← История

История · id 35104

قصة الحضارة

ول ديورانت

Полный текст (15 136 стр.). Показаны 1821–1860 · переход к 1826.

стр. 1821

وقته في الدرس وأنهمك فيه انهماكاً توحي به قصة سقوطه في حفرة وهو يرقب النجوم. وكان رغم عزلته يهتم بشؤون المدنية، يعرف الطاغية ثراسيبولوس، ويدعو إلى تكوين حلف من الدول الأيونية للدفاع عن نفسها ضد ليديا وفارس (٢٣). وتعزو إليه الروايات المتواترة كلها إدخال العلوم الرياضية والفلكية إلى بلاد اليونان. وتروي إحدى القصص القديمة أنه وهو في مصر قدّر ارتفاع الأهرام بقياس ظلها التي يكون فيها ظل الإنسان مساوياً لطول قامته. ولما عاد إلى أيونيا واصل دراسة الهندسة النظرية التي خلبت لبه بمنطقها السليم، وما فيها من استدلال علمي، وشرح كثير من النظريات التي جمعها إقليدس فيما بعد (١). وكما أن هذه النظريات كانت الأساس الذي قام عليه علم الهندسة النظرية اليونانية، كذلك كانت دراسته لعلم الفلك الأساس الذي قام عليه هذا العلم في الحضارة الغربية، بعد أن خلصه من التنجيم الذي أدخله فيه الشرقيون. وكانت له بعض الأرصاد الصغرى، وقد دهشت بلاد أيونيا بأجمعها حين أفلح بالتنبؤ بخسوف الشمس في الثامن والعشرين من شهر مايو ٥٣٥ ق. م (٢٥)، والراجح أنه قد بنى هذا التنبؤ على أساس السجلات المصرية وعلى حساب البابليين. أما فيما عدا هذا فإن نظريته في نظام الكون لا ترقى كثيراً على ما كان

стр. 1822

شائعاً عن هذا النظام عند المصريين واليهود، فقد ظن أن العالم يتكون من نصف كرة يرتكز على منبسط من الماء لا نهاية له، وأن الأرض قرص مستوي طافٍ على السطح المستوي في داخل هذا الجسم النصف الكري. ويذكرنا هذا بقول جيته Goethe إن الإنسان يشترك في رذائله (أو أخطائه) مع أهل زمانه، أما فضائله (أو فراسته) فإنه ينفرد بها دون سائر الناس. وكما أن بعض الأساطير اليونانية قد جعلت أقيانوس Oceanus والد الخلائق بأجمعها، فكذلك جعل طاليس الماء المبدأ الأول لجميع الأشياء، وشكلها الأصلي ومصيرها النهائي. ويقول أرسطو إنه ربما جاء بهذا الرأي بعد أن شاهد "أن غذاء كل شيء رطب وأن … بذور كل شيء ذات طبيعة رطبة؛ .. وأن ما يتولد منه كل شيء هو دائماً مبدؤها الأساسي" (٢٧). أو لعله كان يعتقد أن الماء هو الصورة الأولى أو الأساسية من صور المادة الثلاث- الغازية والسائلة والصلبة- التي يمكن أن تتحول إليها المواد كلها من الوجهة النظرية؛ وليس أهم ما في آرائه قوله إن الماء أصل كل شيء، بل أهمها إرجاعه الأشياء جميعها إلى أصل واحد؛ ولقد كان ذلك أول قول بوحدة المادة في التاريخ المدون كله. ويصف أرسطو آراء طاليس بأنها مادية؛ ولكن طاليس يضيف إلى أقواله السابقة أن كل جزء في العالم حي، وأن المادة والحياة وحدة لا ينفصل أحد جزأيها عن الآخر، وأن في النباتات والمعادن "نفساً" خالدة كما في الحيوان والإنسان، وأن القوة الحيوية تتغير صورتها ولكنها لا تموت أبداً (٢٨). وكان من عادة طاليس أن يقول إنه لا يوجد فرق جوهري بين الأحياء والأموات. ولما أراد بعض الناس أن يضايقه بسؤال إياه لمَ إذاً يؤثر الحياة على الموت أجابه بقوله: "ذلك لأنه لا فرق بينهما" (٢٩). ولما بلغ سن الشيخوخة أجمع مواطنوه على تلقيبه بلقب الحكيم Sophos، ولما اعتزمت بلاد اليونان أن تخلد أسماء حكمائها السبعة، وضعت اسم طاليس

стр. 1823

على رأسهم، وسُئل طاليس عن أصعب الأشياء فأجاب بقوله الذي جرى مجرى الأمثال: "أن تعرف نفسك"، ولما سُئل عن أسهل الأشياء قال: "أن تسدي النصح"، وسُئل ما هو الله؟ فأجاب "هو ما ليس له بداية ولا نهاية"، وسُئل كيف يستطيع الناس أن يعيشوا عيشة الفضيلة والعدالة فأجاب: "ألا نفعل نحن ما نلوم غيرنا على فعله" (٣٠). ويقول ديوجينيز ليرتيوس Diogenes Laertius (٣١) : إنه مات "وهو يشاهد مباراة في الألعاب الرياضية، بعد أن أضناه الحر والظمأ والتعب لأنه بلغ سن الشيخوخة". ويقول استرابون (٣٢). إن طاليس كان أول من كتب في الفيزيولوجيا أي علم الطبيعة (Physics) ، أو مبدأ وجود الأشياء وتطورها. وقد تقدم علمه تقدماً عظيماً على يد تلميذه أنكسمندر؛ وقد عاش بين عامي ٦١١، ٥٤٩ ق. م. ولكنه نشر على الناس فلسفة تشبه شبهاً عجيباً الفلسفة التي نشرها هربرت اسبنسر Herbert Spencer في عام ١٨٦٠ م، وهو يهتز طرباً من قوة ابتكاره الفطين. ويقول أنكسمندر إن المبدأ الأول كان لا نهائية غير محددة واسعة الأرجاء (Apeiron) ، أي كتلة غير محددة ليست لها صفات خاصة، ولكنها تنمو وتتطور بما فيها من قوى ذاتية، حتى نشأت منها جميع حقائق الكون المختلفة (١). وهذه اللانهائية الحية السرمدية التي لا صلة لها بالشخصية ولا بالأخلاق، هي الإله الذي لا إله غيره في نظام أنكسمندر؛ هي الواحد السرمدي الذي لا يحول، والذي يختلف كل الاختلاف عن الكثرة الفانية المتغيرة التي في عالم الأشياء. وهنا تلتقي هذه الفلسفة بآراء المدرسة الإليتية Eletic فيما وراء الطبيعة- وهي أن الواحد السرمدي دون غيره هو الحقيقة. ومن هذه اللانهائية التي لا خواص لها تولد العوالم الجديدة في تتابع لا ينقطع أبداً، وإليها تعود هذه العوالم في تتابع

стр. 1824

لا ينقطع أبداً، بعد أن تتطور وتموت. وتحتوي اللانهائية الأزلية على جميع الأضداد- الحر والبرد، والرطوبة والجفاف، والسيولة والصلابة والغازية … ، وهذه الصفات الإمكانية تصبح في حالة التطور حقائق واقعية، وتنشأ منها أشياء محددة مختلفة؛ وفي حالة الانحلال تعود الصفات المتضادة مرة ثانية إلى اللانهائية (ومن هذه الآراء استمد هرقليطس واسبنسر آراءهما). وفي قيام العوالم وسقوطها على هذا النحو تصطرع العناصر المختلفة بعضها مع بعض، ويعتدي بعضها على بعض اصطراع الأضداد المتعادية، ويكون جزاؤها على هذا التضاد هو الانحلال؛ "فتفنى الأشياء في الأشياء التي ولدت منها". ولا يسلم أنكسمندر هو الآخر من الأوهام الفلكية التي يمكن أن تغتفر في عصر لا توجد فيه آلات، ولكنه تفوق على طاليس بقوله إن الأرض اسطوانة معلقة بغير شيء في وسط الكون لا يمسكها غير وجودها على أبعاد متساوية من جميع الأشياء (٣٤). وهو يرى أن الشمس والقمر والنجوم تتحرك في دوائر حول الأرض. وأراد أنكسمندر أن يوضح هذا كله فصنع في إسبارطة مزولة (Gnomon) - وأكبر الظن أنه قلد فيها نماذج بابلية- أظهر فيها حركة الكواكب، وميل الفلك (١) وتعاقب الانقلابين والاعتدالين والفصول (٣٥). وقد استطاع بمعاونة زميله ومواطنه هكاتيوس Hecataeus أن يجعل الجغرافية علماً، وذلك برسمه أول خريطة معروفة للعالم المعمور (٢). ويقول أنكسمندر إن الدنيا في أول صورة لها كانت في حالة الميوعة، ولكن الحرارة الخارجية جففت بعضها فكان أرضاً، وبخرت بعضها فكان سحاباً؛

стр. 1825

وإن اختلاف الحرارة في جَوّها الذي تكوّن بهذه الطريقة قد نشأت عنه حركة الرياح. ونشأت الكائنات الحية بمراحل تدريجية من الرطوبة الأولى؛ وكانت الحيوانات الأرضية في بادئ الأمر سمكاً، ولم تتشكل بأشكالها الحالية إلا بعد أن جفت الأرض. وقد كان الإنسان هو الآخر سمكة، ولا يمكن أن يكون من أول ما ظهر على الأرض قد ولد بالصورة التي هو عليها الآن، وإلا لكان عاجزاً عن الحصول على طعامه، ولهلك (٣٦). وكان أنكسمينيز Anaximenes تلميذ أنكسمندر أقل منه شأناً، والمبدأ الأول عنده هو الهواء. ومن الهواء تنشأ جميع العناصر الأخرى بالتلطيف (تقليل الكثافة) وبه تحدث النار، وبالتكثيف وبه تحدث على التوالي الرياح والسحب والماء والأرض والحجارة. وكما أن الروح وهي هواء، تمسك أجسامنا فكذلك يكون هواء العالم (النوما Pneuma) هو روحه السارية فيه كله أو نفسه أو الإله (٣٧)، وتلك فكرة لا تنال منها جميع أعاصير الفلسفة اليونانية، وتجد لها عاصماً في الرواقية والمسيحية. ولم تنتج هذه الأيام مجد ميليتس وعزتها أقدم ما أنتجته الفلسفة اليونانية فحسب، بل أنتجت أيضاً أقدم النثر وأقدم التاريخ المدون في بلاد اليونان كلها (١). ويبدو أن قول الشعر أمر طبيعي في شباب الأمة، حين يكون الخيال فيها أعظم من المعرفة وحين يجسد الإيمان القوي قوى الطبيعة في الحقل، والغابة، والبحر، والجو. وإن من أصعب الأشياء على الشعر تجنب تجسيد القوى ومنحها روحاً، كما أن أصعب الأشياء على هذا التجسيد وذاك المنح أن يتجنبا الشعر. أما النثر فهو صورة المعرفة التي تخلصت من الخيال ومن الإيمان، وهو لغة الشؤون العادية الدنيوية غير الدينية، وهو رمز نضوج الأمة والشاهد على انقضاء عهد

стр. 1826

شبابها. وقد ظل الأدب اليوناني كله تقريباً إلى العصر الذي نتحدث عنه (٦٠٠ ق. م)، وصقل التعليم أخلاق اليونان شعراً لا نثراً، بل إن الفلاسفة الأولين أمثال زنوفانيز، وبرميدس، وأنبدقليز قد ألبسوا نظامهم الفلسفي ثوباً شعرياً؛ وكما أن العلم كان في بداية الأمر صورة من صور الفلسفة تكافح لتكرر نفسها من الصور العامة النظرية غير القابلة للتحقيق، كذلك كانت الفلسفة في أول عهدها من صور الشعر، تحاول أن تتحرر من الأساطير، وتجسيد القوى ومنحها روحاً، ومن التشابه والاستعارات (١). ولذلك كان من الحوادث المهمة في تاريخ العلم أن يشرح فرسيدس Pherecydes وانكسمندر آراءهما نثراً. وقد بدأ رجال غيرهما في ذلك العصر نفسه يسميهم اليونان لوجوجرافوي أي الكُتَّاب العقليين أو كُتَّاب النثر، بدءوا يسجلون بهذه الوسيلة الجديدة تواريخ دولهم، فكتب كدموس Cadmus (٥٥٠) تاريخاً لميليتس، وكتب يوجايون Eugaeon تاريخاً لساموس، وكتب زانثوس Xanthus تاريخاً لليديا. وفي أواخر ذلك القرن ارتقى هكتيوس Hecataeus الميليتي بالتاريخ والجغرافية رقياً عظيماً في كتابين يعدان فتحاً جديداً في هذين العلمين هما الهسترياي Historiai أو البحوث والجس بريودوس Ges Periodos أو دورة الأرض. وقد قسم الكتاب الثاني الكوكب الأرضي قارتين هما أوربا وآسية وضم مصر إلى آسية. وإذا كانت الأجزاء الباقية من هذا الكتاب حقيقية؛ فإن فيها معلومات قيمة عن مصر سطا هيرودوت على الكثير منها دون أن يعترف بهذا. وقد بدأ كتاب البحوث بهذه العبارة القوية الدالة على تشككه: "إني أكتب ما أرى أنه حق؛ لأن روايات اليونان في نظري كثيرة وسخيفة". وكان هكتيوس يعد أقوال هومر تاريخاً، وأخذ منها

стр. 1827

عدة قصص وهو مغمض العينين، على أنه قد حاول محاولة شريفة أن يميز الحقائق من الأساطير، وأن يتعقب الأنساب الحقة، وأن يحاول الوصول إلى تاريخ لليونان يمكن الركون إليه. وجملة القول أن كتابة التاريخ اليوناني كانت قديمة العهد حين ولد "أبو التاريخ". وكان هكتيوس وغيره من الكتاب العقليين الذين ظهروا في هذا العصر في معظم مدن اليونان ومستعمراتهم يفهمون من كلمة هستوريا (١) بحث الحقائق المتصلة بأية مادة من الموارد العلمية، سواء كانت متصلة بالعلوم الطبيعية أو الفلسفة أو بكتابة التاريخ بمعناه الحديث. وكان لهذا اللفظ في أيونيا معنى يثير الريبة في نفوس أهلها؛ فقد كانوا يفهمون منه أنه يراد به أن يستبدل بقصص المعجزات الخاصة بالآلهة وبالأبطال أنصاف الآلهة، سجلات للحوادث الدنيوية وتفاسير عقلية لِعِلَلْ هذه الحوادث ونتائجها. وقد بدأت هذه العملية بهكتيوس، وتقدمت على يد هيرودوت، وبلغت غايتها على يد توكيديدس. ويرتبط فقر النثر اليوناني قبل هيرودوت بهزيمة ميليتس وتغلب المغيرين عليها وفقرها في العصر الذي بدأ فيه النثر. ذلك أن الاضمحلال الداخلي قد مهد السبيل للفاتحين كما جرت العادة في مختلف العصور، وقد كان ازدياد الثراء وانتشار الترف سبباً في انغماس الناس في الملاذ، وبدت الرواقية والوطنية في نظر الناس من المبادئ العتيقة السخيفة؛ وجرت على ألسنة اليونان تلك العبارة التي يسخرون بها من أهل ميليتس: "لقد كان الميلينيون شجعاناً في يوم من الأيام" (٣٨). واشتدت المنافسة بين الأهلين للحصول على طيبات الحياة، حين فقد الإيمان القديم قدرته على تخفيف النزاع بين الطبقات، ببث مبادئ الرحمة والعدالة في

стр. 1828

نفوس الأقوياء، والسلوى في نفوس الضعفاء؛ وأصبح الأغنياء وهم عماد الدكتاتورية الألجركية حزباً متحداً يقف في وجه الفقراء المطالبين بالديمقراطية؛ ولكن الفقراء استولوا على زمام الحكم، وطردوا الأغنياء من البلاد، وجمعوا من بقي من أبناء الأغنياء في أماكن الدراس، وأطلقوا عليهم الثيران فداستهم بأقدامها وقضت عليهم جميعاً. ثم عاد الأغنياء وقبضوا على أزمة الحكم وطلوا جلود زعماء الديمقراطية بالقار وأحرقوهم أحياء (٣٩). وستقال عنا هذه القصة في مستقبل الأيام. ولما شرع كروسس في عام ٥٦٠ يخضع إلى حكم ليديا ساحل آسية الصغرى اليوناني، الممتد من نيدس إلى الهلسبنت (الدردنيل)، حافظت ميليتس على استقلالها بامتناعها عن مساعدة أخواتها من الدول اليونانية. ولكن قورش فتح ليديا في عام ٥٤٦، ولم يجد صعوبة كبيرة في الاستيلاء على مدن أيونيا التي مزقتها الانقسامات الداخلية، وضمها إلى الدول الفارسية، وانقضى بذلك عصر ميليتس المجيد. إن العلم والفلسفة في تاريخ الدول يصلان إلى غايتهما بعد أن يبدأ فيهما الانحلال، ذلك أن الحكمة نذير الموت. ٢ - بوليكراتيز الساموسي على شاطئ الخليج في مقابل ميليتس، بالقرب من منافذ نهر الميندر Maender كانت تقوم بلدة ميوس المتواضعة أشهر مدائن البرييني Priene، وكان يسكنها في القرن السادس بياس Bias أحد الحكماء السبعة، ونقول سبعة وإن كان هرمبوس Hermippus يقول إنهم سبعة عشر، لأن اليونان اختلفوا في أسمائهم فوضع كل منهم أسماء غير التي وضعها الآخر. ولكن معظمهم متفقون على طاليس، وصولون؛ وبياس، وبتكوس Pittacus الميليتي، وبريندر الكورنثي، وشيلون Chilon الإسبارطي، وكليوبولوس Cleobolus اللندي (Lindus) من أعمال رودس. وكانت بلاد اليونان تعظّم الحكمة كما

стр. 1829

تعظّم الهند الدين، وكما عظّمت إيطاليا في عهد النهضة العبقرية الفنية، وكما تعظم أمريكا الناشئة بطبيعة الحال المشروعات الاقتصادية. فأبطال اليونان لم يكونوا قديسين أو فنانين أو من أصحاب الملايين، بل كانوا حكماء، ولم يكن أجل حكمائهم هم أصحاب النظريات العلمية، بل كانوا رجالاً جعلوا لحكمتهم عملاً جدياً نشيطاً في العالم. وأصبحت أقوال هؤلاء الرجال حكماً وأمثالاً يتناقلها اليونان، وكانت في بعض الأحيان تنقش على جدران معبد أبلو في دلفي. فقد كان الناس مثلاً مولعين بترديد قول بياس، إن أبأس الناس من لم يعرف كيف يصبر على البؤس، وإن على الناس أن ينظموا حياتهم كما لو كانوا قد قدر عليهم أن يعيشوا طويلاً أو قصيراً، وإن "الحكمة يجب أن يُعتز بها وأن تكون وسيلة للانتقال من الشباب إلى الشيخوخة، لأنها أبقى من كل ما عداها مما يملكه الإنسان" (٤٠). وإلى غرب بريني تقوم جزيرة ساموس ثانية جزائر أيونيا في الاتساع. وكانت حضارتها تقوم على ساحلها الجنوبي الشرقي؛ وكان الإنسان إذا ما دخل موفأها الأمين، بالسفن الحمراء الذائعة الصيت التي يتألف منها أسطول الجزيرة، شاهد المدينة أمامه كأنها مشيدة من القرميد على سفح التل. وكان أول ما شاهده الأرصفة والحوانيت، ثم يرى بعدئذ البيوت؛ ثم حصنها القائم على ربوة، ثم هيكل هيرا العظيم، ومنهن وراء هذه كلها سلاسل متتابعة من الجبال والقلل تعلو إلى خمسة آلاف قدم. لقد كان ذلك بلا ريب منظراً يثير الحماسة الوطنية في قلب كل ساموسي. ووصلت ساموس إلى أوج عظمتها في الربع الثالث من القرن السادس تحت حكم بوليكراتيز Polycrates. وقد استطاع هذا الطاغية بفضل المال الذي تدره عليه رسوم الميناء أن يقضي فترة من البطالة كانت تنذر الجزيرة بأوخم العواقب، فوضع خطة لإقامة منشآت عامة أثارت إعجاب هيرودوت. وكان أعظم مشروعاته نفق في جبل ينقل الماء إلى المدينة مسافة ٤٥٠٠ قدم. وفي

стр. 1830

وسعنا أن نستدل بعض الاستدلال على مهارة اليونان الرياضية والهندسة، إذا عرفنا أن الثقبين الذين بدءا من اتجاهين متضادين التقيا في وسط النفق، وأن الخطأ في تقديرهم عند التقائهما لم يزد على ثماني عشرة قدماً في الاتجاه وعلى تسع أقدام في الارتفاع (١). وكانت ساموس مركزاً من مراكز الثقافة قبل بوليكراتيز بزمن طويل. ففيها عاش إيسوب صاحب الخرافات المشهورة، وكان عبداً فريجياً للادمون Lodmon اليوناني. وتقول إحدى الروايات التي لم تؤيد بعدُ إن لادمون أعتقه وإن إيسوب سافر كثيراً والتقى بصولون، وعاش في بلاط كروسس، واستولى على الأموال التي كلفه كروسس بتوزيعها في دلفي، وإنه لقي حتفه على يد الدلفيين الذين اغتصبوا مالهم (٤٢). وكانت خرافاته التي أخذ معظمها من مصادر شرقية منتشرة بين الأثينيين في عصر بلادهم الأدبي. ويقول بلوتارخ إن سقراط قد نظمها شعراً (٤٣)، وإن ما فيها من فلسفة، فلسفةٌ يونانية خالصة، وإن كانت الخرافات نفسها مصوغة في قالب شرقي: "ما أحلى جمال الطبيعة؛ والأرض والبحر، والنجوم وقرص الشمس والقمر، وأما ما عدا هذه فخوف وألم" (٤٤) وخاصة إذا اغتصب الإنسان مال غيره! ولا نزال حتى الآن نلتقي به في الفاتيكان حيث نراه على كوب من عصر بركليز ذي رأس أصاب الصلع نصفه ولحية كلحية فانديك Vandyke، يستمع إلى ثعلب مرح يروي له قصة ذات فائدة له (٤٥). وفي ساموس ولد فيثاغورس العظيم، ولكنه غادرها في عام ٥٢٩ ليعيش في كروثونا بإيطاليا. وجاء أنكريوس من تيوس Teos إلى ساموس ليتغنى بمحاسن بوليكراتيز ويربي له ابنه؛ وكانت أعظم شخصية في بلاد بوليكراتيز هي شخصية الفنان ثيودوس Theodorus ليوناردو ساموس، الذي يعرف

стр. 1831

طرفاً من كل شيء ويجيد معظم ما يعرف. ويعزو إليه اليونان - ولعلهم فعلوا هذا بعد بحث وتنقيب -اختراع ميزان الماء، وزاوية النجار، والمخرطة (٤٦). وكان ماهراً في الحفر على الجواهر، كما كان يحترف صنع الأدوات المعدنية والحجرية والخشبية؛ وكان مثالاً ومهندساً معمارياً، اشترك في تصميم المعبد الثاني لأرتميس في إفسوس، وشاد قبة عظيمة للجمعيات العامة في إسبارطة، وساعد على إدخال التماثيل والنماذج الطينية إلى بلاد اليونان، وشارك ريكوس Rhoecus شرف إدخال صناعة صب البرونز المجوف من مصر أو من أشور إلى ساموس (٤٧). وكان اليونان قبل ثيودورس يصنعون تماثيل برونزية غير متقنة بتثبيت ألواح من المعدن على "قنطرة" من الخشب (٤٨)، أما في أيامه فقد استطاعوا أن يخرجوا من روائع الصناعة البرونزية أمثال راكب العربة في دلفي وقاذف القرص في ميرون. واشتهرت ساموس فضلاً عن هذا بفخارها؛ ويثني بلني على هذا الفخار بقوله إن كهنة سيبيل لم يكونوا يستخدمون غير شقافة ساموس في حرمان أنفسهم من رجولتهم (٤٩). ٣ - هرقليطس الإفسوسي وعلى الجانب الثاني المقابل لساموس من خليج كايسترا كانت تقوم إفسوس أشهر مدائن أيونيا، وقد أنشأها حوالي عام ١٠٠٠ ق. م مستعمرون من أثينة. وكان اجتماع تجارة نهري كايشتر وميندر سبباً في رخاء المدينة. وكان في أصلها، وفي دينها، وفنها، عنصر شرقي واضح. وكانت أرتميز التي تُعبد فيها من بداية أمرها إلى نهايته إلهة شرقية للأمومة والخصوبة. وقد حدثت في هيكلها العظيم وفيات كثيرة وعاد فيه إلى الحياة خلق لا يقلون في عددهم عمن ماتوا فيه. وقد شُيد هيكلها الأول حوالي عام ٦٠٠٠ ق. م. في موضع كان فيه من قبل هيكل قديم، وأعيد بناؤه مرتين ودمر مرتين، ولعله كان أول صرح

стр. 1832

عظيم شُيد على الطراز الأيوني. وشُيد الهيكل الثاني حوالي عام ٥٤٠ وقدم كروسس جزءاً كبيراً من المال الذي أنفق في تشييده، واشترك في تصميمه بيونيوس الإفسوسي وثيودورس الساموسي، ودمتريوس أحد كهنة الضريح. وكان أكبر هيكل يوناني أقيم حتى ذلك الوقت، وكان بعد بلا نزاع من بين عجائب الدنيا السبع (١). ولم تشتهر المدينة بهياكلها وحدها، بل اشتهرت أيضاً بشعائرها، وفلاسفتها، وبنسائها ذوات الجلابيب الغالية (٥١). وعاش فيها في ذلك الزمن البعيد أي حوالي ٦٩٠ ق. م كلنوس Callinus أول من نعرف من شعراء المرائي في بلاد اليونان. وكان أعظم منه قدراً وأقبح منه منظراً هبوناكس Hipponax الذي ألف عام ٥٥٠ قصائد قبيحة في موضوعها، غامضة في ألفاظها، لاذعة في فكاهتها، دقيقة في وزنها الشعري، جعلت بلاد اليونان كلها تتحدث عنه، وإفسوس كلها تحقد عليه. وكان قصير القامة نحيل الجسم، أعرج، مشوهاً، غاية في قبح المنظر. ويقول في بعض ما بقي من إحدى قصائده إن المرأة تسبب السعادة للرجل في يومين - "أحدهما يوم يتزوجها، والثانية يوم يدفنها" (٥٢). وكان هجّاءً قاسياً، هجا كل عظيم في إفسوس من أحقر المجرمين إلى أعظم كهنة الهيكل، ولما عرض المثالان بوبالوس Bupalus وأثنيس Athenis رسماً له مضحكاً لطيفاً، هجاهما في شعره هجواً لاذعاً بلغ من القذارة حداً جعله أبقى على الدهر من حجارتهم وأحد من أسنان الزمان. وكان أعظم أبناء إفسوس كلهم هو هرقليطس الغامض Heracleitus The Obscure

стр. 1833

وقد ولد في عام ٥٣٠ من أسرة نبيلة، ولذلك كان يرى أن الديمقراطية نظام خاطئ. ومن أقواله في هذا المعنى: (١) "إن الفاسدين كثيرون والصالحين قلائل" و "عندي أن رجلاً واحداً خير من عشرة آلاف إذا كان هو أحسنهم" (١١٣). ولكن الأشراف أنفسهم لم يعجبوه، كما لم يعجبه العلماء والنساء. وقد كتب في هذا المعنى خاصة بعبارة طريفة هي: "إن العلم الكثير لا يُكوِّن العقل، ولو كان يُكوِّنه لأفاد هزيود، وفيثاغورس، وزنوفانيز، وهكاتيوس". (١٦) "لأن الحكمة الحقة الوحيدة هي معرفة الفكرة التي تسيطر بنفسها على كل شيء في جميع الأحوال" (١٩). ثم خرج، كما كان يخرج حكماء الصين، ليعيش في شعاب الجبال، ويجيل العقل في الفكرة الوحيدة التي يستطيع بها أن يفسر كل شيء. وترفع عن شرح ما هداه إليه تفكيره في ألفاظ يفهمها عامة الناس، وأخذ يطلب في غموض الحياة وغموض الأقوال ملجأ يعصمه من متابعة الأحزاب والعامة الذين يقتلون الفردية، ولذلك أخذ يعبر عن آرائه في أمثال جامعة غامضة في الطبيعة، أودعها هيكل أرتميز لتحير عقول الخلف. وقد صُوَّر هرقليطس في الأدب الحديث بأنه يقيم فلسفته حول فكرة التغير، ولكن من الصعب علينا أن نجد القليل الباقي من هذه الفلسفة، ما يؤيد هذا التفسير. وقد كان يتوق كما يتوق معظم الفلاسفة للكشف عن الواحد المستتر وراء الكثرة، وعن وحدة تثبت العقول، ونظام بين ما في العالم من زحام وفوضى وكثرة. وقد قال في هذا المعنى قولاً لا يقل قوة وحماساً عن قول برمنيدز Parmenidez (١) إن الأشياء كلها وحدة؛ والمشكلة التي تواجهها الفلسفة هي أن تعرف ما هي هذه الوحدة. وقد أجاب هرقليطس عن هذا السؤال بأنها

стр. 1834

هي النار. ولعله كان في هذا الجواب متأثراً بعبادة الفرس للنار. وأكبر الظن أنه كان يستعمل هذا اللفظ استعمالاً رمزياً وحرفياً معاً، ويقصد به الطاقة كما يقصد به النار نفسها، كما نستدل على هذا من جمعه بين النار والنفس والله في معنى واحد. على أننا ليس في وسعنا أن نقطع برأي في هذا بالاستناد إلى القليل الباقي من فلسفته. انظر مثلاً إلى قوله: "إن هذا العالم … لم يصنعه إله ولا إنسان، ولكنه كان منذ الأزل، وهو كائن، وسيكون، ناراً حية أزلية، توقد بقدر، وتنطفئ بقدر" (٢٠)، وكل شيء صورة من صور النار، فهو إما في "طريق" النار "إلى أسفل" في تكثفها المتتابع إلى رطوبة، فماء، فأرض؛ أو إلى "طريقها إلى أعلى" من الأرض، إلى الماء، إلى الرطوبة (١)، إلى النار (٥٤). ومما يضايق هرقليطس في النار الخالدة أنها تتبدل تبدلاً لا يقف عند حد، وإن كان يجد فيها ثباتاً يخفف عنه ما يسببه هذا التبدل من ضيق؛ والمحور الثاني الذي يدور حوله تفكيره هو أبدية "هذا التبدل ووجوده في كل شيء، فهو لا يجد قط شيئاً جامداً في الكون أو في العقل أو في النفس؛ فلا شيء كائن بل

стр. 1835

كل شيء صائر، وليس ثمة حالة تبقى على حالها دون أن تتغير، حتى في أقصر اللحظات؛ فكل شيء دائب على الخروج عن حاله التي هو عليها، صائر إلى ما سيكون عليه. وتلك حال جديدة من حالات الفلسفة تلقى من هرقليطس عناية وتوكيداً، وهو لا يقتصر (كما يقتصر طاليس) على السؤال عن ماهية الأشياء في حاضرها، ولكنه يسأل كما يسأل أنكسمندر، ولكريشيوس، واسبنسر عن الطريقة التي أدت بها إلى ما هي عليه. وهو يشير، كما يشير أرسطو، إلى أن دراسة الحالة الثانية هي خير طريقة تعرف بها الأولى. ولسنا نجد فيما بقي لدينا من أمثاله المثل القائل: "كل شيء يسير، ولا شيء يسكن" (Panta rei،ouden menei) ، ولكن الأقدمين على بكرة أبيهم يعزون هذا المثل إلى هرقليطس (٥٦): "إنك لا تستطيع أن تخطو خطوتين في نهر واحد، لأن مياهاً أخرى لا تنفك تجري إليك" (٤١). "نحن كائنون ونحن غير كائنون" (٨١)؛ والكون عنده كما هو عند هيجل صيرورة كبرى. والتضاعف، والاختلاف، والتغير حقائق لا تقل في ذلك عن الوحدة، والذاتية، والكينونة؛ والتعدد، حقيقة لا تقل في ذلك عن الوحدة (٥٧). فالكثرة هي الوحدة؛ وكل تغير ما هو إلا انتقال الأشياء نحو حالة النار أو منها، إن الوحدة هي الكثرة، وفي قلب النار نفسها يخفق التغير الذي لا يستقر أبداً (١). ومن هنا ينتقل هرقليطس إلى العنصر الثالث من عناصر فلسفته - وهو وحدة الأضداد، واعتماد المتناقضات بعضها على بعض، وائتلاف النزاع. "الله هو الليل والنهار، والشتاء والصيف، والحرب والسلم، والتخمة والجوع" (٣٦). "والخيّر والشرير واحد، وكذلك الخير والشر" (٥٧ - ٥٨) "والحياة والموت شيء واحد، كذلك اليقظة والنوم، والشباب والشيخوخة" (٧٨) لأن هذه

стр. 1836

الأضداد كلها مراحل في حركة متقلبة، ولحظات في النار الدائمة التغير؛ وكل فرد في الزوجين المتضادين لا غنى عنه لمعنى الآخر ووجوده، والحقيقة هي توتر الأضداد وتفاعلها وتبادلها وتغيرها ووحدتها وانسجامها. "وهم لا يفهمون كيف يتفق مع نفسه ما يختلف مع نفسه. وهنا يكون تتطابق التوترات المتضادة، كتطابق قوس الرامي ووتر القيثارة" (٤٥)، فكما أن وتر الآلة الموسيقية إذا أرخيته أو شددته أحدث التآلف في الذبذبة الذي نسميه موسيقى أو نغمة، فكذلك تبادل الأضداد وتنازعها يخلق جوهر تآلف الحياة والتغير ومعناهما. وفي النزاع القائم بين كائن حي وكائن حي، وبين رجل ورجل، وبين رجل وامرأة، وبين جيل وجيل، وبين طبقة وطبقة، وبين أمة وأمة، وبين فكرة وفكرة، وبين عقيدة وعقيدة، تكون الأضداد المحتربة هي اللحمة والسدى على نول الحياة، تعمل كل منها لغاية تناقض التي تعمل لها الأخرى، لتنتج وحدة الكل غير المنظورة واتفاقه المخبوء. وأجمل التطابق ما كان بين الأشياء التي تختلف (٤٦)؛ وليس هذا المعنى بخافٍ على كل عاشق. وهذه المبادئ الثلاثة جميعها - النار والتغير ووحدة التوتر في الأضداد - تدخل كلها في فكرة هرقليطس عن الروح والله. وهو يسخر من الذين "يسعون عبثاً ليطهروا أنفسهم من خفايا الدم بتدنيس أنفسهم بالدم" (١٣٠)، ومن الذين يُصَلّون إلى التماثيل القائمة هنا - ولا فرق بين من يفعل هذا وبين من يخاطب البيوت؛ إن هؤلاء الناس لا يعرفون قط شيئاً عن طبيعة الآلهة الحقة (١٢٦). وهو لا يوافق فكرة الخلود الشخصية، ويقول إن الإنسان أيضاً، ككل شيء آخر، لهب كثير التغير كثير التقلب، "يشتعل ثم ينطفئ كالضوء في الليل" (٧٧). والإنسان في هذه الحالة نفسها، نار؛ والنفس، أو المبدأ الحيوي في الإنسان، جزء من الطاقة الخالدة في الأشياء جميعها؛ وهي بهذا الوصف لا تموت أبداً، والموت والميلاد نقطتان حددهما العقل البشري المحلل

стр. 1837

للأشياء تحديداً تعسفياً؛ ولكنهما من وجهة نظر الكون النزيهة الخالية من التحيزات لا تعدوان أن تكونا صورتين من صور تغير الأشكال التي لا تقف عند حد؛ ففي كل لحظة من اللحظات يموت جزء منا، ويعيش الكل، وفي كل ثانية يموت واحد منا وتبقى الحياة. والموت بداية كما هو نهاية؛ والمولد نهاية كما هو بداية. وألفاظنا، وأفكارنا، وحتى أخلاقنا نفسها، نزعات وأهواء، وتمثيل لمصالحنا مجزأة أو مجتمعة؛ ومن واجب الفلسفة أن تنظر إلى الأشياء الفردية في ضوء المجموع. "والأشياء كلها عند الله جميلة طيبة، حقة؛ ولكن الناس يرون بعض الأشياء خطأ ويرون بعضها صواباً" (٦١). وكما أن الروح لسان عابر من لهب الحياة المتغير إلى أبد الدهر، فكذلك الله هو النار الخالدة الأبدية، وهو طاقة العالم التي لا تفنى أبداً. وهو الوحدة التي تربط جميع الأضداد، وهو الانسجام الكائن بين جميع التفاعلات، وهو جماع المعاني في كل المشاحنات. وهذه النار المقدسة كالحياة (لأن كلتيهما توجد في كل مكان، وهما شيء واحد) تغير شكلها على الدوام، ولا تنفك تنقل إلى أعلى أو أسفل على سلم التغير، ولا تفتأ تبيد الأشياء وتعيد صنعها؛ والحق أنه سيأتي يوم بعيد "تحكم فيه النار على جميع الأشياء وتدينها" (٢٦)، تهلكها وتمهد السبيل لأشكال جديدة، في يوم الحساب الأخير، أو يوم الكارثة الكونية. بيد أن أعمال النار الخالدة ليست خالية من المعنى أو مجردة من النظام؛ ولو أننا استطعنا أن نفهم العالم مجتمعاً، لرأينا فيه حكمة عظيمة غير شخصية، علماً أو عقلاً أو كلمة (٦٥)؛ ومن واجبنا أن نحاول تشكيل حياتنا بحيث تتفق مع هذه السُّنة من سنن الطبيعة، وهذا القانون العالمي، هذه الحكمة أو الطاقة المنظمة التي هي الله (٩١). "إن من الحكمة ألا تستمعوا إليَّ، بل إلى الكلمة" (١)، وأن تبحثوا عن العقل اللانهائي للكل وتتبعوه.

стр. 1838

وحين يطبق هرقليطس على الأخلاق هذه القواعد الأربع الأساسية من أفكاره - الطاقة، والتغير، ووحدة الأضداد - وعقل الكل - ينير بعمله هذا سبيل الحياة كلها والسلوك كله. فالطاقة إذا سيطر عليها العقل، واقترنت بالنظام، نشأ عنها أعظم الخير. وليس التغير شراً بل هو خير وبركة؛ "وفي التغير يجد الإنسان الراحة؛ والإنسان يمل الكدح الدائم في الأشياء نفسها والبدء دائماً من جديد" (٧٢ - ٧٣). وحاجة الأضداد بعضها إلى بعض تجعل نزاع الحياة وآلامها شيئاً معقولاً لا يمكن فهمه وغفرانه. "ليس حصول الناس على كل ما يرغبون فيه هو أحسن الأشياء؛ فالمرض هو الذي يجعل الصحة سارة حلوة؛ والشر هو الذي يفهم به الإنسان الخير، والجوع هو الذي يُفهم به الشبع، والكدح هو الذي يُفهم به الراحة" (١٠٤). وهو يلوم الذين يرغبون في القضاء على ما في العالم من نزاع (٤٣)؛ فبغير تَشَادّ الأضداد لا يكون هناك تآلف، ولا ينسج نسيج حي ولا يحدث تطور. وليس الانسجام هو القضاء على النزاع وإنما هو تَشَادّ لا ينتهي بانتصار عنصر على عنصر، بل يعمل فيه العنصران دون أن يستغني كلاهما عن الأخر (كتطرف الشباب وتحفظ المشيب)، وتنازع البقاء ضروري لكي ينفصل الأطيب عن الأخبث، وينشأ الأعلى. والنزاع والد كل شيء ومَلِك كل شيء، وقد اختار البعض ليكون لآلهة، والبعض ليكونوا رحالاً؛ وجعل البعض عبيداً، والبعض أحراراً (٤٤). وفي النهاية يكون التنازع هو "العدالة" (٦٢). وتنافس الأفراد، والجماعات، والأنواع، والأنظمة، والإمبراطوريات يكوَّن محكمة الطبيعة العليا، التي لا ُيستأنف حكمها ولا يُنقض. وفلسفة هرقليطس في جملتها، كما تجمعها لنا الآن مائة وثلاثون جذاذة متفرقة، تعد من أعظم نتاج العقل اليوناني. وقد انتقلت نظرية النار المقدسة منها إلى الرواقية؛

стр. 1839

كما انتقلت منها فكرة النار الأخيرة إلى المسيحية بطريق الرواقية، وكما صارت الكلمة أو عقل الطبيعة في اللاهوت المسيحي هي الكلمة الإلهية، أو الحكمة المجسدة التي يخلق الله بها الأشياء كلها ويحكمها. وقد مهدت هذه الفلسفة إلى حد ما لفكرة القانون الطبيعي في الفلسفة الحديثة؛ وأصبحت الفضيلة بوصفها إطاعة الطبيعة شعار الرواقية؛ وانتعشت وحدة الأضداد انتعاشاً قوياً في فلسفة هيجل، واستردت فكرة التغير في فلسفة برجسن Bergson ما كان لها من قوة، وعادت إلى الظهور فكرة التنازع والكفاح المحددة لجميع الأشياء، في فلسفة دارون، واسبنسر، ونتشه - وقد واصل آخرهم حرب هرقليطس ضد الديمقراطية بعد أربعة وعشرين قرناً. ولا نكاد نعرف شيئاً عن حياة هرقليطس؛ ولا نعرف عن موته إلا قصة لا سند لها، رواها إديوجنيس ليرتس توضح لنا ما قد تنتهي إليه حياة النوابغ الأفذاذ. ذلك أنه أصبح أخيراً شديد الكره للإنسانية، فكان يقضي وقته يضرب في الجبال يقتات بالعشب والنبات، فأصابه بسبب هذا داء الاستسقاء، وعاد إلى المدينة يسأل الأطباء ويحاورهم هل يستطيعون أن يحدثوا الجفاف بعد الجو الرطب؟ ولما لم يفهموه حبس نفسه في حظيرة ثيران، وغطى نفسه بروث البقر، لعل الرطوبة تتبخر منه بما يحدثه هذا الروث من دفء، ولكن عمله هذا لم يفده شيئاً، ومات بعد أن عاش من العمر سبعين عاماً (٥٨). ٤ - أنكريون التئوسي تقوم كلوفون Colophon على مسيرة بضعة أيام من إفسوس، ولعل اسمها مأخوذ من اسم التل الذي تقوم على جانبه (١) وقد ولد فيها حوالي ٥٧٦ ق. م.

стр. 1840

زنوفانيز الذي كان يبغض الكهنة، وقد وصف مواطنيه بأنهم "يلبسون الثياب الأرجوانية الفاخرة، ويُعجبون بشعورهم المصففة المضمخة بالزيوت العطرة الغالية"؛ إن للزهو بلا شك تاريخاً طويلاً (٦٠). وكان الشاعر ممنرموس Mimnermus (٦١٠) يغني في هذه المدينة. ولعله كان يغني أيضاً في أزمير، لأقوام سرى فيهم تشاؤم الشرق الواهن بأغانيه الحزينة عن الشباب والحب القصيري الأجل. وشُغف حباً بنانو Nanno الفتاة التي كانت تُوقع أغانيه على نغمات الناي الحزينة، ولما لم تستجب إلى حبه (ولعل سبب امتناعها اعتقادها أن الشاعر إذا تزوج مات) خلّد اسمها في قصيدة من الشعر الرثائي العذب الرقيق. "نحنُ نزهر كأوراق الربيع، حين تبدأ الشمس تتوهج وتلتهب، وفي مسرات الشباب القصيرة الأجل لا نعرف من الآلهة خيراً ولا شراً، ولكن الأرواح السوداء تقف دائماً عند الهدف، تمسك في يدها عمراً واحداً محزناً وموتاً واحداً" (٦١). وبعد مائة عام من ذلك الوقت كان شاعر آخر أعظم شهرة من ممنرموس يعيش في مدينة تئوس القريبة من كلوفون، ذلك هو أنكريون. وكان هذا الشاعر كثير الأسفار ولكنه ولد في أنكريون (٥٦٣) وتُفي فيها (٤٧٨). وقد دعاه كثير من الملوك ليعيش في بلاطهم لأنه لم يكن ينافسه في بُعدْ الصيت أحد من معاصريه إلا سمنيدس وحده. ونشهده منضماً إلى جماعة من المهاجرين إلى أبدرا Abdera في تراقية، وينخرط في سلك الجندية، ويحارب في سلسلة أو سلسلتين من المعارك، ثم يترك درعه في الميدان كما كان يفعل الشعراء في زمانه، ولا يستل بعدئذ إلا قلمه، ثم يقضي بضع سنين في بلاط بوليكراتيس في ساموس؛ وجيء به من هناك في موكب رسمي فخم، ليزدان به قصر هيباركس في أثينة، ثم عاد آخر

стр. 1841

الأمر إلى تئوس بعد الحرب الفارسية ليخفف عن نفسه العناء في شيخوخته وضعفه بالغناء والشراب. وكان جزاؤه على إفراطه في ملذاته أن عمر طويلاً حتى بلغ الخامسة والثمانين من عمره؛ وكان سبب موته على ما نقل إلينا الرواة أن وقفت بذرة عنبة في حلقه (٦٢). وقد عرفت الإسكندرية خمسة من كتي أنكريون ولكن لم يبقَ من أشعاره إلا بضعة أبيات مزدوجة. وكانت موضوعات شعره هي الخمر، والنساء، والغلمان، وكان يلجأ فيه إلى المزاح اللطيف يصوغه في البحر العمبقي (Iambic) الخفيف. وأياً كان الموضوع الذي يطرقه فإنه لا يبدو للقارئ بذيئاً أو غليظاً لأنه يصوغه في ألفاظ عفة وشعر رقيق. ولم يكن أنكريون مثل هبوناكس ذا ألفاظ بذيئة حادة، أو مثل سافو في شدتها، بل كان شاعر بلاط يعرض ثرثرته المهذبة الرقيقة على من يشتريها، ويمتدح كل ملك يعجبه ويبتاع له الخمر. ويظن أثنيوس أن أغانيه الخمرية، وتقلبه في عشقه، كانت كلها تصنعاً (٦٣)؛ ولعل أنكريون كان يخفي وفاءه لكي يحظى بإعجاب النساء به، كما كان يخفي اعتداله في الشراب ليزيد بذلك شهرته. وثمة قصة لطيفة تروي كيف صدمت قدمه وهو ثمل طفلاً صغيراً فانهال عليه سباً بأقذع الألفاظ، ثم أحب في شيخوخته هذا الغلام نفسه وكفر عن ذنبه بأن أخذ يكيل له المدح (٦٤). وكان لا يفرق في عشقه بين الذكور والإناث، بل يحب الجنسين على السواء، ولكنه لما كبر دفعته شهامته إلى تفضيل الإناث على الذكور. وقد جاء في بعض ما بقي لنا من شعره: "أنظر الآن، إن الحب ذا الشَّعر الذهبي يضربني بكرته الأرجوانية، ويدعوني لكي ألعب مع فتاة ذات حذائين متعددي الألوان، ولكنها تسكن لسبوس الشامخة، ولا يعجبها شعري الأبيض وتذهب لتبحث لها عن ضحية أخرى" (٦٥). وقد كتب أحد الكتاب الفكهين الذي عاش بعد عصره قبرية تكشف عن حقيقة أمره قال فيها:

стр. 1842

"الشجرة الساحرة يا ربيبة الخمر، يا كرمة، أينعي وطولي فوق قبر أنكريون حتى يستطيع الصاحب الثمل صديق الشراب الصافي، الذي كان يقضي الليل الطويل يقصف ويطرب ويُنشد على نغمات العود أغاني حب الغلمان، حتى يستطيع ذلك الصاحب الثمل أن يعبث بما فوق رأسه المدفون من عناقيد غصن مليء مثقل، وحتى لا ينفك يبتل برضاب الندى الذي لم يكن شذاه الذكي إلا أنفاساً تخرج من فمه الرقيق حين كبر" (٦٦). ٥ - طشيوز، أزمير، فوسيا تمتد أرض اليونان الأصلية من تئوس نحو الغرب في خلجان ونتوءات أرضية متتالية، حتى إذا قطع المسافر في البحر عشرة أميال وصل إلى طشيوز Chios (١) . وليس ببعيد أن يكون هومر قد قضى شبابه في هذه الجزيرة بين غياض التين والزيتون والكروم الأنكرونية. وكان عصر الخمر من الصناعات الكبرى في طشيوز، وكان يشتغل به عدد كبير من الرقيق؛ فقد كانت الجزيرة في عام ٤٣١ تضم ٠٠٠ ر ٣٠ من الأحرار و ٠٠٠ ر ١٠٠ من الأرقاء (٦٧)، وأصبحت على مر الزمن سوقاً كبرى للنخاسة، فكان النخاسون يبتاعون من الدائنين أبناء مَن عجزوا عن الوفاء بديونهم، ويبتاعون الغلمان ليجعلوهم خصياناً يخدمون في قصور ليديا وفارس (٦٨). وفي القرن السادس ثار الأرقاء بزعامة زميلهم درمكوس Drimachus وهزموا جميع الجيوش التي أرسلت للقضاء عليهم، واعتصم قائدهم بمكان منيع في الجبال وفرض الإتاوات على الأغنياء من أهل الجزيرة، ونهب أموال من يرى أن أموالهم خليقة بأن تُنهب، وعرض عليهم "حمايته" نظير جعل معين كما يحدث

стр. 1843

عندنا (١) في هذه الأيام، وأرغمهم بجبروته على أن يعاملوا عبيدهم معاملة أقرب إلى العدل من معاملتهم السابقة، وقُطع رأسه باختياره وأوصى بأن يُعطى لجماعة من أصدقائه حتى يحق لهم أن يطالبوا بالمكافأة التي وعِد بها مَن يأتي به، وظل مئات من السنين بعد موته يُعد نصير الأرقاء والإله الحامي لهم (٦٩)؛ وتلك حياة ما أجدرها أن تكون ملحمة طيبة يتغنى بها كاتب ثوري مثل حياة اسبارتكوس. وازدهرت الآداب والفنون بين أحضان الثروة والرق في طشيوز. وكانت الجزيرة مركز الهومريين، وهم رابطة من الشعراء المتتابعين، وفيها ولد أيون Ion الكاتب المسرحي، وتيوبوموس Theopomous المؤرخ. وهنا كشف جلوكوس Glaucus (كما تقول الرواية المتواترة) حوالي ٥٦٠ صناعة طرق الحديد المحمي، وهنا صنع أركرموس Archermus وولداه بوبالوس وأثنيس أجمل ما صُنع من التماثيل في القرن السادس في بلاد اليونان. وإذا عاد المسافر بعدئذ إلى أرض اليونان الأصلية مر بمواقع إريثرا Erythra وكلازوميني Clazomenae- مسقط رأس أنكسجراس Anaxagoras معلم بركليز وصديقه. وبعدها من جهة الشرق على خليج صغير أمين تقع مدينة أزمير التي استقر فيها الإيوليون من زمن بعيد يرجع إلى عام ١٠١٥ ق. م (٧٠)، ثم استحالت بالهجرة والفتح مدينة أيونية. وكانت مدينة واسعة الشهرة في أيام أخيل، وقد نهبها ألياتس Alyattes الليدي حوالي عام ٦٠٠ ق. م، ودُمرت بعد ذلك مراراً، كان آخرها في عام ١٩٢٤ م على أيدي اليونان أنفسهم. وتنافس أزمير دمشق في قدم عهدها وطول حياتها، وقد ذاقت صروف الزمان بحلوها ومرها على السواء (٢). ويدل ما بقي من مباني المدينة القديمة على ثرائها

стр. 1844

وتنوع الحياة فيها، فقد كُشف في أرضها عن ملعب رياضي، وحصن، ومضمار للركض، ودار للتمثيل. وكانت طرقاتها واسعة جيدة الرصف تزينها الهياكل والقصور، وكان شارعها الرئيسي، المعروف بالذهبي، مشهوراً ذائع الصيت في بلاد اليونان بأجمعها. وكانت أبعد المدن اليونانية شمالاً مدينة فوقية Phocaea، ولا تزال قائمة إلى اليوم يُطلق عليها اسم فوقية Fokia؛ وكان نهر هرمس يكاد يصلها بسرديس نفسها فأكسبها هذا الاتصال مزية عظيمة في تجارة اليونان مع ليديا، وكان التجار الفوقيون يسافرون أسفاراً بعيدة بحثاً عن الأسواق، وهم الذين حملوا الثقافة اليونانية إلى قورسقة Corsica وأسسوا مرسيليا. تلك هي مدائن أيونيا الاثنتا عشرة ألقينا عليها نظرة عاجلة كأنا نطوف بها في رحلة جوية خلال الزمان والفضاء. لقد كان ما بين هذه المدائن من تنافس وتحاسد مانعاً لها من أن تكون فيما بينها وحدة تعينها على الدفاع المشترك، ولكن أهلها مع ذلك كانوا يعترفون بما بينهم من تضامن واتفاق في المصالح، وكانوا يجتمعون في مراسم معينة في ميكالي Mycale، الأكمة الممتدة في البحر عند برين Prien، في عيد جميع الأيونيين Paniomium العظيم. وقد طلب إليهم طاليس أن يؤلفوا منهم جامعة يكون فيها كل ذكر رشيد مواطناً في مدينته وفي الاتحاد الأيوني، ولكن التنافس التجاري كان أقوى من أن يسمح بقيام هذه الجامعة، بل إنه بدل أن يؤدي إلى الوحدة السياسية أدى إلى التقاتل والتطاحن، ولما أن أقبل الفرس غازين فاتحين (٥٤٦ - ٥٤٥)، واتحدت تلك المدائن اتحاداً مرتجلاً للدفاع عن نفسها، كان هذا الاتحاد ضعيفاً واهي الأساس، فلم تلبث المدن الأيونية أن دانت لسلطان الملك العظيم. على أن ما كانت تنطوي عليه قلوب

стр. 1845

الأهلين من نزعة الاستقلال والتطاحن قد بعث في نفوس الجماعات الأيونية حب التنافس والحرص الشديد على الحرية. وتلك هي الظروف التي نمت فيها في أيونيا العلوم، والفلسفة، والتاريخ، ونشأت فيها العاصمة الأيونية، ووجد فيها في الوقت نفسه الشعراء الكثيرو العدد الذين جعلوا القرن السادس في هيلاس يبدو خصيباً كالقرن الخامس. ولما أن سقطت أيونية خلفت وراءها ثقافتها، فورثتها أثينة التي حاربت في الدفاع عنها، كما انتقلت إليها الزعامة العقلية لبلاد اليونان جميعها.

стр. 1846

الفصل الخامس سافو اللسبوسية وفي أعلى المدن الأيونية الاثنتي عشرة تقوم المدن الإيولية الاثنتا عشرة في الأرض القارية، التي يسكنها الإيوليون والآخيون الذين وفدوا من شمالي بلاد اليونان، بعد أن افتتحت آسية الصغرى للمهاجرين اليونان عقب سقوط طروادة. وكانت كثرة هذه المدن الصغيرة، وكان شأنها في التاريخ صغيراً كذلك. غير أن جزيرة لسبوس كانت تنافس المراكز الأيونية في الثروة، والرقي، والعبقرية الأدبية. وكانت تربة أرضها البركانية قد جعلتها جنة حقة من البساتين والكروم؛ وكانت متليني أكبر مدائنها الخمس، وكانت تجارتها سبباً في ثرائها العظيم الذي لا يكاد يقل عن ثراء ميليتس، وساموس، وإفسوس. وتحالفت طبقات التجار فيها مع مواطنيها الفقراء في أواخر القرن السابع، وانتزعوا الحكم من طبقة الملاك الأشراف وعينوا بتاكوس Bitacus الشجاع الفظ حاكماً بأمره مدة عشرة سنين، ووضعوا في يديه من القوة مثل ما كان في يدي صديقه وزميله الحكيم صولون. وأخذ الأشراف يأتمرون ليستعيدوا سلطانهم، ولكن بتاكوس رد كيدهم في نحرهم، ونفى زعمائهم، ومنهم ألكيوس Alcaeus وسافو، فأخرجهم أولاً من متليني ثم من لسبوس نفسها آخر الأمر. وكان ألفيوس ثائراً صخاباً، خلط السياسة بالشعر، فكانت كل قصيدة من قصائده مثاراً للفتنة والثورة. وكان شريف المحتد، وهاجم بتاكوس بكل ما في اللغة من بذاءة استحق عليها النفي من البلاد. وقد اصطنع هو بحوره الشعرية التي أسماها من جاءوا بعده "ألفيوس"؛ ويقال لنا إن كل مقطوعة في شعره كانت لها نغمتها الجميلة وسحرها. وقد غنى بعض الوقت في الحرب،

стр. 1847

ووُصِف بيته بأنه مزدان بالغنائم الحربية والدروع العسكرية، غير أنه لما سنحت له الفرصة التي كان يستطيع أن يُظهر فيها بطولته، ألقى بدرعه، وفر كما فر أركلوكس من قبله، وأخذ يمتدح نفسه لحصافته الباسلة، وقد غنى أحياناً في الحب، ولكن أحب الموضوعات التي كتب فيها إلى نفسه كان موضوع الخمر، التي اشتهرت بها لسبوس شهرتها في الشعر، وهو ينصحنا بأن نعب الخمر عباً، وأن ننقع بها غليلنا في الصيف، وأن نستقبل بها الموت بلا رهبة في الخريف، وأن ندفئ بها دماءنا في الشتاء، ونحتفل بها ببعث الطبيعة في الربيع: ينزل مطر زيوس، وفي السماوات العلا تثور العاصفة، ويمسك البَرْد بقبضته الثلجية مجاري المياه. إذن فقم! وتغلب على الشتاء، وأشعل النار عالية، عالية؛ وامزج الخمر الكثيرة حلوة كشهد النحل؛ ثم اشربها ولفاعة الصوف المريحة قد لفت حول صدغيك. إن علينا ألا نستسلم للأحزان أو نضني أجسامنا بكثرة المشاغل التي تذهب بقوانا؛ لأن الحزن يا صاح لا يعود علينا بأقل نفع، ولا يصلح حالنا بأي حال؛ أما خير دواء لنا فهو الخمر نطرد به الأفكار (١) ولقد كان من سوء حظه - وإن كان قد تحمل هذه الكارثة بصدر رحب ولم يلق بالاً إليها - أن كان بين معاصريه امرأة هي أشهر نساء اليونان أجمعين، ونعني بها سافو. وكانت بلاد اليونان بأجمعها تعظمها قبل أن

стр. 1848

تموت، ومن أقوال استبايوس Stobaeus فيها: "وحدث مرة في مجلس شراب أن أخذ إجزستيديس Execestidez ابن أخي صولون يغني أغنية من أغاني سافو، أعجب بها عمه إعجاباً لم يسعه معه إلا أن يأمر الغلام أن يعلمه إياها، ولما سأله أحد الحاضرين: "لم يطلب هذا الطلب؟ " أجاب بقوله: "إني أريد أن أتعلمها ثم أموت! " (٧٣). وكان سقراط -ولعله كان يرجو مثلما يرجوه صولون لنفسه - يسميها "الجميلة"، وكتب فيها أفلاطون مقطوعة شعرية حماسية قال فيها: يقولون إن ربات الشعر تسع، ألا ما أكثر غباءهم فليعلموا أن سافو اللسبوسية هي العاشرة!. ويقول استرابون: "كانت سافو امرأة فذة عجيبة؛ لأني لا أعرف أن قد وجدت في جميع العصور التي وصل إلينا علمها امرأة أوتيت معشار ما أوتيت سافو من النبوغ في قرض الشعر" (٧٥). وكما أن الأقدمين إذا ذكروا لفظ "الشاعر" فإنما يعنون بهذا اللفظ هومر، كذلك كان العالم اليوناني كله إذا نطق أمامهم أحد بلفظ "الشاعرة" فهموا من فورهم من يعنون بهذا الاسم. وقد ولدت بسافا Psappha كما كانت تسمي نفسها بلهجتها الإيولية الرقيقة، في إرسوس Eresus من أعمال لسبوس حوالي ٦١٢ ق. م. ولكن أسرتها انتقلت إلى متليني وهي لا تزال في المهد. وكانت في عام ٥٩٣ بين الأشراف الذين ائتمرا ببثاكوس والذين نفاهم إلى مدينة بيرا Pyrrha؛ ولما بلغت التاسعة عشرة كانت ذات شأن في الحياة العامة لاشتغالها بالسياسة، وبقول الشعر. ولم تشتهر بجمالها، فقد كانت صغيرة الجسم، ضعيفة البنية، وكان شَعرها وعيناها، وبشرتها أسود مما يحبه اليونان (٧٦)، ولكنها كانت تسحر الناس برشاقتها، ورقتها، ودماثة أخلاقها، وحصافة عقلها الذي لم يبلغ من "السفسطة" درجة تخفي رقتها وحنانها. ومما قالته هي عن نفسها: "إن قلبي كقلب الطفل" (٧٧)، ويستدل من شِعرها

стр. 1849

على أنها كانت ذات عواطف جياشة، وأن ألفاظها كما يقول بلوتارخ "كانت تمتزج باللهب" (٧٨)؛ وكانت مرهفة الحس إلى حد ما، وكان هذا سبباً في الحد من حماسة عقلها. وقد وصفها أثيس تلميذها المقرب إليها بأنها كانت ترتدي الثياب الزعفرانية اللون والأرجوانية، وتتوج رأسها بالزهر؛ وما من شك في أن قوامها النحيل قد أكسبها ملاحة وجاذبية، وشاهد ذلك أن لفيوس الذي نُفي معها إلى بيرا أرسل إليها مُسرعاً رسالة عشق وهيام، قال فيها: "أي سافو! يا ذات التاج القرنفلي، يا طاهرة، يا ذات الابتسامة الحلوة، أريد أن أحدثك في أمر ولكن الحياء يمنعني أن أنطق به". وكان جوابها أقل غموضاً من اقتراحه: "لو كانت رغباتك طيبة نبيلة، ولو كنت تريد ألا تنطق لسانك بما هو دنيء، لما أسدل الحياء على عينيك غشاوة، ولأفصحت عن رغباتك الطيبة العادة" (٧٩). وأخذ الشاعر يتغنى بمدحها في قصائده وأناشيده، ولكننا لا نعرف أن صلة غير هذه الصلة قد عقدت أواصرها بينهما، ولعلهما قد افترقا حين نفيت سافو للمرة الثانية، وكان سبب نفيها أن بتاكوس قد خشي قلمها بعد نضوجه فنفاها في هذه المرة إلى صقلية، وكان ذلك في أغلب الظن عام ٥٩١، وهي في سن يكاد الإنسان يظنها فيها فتاة لا تستطيع أن تؤذي إنساناً. وقد تزوجت حوالي ذلك الوقت بتاجر ثري من أندروس Anodros وكتبت بعد بضع سنين من ذلك الوقت تقول: "لي ابنة صغيرة شبيهة بالزهرة الذهبية، هي كليس Cleis قرة عيني، التي لا أفرط فيها ولو أعطيت ليديا كلها أو لسبوس الحبيبة" (٨٠). وما من شك في أنها كان في وسعها أن ترفض ما في ليديا من ثروة لأنها ورثت ثروة زوجها بعد وفاته المبكرة، وعادت إلى لسبوس بعد أن أقامت في منفاها خمس سنين، وأضحت زعيمة الحياة الاجتماعية والعقلية في الجزيرة. وإنا لنلمح بهرج الترف في إحدى القطع الباقية من شعرها حيث تقول: "أما أنا فليكن في علمكم أني أحب الحياة اللينة، وأرى أن النور والجمال مما تشتهيه الشمس" (٨١). وأضحت وثيقة

стр. 1850

الصلة بأخيها الأصغر كركسوس Charaxus، شديدة التعلق به، وغضبت أشد الغضب حين شغف في إحدى سفراته التجارية إلى مصر بحب محظية تدعى دريكا Doricha ثم تزوجها، ضارباً بتوسلات أخته عرض الحائط (٨٢). وفي هذا الوقت نفسه أحست سافو بنار الحب تشتعل في قلبها. ذلك أن نفسها تاقت إلى الحياة النشيطة، فأنشأت مدرسة للفتيات، تُعلمهن فيها الشعر والموسيقى والرقص، كانت هي أولى "مدارس صقل" الفتيات في التاريخ كله. ولم تكن تسمي الطالبات فيها تلميذات بل كانت تسميهن الرفيقات (Hetairai) ، ولم تكن هذه الكلمة قد أصبح لها بعد معنى الاختلاط الجنسي الشاذ. وأحبت سافو - وكانت وقتئذ أرملة - هاته الفتيات واحدة بعد واحدة. وقد قالت في إحدى القطع الباقية من أشعارها: "لقد هز الحب قلبي كما تهز الريح القوية أشجار البلوط" (٨٣). وتقول في إحدى القطع الأخرى: "لقد أحببتكِ يا أثيس من زمن بعيد، حين كانت أنوثتي كلها أزهاراً، وقد حسبتكِ وقتئذ طفلة صغيرة سمجة". فلما أن تقبلت أثيس حب شاب من متليني، عبرت سافو عن غيرتها بألفاظ تبدو فيها قوة العاطفة في قصيدة احتفظ بها إلينا لنجينس وترجمها ترجمة عرجاء جون أدنجتن سمندس في شعر من البحر السافي: إنه ليبدو لي هو والآلهة سواء، ذلك الرجل السعيد الذي يجلس ويراكِ بعينيه أمامه. فهو يجلس بالقرب منكِ ويستمع إليكِ وهو معقود اللسان تتحدثين حديثكِ الفضي وتضحكين ضحك الحبيب في غير صوت عالٍ. إن هذا، هذا وحده، ليكفي لأن يثير قلبي المكلوم في صدري ويبعثه على الاضطراب! لأني إذا رأيتكِ لحظة قصيرة خشع صوتي من فوري، وانعقد لساني؛ وسرت في ضلوعي نار تلظى يسمع من حولي حسيسها، ولا تبصر عيناي منها شيئاً وتطن في أذني أمواج من الصوت عالية، ويتصبب جسمي عرقاً فيجري أنهاراً، وترتجف جميع أعضائي، ويصبح لوني أكثر اصفراراً من لون الكلأ في الخريف، وتنتابني

стр. 1851

آلام الموت المترصد لي فأضطرب وأظل في سكرات (١) الحب (٨٤). وأخرج والدا أثيس ابنتهما من المدرسة، ولدينا رسالة تعزى إلى سافو نفسها تصف فيها ساعة فراقهما: بكت (أثيس؟) بكاءً مراً لفراقنا وقالت: "واحسرتاه ما أتعس حظنا؛ وأقسم لك ياسافا أن فراقي إياكِ كان على الرغم مني"، فأجابتها: "سيري في طريقكِ منشرحة الصدر؛ ولكن اذكريني لأنكِ تعرفين هيامي بكِ. فإذا لم تذكريني، فإني سأذكركِ بما تنسين؛ ألا ما أعز وأجمل الأيام التي قضيناها معاً! لقد كنتِ تزينين غدائرك المتماوجة بتيجان القرنفل والورد الجميل وأنتِ إلى جانبي، وتزينين جيدكِ الرقيق بعقود مجدولة من مئات الأزهار، وبالأدهان الكثيرة الغالية الخليقة بالملوك دهنتِ إهابكِ الأبيض النضر وأنتِ بين ذراعي. ولم يكن في المكان كله تل، أو موضع مقدس؛ أو غدير ماء لم تذهب إليه؛ ولم تملأ الأصوات الكثيرة في بواكير الربيع غابة من الغابات بسجع العندليب إلا ذهبتِ إليه معي" (٨٥). وتأتي بعد هذه الأغنية في نفس المخطوط تلك الصيحة المريرة: "لن أرى أثيس بعد اليوم ولا فرق عندي بين هذا وبين الموت"، إن هذا بلا ريب هو صوت الحب الصادق، الذي يعلو ذروة الوفاء والجمال ويسمو فوق الخير والشر! وقد ثار الجدل بين من جاء بعد ذلك العصر من علماء التاريخ القديم واختلفوا هل هذه القصائد تعبر حقاً عن "الحب اللسبوسي" أو أنها لم تكن إلا تدريباً للخيال الشعري ولتجسيد المعاني المجردة. ولكنا لا شأن لنا بهذا

стр. 1852

الجدل، وحسبنا أن هذه القصائد شعر من الطراز الأول جياش بالعاطفة، قوي الخيال، يبلغ حد الكمال في لفظه ومبناه. وفي قطعة باقية منه حديث عن "وقع أقدام الربيع المزهر"؛ وفي قطعة أخرى حديث عن "الحب الذي يفكك الأعضاء، والعذاب المر - الحلو" وتُشبِّه قطعة ثالثة الحبيب البعيد المنال "بالتفاحة الحلوة التي تحمر على طرف الغصن، على الطرف الأعلى للغصن، والتي سها عنها الجاني، لا لم ينسها بل إنه لم يستطع لعلوها أن يصل إليها" (٨٦). وكتبت سافو عن موضوعات أخرى غير الحب، واستخدمت فيها بحوراً من الشعر بلغ عدد ما بقي لنا منها خمسين بحراً. وقد لحنت هي بنفسها أغانيها ووقعتها على العود. وجُمع أشهرها في خمسة دواوين تحتوي نحو ألف بيت ومائتين، بقي منها ستمائة يندر أن تكون متتالية. وحدث في عام ١٠٧٣ بعد الميلاد أن أمر رؤساء الكنيسة في القسطنطينية ورومة بإحراق جميع أشعار سافو وألفينوس علناً (٨٧)، وفي عام ١٨٩٧ كشف جرنفل Grenfel وهنت Hunt في أكسرنكوس Oxyrhynchus بمديرية الفيوم توابيت مصنوعة من طبقات من الورق استخدمت في صناعتها قطع من كتب قديمة؛ وجدت عليها بعض قصائد سافو (٨٨). وقد ثأر ذكور الأجيال التالية لأنفسهم منها بأن نقلوا عنها، أو اخترعوا من عندهم، قصة تروي كيف ماتت قتيلة هيامها برجل لم يبادلها الحب. وثمة فقرة في معجم سويداس Suidas (٨٩) تروي كيف قفزت "العاهرة سافو" - وهو الوصف الذي توصف به الشاعرة عادة - من فوق صخرة في جزيرة لوكاس Leucas قفزة قضت بها على نفسها، لأن البحار قاؤون لم يستجب لحبها. ويشير مناندر، واسترابون، وغيرهما من الكتاب إلى هذه القصة، ويرويها أوفد في تفاصيل جميلة (٩٠) ولكنا نجد فيها حوادث كثيرة من نسج الخيال، وخليق بنا أن نتركها من غير تمحيص حائرة بين الحقيقة والخيال. وتقول الروايات المتواترة إن سافو عادت فتعلمت حب الرجال. ونجد في القطع الصغيرة التي

стр. 1853

كشفت أشعارها في مصر جواباً لها مؤثراً ردت به على اقتراح عرضه عليها بعضهم بأن تتزوجه فقالت "لو أن ثديي قد بقيا قادرين على إرضاع الأطفال، ولو أن رحمي قد بقي قادراً على حملهم لجئِتُ إلى فراش الزوجية بقدمي ترتجفان، ولكن الزمان قد خط على جسدي خطوطاً كثيرة، والحب لا يسرع إلي بما يحمله من هدايا الآلام"، ثم تشير إلى خطيبها بأن يبحث له عن زوجة أصغر منها سناً (٩١). وفي الحق أننا لا نعلم متى ماتت وكيف قضت نحبها، وكل الذي نعرفه أنها خلفت وراءها ذكريات واضحة من العاطفة القوية، والشعر الرائع، واللطف والدعة، وأنها بزت ألفيوس نفسه فكانت أشجى أهل زمانها صوتاً. وتراها في أخر قطعة لها تلوم في غير عنف مَن لا يقرون بأن غناءها قد انتهى فتقول: "إنكم يا أطفالي تجللون بالعار هبات ربات الشعر القيمة حين تقولون: "سنتوجك ياسافو الحبيبة، ياخير من يعزف على القيثارة أوضح الأغاني وأشجاها"، ألا تعرفون أن إهابي كله قد تجعد من طول العمر، وأن شَعري قد استحال من أسود إلى أبيض؟ .. وكما أن الليل ذا النجوم يخلف حتماً الفجر ذا الذراع الوردية وينشر الظلام في طول الأرض وعرضها، كذلك يقتفي الموت آثار كل حي ويمسك بتلابيبه آخر الأمر" (٩٢).

стр. 1854

الفصل السّادس الإمبراطورية الشمالية في شمال لسبوس تقع تندوس Tenedos الصغيرة التي يقول بعض الرحالة الأقدمين إن نساءها أجمل النساء في بلاد اليونان جميعها (٩٣)، ومنها يسير الإنسان في أثر اليونان المغامرين إلى جزائر اسبرديس الشمالية؛ إلى إمبروس، ولمنوس، وسمثريس. وأنشأ الميليزيون حوالي عام ٥٦٠ في سعيهم للإشراف على الهلسبنت (الدردنيل) بلدة أبيدوس Abydos على شاطئه الجنوبي، ولا تزال هذه البلدة قائمة حتى الآن (١). ومن هذا المكان قطع ليندر Leander وبيرن Byron المضيق سباحة، ومنه عبر جيش خشيارشاي البحر إلى أوربا على جسر من القوارب، وإلى شرق هذه البلدة استعمر الفوقيون لمباكوس Lampacus مسقط رأس أبيقور. وفي داخل البروبنتس مجموعتان من الجزائر، أولاهما مجموعة الفقونيسوس Phoconnesus، وهي غنية بالرخام الذي أكسب البروبنتس اسمه المعروف به في هذه الأيام (بحر مرمرة- أي بحر الرخام) وثانيتهما مجموعة الأركتنيسوس Arctonnesus. وفي أقصى طرفها الجنوبي أنشأ الميليزيون في عام ٧٥٧ ثغر سيزكوس Cyzicus العظيم. وقامت على طول الساحل مدينة في إثر مدينة: بنورموس Panormus ودسيليوم Dascylium وأباميا Apameia وكيوس Cius وأستكوس Astacus وخلقدون Chalcedon. وتقدم اليونان مجتازين مضيق البسفور، طلباً للمعادن والحبوب والتجارة، وأنشأوا كرسبوليس

стр. 1855

Chrysopolis (اشقودار الحالية) ونتقوبوليس Ncopolis، " مدينة النصر"، ثم شقوا طريقهم على طول الشاطئ الجنوبي للبحر الأسود، وأقاموا مدائن في هرقلية، وبنتيكا Pontica، وتتوم Tieum، وسينوب Sinope- التي يصفها استرابون بأنها مدينة مزدانة أفخم زينة (٩٤)، بها ملعب رياضي عظيم، وساحة كبرى، وأروقة مظللة ذات عمد؛ وكانت خليقة بأن يولد فيها ديوجين الكلبي Diogenes The Cynic؛ ثم تليها أميسس Amisus، وإينوي Oenoe، وتربوليس Tripolis، وترابيزوس Trapezus (تربزند أو طربزون)، والتي صاح فيها رجال زنوفون العشرة آلاف من فرط السرور حين أبصروا البحر الذي طالما تاقت نفوسهم لرؤيته. وقد كان افتتاح هذا الإقليم للاستعمار، على يد جيسن في أكبر الظن، ثم على أيدي الأيونيين فيما بعد، مصرفاً ينزح إليه من تفيض بهم المدائن الأصلية من السكان، وتنصرف إليه تجارتها، كما جعلها هذا الفتح مورداً للطعام والفضة والذهب، شأنها في ذلك شأن أمريكا بالنسبة لبلاد أوربا في بداية العصر الحديث (٩٥). واتجه اليونان نحو الشمال إزاء الساحل الشرقي لبحر اليوكسين حين وصلوا إلى كلكيز Colchis الميدية وأسسوا فاسيس Phasis، وديوسكورياس Dioscurias، وثيودوسيا Theodosia، وبنتيكبيوم Panticapaeum في شبه جزيرة القرم. وأنشئوا عند مصبي نهري البوج Bug والدنيبر مدينة ألبيا Olbia (نيقولايف الحالية) وعند مصب الدنيستر أسسوا مدينة تيراس Tyras، وأقاموا على نهر الدانوب مدينة ترسميس Troesmis. ثم اتجهوا جنوباً على طول الشاطئ الغربي، وشادوا مدائن إستروس Istrus (قنسطنطة أو قسطج)، وتومي Tomi (التي مات فيها أوفد)؛ وأدِسُّوس (وارنة)، وأبولونيا Apollonia (برجاس). وإن الرحالة الذي يدرك طول العصور التاريخية ليذهله قدم هذه المدائن التي لا تزال باقية حتى الآن،

стр. 1856

ولكن سكانها الحاليين المنهمكين في أعمالهم الحاضرة لا يشغلون أنفسهم بالقرون الطوال المستقرة في بطون الثرى تحت أقدامهم. وأنشأ المجاريون أيضاً على البسفور حوالي عام ٦٦٠ مدينة بيزنطيوم (بيزنطية Byzantium) (١) التي كانت إلى عهد قريب تسمى القسطنطينية، والتي تسمى الآن اسطنبول. وقد كان هذا الثغر ذو الموقع الحربي المنيع حتى قبل أيام بركليز مفتاح أوربا كما سماه نابليون في معاهدة تلزت Tilsit. وقد وصف بولبيوس في القرن الثالث قبل الميلاد موقعه البحري بأنه "من حيث السلامة والرخاء خير من موقع أية مدينة أخرى في العالم المعروف لنا" (٩٧). وازدادت ثروة بيزنطية بما كانت تفرضه من المكوس على السفن المارة بها، وبما كانت تصدره إلى العالم اليوناني من حبوب روسيا الجنوبية ("سكوذيا" Scythia) والبلقان، وبما كان يُصاد بلا أدنى عناء من السمك الذي يتجمع في المضايق الضيقة. وقد كان التواؤها، وما تفيضه عليها صناعة الصيد من ثرائهما الذين خلعا على المدينة اسم "القرن الذهبي"، وكانت أثينة في عصر بركليز هي المسيطرة على سياسة بيزنطية، وكانت تفرض المكوس على السفن المارة لتملأ بها خزائنها في أوقات الشدائد، وتعامل إصدار الحبوب من موانئ البحر الأسود معاملة مهربات الحرب (٩٨). وأنشأ اليونان على الشاطئ الشمالي أو التراقي للبروبنتس مدائن عند سلمبريا Selymbria. وبرنثوس Perinthus (أرجلي Eregli الحديثة) وبيزنثي Bisanthe، وكليبويس Callipolis (غاليبولي)، وسستوس Sestus. ثم أقاموا فيما بعد مدناً أخرى على ساحل تراقية الجنوبي الغربي عند أفروديسياس Aphrodisias، وإينوس Oenus، وأبدرا Abdera- حيث قام ليوسبوس

стр. 1857

Leucippus ودمقرايطوس Democritus بعد ذلك العصر بنشر الفلسفة المادية الذرية (١) وأمام ساحل تراقية في البحر تقع جزيرة ثاسوس Thasos، " الجرداء القبيحة المنظر كأنها ظهر حمار في البحر" كما وصفها أركلوكوس (٩٩)، ولكنها كانت غنية بمناجم الذهب غنى جعل منتجاتها منه تفي بنفقات الأداة الحكومية كلها. وأنشأ الباحثون عن الذهب من اليونان وخاصة الأثينيون على ساحل مقدونية الشرقي أو بالقرب منه مدينتي نيبوليس Neapolis وأمفبوليس Amphipolis- وكان استيلاء فليب على هاتين المدينتين سبباً في اشتعال نار الحرب التي خسرت فيها أثينة حريتها. واستولى يونان آخرون معظمهم من كلسيس وإرتيريا على شبه جزيرة كلسديس Chalcidice ذات الأصابع الثلاث وسموها بهذا الاسم. وما وافى عام ٧٠٠ ق. م حتى كانوا قد أنشأوا فيها ثلاثين بلدة قدر للكثير منها أن تكون ذات شأن عظيم في تاريخ اليونان: استاجيروس Stageirus (مسقط رأس أرسطاطاليس) وسيوني Scione، ومندي Mende، وبوتيديا، وأكنثوس Acanthus، وكليوني Cleonae، وتوروني Torone، وأولنثوس Olynthus التي استولى عليها فليب في عام ٣٤٨ والتي تشتهر عندنا لصلتها بخطب دمستين. وقد كشفت أعمال الحفر الحديثة في أولنثوس عن مدينة واسعة الرقعة ذات بيوت كثيرة من طابقين يحتوي بعضها خمساً وعشرين حجرة. ويبدو أن هذه المدينة كان يسكنها في أيام فليب نحو ستين ألف نسمة. وفي وسعنا أن نستدل من هذا العدد الكبير الذي كان يقيم في مدينة صغيرة، على سرعة تناسل اليونان قبل عصر بركليز ونشاطهم وسرعة انتشارهم. وآخر ما نذكره عن انتشار اليونان أن المهاجرين الأيونيين استقروا في الجزائر العوبية الواقعة بين كلسديس وجزيرة عوبية الكبيرة، وهي جيرونتيا Gerontia،

стр. 1858

وبوليجوس Polyaegos، وإيكوس Icos، وبيارثوس Peparethos، واسكانديل Scandile، واسكيروس Scyros؛ وهكذا انطبق محيط الإمبراطورية في الشرق والشمال انطباقاً تاماً والتقى طرفاه. وبفضل نشاط اليونان ومغامراتهم استحالت جزائر بحر إيجة وسواحل آسية الصغرى، وشواطئ الهلسبنت، والبحر الأسود، وسواحل مقدونية وتراقية معششاً من المدائن المصطبغة بالصبغة اليونانية، تفيض بالأعمال الزراعية، والصناعية، والتجارية، وبالنشاط السياسي، والأدبي، والديني، والفلسفي، والعلمي، والفني، وبالبلاغة، والسفسطة، والمماحكة. ولم يبقَ أمام اليونان في ذلك الوقت إلا أن يفتحوا بلاداً يونانية أخرى في غرب بلادهم، ويقيموا قنطرة بين هيلاس القديمة والعالم الحديث.

стр. 1859

الباب السابع اليونان في الغرب الفصِل الأوّل السيباريون بعد أن تمر سفينتنا الخيالية بسنيوم Sunium وتتجه نحو الغرب تصل إلى سثرا Cythera مقر أفرديتي الجَزَري، والتي كانت من أجل هذا مقصد وتو Watteau (١) . وفيها شاهد بوزنياس في عام ١٦٠ م "أقدس وأقدم ما شاده اليونان من الهياكل لأفرديتي" (١)، وفيها كشف شليمان في عام ١٨٨٧ م عن أنقاض هذا الهيكل (٢). وكانت في أقصى الجنوب من الجزائر الأيونية التي تجاور ساحل بلاد اليونان الغربي، وقد سميت أيونية لأن مهاجرين أيونيين استقروا فيها، وبقية هذه الجزائر هي زاسنثوس Zacynthos، وكيفالينيا Ceplhalenia، وإثكا Ithaca، ولوكاس Leucas، وباكوس Paxos، وكورسيرا Corcyra. وحسب شليمان أن إثكا هي جزيرة أديسيوس، وحاول عبثاً أن يجد تحت ثراها ما يؤيد قصة هومر (٣). غير أن دوربفلد Dorpfeld كان يعتقد أن موطن أديسيوس هو جزيرة لوكاس الصخرية. ويقول استرابون إن أهل هذه الجزيرة القدامى كانوا يلقون من فوق صخورها ضحية بشرية يقدمونها في كل عام قرباناً لأبلو؛

стр. 1860

ولكن هؤلاء السكان لم يكونوا رجال دين فحسب بل كانوا فوق ذلك بشراً، ولهذا كانوا يربطون في الضحية طيوراً قوية شفقة بها ورحمة، حتى تخفف أجنحتها من شدة الصدمة عند سقوط الضحية على الأرض (٤). والراجح أن قفزة سافو نفسها ذات اتصال بذكريات هذه العادة الدينية. واحتل كرسيرا (كورفو Corfu) مستعمرون كورنثة حوالي ٧٣٤ ق. م. ولم يلبثوا أن أصبح لهم من القوة ما أمكنهم بها أن يهزموا أسطول كورنثة ويقرروا استقلالهم. وسافر بعض المغامرين اليونان من كرسيرا في البحر الأدرياوي متجهين نحو الشمال حتى وصلوا إلى البندقية؛ واستقر بعضهم في مستعمرات صغيرة على ساحل دلماشيا، وفي وادي نهر البو Po (٥) وعبَرَ بعضهم آخر الأمر مياه البحر الهائجة وقطعوا فيها خمسين ميلاً حتى استقروا في كعب إيطاليا. ووجدوا في ذلك المكان شاطئاً جميلاً ينحني فتتكون من انحنائه مرافئ طبيعية آمنة، ورائه أرض خصبة أهملها السكان الأصليون إهمالاً يكاد أن يكون تاماً (٦). واستولى الغزاة اليونان على هذا الإقليم الساحلي بمقتضى قانون التوسع الاستعماري الذي لا يعرف للرحمة معنى، وهو القانون القائل إن الموارد الطبيعية التي لا يستغلها أهل الإقليم تجذب، بنوع من الجاذبية الكيميائية، وغيرهم من الناس ليستغلوها ويدفعوا بها إلى تجارة العالم ومنفعته. واخترق الوافدون الجدد -وأكثرهم من الدوريين - كعب شبه الجزيرة مبتدئين من برنتيزيوم (برنديزي)، وأنشئوا مدينة كبيرة في تاراس taras- تارنتم الرومانية (تارنتو الحديثة) (١)، وفيها غرسوا أشجار الزيتون وربوا الخيول، وصنعوا الفخار، وبنوا السفن، وصادوا
следующие страницы →