← История

История · id 35104

قصة الحضارة

ول ديورانت

Полный текст (15 136 стр.). Показаны 1996–2035 · переход к 2001.

стр. 1996

والعلوم والفلسفة، من روائع لا يكاد يصدقها العقل. ولسنا ننكر أن جزءاً كبيراً من عامة الشعب كان يؤمن بالخرافات، والأوهام، والمعتقدات الخفية الغامضة، والأساطير، ويتعشقها كما يؤمن بها الناس ويتعشقونها على الدوام. ولكن الحياة اليونانية قد أضحت على الرغم من هذا حياة دنيوية إلى حد لم يسبق له مثيل في التاريخ، وانفصلت السياسة، والشرائع، والآداب، والبحوث، واحدة بعد واحدة من السلطة الدينية، وتحررت من سلطانها، وبدأت الفلسفة تفسر العالم والإنسان، جسمه وروحه، تفسيراً مستنداً إلى أسس طبيعية؛ ووضع العلم، الذي يكد يكون له من قبل (١) وجود. وقوانينه الأولى الجريئة، فوضعت قواعد الهندسة الإقليدية، وأضحى وضوح التفكير وتنظيمه، وصدقه، المثل الأعلى الذي تنشده أقلية من الرجال هي التي أخرجت العالم من ظلمات الجهل إلى نور العلم. وبذلت جهود جسمية وروحية جبارة للمحافظة على هذه المثل وما تبعثه من آمال، وإنقاذها من أيدي الاستبداد الأجنبي المميت، ومن الضياع في دياجير الغموض والتصوف القديم، فكسبت للحضارة الأوربية ما تستمتع به من ميزة الحرية التي كلفتها الشيء الكثير.

стр. 1997

الباب العاشر الكفاح في سبيل الحرية الفصل الأول مرثون يقول هيرودوت: "في أثناء حكم دارا وخشيارشاي وأرتخشر لاقت بلاد اليونان من الأهوال ما لم تلقه في العشرين جيلاً السابقة على هذا العهد" (١) وكان لا بد أن يلقى أهلها جزاء نمائهم وتقدمهم. ذلك أن انتشارهم في كل مكان لا بد أن يؤدي عاجلاً أو آجلاً إلى قيام النزاع بينهم وبين إحدى الدول العظمى. وإذ كان اليونان يتخذون البحر مطية لهم، فقد أنشأوا فيه طريقاً تجارياً يمتد من شاطئ أسبانيا الشرقي غرباً إلى أقصى ثغور البحر الأسود شرقاً. وأخذ الطريق المائي الأوربي - الذي يخترق بلاد اليونان وإيطاليا وصقلية - ينافس الطريق الشرقي البري والبحري - الذي يخترق الهند وفارس وفينيقية - ويفوقه في الأهمية على مر الأيام، ونشأ من هذه المنافسة نزاع شديد لم يخمد أواره قط كان لا بد أن يؤدي إلى ما أدى إليه كل نزاع سابق في تاريخ البشر، ألا وهو الحرب السافرة التي لم تكن معارك لادى Lade، ومرثون، وبلاتية، وهيميرا Hymera، وميكالي Mycale، ويوريمدون Eurymedon، وغرانيقوس، وإسوس، وأربيلا، وكاني، وزاما إلا حادثات منها صغيرة. وانتصر الأوربيون على الشرقيون في هذا الصراع لأسباب عدة، منها أن النقل البحري أقل نفقة من النقل البري،

стр. 1998

ومنها أن من القوانين التي تكاد تتحكم في التاريخ أن الشمال الخشن ذا النزعة الحربية، ينتصر دائماً على الجنوب اللين السهل مبدع الفنون. في عام ٥١٢ قبل الميلاد عبر دارا الأول ملك الفرس مضيق البسفور وغزا سكوذيا، ثم زحف غرباً وفتح تراقية ومقدونية، ولم يعد إلى عواصم ملكه إلا بعد أن وسع رقعة إمبراطوريته حتى شملت فارس، وبلاد الأفغان، وشمالي الهند، والتركستان، وأرض الجزيرة، وشمالي بلاد العرب، ومصر، وقبرص، وفلسطين، وسوريا، وآسية الصغرى، وشرقي بحر إيجة وتراقية، ومقدونية. وكانت نتيجة هذه الفتوح أن أعظم الإمبراطوريات التي شهدها العالم حتى ذلك الوقت قد وسعت رقعتها أكثر مما يجب عليها أن توسعها، حتى ضمت إليها فاتحيها في المستقبل وأيقظتهم من سباتهم، ولم يبق من الأمم الكبرى في خارج هذا النظام الشامل من نظم الحكم والتجارة إلا أمة واحدة هي أمة اليونان، التي لم يكد دارا يسمع شيئاً عنها خارج أيونيا قبل عام ٥١٠ ق. م؛ وقد سأل مرة عن "الأثينيين - من هم (٢)؟ ". وحدث في عام ٦٠٥ أن قامت ثورة في أثينة انتهت بخلع الطاغية هيباس، ففر إلى المرزبان الفارسي في سرديس وتوسل إليه أن يعينه على استرداد سلطانه، وعرض عليه إذا استرده أن يتولى حكم أتكا من قبل الفرس. وكان ذلك إغراءً قوياً زاده قوة تحرش مؤقت. ذلك أن المدن اليونانية التي ظلت خاضعة لسلطان الفرس نحو خمسين عاماً ثارت فجأة على ولاتها من قبل الفرس، وطردتهم منها وأعلنت استقلالها. وذهب أرستجراس الميليتي إلى إسبارطة يستمد منها العون، ولكنه لم يفلح في بغيته، فجاء إلى أثينة، وهي المدينة الأصلية التي نشأ منها كثير من المدن الأيونية، ومازال يلح عليها حتى أقنعها بأن ترسل عمارة بحرية مؤلفة من عشرين سفينة لمساعدة الثوار. وكان الأيونيون في هذه الأثناء يعملون بعنف وبغير نظام هما من خصائص اليونان

стр. 1999

في كل زمان ومكان، فكانت كل مدينة ثائرة تجيش جيوشها ولكنها تستبقيا تحت قيادة مستقلة. وزحف الجيش الميليتي، ولدى قيادته من الشجاعة أكثر مما لديها من الحكمة، حتى وصل إلى سرديس، وأحرق المدينة العظيمة ودكها دكاً. ونظم الحلف الأيوني أسطولاً متحداً، ولكن سفن ساموس عقدت صلحاً سرياً منفرداً مع المرزبان الفارسي، فلما أن التقت العمارة البحرية الفارسية بالعمارة الأيونية عند لادى في عام ٤٩٤، ودارت بينهما معركة من أشد المعارك البحرية في التاريخ، انسحبت سفن ساموس الخمسون دون أن تشترك في القتال، وحذت حذوها كثير من أقسام الأسطول الأيوني (٣). وهزم الأيونيون هزيمة منكرة، ولم تفق الحضارة الأيونية بعدئذ إفاقة كاملة من هذه الكارثة المادية والروحية. وحاصر الفرس ميليتس، واستولوا عليها، وقتلوا رجالها، وسبوا نساءها وأطفالها، وأعملوا فيها السلب والنهب حتى صارت منذ ذلك اليوم بلدة قليلة الشأن. وبسطو سلطانهم مرة أخرى على أيونيا، وغضب دارا لتدخل أثينة في شئون ملكه، فصمم على فتح بلاد اليونان، وألفت أثينة الصغيرة نفسها، جزاء لها على مساعدتها الكريمة لبناتها من المدن الأيونية، وجهاً لوجه أمام إمبراطورية أكبر مائة مرة من أتكا. وفي عام ٤٩١ خاض أسطول فارسي قوامه ستمائة سفينة بقيادة داتيس Datis عباب بحر إيجة من جزيرة ساموس، ووقف في طريقه ليخضع جزائر سكلديس، ووصل إلى ساحل عوبية يحمل مائتي ألف محارب. واستسلمت عوبية بعد مقاومة قصيرة عبر الفرس بعدها الخليج الذي يفصلها عن أتكا، وعسكر هؤلاء الجنود عند مرثون لأن هبياس قد نصحهم بأن في وسعهم أن يستخدموا في هذا السهل فرسانهم، وهم من هذه الناحية يفوقون اليونان كثيراً (٤). واضطربت بلاد اليونان أشد الاضطراب لهذه الأنباء، ذلك أن الجيوش الفارسية لم تكن قد غلبت قط قبل هذا الغزو، ولم تكن أمة من الأمم قد

стр. 2000

استطاعت أن تصد زحف جيوش الإمبراطورية. فهل في مقدور أمة ضعيفة مشتتة، لم تألف من قبل الاتحاد لغرض عام، أن تقف في وجه تيار الغزو الجارف؟ وترددت دول اليونان الشمالية في الوقوف في وجه هذه الجيوش الجرارة، واستعدت إسبارطة استعداداً يشوبه كثير من التردد، وأجازت للخرافات أن تؤخر التعبئة العامة؛ أما بلاتية الصغيرة فلم تتوان عن العمل السريع وبعثت بقسم كبير من أهلها يستحثون السير إلى مرثون. وحرر ملتيادس العبيد في أثينة وضمهم إلى الجيش مع الأحرار، وزحف بهم إلى ميدان القتال من فوق الجبال. ولما التقى الأعداء كان عدد الجيش اليوناني حوالي عشرين ألف مقاتل، أما جيوش الفرس فكانت عدتها في أغلب الظن حوالي مائة ألف (٥). ولم يكن الفرس تعوزهم الشجاعة، ولكنهم كانوا يألفون أن يحاربوا فرادي، ولم يكونوا مدربين على أساليب اليونان في الدفاع والهجوم الجماعيين بصفوفهم المتراصة. وجمع اليونان بين النظام والشجاعة. وقد نجوا من الهزيمة الماحقة بالمثل الذي ضربه لهم أرستيديس Aristides إذ نزل عن القيادة لملتيادس، وإن كانوا قد ارتكبوا ذلك الخطأ الشنيع الدال على الحمق وهو توزيع القيادة العليا بين عشرة قواد يتولاها كل واحد يوماً (٦). واستطاعت القوة اليونانية الصغيرة بفضل حنكة هذا الجندي القوي الخشن الطباع أن توقع بالجحافل الفارسية الجرارة هزيمة منكرة. ولم تكن هذه المعركة من معارك التاريخ الفاصلة فحسب، بل كانت فوق ذلك من أعظم الانتصارات التي لا يصدقها العقل. وإذا جاز لنا أن نأخذ بأقوال اليونان عنها، فإن الفرس قد خسروا في مرثون ٦. ٤٠٠ من رجالهم، ولم يخسر اليونان إلا ١٩٢. ووصل الإسبارطيون إلى الميدان بعد انتهاء المعركة، وندموا على تباطؤهم، وأثنوا على الفائزين.

стр. 2001

الفصل الثاني أرستيديز وثمستكليز إن سيرة ملتيادس وأرستيديز بعد معركة مرثون لتوضح ما في أخلاق اليونان وما في تاريخهم من مزيج عجيب يجمع بين النبل والقسوة، والمثالية والانحطاط. ولنتحدث أولا عن ملتيادس فنقول إنه قد غره ثناء بلاد اليونان كلها عليه فطلب إلى الأثينيين أن يعدوا أسطولاً من سبعين سفينة يتولى قيادتها هو وحده لا ينازعه في ذلك منازع. ولما أن أعدت السفن سار بها إلى باروس وطلب إلى أهلها مائة وزنة (نحو ٦٠٠٠٠٠ ريال أمريكي) وإلا أفناهم عن آخرهم. ولكن الأثينيين استدعوه وفرضوا عليه غرامة قدرها خمسون وزنة، ولما مات بعد استدعائه بقليل أدى الغرامة ابنه سيمون Cimon الذي صار فيما بعد منافس بركليز (٨). وعاش الرجل الذي تخلى لملتيادس عن مكانه في مرثون ونجا من المزالق التي توجد عادة في طريق الظافرين. ذلك أن أرستيديز كان في حياته وأخلاقه إسبارطياً يعيش في أثينة. وقد استحق بخلقه الهادئ الرزين، وبساطته، وتواضعه، وأمانته التي لا تنال منها الأحداث، استحق بهذه الصفات لقب العادل، ولما أن تليت على المسرح العبارة الآتية أثناء تمثيل إحدى مسرحيات إيسكلوس: "فهو لا يتظاهر بالعدالة ولكن العدالة طبيعة فيه، وهي هدفه في أعماله؛ ومن عقله تتفجر ينابيع الحكمة والفطنة". لما أن تليت هذه العبارة التفت المستمعون كلهم ناحية أرستيديز، لأنهم رأوا فيه الأنموذج الحي لهذه الصفات (٩). ولما أن استولى اليونان على معسكر الفرس في مرثون، ووجدوا في خيامهم ثروة طائلة، عهدوا إلى أرستيديز المحافظة

стр. 2002

عليها "فلم يأخذ منها شيئاً لنفسه، ولم يسمح لأحد بأن يغتال منها شيئاً" (١٠). ولما أن طلب إلى حلفاء أثينة بعد الحرب أن يسهموا في أداء جزية سنوية إلى خزانة الحلف في ديلوس ليستعان بها في الدفاع عن بلاد اليونان عامة، اختير أرستيديز ليقرر ما تؤديه كل مدينة، ولم يعترض أحد على قراراته. لكن إعجاب الناس به كان رغم هذا كله أكثر من حبهم إياه. وكان صديقاً حميماً لكليسثنيز الذي وسع نطاق الدمقراطية إلى حد بعيد، ولكنه كان يرى أنها ذهبت إلى أبعد حد مأمون، وأنه إذا ما زيدت سلطة الجمعية إلى أكثر مما كان لها، أدى ذلك إلى فساد الإدارة وإلى اضطراب النظام. وكان يندد بالفساد أينما وجده، وخلق بذلك لنفسه كثيراً من الأعداء. واتخذ الحزب الدمقراطي الذي يرأسه ثمستكليز نظام نفي عدم المخلصين للحكومة، وكان قد تقرر حديثاً، للتخلص من أرستيديز؛ وفي عام ٤٨٢ نفي الرجل الوحيد في تاريخ أثينة كله الذي جمع بين الشهرة والأمانة، وكان نفيه في أوج مجده. والعالم كله يعرف القصة التي تقول - وقد تكون هي الأخرى خرافة لا ظل لها من الحقيقة - إن أرستيديز نقش اسمه على اللوحة التي يكتب عليها اسم من يراد نفيه (الأستراكون) حين طلب إليه ذلك رجل أمي لا يعرفه ولكنه لم يعد يطيق سماع لقب العادل يطلق عليه، فحقد عليه لهذا السبب كما يحقد أوساط الناس عادة على العظماء. ولما أن عرف أرستيديز أن الجمعية قررت نفيه قال إنه يرجو ألا يأتي اليوم الذي تذكره (١١) فيه أثينة (١). ولا يسع المؤرخ إلا أن يعترف أن المتصرفين في الشئون العامة في أثينة كانوا يتصفون بما يتصف به رجال الحكم أحياناً من موت الضمير. لقد كان ثمستكليز

стр. 2003

شعلة من الذكاء والمقدرة لا يقل في ذلك عن ألسبيديز الذي عاش في عصر متأخر عنه. ويقول فيه ثوسيديدس (١٢) وهو المعروف دائماً باعتداله: "إنه خليق بأن نعجب به إعجاباً خارقاً للعادة منقطع النظير". وقد أنقذ أثينة كما أنقذها ملتيادس، ولكنه لم يستطع إنقاذ نفسه؛ وكان في مقدوره أن يقهر إمبراطورية عظيمة، ولكنه لم يكن في وسعه أن يقهر ما في نفسه من شهوة السلطان، "وكان يتلقى بمضض وعدم عناية"، كما يقول بلوتارخ، ما يسدى إليه من النصح لتقويم المعوج من أخلاقه وسلوكه، ولا يقبل أن يعلمه أحد شيئاً من الرقة والمجاملة للناس؛ ولكنه حتى بعد أن تقدمت به السن كان يعني بكل ما يقال له إذا كان يهدف إلى إصلاح عقله، أو يزيد من قدرته على تصريف شئون الدولة، وهو واثق من قدرته الطبيعية في هذه الأمور" (١٣). وكان من سوء حظ أثينة أن ثمستكليز وأرستيديز قد أحبا معاً فتاة واحدة هي استسلوس الكيوسية Stesilaus of Ceos، وأن ما ولده هذا الحب من حقد كل منهما على الآخر لم يزُل بعد أن زال الجمال الذي أشعل النار في قلبيهما (١٤). بيد أن ثمستكليز كان هو الذي أعد العدة للنصر في سلاميس وأحرز هذا النصر بما أوتي من همة وفراسة. وكانت موقعة سلاميس أهم الوقائع الحاسمة في تاريخ اليونان كله. ذلك أنه قد أعد منذ عام ٤٩٣ مشروع إنشاء مرفأ جديد لأثينة في بيريه، وشرع في إنشائه بالفعل. وفي عام ٤٨٣ أقنع الأثينيين بأن ينزلوا عن نصيبهم في مال كان سيوزع عليهم من محصول مناجم الفضة في لوريوم Laurium، وأن يخصصوا المال لإنشاء مائة سفينة حربية من ذوات الثلاثة صفوف من المجاديف. ولو لم ينشئ الأثينيون هذه السفن لما استطاعوا مقاومة خشيارشاي.

стр. 2004

الفصل الثالث خشيارشاي أو أخشويرش (١) توفي دارا الأول في عام ٤٨٥ وخلفه خشيارشاي الأول. وكان الوالد والولد رجلين يمتازان بالمقدرة العالية والثقافة الرفيعة، ولهذا يخطئ من يظن أن الحرب اليونانية الفارسية كانت نزاعاً بين الحضارة والهمجية. وحسبنا دليلاً على هذا تلك الحادثة التي وقعت حين أرسل دارا رسله إلى أثينة وإسبارطة قبل أن يغزو بلاد اليونان، يطلب إليهما أن ترسلا إليه التراب والماء رمزاً لخضوعهما لسلطانه، فما كان من المدينتين كلتيهما إلا أن قتلتا الرسل. وتوالت نذر الشؤم على إسبارطة فخشيت عاقبة فعلتها، وندمت على خرقها التقاليد الدولية المرعية، وطلبت إلى أهلها أن يتقدم منهم اثنان يذهبان إلى فارس وأن يقبلا أي عقاب يفرضه عليهما الملك العظيم ليكفرا به عن غدر مواطنيهما. وتطوع اسبرثياس Sperthias، وبوليس Bulis من أبناء الأسر الغنية القديمة في المدينة، للقيام بهذه المهمة، وسارا إلى خيمة خشيارشاي "أجابهما جواب الشهم الكريم وقال أنه لا يفعل ما فعله اللسدمونيون، حين قتلوا رسله واعتدوا بعملهم هذا القوانين التي يشترك الناس كلهم في التقيد بها. وإذا كان قد لامهم على فعلهم هذا فإنه لا يفعل مثل ما فعلوه ولا يرتكب من الإثم ما ارتكبوه". وأخذ خشيارشاي يستعد لهجومه الثاني على اليونان استعداداً كاملاً بطيئاً فقضى أربع سنين يحشد الجند ويجمع العتاد والزاد من جميع الولايات الخاضعة لسلطانه؛ ولما أن بدأ الزحف أخيراً في عام ٤٨١ كان جيشه في أغلب الظن

стр. 2005

أكبر جيش حشد في التاريخ كله قبل هذا القرن الذي نعيش فيه. ويقدره هيرودوت تقديراً بعيداً عن الاعتدال فيقول أنه كان مؤلفاً من ٢. ٦٤١. ٠٠٠ مقاتل، ومثلهم من المهندسين والأرقاء، والتجار، ورجال التموين والعاهرات. ويقول - ولعله هو نفسه لم يكن مؤمناً بقوله - إن جيش خشيارشاي كان إذا ورد الماء ليشرب جفت أنهار برمتها (١٦). وكان هذا الجيش بطبيعة الحال خليطاً من أمم مختلفة الأجناس والمشارب، وكان تأليفه على هذا النحو شديد الخطورة عليه. كان فيه فرس، وميديون، وبابليون، وأفغان، وهنود، وبكتريون، وسيجديون، وساكيون، وأشوريون، وأرمن، وكلشيون، وسكوذيون، وبيونيون، وميسيون، وبفلجونيون، وفريجيون، وتراقيون، وتساليون، ولكريون، وبؤوتيون، وإبوليون، وأيونيون، وليديون، وكاريون، وكليكيون، وقيصريون، وفينيقيون، وسوريون، وعرب، ومصريون، وأحباش، وليبيون وأجناس أخرى كثيرة. وكان منهم المشاة، والفرسان، وراكبو العربات، والفيلة، ومعهم أسطول من سفن النقل والسفن الحربية يبلغ عددها حسب رواية هيرودوت ألفا ومائتي سفينة وسبع سفن. ولما قبض الفرس في معسكرهم على جواسيس يونان، وأمر القائد بقتلهم، نقض خشيارشاي أمره وعفا عن الجواسيس، وأمر أن يحرسوا أثناء مرورهم بين قواته، ثم أطلق سراحهم معتقداً أنهم إذا نقلوا إلى أثينة وإسبارطة مدى استعداده، فإن ما بقي من بلاد اليونان سوف يستسلم له (١٧). ووصل هذا الجيش العظيم إلى الهلسبنت (الدردنيل) في عام ٤٨٠ وكان مهندسوه المصريون والفينيقيون قد أقاموا عليه جسراً يعد من أعظم أعمال القدماء الهندسية، وأكثرها إثارة للإعجاب، وإذا جاز لنا مرة أخرى أن نصدق هيرودوت قلنا إن ٦٧٤ سفينة من ذوات الصفوف الثلاثة من المجاديف، أو من ذوات الخمسين مجدافاً، قد صفت صفين في عرض المضيق، ووجهت كل سفينة عكس التيار، وثبتت في مكانها بهلب ثقيل. ثم مد الصناع حبالاً من الكتان

стр. 2006

أو نبات البردي فوق كل صف من السفن من أحد الشاطئين إلى الشاطئ الذي يقابله، وربطوا هذه الحبال في كل سفينة من السفن، وشدوها إلى روافع على البر. وقطعت أشجاراً ونشرت ألواحاً وضعت فوق الحبال وبعكس اتجاهها، وربطت بهذه الحبال كما ربط بعضها ببعض. وغطيت الألواح بالحسك، ثم غطى الحسك بالتراب، ثم عُبَّد هذا كله حتى يكون شبيهاً بالطريق الممهد، وأقيم حاجز على كلا الجانبين يبلغ من الارتفاع حداً يمنع الحيوانات من أن يداخلها الخوف إذا أبصرت البحر (١٨). لكن كثيراً من الحيوانات والآدميين كان لا بد من ضربها بالسياط قبل أن تجرؤ على اجتيازه. واحتملها الجسر أحسن احتمال، ولم تمض إلا سبع ليال وسبعة أيام حتى كان الجيش كله قد مر عليه بسلام. ورأى أحد الأهلين هذا المنظر العجيب فأيقن أن خشيارشاي هو زيوس بعينه، وسأل كيف يكلف رب الآلهة والبشر نفسه عناء فتح بلاد اليونان الصغيرة، وهو الذي يستطيع أن يدمر هذه الأمة المتعاظمة بصاعقة واحدة (١٩). وزحف الجيش سراً مجتازاً تراقية ثم نزل إلى مقدونية وتساليا بينما كان الأسطول الفارسي يلازم الساحل ويتجنب عواصف بحر إيجة بالسير جنوباً مجتازاً قناة حفرها رجال مسخرون، ثم قطع من برزخ جبل أثوس مسافة يبلغ طولها ميلاً وربع ميل. ومن القصص المتواترة أنه كلما أكل الجيش وجبتين حل الخراب التام بالمدينة التي تطعمه. وأنفقت ثاسوس أربعمائة وزنة من الفضة (أي نحو مليون ريال أمريكي) لإطعام جيش خشيارشاي يوماً واحداً (٢٠). واستسلمت مدن اليونان الشمالية الممتدة إلى حدود أتكا إما خوفاً من الغزاة وإما طمعاً في الرشا الضخمة التي كانوا يوزعونها على الأعداء، وانضمت جيوشها إلى جحافل خشيارشاي، ولم تستعد للقتال من مدن الشمال إلا بلاتيا وثسبيا.

стр. 2007

الفصل الرابع سلاميس كيف نستطيع أن نتصور في هذه الأيام ما استولى على اليونان في الجنوب من هول وفزع حينما اقترب منهم هذا السيل الجارف المتبلبل الألسنة الذي لا يبقي ولا يذر؟ لقد بدا لهم أن مقاومته حمق وجنون، لأن الدول التي ظلت موالية للقضية اليونانية لم يكن في وسعها أن تحشد معشار قوة خشيارشاي؛ وعملت أثينة وإسبارطة للمرة الأولى معاً وتعاونتا معاونة صادقة، وأرسلتا الوفود مسرعة إلى كل مدينة في البلوبونيز تتلمس العتاد والرجال، وأجابتها معظم الدول إلى ما طلبت؛ ولكن أرجوس رفضت الرجاء ورضت بما أصابها من مذلة. وجهزت أثينة أسطولاً اتجه إلى المشال للقاء العمارة الفارسية الضخمة، وأرسلت إسبارطة قوة صغيرة بقيادة الملك ليونداس لتعطل تقدم خشيارشاي عند ترموبيلي. والتقى الأسطولان عند أرتمزيوم Artimisium بالقرب من ساحل عوبية الشمالي. ولما رأى قواد الأسطول اليوناني ضخامة الأسطول الفارسي فكروا في الانسحاب، ولكن العوبيين خشوا أن ينزل الفرس في بلادهم، فأرسلوا إلى ثمستكليز قائد القسم الأثيني رشوة قدرها ثلاثون وزنة (نحو ١٨. ٠٠٠ ريال أمريكي) على شريطة أن يقنع قواد اليونان بقتال الأعداء. ونجح ثمستكليز في إقناعهم بعد أن اقتسم المال معهم (٢١). ثم هداه ما يمتاز به من دهاء إلى وسيلة أخرى ظن فيها فائدة، فأرسل بعض البحارة لينقشوا على الصخور رسائل إلى اليونان المنضمين إلى الأسطول الفارسي يرجونهم فيها أن يفروا من هذا الأسطول، فإن كبر عليهم هذا فلا أقل من أن يمتنعوا عن قتال أهلهم وبلادهم. وكان يأمل أن يتأثر الأيونيون بهذه الرسائل إذا رأوها، وألا يجرؤ خشيارشاي إذا قرأها وأدرك معناها على استخدام

стр. 2008

الهيلينيين في المعركة. ودار القتال بين الأسطولين المتعاديين طوال النهار، فلما جن الليل وقف القتال قبل أن يعقد لواء النصر لأحد الفريقين، وارتد اليونان إلى أرتمزيوم والفرس إلى أفيتي Aphetae. وإذا ما ذكرنا اختلاف القوتين في عدد السفن رأينا أن اليونان كانوا على حق حسبوا نتيجة المعركة نصراً لهم على أعدائهم. ولما جاءتهم الأنباء بكارثة ترموبيلي أبحر الجزء الباقي من الأسطول اليوناني نحو الجنوب إلى سلاميس ليصعد الغزاة عن أثينة. وكان في هذه الأثناء قد غلب على أمره عند "الأبواب الحارة" رغم ما أبداه من المقاومة الشديدة التي تعد أروع مقاومة في التاريخ كله. ولم ينتصر عليه أعداؤه بفضل شجاعتهم، بل انتصروا عليه بخيانة اليونان أنفسهم. ذلك أن بعض اليونان من أهل تراكيس Trachis لم يكتفوا بأن يدلوا خشيارشاي على طريق ملتو طويل فوق الجبال، بل فعلوا ما هو أدهى من ذلك وأمر، إذ قادوا الجيش الفارسي من هذا الطريق ليهاجموا الإسبارطيين من الخلف. وقتل في المعركة التي نشبت وقتئذ ليوندارس والثلاثمائة الكبار الذين كانوا معه إلا رجلين؛ ونقول الكبار لأنه لم يختر معه إلا من كان لهم أبناء حتى لا يكون موتهم سبباً في انقراض أية أسرة إسبارطية. أما الرجلان اللذان لم يقتلا فقد سقط أحدهما في معركة بلاتية، وشنق الثاني نفسه اعتقادا منه أن نجاته تجلله العار (٢٢). ويؤكد المؤرخون اليونان أن الفرس خسروا في المعركة عشرين ألفاً، وأن خسارة اليونان لم تزد على ثلاثمائة (٢٣). وكتب على قبر أولئك الأبطال تلك القبرية الذائعة الصيت: "اذهب أيها الغريب ونبئ السدمونيين أنا نحيا هنا إطاعة لشرائعهم (٢٤) ". ولما عرف الأثينيون أنه لم يبق بين الفرس ما يصدهم عن أثينة أعلنوا في المدينة أن من واجب كل أثيني أن يعمل على نجاة أسرته بخير وسيلة يراها. فمنهم من فر إلى إيجينا، ومنهم من فر إلى سلاميس، ومنهم من خرج إلى تروزين Troezen،

стр. 2009

وانضم بعض الرجال إلى بحارة الأسطول العائد من أرتمزيوم. ويصور لنا بلوتارخ (٢٥) صورة رائعة مؤثرة للحيوانات المستأنسة في المدينة وهي تسير خلف أصحابها إلى شاطئ البحر، حتى إذا ما امتلأت السفن بالرجال ولم يبق فيها مكان للحيوانات ملأت الجو بأصواتها. وكان من بينها كلب يملكه زانثبوس Xanthippus والد بركليز، قفز إلى البحر وأخذ يسبح إلى جانب السفينة حتى إذا ما وصل إلى سلاميس مات من فرط الإعياء (٢٦). وفي وسعنا أن ندرك ما كان يسود تلك الأيام من اهتياج وانفعال، حين نذكر أن رجلاً من الأثينيين وقف في الجمعية الوطنية يشير بالاستسلام، فما كان من مواطنيه إلا أن قتلوه في التو والساعة، وأن جماعة من النساء ذهبن إلى بيته ورجمن زوجته وأطفاله بالحجارة حتى هلكوا (٢٧). ولما أقبل خشيارشاي على المدينة ألفاها خاوية على عروشها أو تكاد، فأعمل فيها السلب والنهب وأشعل فيها النار. وبعد قليل دخل الأسطول الفارسي المؤلف من اثنتي عشرة سفينة خليج سلاميس، واستعدت للقائه ثلاثمائة سفينة يونانية من ذات الصفوف الثلاثة من المجدفين، وكانت لا تزال ألويتها معقودة لقواد مختلفين، وكانت كثرة هؤلاء القواد تعارض في المخاطرة بالاشتباك مع الأسطول الفارسي في معركة فاصلة. وأراد ثمستكليز أن يضطر اليونان إلى القتال اضطراراً، فلجأ إلى حيلة لو أنها انتهت بفوز الفرس لكان جزاؤه الموت لا محالة. ذلك أنه أرسل إلى خشيارشاي عبداً يتق به يقول له إن اليونان يعتزمون الفرار في أثناء الليل، وأن الفرس لا يستطيعون منع هذا الفرار إلا إذا أحاطوا بالأسطول اليوناني؛ وعمل خشيارشاي بالنصيحة. ووجد اليونان في صباح اليوم الثاني أن المسالك كلها قد سدت في وجوههم، فلم يروا بداً من القتال. وجلس خشيارشاي في أبهة وجلال يرقب سير القتال، ويدون أسماء من يبدون من رجاله شجاعة ممتازة. وانتهت

стр. 2010

الواقعة بفوز اليونان بفضل براعتهم في أساليب الكر والفر في ركوب البحار وبسبب ما أحدثه في صفوفهم من الخلل والاضطراب اختلاف اللغات والعقول، وكثرة ما لديهم من السفن التي عاقتهم عن سرعة الحركة. ويقول ديودور إن الغزاة خسروا مائتي سفينة مقابل أربعين خسرها المدافعون، ولكننا لا نعرف ما يقوله الفرس أنفسهم عن النتيجة. ولم يقتل من اليونان إلا عدد قليل حتى من رجال السفن التي خسروها؛ فقد كانوا كلهم بارعين في السباحة، ولذلك خاضوا الماء حتى وصلوا إلى البر حينما غرقت سفائنهم (٢٨). وفرت المراكب الباقية من الأسطول الفارسي إلى مضيق الهلسبنت (الدردنيل)، وأرسل الداهية ثمستكليز عبده مرة أخرى إلى خشيارشاي ليقول له أنه قد أقنع اليونان بعدم اقتفاء أثر الأسطول الفارسي. وترك خشيارشاي ثلاثمائة ألف من رجاله بقيادة مردنيوس، وعاد مع بقية الجيش ذليلاً كسير القلب إلى سرديس، فوصلها بعد أن مات في الطريق جزء كبير من قوته بالأوبئة والزخار. وفي العام الذي انتصر فيه اليونان في سلاميس، نشب القتال بين يونان صقلية والقرطاجيين في هيميرا Himera- وقد يكون ذلك في نفس اليوم الذي دارت فيه رحى القتال في سلاميس (٢٣ سبتمبر سنة ٤٨٠ ق. م) إذا صدقنا ما يقوله اليونان أنفسهم. ولسنا نعرف هل كان فينيقيو إفريقية يعملون بالاتفاق مع من كانوا يؤيدون منهم خشيارشاي ومن أمدوا سفنه بكثير من الرجال؛ وربما كان من المصادفات المحضة أن يجد اليونان أنفسهم يهاجمهم أعداؤهم من الشرق ومن الغرب في وقت واحد (٢٩). وتقول الرواية المتواترة أن هملكار قائد العمارة القرطاجية وصل إلى بنورموس Panormus على رأس ثلاثة آلاف سفينة وثلاثمائة جندي، ومنها سار لمحاصرة هيميرا، وهناك قابله جيلون Gelon السرقوسي ومعه خمسة وخمسون ألف مقاتل. ووقف هملكار بعيداً عن مكان المعركة كعادة قواد الفينيقيين، وأخذ يحرق القرابين للآلهة ورحى الحرب دائرة،

стр. 2011

ولما تبين أنه مهزوم لا محالة، ألقى بنفسه في النار. وأقيم له قبر في تلك البقعة نفسها، وفيها قتل حفيده هملكون Himilcon بعد سبعين عاماً من ذلك الوقت ثلاثة آلاف يوناني انتقاماً منهم لجده (٣٠). وبعد عام واحد (أغسطس سنة ٤٧٩) تم تحرير بلاد اليونان على أثر معركتين إحداهما بحرية والأخرى برية حدثتا في وقت واحد تقريباً. ذلك أن جيش مردنيوس- وكان يعيش مطمئناً من خيرات البلاد- كان قد ضرب خيامه قرب بلاتيه في سهول بؤوتية. وهناك اشتبكت معه قوة يونانية قوامها ٠٠٠ ر ١١٠ رجل بقيادة بوزنياس ملك إسبارطة، بعد أن ظلت أسبوعين في انتظار فأل طيب يبشر بالنصر. ودارت بينهما معركة كانت أعظم المعارك البرية في هذه الحرب. ولم يكن الجنود الأجانب في جيش الفرس متحمسين للقتال، وما كادوا يرون الفرقة الفارسية التي تلقت الضربة الأولى من ضربات المهاجمين تتزلزل أقدامها، حتى ولوا الأدبار. وانتصر اليونان على الفرس انتصاراً مؤزراً لم يخسروا فيه (حسب أقوال مؤرخيهم) سوى ١٥٩ رجلاً، بينما كان عدد القتلى من الجيش الفارسي ٠٠٠ ر ٢٦٠ (١). وفي اليوم نفسه- كما يؤكد اليونان- التقت عمارة بحرية يونانية بقسم من الأسطول الفارسي أمام شاطئ ميكالي وسط الجزائر الأيونية كلها وملتقى مسالكها، ونشبت بين الأسطولين معركة تحطم فيها الأسطول الفارسي، وتحررت المدن الأيونية من نير الفرس، واستعاد اليونان سيطرتهم على الهلسبنت والبسفور، كما استعادوا هذه السيطرة من طروادة قبل ذلك الوقت بسبعمائة عام.

стр. 2012

لقد كانت الحرب اليونانية الفارسية أهم حوادث الصراع في تاريخ أوربا، ولولاها لما قامت لأوربا قائمة. فهي التي أتاحت للحضارة الأوربية الفرصة التي أمكنتها من أن تثبت قواعد حياتها الاقتصادية لا تبهظ كاهلها جزية أو ضرائب أجنبية، وأن تنمي نظمها السياسية، محررة من سيطرة ملوك الشرق. وبفضلها شقت بلاد اليونان لنفسها الطريق لأولى التجارب العظيمة في الحرية، وحفظت العقل اليوناني ثلاثمائة عام كاملة من تصوف الشرق الموهن ومذاهبه الباطنية، وضمنت للمغامرات اليونانية حرية البحار. ونهض الأسطول الأثنيني أو جزؤه الذي بقى بعد معركة سلاميس ففتح جميع مرافئ البحر الأبيض المتوسط للتجارة اليونانية؛ وهذا التوسع التجاري الذي أصبح بهذه الطريقة ميسراً مأموناً، أمد أثينة بالثروة التي أمكنتها من أن تتفرغ لنشاطها الثقافي في عصر بركليز. يضاف إلى هذا أن انتصار هيلاس الصغيرة على جيوش الفرس الجرارة قد بعث العزة في نفس أهلها وسما بروحهم المعنوية، فأحسوا بأن الداعي يدعوهم للقيام بجلائل الأعمال اعترافاً منهم بالنعمة التي أنعم عليهم بها. وهكذا دخلت اليونان بعد مئات السنين من الاستعداد والتضحية في عصرها الذهبي المجيد.

стр. 2013

مقدمة الترجمة بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله الذي هدانا لهذا، وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله، وبعد: فهذا هو الجزء الثاني من المجلد الثاني من مجلدات قصة الحضارة الست. وهو يضم بين دفتيه حضارة اليونان في العصر الذهبي، وفي عصر اضمحلال الحرية اليونانية وسقوطها. وهو كسابقه ترجمة أمينة للأصل الإنجليزي لا يزيد عليه إلا في بعض شروح قليلة في هامش الكتاب. ولقد جرينا فيه على السنة التي جرينا عليها في الأجزاء السابقة فأثبتنا أسماء الأماكن والأشخاص بالحروف الإنجليزية بعد العربية حين يرد ذكرها أول مرة، حتى يكون القارئ على بينة منها، وحتى يسهل عليه نطقها. أما الأسماء اليونانية التي ورد ذكرها في الكتب العربية كأسماء الفلاسفة وبلادهم، فقد كتبناها كما كتبها العرب أنفسهم وإن خالف ذلك نطقها باليونانية والإنجليزية. ولعلنا لم نستطع الوصول إلى بعض الأسماء، ولكنا قج بذلنا كثيراً من الجهد في الوصول إليها، وسنتدارك ما نستطيع معرفته منها في الجزء الثالث كما تداركنا في هذا الجزء بعض ما فاتنا في الجزء الول. ونعود فنكرر الشكر للإدارة الثقافية لجامعة الدول العربية، التي بفضلها ترجم هذا الكتاب، وللجنة التأليف والترجمة والنشر التي بفضلها نشر. والله الهادي إلى سواء السبيل، محمد بدران ديسمبر سنة ١٩٥٣

стр. 2014

الكِتابُ الثالِث العصر الذهبي من ٤٨٠ إلى ٣٩٩ ق. م.

стр. 2015

الباب الحادي عشر بركليز والتجربة الدمقراطية الفصل الأوّل نهضة أثينة يقول شلي Shelley إن "الفترة الواقعة بين مولد بركليز وموت أرسطو تعد بلا شك أهم فترة في تاريخ العالم كله، سواء نظرنا إليها من حيث هي ذاتها أو من حيث أثرها في مصائر الإنسان المتحضر من بعدها". وكانت أثينة هي المسيطرة على هذه الفترة، وقد نالت ولاء معظم المدن الإيجية فأمدتها هذه المدن بالأموال لأنها تزعمتها في إنقاذ بلاد اليونان من الغزو الأجنبي، ولأن أيونيا بعد هذه الحرب قد حلت بها الفاقة، وإسبارطة قد اضطربت أحوالها بسبب تسريح جيوشها وما حدث فيها من زلازل وفتن؛ ولأن الأسطول الأثيني قد نال من النصر في العالم التجاري ما لا يقل عن نصره الحربي في أرتميز يوم سلاميس. ولسنا نقصد أن الحرب كانت قد وضعت أوزارها نهائياً؛ فقد استمر النزاع بين الفرس واليونان من عهد أن فتح قورش أيونيا إلى أن هزم الإسكندر دارا الثالث. وقد طرد الفرس من أيونيا في عام ٤٧٩ ومن البحر الأسود عام ٤٧٨ ومن تراقيا عام ٤٧٥. وفي عام ٤٦٨ انتصر أسطول يوناني بقيادة سيمون الأثيني نصراً مؤزراً على الفرس في البر وفي البحر عند مصب نهر يوريمدون Eurymedon (١) . وفي ذلك الوقت ألفت المدن

стр. 2016

اليونانية في آسية وبحر إيجة اتحاد ديلوس بزعامة أثينة وتبرعت كلها بمقدار من المال أودع في هيكل أبلو في ديلوس. وأمدت أثينة هذا الاتحاد بالسفن بدل المال فلم تلبث لهذا السبب أن أصبحت لها الزعامة عليه بفضل قوتها البحرية، ولم يلبث اتحاد الأنداد أن استحال إلى إمبراطورية أثينية. وانضم كبار الساسة الأثينيون جميعهم ومنهم الرجل الفاضل أرستيديز والرجل المنزه الطاهر بركليز إلى ثمستكليز الذي لا ضمير له في هذه السياسة الجديدة، سياسة التوسع الاستعماري. ولم تكن أثينة مدينة لإنسان ما بمثل ما كانت مدينة به لثمستكليز، ولم يكن أحد من رجالها أكثر منه تصميماً على أن ينال جزاء ما قدمه لها. فلما أن اجتمع زعماء اليونان ليقترحوا مكافأة أولئك الرجال الذين أظهروا كفاية ممتازة في الدفاع عن البلاد اقترح كل منهم لنفسه أولاً ولثمستكليز ثانياً. وكان هو الذي سَيَّرَ تاريخ اليونان في المجرى الذي سار فيه بعدئذ، وذلك بأن أقنع أثينة أن البحر لا البر والتجارة لا الحرب هما سبيل السيطرة والسيادة، ومن أجل هذا أخذ يفاوض في بلاد الفرس ويسعى إلى وضع حد للنزاع القائم بين الإمبراطورية الهرمة والإمبراطورية الفتية حتى تزول العقبات القائمة في سبيل الاتجار مع آسية ويعم الرخاء أثينة. وقد حشد رجال أثينة - بل ونساءها وأطفالها - لإقامة سور حول المدينة وسور آخر حول ثغري بيرية Piraeus ومنيشية Muniychia، ووضع الخطة التي نفذها بركليز لإقامة أرصفة عظيمة، ومخازن، ومصافق في بيرية تسهيلاً للتجارة البحرية. وكان يعرف أن هذه السياسة ستثير الغيرة والحسد في نفس إسبارطة، وقد تؤدي إلى نشوب الحرب بين الدول المتنافسة، ولكنه كان يسعى لرقي أثينة وتقدمها، وكان هذا الأمل ووثوقه بقوة الأسطول الأثيني يدفعانه إلى العمل دفعاً. وكان في أهدافه من العظمة بقدر ما في وسائله من الانحطاط فقد استخدم الأسطول لإرغام جزائر سكلديس على أداء الجزية له بحجة أن هذه

стр. 2017

الجزائر استسلمت للفرس أسرع مما ينبغي لها أن تستسلم، وأنها أمدت خشيارشاي بالجند؛ ويلوح أنه أعفى بعض المدن من هذه الجزية بعد أن قدمت له الرشا (٢). ولهذه الاعتبارات عينها أعد العدة لاستدعاء بعض المنفيين، ويقول تيموقريون Timocreon إنه كان يحتفظ بما يقدم له من الرشا وإن لم يفلح في إعادتهم (٣) إلى أوطانهم. ولما عهد إلى أرستيديز الإشراف على الأموال العامة وجد أن من كانوا يشرفون عليها قد اختلسوا الكثير منها، وأن ثمستكليز لم يكن أقلهم اختلاساً (٤) وتبديداً لها، وأصدر الأثينيون حوالي عام ٤٧١ قراراً بنفيه من البلاد لأنهم كانوا يخشون مقدرته وفساد ضميره فخرج منها يريد البقاء في أرجوس. ولكن وثائق ذات بال لم تلبث أن وقعت في يد الإسبارطيين تثبت على ما يظهر أن ثمستكليز دارت بينه وبين بوزنياس نائب الملك عندهم، وكانوا قد أماتوه جوعاً لأنه اتصل بالفرس في مفاوضات تثبت عليه الخيانة لبلاده. وانتهزت إسبارطة هذه الفرصة لإسقاط عدوها، فأطلعت أثينة على هذه الوثائق وأرسلت أثينة من فورها أمراً بالقبض على ثمستكليز؛ فما كان منه إلا أن فر إلى كرسيرا Gorcyra، وأبت هذه أن تحميه، فلجأ إلى بيروس حيث أقام زمناً قصيراً، ثم أبحر منها سراً إلى آسية، وطلب إلى خليفة خشيارشاي أن يكافئه على منعه اليونان من تعقب آثار الأسطول الفارسي بعد سلاميس؛ وانخدع أرتخشتر (أردشير) بما وعده به ثمستكليز من مساعدة على إخضاع بلاد اليونان (٥) فضمه إلى مستشاريه وخصه بموارد بعض المدن الخاضعة لحكمه. وقبل أن يستطيع ثمستكليز إنقاذ الخطة التي أقضت مضجعه عاجلته المنية في مجنيزيا عام ٤٤٩ وهو في سن الخامسة والستين، بعد أن نال إعجاب بلاد البحر الأبيض المتوسط كلها واكتسب كراهيتها. وآلت زعامة الحزب الدمقراطي في أثينة بعد ثمستكليز وأرستيديز إلى إفيليتز، كما آلت زعامة الحزب الألجاركي أو حزب المحافظين إلى سيمون بن

стр. 2018

ملتيادس. وكان سيمون متصفاً بمعظم الفضائل التي تنقص ثمستكليز، ولكنه كانت تعوزه الكياسة والمقدرة اللتان لا بد منهما للنجاح في الحكم والسياسة. ولما ضاق ذرعاً بما كان يحاك في المدينة من دسائس تولى قيادة الأسطول، وثبت دعائم الحرية في بلاد اليونان بما ناله من النصر في يوريميدون، وعاد إلى أثينة ظافراً ولكنه فقد حب الشعب له حين أشار بتسوية النزاع مع إسبارطة. ووافقت الجمعية على كره منها أن تعهد إليه قيادة قوة أثينة لمساعدة الإسبارطيين على إخضاع الهيلوتيين في إيثومي، ولكن الإسبارطيين لم يأمنوا للأثينيين وارتابوا فيهم وهم يريدون لهم الخير. وبلغ من سوء ظنهم بجنود سيمون أن عادوا إلى أثينة غاضبين، كما عاد سيمون يجلله الخزي والعار، وسقطت مكانته بين مواطنيه. وفي عام ٤٦١ صدر قرار الجمعية بنفيه بتحريض بركليز، وسقطت بسقوطه منزلة الحزب الألجركي إلى الحضيض، حتى لقد ضلت الحكومة مدى جيلين في قبضة الدمقراطيين. وبعد أربع سنين من سقوطه استصدر بركليز من الجمعية قراراً باستدعائه مدفوعاً إلى ذلك بندمه على فعلته (أو لعشق إلبنيس Elpenice أخت سيمون كما تقول الشائعات)، ومات سيمون ميتة شريفة في معركة بحرية في جزيرة قبرص. وآلت زعامة الحزب الدمقراطي وقتئذ إلى رجل قد يُدهَش القارئ إذا قلنا إنا لا نعرف عنه إلا القليل، مع أن نشاطه هو الذي غير مجرى تاريخ أثينة، والرجل الذي نعنيه بقولنا هذا هو إفيلتيز. وكان إفيلتيز هذا رجلا فقيراً ولكنه طاهر اليد، ولم يعش طويلاً بعد أن هدأت نار الأحقاد السياسية في أثينة. وكانت الحرب قد زادت من قوة حزب الشعب لأن المواطنين الأحرار نسوا إلى حين ما كان بين طبقاتهم من شقاق وانقسام، ولأن الجيش - الذي كان يسيطر عليه الأشراف - لم يكن هو الذي كسب معركة سلاميس، بل كسبها الأسطول، وكان رجاله من فقراء المواطنين كما

стр. 2019

كانت قيادته في أيدي طبقة التجار الوسطى. وحاول الحزب الألجركي أن يحتفظ بامتيازاته بتركيز السلطة العليا في الأريوبجوس (مجلس الشيوخ) المحافظ، فما كان جواب إفيلتز إلا أن قام بهجوم (١) عنيف على مجلس الشيوخ القديم، ووجه تهماً شنيعة إلى الكثيرين من أعضائه، وأمر بإعدام بعضهم (٧)، وحمل الجمعية على أن توافق على إلغاء ما كان باقياً للأريوبجوس من سلطة إلغاء يكاد يكون تاماً. وأثنى أرسطاطاليس الأرستقراطي النزعة فيما بعد على هذه السياسة المتطرفة بحجة أن "انتقال السلطات القضائية التي كانت من قبل من اختصاص مجلس الشيوخ إلى أيدي العامة كان فيما يبدو عظيم النفع لأن إرشاد العدد القليل من الناس أيسر من إرشاد العدد الكبير منهم" (٨). غير أن المحافظين من أهل ذلك الوقت لم يؤمنوا بهذه النتيجة وهم هادئون. ولما عجزوا عن شراء ضمير إفيلتز سلطوا عليه من اغتاله في عام ٤٦١ (٩)، وانتقلت بعد موته زعامة الحزب الدمقراطي الذي تعرض من يتولاها لأشد الأخطار إلى بركليز الأرستقراطي.

стр. 2020

الفصل الثاني بركليز ولد قبل مرثون بثلاث سنين رجل أصبح فيما بعد صاحب السلطة العليا على جميع قوى أثينة المادية والروحية في خلال عصر عظمتها ومجدها. وكان والده زنثبوس Xanthippus ممن حاربوا في سلاميس، وقد تولى قيادة الأسطول الأثيني في معركة ميكالي، واسترد مضيق الهلسبنت لبلاد اليونان. وكانت أجرستي Agariste أم بركليز حفيدة المصلح كليسثنيز، ولهذا فإن نسبه من جهة أمه يتصل بأسرة الألقميونيين القديمة. وفي ذلك يقول بلوتارخ: "ولما قرب يوم مولده رأت أمه في منامها أنها ولدت أسداً، وبعد بضعة أيام ولدت بركليز - وكان جسمه كاملاً سوياً في كل شئ ما عدا رأسه، فقد كان طويلاً بعض الطول غير متناسب مع جسمه" (١٠) وكثيراً ما سخر نقاده من طوله. وتعلم الموسيقى على دامون Damon أشهر معلميها في زمانه، وعلمه فيثاغورس الموسيقى والأدب، واستمع إلى محاضرات زينون الإيلي في أثينة، وأصبح صديقاً وتلميذاً للفيلسوف أنكساغوراس. وتثقف في أثناء نموه بثقافة عصره السريعة النماء، وجمع في ذهنه واستخدم في سياسته جميع نواحي الحضارة الأثينية - الاقتصادية، والعسكرية، والأدبية، والفنية، والفلسفية. ومبلغ علمنا أنه كان أكمل إنسان أنجبته بلاد اليونان جميعها. ولما رأى أن مبادئ الحزب الألجركي لا تتمشى مع روح العصر انضم من بداية حياته العامة إلى حزب "الديموس" (الشعب) أي سكان أثينة الأحرار. وكانت كلمة "الشعب" وقتئذ، كما كانت في أمريكا إلى أيام جفرسن، تفترض فيمن تطلق عليه بعض القيود الخاصة بالملكية. وكان حين

стр. 2021

ينزل ميدان السياسة بوجه عام وحين يقدم على أي عمل سياسي بوجه خاص، يستعد له أكمل استعداد، فلا يتردد في أن يمضي في أي عمل تفرضه عليه قواعد التربية الحقة، لا يتكلم إلا قليلاً، ولا يطيل الكلام، ويدعو الآلهة أن تمسك لسانه فلا ينطق بأي كلمة لا تمت بصلة قوية للموضوع الذي يتكلم فيه. وكان الناس كلهم ومنهم الشعراء الهزليون الذين يحقدون عليه، يسمونه "الأولمبي" الفصيح اللسان الذي لم تسمع أثينة قبله مثل فصاحته في قوتها وعظيم تأثيرها، ومع هذا فالمؤرخون كلهم مجمعون على أن خطبه كانت خالية من الانفعال، تتأثر بها العقول المستنيرة. ولم يكن نفوذه مستمدا من ذكائه فحسب، بل كان مستمداً كذلك من صلاحه واستقامته، ولم يكن يستنكف أن يستعين بالرشا ليحصل للدولة على أغراضها، أما هو نفسه فكان "بلا جدال مبرئاً من جميع ضروب الفساد وأكبر من أن يهتم بالمال" (١١). ويحدثنا المؤرخون أن بركليز لم يضف طوال حياته العامة شيئاً ما إلى ما ورثه من أبيه، على حين أن ثمستكليز تولى المناصب العامة وهو فقير وخرج منها وهو واسع الثراء (١٢). ومما يدل على فطنة الأثينيين وحكمتهم في ذلك العهد أنهم ضلوا خلال ثلاثين عاماً أو نحوها بين ٤٦٧ و ٤٢٨ ينتخبونه ويجددون انتخابه - ما عدا فترات قصيرة - ليكون واحداً من الاستراتجوى أي القادة العشرة، وكان بقاؤه في منصبه هذه المدة الطويلة نسبياً مما جعله صاحب السلطة العليا في المجلس العسكري، وأمكنه أن يجعل منصب الاستراتجوس أو توكراتور أي القائد صاحب السلطة أعلى المناصب الحكومية شأناً وأعظمها سلطاناً. وحصلت أثينة في أيامه على فوائد الحكم الأرستقراطي والدكتاتوري، وإن كانت قد استمتعت أيضاً بجميع مزايا الدمقراطية. فقد بقي لها ما كان يزدان به عهد بيسستراتس من حكم صالح وعمل على نشر الثقافة وتشجيعها، واجتمع لها ما كان في عهد بيسستراتس من حسن توجيه، وفرط ذكاء، وسرعة البت في الشئون العامة، مضافة إلى رضاء المواطنين الأحرار رضاءً كاملاً يظهرونه عاماً بعد

стр. 2022

عام. وكان وجوده برهاناً يثبت به التاريخ المبدأ القائل إن خير وسيلة لتنفيذ الإصلاحات القائمة على أسس الحرية وأضمن الطرق لتثبيت هذه الإصلاحات وتقوية دعائمها هي أن يتولاها زعيم حذر معتدل، يستمتع بتأييد الشعب. ومن أجل ذلك بلغت الحضارة اليونانية أعلى درجاتها حين نمت الدمقراطية نمواً يكفي لأن يكسبها قوة وتعدداً في نواحي نشاطها، وبقي فيها من الأرستقراطية ما يكسبها حسن النظام وسلامة الذوق. وأدت إصلاحات بركليز إلى زيادة سلطة الشعب زيادة عظيمة. ذلك أن عدم أداء أجور للقضاة نظير عملهم في المحاكم كان قد أكسب الطبقات الثرية سلطاناً عظيماً فيها وإن كانت سلطتهم قد زادت من قبل في عهد صولون وكليسثنيز وإفيلتيز. وأدرك بركليز هذا، فقرر في عام ٤٥١ أبولتين Obols أي ما يعادل ٣٤ slash ١٠٠ من الريال الأمريكي لكل قاض عن كل يوم يجلس فيه للقضاء، ثم رفع هذا الأجر بعدئذ إلى ثلاث أبولات، وكان هذا الأجر في كلتا الحالتين يعادل وقتئذ نصف ما يكسبه الأثيني العادي من عمله اليومي (١٣). ولسنا نستطيع أن نحمل محمل الجد قول بعضهم: إن هذه الأجور القليلة أضعفت قوة أثينة وأفسدت أخلاق أهلها؛ لأن هذا لو صح لقضى من وقت بعيد على كل دولة تؤجر قضاتها أو محلفيها. ويلوح أن بركليز قرر كذلك مكافأة قليلة لمن ينخرطون في سلك الخدمة العسكرية. وقد توج كرمه الذي يعيبه عليه بعض الناس بأن خصص من مال الدولة أبولتين في العام لكل مواطن من مواطنيها يؤديها أجراً لدخوله لمشاهدة ما يعرض من المسرحيات والألعاب في الأعياد العامة، وحجته في هذا أن هذه المسرحيات والألعاب يجب ألا تكون ترفاً تختص به الطبقات العليا والوسطى، بل يجب أن تهدف إلى رفع مستوى الناخبين العقلي على بكرة أبيهم. على أننا يجب أن نذكر في هذا المقام أن أفلاطون، وأرسطاطاليس، وبلوتارخ - وهم جميعاً محافظون - مجمعون على أن هذه الأجور أضرت بأخلاق الأثينيين (١٤).

стр. 2023

وواصل بركليز عمل إفيلتيز فنقل إلى المحاكم الشعبية ما كان للأركونيين وكبار الموظفين من اختصاصات قضائية، فأصبحت الأركونية من ذلك الحين منصباً إدارياً أكثر منها منصباً يوجه سياسة الدولة، أو يفصل في القضايا أو يصدر الأحكام والأوامر. وفي عام ٤٥٧ وسع حق الانتخاب للأركونية حتى شمل الطبقة الثالثة من الأهلين، الزوجتاي Zeugitai، وكان من قبل مقصوراً على الطبقات الغنية؛ ولم تلبث أحط الطبقات منزلة وهي طبقة الثيتيين أن حصلت على حق الانتخاب لهذا المنصب من غير حاجة إلى إجراءات شكلية، وذلك بأن غالت في تقدير دخلها، وتغاضت سائر الطبقات عن هذا الخداع والتزوير لما كان لهذه الطبقة الدنيا من شأن عظيم في الدفاع عن أثينة (١٥). ثم اختط بركليز إلى أجل قصير خطة مغايرة لخطته السالفة الذكر فأقنع الجمعية في عام ٤٥١ بأن تقصر حق الانتخاب على الأبناء الشرعيين الذين يولدون من آباء أثينيين وأمهات أثينيات. وحرّم عقد زواج شرعي بين مواطن وغير مواطن. وكان يقصد بهذا الإجراء عدم تشجيع الزواج بين الأثينين والأجانب والإقلال من عدد الأبناء غير الشرعيين، ولعله كان يريد أيضاً أن يحتفظ لأهل مدينة أثينة الحريصين على حقوقهم بما يعود عليهم من هذه الحقوق الوطنية والإمبراطورية من مزايا. ولكن بركليز لم يلبث أن وجد من الأسباب ما جعله يندم على هذا التشريع الضيق المانع. وأدرك بركليز أن أي أنواع الحكم يبدو في أعين الناس صالحاً إذا عاد عليهم بالرخاء، وأن أحسن أنواعه يبدو لهم سيئاً إذا لم يعد عليهم به، فوجه عنايته إلى سياسة البلاد الاقتصادية بعد أن ثبت دعائم مركزه السياسي، فعمل على تقليل ضغط السكان على مواد أتكا الضئيلة بإسكان جاليات من فقراء المواطنين الأثينيين في البلاد الأجنبية، وهيأ العمل للمتعطلين (١٦) بأن جعل الدولة تستخدم من الأهلين عدداً كبيراً لم يكن له نظير في بلاد اليونان من قبل: فزاد

стр. 2024

عدد سفن الأسطول، وأنشأ دور الصنعة، وبنى في بيرية مصنعاً عظيماً لتجارة الحبوب. وأراد أن يحمي أثينة حماية قوية من خطر الغزو عن طريق البر، وأن يهيئ في الوقت نفسه عملاً جديداً للمتعطلين، فأقنع الجمعية بأن توافق على صرف الأموال اللازمة لبناء أسوار لا يقل طولها عن ثمانية أميال سميت "الأسوار الطويلة" تصل أثينة ببيرية وفالروم Phalerum. وقد جعلت هذه الأسوار مدينة أثينة ومرفأيها كنفاً واحداً حصيناً لا يتوصل إليه في وقت الحرب إلا من طريق البحر - الذي يسيطر عليه الأسطول. ونظرت إسبارطة غير المسورة إلى هذا البرنامج الواسع من برامج التسليح نظرة عدائية، ورأى الحزب الألجركي في هذا العداء فرصة تتيح له الاستيلاء على زمام السلطة السياسية، فأرسل رسله سراً إلى الإسبارطيين يدعونهم لغزو أتكا، وتعهدوا لهم بأن يوقدوا في أثناء الغزو نار الفتنة في المدينة، فيقضوا بذلك على الحكومة الدمقراطية، كما تعهدوا أيضاً بهدم "الأسوار الطويلة". ووافق الإسبارطيون على هذه الخطة، وسيروا على أثينة جيشاً هزم الأثينيين عند تنجارا Tangara (٤٥٧) ، ولكن الألجركيين عجزوا عن القيام بثورتهم، وعاد الإسبارطيون إلى البلوبونيز بخُفّي حنين، ينتظرون على مضض أن تتاح لهم فرصة أحسن من هذه الفرصة يقضون بها على منافستهم المزدهرة التي أخذت تنتزع منهم زعامتهم التقليدية على بلاد اليونان. وقاوم بركليز ما حدثته به نفسه من الانتقام من إسبارطة، ووجه جهوده كلها بدلاً من هذا إلى تجميل أثينة، فوضع منهاجاً ضخماً يهدف إلى الانتفاع بجهود جميع عباقرة الفن الأثينيين ومن بقي فيها من المتعطلين في تزيين الأكوربوليس؛ وكان يرجو من وراء ذلك أن يجعل المدينة مركز هلاس الثقافي، وأن يعيد بناء الهياكل القديمة - التي خربها الفرس - على نطاق واسع فخم يبعث العزة والفخار في نفس كل مواطن في المدينة. ويقول بلوتارخ في هذا: "لقد كانت رغبته وغايته ألا يحرم جمهور الصناع غير

стр. 2025

المهذبين من نصيبه في الأموال العامة، على ألا ينالوا نصيبهم هذا وهم متعطلون لا يفعلون شيئاً، ومن أجل هذا وضع البرنامج الضخم للمنشآت العامة" (١٧). أما المال اللازم لهذه المشروعات فقد حصل عليه بأن اقترح نقل ما تجمّع من الأموال في خزانة حلف ديلوس من هذه البلدة غير المأمونة، بعد أن ضل فيها زمناً طويلاً لا ينتفع منه بشيء، وأن يستخدم ما لا يحتاج إليه منه للدفاع المشترك عن البلاد اليونانية في تجميل المدينة التي يرى بركليز أنها هي العاصمة الشرعية للإمبراطورية الصالحة الخيرة. وكان نقل خزانة حلف ديلوس إلى أثينة عملاً صالحاً في نظر الأثينيين جميعاً بما فيهم الألجركيون. ولكن الناخبين ترددوا في السماح بإنفاق أي قدر كبير من الأموال لتجميل المدينة - وقد يكون الباعث لهم على هذا عدم ارتياح ضمائرهم إلى هذا العمل، أو أنهم كان يخالجهم أمل خفي في أن يحصلوا بطريقة أقرب من طريقة بركليز وأيسر منها على هذه الأموال لينفقوها في قضاء حاجاتهم وفي ملذاتهم. وكان زعماء الحزب الألجركي مهرة في الاستفادة من هذا الشعور، فلما أن اقترب اليوم الذي سيعرض فيه هذا الأمر على الجمعية لتقترع عليه بدا أنها سترفضه لا محالة. ويحدثنا بلوتارخ عن الطريقة الماكرة التي حول بها بركليز هذا التيار إلى صالحه فيقول: "وقال بركليز: حسن جداً، فلتذهب نفقات هذه المنشآت إلى جيبي أنا لا إلى جيوبكم، ولينقش عليها اسمي لا اسمكم، فلما سمعوا قوله هذا نادوه بأعلى أصواتهم أن ينفق المال … وأن لا يقف عن الإنفاق حتى ينفذ عن آخره، ولسنا نعرف أكان هذا لأنهم دهشوا من عظمته النفسية أم لأنهم أرادوا أن يكون لهم فضل القيام بهذه الأعمال". وبينما كانت هذه الأعمال قائمة على قدم وساق، وكان بركليز يبسط معونته وحمايته لفدياس، وإكتنوس Ictinus، ونسكليز Mnesicles وغيرهم من الفنانين الذين كانوا يكدحون لتحقيق أحلامه، كان هو يناصر الأدب والفلسفة؛

стр. 2026

وبينما كان الشقاق بين الأحزاب في سائر المدن اليونانية يستنفذ جهود المواطنين، وغصن الأدب يذوي ويذبل، كانت الثروة المتزايدة في أثينة والحرية الدمقراطية تتعاونان مع الزعامة الحكيمة المثقفة على خلق عصرها الذهبي المجيد. وبينما كان بركليز، وأسبازيا، وفدياس، وأنكساغوراس، وسقراط يشاهدون مسرحيات يوربديز في ملهى ديونيسس، كان في وسع أثينية أن تشهد هي الأخرى ذروة مجد الحياة في بلاد اليونان وكمال وحدتها - من سياسة، وفن، وعلم، وفلسفة، وأدب، ودين، وأخلاق، تشهد هذه كلها وليس لكل ناحية منها حياة منفصلة عن الأخرى في صحف المؤرخين، بل تراها وقد اندمجت بعضها ببعض فتكون منها صرح متعدد الألوان هو مفخرة تاريخ هذه الأمة. وترددت عواطف بركليز بين الفن والفلسفة، ولعله كان يصعب عليه أن يقول أي الرجلين يحب أكثر من الآخر: فدياس أو أنكساغوراس؛ ولعله أيضاً قد ولى وجهه شطر أسبازيا لكي يوفق بين رغبته في الجمال وفي الفلسفة معاً. ويقال لنا إنه "كان يكن لأنكساغوراس منتهى الإجلال والإعجاب" (١٨). ويقول أفلاطون (١٩) إن الفيلسوف هو الذي دفع بركليز إلى شؤون السياسة والحكم؛ ويعتقد بلوتارخ أن اتصال بركليز الطويل الأمد بأنكساغوراس هو الذي أفاد منه سمو القصد وقوة اللغة التي سمت كثيراً فوق بلاغة الغوغاء وما فيها من سخف حقير دنيء؛ هذا فضلاً عما أفاده من هدوء واطمئنان ووقار في جميع حركاته، وثبات لا يتزعزع قط مهما يحدث حوله في أثناء خطبه. ولما تقدمت بأنكساغوراس السن وانهمك بركليز في الشؤون العامة نسي رجل الحكم رجل الفلسفة فلم يعد له مكان ما في حياته زمناً ما؛ ولكنه لما سمع فيما بعد أن أنكساغوراس يعاني مرارة الجوع والحرمان بادر إلى معونته، وقبل منه في تواضع ما وجهه إليه من اللوم بقوله: "إن من يحتاجون يوماً ما إلى مصباح، يمدونه بالزيت" (٢٠). وقد لا يصدق الإنسان لأول وهلة أن هذا "الأولمبي" الصارم كان مرهف

стр. 2027

الحس بمفاتن النساء، وإن كان لا يرى بعد أن يعيد التفكير أن ذلك من الأمور الطبيعية التي لا غبار عليها. ذلك أن سيطرته على نفسه كانت تدفعه إلى مقاومة حساسيته الرقيقة، على حين أن متاعب المنصب قد قوّت بلا ريب حنينه الشديد السوي إلى رقة الأنوثة. وكان حين التقى بأسبازيا قد مضى على زواجه زمن طويل؛ وكانت هي من ذلك الطراز الذي كانت تحاول خلقه في بلاد اليونان، طراز المؤنسات اللاتي أصبح لهن بعد قليل شأن كبير في الحياة الأثينية. كانت أسبازيا امرأة تأبى العزلة التي يفرضها الزواج على النساء في أثينة، وكانت تفضل أن تعيش معيشة الاختلاط الجنسي غير المشروع بل الاختلاط الجنسي المطلق إلى حد ما إذا كان هذا يمكنها من أن تستمتع بحرية الحركة وبالحرية الخلقية اللتين يستمتع بهما الرجال، وأن تشترك معهم في الأعمال الثقافية. وليس لدينا من الأدلة ما نستند إليه إذا شئنا أن نقدر جمال أسبازيا، وإن كان الكتّاب القدامى يتحدثون عن "قدمها الصغيرة المقوسة إلى أعلى" وعن "صوتها الفضي" وشعرها الذهبي (٢١)، وإن كان أرستفنيز، وهو عدو سياسي لدود لبركليز، لا يؤنبه ضميره لتوجيه أية تهمة له، يصفها بأنها عاهر من ميليطس، أنشأت بيتاً فخماً للدعارة في مجارا، ثم جاءت في ذلك الوقت ببعض فتياتها إلى أثينة. ويشير كاتب الملاهي العظيم من طرف خفي إلى أن النزاع الذي قام بين أثينة ومجارا والذي عجل إشعال نار حرب البلوبونيز كان سببه أن أسبازيا أقنعت بركليز بأن يثأر لها من المجاريين الذين اختطفوا بعض فتياتها (٢٢). لكن أرستفنيز لم يكن مؤرخاً، ولا يصح أن يوثق به إلا فيما لا يتصل بشخصه هو. ولما وصلت أسبازيا إلى أثينة في عام ٤٥٠ افتتحت فيها مدرسة لتعليم البلاغة والفلسفة، وأخذت تشجع بجرأة عظيمة خروج النساء من عزلتهن، واختلاطهن بالرجال، وتربيتهن تربية عالية. والتحقت بمدرستها كثيرات من فتيات الطبقات العليا، وأرسل كثيرون من الأزواج زوجاتهم ليدرسن معها (٢٣).

стр. 2028

وكان الرجال أيضاً يستمعون إلى محاضراتها، ومن بينهم بركليز وسقراط، وأكبر الظن أن أنكساغوراس نفسه، ويوربديز، وألسبيديز، وفدياس كانوا يستمعون إليها. ويقول سقراط إنه تعلم منها فن البلاغة (٢٤)، ويؤكد بعض قدماء النمامين الثرثارين أن رجل الحكم قد ورثها من الفيلسوف (١). ووجد بركليز وقتئذ أن الفرصة الطيبة قد واتته إذ أحبت زوجته رجل آخر، فلم يكن منه إلا أن عرض عليها أن تستمتع بحريتها نظير استمتاعه هو بحريته، فرضيت بذلك، واتخذت لها زوجا ثالثاً (٢٦)، وجاء بركليز بأسبازيا إلى بيته. غير أن قانونه الذي سنه في عام ٤٥١ لم يكن يبيح له أن يتخذها زوجة له لأنها من مواليد ميليطس، وإذا ولد له منها طفل كان هذا الطفل بمقتضى هذا القانون نفسه طفلاً غير شرعي، لا يستطيع أن ينال حق المواطنة الأثينية. ويلوح أنه كان شديد الحب والإخلاص لها، بل إننا لا نبالغ إذا قلنا إنه كان يهيم بها هياماً شديداً، فلا يغادر بيته ولا يعود إليه دون أن يقبلها، ثم أوصى آخر الأمر بكل ما يملك إلى ولدها منه. وانقطع من ذلك الوقت عن الحياة الاجتماعية كلها خارج بيته، وقلما كان يغادره إلى أي مكان غير ساحة المدينة، أو قاعة المجلس، حتى أخذ أهل أثينة يشكون بعده عنهم. أما أسبازيا نفسها فقد جعلت بيته أشبه بالندوات الفرنسية في عهد الاستنارة تناقش فيه الفنون، والعلوم، والآداب، والفلسفة، وشؤون الحكم والسياسة في أثينة، مناقشة تجمع بين هذه النواحي المختلفة وتؤثر كل منها في الأخرى. وكان سقراط يُعجب بفصاحتها ويُدهش منها، ويعزو إليها فضل إنشاء الخطبة الجنائزية التي ألقاها بركليز بعد الخسائر الأولى في حرب البلوبونيز. وما لبثت أسبازيا أن أصبحت ملكة أثينة غير المتوجة، تشيع فيها آخر أنماط الحياة الاجتماعية، وعنها تأخذ نساء المدينة "مُثُل الحرية العقلية والأخلاقية التي يتطلعن لها والتي تثير حماستهن".

стр. 2029

وكان هذا كله صدمة قوية لمشاعر المحافظين من الأهلين، فأخذوا ينددون ببركليز لأنه يدفع اليونان لحرب اليونان كما حدث في إيجينا وساموس، ثم اتهموه بأنه يبدد الأموال العامة، ثم سلطوا عليه الممثلين الهزليين فأساءوا استخدام حرية الكلام التي سادت أثينة في عهده، فاتهمه هؤلاء بأنه جعل داره بيتاً من بيوت الفساد السيئة السمعة، وبأن بينه وبين زوجة ابنه علاقة غير شريفة (٢٨). وإذ كانوا لا يجرؤون على عرض تهمة من هذه التهم علناً أمام القضاء أخذوا يهاجمونه بالكيد لأصدقائه. فاتهموا فدياس باختلاس بعض الذي عهد إليه لصنع تمثال أثينة الذهبي العاجي، ويلوح أنهم أفلحوا في إثبات التهمة عليه. ووجهوا إلى أنكساغوراس تهمة تتعلق بالدين، ففر الفيلسوف إلى خارج البلاد اتباعاً لمشورة بركليز. ووجهوا تهمة دينية أخرى إلى أسبازيا مضمونها أنها لا تخضع لأوامر الدين، وإنها جهرت بعدم تعظيمها آلهة اليونان (٢٩). وهجاها الشعراء الهزليون هجاءً قاسياً ووصفوها بأنها ديانيرا Deianeira التي أهلكت بركليز (١) وأطلقوا عليها بلغة يونانية صريحة اسم العاهر، واتهمها واحد منهم يدعى هرمبوس Hermippus بأنها تعمل لكسب المال من طريق غير شريف، ذلك بأنها قوادة لبركليز، تأتي إليه بالحرائر ليستمتع بهن (٣٠)، وقدمت للمحاكمة ونظرت قضيتها أمام ألف وخمسمائة من القضاة، ودافع عنها بركليز دفاعاً مجيداً استخدم فيه كل ما وهب من بلاغة، بل إنه استخدم فيه دموعه نفسها، ورفضت الدعوة. وبدأ بركليز من ذلك الوقت (٤٣٢) يفقد سيطرته على الشعب الأثيني، ولما وافته منيته بعد ثلاثة سنين من ذلك الوقت كان قد أصبح رجلاً مهدماً كسير القلب والجسم.

стр. 2030

الفصل الثالث الديمقراطية الأثينية ١ - المناقشات حسبنا هذه التهم العجيبة شاهداً على أن الدمقراطية الضيقة التي كانت قائمة تحت سلطان دكتاتورية بركليز المزعومة كانت دمقراطية حقة. ومن واجبنا أن ندرس هذه الدمقراطية بعناية لأنها تجربة من أبرز التجارب في تاريخ الحكم. ولقد كان يحد منها أولاً أن أقلية صغيرة من الأهلين كانت هي التي تستطيع القراءة، ويحد منها من الوجهة الطبيعية صعوبة الوصول إلى أثينة من المدن القاصية في أتكا. هذا إلى أن حق الانتخاب كان مقصوراً على من ولد من أبوين أثينيين حُرَّين، وبلغ الحادية والعشرين من العمر. وكان هؤلاء وأسرهم دون غيرهم هم الذين يستمتعون بالحقوق المدنية أو يتحملون مباشرة أعباء الدولة الحربية والمالية. وفي داخل محيط هذه الدائرة التي تضم ٠٠٠ ر ٤٣ من المواطنين يحرصون على ألا تشمل غيرهم من سكان أتكا البالغين ٠٠٠ ر ٣١٥، كانت السلطة السياسية في عصر بركليز موزعة من الناحية الشكلية توزيعاً متكافئاً، فكان كل مواطن يستمتع، ويصر على أن يستمتع، بكل ما يستمتع به غيره من حقوق أمام القانون وفي الجمعية الوطنية. ولم يكن "المواطن" في نظر الأثيني هو الذي يقترع فحسب، بل كان هو الذي يشغل بالقرعة إذا جاء دوره على مر الأيام منصب الحاكم أو القاضي، ويجب أن يكون حراً، مستعداً لخدمة الدولة حين تناديه، وقادراً على خدمتها. ولا يخفى أنه ليس في مقدور إنسان خاضع لغيره، أو مضطر إلى الكدح ليحصل على قوته، أن يجد من الوقت أو من المقدرة ما يمكنه من

стр. 2031

أداء هذه الخدمات؛ ومن أجل هذا كان يبدو لمعظم الأثينيين أن الذي يعمل بيديه غير صالح لأن يكون مواطناً أثينياً، وإن كانت هذه الكثرة تناقض نفسها فتعترف بهذا الحق للفلاح الذي يزرع أرضه. وكان أرقاء أتكا جميعهم البالغ عددهم ٠٠٠ ر ١١٥، وجميع النساء، وجميع العمال، وجميع المستوطنين الغرباء البالغ عددهم ٠٠٠ ر ٢٨، وعدد كبير من طبقة التجار، كان هؤلاء كلهم تبعاً لهذا محرومين من الحقوق السياسية (١). أما من كان لهم هذا الحق فلم يكونوا يجتمعون في أحزاب سياسية، بل كانوا يقسمون تقسيماً غير دقيق إلى أنصار الألجركية أو أنصار الدمقراطية على أساس ميلهم إلى توسيع الحقوق السياسية أو تضييقها، ونظرتهم إلى سيطرة الجمعية، وإعانة الحكومة للفقراء من أموال الأغنياء. وكان أنشط الأعضاء في كلتا الجماعتين ينتظمون في نواد تسمى مجتمعات الرفقاء hetaireiai وكان في أثينة نواد من جميع الأنواع - نواد سياسية، ونواد للأقرباء، ونواد عسكرية، ونواد للصناع، ونواد للممثلين، ونواد دينية، ونواد تجهر بأن همها هو الأكل والشرب. وكانت أقوى هذه النوادي هي النوادي الألجركية التي يتعهد أعضاؤها بأن يساعد بعضهم بعضاً في الشئون السياسية والقانونية، وتربطهم بعضهم ببعض رابطة العداوة المشتركة الشديدة للطبقات الدنيا التي نالت حقوقها السياسية، والتي أخذت تنافس طبقتي الأشراف مُلاك الأراضي والتجار أصحاب المال (٣١). وفي وجه هذا الحزب الألجركي يقف الحزب الدمقراطي إلى حد ما حزب صغار رجال الأعمال، والمواطنين الذين أصبحوا أجراء، وأولئك الرجال الذين يعملون بحارة على ظهور السفن التجارية والأسطول الأثيني. وكان

стр. 2032

هؤلاء كلهم يبغضون ترف الأغنياء وامتيازاتهم، ويرفعون إلى مصاف الزعامة في أثينة رجالاً من أمثال كليون Cleon دابغ الجلود، ولسكليز Lysicles بائع الأغنام، ويكراتيز Eucrates بائع حبال السفن، وكليوفون Cleopehon صانع القيثارات، وهيبربولس صانع المصابيح. وأفلح بركليز مدى جيل كامل في إبعاد هذا الحزب عن الحكم بسياسته التي كانت مزيجاً من الدمقراطية والأرستقراطية، فلما مات ورث الحزب الحكم واستمتع كل الاستمتاع بمستلزماته. وظل النزاع المرير قائماً بين الألجركيين والدمقراطيين من أيام صولون إلى أيام الفتح الروماني عن طريق الخطابة والاقتراع والنفي والاغتيال والحرب الأهلية الداخلية. وكان كل ناخب يعد بهذا الوصف عضواً في الهيئة الحاكمة الأساسية - وهي الإكليزيا أو الجمعية. وعند هذا الحد من الحكم لم تكن هناك حكومة نيابية. وإذ كان الانتقال فوق تلال أتكا من أشق الأمور فلم يكن يحضر أي اجتماع من اجتماعاتها إلا عدد قليل من أعضائها، قلما كان يزيد على ألفين أو ثلاثة آلاف، وكان المواطنون الذين يعيشون في أثينة أو في ثغرها بيرية يحضرون وكأنهم مصممون على أن يكون موطنهم هو المسيطر على الجمعية؛ وكان الدمقراطيون بهذه الطريقة يتفوقون على المحافظين لأن كثرة هؤلاء كانت مشتتة في مزارع أتكا وضياعها. وكانت الجمعية تعقد جلساتها أربع مرات في الشهر، تعقدها في المناسبات الهامة في السوق العامة، أو في ملهى ديونيسس، أو في ثغر بيرية. أما الجلسات العادية فكانت تعقد في مكان نصف دائري يدعى البنيكس Pnyx على منحدر تل غرب الأريوبجوس؛ وكان الأعضاء في هذه الحالات كلها يجلسون على مقاعد مكشوفة للسماء وتبدأ الجلسات عند مطلع الفجر، ويفتتح كل دور اجتماع بالتضحية بخنزير إلى زيوس. وقد جرت العادة أن تؤجل الجلسات على الفور إذا ثارت عاصفة أو حدث زلزال أو خسوف أو كسوف، لأن هذه الظواهر كانت في رأيهم أدلة على غضب الآلهة. ولم يكن

стр. 2033

يصح عرض تشريعات جديدة إلا في الجلسة الأولى في كل شهر؛ وكان العضو الذي يقترحها هو الذي يعمل على قبولها. فإذا تبين بعدئذ أن هذه الشرائع شديدة الضرر كان من حق أي عضو آخر أن يلجأ في خلال عام من قبولها إلى ما يسمى قرار عدم الشرعية Graphe Paranomon، فيطلب أن تفرض على صاحب التشريع غرامة أو أن يُحرم من حقوقه السياسية أو يُعدم. وكانت هذه هي الطريقة التي تتبعها أثينة لمنع العجلة في التشريع. وكان لقرار عدم الشرعية هذا صيغة أخرى تجعل من حق الجمعية أن تعرض أي تشريع جديد قبل البت فيه على إحدى المحاكم لتبحثه من الناحية الدستورية، أي من ناحية اتفاقه مع القوانين القائمة المعمول بها في البلاد (٣٢). هذا إلى أنه كان على الجمعية قبل النظر في مشروع قانون أن تعرضه على مجلس الخمسمائة ليبحثه أولا، كما يُعرض أي مشروع قانون يُقدم إلى مجلس الأمة الأمريكي في هذه الأيام قبل بحثه في المجلس على لجنة يفترض فيها أنها ذات علم خاص بموضوع المشروع وكفاية خاصة لبحثه. ولم يكن من حق مجلس الخمسمائة أن يرفض الاقتراح رفضاً باتاً، بل كان كل ما يستطيعه أن يقدم تقريراً عنه مصحوباً بتوصية بقبوله أو غير مصحوب بها. وكان المعتاد أن يفتتح رئيس الجمعية دور انعقادها بعرض تقرير عن مشروع مقدم لها. وكانت الجمعية تستمع إلى من يطلبون الكلام حسب سنهم؛ ولكن كان يجوز حرمان أي عضو من مخاطبة الجمعية إذا ثبت أنه لا يملك أرضاً، أو أنه غير متزوج زواجاً شرعياً، أو أهمل في القيام بواجبه نحو أبويه، أو أساء إلى الأخلاق العامة، أو تهرب من القيام بالواجبات العسكرية، أو ألقى درعه في إحدى المعارك الحربية، أو أنه مدين للدولة بضريبة أو غيرها من المال (٣٣). غير أن الخطباء المدربين وحدهم هم الذين كانوا يستخدمون حق الكلام لأنه لم يكن من السهل حمل الجمعية على الإصغاء للمتكلمين. فقد كانت تضحك من الخطأ في نطق الألفاظ، وتحتج بصوت عالٍ على الخروج

стр. 2034

عن موضوع النقاش، وتعبر عن موافقتها بالصراخ الشديد، والصفير، والتصفيق باليدين، وعن عدم موافقتها التامة بإحداث جلبة شديدة تضطر المتكلم إلى النزول عن المنصة (٣٤). وكان يحدد لكل متكلم وقت معين لا يتجاوزه يقاس مداه بساعة مائية (٣٥). وكانت طريقة الاقتراع هي رفع الأيدي، إلا إذا كان للاقتراح المعروض أثر خاص مباشر في شخص ما، وفي هذه الحال يكون الاقتراع سرياً. وكان من حق المقترع أن يؤيد تقرير المجلس على المشروع المعروض أو يعارضه أو يطلب تعديله، وكان قرار الجمعية في هذا نهائياً. وكانت القرارات التي توجب العمل العاجل، وهي التي تختلف عن القوانين، تمر أسرع من القوانين الجديدة، ولكن هذه القرارات كان يمكن أيضاً إلغاؤها بمثل هذه السرعة نفسها، فلا تتضمنها كتب القوانين الأثينية. وكانت هناك هيئة أعظم من الجمعية منزلة ولكنها أقل منها سلطاناً، وهي هيئة المجلس المعروف باسم البول Boule. وكان البول في أصله مجلساً أعلى شبيهاً بمجالس الشيوخ في الحكومات النيابية، ولكن منزلته انحطت قبل عصر بركليز حتى أصبح لجنة تشريعية تابعة للإكليزيا. وكان أعضاؤه يُختارون بالقرعة وبالدور من سجل المواطنين، على أن يختار خمسون منهم عن كل قبيلة من القبائل العشر، وألا تطول مدة خدمتهم أكثر من سنة واحدة؛ وكان العضو في القرن الرابع يتقاضى خمس أبولات في كل يوم من أيام انعقاد المجلس. وإذ كان من المقرر ألا يعاد انتخاب أي عضو إلا بعد أن تتاح لكل عضو آخر صالح للانتخاب فرصة العمل في المجلس، فإن كل مواطن في الظروف العادية، كان يجلس في البول دورة على الأقل في أثناء حياته. وكان يعقد جلساته في قاعة المجلس (البولتريون Bouleuterion) في الجهة الجنوبية من ساحة المدينة، وكانت جلساته العادية علنية واختصاصاته تشريعية، وتنفيذية، واستشارية: فكان يفحص عن مشروعات القوانين

стр. 2035

المعروضة على الجمعية ويعدل صياغتها، ويشرف على أعمال موظفي المدينة الدينيين والإداريين، ويراقب حساباتهم، ويشرف على الأموال والمشروعات والمباني العامة، ويصدر مراسيم تنفيذية حين يتطلب العمل إصدارها وتكون الجمعية غير منعقدة، ويسيطر على شئون الدولة الخارجية، على أن تُراجع الجمعية أعماله من هذه الناحية فيما بعد. ولكي يؤدي المجلس هذه الواجبات المختلفة كان يقسم نفسه إلى عشر لجان تتألف كل منها من خمسين عضواً، وترأس كل لجنة المجلس والجمعية شهراً طوله ستة وثلاثون يوماً. وكانت هذه اللجنة صاحبة الرياسة تختار في كل صباح عضواً من أعضائها ليكون رئيساً لها وللمجلس في ذلك اليوم، ومن ثم كان هذا المنصب وهو أعلى منصب في الدولة مفتوحاً أمام كل مواطن حين يأتي دوره في القرعة؛ وكان لأثينة ثلاثمائة من هؤلاء الرؤساء في العام. وكانت القرعة هي التي تحدد في آخر لحظة أية لجنة ترأس المجلس في أثناء الشهر، وأي عضو في اللجنة يرأسه في أثناء اليوم. وكان الأثينيون الفاسدون المرتشون يرجون أن يستطيعوا بهذه الطريقة أن يقللوا تطرق الفساد إلى العدالة إلى أصغر حد تستطيع الأخلاق البشرية أن تصل إليه. وكانت اللجنة ذات الرياسة تعد جدول الأعمال، وتدعو المجلس إلى الانعقاد، وتصوغ القرارات التي يصدرها المجلس في أثناء اليوم. وعلى هذا النحو كانت الدمقراطية الأثينية تؤدي وظائفها التشريعية عن طريق الجمعية والمجلس واللجنة. أما الأريوبجوس فكانت اختصاصاته في القرن الخامس مقصورة على النظر في قضايا الحريق العمد، والاغتصاب المتعمد، والتسميم والقتل مع سبق الإصرار. وتغيرت شرائع اليونان تغيراً بطيئاً من شرائع مفروضة إلى شرائع تعاقدية، ومن هوى فرد واحد أو أمر طبقة من الناس ضيقة محدودة العدد إلى اتفاق بين مواطنين أحرار يسبقه جدل ونقاش.
следующие страницы →