سفوح التلال، وثول النحل، والحيوانات المهولة في قاع البحر الأرجواني، استغرقت كلها في النوم، ومعها أسراب الطيور المجنحة (١).
ولنا أن نستنتج من وجود هؤلاء الشعراء أن الإسبارطيين لم يكونوا إسبارطيين على الدوام، وأنهم لم يكونوا في القرن السابق لليكرجوس أقل شغفاً بالشعر والفنون الجميلة من سائر اليونان؛ ولقد أضحت الأغاني الجماعية من الخواص الوثيقة الصلة بهم، ولما أن أراد كتاب المسرحيات الأثينيون أن يكتبوا أغاني جماعية لمسرحياتهم لم يروا بداً من أن يكتبوها باللهجة الدورية، مع أنهم كتبوا الحوار باللهجة الأتيكية. وليس من السهل علينا أن نقول أي الفنون الأخرى قد ازدهرت في لسديمون في تلك الأيام، أيام الهدوء والاطمئنان، لأن الإسبارطيين أنفسهم قد غفلوا عن تاريخ تلك الأيام والاحتفاظ بتاريخها إن كانوا قد سجلوه؛ ولكنا نستطيع أن نقول إن الفخار والبرنز اللكونيين قد اشتهرا في القرن السابع، وإن الفنون الصغرى قد أخرجت كثيراً من الكماليات التي تستمتع بها الأقلية المحظوظة. لكن هذه النهضة القصيرة الأجل قضت عليها الحروب الميسينية. فقد وزعت الأراضي المفتوحة على الإسبارطيين، وكاد عدد الأقنان أن يتضاعف نتيجة لهذا التوزيع. وكيف يستطيع ألفاً من المواطنين أن يخضعوا على الدوام أربعة أمثالهم من البرئيسيين وسبعة أمثالهم من الهيلوتيين؟ إنهم
стр. 1717
لا يستطيعون ذلك إلا إذا نفضوا أيديهم من ممارسة الفنون ومناصرتها، وجعلوا من كل إسبارطي جندياً شاكي السلاح مستعداً على الدوام لقمع الثورات أو السير إلى ميدان القتال. ولقد بلغوا هذه الغاية بفضل دستور ليكرجوس، ولكن هذا الدستور نفسه قد أخرج إسبارطة من تاريخ الحضارة بكافة معانيها اللهم إلا معناها السياسي وحده.
٣ - ليقورغ
يعتقد المؤرخون اليونان اعتقاداً لا يقبل الجدل أن ليقورغ هو واضع شرائع إسبارطة، كما يعتقدون أن حصار طروادة وقتل أجممنون من الحقائق التاريخية المسلم بصحتها. وكما أن العلماء المحدثين قد ظلوا مائة عام كاملة ينكرون وجود طروادة وأجممنون، فإنهم اليوم يترددون في الاعتراف بأن ليقورغ شخص واقعي كان له وجود في التاريخ. وتختلف التواريخ التي يحددها له من يؤمن بوجوده منهم ما بين ٩٠٠، ٦٠٠ ق. م؛ وكيف يستطيع رجل واحد أن يبتدع أعجب وأبغض طائفة من الشرائع في التاريخ كله، ثم لا يفرضها في سنين قليلة على شعب خاضع مغلوب فحسب، بل يفرضها كذلك على الطبقة الحاكمة ذات النزعة العسكرية صاحبة الإدارة القوية؟ (٣٣) ولكننا رغم هذا إذا رفضنا رواية يأخذ بها جميع المؤرخين اليونان اعتماداً منا على هذه الأسباب، نكون متجنين على الحقيقة والتاريخ. لقد كان القرن السابع قبل الميلاد عصر المؤرخين الأفراد- زلوكس Zaleucus في لكريس الإيطالية (حوالي ٦٦٠)، ودريكو Draco في أثينة (٦٢٠)، وكرنداس Charondas في كتابنا بصقلية (حوالي ٦١٠) - دع عنك كشف يوشع لشرائع موسى في هيكل أورشليم (حوالي ٦٢١). ولعل الحق في الحالات السالفة الذكر أن هذه الشرائع لم تكن من وضع رجل بعينه بل كانت طائفة من العادات
стр. 1718
ليقورغ
نسقت وصيغت- حتى صارت قوانين معينة محددة، سميت من قبيل التيسير باسم الرجل الذي جمعها وقننها وأبرزها في معظم الأحيان في صورة شرائع مكتوبة (١). وسوف نسجل في هذا الكتاب الرواية المتواترة كما وصلت إلينا على أن نذكر مع ذلك أنها في أغلب الظن تجسيد وتصوير لعملية طويلة تطورت فيها العادات حتى صارت قوانين على يد عدد كبير من المؤلفين دأبوا على العمل كثيراً من السنين.
ويقول هيرودوت (٣٤) إن ليقورغ، عم الملك كاريلوس Charilaus ملك إسبارطة ووليه، تلقى من الوحي في دلفي بعض مراسيم، يصفها البعض بأنها قوانين ليقورغ نفسها، ويصفها البعض الآخر بأنها تصديق رباني على القوانين التي اقترحها هو. ويبدو أن المشترعين قد أحسوا أن آمن طريقة لتغيير بعض العادات القائمة أو إدخال عادات جديدة هي أن يعرضوا ما يريدونه في كلتا الحالتين على أنه أوامر من عند الله؛ ولم تكن هذه أول مرة أقامت الدولة قواعدها في السماء. وتضيف الرواية إلى هذا أن ليقورغ سافر إلى كريت، وأعجب بنظمها، واعتزم أن يُدْخِل بعضها في لكونيا (٣٥). وقبل الملوك ومعظم النبلاء إصلاحاته على مضض، لأنهم رأوا أن لا بد لهم منها إذا أرادوا أن يضمنوا لأنفسهم السلامة والطمأنينة؛ ولكن أحد الشبان الأشراف، واسمه الكمندر، قاوم هذا الإصلاح مقاومة شديدة عنيفة وفقأ إحدى عيني المشترع نفسه. ويقص بلوتارخ هذه القصة بأسلوبه السلس الساحر.
ولم يثبط هذا العمل عزيمة ليقورغ أو يضعف همته، بل سكت وكشف لمواطنيه عن وجهه المشوه وعينه المفقوءة. واستولى عليهم الخجل والهلع من هذا المنظر فجاءوه بألكمندر ليعاقبه على فعلته .. فشكر لهم ليقورغ ما فعلوا، وصرفهم عن آخرهم، ولم يستبق منهم إلا الكمندر، ثم أخذه معه
стр. 1719
ليقورغ
إلى منزله، ولم يقل له كلمة نابية أو يوقع عليه أي عقاب، بل … أمره أن يقف في خدمته وقت الطعام. وكان الشاب ذا خلق كريم فقام بكل ما كان يؤمر أن يقوم به دون أن يتذمر أو يتململ؛ وبذلك أتيحت له الفرصة لأن يعيش مع ليقورغ فيلاحظ فيه فضلاً عن رقته وهدوء طبعه استقامة لا عهد له بها، وجداً وصبراً على العمل، وأصبح الشاب من أشد الناس إعجاباً به وقد كان من قبل من ألد أعدائه، وقال لأصدقائه وأقاربه إن ليقورغ لم يكن ذلك الرجل النكد السيئ الطباع كما كانوا يظنون، بل إنه دون غيره الرجل الظريف الرقيق الحاشية في العالم كله.
ولما أتم ليقورغ قوانينه، أخذ على الأهلين عهداً (ولعل هذه زيادة خرافية زيدت على قصته) ألا يبدلوا في القانون شيئاً قبل أن يعود إليهم. ثم سافر إلى دلفي، واعتزل العالم، وحرم على نفسه الطعام حتى مات "ظناً منه أن الواجب يقضي على السياسي أن يجعل موته إذا استطاع عملاً يخدم به الدولة" (٣٧).
٤ - دستور لسديمونيا
وإذا أردنا أن نحدد بالضبط إصلاحات ليكرجوس؟، وجدنا الروايات التاريخية مضطربة متناقضة، حتى ليصعب علينا أن نقول أي عناصر القوانين الإسبارطية سبقت ليكرجوس، وأيها من وضعه هو أو من وضع الجيل الذي كان يعيش فيه، وأيها أضيفت إليها بعد أيامه. فأما بلوتارخ ويليبيوس (٣٨) فيؤكدان لنا أن ليكرجوس أعاد تقسيم أراضي لكونيا ثلاثين ألف قسم متساوية، ووزعها على المواطنين؛ وأما ثوسيديدس (٣٩) فَيُفْهَم من أقواله أن تقسيماً من هذا النوع لم يحدث قط، ولعل الذي حدث فعلاً أن الأملاك القديمة لم تُمَسّ وإنما وزعت الأراضي التي استولوا عليها حديثاً توزيعاً متساوياً. وألغي ليكرجوس (أو واضعوا الدستور المنسوب إليه)،
стр. 1720
كما فعل كليسثنيز السكيوني وكليسثنيز الأثيني، نظام المجتمع اللكوني القائم على صلة القرابة، واستبدل به أقساماً جغرافية، وبهذا تحطم سلطان الأسر القديمة، وأنشئ نظام أرستقراطي واسع النطاق. وأراد ليكرجوس أن يمنع هذه الألجركية مالكة الأرض من أن تقضي عليها طبقات التجار ونحوها، التي كانت تسير سيراً حثيثاً نحو مركز الزعامة في أرجوس، وسكيون، وكورنثة، ومجارا، وأثينة، فحرّم على المواطنين أن يشتغلوا بالصناعة، أو التجارة، ومنع استيراد الذهب والفضة، وأمر ألا يستخدم في سك العملة غير الذهب وحده. ذلك بأنه قد وطد العزم على أن يتفرغ الإسبارطيون (المواطنون ملاك الأرض) إلى شؤون الحكم والحرب.
وكان مما يفخر به المحافظون الأقدمون (٤٠) أن دستور ليكرجوس قد دام طويلاً لأن أنظمة الحكم الثلاثة: الملكية، والأرستقراطية، والدمقراطية قد اجتمعت كلها فيه، واجتمعت بنسب تمنع طغيان أي عنصر منها على العنصرين الباقيين. من ذلك أن الملكية الإسبارطية كانت في الواقع ملكية ثنائية، فقد كان فيها ملكان يحكمان معاً وينحدران من الهرقليين الغزاة. ولعل هذا النظام الغريب كان تراضياً بين أسرتين متنافستين لأنهما تنتميان إلى أصل واحد، أو لعله كان وسيلة للاستفادة مما للملكية من مزايا نفسانية في المحافظة على النظام الاجتماعي والعزة القومية مع تجنب استبدادها وطغيانها. وكانت سلطة الملكين سلطة محددة غير مطلقة: فكانا يقومان بتقريب القرابين التي يتطلبها دين الدولة، ويرأسان الهيئة القضائية، ويقودان الجيش في الحرب. وكانا في جميع أعمالهما خاضعين لمجلس الشيوخ، وأخذا بعد معركة بلاتية يفقدان سلطانهما شيئاً فشيئاً ويتولاها الإفورون.
أما العناصر الأرستقراطية ذات السلطان الأكبر في الدولة فكان مقرها في مجلس الشيوخ أو الجروسيا. وكانت الجروسيا بمعناها الحرفي
стр. 1721
وحقيقة أمرها جماعة من الرجال كبار السن؛ وكان الذين تقل أعمارهم عن ستين عاماً يعدون في العادة غير ناضجين لمناقشة شؤون الدولة في هذا المجلس. ويحدد بلوتارخ عدد أعضاء المجلس بثمانية وعشرين عضواً ويروي عن طريقة انتخابهم رواية لا يصدقها العقل، فيقول إنه إذا خلا مكان في المجلس كان يطلب إلى من يتقدمون لملئه أن يمروا صامتين واحداً بعد واحد أمام الجمعية، فمن حيته منهم بأعلى الأصوات وأطولها أعلن انتخابه (٤١). وربما كانت هذه الطريقة في رأيهم طريقة واقعية مختصرة للإجراءات الدمقراطية الطويلة الكاملة، ولسنا نعرف أي المواطنين كانوا هم الصالحين لهذا الانتخاب، وأكبر الظن أن الذين يصلحون كانوا هم "الهمويْوي" أي الأنداد، الذين يمتلكون أرض لكونيا وخدموا في الجيش وجاءوا بنصيبهم من الطعام إلى المائدة العامة (٤٢). وكان مجلس الشيوخ هو الذي يقترح القوانين، وكان هو المحكمة العليا التي تفصل في الجرائم الكبرى، وهو الذي يضع أسس السياسة العامة للدولة.
وكانت الجمعية الأبلا Apella هي العنصر الدمقراطي الذي ارتضته إسبارطة في حكومتها. ويلوح أن جميع المواطنين الذكور كانوا يقبلون فيها متى بلغوا سن الثلاثين، وكان عدد من يمكن اختيارهم أعضاء فيها ٨٠٠٠ من بين سكان إسبارطة البالغ عددهم ٠٠٠ ر ٣٧٦. وكانت تجتمع في كل يوم من الأيام التي يكون فيها القمر بدراً، وتعرض عليها جميع المسائل العامة ذات الأهمية الكبرى، ولا يسن قانون إلا إذا وافقت عليه. على أن الذي حدث بالفعل أن القوانين التي أضيفت إلى دستور ليكرجوس كانت قلة لا تستحق الذكر، وهكذا لم يكن للجمعية إلا أن تقبلها أو ترفضها دون أن يكون لها حق تعديلها. فهي في جوهرها الاجتماع الهومري العام القديم تستمع في رهبة إلى آراء الزعماء والكبار أو إلى الملكين قائدي الجيش. وكانت الأبلا من الوجهة النظرية مصدر السلطات وصاحبة السيادة، ولكن تعديلا أدخل على
стр. 1722
الدستور بعد ليكرجوس جعل لمجلس الشيوخ حق تغيير قرار الجمعية إذا رأى أنها اتخذت قراراً "معوجاً" (٤٣). ولما أن طلب مفكر سباق لعصره إلى ليكرجوس أن ينشئ دولة دمقراطية أجابه المشترع بقوله: "ابدأ أيها الصديق بإنشائها في أسرتك" (٤٤).
وكان شيشرون يشبه الإفورين (المشرفين) الخمسة بالتربيونين في رومة لأن الجمعية هي التي كانت تختارهم في كل عام، ولكنهم في الواقع كانوا أكثر شبهاً بالقناصل الرومان لأنهم كانت لهم سلطة إدارية لا يقف في سبيلها إلا معارضة مجلس الشيوخ. وكانت وظيفة الإيفور قائمة قبل ليكرجوس، ولكنها مع ذلك لم يرد لها ذكر فيما وصل إلينا من أنباء عن شرائعه. ولم يكد يمضي من القرن السادس إلا نصفه حتى أضحت سلطة الإفورين مساوية لسلطة الملكين؛ ثم أصبحوا في واقع الأمر أصحاب السلطة العليا بعد الحرب الفارسية. فكانوا يستقبلون السفراء، ويفصلون في المنازعات القضائية، ويقودون الجيوش، ويوجهون أعمال الملوك، ويعاقبون الملوك أنفسهم أو يبرئونهم من التهم التي توجه إليهم.
أما تنفيذ أوامر الحكومة فكان يتولاه الجيش أو الشرطة. وقد جرت عادة الإفورين بأن يسلحو ابعض الشبان الإسبارطيين، ويتخذونهم شرطة سرية (كربتيا krypteia) ليتجسسوا على الناس، وكان لهم حق قتل الهيلوتيين بمحض إرادتهم (٤٥). وكانت هذه الهيئة تستخدم في أوقات لم يكن ينتظر أن تستخدم فيها، بل إنها كانت تستخدم للتخلص من الهيلوتيين إذا كان سادتهم يرونهم رجالاً قادرين يُخشى بأسهم، وإن كانوا قد دافعوا عن الدولة في الحرب دفاع الأبطال. ويقول عنهم ثوسيديدس النزيه بعد ثمان سنين من حرب البلوبونيز:
صدر إعلان يدعو الهليوتيين لأن يختاروا من بينهم من يقولون إنهم
стр. 1723
قد أظهروا تفوقهم في قتال الأعداء لكي ينالوا حريتهم؛ وكان الغرض الحقيقي من هذه الدعوة هو اختبارهم، لأن أول من يتقدمون للمطالبة بحريتهم كانوا في رأي الداعين أعزهم نفساً وأكثرهم استعداداً للعصيان. واختير بهذه الطريقة ألفان منهم وضعت على رؤوسهم التيجان، وطافوا بالهياكل مغتبطين بحريتهم الجديدة ولكن الإسبارطيين ما لبثوا أن تخلصوا منهم جميعاً، ولم يعرف أحد قط كيف هلك كل فرد من أفرادهم (٤٦).
وكان الجيش عماد السلطة في إسبارطة ومناط فخرها، لأنها وجدت في شجاعته، ونظامه، ومهارته، أمنها ومثلها الأعلى. وكان كل مواطن يدرب تدريباً حربياً، وكان عرضة لأن يُدعى إلى الخدمة العسكرية فيما بين العشرين والستين من عمره. وبفضل هذا التدريب القاسي نشأت الهبليت hoplites الإسبارطية، وهي فرق المشاة المتراصة الثقيلة قاذفات الحراب، والمكونة من المواطنين، التي كانت تقذف الرعب في قلوب الأثينيين أنفسهم، ولم يكد يقهرها عدو حتى انتصر عليها إباميننداس Epaminondas في لكترا Leuctra. وكان هذا الجيش هو المحور الذي صاغت إسبارطة حوله قانونها الأخلاقي. فالطيبة في إسبارطة هي أن تكون قوياً شجاعاً؛ والموت في ميدان القتال هو أعظم الشرف ومنتهى السعادة؛ والحياة بعد الهزيمة هي العار الذي لا يمحى والذي لا تغتفره الأم نفسها لابنها الجندي. وكانت الأم تودع ابنها الجندي الذاهب إلى حومة الوغى بقولها: "عد بدرعك أو محمولاً عليه". وكان الفرار بالدرع الثقيل أمراً مستحيلاً.
٥ - القانون الإسبارطي
إن تدريب الناس على مثل أعلى متعب للجسم، وخاصة إذا كان كالذي يدرب عليه الإسبارطيون، يحتم أخذهم من أيام مولدهم وتعويدهم أشد النظم
стр. 1724
وأعظمها صرامة.
وكانت الخطوة الأولى هي تقوية النسل بأقصى الطرق. فلم يكن كل ما يفرض على الطفل هو أن يواجه ما لأبيه من حق قتله، بل كان يؤتى به فضلاً عن ذلك أمام مجلس من مجالس الدولة مكون من مفتشين، فإذا ظهر أن الطفل مشوه ألقي به من فوق جرف في جبل تيجيتس ليلقى حتفه على الصخور القائمة في أسفله (٤٧). وكان ثمة وسيلة أخرى للتخلص من ضعاف الأطفال نشأت من العادة التي جرى عليها الإسبارطيون، وهي تعويد أطفالهم تحمل المشاق والتعريض لمختلف الأجواء (٤٨). وكان يطلب إلى الرجال والنساء أن يهتموا بصحة من يريدون أن يتزوجوهم وبأخلاقهم؛ وحتى الملك أركداموس Archidamus نفسه قد فرضت عليه غرامة لأنه تزوج بامرأة ضئيلة الجسم (٤٩). وكان الأزواج يشجعون على أن يعيروا زوجاتهم إلى رجال ذوي قوة ممتازة غير عادية حتى يكثر بذلك الأطفال الأقوياء؛ وكان ينتظر من الأزواج الذين أنهكهم المرض أو أعجزتهم الشيخوخة أن يدعوا الشبان ليعينوهم على تكوين أسر قوية. ويقول بلوتارخ إن ليكرجوس كان يسخر من الغيرة ومن احتكار الأزواج، ويقول إن من أسخف الأشياء أن يعنى الناس بكلابهم وخيلهم، فيبذلوا جهدهم ومالهم ليحصلوا منها على سلالات جيدة، ثم تراهم مع ذلك يبقون زوجاتهم في معزل ليختصوا بهن في إنجاب الأبناء، وقد يكونون ناقصي العقل أو ضعفاء أو مرضى". والأقدمون كلهم مجمعون على أن الذكور من الإسبارطيين كانوا أقوى أجساماً وأجمل وجوهاً من سائر رجال اليونان، وأن نساءهم كن أصح وأجمل من سائر نساء تلك البلاد (٥٠).
وأغلب الظن أن هذه النتيجة يرجع أكثرها إلى التدريب لا إلى العناية بالنسل. وفي ذلك يقول ثوسيديدس على لسان الملك أركداموس: "قلما يكون ثمة فرق" (يعني وقت المولد على ما نظن) "بين الرجل والرجل، ولكن الذي يتفوق في آخر الأمر هو الذي ينشأ في أقصى مدرسة" (٥١). وكان الولد الإسبارطي يؤخذ من أسرته في السابعة من عمره
стр. 1725
لتتكفل الدولة بتربيته؛ فكان يسلك في فرقة عسكرية هي في الوقت نفسه فصل مدرسي تحت إشراف بيدونوموس Paidonomos أو قيم على الأولاد. وكان أقدر الأولاد وأشجعهم في كل فصل ينصب عريفاً عليهم؛ ويطلب إلى سائر الأولاد أن يطيعوه، وان يخضعوا لما عساه أن يفرضه عليه من عقاب، وأن يحاولا أن يجاروه أو أن يتفوقوا عليه في الأعمال الشاقة وفي حسن النظام. ولم يكن هدفهم من هذه التربية هو الجسم الرياضي والمهارة في الألعاب كما كان هدف الأثينيين، بل كان هذا الهدف هو الشجاعة الحربية والقيمة العسكرية. وكانوا يقومون بالالعاب وهم عراة على أعين الكبار والعشاق من الرجال والنساء. وكان هَمّ الكبار من الرجال أن يثيروا الشحناء بين الأولاد فرادي وجماعات، ليختبروا بهذا ما لديهم من قوة وجلد ويدربوهم عليهما؛ فإذا ما جبنوا لحظة جللهم العار أياماً طوالاً. وكان يطلب إلى الإسبارطيين جميعاً أن يتحملوا الألم ويقاسوا الصعاب، وأن يصبروا على المصائب وهم صامتون لا يتذمرون. وكان عدد من الشبان يختارون كل عام أمام مذبح أرتميس أرثيا Artemis Ortha وتلهب أجسامهم بالسياط حتى تخضب دماؤهم الحجارة (٥٢). وإذا بلغ الولد الثانية عشرة من عمره منعت عنه ملابسه السفلى، ولم يسمح له إلا بثوب واحد طوال أيام السنة. ولم يكن يستحم كثيراً كغلمان الأثينيين، لأن الماء والأدهان تجعل الجسم ليناً رخواً، أما الهواء البارد والتراب النظيف فيجعلانه صلباً شديد المقاومة. وكان ينام في العراء صيفاً وشتاءً، على فراش من الأسل يقطع من شاطئ يوروتاس. وكان يعيش حتى الثلاثين من عمره في الثكنات مع فرقته، ولا يعرف وسائل الراحة المنزلية.
وكان يتعلم القراءة والكتابة، ولكنه لا يكاد يتعلم منهما ما يكفي لأن يخرجه من سلك الأميين، وقلما كانت الكتب تجد في إسبارطة من يشتريها (٥٣)، وكان الناشرون قلة كالمشترين. ويقول بلوتارخ إن ليكرجوس كان يرغب ألا يتعلم الأطفال قوانينه بطريق الكتابة، بل يجب أن يتلقوها مشافهة وبطريق
стр. 1726
المران عليها في شبابهم بعناية من يرشدهم ويضرب لهم المثل بنفسه. وكان يرى أن تقويم الأخلاق بتعويدهم إياه دون أن يحسوا هم بذلك خير من الاعتماد على الإقناع بالحجج النظرية؛ وأن التعليم الصحيح هو خير أساليب الحكم، على أن يكون هذا التعليم خلقياً أكثر منه عقلياً، لأن الخلق أعظم خطراً من العقل. وكان الشاب الإسبارطي يدرب على الاعتدال في الشراب، وكانوا يرغمون بعض الهيلوتيين على الإفراط فيه حتى يرى الشبان ما قد يتردى فيه المخمور من حماقات (٥٤). وكان يعلم أن يستعد للحرب بأن ينطلق في الحقول يجد طعامه بنفسه أو يموت جوعاً إذا لم يجده، وكانوا يجيزون له السرقة في هذه الأحوال، فإذا قبض عليه وهو يسرق عوقب بالجلد (٥٥). وإذا كان حسن السلوك سمح له أن يحضر اجتماع المواطنين العام، وكان ينتظر منه أن يعنى بالاستماع إلى ما يقال فيه حتى يلم بمشاكل الدولة ويتعلم فن الحديث الظريف. فإذا تخطى صعاب الشباب بشرف وبلغ سن الثلاثين منح كل ما للمواطن من حقوق، وألقيت عليه جميع ما يلقى على المواطن من تبعات، وأجيز له أن يجلس لتناول الطعام مع من هم أكبر منه.
وكانت البنت أيضاً خاضعة لقيود تفرضها عليها الدولة، وإن كانت تتركها لتربى في منزل أبويها. فكان يطلب إليها أن تقوم ببعض الألعاب العنيفة- الجري، والمصارعة، ورمي القرص، وإطلاق السهام من القوس- لكي تصبح قوية البنية، صحيحة الجسم، صالحة في يسر للأمومة الكاملة. وكان عليها أن تسير عارية في أثناء الرقصات والمواكب العامة، ولو كانت في حضرة الشبان، لكي يحفزها ذلك إلى أن تعنى بجسمها العناية الواجبة، ولكي تنكشف للناس عيوبها فيعملوا على إزالتها. وفي ذلك يقول بلوتارخ، وهو الرجل الشديد الحرص على الأخلاق: "ولم يكن ثمة شيء يُستحى منه في عري الفتيات، فقد مكان الوقار شعارهن، وكان الفجور أبعد الصفات عنهن. وكن وهن يرقصن يغنين الأغاني
стр. 1727
في مدح من أظهروا الشجاعة في الحرب، ويصببن اللعنات على من يجبن. ولم يكن الإسبارطيون يضيعون جهودهم ووقتهم في تربية البنات تربية عقلية.
أما الحب فكان يسمح للشاب أن ينغمس فيه، وأن يحب الذكور والإناث دون ما تحرج، فقد كان لكل صبي تقريباً حبيب بين من هم أكبر منه من الرجال، وكان ينتظر من هذا الحبيب أن يواصل تعليمه، وأن يجزيه الصبي عن هذا حباً وطاعة. وكثيراً ما استحال هذا النفع المتبادل صداقة عاطفية قوية تبعث في نفس الفتى والرجل ضروب البسالة في الحرب (٥٦). وكان يسمح للشبان بالكثير من الحرية قبل الزواج، ولذلك كانت الدعارة الرسمية نادرة الوجود، وكان التسري لا يلقى تشجيعاً (٥٧). ولم نسمع عن وجود هياكل لأفرديتي في لسديمون كلها، اللهم إلا هيكلاً واحداً، وحتى في هذا الهيكل قد مثلت الآلهة وعليها نقاب وفي يدها سيف، وفي قدميها أغلال، كأنها تشير بذلك إلى ما في زواج الحب من سخف وطيش، وإلى خضوع الحب للحرب، وإلى إشراف الدولة إشرافاً قوياً على الزواج.
وحددت الدولة أنسب سن للزواج سن الثلاثين للرجال والعشرين للنساء. وكانت العزوبة في إسبارطة جريمة، وكان العزاب يحرمون حق الانتخاب وحق مشاهدة المواكب العامة التي يرقص فيها الفتيان والفتيات عرايا؛ ويقول بلوتارخ إن العزاب أنفسهم كانوا يرغمون على أن يمشوا بين الجماهير عرايا صيفاً وشتاءً ينشدون نشيداً فحواه إنهم يقاسون هذا العقاب العادل جزاء لهم على مخالفة قوانين البلاد. وكان الذين يصرون على عدم الزواج عرضة لأن تهاجمهم في أي وقت من الأوقات جماعات من النساء يؤذينهم أشد الأذى. ولم يكن العار الذي يلحق بمن يتزوجون ولا يلدون ليقل كثيراً عن العار الذي يلحق العزاب؛ وكان المفهوم أن من لا أبناء لهم من الرجال غير خليقين بذلك الإجلال الديني الذي يقدمه الشبان الإسبارطيون لمن هم أكبر منهم سناً (٥٨).
стр. 1728
وكان الوالدان هما اللذان ينظمان زواج أبنائهما، دون أن يكون للبيع والشراء أثر في هذا التنظيم؛ فإذا ما اتفقا على الزواج كان ينتظر من العريس أن ينتزع عروسه من بيت أبيها قوة واقتداراً، كما كان ينتظر منها أن تقاوم هذا الانتزاع، وكان اللفظ الذي يعبر به عن الزواج هو لفظ هربدزين harpadzein أي الاغتصاب (٥٩). فإذا ترك هذا التنظيم بعض الكبار بلا زواج، جاز حشر عدد من الرجال في حجرة مظلمة ومعهم عدد مساو لهم من البنات، ثم يترك هؤلاء وأولئك ليختار كل رجل شريكة حياته في الظلام (٦٠)؛ ذلك أن الإسبارطيين كانوا يعتقدون أن هذا الاختيار لم يكن فيه من العمى أكثر مما في الحب. وقد كان من المألوف أن تبقى العروس مع أبويها وقتاً ما، وأن يبقى العريس في ثكناته لا يزور زوجته إلا خلسة. ويقول بلوتارخ إنهما كانا يعيشان على هذا النحو زمناً طويلاً حتى لقد كان بعضهم ينجب من زوجته أطفالاً قبل أن يرى وجهها في ضوء النهار". فإذا ما أوشكا أن يكونا أبوين سمح لهما بأن ينشئا بيتاً. وكان الحب ينشأ بعد الزواج لا قبله، ويلوح أن الحب بين الزوج وزوجته لم يكن في إسبارطة أقل منه في سائر الحضارات (٦١). وكان الإسبارطيون يفخرون بأن الزنا لا وجود له بينهم، وقد يكونون على حق في هذا الفخر، لأنهم كانوا يتمتعون قبل الزواج بقسط كبير من الحرية، وكان الكثيرون من الأزواج يقبلون أن يشترك معهم غيرهم وخاصة إخوتهم في زوجاتهم (٦٢). وكان الطلاق نادراً، وقد عوقب ليسندر Lysander القائد الإسبارطي لأنه هجر زوجته وأراد أن يتزوج أخرى أجمل منها (٦٣).
وكان مركز المرأة بصفة عامة في إسبارطة خيراً منه في أي مجتمع يوناني آخر، فقد احتفظت فيها أكثر من سائر المدن اليونانية بمكانتها الهومرية العالية وبالمزايا التي بقيت لها من أيام المجتمع القديم الذي كان الأبناء فيه ينسبون إلى أمهاتهم .. وفي ذلك يقول بلوتارخ إن النساء الإسبارطيات كن
стр. 1729
يمتزن "بالجرأة والرجولة، وبالتشامخ على أزواجهن .. وكن يتحدثن بصراحة حتى في أهم الأمور"؛ وكان من حقهن أن يرثن ويورثن، وقد آلت لهن على مر الوقت نصف الأملاك الثابتة في إسبارطة بفضل ما كان لهن من سيطرة قوية على الرجال (٦٥). وكن يعشن في بيوتهن عيشة الترف والحرية، على حين كان الرجال يقاسون أهوال الحروب الكثيرة، أو يطعمن الطعام البسيط مع سائر الرفاق.
ذلك أن الدستور الإسبارطي كان يفرض على كل رجل من سن الثلاثين إلى الستين أن يتناول وجبته اليومية الرئيسية في مطعم عام كبير، وكان الطعام فيه بسيطاً في نوعه وأقل قليلاً في كميته مما يلزم للشخص العادي. وكانت هذه القلة في الطعام متعمدة يقصد بها المشترع- كما يقول بلوتارخ- أن يعودهم الصبر على ما يلاقونه في الحرب من حرمان، وأن يحول بينهم وبين ما ينشأ في عهود السلم من تدهور وانحطاط؛ فكان يحرم عليهم "أن يقضوا حياتهم في البيوت، ينامون على الفراش الوثير ويطعمون الطعام الشهي، يسلمون أنفسهم إلى أيدي التجار والطهاة، يتخمونهم في أركان الدور كما يتخمون الحيوانات الشرهة، فلا يفسدون بذلك عقولهم فحسب بل يفسدون أجسامهم كذلك، فإذا ما انحطت قواهم بسبب ذينك الانهماك والإفراط، أصبحوا في حاجة إلى النوم الطويل والاستحمام بالماء الساخن والتحرر من العمل؛ وجملة القول أنهم يصبحون لا يعنون بعمل شيء ولا يشرفون على شيء كأنهم مصابون بعلة دائمة لا يبرءون منها" (٦٦). وكانوا يحصلون على المواد اللازمة لهذه الوجبة العامة بأن يطلب إلى كل شخص أن يقدم في فترات معينة إلى النادي الذي يطعم فيه كميات محددة من الحبوب وغيرها من الطعام؛ فإذا لم يقدمها حرم من حقوق المواطنين.
وكانت هذه البساطة في المأكل والمشرب، وكان هذا التقشف في المعيشة اللذان يدرب عليهما الشاب الإسبارطي يمتدان في القرون الأولى بعد وضع القانون إلى ما بعد سن الشباب. ولذلك كانت البدانة نادرة في لسديمون؛ نعم
стр. 1730
إنهم كانوا يسنوا قانوناً يحدد حجم المعدة، ولكن إذا كبر بطن الرجل كبراً معيباً، كان عرضة لأن تؤنبه الحكومة علناً على هذا الكبر أو أن تنفيه من لكونيا (٦٧). ولم يكن في إسبارطة إلا القليل من السُكْر واللهو المنتشرين في أثينة؛ وكان ثمة فروق حقيقية في الثروات، ولكنها كانت فروقاً خفية؛ فقد كان الأغنياء والفقراء يلبسون الثياب البسيطة نفسها- وهي قميص من الصوف يتدلى من الكتفين من غير تظاهر بجمال أو اختيار شكل معين له؛ وكان الإكثار من الثروة المنقولة من أصعب الأمور، وكان ادخار نقود حديدية تبلغ قيمتها نحو مائة ريال أمريكي يتطلب صندوقاً كبيراً، ولم يكن نقل هذا القدر من المال يحتاج إلى أقل من ثورين (٦٨)، ذلك أنه كان من المستطاع شراء الإفورين، وأعضاء مجلس الشيوخ، والرسل، وقواد الجيش، والملوك بأثمان تتفق مع مكانتهم (٦٩). ولما أن عرض سفير من جزيرة ساموس صحافة الذهبية في إسبارطة حتم الملك كليومنيس الأول استدعاءه منها لئلا يفسد مواطنوه بهذا المثل الأجنبي (٧٠).
وكان نظام الحكم الإسبارطي، لخوف الأهلين من هذه العدوى، غير كريم في معاملة الأجانب إلى حد لم يسبق له مثيل. فقلما كان الأجانب يرحب بهم في البلاد، وكانوا يفهمون عادة أن زياراتهم يجب ألا تطول، فإذا طالت فوق ما يجب صحبهم رجال الشرطة إلى حدود البلاد. وكان يحرم على الإسبارطيين أنفسهم أن يخرجوا من بلادهم إلا بإذن من الحكومة؛ كما كان يقلل من تشوفهم بتعويدهم العزلة المتعجرفة التي لا يحلمون معها أن في وسع غيرهم من الأمم أن تعلمهم شيئاً (٧١)؛ وكان لا بد لهذا النظام أن يكون غير كريم إلى هذا الحد ليحمي بذلك نفسه؛ لأن ريحاً تهب من هذا العالم المحرم عليه، عالم الحرية، والترف، والآداب، والفنون، قد تدك هذا النظام المصطنع العجيب الذي كان ثلثا الشعب فيه من الأقنان وكل السادة فيه من الرقيق.
стр. 1731
٦ - ما لإسبارطة وما عليها
ترى أي طراز من الرجال وأي نوع من الحضارة أنتجهما هذا القانون؟ فأما الرجال فكانوا أقوياء الأجسام ألفوا المشاق والحرمان. وقد قال عنهم أحد السيباريين Sybarites المترفين إن الإسبارطيين "لا يمدحون على استعدادهم للموت في ميدان القتال لأن موتهم هذا ينجيهم من كثير من العمل الشاق ومن الحياة البائسة" (٧٢). وكانت صحة الجسم من الفضائل الرئيسية في إسبارطة، كما كان المرض جريمة فيها؛ وما من شك في أن أفلاطون قد سره أن يجد بلاداً خالية من الدواء ومن الدمقراطية. وكان الإسبارطي شجاعاً؛ وما من أحد من الناس غير الرومان يضارعه في ثبات جنانه وفي انتصاره في الحروب؛ وليس أدل على ذلك من أن بلاد اليونان كلها لم تكد تصدق أن الإسبارطيين قد استسلموا لأعدائهم في اسفكتيريا Sphacteria؛ ذلك أنه لم يسمع عنهم من قبل أنهم لم يحاربوا إلى آخر رجل فيهم، وحتى الجندي الإسبارطي العادي كان يفضل الانتحار على الحياة بعد الهزيمة (٧٣). ولما وصلت إلى آذان الإفورين أنباء هزيمة الإسبارطيين المنكرة في لوكتر Leuctra- وكانت هزيمة ماحقة اختتم بها في واقع الأمر تاريخ إسبارطة- وكانوا وقتئذ على رأس الألعاب الجمنوبودية، لم ينطقوا بكلمة واحدة. وكل ما فعلوه أن أضافوا إلى سجل الموتى المقدسين الذين نالوا شرف الموت في الألعاب أسماء القتلى الجدد. وكان من الصفات العادية التي يتصف بها كل مواطن إسبارطي، والتي كان يكتب عنها الأثينيون ولكنهم قلما كانوا يتحلون بها، كان من هذه الصفات ضبط النفس، والاعتدال والهدوء، والثبات في السراء والضراء.
وإذا كانت إطاعة القانون فضيلة فقد كان الإسبارطي يفوق في هذه الفضيلة سائر الناس. وفي ذلك يقول الطبيب دمراتوس Demaratus
стр. 1732
لخشيارشاي: "إن اللسديمونيين، وإن كانوا أحراراً، ليسوا أحراراً في كل شيء، لأن القانون سيدهم الأعلى، يخافونه أكثر مما يخافك شعبك" (٧٤). وقل أن تجد شعباً غيرهم- مع جواز استثناء الرومان واليهود في العصور الوسطى- كان احترامه لقوانينه سبباً في قوته. وقد ظلت إسبارطة مائتي عام على الأقل تزداد قوة على قوة تحت حكم دستور ليكرجوس، وهي وإن عجزت عن فتح أرجوس وأركاديا، قد أقنعت جميع البلوبونيزيين أن يقبلوا زعامتها لحلف البلوبونيز الذي ساد بفضله السلام في جزيرة بلوبس ما يقرب من قرنين كاملين (٥٦٠ - ٣٨٠ ق. م). وكانت بلاد اليونان على بكرة أبيها تعجب بجيش إسبارطة وحكومتها، وتتطلع إلى معونتها في ثل عروش الطغاة الظالمين. ويحدثنا زنوفون عن "الدهشة التي عرتني حين لاحظت أول مرة موقع إسبارطة الفذ بين دول اليونان، وعدد سكانها القليلين بالنسبة لغيرها من الدول، وقوة شعبها ومنزلته العالية بالرغم من هذه القلة. وقد حيرني تعليل قوة هذا الشعب ومنزلة هذه الدولة. ولم تزل هذه الحيرة إلا حين فكرت في أنظمة الإسبارطيين العجيبة" (٧٥). ولم يكن زنوفون يمل من الثناء على أساليب الإسبارطيين، كما لم يكن أفلاطون وبلوتارخ يملان من الثناء عليهم. ولا حاجة إلى القول بأن إسبارطة هي التي وجد فيها أفلاطون الخطوط الرئيسية لمدينته الفاضلة، التي طمس معالمها بعض الشيء إغفاله العجيب للمثل العليا. ولقد كان كثيرون من المفكرين اليونان يعمدون إلى تمجيد نظام إسبارطة وشرائعها بعد أن ملوا ما في الدمقراطية من انحطاط وفوضى وأوجسوا في أنفسهم خيفة منهما.
والحق أنهم كانوا يستطيعون الثناء على إسبارطة لأنهم لم يضطروا إلى المعيشة فيها، ولم يروا عن كثب ما في أخلاق الإسبارطيين من أنانية، وبرود، وقسوة، ولم يتبينوا ممن يرونهم من الصفوة التي التقوا بها منهم، أو من الأبطال الذين يمجدونهم عن بعد، أن الشرائع الإسبارطية كانت تخرج
стр. 1733
جنوداً بواسل ولا شيء غير الجنود، وأنها جعلت قوة الجسم وحشية مرذولة لأنها أماتت الكفايات العقلية كلها تقريباً. ذلك أنه لما أصبح لهذا القانون المقام الأول في البلاد أصاب الموت فجأة جميع الفنون التي ازدهرت قبل سيادته، فلم نعد نسمع بعدئذ عن شعراء أو مثالين، أو بنائين في إسبارطة بعد عام ٥٥٠ ق. م (١)، ولم يبق فيها إلا الرقص الجماعي والموسيقى، لأن فيهما يمكن أن يتجلى النظام الإسبارطي وأن يختفي الفرد ويضيع في المجموع. ولقد كان من أثر حرمان الإسبارطيين أن يتجروا مع العالم، ومنعهم من الأسفار، وجهلهم بعلوم بلاد اليونان وآدابها وفلسفتها الآخذة في الظهور والنماء، أن أصبحوا أمة من الجنود المشاة المدرعين الثقال، لا ترقى عقليتهم فوق مستوى الذين قضوا في هذه الجندية حياتهم كلها. ولقد كان الرحالة اليونان يعجبون من هذه الحياة البسيطة الخالية من الرونق والبهاء، ومن هذا القدر الضئيل المقيد من الحرية، وهذه المحافظة الشديدة على كل عادة وكل خرافة، وهذه الشجاعة التي كانت موضع الإجلال، وذلك النظام الصارم، وهذا الخلق النبيل، وذلك الغرض الدنيء الذي لا يؤدي إلى غاية. وعلى بعد لا يزيد على مسيرة يوم واحد على ظهور الجياد كان الأثينيون يشيدون من آلاف المظالم والأخطاء صرح حضارة واسعة المدى، قوية في أعمالها، تتقبل كل فكرة جديدة، حريصة على الاتصال بالعالم، متسامحة متنوعة، معقدة، مترفة، مبتدعة، متشككة، واسعة الخيال، شعرية، مشاغبة، حرة. لقد كان ما بين أثينة وإسبارطة من التناقض هو الذي صبغ التاريخ اليوناني بصبغته المعروفة ورسم خطوطه الرئيسية.
стр. 1734
ولقد قضى ضيق أفق إسبارطة في آخر الأمر على مالها من قوة نفسية، ذلك أن نفسيتها قد انحطت حتى صارت ترتضي كل وسيلة تؤدي إلى غرض إسبارطي، وبلغ من ذلتها في آخر الأمر للغزاة أن باعت للفرس تلك الحريات التي كسبتها بلاد اليونان في مراثون. لقد استحوذت عليها النزعة العسكرية وجعلتها سوط عذاب لجيرانها بعد أن كانت في مكان الشرف منها، ولما أن سقطت، عجبت الأمم كلها من سقوطها، ولكن ما من أمة حزنت لها. ولا نكاد اليوم نجد بين الأنقاض القليلة الباقية من هذه العاصمة القديمة نقشاً واحداً أو عموداً ملقى على الأرض يعلن للعالم أن اليونان كانوا في يوم من الأيام يسكنون في هذا المكان.
стр. 1735
الفصل الرابع
الدول المنسية
يمتد وادي نهر يوروتس Eurotas في شمال إسبارطة إلى جبال أركاديا المتجمعة بعد أن يجتاز حدود لكونيا. ولو أن هذه الجبال كانت أقل مما هي خطورة لكانت أكثر مما هي جمالاً. ويلوح أنها لم ترحب بالطرق الضيقة التي نحتت في منحدراتها الصخرية، وأنها تهدد بقتامها كل من يحاول الاعتداء على هذه الملاجئ الأركادية المنعزلة؛ فلا غرابة والحالة هذه إذا ضل فيها الفاتحون الدوريون والإسبارطيون وتركوا أركادية كما تركوا إليس وآخيا للسلالات الآخية والبلاسجية. ويعثر السائح في أماكن متفرقة من هذا الإقليم على سهل أو هضبة، كما يجد فيه مدناً جديدة زاهرة كمدينة تريبوليس Tripolis، أو بقايا مدن قديمة كمدائن أركمنوس Orchomenos، ومجالو بوليس Megalopolis، وتيجيا Tegea، ومنتينيا Mantinea حيث انتصر أباميننداس ولاقى حتفه. ولكنها في معظم أجزائها أرض يسمنها فلاحون ورعاة متفرقون يعتمدون على موارد مزعزعة غير ثابتة، ويعيشون هم وماشيتهم على هذه التلال الضنينة؛ ومع أن هذه المدائن قد استيقظت بعد مرثون لتستقبل الحضارة والفن، فإن من الصعب أن نسلكها في قصة الحضارة قبل الحرب الفارسية. وفي هذه الغابات ذات الأشجار العمودية كان يجول الإله بان في وقت من الأوقات.
ويلتقي نهر يوروتس في أركاديا الجنوبية بنهر آخر أوسع منه شهرة وهو نهر ألفيوس Alpheus. وهذا النهر يشق طريقه شقاً سريعاً خلال سلاسل الجبال البرهازية Parhasian، ثم يتثنى ببطء حتى يدخل سهول إليس،
стр. 1736
ويرشد السائح إلى أولمبيا. ويحدثنا بوزنياس بأن الإليانيين (٧٦) كانوا من أصل إيولي أو بلاسجي جاءوا إلى إيتوليا بعد أن عبروا الخليج. وكان أول ملوكهم إيثليوس Aethlius والد إندميون Endymion الذي أغوى جماله القمر (١) فأغمضت عينيه وأرسلت عليه نعاساً سرمدياً، وما زالت تضاجعه على مهل حتى ولدت منه مائة بنت. وفي هذا المكان الذي يلتقي فيه نهر ألفيوس بنهر كلاديوس Cladeus المقبل من الشمال كانت المدينة المقدسة للعالم اليوناني كله؛ وقد بلغ من قدسيتها أن الحرب قلما أزعجتها، ومن أجل ذلك نَعِمَ الإيليون Elians بتاريخ استبدلوا فيه الألعاب بالحروب. وفي الزاوية المحصورة بين النهرين كانت الألتيس Altis أو التخوم المباركة لمقر زيوس الأولمبي. وكانت موجات الغزاة المتتابعة تحط رحالها في هذا المكان لتعبده، كما كان مندوبون عن هؤلاء الغزاة يعودون إليه فيما بعد في مواسم معينة ليسألوه العون ويغنوا مزاره بالنذور. وظلت ثروة هيكلي زيوس وهيرا وشهرتهما تزدادان جيلاً بعد جيل حتى انتصر اليونان على الفرس فحشد أكابر المهندسين والمثالين اليونان ليعيدوا بناء الهيكلين ويزينوهما وينفقوا في سبيل ذلك الأموال الطائلة اعترافاً بما كان لهما من فضل في هذا النصر. ويرجع تاريخ هيكل هيرا إلى عام ١٠٠٠ ق. م، وآثاره أقدم ما بقي من آثار الهياكل في بلاد اليونان جميعها. وقد بقي من هذه الآثار أجزاء من ستة وثلاثين عموداً وعشرين تاجاً دورياً تشهد بأن هذه العمد قد أقيمت المرة بعد المرة، وأنها كانت تقام بأشكال مختلفة. ولا جدال في أنها صنعت في أول الأمر من الخشب. وكان جذع من أحدها وهو من شجر البلوط لا يزال قائماً حين أقبل بوزنياس على ذلك المكان، وبيده كراسته، في أيام الأنطونيين.
وإذا ما غادر الإنسان أولمبيا مر بموضع إيليس العاصمة القديمة ودخل
стр. 1737
آخيا التي فر إليها بعض الآخيين بعد أن استولى الدوريون على أرجوس وميسيني، وهي شبيهة بأركاديا في أنها بلاد جبلية يرعى على منحدراتها الرعاة الصابرون قطعان الماشية، ويصعدون إلى أعلاها أو ينزلون إلى أسفلها في فصول السنة المختلفة. ولا يزال ثغر بتراس القديم قائماً مزدهراً حتى الآن على الساحل الغربي؛ وهذا الثغر هو الذي قال بوزنياس عن نسائه إنهن "ضعفا عدد الرجال، وإنهن وفيات لأفروديتي إن كان في النساء وفاء" (٧٧). وكانت هناك عدة مدن أخرى محتشدة في غير نظام على طول خليج كورنثة- إيجيوم Aegium، وهليس Helice، وإيجيرا Aegira، وبليني Pellene، وقد كادت كلها تصبح نسياً منسياً، ولكنها كانت في غابر الأزمان تعج بالرجال والنساء والأطفال، وما من أحد منهم إلا كان مركز العالم.
стр. 1738
الفصل الخامس
كورنثة
وبعد أن يخترق السائح عدداً آخر قليلاً من الجبال يعود إلى سكيون مُستقر الدوريين. وفي هذه المدينة علم رجل يدعى أرثجراس Orthagoras العالم في سنة ٦٧٦ حيلة ظل يلجأ إليها فيما بعد ذلك من القرون. فقد قال للفلاحين إنهم من نسل البلاسجيين أو الآخيين، على حين أن الأشراف المالكين للأرض والذين يستغلونهم من نسل الغزاة الدوريين؛ ثم أخذ يستثير نعرة غير المالكين العنصرية، وتزعمهم في ثورة موفقة، ونصب نفسه حاكماً بأمره عليهم، ووضع السلطة في أيدي طبقتي الصناع والتجار (١). وأصبحت سكيون في عهد خليفتيه العظيمين ميرون Myron وكليسثنيز مدينة يشتغل نصف أهلها بالصناعة، واشتهرت بأحذيتها وفخارها، وإن كانت لا تزال تسمى باسم ما ينمو فيها من الخيار.
وإلى شرقها تقوم المدينة التي كان موقعها الجغرافي والاقتصادي خليقاً بأن يجعلها أغنى بلاد اليونان وأرقاها ثقافة. تلك هي مدينة كورنثة. وكان موقعها على الخليج المسمى باسمها مما تحسدها عليه سائر المدن اليونانية؛ فقد كان في مقدورها أن تغلق باب الطريق البري الموصل إلى البلوبونيز، وفي وسعها أن تيسر أسباب التجارة البرية بين شمالي بلاد اليونان وجنوبيها، أو أن تفرض عليها ما تشاء من الإتاوات. وكان لها موان وسفن على خليجي ساروس وكورنثة. وقد أنشأت بين هذين البحرين "مزلقاً للسفن"
стр. 1739
(ديولكوس Diolcos) - أي طريقاً خشبياً تجر عليه السفن نحو أربعة أميال فوق الأرض على اسطوانات، وربحت من وراء ذلك كثيراً من الأموال (١). وكان لها قلعة منيعة تدعى أكروكورنثس Acrocorinthus وهي قلة من قلل الجبال يبلغ ارتفاعها ألفي قدم، ويغذيها بالماء نبع لا ينضب معينه أبداً. وقد وصف لنا استرابون المنظر الذي تقع عليه عين من يشرف على هذا المكان من القلعة، والمدينة مبسوطة على سطحين مدرجين من تحتها، والملهى المقام في الهواء الطلق والحمامات العامة العظيمة، والسوق ذات العمد، والهياكل البراقة، والأسوار التي تصد عنها الأعداء والتي تمتد إلى ميناء لكيوم Lechaeum على الخليج الشمالي. وكان على قمة الجبل نفسها هيكل لأفرديتي وكأنما أقيم ليرمز إلى صناعة من أهم صناعات المدينة (٨٠).
وكان لكورنثة تاريخ يرجع في قدمه إلى الأيام الميسينية، واشتهرت المدينة في أيام هومر نفسه بثروتها الطائلة (٨١). وكان يحكمها بعد الفتح الدوري ملوك، ثم تولى حكمها الأشراف تسيطر عليهم أسرة البكيادي Bachiadae؛ ثم حدث فيها ما حدث في أرجوس، وسكيون، ومجارا، وأثينة، ولسيوس، وميليتس، وساموس، وصقلية، وفي كل مكان راجت فيه التجارة اليونانية، وهو استيلاء طبقة التجار ورجال الأعمال على السلطة السياسية بالثورة أو الدسائس. وهذا هو المعنى الحقيقي الذي يجب أن يفهم من قيام حكومات "الطغيان" أو الدكتاتوريات في بلاد اليونان في القرن السابع قبل الميلاد. ففي عام ٦٥٥ استولى سيسيلوس على مقاليد الحكم. وكان قد نذر أن يخص زيوس بثروة كورنثة كلها إذا ما وصل إلى غرضه، فلما تم له الأمر فرض
стр. 1740
على جميع أملاك المدينة ضريبة سنوية قدرها عشرة في المائة من قيمتها، ووهب ما تجمع منها للهيكل، فلم تمض إلا عشر سنين حتى كان قد وفى بنذره وأبقى ثروة المدينة كما كانت من قبل (٨٢). وقد وضع بحكمه المحبب المستنير الذي دام ثلاثين عاماً أساس رخاء كورنثة (٨٣).
وكان حكم ولده القاسي بريندر أطول حكم للطغاة في تاريخ اليونان (٦٢٥ - ٥٨٥). وقد أقر فيه الأمن والنظام، ومنع استغلال الناس بعضهم بعضاً، وشجع الأعمال التجارية والصناعية، وناصر الآداب والفنون، وجعل كورنثة زمناً ما أولى المدائن اليونانية، ونشط التجارة بسك عملة رسمية (٨٤)، كما نشط الصناعة بخفض الضرائب المفروضة عليها؛ وحل مشكلة التعطل بإقامة طائفة من المباني العامة وإنشاء المستعمرات في خارج البلاد؛ وحمى صغار رجال الأعمال من منافسة الشركات الكبرى بتحديد عدد الأرقاء الذي يجوز للرجل الواحد أن يستخدمهم في أعماله، وحرم استيرادهم بعد هذا التحديد (٨٥)، وأنجى الأغنياء مما عندهم من الذهب الزائد على حاجتهم بأن أرغمهم على الاشتراك بذهبهم في صنع تمثال ذهبي لتزدان به المدينة؛ ثم دعا النساء ذوات المال في كورنثة إلى حفلة كبرى، جردهن فيها من أثوابهن الغالية وحليهم الثمينة، ثم أمرهن بالعودة إلى بيوتهن بعد أن أمم جمالهن. وقد خلقت له أعماله هذه أعداء كثيرين أقوياء، فلم يكن يجرؤ على الخروج دون حرس كبير، وكان لخوفه وعزلته نكداً قاسياً. وأراد أن يحمي نفسه من الثورات فعمل بالنصيحة الخفية التي أشار بها عليه زميله الطاغية ثراسيبولس الميليتي، وهي أن يقطع "الفينة بعد الفينة أطول ما في الحقل (٨٦) من سنابل" (١). وأخذت سراريه يوجهن التهم إلى زوجته، حتى أثرن غضبه عليها، فألقاها في نوبة من نوبات هذا الغضب من فوق سلم القصر؛ وكانت حاملاً فماتت من شدة الصدمة، فما كان منه إلا أن
стр. 1741
حرق السراري ونفى ابنه ليكفرون Lycophron إلى كرسير Corcyra لأنه حزن على أمه حزناً لم يطق معه أن يتحدث إلى أبيه. ولما أن قتل الكرسيريون ليكفرون قبض بريندر على ثلاثمائة شاب من أشراف الأسر وأرسلهم إلى أليتس Alyattes ملك ليديا ليتخذهم خصياناً، ولكن السفينة التي أقلتهم مرت بساموس، فما كان من أهلها ألا أن أطلقوا سراح الشبان متحدين بعملهم هذا بريندر غير عابئين بغضبه. وعمر هذا الطاغية طويلاً، وعده البعض بعد موته من السبعة الحكماء في بلاد اليونان القديمة (٨٧).
وثل الإسبارطيون بعد جيل من وفاته عرش الطغاة في كورنثة، وأقاموا مكانهم حكم الأشراف- ولم يكن ذلك لأن إسبارطة تعشق الحرية، بل لأنها كانت تفضل طبعة الملاك على طبقات رجال الأعمال. بيد أن ثروة كورنثة كانت تقوم على التجارة يعينها من حين إلى حين أتباع أفرديتي والألعاب الهيلينية العامة التي كانت تقام في برزخ كورنثة. وكانت العاهرات كثيرات في المدينة إلى حد جعل اليونان يطلقون اسم كورنثيازوماي Corinthiazomai على العهر نفسه (٨٨). وكان من العادات المتبعة في كورنثة أن تخصص إلى هيكل أفرديتي نساء يحترفن فيه الدعارة ويأتين بأجورهن إلى الكهنة. وقد وصل إلى علمنا أن رجلاً يدعى زنوفون (وهو غير زنوفون قائد العشرة آلاف) وعد الإلهة خمسين محظية إذا أعانته على النصر في الألعاب الأولمبية. ويشير بندار الشاعر التقي إلى هذا النذر وهو يشيد بهذا النصر دون حياء أو اشمئزاز (٨٩). ويقول استرابون إن "هيكل أفرديتي قد بلغ من الثروة أن كان له أكثر من ألف عبد من عبيد الهياكل، ومحاظ وهبهن الرجال والنساء للهيكل؛ وبفضل أولئك النسوة ازدحمت المدينة بالناس وعظمت ثروتها؛ من ذلك أن قادة السفن كانوا ينفقون أموالهم في المدينة بلا حساب". وكانت المدينة تشكر لهن حسن صنيعهن وتنظر إلى "أولئك السيدات الكريمات" نظرتها إلى المحسنين للشعب.
وفي ذلك يقول
стр. 1742
مؤلف قديم نقل عنه أثينيوس Athenaeus: " من العادات القديمة في كورنثة، كلما أرادت المدينة أن توجه دعاء إلى أفرديتي … ، أن تستعين بأكبر عدد مستطاع من المحاظي ليشتركن في هذا الدعاء". وكان لهؤلاء المحاظي عيد ديني خاص بهن هو عيد الأفرديزيا Aphrodisia يحتفلن به احتفالاً فخماً محوطاً بضروب التقي والصلاح (٩٢). وقد ندد القديس بولس في رسالته الأولى إلى الكورنثيين (٩٣) بأولئك النسوة اللائي ظللن يمارسن حرفتهن في المدينة إلى أيامه.
وكان يسكن كورنثة في عام ٤٨٠ ق. م خمسون ألفاً من المواطنين وثلاثون ألفاً من الأرقاء، وهذه النسبة بين الأحرار والعبيد عالية علواً غير مألوف في المدن اليونانية (٩٤). وكان اقتناص اللذة والذهب هَمّ جميع الطبقات، يستنفد كل جهودهم فلا يبقى منها ما ينفقونه في الأدب والفنون إلا القليل. نعم إننا نسمع في القرن الثامن عشر عن شاعر يدعى يوملوس Eumelus ولكن الأدب اليوناني قلما يزدان بأسماء كورنثية. وكان بريندر يرحب بالشعراء في بلاطه، واستقدم أريون Arion من لسيوس لينظم شئون الموسيقى في كورنثة. واشتهر فخار المدينة وبرنزها في القرن الثامن؛ وكان من يعملون في طلاء مزهرياتها في القرن السادس أرقى أهل هذا الفن في بلاد اليونان كلها. ويحدثنا بوزنياس عن صندوق عظيم من خشب الأرز اختفى فيه سبسيلوس Cypselus من البكياديين، وحفر فيه الفنانون نقوشاً ظريفة ورصعوه بالعاج والذهب (٩٥). والراجح أن عصر بريندر هو الذي أقامت فيه كورنثة لأبلو هيكلاً دورياً اشتهر بأعمدته السبعة المنحوت كل واحد منها من حجر واحد. ولا تزال خمسة من هذه الأعمدة قائمة إلى يومنا هذا توحي بأن كورنثة قد تكون أحبت الجمال في أكثر من صورة واحدة. ولربما كان الدهر والمصادفات قد ظلما هذه المدينة فلم يوفياها حقها من الشكر لأن تاريخها دونه رجال لا يدينون لها بولاء ولا يعترفون لها بفضل؛ ولو أتيح للماضي أن يطلع على ما كتب عنه في صحف المؤرخين لعجب مما يرى أشد العجب.
стр. 1743
الفصل السادس
مجارا
لم تكن مجارا أقل حباً للذهب من كورنثة، وكانت التجارة عماد ثروة الأولى كما كانت عماد ثروة الثانية؛ لكنها تختلف عنها في أنها كان لها شاعر عظيم تحيا تلك المدينة القديمة في شعره، كأن ما قام فيها من الثورات هي بعينها الثورات التي قامت في بلادنا. وكانت المدينة تقع عند مدخل البلوبونيز نفسه، وكان لها مرفأ على كلا الخليجين، ومن أجل هذا كان موقعها يمكّنها من أن تساوم الجيوش المغيرة على تلك البلاد، وتفرض المكوس على التجارة؛ وقد أضافت إلى هذه التجارة صناعة للنسيج مزدهرة يشتغل بها رجال ونساء كانوا يسمون بلغة تلك الأيام الصادقة عبيداً. وقد بلغت المدينة أوج ازدهارها في القرنين السابع والسادس حين كانت تنازع كورنثة تجارة البرزخ؛ وهذا هو العهد الذي أنشأت فيه مستعمرات لها كانت بمثابة محطات تجارية انتشرت ما بين بيزنطية على البسفور حتى مجارا هبليا Megara Hyblaea في صقلية. وازدادت الثروة في المدينة زيادة مطردة؛ ولكنها تجمعت في أيدي طائفة قليلة برعت في جمعها، وبقيت جمهرة الشعب مكونة من أقنان معدمين بين أقلية موفورة الثراء (٩٦)، يستمعون إلى الدعاة الذين يمنونهم يعيش أرخى وحياة أنعم من عيشهم وحياتهم. وفي عام ٦٣٠ قرر ثياجينز Theagenes أن يصبح طاغية فيها، فأخذ يتملق الفقراء ويندد بالأغنياء، ثم قاد جماهير الغوغاء الجياع إلى مراعي الأغنياء أصحاب الأنغام، وأفلح في حمل العامة على أن يؤلفوا له حرساً خاصاً، فلما تألف ضاعف عدده، واستعان به على إسقاط الحكومة القائمة (٩٧). وحكم ثياجينز مجارا
стр. 1744
نحو ثلاثين عاماً حرر في أثنائها الأقنان، وأذل الأقوياء؛ وناصر الفنون، ولكن أغنياء المدينة أنزلوه عن العرش حوالي عام ٦٠٠؛ ثم قامت ثورة ثالثة أعادت الدمقراطية الشعبية، وصادرت أملاك زعماء طبقة الأشراف، واستولت على بيوت الأغنياء، وألغت الديون، وأصدرت قراراً يحتم على أصحاب الأموال أن يردوا إلى المدينين ما استولوا عليه من فوائد عن قروضهم (٩٨).
وكان يثوجنيز Theognis حياً خلال هذه الثورات كلها، وقد وصفها في قصائد مليئة حقداً تصلح لأن تكون وصفاً لحرب الطبقات عندنا في هذه الأيام. ويقول عن نفسه (وهو مرجعنا الوحيد في هذا الموضوع) إنه من أبناء أسرة قديمة شريفة. وما من شك في أنه قد نشأ نشأة منعمة راضية، لأنه كان مرشداً، وفيلسوفاً، وعاشقاً لشاب يدعى سيرنس Cyrnus أصبح فيما بعد زعيم حزب الأشراف؛ وهو يسدي سيرنس هذا كثيراً من النصح، ولا يطلب إليه في نظير هذا إلا أن يحبه. وهو يشكو الصد كما يشكو سائر المحبين، وأجمل ما بقي من قصائد قصيدة ذكر فيها سيرنس بأنه لن يخلد اسمه إلا شعر ثيوجنيز.
هاأنذا قد جعلت لك جناحين تطير بهما
فوق البحر والأرض اللذين لا آخر لهما؛
وسيتردد اسمك على ألسنة الكثيرين،
وستكون رفيقاً لهم في مآدبهم وفي مرحهم.
وسيأمرك الشبان الذين يحبونك أن
تطربهم بالناي الفضي ذي الصوت الشجي؛
وإذا ما ذهبت إلى أطباق الثرى المظلمة،
إلى مستقر الموتى الذي يبعث الأسى في القلوب،
فلن ينقطع اتصالك بالمجد والشرف
بل سوف تجول في الآفاق اسماً مخلداً.
стр. 1745
سيرنس، يتردد في بحار بلاد اليونان وسواحلها،
يعبر البحر المجدب من جزيرة إلى جزيرة
ولن تكون في حاجة إلى الخيل، بل سوف تنطلق بخفة
تحملك ربات الشعر ذوات التاج البنفسجي
وسيولع بذكرك كل من يولع بالغناء،
أجل، لقد جعلت لك جناحين، ولم أنل منك
في نظير هذا إلا السخرية التي تتلظى كالنار بين أضلعي.
وهو ينذر سيرنس بأن مظالم الأشراف قد توقد نيران الثورة فيقول:
إن الليالي حبالى، وستلد عما قريب
من ينتقمون لهذا الفساد الطويل الأمد.
إن العامة ليظهرون حتى الآن بمظهر الاعتدال،
ولكن سادتهم فاسدون عمى العيون.
وحكم النفوس النبيلة، الباسلة العالية،
لم تعرض السلام والانسجام للخطر في يوم من الأيام.
أما التشامخ والغطرسة والادعاء الكاذب
واغتصاب العدالة والحق والقانون،
والعبث بها بالحيلة والطمع والكبرياء،
أما هذا كله فهو الطريق الذي سيؤدي بنا إلى الخراب.
وحذار أن تحلم ياسيرنس
(وإن بدت لك الدولة هادئة غير مضطربة)
أن ستكون الدولة في مستقبلها متمتعة بالسلام والأمن؛
بل سيعقب هذا الهدوء الظاهر،
стр. 1746
عاجلاً كان ذاك أو آجلاً، الدم المراق والنزاع (١).
وشبت نار الثورة فعلاً؛ وكان ثيوجنيز من بين من نفتهم الدمقراطية المنتصرة من البلاد، وصودرت أملاكه. فترك زوجته وأطفاله في رعاية بعض أصدقائه، وأخذ ينتقل من دولة إلى دولة - من عوبية، إلى طيبة، إلى إسبارطة، إلى صقلية؛ وكان يجد فيها بادئ الأمر الطعام والحفاوة جزاء له على شعره، ثم حل به بعدئذ ما لم يتعوده من ضنك شديد. وأنطقه غيظه بتلك الأسئلة يوجهها إلى زيوس، وما أشبهها بالأسئلة التي يوجهها أيوب إلى يهوه:
طوبى لك يا جوف يا ذا الحول والطول! إني أنظر إلى العالم وأنا مندهش غاية الدهشة، متحير من أساليبك فيه .. يا عجباً كيف ينطبق فعلك فيه على إدراكك للحق والباطل إذا كنت توزع نعمك على الصالح والطالح على حدٍ سواء؟ وإذن فكيف يعرف الناس كنه شرائعك أو يدركون معناها؟ (١٠١).
ويصب جام غضبه على زعماء الدمقراطية، ويرجو زيوس الإله الذي تخفى على الناس طرائقه أن ينعم عليه بشرب دمائهم (١٠٢). وهو يشبه مجارا بسفينة استبدل بقائدها ملاحون عاجزون لا يعرفون قيمة النظام في العمل (١٠٣). وتلك على ما نعلم هي أول مرة يستخدم فيها هذا التشبيه. ويقول إن بعض الناس أقدر من غيرهم بفطرتهم، وإن الأرستقراطية في صورة نظام لا بد منه؛ وهكذا نرى أن الناس في ذلك العهد القديم قد تبينوا أن الأغلبية لا تحكم قط. وهو يستخدم لفظ الأخيار hoi agathoi بمعنى الأشراف، ولفظ الأشرار أو الأراذل أو المنحطين hoi kokoi بمعنى السوقة. ويقول إن هذه الفروق المتأصلة لا يمكن
стр. 1747
استئصالها؛ "وإن الرجل الشرير لا يمكن أن يصبح صالحاً مهما علّمته" (١٠٥) - وقد يكون كل الذي يعنيه بقوله هذا أنه ما من تعليم يستطيع أن يجعل السوقي أرستقراطياً؛ وهو ككل المحافظين الخلَّص يحرص أشد الحرص على نقاء النسل، ويقول "إن ما في العالم من شرور ليس ناشئاً من شره الأخيار بل من سوء اختيارهم لأزواجهم ومن ضعف خصبهم" (١٠٦).
وهو يدبر مع سيرنس ثورة جديدة مقاومة للثورة السابقة؛ ومن رأيه أن الإنسان، وإن أقسم يمين الولاء للحكومة الجديدة، يجوز له أن يغتال الحاكم المستبد الظالم؛ ويتعهد بأن يعمل مع رفاقه حتى ينتقموا لأنفسهم من أعدائهم أشد انتقام. لكنه بعد أن قضى في النفي والعزلة كثيراً من السنين يرشو موظفاً من الموظفين ليمكنه من العودة إلى مجارا (١٠٧). ثم يشمئز نفسه من نفاقه هذا وينشد أبياتاً من الشعر يعبر فيها عن يأسه، وهي أبيات يكررها مئات من اليونان.
ليس في العالم نعمة
أحسن من ألا يولد الإنسان أو لا يرى الشمس!
ويليها أن يدركه الموت عاجلاً
ويدفن تحت أطباق الثرى.
وتراه في آخر حياته في مجارا رجلاً طاعناً في السن مهشماً، وقد أخذ على نفسه ألا يكتب شيئاً في السياسة ليضمن بذلك سلامته. ويجد سلواه في الخمر وفي زوجة صالحة (١٠٩)، ويحاول جهده أن يتعلم أخيراً أن كل شيء طبيعي يمكن أن يغتفر.
تعلم، يا سيرنس، تعلم أن تكون هادئ العقل؛
ووفق بين مزاجك وبين الجنس البشري والطبيعة البشرية،
стр. 1748
وخذ تلك الطبيعة كما تجدها،
فهي مزيج من العناصر فيه الطيب وفيه الخبيث -
هكذا خلقنا كلنا، وليس في الإمكان أبدع مما كان.
فخير الناس لا يخلون من النقص، ومن بقي منهم
حين يراد الانتفاع بهم لا يقلون عن خيارهم.
ولو أن الأمر كان على عكس هذا
لما أمكن أن تسير شئون العالم!.
стр. 1749
الفصل السابع
إيجينا وإبدورس
لقد رفعت الزلازل أو خلفت وراءها في عرض الخليج الممتد من مجارا إلى كورنثة جزيرة من أقدم الجزائر المنافسة لهاتين البلدتين في الصناعة والتجارة، وهي جزيرة إيجينا حيث نشأت في أيام ميسين مدينة عامرة كشفت في مقابرها كميات كبيرة من الذهب (١١١). وقد وجد القائمون الدوريون أرض الجزيرة جدباء مستعصية على الزراعة ولكنها جد صالحة للتجارة. ولما غزا الفرس بلاد اليونان لم تكن في الجزيرة إلا أرستقراطية من التجار الحريصين على أن يبيعوا المزهريات الرائعة والآنية البرونزية التي يصنعونها في حوانيتهم، ليشتروا بها العبيد الذين كانوا يستوردون منهم عدداً كبيراً ليعملوا في المصانع، أو ليبيعوها للمدن اليونانية. وقد قدر أرسطو حوالي عام ٣٥٠ ق. م سكان إيجينا بنصف مليون منهم ٠٠٠ ر ٤٧٠ من العبيد (١١٢). وفي هذه المدينة سكت أول عملة يونانية، وبقيت الموازين والمكاييل الإيجينية هي الموازين والمكاييل الرسمية في بلاد اليونان إلى أيام الفتح الروماني.
ولقد عرف أن هذه البيئة التجارية يمكن أن تتحول من الاهتمام بالثراء إلى الاهتمام بالفن حين كشف أحد الرحالة في عام ١٩١١ في كومة من المخلفات التماثيل الجميلة القوية التي كانت تزدان بها في وقت من الأوقات قوصرة هيكل أفئيا Aphaea. أما الهيكل نفسه فقد بقي منه اثنان وعشرون من الأعمدة الدورية تحمل فوقها عوارضها. وأكبر الظن أن أهل إيجينا قد
стр. 1750
شادوا هذا المعبد قبيل الحرب الفارسية، وذلك لأن في التماثيل شواهد كثيرة من الطراز نصف الشرقي العتيق وإن كانت هندسة البناء من الطراز اليوناني. غير أننا لا نستطيع أن نجزم بهذا، فربما كان الهيكل قد شيد بعد سلاميس لأن التماثيل التي تصور الإيجينيين يهزمون الطرواديين قد تكون مجرد رمز للنزاع الدائم بين بلاد اليونان والشرق، وإلى النصر الذي أحرزه الأسطول اليوناني من عهد قريب على مرأى من إيجينا في سلاميس، وقد أمدت الجزيرة الصغيرة ذلك الأسطول بثلاثين سفينة منح اليونان إحداها بعد النصر الجائزة الأولى من جوائز الشجاعة.
ويستطيع السائح بعد رحلة بحرية ممتعة أن ينتقل من إيجينا إلى إبدورس، وهي الآن قرية لا يزيد سكانها على خمسمائة نسمة، ولكنها كانت في وقت من الأوقات من أشهر المدن في بلاد اليونان؛ فقد كان فيها، أو على الأصح على بعد عشرة أميال منها، في أخدود ضيق بين أعلى الجبال وبين شبه جزيرة أرجوس، الموطن الرئيسي لأسكلبيوس Asclepius إله الشفاء وبطله. وقد خاطبه أبلو نفسه على لسان الوحي في دلفي بقوله: "أي إسكلبيوس يا من ولدت لتكون مصدر السرور للخلق أجمعين، يا وليد الحب يا من أنجبتك لي كورونيس الجميلة عند إبدورس الصخرية" (١١٣). ولقد بلغ من شفاهم إسكلبيوس من الكثرة حداً جعل بلوتو إله الحجيم يشكو إلى زيوس - وخاصة بعد أن أحيا رجلاً من الموت - أنه لا يكاد أحد يموت. وتحير زيوس في أمره، ولم يدر ما يفعل بالجنس البشري إذا لم يكن مآلهم الموت، فأرسل على إسكلبيوس صاعقة أهلكته (١١٤). لكن الناس اتخذوه إلهاً منقذاً وعبدوه في تساليا أولا ثم في بلاد اليونان بعدئذ، وشادوا له في إبدورس أعظم تماثيله، وهناك أنشأ الكهنة الأطباء، الذي سُمّوا على اسمه بالأسكلبياويين، مصحة اشتهرت في بلاد اليونان جميعاً بنجاحها في علاج الأمراض. وأصبحت إبدورس فيما بعد لورديس Lourdes اليونان، يحج
стр. 1751
إليها الناس من جميع بلاد البحر الأبيض المتوسط، ينشدون فيها نعمة الصحة التي يعدها اليونان أعظم النعم جميعاً. وكانوا ينامون في الهيكل، ويتبعون بدقة النظام الذي يفرض عليهم، ويسجلون شفاءهم الذي يعتقدون أنه من المعجزات الإلهية على ألواح من الحجر لا تزال باقية في أماكن متفرقة بين خربات الأيكة المقدسة. ومن الأجور والهدايا التي كانت تجمع من هؤلاء المرضى شادت إبدورس دار تمثيلها وملعبها، ولا تزال مقاعدها ومراميها باقية إلى اليوم بالقرب من التلال المجاورة لها؛ وقبابها المرفوعة على العمد والتي تعد بقاياها المحفوظة في متحف المدينة الصغير، من أروع قطع الرخام المنقوش في بلاد اليونان. ويذهب اليوم أمثال هؤلاء المرضى إلى تنوس Tenos في السكلديس حيث يعالجهم قساوسة الكنيسة اليونانية (١١٥) كما كان قساوسة أسكلبيوس يعالجون أسلافهم منذ ألفي عام وخمسمائة. أما القُلَّة القائمة التي كان أهل إبدورس يقربون عليها القرابين إلى زيوس وهيرا فقد أضحت الآن جبل سانت إلياس St. Elias المقدس. إن الآلهة تموت ولكن التقى والصلاح مخلدان.
وليس أعظم ما يحرص العلماء على مشاهدته في إبدورس هو خرائب أسكلبيوم التي سوبت بالأرض. فالمكان كثير الأشجار وليس في وسع السائح أن يرى الملهى الكامل الذي جاء لمشاهدته حتى يصل إلى منعطف في الطريق يبسطه أمامه عند سفح الجبل على هيئة مروحة ضخمة من الحجارة. ولقد شاده بوليكليتوس الأصغر في القرن الرابع قبل الميلاد، ولكنه لا يزال باقياً إلى اليوم، ويكاد يكون كاملاً لم ينقص منه شيء. وإذا وقف السائح في وسط المرقص (الأركسترا Orchestra) وهو مكان رحب مستدير مرصوف بالحجارة، وأبصر أمامه أربعة آلاف مقعد في صفوف متراصة يعلو بعضها وراء بعض، وقد نظمت تنظيماً رائعاً بحيث يكون كل مقعد منها مواجهاً له، وإذا ما تتبع بنظراته الممرات المتشعبة التي ترتفع ارتفاعاً
стр. 1752
سريعاً في خطوط مستقيمة من المسرح إلى سفح الجبل من ورائه، وتحدث بصوت خافت إلى أصدقائه الجالسين على أبعد المقاعد وأعلاها على مسافة مائتي قدم منه، وأيقن أن كل كلمة نطق بها قد سمعها هؤلاء الأصدقاء وفهموها، إذا ما فعل هذا تمثلت له إبدورس في أيام عزها ورخائها، وصور له خياله الجموع الهائلة مقبلة حرة مرحة من كل مدينة ومزار لتستمع إلى يوربديز، وسرى في نفسه إحساس، أقوى من أن يعبر عنه بلسانه، بحياة الهواء الطلق البهجة التي كان يستمتع بها اليونان الأقدمون.
стр. 1753
الباب الخامس
أثينة
الفصل الأوّل
بؤوتية هزيود
يتفرع الطريق في شرق مجارا- فيتجه جنوباً إلى أثينة وشمالاً إلى طيبة. والطريق الشمالي جبلي وعر يؤدي بالمسافر إلى مرتفعات جبل سيثرون Cithacron، وإذا نظر المسافر نحو الغرب رأى من بعيد جبل برنسس Parnassus ومن وراء هذا الجبل تقوم مرتفعات أقل منه، ومن بعدها ينبسط سهل بؤوتية الخصيب. وعند سفح التل تقوم بلاتية حيث أفنى مائة ألف من اليونان ثلاثمائة ألف من الفرس. وإلى غربها قليلاً نجد لوكترا Leuctra حيث كسب أباميننداس أول نصر عظيم له على الإسبارطيين. وإلى غرب لوكترا بقليل يرتفع جبل هليكون Mt. Helicon موطن ربات الشعر "وهبكرين الحيية" التي تغنى بها كيتس Keats، وهي الينبوع الذائع الصيت، ينبوع الجواد الذي تؤكد لنا الأساطير أنه نبع منه الماء حين ضرب بجسوس Pagasus الجواد المجنح الأرض بقدمهِ وهو يصعد إلى السماء. وإلى شمال هذا النبع مباشرة تقوم مدينة ثسبيا التي لا ينقطع النزاع بينها وبين طيبة وبالقرب منها يوجد النبع الذي أبصر فيه نارسس خياله- أو خيال أخته الميتة التي كان يحبها على ما جاء في قصة أخرى.
وفي بلدة أسكرا Ascra الصغيرة بالقرب من ثسبيا كان يعيش ويكدح الشاعر هزيود الذي لا يعلو عنه في حب اليونان الأقدمين إلا هومر وحده.
стр. 1754
وتقول الرواية المتواترة إن هذا الشاعر ولد في عام ٨٤٦ وتوفي في عام ٧٧٧، ولكن بعض العلماء المحدثين يؤرخون تاريخه إلى حوالي ٦٥٠، وأكبر ظننا أنه عاش قبل التاريخ الأخير بمائة عام. وكان مولده في سيمي Cyme من أعمال إيوليا في آسية الصغرى، ولكن والده حاقت بهِ الفاقة فيها فهاجر إلى أسكرا التي يصفها هزيود بأنها "بائسة في الشتاء، لا تطاق في الصيف، وليس فيها خير في وقت من الأوقات"- كمعظم الأماكن التي يعيش فيها الناس. وبينما كان هزيود الغلام الراعي والعامل في المزرعة يسير وراء قطعانه على سفوح جبال هليكون صاعداً تارة ونازلاً تارة أخرى خيل إليه أن ربات الشعر قد نفثت في جسمهِ روح الشعر فأخذ يكتبه ويغنيه ويكسب الجوائز في المباريات الموسيقية، ويقول البعض إنه فاز على هومر نفسه.
وإذ كان ككل شاب يوناني مولعاً بعجائب الأساطير، فقد كتب (١) أنساباً للآلهة عندنا منها ألف بيت غث تسرد أسر الأرباب وملوكهم، وهي أنساب لا غنى عنها في الدين كما أن أنساب الملوك لا غنى عنها في التاريخ. وقد تغنى في بادئ الأمر بربات الشعر نفسها لأنها كانت جاراته على تل هليكون إذا جاز القول بأن الآلهة يجاورون الآدميين، وقد صور له خيال الشباب أنه يكاد يراها "ترقص بأقدامها الدقيقة" على سفح الجبل، و "وتغسل جلدها الرقيق" في الهبكرين. ثم وصف بعدئذ مولد العالم- لا خلقه- فأخذ يقص علينا كيف ولد إله من إله حتى ضاق أولمبس بالآلهة. ويقول إنه في بادئ الأمر عماء ثم "كانت بعدئذ الأرض العريضة الصدر المقر الثابت الأمين لجميع الآلهة المخلدين"؛ وكان الآلهة في الدين اليوناني يعيشون إما على ظهر الأرض أو في باطنها، وهم على الدوام قريبون من الناس،
стр. 1755
ثم جاء بعدئذ طرطروس Tartarus إله العالم السفلي ثم جاء بعده إروس Eros أو الحب " أجمل الآلهة " كلهم. وولد للعماء Chaos الظلمة والليل وولِد لهذين الأثير Ether والنهار وولدت الأرض الجبال والسماء وولد من اقتران السماء والأرض الأقيانوس Oceanus أي البحر. والمؤلفون الإنجليز يبدءون هذهِ الأسماء بالحروف الكبيرة Capitals ولكن هذهِ الحروف لم يكن لها وجود في اللغة اليونانية أيام هزيود، ومبلغ علمنا أنه لم يكن يقصد بهذا كله أكثر من أن العالم في بادئ الأمر كان عماء، ثم نشأت الأرض وما في باطنها، والليل والنهار والبحار؛ وأن الشهوة هي التي أوجدت كل شيء ولعل هزيود كان فيلسوفاً ألهِم الشعر فأخذ يجسد المعاني المجردة وينشئ منها شعراً؛ وقد لجأ إمبدقليز إلى تلك الأساليب نفسها بعد مائة عام أو مائتين في صقلية. وليس بين هذا القصص الديني وبين فلسفة الأيونيين الطبيعية إلا خطوة واحدة.
ويكثر في أساطير هزيود الهولات والدماء وهو لا يتحرج من أن يعزو إلى الآلهة أفحش الصلات الجنسية. وقد نشأ من تزاوج السماء) أورانوس (والأرض) جي أوجيا (جنس من الجبابرة (Titans) لبعضهم خمسون رأساً ومائة يد. ولم يكن أورانوس يحبهم فقذف بهم إلى طرطروس المظلمة. ولكن الأرض ساءها هذا فعرضت عليهم أن يقتلوا أباهم. وقام كرونس أحد الجبابرة بهذهِ المهنة. فابتهجت "جي الضخمة بهذا العمل وأخفته في كمين؛ ووضعت في يدهِ منجلاً، مثلم الأسنان، وأوحت إليه بالخطة التي يسير عليها. ثم جاء السماء الواسع وأحضر معه الليل (Erebus) ، وكان السماء محباً وإلهاً فاحتضن الأرض وامتد حولها في جميع الجهات". فلما رأى كرونس ذلك بتر قضيب أبيه وألقى باللحم المقطوع في اليم، ونشأت من نقط الماء التي سقطت على الأرض آلهة الانتقام (Furias) ؛ ومن الزبد الذي