← История

История · id 35104

قصة الحضارة

ول ديورانت

Полный текст (15 136 стр.). Показаны 1786–1825 · переход к 1791.

стр. 1786

عظيم ومكانة سامية إلى صولون- لا إلى من جاء بعده من الأثينيين. ولم يحجم صولون عن التشريع في ذلك الميدان الخطر. ميدان الأخلاق والآداب العامة. فقد كان يعد الإصرار على البطالة جريمة، ولم يكن يسمح للرجل الذي يعيش عيشة الدعارة والفجور أن يتقدم إلى الجمعية بطلب، وجعل البغاء قانونياً وفرض على البغاة ضريبة، وأنشأ مواخير عامة، مرخصة من قبل الدولة وخاضعة لرقابتها. وشاد هيكلاً لأفرديتي بندموس من إيراد هذه المواخير. وقد تغنى بمدحه رجل من معاصريه يدين بما يدين به لكي Lecky المؤرخ الأيرلندي المعروف فقال: "مرحباً بك يا صولون! لقد ابتعت المومسات لخير المدنية، ولوقاية أخلاق المدينة الغاصة بالشبان الأشداء، ولولا تشريعكَ الحكيم، لضايق هؤلاء الشبان فضليات النساء ونشروا في المدينة الفساد والاضطراب". وفرض غرامة قدرها مائة درخمة على من يعتدي على عرض امرأة حرة، وهي عقوبة أقل كثيراً مما في قوانين داركون، ولكنه أباح لمن يمسك برجل زانٍ متلبس بجريمته أن يقتله لساعتهِ. وحدد بائنات العرائس ومهورهن لرغبته في أن يكون الباعث على الزواج هو الحب المتبادل بين الزوجين والرغبة في النسل وتربية الأولاد، ونهى النساء عن أن يكون لهن من الملابس أكثر من ثلاث حلل، وكان في ثقته بقدرته على تنفيذ قانونه شبيهاً بالأطفال في ثقتهم بقدرتهم على تنفيذ أوامرهم ونواهيهم. ولقد طُلب إليه أن يسن قانوناً يضيق بهِ على العزاب، ولكنه لم يجب هذا الطلب وقال في تبرير عدم إجابته إن "الزوجة عبء ثقيل الحمل". وقد جعل اغتياب الموتى جريمة، وكذلك كان اغتياب الأحياء في الهياكل والمحاكم، ومكاتب الموظفين العموميين، وفي ساحات الألعاب؛ ولكنه حتى هو نفسه لم يستطع أن يمسك ألسنة الناس في أثينة حيث كانت الغيبة والنميمة تبدوان كما تبدوان عندنا الآن من مستلزمات الدمقراطية

стр. 1787

وقد قرر أن الذين يبقون على الحياد في أوقات الفتن يفقدون حقهم بوصف كونهم مواطنين، وذلك لأنه كان يرى أن عدم اهتمام الجمهور بالشؤون العامة يؤدي إلى خراب الدولة. وحرم الاحتفالات الفخمة، والقرابين الكثيرة النفقة، والندب الطويل في الجنائز؛ وحدد مقدار ما يدفن مع الأموات من متاع، وسن ذلك القانون العادل الذي ظل مصدراً لبسالة الأثينيين أجيالاً طويلة وهو القانون الذي فرض على الحكومة تربية أبناء مَن يُقتلون في الحرب وتعليمهم على نفقتها. وأضاف صولون إلى كل شريعة من شرائعه عقوبات كانت أخف من عقوبات دراكون ولكنها مع ذلك صارمة، وجعل من حق كل مواطن أن يقاضي أي شخص يرى أنه ارتكب جريمة ما. وأراد أن يعرف الناس قوانينهم حق المعرفة وأن يطيعوها ويلتزموا العمل بها فكتبها في ساحة الأركون الديني) أركون باسليوس (على ملفات أو منشورات خشبية تدار وتُقرأ. ولم يدَّعِ كما ادعى ليقورغ ومينوس، وحمورابي، ونحوما، أن إلهاً ما قد أنزل عليه هذه الشرائع؛ وهذا العمل في حد ذاته مما يكشف عن مزاج ذلك العصر ومزاج المدينة ومزاج صولون نفسه. ولما طُلبَ إليه أن يجعل نفسه حاكماً بأمره مدى الحياة أبى وقال إن الدكتاتورية "مُقام جميل حقاً ولكن ليس ثمةَ طريق للنزول منه". وكان المتطرفون ينتقدونه لأنه لم يسوِ بين الناس في الملك وفي السلطان، والمحافظون ينددون بهِ لأنه منح العامة الحقوق السياسية وأجلسهم فوق منصة القضاء؛ بل إن صديقه أنكرسيس Anachrsis، الحكيم السكوذي صاحب الأطوار الشاذة، قد سخر من دستوره الجديد وقال في ذلك إن الحكماء قد أصبحوا يترافعون، والحمقى يحكمون، وأضاف إلى ذلك قوله إنه لا يمكن أن تقوم بين الناس عدالة دائمة لأن في وسع الأقوياء والمهرة أن يحوروا أي قانون يسن لكي يتفق مع مصلحتهم الخاصة؛ ولأن القانون أشبه ببيت العنكبوت يقتنص الذباب الصغير ويفلت منه البق الكبير. وكان صولون

стр. 1788

يتقبل كل هذا النقد بقبول حسن، ويعترف بما في شرائعه من نقص ولما سئل هل سن للأثينيين أحسن الشرائع أجاب "لا، بل" سننت لهم "خير ما يستطيعون أن يُعطَوه"- أي خير ما يمكن إقناع الجماعات والمصالح المتضاربة في أثينة بأن تقبله كلها في ذلك الوقت بالذات. وقد اتبع الطريق الأوسط وأبقى بذلك على الدولة؛ وكان تلميذاً ناجحاً من تلاميذ أرسطاطاليس قبل أن يولد هذا الفيلسوف الاستجيري Stagirite وتعزو إليه الرواية الشعار الذي نقش على هيكل أبلو في دلفي وهو Medenagen أي لا إفراط في شيء، وقد أجمع اليونان على وضعه بين السبعة الحكماء. وخير شاهد على حكمته هو ما كان لتشريعه من أثر خالد، فقد استطاع شيشرون، على الرغم مما حدث في أثينة من آلاف التغيرات والتطورات، وبالرغم مما قام فيها من دكتاتوريات وانقلابات سطحية، استطاع على الرغم من هذا أن يقول بعد خمسة قرون من عهد صولون إن شرائعه كانت لا تزال نافذة في أثينة. ولقد كان عمله من الوجهة القضائية الحد الفاصل بين حكم المراسيم المتغيرة التي لا عداد لها وبين بداية حكم الشرائع المدونة الدائمة. ولما سأله سائل متى تكون الدولة حسنة النظام ثابتة البنيان أجاب بقوله: "حين يطيع المحكومون الحكام، ويطيع الحكام القوانين". وبفضل قوانينه تحرر زراع أتكا من الاسترقاق الإقطاعي، وقامت فيها طبقة من الزراع الملاك، كان إمتلاكهم الأرض هو الذي جعل الجيوش الأثينية الصغيرة قادرة على الإحتفاظ بحرية المدينة أجيالاً طويلة، ولما اقترح في نهاية حرب البلوبونيز قصر الحقوق السياسية على الملاك الأحرار لم يوجد من الأحرار الراشدين في أتكا كلها مَن لا ينطبق على هذا الشرط إلا خمسة آلاف لا أكثر. هذا إلى أن التجارة والصناعة فد تحررتا في الوقت نفسه من القيودالسياسية كانت مفروضة عليهما، ومن العوائق المالية، وبذلك بدأ فيهما ذلك التطور القوي النشيط

стр. 1789

الذي أصبحت أثينة بفضله الزعيمة التجارية في بلاد البحر المتوسط. وكانت أرستقراطية الثراء الجديدة ترفع من شأن الذكاء لا من شأن المولد، وتشجع العلم والتعليم، وتمهيد السبيل مادياً وعقلياً للأعمال الثقافية العظيمة التي تمت في العصر الذهبي. ولم بلغ صولون في عام ٥٧٢ سن السادسة والستين آثر الحياة الخاصة، فاعتزل منصبه بعد أن ظل أركوناً خمسة وعشرين عاماً، وبعد أن أخذ العهد على أثينة، بأيمان أقسمها موظفوها، أن تطيع قوانينه بلا تغيير فيها ولا تبديل مدة عشر سنين؛ وسافر بعدئذ ليطلع على حضارة مصر والشرق، ويلوح أن ذلك الوقت هو الذي قال فيه قالته الذائعة الصيت- "إني لتكبر سني وما فتئت أتعلم". ويقول أفلوطرخس إنه درس التاريخ في عين شمس) هليوبوليس (على الكهنة، ويقال إنه سمع منهم عن أطلنطيس القارة الغارقة، التي قص قصتها في ملحمة لم يتمها، افتتن بها أفلاطون الواسع الخيال بعد مائتي عام من عصره. وسافر من مصر إلى قبرص ووضع القوانين لتلك المدينة التي غيرت اسمها من قبرص إلى Soli تكريماً له (١). ويصف هيرودوت أفلوطرخس حديثه مع كروسس ملك ليديا في سرديس- وما أقوى ذاكرتهما التي أمكنتهما من أن يقصا هذا الحديث- فيرويا كيف خرج هذا الرجل صاحب الثروة المنقطعة النظير مزداناً بكل ما عنده، وسأل صولون ألا يرى أنه، كروسس، رجل سعيد، وكيف أجابه صولون بصفاقته اليونانية قائلاً: "إن الآلهة أيها الملك قد وهبت اليونان كل ما وهبتهم من النعم بقسط معتدل؛ وكذلك حكمتنا فهي حكمة معتدلة، لا حكمة نبيلة ملكية؛ وإذا ما قلبنا النظر في البلايا الكثيرة التي تكتنف الناس في جميع الظروف فإن هذا الاعتدال

стр. 1790

ينأى بنا عن أن نصطنع الصغار فيما نتمتع بهِ في وقتنا الحاضر، أو أن نعجب بما يتقلب فيه أي إنسان من سعادة، قد نتبدل إلى نقيضها على مرالأيام. ذلك أن المستقبل المجهول قد يأتي بما لا يحصى من مختلف الحظوظ؛ ونحن لا نسمي إنساناً سعيداً إلا إذا وهبته الآلهة السعادة إلى آخر أيامه. وإن في وصف الرجل الذي لا يزال في منتصف حياته وأخطارها بأنه سعيد من الخطأ والمخاطرة مثل ما في تتويج المصارع بتاج النصر وإعلان فوزه وهو لا يزال في حلبة الصراع. وهذا العرض الشائق لما يطلق عليه كتاب المسرحيات اليونان اسم هبريس Hybris- أي الرخاء الوقح- لينم عن حكمة أفلوطرخس الشاملة. وكل ما نستطيع أن نقوله فيها إنها قد صيغت في ألفاظ أجمل من الألفاظ التي صاغها فيها هيرودوت، وإن كلا النصين في أغلب الظن من نسج الخيال. وما من شك في أن الطريقة التي مات بها صولون وكروسس تبرر ما في هذه العظة من تشكك. فقد خلع قورش كروسس في عام ٥٤٦، وعرف الرجل) إذا صح لنا أن نعيد صياغة عظة هيرودوت في ألفاظ دانتي (وهو في بؤسه مرارة تذكر أيام مجده السعيدة وما كان في تحذير الحكيم اليوناني من صرامة. أما صولون فإنه بعد أن عاد إلى أثينة ليلقى فيها الموت شهد في آخر أيامه القضاء على دستوره وإقامة حكم دكتاتوري على أنقاضه، وإخفاق كل ما بذله من جهود وإن كان إخفاقاً في ظاهر الأمر فحسب. ٤ - دكتاتورية بيسستراتس لما غادر صولون أثينة- عادت الجماعات المتنازعة التي سيطر عليها مدى جيل كامل إلى ما كانت عليه من دسائس ومشاحنات سياسية متأصلة في طبيعتها. وكان فيها، كما كان في أيام الانفعالات الشديدة في الثورة الفرنسية، ثلاثة أحزاب تسعى جاهدة ليكون منها صاحب السلطان الأقوى: "الشاطئ" ويتزعمه تجار الثغور الذين يميلون إلى صولون؛ و "السهل"

стр. 1791

ويتزعمه ملاك الأراضي الذين يكرهون صولون؛ و "الجبل" ويتألف من خليط من الفلاحين وعمال المدن، وكانوا لا يزالون يطالبون بإعادة توزيع الأراضي. ورضي بيسستراتس، كما رضي بركليز بعد مائة عام من ذلك الوقت، أن يتزعم حزب العامة، وإن كان هو من الأشراف مولداً، وثروة، وأخلاقاً، وميولاً. وكشف في إحدى جلسات الجمعية عن جرح قال إنه أصابه به أعداء الشعب، وطلب أن يعين له حرس خاص؛ واحتج صولون على هذا الطلب، لأنه كان يعرف ما عليهِ قريبه من دهاء، وظن أن الجرح قد أحدثه هو في جسمه، وأن الحرس الخاص سيمهد السبيل إلى الدكتاتورية، وقال محذراً الأثينيين: "يا رجال أثينة! إني أكثر من بعضكم حكمة، وأكثر من البعض الأخر شجاعة: أكثر حكمة ممن لا يدركون غدر بيسستراتس، وأكثر شجاعة ممن يدركونها ولكنهم لخوفهم يسكتون عنها". ولكن الجمعية رغم هذا التحذير وافقت على أن يكون له حرس مؤلف من خمسين رجلاً، غير أن بيسستراتس لم يكتف بخمسين- بل جمع أربعمائة، واستولى على الأكروبول، وأعلن نفسه حلكماً بأمره. ونشر صولون على الأثينيين رأيه فيهم فقال إن "كل واحد منكم يمشي وهو منفرد بخطى الثعلب فإذا اجتمعتم كنتم إوزاً"، ثم وضع أسلحته ودرعه في باب بيته إشارة إلى أنه لم يعد يهتم بالسياسة، وخص أيامه الباقية بقرض الشعر. واتحدت قوات أصحاب المال من حزبي الشاطئ والسهل زمناً ما، وطردت الطاغية من البلاد، ولكن بيسستراتس اصطلح مع حزب الشاطئ سراً، وعاد إلى أثينة في ظروف يلوح أنها تؤيد رأي صولون في عقلية الجماعة. وأكبر الظن أن حزب الشاطئ قد غض الطرف عن هذه العودة. وأقبلت امرأة طويلة حسناء مدرعة بدرع أثينا إلهة المدينة وعليها ثيابها، تجلس في مركبة جلسة العظماء والكبرياء، وتقود جيش بيسستراتس إلى المدينة، بينما كان المبشرون ينادون أن ربة المدينة وحاميتها أخذت تعيد

стр. 1792

إليه بنفسها سلطته. ويقول هيرودوت في هذا: "ولم يكن لدى أهل المدينة أقل شك في أن هذه المرأة هي الإلهة نفسها، فخروا سجداً أمامها، ورضوا بعودة بيسستراتس". وانقلب زعماء الشاطئ عليه مرة أخرى، وأخرجوه من المدينة مرة ثانية (٥٤٩)، ولكنه عاد إليها من جديد في عام ٥٤٦، وهزم الجنود الذين سُيروا لقتاله وبقي في هذه المرة حاكماً بأمره تسعة عشر عاماً، كادت سياسته وخططه الحكيمة في خلالها أن تكفر عن الأساليب الروائية غير الشريفة التي استولى بها على أزمة الحكم. وكانت أخلاق بيسستراتس مزيجاً نادراً من الثقافة، وقوة العقل، ومن الكفاية الإدارية، والجاذبية الشخصية. وكان في وسعه أن يقاتل دون أن تأخذه بأعدائه رحمة، وأن يعفو عنهم دون ما تردد؛ وكان في مقدوره أن يعيش في أكثر التيارات الفكرية تقدماً في أيامه، وأن يحكم دون أن يتأثر بما يتأثر به الرجل المفكر من تردد في الهدف وإحجام عن البت في الأمور. وكان دمث الأخلاق، رحيماً في أحكامه، كريماً في معاملته جميع الناس. ويقول فيه أرسطاطاليس: "وكان حكمه معتدلاً وسار فيه سيرة السياسي لا سيرة الرجل الظالم الشديد". ولم ينتقم إلا من عدد قليل من أعدائهِ الجدد؛ ولكنه نفى من البلاد من لم يستطيع استرضاءهم من معارضيه، وقسم ضياعهم على الفقراء. وأصلح الجيش، وأنشأ الأسطول، ليصد بهما الأعتداء من خارج البلاد؛ وجعل أثينة بمنجاة من الحرب، ونشر في المدينة التي لم تخرج من غمار المنازعات الطائفية إلا من عهد قريب لواء الأمن والنظام والرضى والطمأنينة، حتى أصبح من الأقوال التي تألف الأذن سماعها أنه أعاد إليها عصر كرونوس الذهبي. وأدهش الناس كلهم باحتفاظه بدستور صولون وعدم إدخاله شيئاً على تفاصيله إلا القليل الذي لا يستحق الذكر. ذلك أنه كان يعرف، كما عرف أغسطس من بعده، كيف يزين الدكتاتورية ويؤيدها بالمنح والأشكال

стр. 1793

الدمقراطية. لقد ظل الأركونون يُختارون كما كانوا يُختارون من قبل، وظلت الجمعية، والمحاكم الشعبية، ومجلس الأربعمائة، ومجلس شيوخ الأريوبجوس يجتمع وتقوم بواجباتها كما كانت تفعل قبل أيامه، وكل ما جد أن اقتراحات بيسستراس كانت تلقى فيها كلها أذناً واعية. ولما أن اتهمه أحد المواطنين بالقتل مَثل أمام مجلس الشيوخ وعرض عليه أن يتقدم للمحاكمة، فما كان من الشاكي إلا أن قرر أنه لا يستمسك بالتهمة. ورضي الناس بحكمهِ على مر السنين، وكان أكثرهم رضاً أقلهم ثراءً، وما لبثوا أن تفاخروا بهِ، وفي آخر الأمر أحبوه وأولعوا بهِ، وأكبر الظن أن أثينة كانت بعد صولون في حاجة إلى رجل مثل بيسستراتس أوتي من الشدة ما يستطيع بهِ أن يستبدل بما كان في الحياة الأثينية من اضطراب نظاماً واستقراراً، وأن يعود الناس بالإكراه في بادئ الأمر عادات النظام وطاعة القانون، وهما للمجتمع البشري كالهيكل العظمي للحيوان يكسبانه الشكل والقوة وإن لم يكسباه الحياة المبدعة الخلاقة. ولما زالت الدكتاتورية بعد جيل من ذلك الوقت، بقيت عادات النظام، وبقي معها الإطار الخارجي لدستور صولون، لترثهما الدمقراطية. فكأن بيسستراتس لم يأتِ ليمحو القانون بل ليوطد أركانه، وربما كان قد فعل ذلك على غير علم منه. أما خططه الاقتصادية فقد واصل بها تحرير الشعب، وهو التحرير الذي بدأه صولون. وقد حل المشكلة الزراعية بأن وزع على الفقراء ما كانت تمتلكه الدولة من الأراضي، وما كان يمتلكه منها الأشراف الذين نفوا من البلاد، وهكذا استقر في الأرض الزراعية آلاف من الأثينيين الذين كانت بطالتهم خطراً على البلاد، وظلت أتكا بعدئذ قروناً طوالاً لا نسمع فيها عن تذمر بين الزراع. وأوجد عملاً للمحتاجين فيما شرع فيه من منشآت متسعة النطاق، فقد أنشأ سلسلة من المجاري لنقل ماء الشرب إلى المدينة، ومن الطرق المعبدة، وشاد هياكل عظيمة للآلهة، وشجع استخراج الفضة من مناجم لوريوم Laurium، وسك

стр. 1794

للبلاد عملة جديدة خاصة بها. وجاء بالمال اللازم لهذهِ الأعمال بأن فرض ضريبة قدرها عشرة في المائة على جميع المحصولات الزراعية، ويبدو أنه خفض هذهِ الضريبة فيما بعد إلى خمسة في المائة. ووضع مشروعاً لإقامة مستعمرات في النقط الحربية الهامة على الدردنيل، وعقد معاهدات تجارية مع كثير من الدول. وراجت التجارة في أيامه رواجاً عظيماً، وازدادت الثروة، ولم تكن زيادتها بين عدد قليل من الناس بل شملت الأهلين بوجه عام؛ فقد أصبح الفقراء أقل فقراً؛ ولم يعد الأغنياء أقل غنى؛ عما كانوا؛ وامتنع تركيز الثروة الذي كاد يقذف بالمدينة في أتون الحرب الأهلية؛ وانتشر الرخاء وسنحت له الفرص فوضعت بذلك الأسس الاقتصادية للدمقراطية الأثينية. وتبدلت أحوال أثينة جسماً وعقلاً في أيام بيسستراتس وولده فقد كانت إلى ما قبل أيامهما بلدة في المرتبة الثانية بين بلاد العالم اليوناني، تسبقها ميليتس وإفسوس، ومتليني، وسرقوسة، في الثروة والثقافة، والحيوية والنتاج العقلي. أما في أيامهما فقد قامت فيها أبنية من الحجر والرخام شاهدة بما كانت فيه وقتئذ من بهجة ونعيم، وزين معبد أثينة القديم القائم على الأكروبول بأن ضم إليه رواق دوري الطراز، وبُدئ العمل في هيكل زيوس الأولمبي الذي تزين أعمدته الكورنثية الفخمة، حتى وهي محطمة، الطريق الممتد بين أثينة ومرفئها. وأقام الألعاب الأثينية الجامعة، وخلع عليها الصبغة اليونانية العامة، فأولى المدينة بذلك شرفاً عظيماً، فضلاً عما بعثه فيها من النشاط رؤيتها وجوهاً أجنبية، ومباريات وأساليب غير أساليبها، وفي أيامه أصبح عيد أثينة الجامع عيداً قومياً عاماً للشعب اليوناني كله، ولا يزال موكبه العظيم يتحرك أمامنا على إفريز البارثنون. وقد أقبل على بلاطهِ، بفضل منشآته العامة وحياته الخاصة، المثالون، والمهندسون، والشعراء، وجمع في قصرهِ مكتبة من أولى المكتبات التي أنشئت في بلاد اليونان. وقد عين لجنة أعطت للإلياذة والأوديسة الصورتين اللتين

стр. 1795

نعرفهما بهما الآن. وبفضل إدارته الرشيدة وتشجيعه العظيم ارتقى تسبيس وغيره من الكتاب بالتمثيل من تقليد هزلي ساخر إلى عمل فني قابل لأن يصل إلى ذروة الكمال في العهد الثلاثي العظيم من عهود المسرح الأثيني. ولم يكن "استبداد" بيسستراتس إلا جزءاً من حركة عامة في المدن التجارية النشيطة التي كانت قائمة في بلاد اليونان في القرن السادس، والتي كانت تسعى لكي تستبدل بالحكم الإقطاعي على أيدي الملاك الأشراف السلطان السياسي للطبقة الوسطى المتحالفة مؤقتاً مع الطبقات الفقيرة (١). وكانت أهم الظروف التي مهدت لهذهِ الدكتاتوريات هي تركيز الثروة في أيدٍ قليلة تركيزاً وخيم العاقبة، وعجز الأغنياء عن الاتفاق على وسيلة للتوفيق بينهم وبين غيرهم من الطبقات. وإذ لم يكن للفقراء بد من أن يختاروا بين المال والحرية السياسية، فإنهم كالأغنياء سواء بسواء يؤثرون المال على الحرية، والحرية السياسية التي تستطيع البقاء وهي التي تشذب بحيث تمنع الأغنياء أن يستخدموا ما عندهم من مقدرة أو دهاء في تجريد الفقراء مما عندهم، وتمنع الفقراء أن ينهبوا الأغنياء بعنفهم أو بأصواتهم. ومن ثم كانت السبيل إلى السلطة في المدن التجارية اليونانية ممهدة سهلة: فما على من يريدها إلا أن يهاجم الأشراف، ويدافع عن الفقراء، ويتفاهم مع الطبقات الوسطى. فإذا وصل الطاغية إلى ما يرجوه من سلطان ألغى الديون، أو صادر الضياع الواسعة، وفرض الضرائب على الأغنياء ليمول بحصيلتها ما ينشئه من الأشغال العامة، أو أعاد توزيع الثروة المركزة في أيدٍ قليلة بوسيلة أخرى غير هذه الوسيلة. وفي الوقت الذي يضم فيه الجماهير إلى جانبه

стр. 1796

بهذه الوسائل وأشباهها، يحصل على معونة رجال الأعمال بتشجيع التجارة عن طريق العملة الرسمية وعقد المعاهدات التجارية الأجنبية، ورفع المنزلة الاجتماعية للطبقات الوسطى. وإذ كان الحاكم بأمره مضطراً إلى الاعتماد على حب الشعب له لا على حقه الموروث في السلطان، فإن الدكتاتوريات كانت في الأغلب الأعم تتجنب الحروب وتناصر الدين، وتحفظ النظام، وتحث على الأخلاق الفاضلة، وترفع منزلة النساء في المجتمع، وتشجع الفنون، وتنفق المال بسخاء في تجميل مدائنها. والطغاة يفعلون هذا كله في كثير من الأحيان وهم محتفظون بصورة الحكومة الشعبية وأساليبها في العمل، ومن ثم كان الناس حتى في عهود الاستبداد يتعلمون طرائق الحرية. وبعد أن تنتهي الدكتاتورية من تحطيم الأرستقراطية كان الشعب يحطم الدكتاتورية، ولم يكن يحتاج إلى تغييرات كثيرة ليجعل ديمقراطية الأحرار قائمة شكلاً وعملاً. ٥ - قيام الدمقراطية لما توفي بيسستراتس في عام ٥٢٧ ورث أبناؤه السلطة من بعدهِ، وكانت حكمته قد اجتازت بنجاح كل اختبار إلا اختباراً واحداً، فقد أخفق في كسب حب أبنائه له. وقد وعد هبياس أن يكون عادلاً عاقلاً في حكمهِ، وظل ثلاثة عشر عاماً يسير على نهج أبيه. وكان أخوه الأصغر مولعاً بالحب والشعر؛ ولم يكن في هذا من الضرر أكثر من تبديد المال في هاتين الهوايتين؛ وكان هو الذي استقدم أنكريون Anacreon وسمنيدس Simonides إلى أثينة. غير أن الأثينيين لم يكونوا راضين كل الرضا عن أن يروا أزمة الحكم تنتقل بغير رضاهم إلى ابني بيسستراتس، وأخذوا يدركون أن الدكتاتورية قد مكنت لهم في كل شيء إلا حافز الحرية. على أن أثينة رغم هذا كانت تتمتع بالرفاهية ورغد العيش، ولولا أن الحب اليوناني الحقيقي يسير في طريق وعر شائك لاستطال

стр. 1797

حكم هبياس الهادئ حتى يصل إلى خاتمته السلمية الطبيعية. وكان أرستوجيتون Aristogeiton وهو رجل كهل قد كسب حب الفتى هرمديوس Harmodius وهو وقتئذ "في ريعان الشباب ونضارته" كما يقول توكيديدس، ولكن هباركس، وهو أيضاً ممن لا يستحون أن يحبوا الغلمان، كان يسعى هو الآخر ليتحبب إلى هذا الشاب؛ فلما سمع أرستوجيتون بهذا اعتزم أن يقتل هباركس ويعمل في الوقت ذاته على حماية نفسه بقلب الحكومة الاستبدادية، وانضم إليه في هذه المؤامرة هرموديوس وغيره من الأثينيين واغتالوا هباركس وهو يعد العدة لموكب الألعاب الأثينية الجامعة؛ ولكن هبياس أفلت منهم ودبر قتلهم. ومما زاد الأمور تعقيداً أن ليينا Leaena عشيقة هرمديوس ماتت ميتة الشجعان أثناء تعذيبهم إياها، لأنها أبت أن تغدر بالباقين من المتآمرين؛ وإذا كان لنا أن نصدق الرواية اليونانية فإنها قطعت طرف لسانها وبصقته في وجه معذبيها لتؤكد لهم أنها لن تجيب عن أسئلتهم. وارتاع هبياس لهذهِ الثورة، وإن كان الأهلون لم يؤيدوها تأييداً ظاهراً، ودفعه هذا الروع إلى أن يستبدل بحكمهِ الرحيم حكماً طابعه القمع، والتجسس والإرهاب. وكان في مقدور الأثينيين، بعد أن نعموا بالرخاء جيلاً كاملاً، أن يطلبوا الآن ترف الحرية، وزادت صرخة المطالبة بها دوياً كلما زاد الطغيان قسوة؛ واستحال هرمديوس وأرستجيتون في حيال الشعب شهيدين من شهداء الحرية بعد أن لم يكونا إلا متآمرين يحيكان مؤامرة مبعثها الحب والهيام لا الدمقراطية (١). ورأى الألكميونيون في دلفي الذين نفاهم بيسستراتس من البلاد الفرصة سانحة لهم، فجمعوا جيشاً، وزحفوا به على أثينة،

стр. 1798

وأعلنوا أنهم لا يقصدون إلا خلع هبياس. ورشوا في الوقت نفسه الناطق بلسان الوحي في بيثيا لكي يعلن لكل من يستشيره من الإسبارطيين أن من واجب إسبارطة أن تقضي على حكومة الطغيان في أثينة. وقاوم هبياس قوى الألكميونيين مقاومة عنيفة موفقة، حتى انضم إليهم جيش لسديموني، فانسحب من الميدان واعتصم بالأريوبجوس. وأراد أن يؤمن أبناءه على حياتهم إذا ما قُتل هو، فأخرجهم سراً من أثينة؛ ولكن الغزاة ألقوا القبض عليهم، وافتداهم هبياس بأن قبل النزول عن الحكم والنفي. ودخل الألكميونيون وعلى رأسهم كليسثنيز الباسل (١)، أثينة ظافرين، وفي أعقابهم الأشراف المنفيون يستعدون للاحتفال باسترجاع أملاكهم وسلطانهم. واختبر إسجوراس Isagoras في الانتخابات التي أعقبت هذه الحوادث ليكون كبير الأركونين، ولكن كليسثنيز أحد المرشحين المنهزمين حرض الشعب على العصيان، وأسقط إسجوراس، وأقام دكتاتورية شعبية. وغزا الإسبارطيون أثينة مرة أخرى، يريدون إعادة إسجوراس إلى منصبه، ولكن الأثينيين قاوموا الغزو مقاومة عنيفة اضطرت الإسبارطيين إلى الارتداد، فلما تم ذلك شرع كلسثنيز، الشريف الألكيموني، ينشئ حكومة دمقراطية. وكان أول إصلاح له بمثابة معول دك به قواعد الأرستقراطية الأتيكية- ونعني بها القبائل الأربع والبطون الثلاثمائة والستين التي كانت تتولى زعامتها، جرياً على التقاليد التي دامت مئات السنين، أقدمُ الأسر وأوفرها ثراء: فقد ألغى كليسثنيز هذا التقسيم القائم على صلات القرابة واستبدل به تقسيماً آخر إقليمياً جعل الأهلين بمقتضاه عشر قبائل تتألف كل

стр. 1799

منها من عدد من المراكز يختلف باختلاف القبائل. وأراد أن يمنع التكتلات الجغرافية أو المهنية الشبيهة بأحزاب الجبل، والشاطئ، والسهل، فألف كل قبيلة من عدد متساوٍ من أقسام المدينة وسواحل البحر وداخلية البلاد. وعوض كل الأقسام الجديدة عن القداسة التي كان يخلعها على الأقسام القديمة فأوجد لكل قسم أو قبيلة حفلات دينية واختار أحد الأبطال القدماء وجعله إلهاً أو قديساً راعياً للقسم أو القبيلة. وأصبح الأحرار الذين ولدوا من أصل أجنبي مواطنين من تلقاء أنفسهم في القسم الذي يقيمون فيه، وقلما كان هؤلاء يتمتعون بحق الانتخاب في العهود الأرستقراطية التي كان حق المواطن فيها يعتمد على حسبه ونسبه، وبهذا العمل وحده تضاعف عدد الناخبين، وأصبحوا عوناً جديداً للدمقراطية التي أضحت من ذلك الوقت أقوى أساساً من ذي قبل. وخولت كل قبيلة جديدة حق ترشيح أحد الأستراتيجوى) القواد (العشرة الذين اشتركوا من ذلك الوقت مع القائد الأعلى في قيادة الجيش، كما خولت أيضاً حق اختيار خمسين عضواً من أعضاء المجلس الجديد المؤلف من خمسمائة عضو وعضو والذي حل الآن مجلس صولون المؤلف من أربعمائة، وجعلت له السلطات الهامة التي كانت لمجلس الأريوبجوس. وكان هؤلاء الأعضاء يختارون مدة عام واحد بالقرعة لا بالانتخاب، من قوائم تحوي أسماء جميع المواطنين الذين بلغوا سن الثلاثين، والذين لم يكونوا قد قضوا في المجلس القديم دورتين. وفي هذا النوع الجديد العجيب من أنواع النظام النيابي استبدل بالمبدأ الارستقراطي القائم على شرف المحتد، وبالمبدأ البلوتقراطي القائم على الثراء، مبدأ الانتخاب بالقرعة، فأتيحت لكل مواطن فرص متكافئة للاقتراع، ولشغل منصب في أهم فرع من فروع الحكومة وأعظمها سلطاناً. ذلك أن المجلس الذي كان يختار بهذه الطريقة كان يعين جميع المسائل والاقتراحات التي تعرض على الجمعية لإقرارها أو رفضها،

стр. 1800

كما كان يحتفظ لنفسه ببعض السلطات القضائية المختلفة الأنواع، ويصرف كثيراً من الشؤون الإدارية، ويشرف على جميع موظفي الدولة. وزيد عدد أعضاء الجمعية ممن دخلها من المواطنين الجدد، وبهذا كانت جلستها التي يحضرها الأعضاء جميعاً تضم ما يقرب من ثلاثين ألف رجل، وكان من حق هؤلاء جميعاً أن يُختاروا للعمل في البليا أو المحاكم، أما الطبقة الرابعة أو الثيتيس فقد بقيت كما كانت في عهد صولون لا يُختار منها أحد للمناصب التي يشغلها فرد واحد. وزادت سلطات الجمعية بإنشاء نظام "الحرمان" من عضوية الهيئة الاجتماعية والطرد من البلاد، وهو الحق الذي أضافه كليسثنيز إلى حقوقها على ما يبدو ليحمي به الجمهورية الناشئة. وبمقتضى هذا الحق الجديد كان في استطاعة الجمعية، بناء على اقتراح تقدمه أغلبية أعضائها مكتوب بطريقة سرية على قطع من الفخار، كان في استطاعة الجمعية إذا حضرها العدد القانوني وهو ستة آلاف من أعضائها أن تنفي من البلاد مدة عشر سنين أي إنسان ترى هي أنه أصبح خطراً على الدولة. وبهذهِ الطريقة كان الزعماء الطموحون يضطرون إلى أن يسلكوا مسلك الحذر والاعتدال، وكان في استطاعة الجمعية أن تتخلص ممن تظنهم يتآمرون عليها من غير الإبطاء الذي تستلزمه الإجراءات وكان كل ما يتطلبه هذا العمل من إجراءات أن يسأل أعضاء الجمعية: "هل من بينكم رجل تظنونه شديد الخطر على الدولة؟ وإذا كان فمن هذا الرجل؟ " وكان في وسع الجمعية حينئذ أن تقترع على نفي أي مواطن دون أن يُستثنى من ذلك صاحب السؤال نفسه (١). ولم يكن هذا النفي يتضمن مصادرة الملك كما أن المنفي لم يكن يلحقه من جرائه عار؛ ولم يكن إلا الطريقة التي تلجأ إليها الدمقراطية لقطع "أطول السنابل". ولم تسيء الجمعية استخدام سلطانها هذا، ذلك أنها

стр. 1801

لم تستخدم حقها طوال التسعين عاماً التي مضت بين تقريره وبين إبطال العمل به في أثينة إلا في إخراج عشرة أشخاص من أتكا. ويقال إن كليسثنيز نفسه كان بين هؤلاء العشرة؛ ولكننا في واقع الأمر لا نعرف تاريخة في آخر أيامه، فقد اختفى وضاع في لألاء أعماله. بدأ عمله بثورة تتعارض كل المعارضة مع الأصول الدستورية، ولكنه وضع بها رغم معارضة أقوى الأسر الأثينية دستوراً دمقراطياً ظل نافذاً، مع بعض تغييرات قليلة، إلى آخر عهود الحرية الأثينية. على أن الدمقراطية لم تكن كاملة، لأنها لم تكن تُطبق إلا على الأحرار، وظلت تضع قيداً خفيفاً من المِلْكية على حق الانتخاب للمناصب الفردية (١). غير أنها أعطت جميع السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية إلى جمعية وإلى محكمة تتكونان من المواطنين، وإلى حكام كبار تعينهم الجمعية ويكونون مسئولين أمامها، وإلى مجلس يختار أعضاؤه بأصوات كل من يريد الاقتراع من المواطنين، ويشترك بالفعل في ممارسة سلطانه الأعلى ثلثهم مدة سنة من حياتهم على الأقل. إن العالم لم يرَ قط في تاريخه كله قبل ذلك العهد نظاماً انتخابياً أكثر من هذا النظام حرية، ولا سلطة سياسية شعبية أوسع من هذه السلطة. واغتبط الأثينيون أنفسهم أشد الاغتباط بهذه المغامرة التي تستهدف سيادة الشعب. لقد أدركوا أنهم كانوا مقدمين على مغامرة شاقة خطيرة، ولكنهم أقدموا عليها بشجاعة وأنفة، وباعتدال وضبط للنفس داما بعض الوقت. ولقد عرفوا من ذلك الوقت لذة الحرية في العمل والقول والتفكير، وبدأوا يتزعمون بلاد اليونان كلها في الآداب والفنون، بل في السياسة والحرب أيضاً، وتعلموا أن يطيعوا من جديد قانوناً يعبر عن إرادتهم

стр. 1802

هم أنفسهم، وأن يحبوا حباً لا يعادله حب من قبله الدولة التي كانت تمثل وحدتهم وسلطانهم، والتي تعمل لإكمال هذه الوحدة وهذا السلطان ولما همت أعظم إمبراطورية في ذلك العهد أن تدمر هذه المد المتفرقة المسماة ببلاد اليونان، وأن تفرض عليها الجزية تؤديها عن يد إلى الملك العظيم، نسيت أنها سيقاومها في أتكا رجال يمتلكون الأرض التي يفلحونها، ويسيطرون على الدولة التي تحكمهم. وكان من حسن حظ بلاد اليونان ومن حسن حظ أوربا أن كليسثنيز قد أتم عمله وعمل صولون قبل مرثون باثني عشر عاماً.

стр. 1803

الباب السادس الهجرة الكبرى الفصل الأول أسبابها ووسائلها لقد ضحينا في سبيل استكمال قصة إسبارطة وأثينة إلى قبيل واقعة مرثون بوحدة الزمان من أجل وحدة المكان. نعم إن مدن بلاد اليونان الأصلية كانت أقدم من المستعمرات اليونانية في بحر إيجة وفي جزائر أيونيان، وإن هذه هي التي أنشأت في كثير من الحالات المستعمرات التي سنصف حياتها هذه في هذه الفصول، ولكن عدداً من هذه المستعمرات أضحى بما حدث من انقلاب مربك في سياق الحوادث السوي أعظم شأناً من المدن التي أنشأتها وسبقتها في ثروتها وفنونها، وبذلك لم يكن الذين أوجدوا الثقافة اليونانية بحق هم اليونان أهل البلاد التي نسميها الآن بلاد اليونان، بل كانوا هم الذين فروا أمام الدوريين الفاتحين وحاربوا حرب المستيئسين ليُثبتوا أقدامهم على السواحل الأجنبية، وأنشأوا بفضل ذكرياتهم الميسينية وجهودهم العجيبة العلوم والفنون، والفلسفة والشعر، التي جعلت لهم قبل مرثون بزمن طويل المقام الأول في العالم الغربي؛ ثم أورثت المستعمرات أمهاتها من المدائن الأصلية الحضارة اليونانية. وليس شيء في تاريخ اليونان أدل على حيويتهم من انتشارهم السريع

стр. 1804

في جميع بلاد البحر المتوسط (١). لقد كانوا قبل أيام هومر شعباً بدوياً متنقلاً، وكانت شبه جزيرة البلقان كلها تضطرب بحركاتهم، ولكن أهم العوامل التي أثارت الموجات اليونانية المتتابعة التي طغت على جزائر بحر إيجة وعلى السواحل الغربية للقارة الآسيوية كانت غزوات الدوريين. فقد خرج الناس على أثرها من جميع أنحاء هيلاس يبحثون عن الموطن وينشدون الحرية بعيدين عن قبضة الفاتحين المستعبدين؛ وكان من العوامل الأخرى التي بعثت على هذه الهجرة ما في الدول القديمة من انقسامات سياسية ومنازعات بين الأسر؛ فكان المغلوبون يختارون النفي من البلاد أحياناً، وكان الغالبون يشجعونهم على الخروج منها أعظم تشجيع؛ يضاف إلى هذا أن بعض من بقي على قيد الحياة من اليونان الذين اشتركوا في حرب طروادة فضلوا البقاء في آسية؛ واستقر غيرهم في جزائر بحر إيجة حباً في المغامرات أو عجزاً عن العودة إلى وطنهم بعد أن تحطمت بهم السفن التي كانت تقلهم، ووجد غيرهم حين عادوا إلى أوطانهم بعد أسفارهم الطويلة التي تعرضوا فيها لأشد الأخطار، أن عروشهم قد ثُلّت وأن زوجاتهم قد احتضنهن غيرهم، فعادوا إلى سفنهم ليُنشئوا لهم أوطاناً جديدة ويجمعوا ثروات جديدة في خارج بلادهم (٢). وعاد الاستعمار على بلاد اليونان الأصلية، كما عاد صنوه على أوربا الحديثة، بمزايا عظيمة من عدة وجوه. فلقد كان منفذاً للزائدين على طاقة الأرض من السكان وللمغامرين منهم، وكان بمثابة صمام الأمان من التذمر الزراعي، وبفضله نشأت أسواق أجنبية لغلات البلاد الأصلية، ومستودعات حصينة في مراكز منيعة للواردات من الطعام والمعادن. وأوجد الاستعمار في آخر الأمر إمبراطورية تجارية كان ما فيها من تبادل السلع،

стр. 1805

والفنون، وأساليب الحياة، والأفكار؛ من أقوى العوامل في نشأة حضارة اليونان المعقدة. وسارت الهجرات في خمسة خطوط رئيسية - إيوليّة، أيونيّة، دورية، يكسينية Euxine، إيطالية .. وبدأت أقدمها في الدويلات الشمالية من أرض اليونان الأصيلة، وهي التي لاقت أولى الغزوات من الشمال والغرب. فقد سارت على مهل جحافل من المهاجرين من تساليا، وثيوتس، وبؤوتية، وإيتوليا، لم تنقطع طوال القرنين الثاني عشر والحادي عشر، مخترقة بحر إيجة، وزحفت على الأصقاع المحيطة بطروادة، وأنشأت فيها المدائن الاثنتي عشرة التي تألف منها الحلف الإيولي. ويبدأ الخط الثاني من خطوط الهجرة في البلوبونيز حيث فرَّ آلاف من الميسينيين والآخيين على أثر "عودة الهرقليين"، واستقر بعضهم في أتكا والبعض الآخر في عوبية، وخرج الكثيرون منهم إلى جزائر سكلديس، وجازفوا باختراق بحر إيجة، وأسسوا في غربي آسية الصغرى المدائن الاثنتي عشرة التي تألف منها الحلف الأيوني الاثنى عشري Ionian Dadecapolis. وسار في الخط الثالث من خطوط الهجرة الدوريين الذين فاضت بهم أرض البلوبونيز، فاستقروا في جزائر سكلديس، وفتحوا كريت وسيريني، وأنشأوا حلفاً من ست مدن دُورية Dorian Hexapolis حول جزيرة رودس. وبدأ الخط الرابع في مكان ما من بلاد اليونان واستقر من ساروا فيه على سواحل تراقية، وأنشأوا مائة مدينة على شواطئ الدردنيل، والبروبنتس (بحر مرمرة) والبحر اليكسيني (البحر الأسود). واتجه الخط الخامس نحو الغرب إلى الجزائر التي أسماها اليونان الجزائر الأيونية، ثم اخترق إيطاليا وصقلية حتى بلغ آخر الأمر غالة وأسبانيا. وليس في وسع إنسان ما أن يتصور ما قام من العقبات في سبيل هذه الهجرة الطويلة المدى التي دامت مائة عام، أو كيف ذللت، إلا إذا كان عطوفاً واسع الخيال أو كان قوي الذاكرة لم ينسَ ما لقيناه نحن الأمريكيين

стр. 1806

في تاريخنا الاستعماري. لقد كان في مغادرة الأرض التي خلعت عليها شعائر القداسة قبور الآباء والأجداد، والتي يحرسها الأرباب القدامى، والخروج إلى أصقاع غريبة لا تحميها في أكبر الظن آلهة بلاد اليونان، لقد كان في هذا وذاك مغامرة خطيرة الشأن، ومن أجل هذا أخذ المستعمرون معهم حفنات التراب من بلادهم الأصيلة لينثروها فوق أرض الأقاليم الأجنبية، وحملوا في جد ووقار قبساً من النار من المذابح العامة في مدافنهم الأولى ليشعلوا به النار في مواقد المدن التي أنشأوها في مستعمراتهم الجديدة. وكانوا يختارون مواضع هذه المدن على شاطئ البحر أو قريبة منه، حيث يمكن أن تكون السفن - وهي الموطن الثاني لنصف اليونان - ملجأ يعصمهم من هجمات الأعداء براً؛ وكان خيراً من هذا الوضع عندهم أن تقام فوق سهل ساحلي تحميها الجبال التي تصد المغيرين من ورائها، أو على تل يكون حصيناً منيعاً في داخل المدينة نفسها، أو أن تكون ذات ميناء في البحر يحميه لسان بارز منه؛ وخير من هذا وذاك أن يكون هذا الميناء الأمين على طريق تجاري، أو قريباً من مصب نهر تصل إليه السفن حاملة الغلات من داخل البلاد لتُصدر أو يُستبدل بها غيرها من الغلات، فتنتعش ويعمها الرخاء عاجلاً كان ذلك أو آجلاً. وكانوا لا يكادون يجدون موقعاً صالحاً إلا احتلوه، واستولوا عليه بالحيلة إن أفلحت، فإن لم تفلح سلكوا إليه سبيل القوة. ولم يكن اليونان في هذه الظروف يرعون مبادئ أخلاقية أرقى مما نرعاه نحن الآن (١)، فكان الفاتحون في بعض الأحيان يستعبدون السكان الأولين بنفس الدعاوى المضحكة الباطلة التي ادعاها الحجاج المهاجرون طلباً للحرية. وكان أكثر من هذا حدوثاً أن يتودد المهاجرون الجدد إلى السكان الأولين بما يحملونه إليهم من الهدايا، ويخلبوا لبهم بثقافتهم الراقية، ومغازلة نسائهم، وعبادة آلهتهم. ولم يكن اليونان المستعمرون يعنون بنقاء الدم (٣). وكان في وسعهم على الدوام أن يجدوا في مجتمع آلهتهم الكثيرة

стр. 1807

إلهاً شبيهاً بإله الموطن الجديد شبهاً ييسر لهم التوفيق بين الإلهين. وأهم من هذا كله أن المستعمرين كانوا يعرضون ما صنعته أيديهم من سلع يونانية على السكان الأصليين، ويستبدلون بها الحبوب والماشية أو المعادن، ويصدرون هذه الغلات إلى بلاد البحر المتوسط، ويفضلون من هذه البلاد أمهم التي هاجروا منها، والتي لا تنفك قلوبهم تنطوي لها مدى القرون على حب وولاء يبلغ حد التقديس. وأخذت هذه المستعمرات واحدة بعد أخرى تتشكل وتتخذ صورة المدائن اليونانية حتى لم تعد بلاد اليونان مقصورة على شبه الجزيرة الضيقة التي كان يُطلق عليها هذا الاسم في أيام هومر، بل أضحت طائفة من المدن المستقلة مرتبطة بعضها مع بعض برباط غير متين، ومنتشرة من أفريقية إلى تراقية، ومن جبل طارق إلى الطرف الشرقي من البحر الأسود. وكان هذا العهد من أهم العهود في تاريخ نساء اليونان، فلسنا نجدهن على الدوام أكثر استعداداً مما كن في ذلك الوقت لإنجاب الأبناء. وبفضل هذه المراكز التي تفيض جِدّاً وحيوية وذكاء نشر اليونان في جميع أنحاء أوربا الجنوبية بذور ذلك الترف المزعزع الدال على الحذق والدهاء الذي يُطلق علية اسم الحضارة، والذي لولاه لما كان للحياة جمال ولا للتاريخ معنى.

стр. 1808

الفصل الثاني السيكلديس الأيونية إذا سار السائح بحراً من بيريس (بيرية)، متجهاً نحو الجنوب، مصاحباً ساحل أتكا، ثم انحرف نحو الشرق وحول لسان سنيوم ذي الهيكل، وصل إلى جزيرة كيوس Ceos الصغيرة حيث "كان في يوم من الأيام قانون يحتم على من بلغوا الستين من عمرهم أن يشربوا عصير الشيكران السام حتى يكفي الطعام من يبقى حياً من الناس" (٤)، إذا قبلنا ما لا يقبله العقل اعتماداَ على قول استرابون وبلوتارخ. وربما كان هذا هو الذي جعل شاعرها العظيم ينفي نفسه مختاراً من كيوس بعد أن جاوز سن الكهولة؛ ولعله قد وجد أن من العسير عليه أن يبلغ في موطنه الأصلي السابعة والثمانين من العمر التي تقول الرواية اليونانية المتواترة إنه قد بلغها. وقد كان جميع العالم اليوناني يعرف سمنيدس وهو في سن الثلاثين، ولما مات في عام ٤٦٩ أجمع الناس كلهم على أنه أنبه كُتاب زمانه ذكراً. كانت شهرته في الشعر والغناء هي التي جعلت هباركس Hipparchus، وهو ثاني اثنين من الحاكمين بأمرهما معاً في أثينة، يدعوا إليها، وقد استطاع في بلاطها أن يعد أواصر الصداقة مع شاعر آخر. وبقي حياً بعد الحروب الفارسية واختير عدة مرار ليكتب قبريات الأنصاب التي تقام على قبور المكرمين من الأموات. وعاش في شيخوخته في بلاط هيرون Hieron الأول طاغية سرقوسة، وبلغ من الشهرة وقتئذ حداً أمكنه به أن يعقد الصلح في ميدان القتال عام ٤٧٥ بين هيرون وثيرون Theron طاغية أكرجاس، وكان القتال قد أوشك أن ينشب بينهما (٥). ويحدثنا بلوتارخ في مقاله الشديد الصلة بهذا الموضوع نفسه وعنوانه "هل يجب أن يحكم الناس الشيوخ"، أن سمنيدس ظل يكسب جائزة

стр. 1809

الشعر الغنائي والغناء الجماعي حتى بلغ سن الشيخوخة. ولما رضي آخر الأمر أن يموت دفن في أكرجاس بمظاهر التكريم الخليقة بالملوك. ولم يكن سمنيدس شاعراً فحسب، بل كان فوق ذلك رجلاً ذا شخصية عجيبة، وكان اليونان ينددون به ويحبونه لرذائله وشذوذه. وكان مغرماً بالمال فإذا غاب عنه الذهب لم يلهم الشعر؛ وكان أول من كتب الشعر ليؤجر عليه، وحجته في هذا أن من حق الشاعر أن يأكل كما يأكل سائر الناس؛ ولكن هذه العادة كانت جديدة في بلاد اليونان، وكان أرستفنيز يردد غضب الشعب منها، ويقول إن سمنيدس "لا يستنكف أن يذهب إلى البحر في محفة ليكسب فيه فلساً" (٦). وكان يفخر بأنه اخترع طريقة لمساعدة الذاكرة على الاستظهار، أخذها عنه شيشرون واعترف بفضله عليه (٧). والمبدأ الجوهري الذي تقوم عليه هذه الطريقة وهو ترتيب الأشياء التي يريد أن يتذكرها متتابعة في ترتيب منطقي من نوع ما بحيث يؤدي كل قسم منها بطبيعته إلى القسم الذي يليه. وكان رجلاً فكهاً، انتشرت أجوبته الفكهة المسكتة في جميع مدن اليونان وتداولها الناس فيما بينهم تداول النقود، ولكنه قال في شيخوخته إنه كثيراً ما ندم على الكلام وإن لم يندم قط على السكوت (٨). وإنا ليدهشنا أن نجد في القليل الباقي لدينا من أقوال هذا الشاعر الذي نال كثيراً من الثناء والعطاء تلك الكآبة التي كانت طابع الكثير من أدب اليونان بعد هومر-ونقول بعد هومر لأن الناس في أيامه كانوا أنشط من أن يكتئبوا، وكانوا أعنف من أن يتضايقوا ويملوا: "ألا ما أقل أيام الحياة وما أكثر ما فيها من شرور، ولكن نومنا تحت أطباق الثرى سيكون نوماً سرمدياً … وما أضعف الإنسان وما أقوى أغلاطه؛ إن الأحزان تأتي في أعقاب الأحزان طوال حياته القصيرة ثم يدركه آخر الأمر الموت الذي لا ينجو منه إنسان، والذي يرد حوضه الأخيار والأشرار على

стр. 1810

السواء … ما من أحد من الناس وما من شيء من صنعهم خالد؛ وما أصدق قول شاعر طشيوز Chjos إن حياة الإنسان كحياة ورقة الشجرة الخضراء. لكن الذين يسمعون هذا لا يكاد يذكره منهم أحد، لأن الأمل قوي في صدور الشبان؛ فإذا كان الإنسان في نضرة الشباب، وكان فارغ القلب من المتاعب، امتلأ عقله بالأفكار الباطلة وظن أنه لن تدركه الشيخوخة، ولا الموت؛ وهو لا يفكر في المرض إذا كان صحيح الجسم .. ألا ما أشد حمق من يفكرون هذا التفكير ومن لا يعرفون أن أيام شبابنا وأيام حياتنا قصيرة" (٩). ولم يكن يجيش في صدر سمنيدس أمل في جزيرة مباركة تخفف عنه آلامه؛ كما أن أرباب أولمبس قد أصبحت كأرباب المسيحية في بعض الشعر الحديث أدوات لقرض الشعر لا وسائل لتخفيف أحزان النفوس. ولما تحداه هيرون وطلب إليه أن يحدد طبيعة الله وصفاته، استمهله يوماً واحداً يعد فيه جوابه، وفي اليوم الثاني استمهله يومين آخرين، وكان في كل مرة يضاعف المهلة التي يطلبها ليعد فيها الجواب. ولما طلب إليه هيرون أن يوضح له معنى مسلكه هذا، أجابه أن هذا الأمر يزداد غموضاً كلما طال تفكيره فيه (١٠). ولم تنجب كيوس سمنيدس وحده بل أنجبت أيضاً بكليدس Bacchylides ابن أخيه وخليفته في الشعر الغنائي، وأنجبت في أيام الإسكندر الأكبر إراستراتس Erasistratus العالم الكبير في تشريح الأجسام. وليس في مقدورنا أن نقول هذا القول نفسه عن جزائر سريفوس Siriphos، أو أندروس Andros أو تينوس Tenos أو ميكونوس Myconos أو سيكنوس Sicinos أو إيوس Ios. وفي سيروس Syros عاش فرسيديز Pherecydes (حوالي ٥٥٠)، وقد اشتهر بأنه علم فيثاغورس، وبأنه أول من كتب من الفلاسفة نثراً. أما ديلوس فكانت مسقط رأس أبلو نفسه، على حد قول القصة اليونانية. ولقد بلغ من تقديس الناس لهذه الجزيرة، لأن فيها مزاره، أن حرموا الموت والولادة داخل

стр. 1811

حدودها. فكانت كل امرأة مقبلة على الوضع تُنقل منها، وكان كل إنسان دنت منيته يُبعد عنها، إلى غيرها من البلاد، وأخرجت أجسام من كان فيها قبل مولد أبلو من قبورها المعروفة حتى تصبح الجزيرة طاهرة نقية (١١). وفي هذه الجزيرة احتفظت أثينة هي وحليفاتها من المدن الأيونية بكنوز حلف ديلوس بعد هزيمة الفرس؛ وفيها كان الأيونيون يجتمعون كل أربع سنين اجتماعاً يختلط فيه التقى بالمرح للاحتفال بعيد الإله الجميل. وتصف إحدى ترانيم القرن السابع قبل الميلاد "النساء ذوات المناطق الجميلة" (١٢)، والتجار الحريصين الدائبين على العمل في حوانيتهم؛ والجماهير المصطفة على جوانب الطرق ترقب الموكب المقدس، وما يقام في المعبد من شعائر وطقوس مهيبة، وما يقرب فيه من قربان مقدس؛ وتصف كذلك الرقص المرح والترانيم الجماعية التي تنشدها عذارى من ديلوس وأثينة اختاروهن لجمالهن وحسن أصواتهن؛ والمباريات الرياضية والموسيقية، والمسرحيات التي كانت ُتمثل في الملاهي في الهواء الطلق. وكان الأثينيون يرسلون في كل عام بعثة إلى ديلوس تحتفل فيها بمولد أبلو، فإذا سافرت إليها لا يعدم مجرم في أثينة حتى تعود. وهذا هو سبب الفترة الطويلة التي انقضت بين الحكم على سقراط وبين إعدامه، والتي أفاد منها الأدب والفلسفة أعظم فائدة. ونكسوس Naxos أكبر جوائز السكلديس، كما أن ديلوس تكاد تكون أصغرها. واشتهرت في الزمن القديم بخمرها ورخامها، وأثرت في القرن السادس ثراء أمكنها أن تبني لها أسطولاً خاصاً بها، وأن تكون لها مدرسة خاصة للنحت. وإلى الجنوب الشرقي من نكسوس جزيرة أمرجوس Amorgos موطن سمنيدس Semonides البغيض الذي هجا النساء

стр. 1812

هجاءً لاذعاً، حرص التاريخ الذي كتبه الرجال على الاحتفاظ به إلى هذه الأيام (١). وإلى الغرب منها تقع جزيرة باروس وتكاد كلها أن تكون من الرخام، وأهلها يشيدون منه بيوتهم، وقد وجد فيها بركستليز الحجر النصف الشفاف الذي نحته وصقله وصور فيه الجسم الآدمي صورة يكاد يعتقد الناظر إليها أنها من لحم ودم. وفي هذه الجزيرة ولد في أواخر القرن الثامن أركلوكوس Archilochus من جارية مشتراة بالمال، ولكنه كان أعظم الشعراء المغنين، ولد في بلاد اليونان. وقد قاده حظ الجنود شمالاً إلى ثاسيوس Thasos حيث اشتبك في حرب مع أهلها، ولكنه في أثناء المعركة ألقى بدرعه وأطلق ساقيه للريح لأنه وجدهما أعود عليه بالفائدة من الدروع، وعاش ليسخر من هذه الحرب فيما بعد سخريات كثيرة. ولما عاد إلى باروس أحب فيها نيوبولي Neobule ابنة الثري ليكمبيز Lycambes. وهو يصفها بأنها فتاة متواضعة، لها ضفيرتان تنوسان على كتفيها، ويتحسر كما يتحسر أمثاله في كل الأزمان ويقول إن "كل ما يتمناه أن يلمس يدها" (١٤). ولكن لكمبيز كان يُعجب بشعر الشاعر أكثر من إعجابه بماله فقضى على آماله؛ فما كان من أركلوكس إلا أن حمل عليه وعلى نيوبولي وأختها حملة من الهجاء شعواء آثر معها ثلاثتهم كما تقول القصة أن يشنقوا أنفسهم. وامتلأ قلب أركلوكس حقداً على باروس فترك "تينها وسمكها" وأصبح مرة أخرى جندياً يبحث عن حظه في ميادين القتال. ولما أن عجزت ساقاه في آخر الأمر عن أن تسعفاه في الهرب قتل وهو يحارب النكسيين (٢). وتدلنا قصائده على أنه كان يُغلظ في القول لأعدائه وأصدقائه على السواء، وأنه كان شديد الولع بالزنا، يدفعه إلى هذا خيبة آماله في الحب (١٥).

стр. 1813

والصورة التي ترتسم له في مخيلتنا هي صورة القرصان الملهم والبحار الرخيم الصوت، ذي اللفظ الخشن في نثره المصقول في شعره، يعمد إلى البحر العمبقي (١) من بحور الشعر، وهو الذي كانت تصاغ فيه الأغاني الشعبية وقتئذ، فيؤلف به أبياتاً قصيرة لاذعة من ثلاثة أوتاد. وهذا البحر العمبقي ذو الثلاثة أوتاد هو الذي كتبت به المآسي اليونانية الشهيرة. لكنه لم يقتصر على هذا الوزن، بل أخذ يجرب بحوراً أخرى كالبحر الدقتيلي (٢) السداسي الأوتاد، والتروقي (٣) الرباعي الأوتاد، وبحوراً أخرى تجاوز العشرة عداً (٤). وهو الذي أدخل في الشعر اليوناني الأوزان التي احتفظ بها إلى آخر الأيام. ولم يبقَ من قصائده إلا بضعة أسطر قليلة غير كاملة، ولسنا نجد بداً من قبول الأقدمين إنه كان أحب الشعراء اليونان إلى بني وطنه بعد هومر. وكان هوراس يحب أن يقلد أوزانه المتغيرة، ولما سُئل أرستفنيز البيزنطي الناقد المتأغرق العظيم أي قصائد أركلوكوس أحبها إليه، أجاب عن ذلك السؤال بكلمتين اثنتين عبر بهما عن شعور بلاد اليونان كلها فقال: "أطول القصائد" (١٦). وعلى مسيرة باكورة اليوم بالسفينة من باروس تقع جزيرة سفنوس Siphnos الشهيرة بمناجم الفضة والذهب. وكان الشعب يمتلك هذه المناجم عن طريق حكومته. وكان نتاجها عظيماً استطاعت الجزيرة به أن تعتمد

стр. 1814

عليه في إقامة الخزانة السَّفنية في دلفي، وما فيها من تماثيل النسوة اللائي يحملن على رؤوسهن مواد البناء وهن هادئات مطمئنات، وأن تقيم آثاراً غيرها كثيرة، وأن توزع مع ذلك مقداراً كبيراً من المعدنين النفيسين على الأهلين في آخر كل عام (١٧). وفي عام ٥٢٤ جاء جماعة من اللصوص من ساموس ونزلوا في هذه الجزيرة وفرضوا عليها جزية تبلغ مائة وزنة - أي ما يساوي ٠٠٠ ر ٦٠٠ ريال أمريكي من النقود هذه الأيام. وقبلت بلاد اليونان الأخرى هذه السرقة الجريئة بالاطمئنان والجلد اللذين يقبل بهما الناس في العادة مصائب أصدقائهم.

стр. 1815

الفصل الثالث الفيض الدوري واستعمر الدوريون أيضاً جزائر سكلديس، وروضوا طباعهم العسكرية بتدريج جوانب الجبال وتسويتها على مهل، حتى تمسك الأمطار الشحيحة فتروي نباتهم وكرومهم. وفي ميلوس ورثوا عن أسلافهم من أهل العصر البرنزي استخراج الحجر الزجاجي الطبيعي، وبفضلهم أثرت الجزيرة ثراء جعل الأثينيين يبذلون قصارى جهدهم لكسب معونتها في كفاحهم مع إسبارطة. وسنرى هذا في الفصول التالية من هذا الكتاب. وفي هذه الجزيرة عثر المنقبون على "أفرديتي ميلوس" (١) وهو الآن أشهر تمثال في العالم الغربي كله. واتجه الدوريون شرقاً ثم جنوباً وفتحوا ثيرا Thera وكريت؛ ومن ثيرا أرسلوا جالية منهم استعمرت سيريني. واستقر عدد قليل منهم في قبرص، وكان فيها منذ القرن الحادي عشر جالية قليلة العدد من اليونان الأركاديين تنازع الأسر الفينيقية القديمة السيادة على الجزيرة. وكان من هؤلاء الملوك الصغار بجمليون الذي تروى عنه القصص أنه أعجب بتمثال من العاج لأفرديتي نحته هو بنفسه فشغفه حباً ورجا الآلهة أن تهبه الحياة، فلما أجابت رجاءه تزوج الفتاة التي صنعها بيده (١٨). والراجح أن كشف الحديد قد قلل طلب الناس لنحاس قبرص، فتخلفت الجزيرة عن ركب التقدم الاقتصادي اليوناني. وكان من أثر تقطيع الأهلين الأشجار ليصهروا بها فلذ النحاس، وتقطيع الفينيقيين إياها لصنع سفنهم، وتقطيع اليونان الكثير منها لإعداد الأرض للزراعة، كان من أثر هذا التقطيع أن استحالت الجزيرة

стр. 1816

شيئاً فشيئاً إلى تلك الأرض المهجورة نصف المجدبة كما نراها اليوم. وكان فن الجزيرة، كما كان أهلها، في العصر اليوناني خليطاً من آثار الفن المصري والفينيقي واليوناني، ولم يكن له في يوم من الأيام طابع واحد خاص به (١). ولم يكن الدوريين إلا أقلية من سكان قبرص اليونان؛ أما في رودس، وجزائر اسبرديس Sporades الجنوبية وما جاورها من أرض القارة الأوربية فقد أصبحوا هم الطبقة الحاكمة. وازدهرت رودس وعمها الرخاء في القرون التي بين هومر ومرثون، وإن لم يبلغ هذا الازدهار ذروته إلا في العصر الذي اصطبغت فيه تلك البلاد بالصبغة اليونانية. وأنشأ المستعمرون الدوريون على لسان في البحر بارز من قارة آسية مدينة نيدوس Cnidus؛ وبفضل موقعها هذا أضحت ثغراً صالحاً للتجارة الساحلية. وفي هذه المدينة ولد في مستقبل الأيام يودكسس Eudoxus الفلكي، وتسياس Ctesias المؤرخ (أو كاتب الخرافات)، وسستراتس Sostratus الذي بنى في مستقبل الأيام منارة الإسكندرية. وهنا أيضاً وجد بين أنقاض المعابد القديمة تمثال دمتر، الأم الحزينة المحفوظ في المتحف البريطاني. وتقع أمام نيدوس جزيرة كوس موطن أبقراط، وقد كان مركزاً لعلم الطب اليوناني ينافس فيه نيدوس. وفيها ولد أبليز Apelles الرسام وثيكريتوس Theocritus الشاعر. وكان على بعد قليل منها وعلى الساحل نفسه مدينة هليكرنسس Halicarnassus مسقط رأس هيرودوت. وقد كانت في أيام انتشار الحضارة اليونانية مقر حكم موسولوس Mausolus الملك الكاري وحبيبته أرتميزيا. وقد تكون من هذه المدينة ومن كوس ونيدوس ومن مدائن رودس الشهيرة (لندس، وكمبرس، وبليس) المدائن الست الدُورية في آسية الصغرى، وهي التي قامت تنافس إلى حين مدائن أيونيا الاثنتي عشرة منافسة ضعيفة.

стр. 1817

الفصل الرّابع الاثنتا عشرة مدينة الأيونية ١ - ميليتس والموطن الأول للفلسفة اليونانية كان يمتد إلى الشمال الغربي من كاريا مسافة تسعين ميلاً شريط ساحلي جبلي يختلف عرضه بين عشرين وثلاثين ميلاً، وهو المعروف في الزمن القديم باسم أيونيا. ويصفه هيرودوت بقوله "إن هواءه ومناخه أجمل هواء ومناخ في العالم كله" (١٩). وكانت كثرة مدائنه عند مصاب الأنهار أو عند منتهى الطرق، وكانت هذه الأنهار والطرق تنقل البضائع مما ورائها من الإقليم إلى شاطئ البحر المتوسط، ومنه تُنقل على ظهور السفن إلى كافة الأنحاء. وكانت ميليتس، وهي أبعد المدن الاثنتي عشرة الأيونية جهة الجنوب، أغنى مدائن العالم اليوناني كله في القرن السادس قبل الميلاد. وقد قامت هذه المدينة في موضع كان يسكنه الكاريون من العهد المينوي، فلما أقبل الأيونيون من أتكا على هذا المكان حوالي ١٠٠٠ ق. م. وجدوا فيه الثقافة الإيجية وإن كانت في صورة مضمحلة، تنتظرهم ليتخذوها بداية متقدمة لحضارتهم. ولم يأتوا معهم بنساء إلى ميليتس فاكتفوا بأن قتلوا الذكران من أهلها وتزوجوا الأرامل (٢٠). وبدأ امتزاج الثقافتين بامتزاج دماء الأهلين والوافدين. وخضعت ميليتس، كما خضعت كثرة المدن الأيونية، في أول الأمر لحكم الملوك الذين يقودون جيوشهم في الحرب، ثم خضعت بعدئذ لحكم الأشراف الذين يملكون الأرض، ثم لحكم "المستبدين" الذين يمثلون الطبقة الوسطى. ووصلت الصناعة والتجارة إلى ذروتيهما في عهد الطاغية ثراسيبولوس Thrasybulus في بداية القرن

стр. 1818

السادس قبل الميلاد، وأثمر رخاؤها المطرد أدباً وفلسفة وفناً. وكان الصوف يُحمل إليها من أرض الكلأ الغنية في الداخل وينسج ملابس في مصانع النسيج القائمة في المدينة. وتعلم التجار الأيونيون عن الفينيقيين إقامة المستعمرات لتكون مراكز تجارية، فأنشأوا العدد الكبير منها في مصر وإيطاليا، على شواطئ بحر البروبنتس واليوكسين، ثم تفوقوا شيئاً فشيئاً على معلميهم في هذا المجال، فكان لميليتس وحدها ثمانون مستعمرة من هذه المستعمرات التجارية، ستون منها في الشمال. وكانت ميليتس تستورد من أبيدوس وسيزيكوس Cyzicus وسينوب وألبيا Olbai وترابيزوس Trapezus وديوسكورياس Dioscurias الكتان والخشب والفاكهة والمعدن، وتصدر إليها بدلاً منها مصنوعاتها اليدوية. وأصبح ثراء المدينة وترفها ُتضرب بهما الأمثال وتعير بهما المدينة في بلاد اليونان بأجمعها. وفاضت خزائن تجارها بالأموال فأخذوا يمولون المشروعات في طول البلاد وعرضها وفي المدينة نفسها، فكانوا هم آل ميديتشي في عصر النهضة الأيونية. وفي هذه البيئة المنعشة الباعثة على النشاط الذهني أثمرت بلاد اليونان الثمرتين الأوليين من الثمار التي امتازت بها على غيرها، وأهدتهما إلى العالم كله- نقصد العلوم الطبيعية والفلسفة؛ ذلك أنه حيث تتلاقى الطرق تتلاقى كذلك الآراء والعادات والعقائد المتباينة؛ وينشأ من اختلافها احتكاك، فتنازع، فمفاضلة، فتفكير؛ فتمحو الخرافات بعضها بعضاً، ويبدأ التفكير المنطقي السليم. وقد تلاقى في ميليتس كما تلاقى في أثينة رجال جاءوا من مائة دولة متفرقة، ذوو نشاط عقلي بعثه فيهم التنافس التجاري، وقد تحرروا من أسر التقاليد لطول غيابهم عن أوطانهم، وهياكلهم، ومذابح آلهتهم. وكان أهل ميليتس أنفسهم يسافرون إلى المدن البعيدة حيث تفتحت عيونهم على حضارة ليديا، وبابل، وفينيقية، ومصر. وبهذه الطريقة وغيرها من الطرق دخل علم الهندسة المصرية

стр. 1819

وعلم الفلك البابلي العقل اليوناني، ونمت التجارة الداخلية، والعلوم الرياضية، والتجارة الخارجية، وعلوم الجغرافية، والملاحة، والفلك، كلها في وقت واحد. وكان الثراء في هذه الأثناء قد أوجد للناس الفراغ؛ ونشأت في البلدة أرستقراطية ثقافية امتازت بالتسامح الفكري لأن من يستطيعون القراءة كانوا أقلية صغيرة في المدينة. ولم يكن يضيق على عقول الناس وتفكيرهم قيود يفرضها رجال دين أقوياء، ولا نصوص قديمة منزلة موحى بها، وحتى القصائد الهومرية التي أمست فيما بعد كتاب اليونان المقدس إلى حد ما لم تكن قد اتخذت بعد شكلها النهائي المحدد المعروف، ولمّا اتخذته كان ما فيها من أساطير دينية مطبوعاً بطابع التشكك الأيوني والمرح المُجُوني. ومن ثم أصبح التفكير في هذه المدينة لأول مرة تفكيراً دنيوياً غير ديني يسعى وراء الأجوبة العقلية المنسقة غير المتنافرة لما يحير العقول من مسائل العالم والناس (١). على أن الغرس الجديد، وإن كان قد حل محل الغرس القديم، كانت له أصوله وكان له آباءه وأجداده، فقد امتزجت بالفلسفة الواقعية الطيبة التي كانت من خصائص التجار الفينيقيين واليونان حكمة الكهنة المصريين والمجوس الفرس الأقدمين، بل لعلها قد امتزجت بها أيضاً حكمة المتنبئين الهنود وعلم الكهنة الكلدان وبداية الخليقة المجسدة التي صاغها هزيود شعراً. وقد مهد الدين نفسه السبيل إلى هذا المزج حين تحدث عن مويرا Moira أو القدر، وقال إنه هو المتحكم في الآلهة والبشر. وكان هذا بداية فكرة القانون الذي يعلو على الإرادة الشخصية مهما عظمت، وهي الفكرة التي تدل على الفرق الجوهري بين العلم والأساطير؛ وبين الاستبداد والديمقراطية. ولقد تحرر الإنسان من يوم أن اعترف أنه خاضع لحكم القانون، وأكبر الأسباب التي جعلت اليونان ذوي خطر في

стр. 1820

التاريخ ورفعتهم فيه إلى أعلى مكانة، هي أنهم، على قدر ما وصل إليه علمنا، كانوا أول من اعترف بخضوع الإنسان لحكم القانون وبحقه في البحث الفلسفي وفي اختيار الحكم الذي يرتضيه. وإذا كانت الحياة تتطور متأثرة بعاملين هما الوراثة والتجديد، أي بتثبيت العادات وإقرارها والتجديد التجريبي، فقد كان من المنتظر أن تكون الأصول الدينية للفلسفة هي التي تغذيها، وأن يبقى فيها إلى آخر أيامها عنصر ديني قوي. وقد كان في الفلسفة اليونانية تياران يجريان جنباً إلى جنب: أحدهما تيار طبيعي النزعة ظاهر، والثاني تيار صوفي غامض. وقد نشأ الأول في عهد فيثاغورس، وشمل برمنديدس وهرقليطس وأفلاطون وكلنثيس Cleanthes، وانتهى ببلنتينوس Blontinus والقديس بولس؛ وأما الثاني فقد كان أول رجاله العالميين طاليس، وشمل أنكسمندر وكزنوفانيس Xenophanes وبروتجراس وهبقراطس ودمقريطس، وانتهى بأبيقور ولكرتيوس Lucretius. وكان يحدث من حين إلى حين أن يقوم رجل عظيم- كسقراط وأرسطاطاليس، وماركس أورليوس- فيمزج التيارين في مجرى واحد يحاول به أن يوضح نظم الحياة المعقدة التي لا تنطبق على قانون. على أن النغمة الغالبة في هؤلاء الرجال أنفسهم كانت هي حب أتباع العقل، وهي النغمة التي يمتاز بها التفكير اليوناني. ولد طاليس حوالي ٦٤٠ ق. م وأكبر الظن أنه ولد في ميليتس، وكان الدائر على ألسنة الناس أنه من أبوين فينيقيين (٢١)، وتلقى معظم تعليمه في مصر والشرق الأدنى. وفيه يتمثل انتقال الثقافة من الشرق إلى الغرب. ويبدو أنه لم يشتغل بالأعمال التجارية والمالية إلا بالقدر الذي أمكنه أن يحصل به على طيبات الحياة العادية. وليس من يجهل قصة مضارباته في معاصر الزيت (١) ثم صرف باقي

стр. 1821

وقته في الدرس وأنهمك فيه انهماكاً توحي به قصة سقوطه في حفرة وهو يرقب النجوم. وكان رغم عزلته يهتم بشؤون المدنية، يعرف الطاغية ثراسيبولوس، ويدعو إلى تكوين حلف من الدول الأيونية للدفاع عن نفسها ضد ليديا وفارس (٢٣). وتعزو إليه الروايات المتواترة كلها إدخال العلوم الرياضية والفلكية إلى بلاد اليونان. وتروي إحدى القصص القديمة أنه وهو في مصر قدّر ارتفاع الأهرام بقياس ظلها التي يكون فيها ظل الإنسان مساوياً لطول قامته. ولما عاد إلى أيونيا واصل دراسة الهندسة النظرية التي خلبت لبه بمنطقها السليم، وما فيها من استدلال علمي، وشرح كثير من النظريات التي جمعها إقليدس فيما بعد (١). وكما أن هذه النظريات كانت الأساس الذي قام عليه علم الهندسة النظرية اليونانية، كذلك كانت دراسته لعلم الفلك الأساس الذي قام عليه هذا العلم في الحضارة الغربية، بعد أن خلصه من التنجيم الذي أدخله فيه الشرقيون. وكانت له بعض الأرصاد الصغرى، وقد دهشت بلاد أيونيا بأجمعها حين أفلح بالتنبؤ بخسوف الشمس في الثامن والعشرين من شهر مايو ٥٣٥ ق. م (٢٥)، والراجح أنه قد بنى هذا التنبؤ على أساس السجلات المصرية وعلى حساب البابليين. أما فيما عدا هذا فإن نظريته في نظام الكون لا ترقى كثيراً على ما كان

стр. 1822

شائعاً عن هذا النظام عند المصريين واليهود، فقد ظن أن العالم يتكون من نصف كرة يرتكز على منبسط من الماء لا نهاية له، وأن الأرض قرص مستوي طافٍ على السطح المستوي في داخل هذا الجسم النصف الكري. ويذكرنا هذا بقول جيته Goethe إن الإنسان يشترك في رذائله (أو أخطائه) مع أهل زمانه، أما فضائله (أو فراسته) فإنه ينفرد بها دون سائر الناس. وكما أن بعض الأساطير اليونانية قد جعلت أقيانوس Oceanus والد الخلائق بأجمعها، فكذلك جعل طاليس الماء المبدأ الأول لجميع الأشياء، وشكلها الأصلي ومصيرها النهائي. ويقول أرسطو إنه ربما جاء بهذا الرأي بعد أن شاهد "أن غذاء كل شيء رطب وأن … بذور كل شيء ذات طبيعة رطبة؛ .. وأن ما يتولد منه كل شيء هو دائماً مبدؤها الأساسي" (٢٧). أو لعله كان يعتقد أن الماء هو الصورة الأولى أو الأساسية من صور المادة الثلاث- الغازية والسائلة والصلبة- التي يمكن أن تتحول إليها المواد كلها من الوجهة النظرية؛ وليس أهم ما في آرائه قوله إن الماء أصل كل شيء، بل أهمها إرجاعه الأشياء جميعها إلى أصل واحد؛ ولقد كان ذلك أول قول بوحدة المادة في التاريخ المدون كله. ويصف أرسطو آراء طاليس بأنها مادية؛ ولكن طاليس يضيف إلى أقواله السابقة أن كل جزء في العالم حي، وأن المادة والحياة وحدة لا ينفصل أحد جزأيها عن الآخر، وأن في النباتات والمعادن "نفساً" خالدة كما في الحيوان والإنسان، وأن القوة الحيوية تتغير صورتها ولكنها لا تموت أبداً (٢٨). وكان من عادة طاليس أن يقول إنه لا يوجد فرق جوهري بين الأحياء والأموات. ولما أراد بعض الناس أن يضايقه بسؤال إياه لمَ إذاً يؤثر الحياة على الموت أجابه بقوله: "ذلك لأنه لا فرق بينهما" (٢٩). ولما بلغ سن الشيخوخة أجمع مواطنوه على تلقيبه بلقب الحكيم Sophos، ولما اعتزمت بلاد اليونان أن تخلد أسماء حكمائها السبعة، وضعت اسم طاليس

стр. 1823

على رأسهم، وسُئل طاليس عن أصعب الأشياء فأجاب بقوله الذي جرى مجرى الأمثال: "أن تعرف نفسك"، ولما سُئل عن أسهل الأشياء قال: "أن تسدي النصح"، وسُئل ما هو الله؟ فأجاب "هو ما ليس له بداية ولا نهاية"، وسُئل كيف يستطيع الناس أن يعيشوا عيشة الفضيلة والعدالة فأجاب: "ألا نفعل نحن ما نلوم غيرنا على فعله" (٣٠). ويقول ديوجينيز ليرتيوس Diogenes Laertius (٣١) : إنه مات "وهو يشاهد مباراة في الألعاب الرياضية، بعد أن أضناه الحر والظمأ والتعب لأنه بلغ سن الشيخوخة". ويقول استرابون (٣٢). إن طاليس كان أول من كتب في الفيزيولوجيا أي علم الطبيعة (Physics) ، أو مبدأ وجود الأشياء وتطورها. وقد تقدم علمه تقدماً عظيماً على يد تلميذه أنكسمندر؛ وقد عاش بين عامي ٦١١، ٥٤٩ ق. م. ولكنه نشر على الناس فلسفة تشبه شبهاً عجيباً الفلسفة التي نشرها هربرت اسبنسر Herbert Spencer في عام ١٨٦٠ م، وهو يهتز طرباً من قوة ابتكاره الفطين. ويقول أنكسمندر إن المبدأ الأول كان لا نهائية غير محددة واسعة الأرجاء (Apeiron) ، أي كتلة غير محددة ليست لها صفات خاصة، ولكنها تنمو وتتطور بما فيها من قوى ذاتية، حتى نشأت منها جميع حقائق الكون المختلفة (١). وهذه اللانهائية الحية السرمدية التي لا صلة لها بالشخصية ولا بالأخلاق، هي الإله الذي لا إله غيره في نظام أنكسمندر؛ هي الواحد السرمدي الذي لا يحول، والذي يختلف كل الاختلاف عن الكثرة الفانية المتغيرة التي في عالم الأشياء. وهنا تلتقي هذه الفلسفة بآراء المدرسة الإليتية Eletic فيما وراء الطبيعة- وهي أن الواحد السرمدي دون غيره هو الحقيقة. ومن هذه اللانهائية التي لا خواص لها تولد العوالم الجديدة في تتابع لا ينقطع أبداً، وإليها تعود هذه العوالم في تتابع

стр. 1824

لا ينقطع أبداً، بعد أن تتطور وتموت. وتحتوي اللانهائية الأزلية على جميع الأضداد- الحر والبرد، والرطوبة والجفاف، والسيولة والصلابة والغازية … ، وهذه الصفات الإمكانية تصبح في حالة التطور حقائق واقعية، وتنشأ منها أشياء محددة مختلفة؛ وفي حالة الانحلال تعود الصفات المتضادة مرة ثانية إلى اللانهائية (ومن هذه الآراء استمد هرقليطس واسبنسر آراءهما). وفي قيام العوالم وسقوطها على هذا النحو تصطرع العناصر المختلفة بعضها مع بعض، ويعتدي بعضها على بعض اصطراع الأضداد المتعادية، ويكون جزاؤها على هذا التضاد هو الانحلال؛ "فتفنى الأشياء في الأشياء التي ولدت منها". ولا يسلم أنكسمندر هو الآخر من الأوهام الفلكية التي يمكن أن تغتفر في عصر لا توجد فيه آلات، ولكنه تفوق على طاليس بقوله إن الأرض اسطوانة معلقة بغير شيء في وسط الكون لا يمسكها غير وجودها على أبعاد متساوية من جميع الأشياء (٣٤). وهو يرى أن الشمس والقمر والنجوم تتحرك في دوائر حول الأرض. وأراد أنكسمندر أن يوضح هذا كله فصنع في إسبارطة مزولة (Gnomon) - وأكبر الظن أنه قلد فيها نماذج بابلية- أظهر فيها حركة الكواكب، وميل الفلك (١) وتعاقب الانقلابين والاعتدالين والفصول (٣٥). وقد استطاع بمعاونة زميله ومواطنه هكاتيوس Hecataeus أن يجعل الجغرافية علماً، وذلك برسمه أول خريطة معروفة للعالم المعمور (٢). ويقول أنكسمندر إن الدنيا في أول صورة لها كانت في حالة الميوعة، ولكن الحرارة الخارجية جففت بعضها فكان أرضاً، وبخرت بعضها فكان سحاباً؛

стр. 1825

وإن اختلاف الحرارة في جَوّها الذي تكوّن بهذه الطريقة قد نشأت عنه حركة الرياح. ونشأت الكائنات الحية بمراحل تدريجية من الرطوبة الأولى؛ وكانت الحيوانات الأرضية في بادئ الأمر سمكاً، ولم تتشكل بأشكالها الحالية إلا بعد أن جفت الأرض. وقد كان الإنسان هو الآخر سمكة، ولا يمكن أن يكون من أول ما ظهر على الأرض قد ولد بالصورة التي هو عليها الآن، وإلا لكان عاجزاً عن الحصول على طعامه، ولهلك (٣٦). وكان أنكسمينيز Anaximenes تلميذ أنكسمندر أقل منه شأناً، والمبدأ الأول عنده هو الهواء. ومن الهواء تنشأ جميع العناصر الأخرى بالتلطيف (تقليل الكثافة) وبه تحدث النار، وبالتكثيف وبه تحدث على التوالي الرياح والسحب والماء والأرض والحجارة. وكما أن الروح وهي هواء، تمسك أجسامنا فكذلك يكون هواء العالم (النوما Pneuma) هو روحه السارية فيه كله أو نفسه أو الإله (٣٧)، وتلك فكرة لا تنال منها جميع أعاصير الفلسفة اليونانية، وتجد لها عاصماً في الرواقية والمسيحية. ولم تنتج هذه الأيام مجد ميليتس وعزتها أقدم ما أنتجته الفلسفة اليونانية فحسب، بل أنتجت أيضاً أقدم النثر وأقدم التاريخ المدون في بلاد اليونان كلها (١). ويبدو أن قول الشعر أمر طبيعي في شباب الأمة، حين يكون الخيال فيها أعظم من المعرفة وحين يجسد الإيمان القوي قوى الطبيعة في الحقل، والغابة، والبحر، والجو. وإن من أصعب الأشياء على الشعر تجنب تجسيد القوى ومنحها روحاً، كما أن أصعب الأشياء على هذا التجسيد وذاك المنح أن يتجنبا الشعر. أما النثر فهو صورة المعرفة التي تخلصت من الخيال ومن الإيمان، وهو لغة الشؤون العادية الدنيوية غير الدينية، وهو رمز نضوج الأمة والشاهد على انقضاء عهد
следующие страницы →