاربة طروادة، ويقتله هكتر بيده. (١٧) ويحارب أجاكس حرباً شديدة فوق جثة الشاب القتيل. (١٨) ويسمع أكليز بموت بتركلوس فيصمم آخر الأمر على القتال، وتقنع أمه الإلهة ثيتيس الحداد الإلهي هفستوس Hephaestus بأن يصنع له أسلحة جديدة ودرعاً سابغة ضخمة. (١٩) ويتصالح أكليز مع أجممنون، (٢٠) ويقاتل إينياس ويوشك أن يقتله لولا أن بوسيدن ينقذه ليتخذ منه فرجيل موضوعاً لشعره. (٢١) ويقتل أكليز عدداً كبيراً من الطرواديين ويقذف بهم إلى الجحيم مودعين بخطب يتحدث فيها عن نسبهم. وتواصل الآلهة القتال: فتقذف أثينة أريس بحجر يطرحه أرضاً وتحاول أفرديتي وهي في زي جندي أن تنقذه، فتضربها أثينة ضربة على

стр. 1685

صدرها الجميل تلقيها على الأرض. وتصفع هيرا أرتميس على أذنيها، أما بوسيدين وأبلو فيكتفيان بحرب الألفاظ. (٢٢) ويوليّ الطرواديون الأدبار من أكليز عدا هكتر وحده؛ ويشير بريام وهكيبا على هكتر أن يبقى وراء أسوار المدينة ولكنه يرفض مشورتهما، حتى إذا تقدم أكليز نحوه ولي الأدبار فجأة؛ ويطارده أكليز حول أسوار طروادة ويطوف بها ثلاث مرات؛ ثم يقف هكتر ليلاقي عدوه فيخر صريعاً. (٢٣) وفي ختام هذه المسرحية تحرق جثة بتركلوس بالمراسم الفخمة؛ ويضحي أكليز من أجله بعدد كبير من الماشية، وباثني عشر من أسرى الطرواديين وبشعره هو الطويل. ويقيم اليونان الألعاب تكريماً له و (٢٤) يجر أكليز جثة هكتر خلف مركبته ثلاث مرات حول كومة الحريق. ويقبل بريام بموكبه وحزنه يرجو أن يسمح له بجثة ولده، ويرق قلب أكليز له، ويرضى بعقد هدنة تدوم اثنى عشر يوماً، ويسمح للملك الشيخ بأن يأخذ جثة ولده بعد تطهيرها ودهنها بالزيت، ويعود بها إلى طروادة.

стр. 1686

الفصل الخامس العودة إلى الوطن وهنا تختتم القصيدة العظيمة خاتمة فجائية، كأن الشاعر قد قام بنصيبه من القصة العامة ورأى من واجبه أن يترك ما بقي منها ينشده شاعر غيره. وتقص الآداب بعدئذ كيف رمي باريس أكليز وهو واقف إلى جانب المعركة بسهم اخترق مؤخرة قدمه، وهو الجزء الوحيد من جسمه الذي تؤثر فيها السهام، فأرداه قتيلاً، وكيف سقطت طروادة آخر الأمر نتيجة لخدعة الحصان الخشبي. وكان النصر الذي أحرزه المنتصرون سبباً في هزيمتهم، فعادوا منهمكين محزونين إلى أوطانهم بعد حنين إليها طويل. وتحطمت كثير من السفن التي أقلتهم، وارتطم بعضها بشواطئ البلاد الأجنبية وأنشأ من فيها مستعمرات يونانية في آسيا وجزائر بحر إيجة وإيطاليا (٧٣). ولما أقبلت هلن "الإلهة بين النساء" على منلوس بجلال جمالها الهادئ عاد حبها إلى قلبه، وكان قد أقسم أن يقتلها حين يظفر بها، وسره أن يعود بها إلى إسبارطة لتكون ملكته فيها. ولما عاد أجممنون إلى ميسيني "عانق أرض بلاده وقبلها وذرفت عينه الدمع السخين" (٧٤)، ولكن كلتمنسترا تزوجت في غيبته ابن عمه إجيسثس وأجلسته على العرش، فلما أن دخل أجممنون القصر قتلاه. وأدعى إلى الأسى من هذا عودة أديسيوس، وأكبر ظننا أن شاعراً آخر غير هومر قد قص قصته في ملحمة أقل قوة وبطولة من الإلياذة (١)،

стр. 1687

ولكنها أسلس منها وأرق وأجمل، وتقول الأديسة إن أديسيوس تحطمت سفينته على ساحل جزيرة أجيجيا Ogygia، وهي جزيرة مسحورة شبيهة بجزيرة تهيتي Tahiti، تحكمها ملكة إلهة تدعى كلبسو Calypso، شغفها حباً فاستبقته عندها ثماني سنين يحن فيها أشد الحنين إلى زوجته بلني وابنه تلمكس اللذين ينتظرانه في أتكا على أحر من الجمر. وتقنع أثينة زيوس بأن يأمر كلبسو بإطلاق سراح أديسيوس، وتطير الإلهة إلى تلمكس وتستمع إلى قصته الساذجة وتعطف عليه، فتعرف كيف أقبل أمراء أتكا والجزائر الخاضعة لها على بنلبي يتوددون لها ويسعون إلى زواجها ليظفروا بعد ذلك الزواج بعرش أتكا، وكيف يعيشون في قصف ومرح في قصر أديسيوس ويستمتعون بخيراته (٢) ويأمر تلمكس الخُطَّاب بأن يعودوا إلى ديارهم، ولكنهم يسخرون من شبابه، فيخرج سراً على ظهر سفينة يبحث عن أبيه؛ وتحزن بنلبي لبعد زوجها وابنها، وتستمهل خاطبيها بأن تعدهم أنها ستتزوج واحداً منهم بعد أن تتم نسيج غزلها، ولكنها تنقض منه في الليل ما تعمله بالنهار (٣) ويزور تلمكس نسطور في بيلس و (٤) منلوس في إسبارطة ولكن أحداً منهما لا يستطيع أن يدله على مكان أبيه. ويرسم الشاعر صورة جذابة لهلن وقد استقرت في بيتها خاضعة، ولكنها لا تزال تستمتع بجمالها الرباني، وقد غفر لها زوجها خطاياها من زمن بعيد، وتقول إنها حين سقطت طروادة كانت قد سئمت المقام في المدينة (١).

стр. 1688

(٥) وهنا يدخل أديسيوس القصة لأول مرة. فقد كان "يجلس على ساحل جزيرة كلبسو"، وقد جف الدمع من عينيه وغاض ماء حياته الحلوة من شدة حزنه وحنينه إلى وطنه. نعم إنه كان يقضي ليله في الكهوف الجوفاء مضطجعاً على الرغم منه بجوار كلبسو، ينام وهو كاره بجوار الحورية المشتاقة، ولكنه كان يقضي النهار جالساً على الصخور والرمال، يبكي ويتوجع وينظر إلى البحر المضطرب" (٧٨) وتستبقيه كلبسو ليلة أخرى تأمره بعدها أن يصنع رمثاً ويبحر فيه منفرداً. (٦) ويكافح أديسيوس البحر كفاحاً طويلاً ثم ينزل في أرض فيشيا الخرافية (ولعلها كرسيرا - كورفو Corcyra-Corfu) حيث تعثر عليه العذراء نوسكا Nausica وتأخذه إلى قصر أبيها الملك ألسنوس، وتعشق الفتاة البطل الجريء المفتول العضلات، وتفضي بسرها إلى أترابها فتقول لهن: "استمعن إليَّ أيتها العذارى ذوات الأذرع الجميلة البيضاء .... لقد كان هذا الرجل يبدو لي منذ قليل غير وسيم، أما الآن فهو في نظري كالآلهة التي تستقر في السماء الواسعة. ألا ليت رجلاً كهذا يصبح لي زوجاً، يقيم هنا، ألا ليته يرضي أن يقيم هنا معي" (٧٩). (٧ - ٨) ويعجب ألسنوس بأديسيوس أشد الإعجاب فيعرض عليه أن يزوجه نوسكا، ويعتذر أديسيوس ولكنه يسره أن يقص عليه قصة عودته من طروادة. (١١) فيقول للملك: إن سفنه قد دفعتها الرياح عن طريقها إلى أرض أكلة (اللوطس)، وإن هؤلاء قدموا لرجاله فاكهة اللوطس الحلوة فنسي الكثيرون منهم أوطانهم وحنينهم إليها، حتى لم يجد أديسيوس بداً من أن يرغمهم على العودة إلى سفنهم. وساروا من هنا إلى أرض السيكلوبين الجبابرة العور، الذين لا يقومون بعمل ولا يخضعون لقانون، ويعيشون في جزيرة تكثر فيها الحبوب والفاكهة البرية. ووقعوا في كهف السيكلوب

стр. 1689

بليفيمس Polyphemus فأكل عدداً منهم، وأنقذ أديسيوس من بقي بأن أنام الوحش الجبار بعد أن أسكره، ثم حرق بالنار عينه الوحيدة. (١٠) ثم ركب الجوالون البحر مرة أخرى وأوغلوا فيه حتى وصلوا إلى أرض اللستريجونيين Laestrygonians، وكان هؤلاء أيضاً من أكلة اللحوم البشرية فلم تنج منهم إلا سفينة أديسيوس. ووصل هو ومن كان معه في السفينة إلى جزيرة إينيا Aenea حيث أغوت سرس Circe الإلهة الجميلة الغدارة معظم رفاقه بغنائها الجميل فدخلوا كهفها، ثم خدرتهم ومسختهم فصاروا خنازير. وأوشك أديسيوس أن يذبحها، ولكنه غير رأيه ورضي بحبها، ثم عاد هو ورفاقه إلى صورتهم البشرية وأقاموا مع سرس سنة كاملة. (١١) أبحروا بعدها مرة أخرى ووصلوا إلى أرض يغشاها الظلام السرمدي تبين لهم أنها مدخل الجحيم (هيدس Hades) ، وفيها تحدث أديسيوس إلى أطياف أجممنون وأكليز ووالدته. (١٢) ثم واصلوا سيرهم ومروا بجزيرة السيرينات Sirens، وهناك أنجى أديسيوس رجاله من أغانيهن المغوية بأن وضع شمعاً في آذانهم. ثم تحطمت سفينته في مضيق سلا Scylla وكربديس Charybdis (مسينا؟) ولم ينج ممن كانوا فيها إلا هو وحده، وقد نجا ليعيش تسع سنين أخرى في جزيرة كلبسو. (١٣) ويتأثر ألسنوس بقصة أديسيوس وتدفعه شفقته عليه فيأمر رجاله أن ينقلوه بحراً إلى أتكا، على أن يعصبوا عينيه لئلا يعرف مكان أرضهم الهنيئة ويدل الناس عليها. وفي أتكا تقود الإلهة أثينة السائح الجوال إلى كوخ يوميوس Eumaeus راعي خنازيره. (١٤) ويستقبله الراعي ويكرمه إكراماً حاتمياً، وإن كان لا يعرفه. (١٥) وتقود أثينة تلمكس إلى هذا الكوخ نفسه (١٦) ويكشف أديسيوس عن نفسه لولده. (١٧) ويبكيان كلاهما "وينتحبان بحرقة وبأعلى صوتيهما"، ويفضي الوالد لولده بخدعة يقتل بها جميع الذين تقدموا لخطبة زوجته.

стр. 1690

(١٧ - ١٨) ويدخل القصر في زي متسول، ويرى الخاطبين يأكلون ويتمتعون بماله، وتغلي مراجل الغضب في صدره حين يعلم أنهم يضاجعون خادماته بالليل وإن كانوا يغازلون بنلبي بالنهار. (١٩ - ٢٠) ويحتقره الخاطبون ويهينونه ولكنه يرد أذاهم بقوته وصبره. (٢١) وكان الخاطبون وقتئذ قد كشفوا حيلة النسيج التي خدعتهم بها بنلبي، وأرغموها على أن تفرغ منه، وتوافق على أن تتزوج من يستطيع منهم أن يشد وتر قوس أديسيوس المعلق على أحد جدران القصر، ويرمي منه بسهم يمر من فتحات اثنتي عشرة بلطة مصفوفة في صف واحد. ويحاولون جميعاً أن يفعلوا هذا ولكنهم لا يفلحون، ويطلب أديسيوس أن تتاح له الفرصة ليجرب حظه ويفلح فيما أخفقوا فيه. (٢٢) ثم يلقي عن نفسه القناع ويكشف عن حقيقة أمره وهو غضبان آسف، ويصوب سهامه إلى صدور الخاطفين ويقتلهم جميعاً بمعونة تلمكس، ويوميس، وأثينة. (٢٣) ويلقي صعوبة شديدة في إقناع بنلبي أنه هو أديسيوس، ذلك أن من أصعب الأمور أن تتخلى امرأة عن عشرين خاطباً من أجل زوج واحد. (٢٤) ويواجه هجمات أبناء الخاطبين، ويستل سخائم صدورهم ويستعيد ملكه. وفي هذه الأثناء كانت أشد المآسي في القصص اليوناني تجري في مجراها. ذلك أن أرستيز Arestes بن أجممنون كان وقتئذ قد بلغ رشده، وأثارت أخته إلكترا ثائرته فأخذ بثأر أبيهما وقتلا أمهما وعشيقها. وقضي أرستيز بعدئذ سنين كثيرة يضرب في الأرض وهو ذاهب العقل حتى جلس آخر الأمر على عرش أرجوس - ميسيني (حوالي عام ١١٦٧ ق. م)، وضم بعدئذ إسبارطة إلى ملكه (١). ولكن بيت بلوبس Pelops أخذ بعد اعتلائه العرش في الاضمحلال،

стр. 1691

ولعل هذا الاضمحلال قد بدأ من أيام أجممنون نفسه، وكان هذا الزعيم قد اتخذ الحرب وسيلة لضم شتات ملك كان وقتئذ ينفرط عقده. غير أن انتصاره كان الضربة القاضية عليه لأن من كان معه من الزعماء لم يعد منهم إلا القليل، وشقت كثير من الممالك عصا الطاعة وخرجت على كثيرين ممن لم يصحبوه من الزعماء. ولم يكد ينتهي العهد الذي بدأ بحصار طروادة حتى كانت قوة الآخيين قد أنهكت ونضب معين الحياة من جسم أبناء بلوبس، وأخذ الشعب يترقب في صبر وأناة ظهور أسرة جديدة.

стр. 1692

الفصل السادس فتح الدوريين اجتاحت بلاد اليونان حوالي عام ١١٠٤ موجة جديدة من الهجرة أو الغزو متدفقة من الشمال القلق المضطرب النازع إلى التوسع؛ فقد انزلق، أو سار إلى البلوبونيز، أو تدفق عليها، شعب ذو روح حربية، طويل القامات، مستدير الرؤوس، معدوم الصلة بالأدب، بعد أن اخترق إليريا وتساليا وعبر خليج كورنثة عند نوبكتوس Naupactus، ومضيق كورنثة عند كورنثة نفسها، واستولى على البلاد وقضى على الحضارة الميسينية قضاء يكاد يكون تاماً. وكل ما نقوله عن أصلهم وعن الطريق الذي سلكوه لا يرقى إلى أكثر من الحدس والتخمين. أما أخلاقهم وأثرهم في البلاد التي فتحوها فإن علمنا عنهما يرقى إلى مرتبة اليقين. لقد كانوا لا يزالون في مرحلة الرعي والصيد؛ وكانوا من حين إلى حين يستقرون لفلح الأرض، ولكن جل اعتمادهم كان على ماشيتهم، وكانت حاجة هذه الماشية إلى المرعى الجديد سبباً في كثرة تنقلهم وعدم استقرارهم. وكان الشيء الوحيد الموفور عندهم وفرة لم يسمع بها عند غيرهم هو الحديد؛ ومن أجل ذلك كانوا هم رسل الثقافة الهلستانية (١) إلى بلاد اليونان؛ وكانت صلابة أسلافهم وشدة بأسهم سبباً في تفوقهم على الآخيين والكريتيين، وفي قسوة قلوبهم وبطشهم الشديد، وكان الآخيون والكريتيون وقتئذ يستخدمون أسلحة من البرونز. والراجح أنهم تدفقوا من الغرب والشرق، من إليس ومجارا، على ممالك البلوبونيز المتفرقة الصغيرة وذبحوا بسيوفهم طبقاتها الحاكمة، واتخذوا من بقي

стр. 1693

من الميسينيين أرقاء. ودمرت النيان وتيرينز وأضحت أرجوس عاصمة جزيرة بلوبس وظلت كذلك مائتين من السنين. واستولى الغزاة في برزخ كورنثة على أكروكورنثوس Acrocorinthus وهي قمة عالية تشرف على ما حولها وتسيطر عليه، وشادوا حولها مدينة كورنثة الدورية (٨٠)، وفر أمامهم من بقي حياً من الدوريين، فلجأ بعضهم إلى جبال البلوبونيز الشمالية، وبعضهم إلى أتكا، وعبر بعضهم البحر إلى الجزائر وإلى سواحل آسية. واقتفى الفاتحون أثرهم إلى أتكا ولكنهم صدوا عنها؛ وجاءوا في أثرهم إلى كريت (٨١)، ودمروا ما بقي من نوسس تدميراً تاماً؛ واستولوا على ميلوس وثيرا Thera، وكوس Cos، ونيدس Nidus ورودس. وكان الخراف أشمل وأتم في جميع أنحاء البلوبونيز وكريت حيث ازدهرت الثقافة الميسينية أكثر من ازدهارها في غيرها الأصقاع. وهذه الكارثة الختامية التي وقعت في العصر السابق للحضارة الإيجية هي المعروفة لدى المؤرخين المحدثين باسم الفتح الدوري، والتي تسميها الرواية اليونانية "عودة الهرقليين". ذلك أن الظافرين لم يقنعوا بأن يسموا انتصارهم هذا غلبة أقوام همج على شعب متحضر، بل قالوا إن ما حدث في واقع الأمر هو أن أبناء هرقل، ومن تناسلوا من أبنائه، حيل بينهم وبين حقهم المشروع في العودة إلى البلوبونيز، فانتزعوا هذا الحق بقوة سواعدهم وبطولتهم. ولسنا نعرف ما في هذا القول من الحقائق التاريخية، وما فيه من الأساطير الدبلوماسية التي يقصد بها تصوير هذا الفتح الدموي في صورة حق مقدس. وإنا ليصعب علينا أن نعتقد أن الدوريين قد برعوا في الكذب هذه البراعة كلها في شباب العالم. وقد تكون القصتان كلتاهما صحيحتين وهو ما لم يسلم به المحاجون: فقد يكون الدوريون غزاة فاتحين من الشمال يقودهم أبناء هرقل وحفدته.

стр. 1694

ومهما يكن مظهر هذا الفتح فإن ما ترتب عليه من الأثر هو أنه عاق تقدم بلاد اليونان ونماءها زمناً طويلاً، وأصابها بمحنة شديدة. فقد ظلت أحوالها السياسية مضطربة قرنين كاملين، فقد كان كل رجل فيها يحمل السلاح لأنه بات غير مطمئن على حياته؛ وزادت أعمال العنف زيادة مطردة فعطلت أعمال الزراعة والتجارة البرية والبحرية، واشتعلت نيران الحرب وعلا سعيرها، وازداد الفقر شدة وانتشاراً؛ وأصبحت الحياة قلقة مضطربة لأن الأسر أخذت تنتقل من إقليم إلى إقليم طلباً للأمن والسلم (٨٢). ويسمى هزيود Hesiod هذا العصر عصر الحديد، ويأسف على فساده وانحطاطه عن العصور الجميلة التي سبقته، وكان كثير من اليونان يعتقدون أن "كشف الحديد قد أضر بالإنسان" (٨٣)؛ واضمحلت الفنون وأهمل التصوير، وقنع المثالون بنحت التماثيل الصغيرة الملونة؛ وانحطت صناعة الفخار لأن الصناع غفوا عما كان يمتاز به فن ميسيني وكريت من نزعة طبيعية حيوية، فاتبعوا "طرازاً هندسياً" لا حياة فيه، ظل يسيطر على فن الخزف اليوناني جملة قرون. ولكن الخسارة لم تحل بكل شيء، فقد امتزج العنصر الجديد بالقديم امتزاجاً سريعاً في خارج لكونيا Laconia وامتزاجاً بطيئا في داخلها، على الرغم من تصميم الغزاة الدوريين على أن يحتفظوا بدمائهم نقية طاهرة من دماء الأهلين المغلوبين، وعلى الرغم من الكراهية العنصرية بين الدوريين والأيونيين، وهي الكراهية التي اصطبغت بها بلاد اليونان على بكرة أبيها. ولعل امتزاج دم الآخيين والدوريين القوي النشيط بدم الشعوب التي هي أقدم من هذين الشعبين وأرق، والتي كانت تقيم في جنوبي اليونان، لعل هذا كان ذا أثر حافز منشط. ومهما يكن لهذا الامتزاج من أثر فإن النتيجة النهائية التي أسفر عنها بعد قرنين من الزمان هي نشأة شعب جديد مختلفة عن الشعوب التي كانت تعيش من قبل في تلك البلاد، امتزجت فيها دماء عناصر "البحر الأبيض المتوسط" و "الألبي" و "الشمالي

стр. 1695

(النوردي) " والعناصر الآسيوية امتزاجا أدى إلى كثير من القلق والاضطراب. كذلك لم تمح الحضارة الميسينية من الوجود. فقد بقيت الحياة كامنة طوال قرون العنف والفوضى في بعض عناصر التراث الإيجي-كطرائق الحكم والنظام الإجتماعي، وعناصر الصناعات اليدوية والفنية، وأساليب التجارة وطرقها، وأشكال العبادة وأدواتها (٨٤)، والمهارة في صنع الخزف والنقش، وفن طلاء المظلمات، وأساليب الزينة وطرز العمارة. ويعتقد اليونان أن النظم الكريتية قد انتقلت إلى إسبارطة (٨٥)، وقد ظلت الجمعية الآخية عنصراً أساسياً في بلاد اليونان الديمقراطية. وأكبر الظن أن تصميم الهياكل الدورية قد أخذ عن الميسينيين (٨٦)، بعد أن خلعت عليه الروح الدورية حرية وتناسقاً وقوة. وانتعشت التقاليد الفنية انتعاشاً بطيئاً، فرفعت كورنثة وطيبة وسكيون Sicyon وأرجوس إلى نهضة فنية مبكرة شبيهة بالنهضة الأوربية التي أعقبت العصور الوسطى، وجعلت الفن والغناء يبتسمان في إسبارطة العنيدة نفسها، حيناً من الدهر، وظلت هذه التقاليد تبعث الحياة في الشعر الغنائي طوال هذا العصر المظلم الذي لا تاريخ له، وحملها معهم البلاسجيون والآخيون، والأيونيون، والميناويون المنفيون في هجرتهم إلى جزائر بحر إيجة وإلى آسية هرباً من الغزاة الفاتحين، وأعانت المدن التي أقامها المستعمرون على أن تفوق أمهاتها في الآداب والفنون. ولما جاء المنفيون إلى الجزائر وإلى أيونيا وجدوا بقايا الحضارة الإيجية فاستولوا عليها واستعانوا بها. فقد احتفظ عصر البرونز بشيء من المهارة والنضارة القديمتين في المدن القديمة بهذه الجزائر، لأنها كانت أقل اضطراباً من مدن القارة الأوربية، وهناك في هذه الأرض الآسيوية بدأت بعدئذ يقظة اليونان الجديدة. وبعث هذا الاتصال بين خمس ثقافات- الكريتية والميسينية والآخية، والدورية والشرقية- الشباب من جديد في حضارة بدا يدب فيها دبيب

стр. 1696

الفناء، حضارة فقدت رقتها في أرض القارة بفعل الحرب والنهب، وأصبحت حضارة منحلة مخنثة في كريت لما ركنت إليه عبقرية أهلها من ترف. وقد اجتاح امتزاج السلالات والأساليب قروناً عدة حتى استقر بعض الاستقرار، ولكنه أعان على خلق ما في التفكير اليوناني والحضارة اليونانية من تنوع، ومرونة، ودقة منقطعة النظير. وليس من حقنا أن ننظر إلى الثقافة اليونانية على أنها وميض لاح فجأة، وبطريقة غير عادية، في بحر مظلم من الهمجية، بل إن علينا أن ننظر إليها على أنها عملية بطيئة كدرة أدت إلى خلق شعب غني غنىً يكاد أن يكون مفرطاً في تنوع مائه وفي ذكرياته، تحيط به وتتحداه، وتعلمه، جموع همجية، وإمبراطوريات قوية وحضارات قديمة.

стр. 1697

الكتاب الثاني نهضة بلاد اليونان من ١٠٠٠ إلى ٤٨٠ ق. م

стр. 1698

الباب الرابع إسبارطة الفصل الأول البيئة المحيطة ببلاد اليونان لننظر إلى خريطة للعالم القديم ونطّلع فيها على جيران بلاد اليونان القديمة، ونعني ببلاد اليونان أو هلاس جميع البلاد التي كان يسكنها في الزمن القديم شعوب تتكلم اللغة اليونانية. ولنبدأ بالنظر إلى الأصقاع التي دخل منها إلى تلك البلاد كثير من الغزاة - فوق تلال إبيروس وعلى طول وديانها. وما من شك في أن أسلاف اليونان قد أقاموا في تلك الأماكن كثيراً من السنين، لأنهم أنشأوا في ددونا dodona مزاراً لزيوس إله السماء المرعد. ولقد ظل اليونان حتى القرن الخامس يتلقون الوحي في هذا المكان ويقرأون ما تريده الآلهة في غليان المراجل أو حفيف أوراق البلوطة المقدسة (١). ويخترق نهر أكرون الجزء الجنوبي من إبيروس وسط أخاديد بلغت من الظلمة والعمق درجة جعلت شعراء اليونان يصفونها بأنها مدخل الجحيم أو أنها هي الجحيم نفسها. وكان معظم أهل إبيروس في أيام هومر يتكلمون اللغة اليونانية ويتبعون الأساليب اليونانية، ثم طغت عليهم موجات جديدة من الهمج أهل الشمال وحالت بينهم وبين المدينة.

стр. 1699

وإلى شمال إبيروس على ساحل البحر الأدرياوي تقع إليريا Illyria، وكانت في الوقت الذي نتحدث عنه بلاداً قليلة السكان أهلها من الرعاة يبيعون الماشية والعبيد بملح الطعام (٢). وعلى هذا الساحل عند إبدمنوس Epidamnus (وهي ديركيوم Dyrrachium الرومانية ودرزو الحالية) أنزل قيصر جنوده وهو يطارد بمبي. وعلى الجانب الآخر من البحر الأدرياوي اغتصب اليونان السواحل الجنوبية من القبائل المستوطنة هناك، وأدخلوا الحضارة في إيطاليا، (وقد عادت تلك القبائل في آخر الأمر فاكتسحتهم، وابتلعت معهم بلادهم الأصلية وضمت بلادهم إلى إمبراطورية لم يسبق لها مثيل في تاريخ العالم). وكان من وراء جبال الألب الغاليون، الذي أخلصوا الود فيما بعد لمساليا (مرسيليا)؛ وفي الطرف الغربي من البحر الأبيض تقع أسبانيا، وكانت قد تمدنت إلى حد ما على يد الفينيقيين والقرطاجيين حين أنشأ اليونان في عام ٥٥٠ مستعمرتهم الوجلة في إمبريوم (أمبورياس Ampurias) . وكانت قرطاجنة الإمبراطورية تقع على ساحل إفريقية أمام صقلية تتسلط عليها وتهددها، وقد اختط هذه المدينة ديدو Dido والفينيقيون، وتقول الرواية إن ذلك كان في عام ٨١٣. ولم تكن وقت إنشائها قرية صغيرة بل كانت مدينة عامرة يبلغ سكانها ٧٠٠. ٠٠٠ نسمة، تحتكر تجارة البحر الأبيض المتوسط الغربي وتسيطر على يتكا، وهبو Hippo وثلاثمائة بلدة أخرى في إفريقية، ومناجم غنية، ومستعمرات في صقلية، وسردينية، وأسبانيا. وقد قدر لهذه الحاضرة ذات الثروة الطائلة أن تقود الكفاح ضد اليونان من ناحية الغرب، كما قدر لبلاد الفرس أن تقوده من ناحية الشرق. وإلى شرق هذه المدينة على ساحل إفريقية كانت تقع مدينة قورينة اليونانية، وفي مؤخرتها بلاد اللوبيين المجهولة، وإلى شرقها مصر. وكان معظم اليونان يعتقدون أن عناصر كثيرة من حضارتهم قد جاءتهم من مصر. وتعزو قصصهم نشأة كثير من المدن اليونانية إلى رجال من أمثال كدموس

стр. 1700

Cadmus ودانوس Danaus جاءوا من مصر أو نقلوا الحضارة المصرية إلى بلاد اليونان عن طريق فينيقية وكريت (٣). وقد انتعشت التجارة المصرية وبعث الفن المصري من جديد في عهد الملوك الساويين (٦٦٣ - ٥٢٥)، وفتحت الثغور الواقعة على نهر النيل لتستقبل التجارة اليونانية لأول مرة في التاريخ. وزار مصر كثيرون من عظماء اليونان المشهورين - أمثال طاليس، وفيثاغورس، وصولون، وأفلاطون، ودمقريطس، فأعجبوا أشد إعجاب بعظم حضارتها وقدمها؛ ولم يجدوا فيها برابرة همجاً كالذين كانوا يجدونهم في الأقطار الأخرى، بل وجدوا فيها أقواماً كانت لهم حضارة ناضجة، وفنون راقية، قبل سقوط طروادة بألفي عام. وكان مما قاله أحد الكهنة المصريين لصولون: "إنكم أيها اليونان لا تزالون أطفالاً، ثرثارين، مغرورين لا تعرفون شيئاً عن الماضي. ولما أخذ هكتيوس الميليتي يزدهي على الكهنة المصريين ويقول لهم إن في وسعه أن يذكر لهم سلسلة نسبه التي تنتهي بعد خمسة عشر جيلاً إلى أحد الآلهة، أطلعوه في هياكلهم على ٣٤٥ تمثالاً لكبار الكهنة كل منهم ابن الذي قبله ويتكون من مجموعهم ٣٤٥ جيلاً تبدأ من العهد الذي كان فيه الآلهة يحكمون الأرض (٥). وكان علماء اليونان أمثال هيرودوت وبلوتارخ يرون أن العقيدة الأرفية القائلة بأن الخلق يحاسبون بعد موتهم على ما قدموا من خير وشر في حياتهم، وأن الاحتفالات التي كانت تقام لبعث دمترو وبرسفوني في إليوسيس، مأخوذة كلها عن عبادة إيزيس وأوزريس المصريين. وأكبر الظن أن طاليس الميليتي تعلم الهندسة النظرية في مصر، وأن روكوس Rhoecus وثيودورس الساموسيين قد عرفا فيها فن صب الآنية المجوفة البرونزية، وفي مصر ازداد مهارة في صناعة الفخار والنسيج وطرق المعادن والحفر على العاج (٧). وعن المصريين والآشوريين والفينيقيين والحثيين أخذ المثالون اليونان طراز تماثيلهم الأولى - وجوهها المستوية، وعيونها

стр. 1701

المائلة، وأيديها المقبوضة، وأطرافها المعتدلة المتصلبة (١). وقد وجد مهندسو اليونان بعض إلهامهم الفني، الذي أوحى إليهم بالعمد المحززة وبالطراز الدوري، في عمد سقارة، وبني حسن، كما وجدوا بعضه الآخر في بقايا ميسيني اليونانية (٨). وكما أن بلاد اليونان قد تعلمت في شبابها من مصر واعترفت لها بالفضل، فإنها حين خارت قواها ماتت في أحضان مصر إذا جاز هذا التعبير، فقد مزجت في الإسكندرية فلسفتها، وطقوسها الدينية، وآلهتها بنظائرها في مصر وبلاد اليهود حتى تبعث وتحيا حياة جديدة في رومة وفي المسيحية. وكان أثر فينيقية في اليونان لا يزيد عليه إلا أثر مصر نفسها. فقد كان تجار صور وصيدا المغامرون وسيلة طوافة لنقل الثقافة، ونشروا في جميع أقاليم البحر الأبيض المتوسط علوم مصر والشرق الأدنى، وصناعاتهما، وفنونهما، وطقوسهما الدينية. ولقد بز الفينيقيون اليونان في صنع السفن ولعل اليونان قد أخذوا هذه الصناعة عنهم؛ وعلموهم كذلك أساليب في طرق المعادن، والنسيج والصباغة خيراً من أساليبهم (٩)، وقد اشتركوا مع كريت وآسية الصغرى في نقل الصورة السامية للحروف الهجائية إلى بلاد اليونان بعد نمائها وتطورها في مصر واليونان وسوريا. وأخذت بلاد اليونان عن بابل نظام موازينها ومكاييلها (١٠)، وساعتها المائية ومزولتها (١١)، ووحدات العملة المتداولة فيها، وهي الأبول Obol، والمينا Mina، والتالنت (الوزنة) (١٢)، وقواعد علم الفلك، وآلاته، وسجلاته، وحسابه، ونظامها الستيني الذي يقضي بتقسيم السنة والدائرة والزوايا الأربع القائمة التي تتقابل في مركزها إلى ٣٦٠ جزءاً، وتقسيم كل درجة إلى ٦٠ دقيقة وكل دقيقة من هذه الستين إلى ٦٠ ثانية؛ ولعل معرفة طاليس بعلم الفلك عند المصريين

стр. 1702

والبابليين هي التي أمكنته أن يتنبأ بكسوف الشمس (١٣)، ولعل هزيود قد أخذ عن بابل فكرته القائلة إن الفوضى والعماء أصل الأشياء جميعها؛ وإن قصة إشتار وتموز لتشبه قصتي أفرديتي وأدنيس ودمتر وبرسفوني شبهاً يدعو إلى الظن بأن الأولى هي الأصل الذي أخذت عنه القصتان الأخريان. وكان بالقرب من الطرف الشرقي للمحيط التجاري الذي يضم أجزاء العالم القديم كله آخر أعداء اليونان ونعني بهم الفرس. ولقد كانت حضارة بلادهم من بعض نواحيها - وإن كانت نواحي قليلة - أرقى من حضارة بلاد اليونان المعاصرة لها. فلقد أخرجت إلى العالم طرازاً من الرجل المهذب أرق وأظرف من الرجل اليوناني في كل ناحية من النواحي عدا حدة الذهن والتعليم، كما أنشأت نظاماً للإدارة الإمبراطورية يفوق بلا جدال ذلك النظام الذي كانت تتزعمه أثينة وإسبارطة، ولم يكن ينقصه إلا حرص اليونان على الحرية. ولقد أخذ اليونان الأيونيون عن أشور قدراً من المهارة في صنع تماثيل الحيوان، كما أخذوا عنهم في صناعة النحت المبكرة ميلهم إلى ضخامة التماثيل واستواء ما عليها من الملبس، وأساليب الزينة الطنف والقوالب، وفي طراز النقش البارز في بعض الأحيان، كما نشاهد ذلك في لوحة أرستيون الجميلة (١٤). وكانت لليديا علاقات وثيقة بأيونيا، وكانت سرديس عاصمتها الزاهرة بمثابة البيت التجاري الذي تصفى به المتاجر والأفكار المتبادلة بين بلاد النهرين والمدن اليونانية المنتشرة على الساحل. وقد اقتضت الأعمال التجارية الواسعة قيام المصارف، واضطرت الحكومة الليدية إلى إصدار عملة مضمونة من الدولة في عام ٦٨٠. وسرعان ما حاكى اليونان هذا العمل الجليل ذا الفائدة العظمى للتجارة، وأدخلوا عليه ضروب الإصلاح والتحسين، وكان له من الآثار التي لا تقل في خطرها وسعتها من استخدام الحروف الهجائية. وكان أثر فريجيا في بلاد اليونان أقدم من هذه الآثار السابقة وأدل على حذق الفريجيين. فقد دخلت سيبيلي أمها

стр. 1703

الإلهة من أول الأمر إلى دين اليونان، وأضحت موسيقى الناي وما يصحبها من تهتك هي "الطراز الفريجي" الشائع بين عامة الشعب، والذي أقلق بال رجال الأخلاق اليونان. وعبر هذه الموسيقى العنيفة مضيق الهلسبنت من فريجيا إلى تراقية، واستخدمت في طقوس ديونيسس. وكان إله الخمر أهم ما أهدته تراقية إلى بلاد اليونان، ولكن مدينة تراقية هي أبدرا المتأغرقة أرادت ان تعوض بلاد اليونان عما أصابها بهذه الهدية فأهدت إليها ثلاثة من فلاسفتها هم ليوسبس Luecippus ودمقريطس Democritus، وبروتجراس Protagoras. وتراقية هي التي انتقلت منها طقوس ربات الشعر إلى بلاد اليونان، ولقد كان واضعو فن الموسيقى اليونانية نصف الخرافيين - أرفيوس، وموسايوس Mausaeus وثاميرس Thamyris- مغنين وشعراء تراقيين. وننتقل بعدئذ من تراقية نحو الجنوب إلى مقدونية، وبذلك نكون قد أتممنا دراسة كل ما يحيط ببلاد اليونان من حضارات. ومقدونية بلاد جميلة المناظر الطبيعية، كانت أرضها في الزمن القديم غنية بالمعادن، وسهولها الخصبة تنتج الفاكهة والحب، وجبالها تنشئ أقواماً صلاباً قدر لهم فيما بعد أن يفتحوا بلاد اليونان، وكان سكان الجبال والفلاحون من أهلها من عناصر مختلفة، أهمها الإليريون والتراقيون، وربما كانت لهم صلات في الدم بالدوريين الذي فتحوا البلوبونيز. وكان حكامها الأشراف يدعون أنهم من نسل اليونان (ومن أبناء هرقل نفسه)، وكانوا يتكلمون لهجة يونانية. وكانت عاصمتهم الأولى إدسا Edessa تقع فوق هضبة واسعة بين السهول الممتدة إلى إبيروس وسلاسل الجبال التي تصل إلى بحر إيجة. وكان إلى الشرق منها مدينة بلا Pella التي أضحت فيما بعد عاصمة فليب والإسكندر؛ وبالقرب من البحر مدينة بدنا، التي هزم فيها الرومان المقدونيين الفاتحين وكسبوا بعد هذه الهزيمة حق نقل حضارة اليونان إلى العالم الغربي.

стр. 1704

تلك إذن هي البيئة التي كانت تحيط ببلاد اليونان: حضارات كحضارة مصر وكريت وبلاد النهرين أهدت إليها العناصر الفنية في الصناعة، والعلوم، والفن، فاستحالت على أيدي اليونان إلى أزهى صورة في التاريخ؛ وإمبراطوريات كبلاد فارس وقرطاجنة تؤثر فيها منافسة التجارة اليونانية، وينضم بعضها إلى بعض لمحاربة اليونان وجعلها ولاية خاضعة لسلطانها غير قادرة على أذاها؛ وإلى الشمال جموع حربية النزعة، تتكاثر دون تفكير في العواقب، وتتنقل في قلق واضطراب، وتعبر بعد زمن قد يقصر وقد يطول الحواجز الجبلية القائمة بينها وبين بلاد اليونان، وتفعل بها ما فعله الدوريون من قبل فتمزق ما سماه شيشرون الإطار اليوناني الموشى به الثوب الهمجي (١٥)، وتدمر حضارة لا تفقه لها معنى. وقلما كانت هذه الأمم المحيطة ببلاد اليونان تعنى بما كان يعده اليونان جوهر الحياة وأغلى ما فيها، ألا وهو الحرية - حرية الحياة والتفكير، والقول والعمل. وكان كل شعب من هذه الشعوب، عدا الفينيقيين، يرزح تحت حكم الطغاة المستبدين، ويسلم أرواح بنيه إلى الخرافات والأوهام، ولا يعرف إلا القليل من بواعث الحرية أو الحياة العقلية. وهذا هو السبب الذي حدا باليونان إلى أن يطلقوا عليهم بلا تمييز بينهم اسم البَرْبَرُوي barbaroi أي الهمج؛ فالهمجي في اعتقادهم هو الذي يرضى بالاعتقاد دون تفكير، والذي يعيش مسلوب الحرية. ثم تتنازع الفكرتان - صوفية الشرق وعقلية الغرب - آخر الأمر جسم بلاد اليونان وروحها، فتنتصر العقلية في عهد بركليز، كما انتصرت في عهد قيصر، وليو العاشر، وفردريك؛ ولكن الصوفية كانت تعود على الدوام. وتبادل النصر بين هاتين الفلسفتين المكملة كلتاهما للأخرى هو الذي تتكون منه أهم المراحل في قصة الحضارة الغربية.

стр. 1705

الفصل الثاني أرجوس وأخذت بلاد اليونان الصغيرة تمد رقعتها داخل هذه الدائرة من الأمم المحيطة بها حتى لم يكد يبقى جزء من شاطئ البحر الأبيض المتوسط لم يعمره أبناؤها. ذلك أن اليد الهزيلة التي مدت أصابعها الرفيعة إلى البحر نحو الجنوب لم تكن إلا جزءاً صغيراً من بلاد اليونان التي يعنينا تاريخها في هذا الكتاب؛ فقد انتشر اليونان، الذي لا تصدهم عن غرضهم عقبات مهما قويت في أثناء تطورهم ونمائهم، في كل جزيرة من جزائر بحر إيجة، وإلى كريت وقبرص، وإلى مصر وفلسطين، وسوريا، وما بين النهرين، وآسية الصغرى، وإلى بحر مرمرة والبحر الأسود، وإلى شواطئ بحر إيجة وشبه الجزيرة الممتدة منه، وإلى إيطاليا، وغالة، وصقلية، وإلى شمال إفريقية. وقد أنشأوا في هذه الأقاليم جميعها دول مدن مستقلة متفرقة ولكنها يونانية، تتكلم اللغة اليونانية وتعبد الآلهة اليونانية، وتكتب الآداب اليونانية وتقرؤها، وتقوم بنصيبها في تقدم العلوم والفلسفة اليونانية، وتمارس الدمقراطية على الطريقة اليونانية الأرستقراطية. وهم حين هاجروا من بلاد اليونان لم يتركوا موطنهم الأصلي وراءهم، بل حملوه معهم، حتى أرضه نفسها، إينما ذهبوا. وقد جعلوا حوض البحر الأبيض المتوسط بحيرة يونانية ومركزاً للعالم، ودام على هذا الوضع قرابة ألف عام. وأصعب ما يواجهه مؤرخ الحضارة اليونانية القديمة ويثبط همته هو أن يؤلف من هذه الأعضاء المتفرقة في جسم بلاد اليونان وحدة منسجمةد

стр. 1706

وقصة متصلة الأجزاء (١). وسنحاول أن نفعل هذا بتلك الطريقة الشيقة طريقة الطواف في رحلة بهذه الأجزاء. وسنضع أمامنا في خلال هذه الرحلة خريطة، لا تكلفنا غير قليل من الخيال، وسننتقل من مدينة إلى مدينة في العالم اليوناني، وندرس في كل مركز من هذه المراكز حياة الأهلين قبل الحرب الفارسية - أساليبهم الاقتصادية والحكومية، ونشاط علمائهم وفلاسفتهم، وما أنشدوا من الشعر وما أنتجوه من الفنون (٢). ولسنا ننكر أن في هذه الطريقة عيوباً كثيرة: فالتتابع الجغرافي لن يتفق كل الاتفاق مع السياق التاريخي، وسنضطر في هذه الرحلة إلى أن نقفز من قرن إلى قرن ومن جزيرة إلى جزيرة، وسنجد أنفسنا نتحدث إلى طاليس وأنكسمندر قبل أن نصغي إلى هومر وهزيود. ولكننا لا يضيرنا قط أن نرى الإلياذة وما فيها من فحش في ضوء التشكك الأيوني، أو أن نستمع إلى شكاية هزيود الشديدة بعد أن زار المستعمرات الأيونية التي جاء منها والده المنهوك. وسنحيط بعض الإحاطة حين نصل في آخر رحلتنا إلى أثينة بالنواحي الكثيرة الاختلاف لتلك الحضارة التي ورثتها والتي حافظت عليها ببسالة في مرثون. وإذا بدأنا رحلتنا من أرجوس حيث أقام الدوريون المنتصرون حكمهم، وجدنا أنفسنا في إقليم يوناني خالص: في سهل غير مسرف في خصبه، ومدينة صغيرة مهوشة النظام، ذات بيوت صغيرة من الآجر والجص، وهيكل

стр. 1707

على تلها، وملهى في الهواء الطلق على سفح ذلك التل، وقصور متواضعة في أماكن منها متفرقة، وأزقة ضيقة، وشوارع غير مرصوفة، وعلى بعد منها البحر الجميل الجذاب المضطرب الأمواج. ذلك أن بلاد اليونان إنما تتكون من جبال وبحار؛ والمناظر الجميلة الفخمة عادية فيها مألوفة إلى حد يجعل اليونان لا يعنون بذكر ذلك الجمال في كتبهم، وإن كان يستحوذ على قلوبهم ويوحي إلى عقولهم. وشتاء البلاد بارد ممطر، وصيفها حار جاف، وأهلها يزرعون في الخريف ويحصدون في الربيع؛ والمطر فيها نعمة وبركة، وزيوس مرسل المطر إله الآلهة. وأنهارها قصيرة ضحلة، تتحول إلى سيول جارفة في فصل الشتاء، وتجف حتى تظهر الحصباء في قيعانها في حر الصيف. ولقد كان على طول الشاطئ اليوناني مائة مدينة في حجم أرجوس وشبيهة بها؛ وألف مدينة أخرى تشبهها ولكنها أقل حجماً منها، وكلها ذات سيادة تغار على سيادتها، يفصل كل واحدة عن الأخرى ما بينها من خصام شديد أو مياه خطرة، أو تلال عديمة المسالك. ويعزو أهل أرجوس منشأ مدينتهم إلى أرجس البلاسجي، البطل ذي المائة عين، كما يعزون ازدهارها الأول إلى رجل مصري يدعى دانوس Danaus قدم إليها على رأس جماعة من "الدنائيين"، وعلم الأهلين طريقة إرواء حقولهم من الآبار. وليس من حقنا أن نسخر من هذه الأسماء الخيالية، فقد كان اليونان يفضلون أن تنتهي بالأساطير تلك التواريخ الطويلة التي تنتهي عندنا نحن إلى الجهل والغموض. وقد أصبحت أرجوس، تحت حكم تمنوس أحد الهرقليين الذين عادوا إليها، أقوى المدن اليونانية بأجمعها، وأخضعت لسلطانها تيرينز، وميسيني وجميع الأراضي المحيطة بها. واستولى على زمام الحكم فيها حوالي عام ٦٨٠ أحد أولئك الطغاة tyrranoi، الذي أصبح حكمهم الطراز المألوف في كبريات المدن اليونانية طوال القرنين اللذين أعقبا ذلك العهد. ولعل هذا الطاغية المسمى فيدون Pheidon قد استولى على الحكم،

стр. 1708

كما استولى عليه أمثاله من الطغاة، بأن تزعم طبقة التجار الآخذة قوتها في الازدياد بعد أن ضموا إليهم العامة مؤقتاً ليسهل عليهم الوصول إلى غرضهم - وهو مقاومة سلطان الأشراف ملاك الأراضي. ولما هددت إبدروس وأثينة مدينة إيجينة زحف فيدون لمساعدتها واستولى عليها لنفسه. واستعمل فيدون طريقة الموازين والمكاييل البابلية - ولعله أخذها عن الفينيقيين - كما استخدم نظام النقد الليدي الذي تضمنه الدولة. وأنشأ دار الضرب في إيجينة وأضحت "السلاحف" (أي قطع النقط المنقوش عليها رمز الجزيرة) أول عملة رسمية في بلاد اليونان القارية (١٦). وكان حكم فيدون الاستبدادي المستنير بداية عصر من الرخاء جاء إلى أرجوس وما حولها بكثير من الفنون، حتى كان موسيقيو أرجوس أشهر الموسيقيين في بلاد اليونان كلها في القرن السادس قبل الميلاد (١٧)، ومن هؤلاء لاسوس Lasus الهرميوني (Hermione) الذي اشتهر بين الشعراء الغنائيين في عصره، والذي أخذ عنه بندار Pindar مهارته في هذا الضرب من الشعر. وفي أيامه وضع أساس مدرسة النحت الأرجوسية التي أهدت إلى بلاد اليونان بليكليتس، كما أهدت إليها قواعدها الفنية؛ ووجد التمثيل موطناً له في تلك المدينة حيث أنشئت له دار تحتوي على عشرين ألف مقعد؛ وشاد المهندسون فيها هيكلاً لهيرا، التي كانت تحبها أرجوس، وتخصها بعبادتها، وتعدها العروس الإلهة التي تتجدد بكارتها في كل عام (١٨). لكن ما أصاب خلفاء فيدون من ضعف وفساد - هما نقمة الملكية - بالإضافة إلى الحروب المتعاقبة الطوال مع إسبارطة، أوهن أرجوس، واضطرها إلى أن تتخلى عن زعامة البلوبونيز إلى اللسديمونيين Lacedaemonians. وهي اليوم بلدة هادئة تختفي معالمها بين ما يحيط بها من حقول، ولا تذكر إلا قليلاً عن مجدها الغابر، وتفخر بأن أهلها لم يهجروها قط في أثناء تاريخها الحافل الطويل.

стр. 1709

الفصل الثالث لكونيا في جنوب أرجوس، وعلى مسافة بعيدة من البحر يشاهد السائح قلل سلاسل جبال البرنون parnon، وهي قلل جميلة المنظر ولكن أجمل منها في العين نهر يوروتاس Eurotas الذي يجري بينها وبين سلسلة تيجتوس في الغرب، وهي أكثر منها ارتفاعاً وأشد قتاماً، وتكلل أعلاها الثلوج. وفي الوادي المعرض لفعل الزلازل يمتد "تجويف لسديمون"، وهو سهل منبسط تحميه التلال من جميع جوانبه بحيث لا تحتاج حاضرته إسبارطة إلى أسوار تحميها. وكانت إسبارطة "المبعثرة" في ذروة مجدها تتكون من خمس قرى منضمة بعضها إلى بعض يعمرها حوالي سبعين ألف نسمة. أما اليوم فهي قرية صغيرة لا يزيد سكانها على أربعة آلاف، ولا يكاد يبقى شيء، حتى في متحفها الصغير، من تلك المدينة التي حكمت فيما مضى بلاد اليونان وكانت سبباً في خرابها. ١ - توسيع إسبارطة ولقد سيطر الدوريون من هذا الحصن الطبيعي المنيع على جنوبي البلوبونيز واستعبدوه. وكان هؤلاء الشماليون ذوو الشعر المرسل الطويل، الذين قوّت حياة الجبال أجسامهم وضرستهم الحروب، كان هؤلاء الأقوام يرون أن الحياة إما فتح أو استرقاق ولا ثالث لهما. وكانت الحرب عملهم المألوف يحصلون بها على رزقهم الشريف في ظنهم، كما كان غير الدوريين من أهل البلاد الذين أضعفهم اشتغالهم بالزراعة وطول عهدهم بالسلم في حاجة ملحة إلى سادة يتولون أمورهم ويسيطرون عليهم. وكان أول ما فعله ملوك إسبارطة، الذين

стр. 1710

يدعون أنهم من سلالة الهرقليين الذين وفدوا إلى البلاد منذ عام ١١٠٤، أن أخضعوا سكان لكونيا الأصليين ثم هاجموا ميسينيا Messinia. وكانت تلك الأراضي الممتدة في الطرف الجنوبي الغربي من البلوبونيز مستوية وخصبة إذا قيست إلى سائر أجزاء شبه الجزيرة، وتقوم بحرثها قبائل هادئة مسالمة. ويقص علينا بوسنياس كيف ذهب أرستوديموس Aristodemus ملك ميسينيا إلى مهبط الوحي في دلفي ليستشيره في الوسائل التي يستطيع بها أن يهزم الإسبارطيين، وكيف أمره أبلو أن يضحي بعذراء يجري في عروقها دمه الملكي، وكيف قتل ابنته هو وخسر الحرب (١٩) (وربما كان سبب خسرانه أنه كان مخطئاً في اعتقاده أنه قتل ابنته)، وكيف قاد أرستمينس Aristomenes الشجاع الميسينيين بعد جيلين من ذلك الوقت في ثورة جامعة على حكامهم الفاتحين، وكيف ظلت مدنهم تسع سنين صابرة على الهجوم والحصار ولكن الإسبارطيين ظفروا بهم آخر الأمر، فأخضعوا الميسينيين وفرضوا عليهم جزية سنوية تعادل نصف محصولاتهم، وساقوا نصف عددهم وضموهم إلى أقنان هيلوت Helot. والصورة التي ترتسم في مخيلتنا للمجتمع اللكوني قبل ليكرجوس تتكون، كما تتكون بعض الصور الملونة القديمة، من ثلاث طبقات، العليا منها السادة الدوريين، ويعيش معظمهم في إسبارطة على منتجات الحقول التي يمتلكونها في الريف والتي يحرثها لهم الهيلوتيون (الأرقاء). وكان بين هاتين الطبقتين من الوجهة الاجتماعية، ويحيط بهما من الوجهة الجغرافية، طبقة البريئيسيين Perioeci (الساكنين حولهم)، وهم قوم أحرار يسكنون في مائة قرية أو على تخوم لكونيا، أو يشتغلون بالتجارة أو الصناعة في المدن، يؤدون الضرائب ويخدمون في الجيش ولكنهم لا نصيب لهم في حكم البلاد، وليس لهم حق الزواج من الطبقة الحاكمة. وكانت أحط الطبقات وأكثرها عدداً طبقة الهيلوتيين، وقد سموا بهذا الاسم-

стр. 1711

على حد قول استرابون- نسبة إلى هيلوس، وكان أهلها من أول من استعبدهم الإسبارطيون (٢٠). وقد استطاعت إسبارطة بالغزو السافر لسكان لكونيا من غير الدوريين أو باستيراد أسرى الحرب أن تجعل لكونيا بلاداً يعمرها نحو ٠٠٠ ر ٢٢٤ من الهيلوتيين، ٠٠٠ ر ١٢٠ من البريئيسيين، ٠٠٠ ر ٣٢ رجل وامرأة وطفل من طبقة المواطنين (١). وكان الهيلوتيون يستمتعون بجميع الحريات التي يستمتع بها أقنان الإقطاع في العصور الوسطى، فكان للواحد منهم أن يتزوج كيف شاء، وأن يكون له أبناء لا يهتم بعددهم أو ما سوف يؤول إليه أمرهم، ويستغل الأرض بطريقته هو، ويعيش في قريته مع جيرته، لا يقلقه مالك أرضه الغائب عنها، ما دام يؤدي إلى هذا المالك بانتظام إيجارها الذي حددته لها الحكومة. وكان هذا القن مرتبطُاً بالأرض ولكن مالكها لم يكن في مقدوره أن يبيعه أو يبيعها. وكان في بعض الحالات يؤدي خدمات منزلية في المدينة؛ وكان ينتظر منه أن يقوم على خدمة سيده في الحرب، وأن يحارب دفاعاً عن الدولة إذا ما طلب إليه أن يحارب من أجلها، فإذا أبلى في الحرب بلاء حسناً فقد ينال حريته. ولم تكن حاله الاقتصادية في الظروف العادية أسوأ من حال المزارعين القرويين في سائر أجزاء اليونان الخارجة عن أتكا، أو الفعلة غير المهرة في مدينة من المدن الحديثة. وكان مما يخفف عنه عبء الحياة مسكنه الذي يملكه، وعمله المنوع، وما حوله من حقول وأشجار هادئة تؤنسه وتعينه على عيشه؛ ولكنه كان من الناحية الأخرى معرضاً على الدوام لأن تطبق عليه القوانين العسكرية، وأن تفرض عليه رقابة الشرطة السرية، تقتله في أية لحظة من غير سبب أو محاكمة. وكان الساذج في لكونيا كما كان في غيرها من بلاد العالم يؤدي الجزية إلى الشاطر الماكر. وتلك عادة لها ماض قديم مبجل ومستقبل مبشر بطول البقاء.

стр. 1712

وسبب ذلك أن طيبات الحياة في أكثر الحضارات تأتي بها وتنظم تصريفها عملية البيع والشراء الهادئة السوية: فالشاطر الماكر يحملنا على أن ندفع في الكماليات التي لا يتيسر مضاعفتها وفي الخدمات التي يؤديها لنا أكثر مما يستطيع الساذج أن يحصل عليه في نظير ما ينتجه من الضرورات التي يسهل إنتاجها وتعويض ما يستهلك منها. أما في لكونيا فقد توصل بعضهم إلى تركيز الثروة في أيديهم بوسائل بادية للعين منفرة، ملأت قلوب الهيلوتيين غيظاً بلغ من الشدة حداً جعل إسبارطة في كل عام تقريباً مهددة بالثورات التي تعرض كيان الدولة لأشد الأخطار. ٢ - عصر إسبارطة الذهبي كانت إسبارطة في هذا الماضي الغامض قبل أن يأتيها ليكرجوس مدينة كسائر المدن اليونانية ازدهر فيها الفن والأغاني كما لم يزدهرا قط بعد أيامه. وكانت الموسيقى أكثر الفنون انتشاراً فيها، وهي قديمة فيها قدم السكان أنفسهم، ذلك أننا مهما أوغلنا في القدم نجد اليونان يغنون. وإذ كان تاريخ إسبارطة لا تنقطع منه الحروب فإن موسيقاها قد اصطبغت بالصبغة العسكرية- وكان أسلوبها هو "الأسلوب الدوري" البسيط القوي. أما غيره من الأساليب الموسيقية فلم يكن يثبط فحسب، بل كان كل خروج عن هذا النمط الدوري يعاقب عليه القانون؛ وحتى تربندر نفسه Terpander، وهو الذي أخمد بأغانيه فتنة قامت في المدينة، وقد حكم عليه الإفوريون (١) بغرامة وسمرت قيثارته في جدار لأنه جرؤ على أن يزيد على أوتارها وتراً جديداً لتنسجم مع صوته؛ ولم يسمح لتيموثيوس Timotheus في عهد آخر من عهودها بأن يشترك في المباريات

стр. 1713

الإسبارطية إلا بعد أن نزع بأمر الإفوريين ما أضافه من الأوتار الشائنة المرذولة على قيثارة تربندر، وكان قد زاد هذه الأوتار من سبعة إلى أحد عشر (٢٣). وقد وجد في إسبارطة، كما وجد في إنجلترا، مؤلفون عظام في الموسيقى، حين كانت تستورد هؤلاء المؤلفين من خارجها؛ فقد استدعت حوالي عام ٦٧٠ تربندر من لسبس بأمر الوحي في دلفي، حسب زعمهم، ليعد مباراة في الغناء الجماعي في الاحتفال بعيد كرنيا Carneia. وكذلك استدعى ثاليتاس Thaletas، وألكمان Alcman، وبلمنستوس Polymnestus. وقد وجه هؤلاء معظم جهودهم لوضع ألحان وطنية وتدريب الفرق على إنشادها. وقلما كانت الموسيقى تعلم للأفراد من الإسبارطيين (٢٤)، فقد بلغت الروح الشيوعية فيها، كما بلغت في روسيا الثورية، من القوة درجة جعلت الموسيقى تنزع فيها نزعة جماعية، وكانت الجماعات فيها تتبارى في إقامة حفلات الغناء والرقص الفخمة. وأتاحت هذه الأغاني الجماعية للإسبارطيين فرصة أخرى للتدريب ولتنظيم الجماهير، لأن كل صوت في الغناء كان خاضعاً للرئيس. ولم يشذ الملوك أنفسهم عن هذا الخضوع، فقد حدث في احتفال الهياكنثيا Hyacinthia أن غنى الملك أجسلوس في الزمان والمكان اللذين عينهما له رئيس الفرقة. وكان الإسبارطيون على بكرة أبيهم، كبيرهم وصغيرهم، رجالهم ونساؤهم، يشتركون أثناء الاحتفال بعيد الجمنوبيديا Gymnopedia في تمارين رياضية جماعية ورقص متناسق وغناء. وما من شك في أن هذه المناسبات كانت باعثاً قوياً للشعور الوطني، ومصرفاً ينصرف فيه ما تتأجج في الصدور من هذا الشعور. وكان تربندر (أي "مطرب الناس") أحد أولئك الشعراء الموسيقيين النابهين الذين بدأ بهم عصر ليسيوس المجيد في الجيل الذي سبق سافو. وتعزو إليه الرواية المأثورة اختراع أناشيد الشراب المعروفة باسم اسكوليا scolia

стр. 1714

وزيادة أوتار القيثارة من أربعة إلى سبعة؛ ولكن القيثارة ذات السبعة الأوتار كانت، كما سبق القول، قديمة قدم ميتوس، وأكبر الظن أن الناس كانوا يتغنون بفضائل الخمر في شباب العالم الذي جر عليه النسيان ذيله. والذي لا شك فيه أن تربندر قد ذاع صيته في لسبوس وعرف فيها بأنه مؤلف المقطوعات الغنائية الموسيقية ومغنيها. ولما أن قتل رجلاً في مشاجرة، نفي من هذه المدينة ورأى من مصلحته أن يقبل دعوة جاءته من إسبارطة بالذهاب إليها. ويلوح أنه أقام فيها بقية أيام حياته يعلم الموسيقى ويدرب الفرق الغنائية. ويقال لنا إنه قضي نحبه في مجلس شراب: فبينما هو يغني- ولعله كان يغني النغمة التي أضافها في أعلى السلم الموسيقي- قذفه أحد السامعين بتينة، فدخلت في فمه، وفي قصبته الرئوية، فسدت مسالك التنفس، وقضت عليه وهو في نشوة الغناء (٢٥). وواصل ترتيوس عمل تربندر في إسبارطة في أثناء الحرب الميسينية الثانية؛ وقد جاءها من أفدنا Aphidna- وقد تكون في لسيدمون، وقد تكون وهو الأرجح في أتكا. والذي لا شك فيه أن الأثينيين كانوا يروون فكاهة قديمة عن الإسبارطيين، وهي أنهم حين كانت الدائرة تدور عليهم في الحرب الثانية أنجاهم من الهزيمة الماحقة معلم أتِكِي أعرج أيقظت أغانيه الإسبارطيين الخاملين وبعثت في قلوبهم الشجاعة فانتصروا بذلك على أعدائهم (٢٦). وجلي أنه كان ينشد أغانيه في المجتمعات العامة بمصاحبة الناي، وهو يعمل لتبديل الموت الحربي بالمجد الذي يحسد عليه. وقد جاء في إحدى القطع الباقية من أغانيه: "ما أجمل أن يموت الرجل الشجاع في الصف الأول من المجاهدين في سبيل أوطانهم؛ ألا فليثبت كل إنسان في مكانه واقفاً على قدميه لا يتزحزح عن موقفه، وليعض على نواجذه … وليضم كل إنسان قدم زميله، ولتتلاحق الدروع، ولتختلط الرياش المتماوجة، والخوذ المتلاطمة، وليتقدم المقاتلون متلاصقون كالبنيان المرصوص، تتلاقى في معمعان القتال نصال السيوف وأسنة رماحهم" (٢٧). ويقول

стр. 1715

ليونيداس ملك إسبارطة إن ترتيوس "كان رجلاً بارعاً في إثارة حمية الشباب" (٢٨). وغنى ألكمان لأهل ذلك الجيل نفسه، وكان صديقاً لترتيوس ومنافساً له، ولكن غناءه كان أكثر تنوعاً من غناء صديقه وأقرب منه إلى مطالب هذه الحياة الدنيا. وكان موطنه الأصلي ليديا البعيدة. ويقول بعضهم إنه كان عبداً ولكن اللسديمونيين رحبوا به لأنهم لم يكونوا قد تعلموا كراهية الأجنبي التي أصبحت فيما بعد جزءاً من قانون ليكرجوس. ولو أنه قد عاصر الإسبارطيين المتأخرين لرأوا في مدائحه في الحب والطعام وتعداده لأصناف الخمور اللكونية مسبة لهم. وتصفه الرواية التاريخية بأنه أشد الأقدمين شرهاً وشغفاً بالنساء. وهو يقول في إحدى أغانيه إنه كان سعيد الحظ لأنه لم يبق في سرايس، وإلا لجبت خصيتاه وأصبح من كهنة سيبيل، بل جاء إلى إسبارطة حيث يستطيع أن يحب بكامل حريته مجالستراتا Megalostrata ذات الشعر الذهبي (٢٩). وبه تبدأ أسرة الشعراء العشاق التي تنتهي بأنكريون، وهو حامل لواء "التسعة شعراء الغنائيين" الذين اختارهم النقاد الإسكندريون ووصفوهم بأنهم أحسن شعراء بلاد اليونان القديمة (١). ولقد كان في وسعه أن يكتب ترانيم وتهاليل، وخمريات وغزلا؛ وكان أحب شيء إلى الإسبارطيين ما وصفه في هذه الأغاني من حين إلى حين قطعاً تكتشف لنا عن قوة الشعور الخيالي التي هي جوهر الشعر وأساسه. "لقد استغرقت في النوم قلل الجبال ومسايلها، وشعابها، وخوانقها، والزواحف التي تخرج من الأرض السوداء، والوحوش التي تتربص على

стр. 1716

سفوح التلال، وثول النحل، والحيوانات المهولة في قاع البحر الأرجواني، استغرقت كلها في النوم، ومعها أسراب الطيور المجنحة (١). ولنا أن نستنتج من وجود هؤلاء الشعراء أن الإسبارطيين لم يكونوا إسبارطيين على الدوام، وأنهم لم يكونوا في القرن السابق لليكرجوس أقل شغفاً بالشعر والفنون الجميلة من سائر اليونان؛ ولقد أضحت الأغاني الجماعية من الخواص الوثيقة الصلة بهم، ولما أن أراد كتاب المسرحيات الأثينيون أن يكتبوا أغاني جماعية لمسرحياتهم لم يروا بداً من أن يكتبوها باللهجة الدورية، مع أنهم كتبوا الحوار باللهجة الأتيكية. وليس من السهل علينا أن نقول أي الفنون الأخرى قد ازدهرت في لسديمون في تلك الأيام، أيام الهدوء والاطمئنان، لأن الإسبارطيين أنفسهم قد غفلوا عن تاريخ تلك الأيام والاحتفاظ بتاريخها إن كانوا قد سجلوه؛ ولكنا نستطيع أن نقول إن الفخار والبرنز اللكونيين قد اشتهرا في القرن السابع، وإن الفنون الصغرى قد أخرجت كثيراً من الكماليات التي تستمتع بها الأقلية المحظوظة. لكن هذه النهضة القصيرة الأجل قضت عليها الحروب الميسينية. فقد وزعت الأراضي المفتوحة على الإسبارطيين، وكاد عدد الأقنان أن يتضاعف نتيجة لهذا التوزيع. وكيف يستطيع ألفاً من المواطنين أن يخضعوا على الدوام أربعة أمثالهم من البرئيسيين وسبعة أمثالهم من الهيلوتيين؟ إنهم

стр. 1717

لا يستطيعون ذلك إلا إذا نفضوا أيديهم من ممارسة الفنون ومناصرتها، وجعلوا من كل إسبارطي جندياً شاكي السلاح مستعداً على الدوام لقمع الثورات أو السير إلى ميدان القتال. ولقد بلغوا هذه الغاية بفضل دستور ليكرجوس، ولكن هذا الدستور نفسه قد أخرج إسبارطة من تاريخ الحضارة بكافة معانيها اللهم إلا معناها السياسي وحده. ٣ - ليقورغ يعتقد المؤرخون اليونان اعتقاداً لا يقبل الجدل أن ليقورغ هو واضع شرائع إسبارطة، كما يعتقدون أن حصار طروادة وقتل أجممنون من الحقائق التاريخية المسلم بصحتها. وكما أن العلماء المحدثين قد ظلوا مائة عام كاملة ينكرون وجود طروادة وأجممنون، فإنهم اليوم يترددون في الاعتراف بأن ليقورغ شخص واقعي كان له وجود في التاريخ. وتختلف التواريخ التي يحددها له من يؤمن بوجوده منهم ما بين ٩٠٠، ٦٠٠ ق. م؛ وكيف يستطيع رجل واحد أن يبتدع أعجب وأبغض طائفة من الشرائع في التاريخ كله، ثم لا يفرضها في سنين قليلة على شعب خاضع مغلوب فحسب، بل يفرضها كذلك على الطبقة الحاكمة ذات النزعة العسكرية صاحبة الإدارة القوية؟ (٣٣) ولكننا رغم هذا إذا رفضنا رواية يأخذ بها جميع المؤرخين اليونان اعتماداً منا على هذه الأسباب، نكون متجنين على الحقيقة والتاريخ. لقد كان القرن السابع قبل الميلاد عصر المؤرخين الأفراد- زلوكس Zaleucus في لكريس الإيطالية (حوالي ٦٦٠)، ودريكو Draco في أثينة (٦٢٠)، وكرنداس Charondas في كتابنا بصقلية (حوالي ٦١٠) - دع عنك كشف يوشع لشرائع موسى في هيكل أورشليم (حوالي ٦٢١). ولعل الحق في الحالات السالفة الذكر أن هذه الشرائع لم تكن من وضع رجل بعينه بل كانت طائفة من العادات

стр. 1718

ليقورغ نسقت وصيغت- حتى صارت قوانين معينة محددة، سميت من قبيل التيسير باسم الرجل الذي جمعها وقننها وأبرزها في معظم الأحيان في صورة شرائع مكتوبة (١). وسوف نسجل في هذا الكتاب الرواية المتواترة كما وصلت إلينا على أن نذكر مع ذلك أنها في أغلب الظن تجسيد وتصوير لعملية طويلة تطورت فيها العادات حتى صارت قوانين على يد عدد كبير من المؤلفين دأبوا على العمل كثيراً من السنين. ويقول هيرودوت (٣٤) إن ليقورغ، عم الملك كاريلوس Charilaus ملك إسبارطة ووليه، تلقى من الوحي في دلفي بعض مراسيم، يصفها البعض بأنها قوانين ليقورغ نفسها، ويصفها البعض الآخر بأنها تصديق رباني على القوانين التي اقترحها هو. ويبدو أن المشترعين قد أحسوا أن آمن طريقة لتغيير بعض العادات القائمة أو إدخال عادات جديدة هي أن يعرضوا ما يريدونه في كلتا الحالتين على أنه أوامر من عند الله؛ ولم تكن هذه أول مرة أقامت الدولة قواعدها في السماء. وتضيف الرواية إلى هذا أن ليقورغ سافر إلى كريت، وأعجب بنظمها، واعتزم أن يُدْخِل بعضها في لكونيا (٣٥). وقبل الملوك ومعظم النبلاء إصلاحاته على مضض، لأنهم رأوا أن لا بد لهم منها إذا أرادوا أن يضمنوا لأنفسهم السلامة والطمأنينة؛ ولكن أحد الشبان الأشراف، واسمه الكمندر، قاوم هذا الإصلاح مقاومة شديدة عنيفة وفقأ إحدى عيني المشترع نفسه. ويقص بلوتارخ هذه القصة بأسلوبه السلس الساحر. ولم يثبط هذا العمل عزيمة ليقورغ أو يضعف همته، بل سكت وكشف لمواطنيه عن وجهه المشوه وعينه المفقوءة. واستولى عليهم الخجل والهلع من هذا المنظر فجاءوه بألكمندر ليعاقبه على فعلته .. فشكر لهم ليقورغ ما فعلوا، وصرفهم عن آخرهم، ولم يستبق منهم إلا الكمندر، ثم أخذه معه

стр. 1719

ليقورغ إلى منزله، ولم يقل له كلمة نابية أو يوقع عليه أي عقاب، بل … أمره أن يقف في خدمته وقت الطعام. وكان الشاب ذا خلق كريم فقام بكل ما كان يؤمر أن يقوم به دون أن يتذمر أو يتململ؛ وبذلك أتيحت له الفرصة لأن يعيش مع ليقورغ فيلاحظ فيه فضلاً عن رقته وهدوء طبعه استقامة لا عهد له بها، وجداً وصبراً على العمل، وأصبح الشاب من أشد الناس إعجاباً به وقد كان من قبل من ألد أعدائه، وقال لأصدقائه وأقاربه إن ليقورغ لم يكن ذلك الرجل النكد السيئ الطباع كما كانوا يظنون، بل إنه دون غيره الرجل الظريف الرقيق الحاشية في العالم كله. ولما أتم ليقورغ قوانينه، أخذ على الأهلين عهداً (ولعل هذه زيادة خرافية زيدت على قصته) ألا يبدلوا في القانون شيئاً قبل أن يعود إليهم. ثم سافر إلى دلفي، واعتزل العالم، وحرم على نفسه الطعام حتى مات "ظناً منه أن الواجب يقضي على السياسي أن يجعل موته إذا استطاع عملاً يخدم به الدولة" (٣٧). ٤ - دستور لسديمونيا وإذا أردنا أن نحدد بالضبط إصلاحات ليكرجوس؟، وجدنا الروايات التاريخية مضطربة متناقضة، حتى ليصعب علينا أن نقول أي عناصر القوانين الإسبارطية سبقت ليكرجوس، وأيها من وضعه هو أو من وضع الجيل الذي كان يعيش فيه، وأيها أضيفت إليها بعد أيامه. فأما بلوتارخ ويليبيوس (٣٨) فيؤكدان لنا أن ليكرجوس أعاد تقسيم أراضي لكونيا ثلاثين ألف قسم متساوية، ووزعها على المواطنين؛ وأما ثوسيديدس (٣٩) فَيُفْهَم من أقواله أن تقسيماً من هذا النوع لم يحدث قط، ولعل الذي حدث فعلاً أن الأملاك القديمة لم تُمَسّ وإنما وزعت الأراضي التي استولوا عليها حديثاً توزيعاً متساوياً. وألغي ليكرجوس (أو واضعوا الدستور المنسوب إليه)،

стр. 1720

كما فعل كليسثنيز السكيوني وكليسثنيز الأثيني، نظام المجتمع اللكوني القائم على صلة القرابة، واستبدل به أقساماً جغرافية، وبهذا تحطم سلطان الأسر القديمة، وأنشئ نظام أرستقراطي واسع النطاق. وأراد ليكرجوس أن يمنع هذه الألجركية مالكة الأرض من أن تقضي عليها طبقات التجار ونحوها، التي كانت تسير سيراً حثيثاً نحو مركز الزعامة في أرجوس، وسكيون، وكورنثة، ومجارا، وأثينة، فحرّم على المواطنين أن يشتغلوا بالصناعة، أو التجارة، ومنع استيراد الذهب والفضة، وأمر ألا يستخدم في سك العملة غير الذهب وحده. ذلك بأنه قد وطد العزم على أن يتفرغ الإسبارطيون (المواطنون ملاك الأرض) إلى شؤون الحكم والحرب. وكان مما يفخر به المحافظون الأقدمون (٤٠) أن دستور ليكرجوس قد دام طويلاً لأن أنظمة الحكم الثلاثة: الملكية، والأرستقراطية، والدمقراطية قد اجتمعت كلها فيه، واجتمعت بنسب تمنع طغيان أي عنصر منها على العنصرين الباقيين. من ذلك أن الملكية الإسبارطية كانت في الواقع ملكية ثنائية، فقد كان فيها ملكان يحكمان معاً وينحدران من الهرقليين الغزاة. ولعل هذا النظام الغريب كان تراضياً بين أسرتين متنافستين لأنهما تنتميان إلى أصل واحد، أو لعله كان وسيلة للاستفادة مما للملكية من مزايا نفسانية في المحافظة على النظام الاجتماعي والعزة القومية مع تجنب استبدادها وطغيانها. وكانت سلطة الملكين سلطة محددة غير مطلقة: فكانا يقومان بتقريب القرابين التي يتطلبها دين الدولة، ويرأسان الهيئة القضائية، ويقودان الجيش في الحرب. وكانا في جميع أعمالهما خاضعين لمجلس الشيوخ، وأخذا بعد معركة بلاتية يفقدان سلطانهما شيئاً فشيئاً ويتولاها الإفورون. أما العناصر الأرستقراطية ذات السلطان الأكبر في الدولة فكان مقرها في مجلس الشيوخ أو الجروسيا. وكانت الجروسيا بمعناها الحرفي
следующие страницы →