أداء هذه الخدمات؛ ومن أجل هذا كان يبدو لمعظم الأثينيين أن الذي يعمل بيديه غير صالح لأن يكون مواطناً أثينياً، وإن كانت هذه الكثرة تناقض نفسها فتعترف بهذا الحق للفلاح الذي يزرع أرضه. وكان أرقاء أتكا جميعهم البالغ عددهم ٠٠٠ ر ١١٥، وجميع النساء، وجميع العمال، وجميع المستوطنين الغرباء البالغ عددهم ٠٠٠ ر ٢٨، وعدد كبير من طبقة التجار، كان هؤلاء كلهم تبعاً لهذا محرومين من الحقوق السياسية (١). أما من كان لهم هذا الحق فلم يكونوا يجتمعون في أحزاب سياسية، بل كانوا يقسمون تقسيماً غير دقيق إلى أنصار الألجركية أو أنصار الدمقراطية على أساس ميلهم إلى توسيع الحقوق السياسية أو تضييقها، ونظرتهم إلى سيطرة الجمعية، وإعانة الحكومة للفقراء من أموال الأغنياء. وكان أنشط الأعضاء في كلتا الجماعتين ينتظمون في نواد تسمى مجتمعات الرفقاء hetaireiai وكان في أثينة نواد من جميع الأنواع - نواد سياسية، ونواد للأقرباء، ونواد عسكرية، ونواد للصناع، ونواد للممثلين، ونواد دينية، ونواد تجهر بأن همها هو الأكل والشرب. وكانت أقوى هذه النوادي هي النوادي الألجركية التي يتعهد أعضاؤها بأن يساعد بعضهم بعضاً في الشئون السياسية والقانونية، وتربطهم بعضهم ببعض رابطة العداوة المشتركة الشديدة للطبقات الدنيا التي نالت حقوقها السياسية، والتي أخذت تنافس طبقتي الأشراف مُلاك الأراضي والتجار أصحاب المال (٣١). وفي وجه هذا الحزب الألجركي يقف الحزب الدمقراطي إلى حد ما حزب صغار رجال الأعمال، والمواطنين الذين أصبحوا أجراء، وأولئك الرجال الذين يعملون بحارة على ظهور السفن التجارية والأسطول الأثيني. وكان
стр. 2032
هؤلاء كلهم يبغضون ترف الأغنياء وامتيازاتهم، ويرفعون إلى مصاف الزعامة في أثينة رجالاً من أمثال كليون Cleon دابغ الجلود، ولسكليز Lysicles بائع الأغنام، ويكراتيز Eucrates بائع حبال السفن، وكليوفون Cleopehon صانع القيثارات، وهيبربولس صانع المصابيح. وأفلح بركليز مدى جيل كامل في إبعاد هذا الحزب عن الحكم بسياسته التي كانت مزيجاً من الدمقراطية والأرستقراطية، فلما مات ورث الحزب الحكم واستمتع كل الاستمتاع بمستلزماته. وظل النزاع المرير قائماً بين الألجركيين والدمقراطيين من أيام صولون إلى أيام الفتح الروماني عن طريق الخطابة والاقتراع والنفي والاغتيال والحرب الأهلية الداخلية.
وكان كل ناخب يعد بهذا الوصف عضواً في الهيئة الحاكمة الأساسية - وهي الإكليزيا أو الجمعية. وعند هذا الحد من الحكم لم تكن هناك حكومة نيابية. وإذ كان الانتقال فوق تلال أتكا من أشق الأمور فلم يكن يحضر أي اجتماع من اجتماعاتها إلا عدد قليل من أعضائها، قلما كان يزيد على ألفين أو ثلاثة آلاف، وكان المواطنون الذين يعيشون في أثينة أو في ثغرها بيرية يحضرون وكأنهم مصممون على أن يكون موطنهم هو المسيطر على الجمعية؛ وكان الدمقراطيون بهذه الطريقة يتفوقون على المحافظين لأن كثرة هؤلاء كانت مشتتة في مزارع أتكا وضياعها. وكانت الجمعية تعقد جلساتها أربع مرات في الشهر، تعقدها في المناسبات الهامة في السوق العامة، أو في ملهى ديونيسس، أو في ثغر بيرية. أما الجلسات العادية فكانت تعقد في مكان نصف دائري يدعى البنيكس Pnyx على منحدر تل غرب الأريوبجوس؛ وكان الأعضاء في هذه الحالات كلها يجلسون على مقاعد مكشوفة للسماء وتبدأ الجلسات عند مطلع الفجر، ويفتتح كل دور اجتماع بالتضحية بخنزير إلى زيوس. وقد جرت العادة أن تؤجل الجلسات على الفور إذا ثارت عاصفة أو حدث زلزال أو خسوف أو كسوف، لأن هذه الظواهر كانت في رأيهم أدلة على غضب الآلهة. ولم يكن
стр. 2033
يصح عرض تشريعات جديدة إلا في الجلسة الأولى في كل شهر؛ وكان العضو الذي يقترحها هو الذي يعمل على قبولها. فإذا تبين بعدئذ أن هذه الشرائع شديدة الضرر كان من حق أي عضو آخر أن يلجأ في خلال عام من قبولها إلى ما يسمى قرار عدم الشرعية Graphe Paranomon، فيطلب أن تفرض على صاحب التشريع غرامة أو أن يُحرم من حقوقه السياسية أو يُعدم. وكانت هذه هي الطريقة التي تتبعها أثينة لمنع العجلة في التشريع. وكان لقرار عدم الشرعية هذا صيغة أخرى تجعل من حق الجمعية أن تعرض أي تشريع جديد قبل البت فيه على إحدى المحاكم لتبحثه من الناحية الدستورية، أي من ناحية اتفاقه مع القوانين القائمة المعمول بها في البلاد (٣٢). هذا إلى أنه كان على الجمعية قبل النظر في مشروع قانون أن تعرضه على مجلس الخمسمائة ليبحثه أولا، كما يُعرض أي مشروع قانون يُقدم إلى مجلس الأمة الأمريكي في هذه الأيام قبل بحثه في المجلس على لجنة يفترض فيها أنها ذات علم خاص بموضوع المشروع وكفاية خاصة لبحثه. ولم يكن من حق مجلس الخمسمائة أن يرفض الاقتراح رفضاً باتاً، بل كان كل ما يستطيعه أن يقدم تقريراً عنه مصحوباً بتوصية بقبوله أو غير مصحوب بها.
وكان المعتاد أن يفتتح رئيس الجمعية دور انعقادها بعرض تقرير عن مشروع مقدم لها. وكانت الجمعية تستمع إلى من يطلبون الكلام حسب سنهم؛ ولكن كان يجوز حرمان أي عضو من مخاطبة الجمعية إذا ثبت أنه لا يملك أرضاً، أو أنه غير متزوج زواجاً شرعياً، أو أهمل في القيام بواجبه نحو أبويه، أو أساء إلى الأخلاق العامة، أو تهرب من القيام بالواجبات العسكرية، أو ألقى درعه في إحدى المعارك الحربية، أو أنه مدين للدولة بضريبة أو غيرها من المال (٣٣). غير أن الخطباء المدربين وحدهم هم الذين كانوا يستخدمون حق الكلام لأنه لم يكن من السهل حمل الجمعية على الإصغاء للمتكلمين. فقد كانت تضحك من الخطأ في نطق الألفاظ، وتحتج بصوت عالٍ على الخروج
стр. 2034
عن موضوع النقاش، وتعبر عن موافقتها بالصراخ الشديد، والصفير، والتصفيق باليدين، وعن عدم موافقتها التامة بإحداث جلبة شديدة تضطر المتكلم إلى النزول عن المنصة (٣٤). وكان يحدد لكل متكلم وقت معين لا يتجاوزه يقاس مداه بساعة مائية (٣٥). وكانت طريقة الاقتراع هي رفع الأيدي، إلا إذا كان للاقتراح المعروض أثر خاص مباشر في شخص ما، وفي هذه الحال يكون الاقتراع سرياً. وكان من حق المقترع أن يؤيد تقرير المجلس على المشروع المعروض أو يعارضه أو يطلب تعديله، وكان قرار الجمعية في هذا نهائياً. وكانت القرارات التي توجب العمل العاجل، وهي التي تختلف عن القوانين، تمر أسرع من القوانين الجديدة، ولكن هذه القرارات كان يمكن أيضاً إلغاؤها بمثل هذه السرعة نفسها، فلا تتضمنها كتب القوانين الأثينية.
وكانت هناك هيئة أعظم من الجمعية منزلة ولكنها أقل منها سلطاناً، وهي هيئة المجلس المعروف باسم البول Boule. وكان البول في أصله مجلساً أعلى شبيهاً بمجالس الشيوخ في الحكومات النيابية، ولكن منزلته انحطت قبل عصر بركليز حتى أصبح لجنة تشريعية تابعة للإكليزيا. وكان أعضاؤه يُختارون بالقرعة وبالدور من سجل المواطنين، على أن يختار خمسون منهم عن كل قبيلة من القبائل العشر، وألا تطول مدة خدمتهم أكثر من سنة واحدة؛ وكان العضو في القرن الرابع يتقاضى خمس أبولات في كل يوم من أيام انعقاد المجلس. وإذ كان من المقرر ألا يعاد انتخاب أي عضو إلا بعد أن تتاح لكل عضو آخر صالح للانتخاب فرصة العمل في المجلس، فإن كل مواطن في الظروف العادية، كان يجلس في البول دورة على الأقل في أثناء حياته. وكان يعقد جلساته في قاعة المجلس (البولتريون Bouleuterion) في الجهة الجنوبية من ساحة المدينة، وكانت جلساته العادية علنية واختصاصاته تشريعية، وتنفيذية، واستشارية: فكان يفحص عن مشروعات القوانين
стр. 2035
المعروضة على الجمعية ويعدل صياغتها، ويشرف على أعمال موظفي المدينة الدينيين والإداريين، ويراقب حساباتهم، ويشرف على الأموال والمشروعات والمباني العامة، ويصدر مراسيم تنفيذية حين يتطلب العمل إصدارها وتكون الجمعية غير منعقدة، ويسيطر على شئون الدولة الخارجية، على أن تُراجع الجمعية أعماله من هذه الناحية فيما بعد.
ولكي يؤدي المجلس هذه الواجبات المختلفة كان يقسم نفسه إلى عشر لجان تتألف كل منها من خمسين عضواً، وترأس كل لجنة المجلس والجمعية شهراً طوله ستة وثلاثون يوماً. وكانت هذه اللجنة صاحبة الرياسة تختار في كل صباح عضواً من أعضائها ليكون رئيساً لها وللمجلس في ذلك اليوم، ومن ثم كان هذا المنصب وهو أعلى منصب في الدولة مفتوحاً أمام كل مواطن حين يأتي دوره في القرعة؛ وكان لأثينة ثلاثمائة من هؤلاء الرؤساء في العام. وكانت القرعة هي التي تحدد في آخر لحظة أية لجنة ترأس المجلس في أثناء الشهر، وأي عضو في اللجنة يرأسه في أثناء اليوم. وكان الأثينيون الفاسدون المرتشون يرجون أن يستطيعوا بهذه الطريقة أن يقللوا تطرق الفساد إلى العدالة إلى أصغر حد تستطيع الأخلاق البشرية أن تصل إليه. وكانت اللجنة ذات الرياسة تعد جدول الأعمال، وتدعو المجلس إلى الانعقاد، وتصوغ القرارات التي يصدرها المجلس في أثناء اليوم. وعلى هذا النحو كانت الدمقراطية الأثينية تؤدي وظائفها التشريعية عن طريق الجمعية والمجلس واللجنة. أما الأريوبجوس فكانت اختصاصاته في القرن الخامس مقصورة على النظر في قضايا الحريق العمد، والاغتصاب المتعمد، والتسميم والقتل مع سبق الإصرار. وتغيرت شرائع اليونان تغيراً بطيئاً من شرائع مفروضة إلى شرائع تعاقدية، ومن هوى فرد واحد أو أمر طبقة من الناس ضيقة محدودة العدد إلى اتفاق بين مواطنين أحرار يسبقه جدل ونقاش.
стр. 2036
٢ - القوانين
يبدو أن القوانين كانت في نظر اليونان الأقدمين عادات مقدسة ارتضتها الآلهة وأوحت بها؛ وكانت لفظة ثميس Themis (١) في لغتهم تطلق على هذه العادات وعلى الآلهة التي يتمثل فيها نظام العالم الأخلاقي وائتلافه (كما يتمثل في الدو أو التين الصيني، وفي رينا الهندية). وكان القانون عندهم جزءاً من الدين، وشاهد ذلك أن أقدم قوانين الملكية عند اليونان كانت ممتزجة بالطقوس الدينية وبقوانين المعابد القديمة (٣٦).
ولعل القواعد التي قررتها مراسيم شيوخ القبائل أو الملوك، والتي بدأت بوصفها أوامر تفرضها القوة وانتهت بأن صارت على توالي الأيام تعاقداً وتراضياً بين الحاكمين والمحكومين، نقول لعل هذه القواعد كانت هي الأخرى قديمة قدم هذه القوانين الدينية.
وكانت المرحلة الثانية من مراحل تاريخ التشريع اليوناني هي جمع العادات المقدسة وتنسيقها على يد مشترعين Thesmothetai أمثال زلولسوس Zaleucus وكرونداس Chronodas، ودراكون Drako وصولون. ولما أن دوّن هؤلاء الرجال وأمثالهم قوانينهم الجديدة أصبحت العادات المقدسة Thesmoi قوانين من وضع الإنسان Nomoi (٢) . وفي هذه الكتب القانونية تحرر القانون من سيطرة الدين وازدادت على توالي الأيام صبغته الدنيوية، وأصبحت نية الفاعل ذات شأن
стр. 2037
كبير في الحكم على فعله، وحلت التبعة الفردية محل الالتزامات العائلية، واستبدل بالانتقام الفردي العقاب القانوني على يد الدولة (٣٧).
وكانت الخطوة الثالثة في تطور التشريع اليوناني هي نمو الشرائع المطرد وتجمعها. ذلك أن اليوناني إذا تحدث في أيام بركليز عن قوانين أثينية كان يقصد بهذه القوانين شرائع دراكون وصولون والقرارات التي أصدرتها الجمعية والمجلس ولم تُلغ بعد صدورها؛ وإذا تعارض قانون جديد مع قانون قديم، استلزم هذا إلغاء القانون القديم. ولكن البحث عن هذا التناقض وتقصي القوانين المتعارضة قلما كانا بحثاً وتقصياً كاملين، ومن أجل هذا نجد في بعض الأحيان قانونين متعارضين تعارضاً مضحكاً. وكان يحدث في أوقات الارتباكات التشريعية الشاذة أن تختار بطريق القرعة من المحاكم الشعبية لجنة من مقرري القوانين Nomethetai لتقرر أي القوانين يجب الإبقاء عليها وأيها يجب إلغاؤها. ويعين في هذه الحال محامون ليدافعوا عن القوانين القديمة ضد من يقترحون إلغاءها. وقد نُقشت شرائع أثينية بإشراف أولئك المقررين على ألواح من الحجارة في "باب الملك" بعد أن صيغت في عبارات بسيطة سهلة الفهم، وبهذه الطريقة لم يكن يسمح لأي حاكم أن يفصل في مسألة بالاستناد إلى قانون غير مكتوب.
والتشريع الأثيني لا يفرق بين القانون المدني والقانون الجنائي إلا في أنه يحتفظ للأريوبجوس بحق الفصل في جرائم القتل، وفي أنه يترك المدعي في القضايا المدنية أن يتولى بنفسه تنفيذ قرار المحكمة، فلا تتقدم الدولة لمعونته إلا إذا لقي في هذا التنفيذ مقاومة (٣٨). وكان القتل قليل الحدوث لأنه يعد خطيئة دينية وجريمة قانونية في وقت واحد، ولأن الخوف من الانتقام يظل قائماً إذا عجز القانون عن الاقتصاص من القاتل. وقد بقي القصاص المباشر حتى القرن الخامس قبل الميلاد مباحاً في أحوال خاصة، من ذلك أن الرجل إذا وجد أمه أو زوجته، أو محظيته، أو أخته، أو ابنته ترتكب الفحشاء كان من حقه أن يقتل من
стр. 2038
يرتكبها معها من الرجال على الفور (٣٩). وكان يجب التكفير عن جريمة القتل سواء ارتكبت بقصد أو بغير قصد لأنها عندهم تدنيس لأرض المدينة؛ وكانت مراسيم التطهير معقدة صارمة صرامة مؤلمة. وإذا ما عفا القتيل قبل موته عن قاتله، لم يكن يجوز تقديم القاتل للقضاء. وكانت هناك تحت الأريوبجوس ثلاث محاكم للنظر في جرائم القتل، تختلف باختلاف طبقة القتيل وأصله، وباختلاف نوع الجريمة، هل كانت متعمدة أو غير متعمدة، وهل هي مما يجوز التسامح فيه أو لا يجوز. وكانت محكمة رابعة تنعقد في فريتس Phrcattys على الساحل لتحاكم الذين نفوا من قبل لارتكابهم جريمة القتل خطأ، ثم اتهموا بعدئذ بجريمة القتل المتعمد. ذلك أنهم وقد دُنِّسوا بارتكاب الجريمة الأولى لا يسمح لهم بأن تطأ أقدامهم أرض أتكا، ولهذا يدافع المدافعون عنهم وهم في قارب بجوار شاطئ البحر.
وقانون الملكية صارم لا هوادة فيه، فالتعاقد واجب التنفيذ؛ وكان يُطلب إلى القضاة أن يقسموا بأنهم "لن يطلبوا إلغاء الديون الخاصة، أو توزيع الأراضي أو المساكن التي يملكها الأثينيون". وكان كبير الأركونيين حين يتولى منصبه في كل عام يكلف منادياً بأن يؤذن في الناس أن "كل مالك سيبقى له ما يملك وسيظل صاحبه المطلق التصرف فيه" (٤١). وكان حق الوصية لا يزال مقيداً بقيود شديدة، فإذا كان للمالك أبناء ذكور، فإن الفكرة الدينية القديمة عن الملك، والتي تربطها بتسلسل الأسرة وبالعناية بأرواح السلف، تتطلب أن ينتقل هذا الملك من تلقاء نفسه إلى الأبناء الذكور؛ ذلك أن الولد إنما كان يحتفظ بالملك وديعة لديه للأموات من الأسرة والأحياء منها ولمن يولد من أبنائها. وكان الملك في أثينة يقسم بين الورثة الذكور، كما هي الحال في فرنسا إلى حد كبير، وكان أكبرهم سناً ينال نصيباً أكبر بعض الشيء من سائر الورثة (٤٢)، ولم يكن الأثينيون كالإسبارطيين القدماء والإنكليز في هذه الأيام يبقون الملك من غير تقسيم ويعطونه أكبر الأبناء الذكور. وترى الزارع من عهد هزيود وبعده يحدد
стр. 2039
عدد أبنائه كما يفعل الفرنسيون في هذه الأيام حتى لا تنقسم أملاكه بين أبنائه انقساماً يقضي عليها آخر الأمر (٤٣)؛ ولم تكن للأرملة أن ترث ملك زوجها، بل كان كل ما تناله من هذا الملك أن تسترد بائنتها. وكانت الوصايا معقدة في أيام بركليز تعقدها في أيامنا هذه، وكانت تصاغ في لغة شبيهة إلى حد كبير بلغة هذه الأيام (٤٤)؛ والتشريع اليوناني في هذا كما هو في غيره من المسائل، أساس التشريع الروماني الذي أصبح فيما بعد الأساس القانوني للمجتمع الغربي.
٣ - القضاء
إصلاح القضاء آخر ما تفعله الدمقراطية، ولقد كان أعظم إصلاح قام به إفيلتيز وبركليز هو نقل الحقوق القضائية التي كان يمارسها الأركونيون والأريوبجوس إلى الهيلية أي المحاكم الشعبية. وكان إنشاء هذه المحاكم هو الذي وهب أثينة ذلك النظام القضائي الذي أخذت عنه أوربا نظام المحلفين والذي عاد عليها بالخير العميم. وكانت الهيلية (١) تتألف من ستة آلاف محلف يُختارون بالقرعة من سجل المواطنين. وكان هؤلاء الآلاف الستة يوزعون على عشرة سجلات يحتوي كل سجل على خمسمائة اسم تقريباً، ويُترك الباقون للمناصب التي تخلو أو للظروف العاجلة الطارئة. وكانت القضايا الصغرى أو المحلية يفصل فيها ثلاثون محلفاً يزورون مقاطعات أتكا في مواسم معينة. وإذا كان كل محلف لا يبقى في منصبه أكثر من عام واحد في كل مرة، وكان الانتخاب لهذه المناصب بالدور، فقد كان كل مواطن تُتاح له الفرصة في الغالب لأن يكون محلفاً مرة في كل ثلاث سنين. ولم يكن مفروضاً عليه أن يؤدي هذا العمل، ولكن الأجر المقرر له وهو أوبلتان - ثم ثلاث أوبلات فيما بعد - كل يوم كان يجتذب
стр. 2040
نحو مائتي محلف أو ثلاثمائة في كل دور. أما القضايا الهامة كقضية سقراط مثلاً، فكانت تنظرها محاكم ضخمة مؤلفة من ألف ومائتي رجل. ولكي ينقص الأثينيون الرشوة والفساد في القضاء إلى الحد الأدنى كان أعضاء المحكمة الذين يوكل إليهم النظر في قضية ما يُختارون بطريق القرعة في آخر لحظة، وإذا كانت معظم القضايا لا يطول النظر فيها أكثر من يوم واحد، فإنا لا نسمع كثيراً عن الرشوة في المحاكم؛ ذلك أن الأثينيين أنفسهم كانوا يجدون صعوبة في إرشاء ثلاثمائة رجل في لحظة واحدة.
وكانت القضايا تتراكم في أثينة على الرغم من سرعة إجراءاتها، شأنها في هذا شأن المحاكم في جميع أنحاء العالم، وسبب ذلك أن الأثينيين كانوا كثيري التقاضي ولكي يقللوا من هذه الحمى كانوا يختارون محكمين بطريق القرعة من بين سجلات أسماء المواطنين الذين بلغوا سن الستين، وكان الطرفان المتنازعان يعرضان نزاعهما وأوجه دفاعهما على أحد هؤلاء المحكمين، يُختار كالقضاة بطريق القرعة في اللحظة الأخيرة. وكان كل طرف يؤدي إليه أجراً قليلاً؛ فإذا عجز عن الصلح بينهما فصل في النزاع بعد أن يحلف اليمين. وكان لكلا الطرفين بعدئذ أن يستأنف الحكم إلى المحاكم، ولكنها كانت ترفض عادة القضايا الصغرى التي عرضت للتحكيم. فإذا قبلت المحكمة أن تنظر في القضية كتب كلا الطرفين حجته وأقسم اليمين على صحتها، وكتب الشهود شهادتهم وأقسموا بأنهم صادقون، ثم تُقدم كل هذه الأقوال مكتوبة إلى المحكمة. وكانت توضع في صندوق خاص وتُختم، ويُفتح الصندوق بعد وقت ما وتُبحث القضية، وتصدر الحكم فيها هيئة تُختار بالقرعة. ولم يكن عند الأثينيين مدع عمومي، فقد كانت الحكومة تعتمد على المواطنين أن يَتَّهموا أمام المحاكم كل من يرتكب جريمة خطيرة ضد الأخلاق العامة أو الدولة. ومن هنا نشأت طائفة من "النمامين" دينهم وعملهم اتهام الناس، وقد تطورت مهنتهم هذه على أيديهم حتى أصبحت فناً من فنون اغتصاب أموال الناس لكف الأذى
стр. 2041
عنهم. وكانوا في القرن الرابع يكسبون المال الكثير برفع القضايا - أو على الأصح بالتهديد برفعها - على الأغنياء لاعتقادهم أن المحاكم الشعبية لا تميل إلى تبرئة من يستطيعون أداء الغرامات الكبيرة (١). وكانت نفقات المحاكم تغطيها في الغالب الغرامات التي تفرض على من يدانون من المتقاضين. كذلك كان يُحكم بالغرامة على من يعجزون من المدعين عن إثبات ما يوجهون من التهم إلى خصومهم؛ فإذا لم ينالوا خمسة على الأقل من أصوات القضاة كانوا عرضة لأن يُحكم عليهم بالضرب بالسياط أو بغرامة كبيرة تبلغ ألف دراخمة (نحو ألف ريال أمريكي). وكان كل طرف من المتقاضين يدافع بنفسه عن قضيته، وكان عليه أن يعرض بنفسه قضيته للمرة الأولى. فلما أن تعقدت الإجراءات القضائية، وتبين المتقاضون تأثر القضاة بعض الشيء ببلاغة الألفاظ، نشأت عادة استخدام خطيب أو رجل بليغ متضلع في القانون، يؤيد المدعي أو المدعى عليه، أو يُحضّر باسم من يستخدمه وبالنيابة عنه خطبة يستطيع المتقاضي نفسه أن يقرأها أمام المحكمة، ومن هؤلاء المدافعين البلغاء نشأ المحامون. وفي وسعنا أن نتبين قدم المحاماة في بلاد اليونان من عبارة في أقوال ديوجين ليرتيوس Diogenes Laertius وهي أن باياس Bias، حكيم بريني Priene كان محامياً بليغاً في القضايا، وأنه كان على الدوام يحتفظ بمواهبه لمن كان الحق في جانبه. وكانت المحاكم تستخدم بعض هؤلاء المحامين ليشرحوا لها القانون Exegetai، وذلك لأن الكثير من القضاة لم يكونوا أكثر علماً بالقوانين من المتقاضين أنفسهم.
وكانت الأدلة تُقدم عادةً مكتوبة، ولكن كان على الشاهد أن يَحضُر بنفسه ويقسم بأن ما يشهد به صحيح دقيق حين يتلو كاتب الجلسة أو الجراماتيوس
стр. 2042
Grammateus شهادته على القضاة. ولم يكن الشهود يناقشون، وكانت شهادات الزور كثيرة إلى حد يجعل المحكمة في بعض الأحيان تقضي بما يناقض الشهادة التي أقسم الشاهد على صدقها. ولم تكن شهادة النساء والقاصرين تقبل إلا في قضايا القتل، أما الأرقاء فلم تكن تُقبل شهاداتهم إلا إذا انتزعت منهم بالتعذيب، فقد كان من المسلم به عند الأثينيين أنهم سيكذبون إذا نجوا من التعذيب. وتلك وصمة في جبين الشرائع اليونانية ووحشية شاءت الأقدار أن تزداد قسوة في السجون الرومانية، وفي حجرات محاكم التفتيش، ولعلها لا تقل عما يحدث في الحجرات السرية التابعة لمحاكم الشرطة في وقتنا الحاضر. وكان تعذيب المواطنين محرماً في عصر بركليز، وكان كثيرون من ملاك الرقيق لا يسمحون أن يستخدم أرقاؤهم شهوداً في القضايا ولو كانت قضاياهم هم أنفسهم، وكان الحكم فيها لمصلحتهم موقوفاً على أداء شهادتهم. وكانوا يلزمون من يتسبب في إحداث عاهة مستديمة لأحد الأرقاء بتعويضه عنها (٤٦).
وكانت العقوبات المقررة هي الضرب، والغرامة، والحرمان من الحقوق السياسية، والكي بالنار، ومصادرة الأموال، والنفي، والإعدام، وقلما كان المذنبون يعاقبون بالسجن، وكان من المبادئ المقررة في القانون اليوناني أن يعاقب العبد في جسمه، وأن يعاقب الحر في ماله، ونرى في رسم على إحدى المزهريات عبداً معلقاً من ذراعيه وساقيه يُضرب بالسياط ضرباً خالياً من الرحمة (٤٧). وكانت الغرامات هي العقوبة التي تفرض عادةً على المواطنين. وكانت تقدر بدرجات تعرض الدمقراطية الأثينية لأن تُتهم بأنها كانت تملأ خزائنها بالمال عن طريق الأحكام الظالمة. على أنه كان يسمح في كثير من الحالات للمحكوم عليه هو وصاحب الحق أن يقدرا بأنفسهما الغرامة أو العقوبة اللتين يريان أنهما عادلتان، ثم تختار المحكمة إحدى العقوبتين المقترحتين؛ وكان القتل، وانتهاك حرمة المعابد، وخيانة الوطن، وبعض الجرائم التي تبدو في نظرنا جرائم صغيرة،
стр. 2043
يعاقب عليها بمصادرة الأموال والإعدام معاً؛ ولكن كان من المستطاع عادةً تجنب الحكم بالإعدام قبل صدوره، بالنفي الاختياري وترك الأملاك. وإذا رأى المتهم أن الهرب يزري به، وكان مواطناً، نُفذ فيه الإعدام بأقل الوسائل إيلاماً له، وذلك بأن يقدم له عصير الشوكران، وهو العقار الذي يخدر الجسم تدريجا ابتداءً من القدمين إلى أعلى أجزاء الجسم، ثم يقضي على من يتعاطاه حين يصل إلى قلبه. أما الأرقاء فقد كانت عقوبة الإعدام تنفذ فيهم أحياناً بالضرب الوحشي (٤٨). وكان يحدث أحياناً أن يُلقى المحكوم عليه قبل إعدامه أو بعده من فوق صخرة عالية إلى حفرة تعرف عندهم باسم البرثرون Barathron. وإذا ما صدر الحكم بإعدام قاتل نفذ بحضور أقارب المقتول استجابةً لعادة الانتقام القديمة في مظهرها وروحها.
ولم تبلغ الشرائع الأثينية ما كنا نتوقعه لها من الاستنارة، وهي لا تسمو كثيراً عن شرائع حمورابي؛ وعيبها الأساسي أنها تُقصر الحقوق القانونية على الأحرار الذين لا يكادون يتجاوزون سبع السكان، وحتى النساء والأطفال كانوا خارجين عن نطاق المواطنين أصحاب الحقوق. ولم يكن في وسع النزلاء، أو الأجانب، أو الأرقاء أن يرفعوا الدعاوى إلى المحاكم إلا عن طريق مواطن يأخذهم في كنفه. وكان ابتزاز المال بطريق الإرهاب، وتعذيب العبيد المتكرر، والحكم بالإعدام في كثير من الجرائم الصغرى، والشتائم الشخصية في المناقشات القضائية، وتشتت التبعة القضائية وإضعافها بسبب هذا التشتت، وتأثر المحلفين بالبلاغة الخطابية، وعجزهم عن الحد من انفعال الساعة بعلمهم بماضي القضية وتقديرهم الحكيم لنتائجها المستقبلية، كان هذا كله وصمة لنظام أثينة القضائي، الذي كانت تحسدها عليه سائر بلاد اليونان للينه وعدالته إذا قيس إلى غيره من النظم القضائية، والذي كان نظاماً عملياً موثوقاً به إلى حد أمكنه أن يبسط حمايته على الحياة وعلى الأملاك، وهي الحماية التي لا غنى عنها للنشاط الاقتصادي والرقي الأخلاقي. وفي وسعنا أن نقدر ما كان للقانون الأثيني من شأن عظيم إذا عرفنا
стр. 2044
ما كان يشعر به كل أثيني تقريباً من احترام عظيم له؛ فقد كان القانون في اعتقاده هو روح المدينة، ومصدر سعادتها وقوتها. وخير ما نحكم به على شرائع أثينة هو تهافت غيرها من دول اليونان على استعارة الجزء الأكبر منها، وفي ذلك يقول إيسقراط Isocrates: " ليس ثم من ينكر أن شرائعنا مصدر كثير من الخير العظيم في حياة البشرية" (٤٩). ففي أثينة نجد للمرة الأولى في التاريخ حكم القوانين لا حكم الناس.
وقد ظل القانون الأثيني منتشراً في جميع أنحاء الإمبراطورية الأثينية التي يبلغ عمرها مليونين من الأنفس ما دامت هذه الإمبراطورية قائمة، أما في خارج دائرة هذه الإمبراطورية فلم يكن لبلاد اليونان نظام قضائي واحد تخضع له بأجمعها؛ وإن الصورة التي تنطبع في أذهاننا عن القانون الدولي في أثينة القرن الخامس لتبلغ من الضعف ما تبلغه صورة هذا القانون في عالم هذه الأيام. لكن التجارة الخارجية تتطلب بعض الأنظمة القانونية. ويقول دمستين إن المعاهدات التجارية قد بلغت في أيامه درجة من الكثرة أصبحت معها القوانين التي تخضع لها المنازعات التجارية "واحدة في كل مكان" (٥٠). وكانت هذه المعاهدات تنص على التمثيل القنصلي، وتضمن تنفيذ العقود، وتجعل الأحكام الصادرة في إحدى الدول الموقعة على المعاهدة نافذة في سائر الدول الموقعة عليها (٥١). على أن هذا لم يقضِ على القرصنة، فقد كانت تنتشر إذا ما ضعُفَ الأسطول المسيطر على البحار، أو تراخى في مراقبتها. ولقد كانت هذه اليقظة الخارجية الثمن الذي يشتري به الأهلون الأمن والنظام والحرية جميعاً؛ وكانت الفوضى رابضة كالذئب حول كل دولة مستقرة، تتربص بها، وتترقب ثغرة من الضعف تنفذ منها إليها. وكانت بعض الدول اليونانية ترى أن من حق المدينة أن توجه الحملات لتنهب أملاك غيرها من المدن وأهليها، إذا لم تكن ثمة معاهدة تنص صراحة على تحريم هذه الحملات (٥٢). وقد أفلح الدين في تحريم الاعتداء على الهياكل ما لم تتخذ قواعد حربية، وفي
стр. 2045
حماية الوفود والحجاج الذاهبين إلى مشاهدة الأعياد اليونانية الجامعة، وفي فرض صدور إعلان رسمي بالحرب قبل بدء القتال، وفي قبول الهدنة إذا طلبها أحد الطرفين المتقاتلين لإعادة من يُقتلون في المعارك إلى بلادهم ودفنهم. وكانت الأسلحة المسمومة لا تستعمل بحكم العادة المألوفة، وكان الأسرى عادةً يُتبادلون أو يُفتدون، وكان الفداء المعترف به ميناءين - ثم أصبح ميناء واحدة (نحو مائة ريال أمريكي) - لكل أسير (٥٣). وكانت المعاهدات كثيرة العدد، وكان المتعاهدون يُقسمون الأيمان المغلظة على احترام نصوصها، ولكنها كانت تخرق على الدوام تقريباً. وكانت المحالفات كثيرة، وكانت تؤدي أحياناً إلى إيجاد أحلاف دائمة، كحلف دلفي الاثني عشري (الأمفكتيوني) في القرن السادس، والحلفين الآخي والإيتولي في القرن الثالث. وكانت مدينتان في بعض الأحيان تجامل كلتاهما الأخرى بأن تمنح أحرار أختها حقوق المواطنين فيها. وكان التحكيم الدولي يحدث أحياناً، ولكن كان في وسع الطرفين المحتكمين أن يرفضا نتيجته أو يتجاهلاها. ولم يكن اليوناني يشعر بأي التزام أدبي نحو الأجانب أو بأي التزام قانوني إلا إذا كان بلداهما مرتبطين بمعاهدة، وكان هؤلاء في عرفه برابرة (Barbaroi) (١) . ولم يكن اليونان يقصدون بذلك أنهم "همج". Barbarian بالمعنى الذي نفهمه نحن من هذا اللفظ بالضبط، بل كانوا يفهمون منه "الأجانب" أو الغرباء الذين يتكلمون لغة غريبة غير مألوفة. ولم ترقَ بلاد اليونان الرقي الذي تدرك به وجود قانون أخلاقي يشمل الجنس البشري بأكمله إلا على يد الفلاسفة الرواقيين في العصر الذي اصطبغت فيه بلاد الشرق الأدنى بالصبغة اليونانية العالمية.
стр. 2046
٤ - النظام الإداري
حلت القرعة منذ عام ٤٨٧ أو قبله محل الانتخاب في اختيار الأركونين، ذلك أنه كان لا بد من إيجاد طريقة ما لمنع الأغنياء أن يجدوا سبيلهم إلى هذا المنصب بالمال، ومنع السفلة أن يصلوا إليه بالملق والدهان. وأرادوا مع هذا ألا يجعلوا الاختيار وليد المصادفة المحضة، فكانوا يفرضون على جميع من تقع عليهم القرعة أن يجتازوا قبل القيام بواجباتهم اختباراً صارماً في الأخلاق (Dokimasia) أمام المجلس أو المحاكم. فكان على الطالب أن يثبت أنه من أبوين أثينيين، وأنه سليم من العيوب الجسمية والخلقية، يكرم أسلافه ويقوم بواجباته العسكرية، ويؤدي الضرائب كاملة. وكانت حياته كلها في هذه المناسبة عرضة للاتهام من أي مواطن. وما من شك في أن التعرض لهذين الفحص والاتهام كان يرهب أدنياء الناس غير الجديرين بهذا المنصب. فإذا اجتاز الأركون هذا الاختبار كان عليه أن يقسم بأنه سيضطلع بأعباء منصبه على خير وجه، وبأنه سيقدم للآلهة تمثالاً من الذهب بالحجم الطبيعي إذا قبل هدية أو رشوة (٥٤) من أحد. على أن ما كان للمصادفة من أثر كبير في اختيار الأركونين التسعة ليدل على ما آل إليه هذا المنصب من الصغار بعد أيام صولون، فقد أصبحت اختصاصاته في الوقت الذي نتحدث عنه لا تعدو العمل الإداري الرتيب، ولم يكن الأركون باسليوس الذي ظل يحمل لقب الملك من غير أن يؤدي عمله أكثر من كبير الموظفين الدينيين في المدينة. وكان على الأركون أن يحصل على اقتراع بالثقة من الجمعية، وكان في وسع أي إنسان أن يعرض أعماله ويستأنف أحكامه إلى البول أو الهيلية؛ وكان في مقدور أي مواطن أن يتهمه بسوء استخدام سلطته، وإذا انتهت مدة توليه منصبه، بحثت أعماله الرسمية، وحساباته، ووثائقه، لجنة من الحاسبين مسئولة أمام المجلس، وكان معرضاً لأشد العقاب، الذي كان يصل
стр. 2047
أحياناً إلى الإعدام، إذا تبين أنه أساء العمل أيام توليه منصبه. أما إذا نجا من هذا الإرهاب الدمقراطي فإنه يصبح بعد انتهاء العام الذي تولى فيه منصبه عضواً في الأريوبجوس، ولكن هذه العضوية أضحت في القرن الخامس منصباً فخرياً عديم القيمة لأن هذه الهيئة فقدت وقتئذ كل ما كان لها من سلطان.
ولم يكن الأركونون إلا هيئة من هيئات كثيرة تشترك كلها في تصريف شئون المدينة الإدارية تحت إشراف الجمعية والمجلس والمحاكم. ويذكر أرسطاطاليس خمساً وعشرين من هذه الهيئات المختلفة، ويقدر عدد الموظفين الإداريين في المدينة بسبعمائة موظف. وكان هؤلاء كلهم تقريباً يُختارون كل عام بطريق القرعة، ولم يكن في وسع أي إنسان أن يكون عضواً في لجنة بعينها أكثر من مرة واحدة، ولذلك كان كل مواطن يأمل أن يشغل منصباً كبيراً في المدينة عاماً على الأقل في أثناء حياته؛ ذلك أن أثينة لم تكن تؤمن بطريقة الحُكم على أيدي الخبراء الأخصائيين.
وكانت المناصب العسكرية أكثر أهمية في نظرهم من المناصب الدينية، ولذلك لم يكن القواد Strategoi العشرة يُختارون بالقرعة بل كانوا يُنتخبون انتخاباً علنياً في الجمعية، وإن كانوا هم أيضاً لا يبقون في مناصبهم أكثر من عام واحد، وإن كانوا عُرضة لأن يُفحص عن أعمالهم وأن يُعزلوا من مناصبهم في أي وقت من الأوقات. وكانت الكفاية لا حب الشعب هي السبيل إلى التقدم والرقي في هذه المناصب. وقد برهنت الأكليزيا في القرن الرابع على حسن إدراكها للأمور باختيارها فوشيون Phocion قائداً خمساً وأربعين مرة، على الرغم من أنه كان أبغض الناس للجمهور الأثيني، وأنه لم يكن يخفي احتقاره للجماهير. وزادت مهام القواد بازدياد العلاقات الدولية، حتى أصبحوا في أواخر القرن الخامس لا يشرفون على شئون الجيش والأسطول فحسب، بل صاروا هم الذين يفاوضون الدول الأجنبية ويشرفون على إيرادات المدينة ونفقاتها. ومن أجل هذا كان
стр. 2048
القائد الأعلى المعروف باسم الاسترتجوس أوتوكراتور Strategos Autokrator أقوى رجال الحكومة؛ وإذا كان من المستطاع انتخابه لهذا المنصب أعواماً متتالية، فقد كان في وسعه أن يخلع على سياسة الدولة استمراراً في الأهداف لم يكن دستورها ليمكنها منه لولا هذا المنصب الدائم. وبفضله استطاع بركليز أن يجعل أثينة مدى جيل كامل ملكية دمقراطية، حتى استطاع توكيديس أن يقول عن السياسة الأثينية إنها دمقراطية بالاسم ولكنها حكومة يسيطر عليها أعظم مواطن في المدينة.
وكانت الخدمة في الجيش ملازمة لحق الانتخاب، فقد كان على كل مواطن أن يعمل في الجيش، وكان معرضاً حتى يبلغ الستين من عمره لأن يُجَنَّد للقتال في أية حرب تستعر نارها. ولكن الحياة الأثينية لم تكن حياة عسكرية، فلم يكن هناك تدريب عسكري يستحق الذكر بعد الفترة الأولى التي يقضيها الشاب في هذا التدريب، ولم يكن فيها اختيال بالحلل الرسمية أو تدخل من قبل الجند في أعمال السكان المدنيين. وكان الجيش في الميدان يتألف من فرق المشاة الخفيفة، وكانت كثرتهم من المواطنين الفقراء، يحملون الرماح والمقاليع؛ وفرق المشاة الثقيلة أو الهبليت، وتتألف من المواطنين الأغنياء الذين تمكنهم مواردهم من شراء الدروع والتروس والحراب؛ ومن فرق الفرسان وتتألف من كبار الأغنياء ذوي الدروع والخوذ، حملة الرماح والسيوف. وكان اليونان يفوقون الآسيويين في النظام العسكري، ولعل ما أحرزوه من انتصارات عسكرية مجيدة يرجع إلى أنهم جمعوا إلى الطاعة في الميدان محافظتهم الشديدة على استقلالهم في الشؤون المدنية. غير أنه لم يكن عندهم مثل إباميننداس وفليب ما تستطيع أن تسميه علم حرب، أو معرفة بفنونها وحركاتها العسكرية. وكانت مدنهم مسورة في العادة، وكان الدفاع عند اليونان- كما هو عندنا اليوم- أعظم أثراً من الهجوم؛ ولولا هذا لما كانت للإنسان حضارة يستطيع تسجيلها. وكانت الجيوش المحاصرة تأتي بكتل خشبية ضخمة معلقة بسلاسل، يشدون بها الكتل إلى الوراء ثم يدفعونها نحو
стр. 2049
السور؛ وهذا هو كل ما حدث من التطور في آلات الحصار قبل عصر أرخميدس. أما الأسطول فكانت طريقة الاحتفاظ به أن يُختار في كل عام أربعمائة من الأغنياء امتيازهم الخاص أن يُجندوا بحّارة السفن، ويهيئوا السفينة ذات الثلاثة الصفوف من المجاديف بما يلزمها من أدوات تقدمها لهم الدولة، على أن يؤدوا هم نفقات بنائها وإنزالها في البحر والمحافظة عليها من العطب. وبهذه الطريقة كانت أثينة تحتفظ وقت السلم بأسطول مؤلف من نحو ستين سفينة (٥٥).
وكانت نفقات الجيش والأسطول تستنفذ الجزء الأكبر من مصروفات الدولة. وكانت مصادر الإيراد هي المكوس، وعوائد المرافئ، وضريبة مقدارها اثنان في المائة على الواردات والصادرات، وضريبة الفرضة ومقدارها اثنتا عشرة دراخمة على كل فرد من الأجانب، ونصف دراخمة على كل معتوق ورقيق، وضريبة العاهرات، وضريبة البيوع، والرخص، والغرامات، والأملاك المصادرة، والجزية التي تؤديها الولايات. وقد ألغت الدمقراطية الضريبة التي كانت مفروضة من قبل على الحاصلات الزراعية والتي استمدت منها أثينة مواردها في أيام بيسستراتس لأنها رأت أن هذه الضريبة تحط من كرامة الزراعة. وكانت جباية معظم الضرائب يناط بها الملتزمون يجمعونها لحساب الدولة ويحتفظون لأنفسهم بنصيب منها. وكانت الدولة تحصل على إيراد كبير من استغلال موارد البلاد المعدنية. وكانت في أثناء الأزمات تجبي ضريبة على رؤوس الأموال تختلف نسبتها باختلاف الأملاك. وقد جمع الأثينيون بهذه الطريقة في عام ٤٢٨ مثلاً مائتي وزنة (تالنت) تبلغ قيمتها بنقود هذه الأيام مليون ريال أمريكي ومائتي ألف ريال لتسد بها نفقات حصار متليني. كذلك كان الأغنياء يُدعَون لأداء بعض الخدمات العامة Leiturgiai كتقديم ما يلزم من المعدات للسفراء الذاهبين في مهام إلى خارج البلاد، وإعداد بعض السفن للأسطول، أو أداء نفقات المسرحيات، أو المباريات الموسيقية، والألعاب. وكان بعض الأغنياء يتطوعون لأداء هذه
стр. 2050
"الخدمات"، ويُلزم الرأي العام غيرهم بأدائها. وكان مما يضاعف متاعب الأغنياء أن كان في وسع أي مواطن يُطلب إليه أداء إحدى هذه الخدمات العامة أن يفرضها هو نفسه على أي مواطن آخر أو أن يستبدل بها فريضته إذا أثبت أن هذا المواطن الآخر أغنى منه. وكان الحزب الدمقراطي كلما قوي سلطانه يجد مناسبات وأسباباً مطردة الزيادة لاستخدام هذه الوسيلة؛ وكان الماليون، والتجار، والصناع، وملاك الأراضي في أتكا في نظير هذا جادين في البحث عن أحسن الطرق لإخفاء ثروتهم والوقوف في وجه الجباة، وتدبير الثورات.
وقد بلغت إيرادات أثينة في أيام بركليز نحو أربعمائة وزنه (٠٠٠ ر ٤٠٠ ر ٢ ريال أمريكي) في العام لا تدخل فيها هذه الهدايا والفرائض، ويضاف إليها ستمائة وزنة ترد من البلاد الخاضعة لها ومن أحلافها. وكان هذا الإيراد يُنفق من غير أن توضع له ميزانية توزِع بنوده وتخصصها لأبواب النفقات المختلفة. وقد زاد المتجمع في خزانة الدولة من الفرق بين الإيرادات والنفقات في أيام بركليز، وبفضل إدارته الاقتصادية الحكيمة، وبالرغم من نفقات الدولة الكثيرة التي لم يسبق لها مثيل، زاد هذا المتجمع زيادة مطردة حتى بلغ في عام ٤٤٠ ق. م ٩٧٠٠ وزنة (نحو ٠٠٠ ر ٢٠٠ ر ٥٨ ريال أمريكي) وهو احتياطي يُعد ضخماً في أية مدينة في أي عصر من العصور، كما يُعد وجوده في بلاد اليونان نفسها أمراً عجيباً لأنا لا نكاد نجد فيها ولا نجد في البلوبونيز كلها مدينة أخرى تزيد فيها إيراداتها على نفقاتها (٥٦).
وكانت المدن القليلة التي يتجمع فيها هذا الاحتياطي تودِعه عادةً في هيكل إله المدينة، فكانت أثينة بعد عام ٤٣٤ تُودِعه في البارثنون. وكان للدولة حق الانتفاع بهذا الاحتياطي وبذهب التماثيل التي تقيمها لإلهها. وقد بلغ مقدار هذا الذهب في تمثال أثينة برثنوس أربعين وزنة (٠٠٠ ر ٤٠٠ ريال أمريكي)؛ وقد وضع في التمثال بحيث يُستطاع إزالته
стр. 2051
عنه (٥٧). وكانت المدينة تحتفظ في الهيكل أيضاً بالمال الذي تؤديه للمواطنين لِيشاهدوا به المسرحيات والألعاب المقدسة.
تلك هي الدمقراطية الأثينية- أضيق الدمقراطيات وأكملها في التاريخ. لقد كانت أضيقها لقلة عدد من يشتركون في امتيازاتها، وأكملها لأنها تتيح لجميع المواطنين على قدم المساواة فرصة السيطرة بأنفسهم على التشريع وتصريف الشئون الإدارية. وتتكشف عيوب هذا النظام واضحة على مر الأيام، بل إن الناس قد أخذوا يتحدثون بها في أيام أرسطوفان. وكان من أظهر هذه العيوب التي كفرت عنها أثينة بخضوعها لإسبارطة، وفليب، والإسكندر، ورومة، أن قامت فيها جمعية لا تسأل عما تفعل، تدفعها عواطفها، فتقرر أمراً ما في أحد الأيام، لا يعوقها عائق من سابقة أو مراجعة، ثم تعود في اليوم الثاني فتندم أشد الندم على ما فعلت؛ وهي بندمها هذا لا تعاقب نفسها بل تعاقب من أضلوها؛ ومنها قصر السلطة التشريعية على الذين يستطيعون حضور الإكليزيا، وتشجيع الزعماء المهرجين، ونفي القادرين من الرجال نفياً أفقد المدينة عدداً كبيراً من خيرة كبرائها؛ وملء المناصب العامة بالقرعة والدور، وتغيير الموظفين في كل عام، وإشاعة الفوضى في الأداة الحكومية، ومنها نزاع الأحزاب الذي لم ينفك يُحدِث الارتباك في توجيه أعمال الدولة وشئونها الإدارية.
ولكن ما من حكومة إلا وهي ناقصة، منهكة، مقضي عليها آخر الأمر. وليس لدينا من الأسباب ما يحملنا على الاعتقاد بأن الملكية أو الأرستقراطية كانت تستطيع أن تحكم أثينة خيراً من حكومتها هذه، أو أن تحفظ عليها حياتها أطول مما حفظتها الدمقراطية؛ ولعل هذه الدمقراطية المختلة النظام، دون غيرها من أنواع الحكم، هي التي استطاعت أن تطلق تلك الطاقة التي رفعت أثينة إلى أسمى مقام بلغته أمة أخرى في التاريخ. ذلك أن الحياة السياسية، داخل نطاق المواطنية، لم تبلغ قبل ذلك العهد أو بعده،
стр. 2052
ما بلغته فيه من القوة والابتكار. وأقل ما يُقال في هذه الدمقراطية الفاسدة العاجزة أنها كانت مدرسة: لقد كان المقترع في الجمعية يستمع إلى أقدر الرجال في أثينة؛ وكان ذهن القاضي في المحكمة يُشحذ بإطلاعه على الأدلة ووزنها واستخراج ثمينها من غثها، وكان الموظف يصوغه ويشكله ما يُلقى عليه من تبعة وما يكسبه من تجارب، فينضج عقله وفهمه وقدرته على الحكم. وفي هذا يقول سمنيدس إن "المدينة معلمة الرجال" (٥٨). ولعل هذه الأسباب هي التي جعلت أثينة تقدر رجالاً من طراز إيسكلس، ويوربديز، وسقراط، وأفلاطون. لقد كان تقديرها لرجال من هذا الطراز هو الذي أوجدهم فيها. وفي الجمعية ودور القضاء تكوَّن نظارة دور التمثيل، وكانت هذه الدور على استعداد لاستقبال خير هؤلاء النظارة. ولم تكن هذه الدمقراطية الأرستقراطية نظاماً يفسح الطريق لكل إنسان ليفعل ما يحلو له كما أنها لم تكن رقيباً عتيداً على الأملاك والنظام فحسب؛ بل كانت تشجع بالمال المسرحيات اليونانية وتشيد البارثنون، وتعمل لرفاهية الشعب وتقدمه، وتهيئ له الفرص التي لا تمكنه "من أن يعيش فحسب، بل تمكنه من أن يعيش على خير وجه". ومن أجل هذا فإن التاريخ لا يجد حرجاً من أن يصفح عن جميع خطاياها.
стр. 2053
الباب الثاني عشر
العمل والثروة في أثينة
الفصل الأول
الأرض والطعام
كان الأساس الذي يقوم عليه صرح هذهِ الدمقراطية وهذهِ الثقافة هو إنتاج الطعام والثروة وتوزيعهما بين الناس. ذلك أن من يقومون من الناس بحكم الدول، والبحث عن الحقيقة، وتأليف الألحان الموسيقية، ونحت التماثيل، وإبداع الصور، وتأليف الكتب، وتعليم الأطفال، وخدمة الآلهة، إنما يستطيعون هذا لأن غيرهم يكدحون لإنتاج الطعام، ونسج الثياب، وبناء المساكن، واستخراج المعادن، وصنع الأدوات النافعة، ونقل البضائع، واستبدال غيرها بها، أو تقديم الأموال اللازمة لإنتاجها أو نقلها. هذا هو أساس الدمقراطية والثقافة في كل مكان.
وعماد المجتمع كله هو الفلاح أفقر الناس فيه وألزمهم له. ولقد كان الفلاح في أتكا يستمتع على الأقل بحقوقهِ السياسية ذلك أن المواطنين وحدهم هم الذين كانوا يحق لهم أن يمتلكوا الأرض، وكان الفلاحون جميعهم تقريباً يمتلكون الأرض التي يفلحونها وكان نظام امتلاك العشيرة كلها للأرض قد اختفى، واستقر نظام الملكية الفردية وتوطدت أركانه. وكانت هذهِ الطبقة من صغار الملاك في أتكا، كما هي الآن في فرنسا وأمريكا، قوة محافظة تعمل على الاستقرار
стр. 2054
في الدمقراطية، على حين أن سكان المدن الذين لا ملك لهم كانوا يدفعون الدولة على الدوام نحو الإصلاح والتغير. وكانت نار الحرب القديمة العهد بين الريف والمدينة- بين الذين يريدون أثماناً عالية للغلات الزراعية وأثماناً منخفضة للسلع المصنوعة، وبين الذين يطلبون أثماناً منخفضة للسلع المصنوعة وأجوراً عالية أو أرباحاً كبيرة في مجال الصناعة- كانت نار هذه الحرب شديدة الاستعار في أتكا بنوع خاص. وبينما كانت الصناعة والتجارة تُعدان من أعمال العامة التي تزري بصاحبها في نظر المواطن الأثيني، كانت الأعمال الزراعية في اعتقادهِ مشرفة للمشتغل بها لأنها أساس الاقتصاد القومي، والخلق الشخصي القويم وقوة البلاد الحربية؛ وكان أهل الريف ينزعون إلى احتقار سكان المدن ويرون أنهم إما طفيليون مستضعفون أو عبيد أدنياء.
وتربة أتكا غير خصيبة: فثلث مساحتها البالغ قدرها ٦٣٠. ٠٠٠ فدان إنكليزي غير صالح للزراعة، والثلثان الباقيان قد أفقر تربتهما تقطيع الغابات، وإنحباس الأمطار وسرعة اكتساح فيضانات الشتاء للطبقة الخصبة السطحية. ولم يكن الفلاحون في أتكا يدخرون جهداً- يبذلونه هم أو أرقاؤهم- للتغلب على هذا الحظ النكد، فكانوا يدخرون ما زاد من الماء على حاجتهم في خزانات ويقيمون الجسور حول المجاري المائية للسيطرة على فيضانها، ويجففون المستنقعات ويستصلحون أرضها الطيبة، ويحفرون الآلاف من قنوات الري لتحمل إلى حقولهم الظمأى قطرات الماء من النهيرات، ولا يملّون من نقل النبات من بيئة إلى بيئة ليحسنوا نوعه ويزيدوا حجمه، ويتركون الأرض بوراً مرة كل سنتين لتستعيد قدرتها على الإنتاج، ويجعلون التربة قلوية بإضافة بعض الأملاح إليها مثل كربونات الجير، ويسمدونها بنترات البوتاسيوم، والرماد، وفضلات الآدميين. وكانت الحدائق والغياض المحيطة بأثينة تستفيد أكبر الفائدة من مجاري المدينة التي كانت
стр. 2055
تصب كلها في مجرى كبير متصل بخزان عام خارج دبيلون Dipylon، ثم ينتقل ماؤها من هذا الخزان في قناة مبنية بالآجر إلى وادي نهر سفسوس Cephisus وكانوا يخلطون أنواعاً مختلفة من التربة بعضها ببعض ليفيد كل نوع منها الآخر، وكانوا يحرثون الأرض وبعض الخضر البقولية مزهرة فيها لكي تتغذى منها التربة؛ وكانت الأعمال المتصلة بحرث الأرض وتمهيدها، وبذر البذور أو غرس النبات، تجري كلها في فترة الخريف القصيرة، وكان موسم جني الحبوب يحل في شهر مايو، وأما فصل الصيف الجاف فكان موسم الاستعداد والراحة. ومع هذه العناية كلها فإن أرض أتكا لم تكن تنتج إلا ٦٥٧. ٠٠٠ بشل من الحبوب في كل عام لا تكاد تكفي ربع سكانها؛ ولولا الطعام المستورد من الخارج لهلكت أثينة بركليز جوعاً؛ وكان هذا هو الذي دفعها إلى الاستعمار وأوجب عليها أن تنشئ لها أسطولاً قوياً تسيطر به على البحار.
وحاول الريف أن يستعيض عن محصولهِ الضئيل من الحبوب بمحصول موفور من الزيتون والعنب. فدُرِّجت جوانب التلال وأجريت لها المياه، وكانت الحُمُر تشجع على قرض أغصان الكروم بأنيابها لتزيد بذلك ثمارها. وكانت أشجار الزيتون تغطي كثيراً من الأراضي في بلاد اليونان في أيام بركليز، ولكن الفضل في نقل أشجار الزيتون إلى هذه البلاد يعود إلى بيسستراتس وصولون. ذلك أن شجرة الزيتون لا تؤتي أكلها إلا بعد ستة عشر عاماً من زرعها، ولا يكتمل نموها إلا بعد أربعين؛ ولولا ما أمد بهِ بيسستراتس الزراع من إعانات لما نمت تلك الشجرة في أرض أتكا. ولقد كان إتلاف بساتين الزيتون في حرب البلوبونيز من الأسباب التي أدت إلى اضمحلال أثينة. والزيتون ذو فوائد كثيرة لليوناني، فعصرته الأولى تمده بالزيت يأكله، والثانية تمده بالزيت يدهن بهِ، والثالثة تعطيه زيتاً يضيء بهِ بيته؛ وما بقي منه بعدئذ يُتخذ وقوداً. وكان الزيتون
стр. 2056
أثمن غلات أتكا في عصر بركليز، وقد بلغ من عظم شأنهِ أن احتكرت الدولة تصديره، وأن ابتاعت به وبالنبيذ ما كانت تضطر إلى استيراده من الحبوب.
وكانت تُحرّم تصدير التين تحريماً باتاً، لأن التين من أهم مصادر القوة والنشاط لأهل البلاد. وشجرة التين تنمو وتترعرع حتى في التربة الجدباء، وجذورها الكثيرة الانتشار تمتص كل ما عساه أن يوجد في التربة من ماء، وأوراقها القليلة الصغيرة لا تعرضها للتبخر الكثير. وفضلاً عن هذا فإن زارع شجر التين قد تعلم من بلاد الشرق سر إنضاج ثماره بالتلقيح؛ فكان يعلق أغصان شجرة التين البرية الذكر، بين أغصان الشجرة الأنثى المنزرعة، ويترك للحشرات نقل الطلع من الذكر إلى ثمار الأنثى فتزيد في الحجم والحلاوة.
وكانت هذه الغلات الزراعية من الحبوب، وزيت الزيتون، والتين، والعنب، والنبيذ، أهم المواد الغذائية في أتكا. ولم تكن تربية الماشية مورداً للطعام خليقاً بالذِكر؛ وكانت الخيول تربى لتستخدم في السباق، والأغنام لتؤخذ منها الأصواف، والمعز للبن، والحمير، والبغال، والبقر، والثيران للنقل؛ أما الخنازير فكانت تربى بكثرة ليؤكل لحمها؛ وكانوا يعنون بتربية النحل للانتفاع بعسلهِ في عالم خلو من السكر. وكان اللحم من مواد الترف، لا يطعمه الفقراء إلا في أيام الأعياد، وقد اختفت في العهد الذي نتحدث عنه مآدب الأبطال التي كانت تقام في العصر الهومري. أما السمك فكان طعاماً عادياً ومتعة في آن واحد؛ كان الفقير يبتاعه مملحاً ومجففاً والغني يستمتع بلحم "القرش" "وثعبان البحر" طازجاً. وكانت الحبوب تطعم سليقة وخبزاً وكعكاً وكثيراً ما كانت تخلط بعسل النحل. وقلما كان الخبز والكعك يسويان في المنزل بل كان كلاهما يُشترى من بائعات جائلات أو من حوانيت صغيرة، وكانوا يضيفون إليها البيض، والخضر- وخاصة الفاصوليا، والبسلة، والكرنب، والعدس،
стр. 2057
والخس، والبصل، والثوم. وكانت الفاكهة قليلة؛ ولم يكن البرتقال والليمون من الفاكهة المعروفة. وكان النُّقل من الأصناف المعروفة والتوابل كثيرة الانتشار، وكان الملح يُجمع من ملاحات البحر ويُشترى به العبيد من داخل البلاد؛ وكانوا يصفون العبد الرخيص بأنه "مملح" والعبد الطيب بأنه "جدير بملحه". وكان كل شيء تقريباً يطهى ويُجهز بنار زيت الزيتون وهو بديل ممتاز للبترول. وإذا كان من الصعب الاحتفاظ بالزبد طويلاً في بلاد البحر الأبيض المتوسط فإن زيت الزيتون كان يُستخدم بدلاً منه. وكان يُتفكه بعد الأكل بالعسل، والحلوى والجبن. وبلغ من حبهم للكعك المحشو بالجبن أن دبجوا كثيراً من الرسائل القيمة في وصف هذا الفن الخفي. وكان الماء شرابهم العادي، ولكن ما من دار كانت تخلو من النبيذ، لأنه ما من مدينة أطاقت الحياة من غير المخدرات أو المنبهات. وكانوا يحتفظون في الأرض بالثلج والجليد الطبيعيين ليبردوا بهما النبيذ في أشهر القيظ؛ وكانوا يعرفون الجعة في عصر بركليز ولكنهم كانوا يحتقرونها. واليوناني بوجه عام مقتصد في طعامهِ يقنع بوجبتين في اليوم، ويقول أبقراط: "ومع هذا فثمة كثيرون يستطيعون أن يطيقوا ثلاث وجبات كاملة في اليوم إذا تعودوا هذا (٩) ".
стр. 2058
الفصل الثاني
الصناعة
كانت أرض أتكا تنتج المعادن والوقود كما تنتج الطعام، وكان الأهلون يضيئون بيوتهم بمصابيح جميلة المنظر، ومشاعل يستخدمون فيها زيت الزيتون المكرر أو الراتينج- أو بالشموع. وكانوا يدَّفئون بالخشب الجاف أو الفحم الخشبي، يحرقونه في مواقد متنقلة. وقد عريت الغابات والتلال القريبة من المدن لكثرة ما قُطع من أشجارها للوقود والبناء، حتى أضحت البلاد في القرن الخامس قبل الميلاد تستورد الخشب الذي تحتاجه لبناء البيوت والسفن وصنع الأثاث. أما الفحم الحجري فلم يكن لهُ وجود.
ولم يكن الغرض من التعدين في بلاد اليونان الحصول على الوقود، بل كان غرضه استخراج المعادن، وكانت أرض أتكا غنية بالرخام، والحديد، والخارصين، والفضة، والرصاص. وكانت مناجم لوريوم القريبة من الطرف الجنوبي من شبه الجزيرة "فوارة تندفع منها الفضة، لأثينة" كما يقول إسكلس. وكانت هذه المناجم أكبر ما تعتمد عليهِ الحكومة، فكانت تحتفظ لنفسها بملكية كل ما تحت التربة، وتؤجر المناجم إلى من يستغلها من الأفراد نظير أجر محدد قدره وزنة) تالنت أي ٦٠٠٠ ريال أمريكي (وجزء من أربعة وعشرين جزءاً من غلتها في العام. ولما اكتشفت أولى العروق المربحة في لوريوم عام ٤٨٣ هرع الناس إلى إقليم المناجم لاستخراج الفضة. ولم يكن يسمح لغير المواطنين بأن يستأجروا تلك المناجم، ولم يكن يقوم بالعمل فيها سوى العبيد. وكان نيشياس Nicias التقي، الذي ساعد بخرافاتهِ على خراب أثينة، يكسب ما يعادل
стр. 2059
مائة وسبعين ريالاً أمريكياً في اليوم الواحد بتأجير ألف عبد إلى مستغلي المناجم بما لا يزيد على أبولة واحدة) ١٧ ٠ من الريال الأمريكي (لكل منهم في اليوم؛ وما أكثر الثروات التي جمعها الأثينيون بهذهِ الطريقة، أو بإقراض الأموال اللازمة لهذا الاستغلال. وكان عدد العبيد في المنجم يبلغ أحياناً عشرين ألفاً، وكان منهم المشرفون عليهم والمهندسون. وكانوا يعملون في نوبات تطول كل منها إلى عشر ساعات، ولم يكن العمل ينقطع ليلاً أو نهاراً؛ فإذا ما تباطأ العبد أو استراح ألهب المشرف عليه ظهره بالسوط، وإن حاول الهرب صُفّدَ بأغلال من حديد، وإذا هرب وألقي القبض عليه كويت جبهته بالحديد المحمي. ولم يكن عرض المنجم يزيد على قدمين، ولم يكن ارتفاعه يتجاوز ثلاث أقدام، وكان العبيد يعملون فيه بالمنقب أو الإزميل والمطرقة، وهم جاثمون على ركبهم، أو منبطحون على بطونهم أو مستلقون على ظهورهم. وكانت الخامات بعد تكسيرها تُنقل في سلال أو أكياس يتناولها رجل من رجل، لأن الممرات لشدة ضيقها لا تسمح لاثنين أن يمر أحدهما بالآخر بسهولة. وكانت الأرباح التي تُجنى من هذهِ المناجم غاية في الضخامة.
وحسبنا دليلاً على هذا أن إتاوة الحكومة منها بلغت في عام ٤٨٣ مائة وزنة) نحو ٦٠٠. ٠٠٠ ريال أمريكي (- وهي ثروة رُزِقتها أثينة من حيث لا تحتسب واستطاعت أن تُنشئ بها أسطولاً تنقذ به بلاد اليونان كلها عند سلاميس. ولقد عاد هذا العمل بالخير والشر معاً حتى على غير العبيد فقد أصبحت خزانة أثينة بسببه تعتمد كل الاعتماد على المناجم فلما أن استولى الاسبارطيون على لوريوم في حرب البلوبونيز، اضطربت أحول أثينة الاقتصادية من أولها إلى آخرها ولما نضب معين المناجم في القرن الرابع كان نضوبها أحد العوامل الكثيرة في اضمحلال أثينة، وذلك لأن أرض أتكا ليس فيها معدن ثمين غير الفضة.
стр. 2060
وصناعة التعدين تتقدم بتقدم استخراجها. فكانت الخامات المستخرجة من مناجم لوريوم تدق في مهارس ضخمة بمدقات ثقيلة من الحديد يحركها العبيد، ثم تنقل بعدئذ إلى مطاحن تطحنها بين حجرين دوارين شديدي الصلابة، ثم تغربل، ويؤخذ ما ينزل من ثقوب الغربال إلى حيث يُغسل، فيوضع على مناضد مائلة مستطيلة الشكل مصنوعة من الحجر ومغطاة بطبقة رفيعة ملساء من الأسمنت الصلب ويسلط عليه شؤبوب ماء من حوض. ويندفع تيار الماء ثم ينثني بزوايا حادة عندها فجوات تلتقط جزيئات المعدن. ثم يؤخذ ما يتجمع منه فيها ويُلقى في أفران للصهر مجهزة بمنافيخ ترفع حرارتها. وفي قاع كل فرن فتحات ينزل منها المعدن المصهور. ويفصل الرصاص من الفضة برفع حرارة المعدن المصهور فوق بواتق مصنوعة من مادة مسامية وتعريضه بعد ذلك للهواء. وبهذهِ الطريقة السهلة يتحول الرصاص إلى أكسيد الرصاص وتخلص الفضة. وقد برع العمال في عمليتي الصهر والتنقية، كما تشهد بذلك العملة الفضية الأثينية، فإن فضتها نقية إلى درجة ٩٨ في المائة. ولقد أدت لوريوم ثمن ما أنتجته من الثروة، لأن صناعة التعدين تجلب في أعقابها أضراراً تُذهب بكثير من أرباحها. فالنبات يموت والناس يهلكون بتأثير الدخان المنبعث من الأفران، والأماكن المجاورة للمصانع تصبح قفراء جدباء يغطيها التراب والرماد.
أما غير هذهِ الصناعة فلا يكلف من الجهد ما تكلفه؛ وفي أتكا الآن كثير من هذهِ الصناعات غير المجهدة، وهي وإن كانت صغيرة في حجمها دقيقة شديدة التخصص في نوعها، فقد كانت تستخرج الرخام وغيره من الحجارة من محاجرها، وتصنع آلافاً من أشكال الآنية الخزفية، وكانت تدبغ الجلود في مدابغ كبيرة كالتي يمتلكها كليون منافس بركليز وأنيتس الذي وجه التهمة إلى سقراط. وكان من أهلها فوق ذلك صانعو العربات، وبناءو السفن وصانعو السروج وسائر عدد الخيل،
стр. 2061
والحذاءون، وكان من صانعي السروج مَن لا يصنعون إلا الأعنة ومن الحذائين مَن اختصوا بصنع أحذية الرجال أو النساء. وكان من المشتغلين بحرف البناء نجارون وصانعون للقوالب، وقاطعون للأحجار، ومشتغلون بالمعادن، ومصورون، وطالون للجدران والأخشاب. وكان فيها حدادون وصانعون للأسياف والدروع، والمصابيح، والقيثارات، والطحّانون، والخبازون، والوزامون والسماكون- وجملة القول أنها كانت تحتوي على كل ما تطلبه الحياة الاقتصادية الكثيرة العمل المتنوعة الأشكال، غير الآلية أو المملة. وكانت المنسوجات العادية لا تزال حتى ذلك الوقت تُنسج في المنازل، ففيها كان النساء ينسجن، ويصلحن ثياب الأسرة وفراشها، ومنهن مَن يمشطن الصوف أو يدرن عجلة الغزل، ومنهن مَن يتعهدن الأنوال ومَن ينحنين أمام إطار التطريز. أما المنسوجات الخاصة فكانت تُشترى من المصانع أو تُستورد من خارج البلاد- فالأقمشة التيلية الرقيقة كانت تَرد من مصر، وأمرجوس Amorgos، وتارنتم؛ والأقمشة الصوفية المصبوغة من سراقوصة، والبطاطين من كورنثة، والطنافس من الشرق الأدنى وقرطاجة، وأغطية الفراش الملونة من قبرص وتعلمت نساء كوس في أواخر القرن الرابع حل شرانق دود القز وغزل خيوط الحرير. وأتقنت النساء في بعض المنازل فنون النسيج إتقاناً أمكنهن أن ينتجن أكثر من حاجة أسرهن، فكن يبعن ما زاد على حاجتهن إلى المستهلكين في بادئ الأمر، ثم إلى الوسطاء؛ وكن يستعن بمن يساعدهن، من المعاتيق أو الأرقاء، ونشأت على هذا النحو صناعة منزلية كانت هي الخطوة الأولى في سبيل نظام المصانع.
وبدأ هذا النظام يتشكل في عصر بركليز، وكان بركليز نفسه، كما كان ألسبيديز، يمتلك مصنعاً، ولم تكن هناك آلات، ولكن كان في الاستطاعة الحصول على كثير من العبيد؛ وكان رخص القوة العضلية سبباً في انعدام الحافز
стр. 2062
إلى صنع الآلات؛ ولهذا كانت دور الصناعة في أثينة "حوانيت صناعة" لا مصانع، ولم يكن في أكبرها، وهو حانوت صنع الدروع الذي يمتلكه سفالوس Cephalus، سوى مائة وعشرين عاملاً، وكان في دار صنع الأحذية التي يمتلكها تمركوس Timarchus عشرة عمال، وفي مصنع دمستين للأساس عشرون وفي مصنعه للعُدد الحربية ثلاثون. ولم تكن هذهِ الحوانيت في بادئ الأمر تنتج إلا لمن يطلب الإنتاج، ثم صارت فيما بعد تنتج للسوق، ثم للتصدير في آخر الأمر وكان حلول النقود محل المقايضة، وانتشار هذهِ النقود انتشاراً واسعاً، مما يسر عليها أعمالها. ولم تكن في البلاد منظمات صناعية، بل كان كل مصنع وحدة مستقلة بذاتها يمتلكها رجل أو رجلان، وكان صاحبه يعمل في كثير من الأحيان إلى جانب عبيده. ولم تكن لديهم علامات تجارية، وكانت الحرف يأخذها الأبناء من الآباء، أو يتعلمها الصبيان عن الرؤساء وكان القانون يعفي الأثينيين من رعاية آبائهم في شيخوختهم إذا لم يعلمهم أولئك الآباء حرفة يشتغلون بها. وكانت ساعات العمل كثيرة، ولكنهم كانوا يعملون على مهل، فكان صاحب المصنع وعماله يعملون من مطلع الفجر إلى ما بعد غروب الشمس، مع إغفاءة قصيرة في وقت الظهيرة صيفاً. ولم تكن هناك إجازات ولكنهم كانت لهم في كل عام ستون عيداً ينقطعون فيها عن العمل.
стр. 2063
الفصل الثالث
التجارة والمال
إذا أنتج الفرد، أو الأسرة، أو المدينة أكثر من حاجته أو حاجتها، نشأت التجارة. وكانت أولى الصعاب التي واجهت أتكا أن وسائل النقل فيها كثيرة النفقة غير متيسرة، وأن البحر شراك ليس من السهل على سفنها أن تفلت منه. وكانت أحسن طرقها البرية هي الطريق المقدسة الممتدة من أثينة إلى إليوسيس؛ وإن لم تكن أكثر من طين، وإن كانت أضيق من أن تتسع لمرور المركبات. أما القناطر فلم تكن أكثر من معابر غير مأمونة مقامة من حواجز من الطين كثيراً ما تجرفها الفيضانات. وكان حيوان الجر المألوف هو الثور وهو حيوان أوتي من الفلسفة أكثر مما يسمح له بأن يغني التاجر الذي يعتمد عليه في نقل متاجره. وكانت العربات هشة تتحطم على الدوام أو تتعطل عن السير في الوحل وكان افضل منها لديه أن ينقل بضاعته على ظهور البغال، لأنها أسرع من العربات قليلاً، ولأنها لا تشغل ما تشغله لك العربات من الطريق. ولم يكن في بلاد اليونان نظام للبريد، وحتى الحكومات نفسها لم يكن لها مثل هذا النظام، بل كانت تقنع بالعدّائين؛ وكانت الرسائل الخاصة تنتظر إلى أن يتاح لها مَن ينقلها منهم. وكانت الأخبار الهامة تُرسل بالإشارات النارية يتلقفها تل من تل أو بالحمام الزاجل. وكانت في أماكن متفرقة من الطرق نُزل، ولكنها كانت مآوى محببة للصوص والحشرات؛ وحتى الإله ديونيسس في إحدى مسرحيات أرسطوفان يسأل هرقل عن " بيوت الأكل ودور الضيافة التي هي أقل من غيرها بقّاً ".
стр. 2064
وكان النقل البحري أقل كلفة من النقل البري وبخاصة إذا اقتصر على أشهر الصيف الساكنة الريح، وكان هذا النقل في العادة مقصوراً على تلك الشهور. وكانت أجور السفر قليلة، فكان في وسع الأسرة أن تنتقل من بيرية إلى مصر وإلى البحر الأسود نظير درخمتين) أي ريالين أمريكيين (، ولكن السفن لم تكن تُعنى بنقل المسافرين لأنها صُنعت قبل كل شيء لنقل البضائع أو لشن الحرب أو لهذا الغرض أو ذاك كما تقضي الضرورة. وكانت أهم القوى المحركة هي قوة الريح تملأ الشراع، ولكن العبيد كانوا يُسيّرون السفن بالمجاديف إذا سكنت الريح أو هبت في عكس اتجاه السفن. وكانت أصغر سفن البحار التجارية يُسيّرها ثلاثون مجدافاً، ومنها ما كان له خمسون. وأنزل أهل كورنثة في البحر منذ عام ٧٠٠ قبل الميلاد أولى السفن ذات الثلاثة الصفوف من المجاديف يعمل بها مائتان من الرجال. وقبل أن يستهل القرن الخامس كانت هذهِ السفن بمقدمها الطويل السامق قد بلغ وزنها ٢٥٦ طناً، وبلغت حمولتها سبعة آلاف بشل من الحبوب، وأصبحت حديث جميع القاطنين على شواطئ البحر الأبيض المتوسط لأن سرعتها بلغت ثمانية أميال في الساعة.
وكانت ثاني مشاكل التجارة هي العثور على واسطة للتبادل يثق الناس بها، فقد كان لكل مدينة نظامها الخاص في الموازين والمقاييس، وعُملتها التي لا تشاركها فيها مدينة أخرى. وكان على الإنسان عندما يصل إلى أحد التخوم التي تكاد تبلغ المائة عداً أن يبدل نقوده وأن يكون على حذر في هذا التبديل لأن كل حكومة يونانية، عدا حكومة أثينة، كانت تسلب الأجانب عنها أموالهم بتخفيض قيمة نقدها. وفي ذلك يقول يوناني لم يشأ أن يُعرف اسمُه "كان التجار في معظم المدن يضطرون أن ينقلوا على سفنهم بضائع وهم عائدون إلى مدنهم لأنهم لم يكن في وسعهم أن يحصلوا على نقود ذات نفع
стр. 2065
لهم في أي مكان آخر". وكانت بعض المدن تسك نقوداً من خليط من الذهب والفضة، وينافس بعضها بعضاً في إنقاص ما في هذا الخليط من الذهب. أما الحكومة الأثينية منذ أيام صولون فقد أخذت على نفسها تشجيع التجارة إلى أقصى حد بإيجاد عملة موثوق بها طبعت عليها بومة اثينة؛ وكان قولهم: "يُأخذ البوم إلى أثينة" وهو المثل اليوناني المقابل لقول الإنكليز "يحمل الفحم إلى (١) نيوكاسل" وإذا كانت أثينة قد أبت خلال صروف الدهر أن تخفض من قيمة درخماتها الفضية، فقد كانت سائر بلاد البحر الأبيض المتوسط تقبل وهي راضية هذهِ "البومات" التي أخذت تحل شيئاً فشيئاً محل العملة المحلية في جزائر بحر إيجة. وكان الذهب في هذهِ المرحلة لا يزال سلعة تجارية تُباع بالوزن، ولم يكن وسيلة يُستعان بها على الاتجار، ولم تكن أثينة تسكّه عملة إلا في حالات الضرورة النادرة، وكانت النسبة المعتادة بينه وبين الفضة كنسبة ١٤ إلى ١. وكانت أصغر النقود الأثينية تُسك من النحاس، وكانت ثمان قطع منها تكوّن أبولة - وهي عملة من الحديد أو البرونز سُميت بهذا الاسم لمشابَهتها للأظافر أو السفود. وكانت ست أبولات تكوّن الدرخمة أي الحفنة؛ والدرخمتان تكوّنان استاتر Stater والمائة درخمة تكوّن مينا Mina وستون مينا تكوّن وزنة Talent وكانت الدرخمة في النصف الأول من القرن الخامس يُبتاع بها بشل Bushel من الحبوب، كما يبتاع بالريال الأمريكي في القرن (٢) العشرين. ولم يكن في أثينة عملة ورقية، ولا صكوك حكومية، ولا شركات محاصة، ولا مصفق للأسهم والسندات.
стр. 2066
لكن أثينة كان فيها مصارف مالية لاقت صِعاباً شديدة في توطيد دعائمها لأن الذين لم تكن بهم حاجة إلى القروض ينددون بالربا ويرونه جريمة (١)، ويتفق معهم الفلاسفة في هذا الحكم. وكان الأثيني العادي في القرن الخامس ممن يكنزون المال، فكان إذا ادخر شيئاً منه آثر أن يُخبئه بدل أن يودعه في المصارف. وكان بعض الناس يقرضون مدخراتهم نظير رهون بفائدة تتراوح بين ١٦، ١٨ في المائة، ومنهم مَن يقرضونها من غير فائدة إلى أصدقائهم، أو يودعونها في خزائن الهياكل. وكانت الهياكل تعمل عمل المصارف فتقرض المال إلى الأفراد والحكومات بفائدة معتدلة، وكان هيكل أبلو في دلفي إلى حد ما مصرفاً دولياً لجميع بلاد اليونان. ولم تكن الحكومات تقترض من الأفراد، ولكن الدول كانت في بعض الأحيان يقرض بعضها بعضاً. وفي القرن الخامس بدأ مبدل النقود الجالس أمام منضدته (يقبل المال وديعة لديه، ويقرضه للتجار بفوائد يتراوح سعرها بين ٢، و ٣٠ في المائة حسب ما تتعرض له من الأخطار. وبهذهِ الطريقة أصبح ذلك الصراف مصرفياً، وإن كان قد احتفظ إلى آخر تاريخ اليونان باسمه الأول) صاحب المنضدة Trapezite (. وقد أخذ أساليبه عن بلاد الشرق الأدنى، وحسّنها، ونقلها إلى رومة فأسلمتها هذهِ إلى أوربا الحديثة. وما كادت الحرب الفارسية تضع أوزارها حتى أودع ثمستكليز سبعين وزنة) ٢٤٠. ٠٠٠ ريال أمريكي (عند فيلوستفانوس المصرفي، بنفس الطريقة التي يعمل بها المغامرون السياسيون لدينا هم في هذهِ الأيام وهذهِ أول إشارة معروفة للأعمال المصرفية خارج المعابد في
стр. 2067
تاريخ اليونان. ولما آذن هذا القرن بالانتهاء أنشأ أنتسثنيز Antisthenes وأرخستراتس المؤسسة التي أضحت في عهد باسيون Pasion أشهر المصارف اليونانية التي يملكها الأفراد، وعن طريق هؤلاء الصيارفة كانت الأموال تتداول بحرية وسرعة أكثر من تداولها قبل وجود هذا النظام، وكانت لهذا تيسر من الأعمال أكثر مما كانت تيسره قبل وجودهم. وبفضل هذا التيسير راجت التجارة الأثينية واتسعت أسواقها ونشطت أكثر من ذي قبل.
وكانت التجارة، لا الصناعة ولا الأعمال المالية، روح الاقتصاد الأثيني. ذلك أنه وإن ظل الكثيرون من المنتجين حتى ذلك الوقت يبيعون منتجاتهم إلى المستهلك مباشرةً، فإن عدداً متزايداً منهم كان في حاجة إلى وساطة السوق التي كانت وظيفتها شراء السلع وخزنها حتى يستعد المستهلك لشرائها. وبهذه الطريقة نشأت طبقة من بائعي التجزئة يعرضون بضائعهم في شوارع المدن، أو في مؤخرة الجيوش، أو في الأعياد والاحتفالات العامة، أو يعرضونها للبيع في حوانيت أو "أكشاك" في الأماكن المزدحمة أو غير المزدحمة في المدن. وكان الأحرار والغرباء والأرقاء يذهبون إلى هذه الأماكن ليساوموا التجار ويبتاعوا ما تحتاجه البيوت. وكان من أقسى القيود المفروضة على النساء "الحرائر" في أثينة أن العادات لم تكن تبيح لهن أن يخرجنَ إلى الأسواق ليشترين منها حاجتهنَ.
وتقدمت التجارة الخارجية لبلاد اليونان أسرع من تقدم التجارة الداخلية نفسها، لأن الدول اليونانية أدركت مزايا توزيع العمل بين بعضها البعض الآخر فتخصصت كل منها في إنتاج نوع من المنتجات. فصانع الدروع مثلاً لم يعد ينتقل من مدينة إلى مدينة تلبية لطلب مَن يحتاجه بل أخذ يصنع دروعه في حانوتهِ ويبعثُ بها إلى أسواق العلم القديم. وهكذا انتقلت أثينة في قرن واحد من الاقتصاد المنزلي- الذي يصنع فيهِ كل منزل
стр. 2068
جميع ما يحتاجهُ تقريبا- إلى الاقتصاد الحضري- الذي تصنع فيهِ كل مدينة جميع ما تحتاجه تقريبا- ثم إلى الاقتصاد الدولي- الذي تعتمد فيهِ كل دولة على ما تستورده من غيرها، والذي لا بد لها فيه أن تصدر من السلع ما تؤدي به أثمان وارداتها. واستطاع الأسطول الأثيني مدى جيلين من الزمان أن يجعل البحر مطهراً من القراصنة، ولهذا ازدهرت التجارة من عام ٤٨٠ إلى ٤٣٠ كما لم تزدهر في المستقبل إلا بعد أن قضى بمبي على القرصنة في عام ٦٧. وكانت أرصفة بيرية، ومخازنها، وأسواقها ومصارفها تقدم للتجارة كل ما تستطيعهُ من أسباب التيسير؛ وسرعان ما أضحى هذا الثغر النشيط العامل أهم مراكز التصدير وإعادة الشحن للتجارة المتبادلة بين الشرق والغرب. وفي ذلك يقول إسقراط: " لقد كان من اليسير أن يبتاع الإنسان في أثينة جميع ما يصعب عليهِ أن يجدهُ إلا في أماكن متفرقة سلعة منه في هذه المدينة وسلعة في تلك ". ويقول توكيديدس " إن عظمة مدينتنا تجذب غلات العالم كله إلى مرفئنا، حتى أصبحت ثمار البلاد الأخرى من مواد الترف المألوفة للأثيني كثمار بلده نفسه ". وكان التجار يحملون من بيرية ما تنتجه حقول أتكا وحوانيتها من الخمور، والزيت، والصوف، والمعادن، والرخام، والخزف، والأسلحة، ومواد الترف، والكتب، والتحف الفنية؛ ويأتون إلى بيرية بالحبوب من بيزنطية، وسوريا، ومصر، وإيطاليا، وصقلية؛ وبالفاكهة والجبن من صقلية وفينيقية، وباللحوم من فينيقية وإيطالية؛ والسمك من البحر الأسود؛ والنُّقل من بفلاجونيا؛ والنحاس من قبرص؛ والقصدير من إنجلترا؛ والحديد من شواطئ بحر البنتس؛ والذهب من ثاسوس وتراقية؛ والخشب من تراقية وقبرص؛ والأقمشة المطرزة من بلاد الشرق الأدنى؛ والصدف والكتان والأصباغ من فينيقية؛ والتوابل من قورينة؛ والسيوف من خلقيديا؛ والزجاج من مصر؛ والقرميد من كورنثة؛ والأسرة من طشيوز وميليطس؛ والأحذية
стр. 2069
والبرنز من اترويا؛ والعاج من بلاد الحبشة؛ والعطور والأدهان من بلاد العرب؛ والرقيق من ليديا وسوريا وسكوذيا. ولم تكن المستعمرات أسواقاً فحسب، بل كانت فوق ذلك وكالات شحن ترسل البضائع الأثينية إلى الداخل، ومع أن مدائن أيونيا قد اضمحلت في القرن الخامس قبل الميلاد لأن التجارة التي كانت تمر بها من قبل تحولت إلى البروبنتس وكاريا أيام الحرب الفارسية وبعدها، فإن إيطاليا وصقلية قد حلتا محلها وأصبحت بلادهما ثغوراً لتصدير ما زاد عن الحاجة من غلات بلاد اليونان الأصلية وسكانها، وفي وسعنا أن نقدر قيمة تجارة بحر إيجة الخارجية إذا عرفتا أن حصيلة ضريبة الخمسة في المائة المفروضة على صادرات مدن الإمبراطورية الأثينية ووارداتها قد بلغت في عام ٤١٣ ألفاً ومائتي وزنة، ومعنى هذا أن التجارة قد بلغت قيمتها ١٤٤. ٠٠٠. ٠٠٠ ريال أمريكي في ذلك العام.
وكان الخطر الكامن وراء هذا الرخاء هو اعتماد أثينة اعتماداً متزايداً على الحبوب المستورة من خارجها؛ ومن ثم كان حرصها على السيطرة على مضيق الهلسبنت والبحر الأسود، وإصرارها على استعمار السواحل والجزائر الواقعة في طريقها إلى المضايق، وحملتها المشئومة على مصر عام ٤٥٩، وعلى صقلية في عام ٤١٥. واعتمادها هذا هو الذي أغراها بتحويل حلف ديلوس إلى إمبراطورية أثينية؛ ولما أن دمر الأسبارطيون الأسطول الأثيني في مضيق الهلسبنت عام ٤٠٥، كان لابد أن تعاني أثينة آلام الجوع وأن تستسلم نتيجة لهذا التدمير. غير أن هذه التجارة هي التي جلبت الثراء لأثينة، وكانت مع خراج إمبراطوريتها عماد رقيها الثقافي، ذلك أن التجار الذين كانوا ينتقلون مع بضائعهم إلى جميع بقاع البحر الأبيض المتوسط كانوا يعودون إليها بنظرات إلى
стр. 2070
الحياة تختلف عن نظراتهم قبل خروجهم من بلدهم، وبعقول متيقظة متفتحة؛ وكانوا يأتون معهم بأفكار وأساليب جديدة، يحطمون بها القيود القديمة والخمول القديم، ويستبدلون بالتحفظ الأُسري الذي هو من طابع الأرستقراطية الريفية نزعة فردية تقدمية هي طابع الحضارة التجارية. وفي أثينة التقى الشرق بالغرب وبفضل هذا الالتقاء خرج كلاهما من أساليبه المألوفة العتيدة، وفقدت الأساطير القديمة سيطرتها على نفوس الناس، وزاد الفراغ، وشُجع البحث، ونشأ العلم والفلسفة، وأضحت أثينة أكثر مدن زمانها حيوية ونشاطاً.