← История

История · id 35104

قصة الحضارة

ول ديورانت

Полный текст (15 136 стр.). Показаны 2241–2280 · переход к 2246.

стр. 2241

شيء ما" (١٦٠). وكان منهم الشاب ألقبيادس المتهور الجريء الذي أساء بعدم وفائه إلى معلمه، وعرضه للأخطار في مستقبل الأيام، ولكنه كان في الوقت الذي نتحدث عنه يحب سقراط ويهيم به هيام الواله المتيم، والذي يقول فيه: "إنا إذا سمعنا متحدثاً غيرك، وإن كان من أحسن الناس حديثاً، لم يكن لألفاظه أثر قط إذا قورنت بألفاظك، أما نتف ألفاظك أنت يا سقراط، ولو لم نسمعها منك أنت بل نقلت إلينا عنك مهما أخطأ فيها الناقلون، أما هذه النتف فإنها تخلب الألباب وتستحوذ على نفس كل رجل أو امرأة وكل طفل يستمع إليها … وإني لأعرف أني إذا لم أصم أذني عن سماع أقواله وأفر من صوته الذي يسلب العقل للازمته حتى بلغ سن الشيخوخة وبقيت جالساً تحت قدميه … ولقد أحسست في نفسي أو قلبي … بذلك الألم الشديد الذي هو أشد إيلاماً لنفس الشاب الشريف من أنياب الأفاعي ألا وهو ألم الفلسفة … وأنت يا فيدروس وأنت يا أغاثون، وأنت يا إركسماكوس، وأنت يا بوزنياس، وأنت يا أرسطوديموس وأنت يا أرسطوفان، أنتم كلكم، ولا حاجة لي بأن أضم إليكم سقراط نفسه، قد طافت بكم هذه التجربة نفسها وشغفتم بالفلسفة شغفي أنا بها" (١٦١). وكان منهم الزعيم الألجركي كرتياس الذي كان يستمتع بتهكم سقراط على الديمقراطية والذي كانت له يد في إدانته بأن كتب مسرحية وصف فيها الآلهة بأنها من ابتداع مهرة الصناع الذين يستخدمونها كما يستخدم خفراء الليل ليرهبوا بها الناس ويرغموهم على حسن الأدب (١٦٢). وكان منهم أيضاً ابن الزعيم الدمقراطي أنيتوس Anytus وهو شاب آثر أن يستمع إلى حديث سقراط عن العناية بعمله وهو الاتجار في الجلود. وشكا أنيتوس من أن سقراط قد أفسد عقل الغلام بما بث فيه من تشكك، فلم يعد يبجل أبويه أو يعظم الآلهة؛

стр. 2242

هذا إلى أن أنيتوس كان يشمئز من نقد سقراط للديمقراطية (١) ويقول: "أي سقراط! إني أظنك مفرطاً في استعدادك لأن تتحدث بالشر عن الناس، فإذا قبلت نصحي أشرت عليك أن تصطنع الحذر، ولعله لا توجد قط مدينة ليس إيذاء الناس فيها أيسر من عمل الخير لهم، وتلك بلا شك حال أثينة نفسها" (١٦٤) وأخذ أنيتوس يتربص به الدوائر. ٣ - فلسفة سقراط وكان من وراء هذه الطريقة فلسفة مراوغة، تجريبية، تجري على غير نظام، ولكنها فلسفة بلغ من جديتها وحقيقتها أن مات الرجل في واقع الأمر من أجلها. وقد يبدو لأول وهلة أن ليست هناك فلسفة سقراطية، ولكن أكبر السبب في هذا أن سقراط قبل نزعة بروتاغوراس النسبية فرفض النزعة التحكمية ولم يكن واثقاً إلا من جهله. وقد حكم على سقراط لأنه لا يؤمن بالدين، ولكنه مع هذا كان يعبد آلهة المدينة بلسانه إن لم يعبدها بقلبه، ويشترك في احتفالاتها الدينية، ولم يعرف عنه أنه نطق مرة بكلمة تدل على عدم تقواه (١٦٦). وكان يعترف بأنه يتبع في جميع قراراته الهامة السلبية روحاً Diamonion داخلياً كان يصفه بأنه إشارة من السماء، ومن يدري فلعل هذا الروح كان هو الآخر سخرية من سخريات سقراط وتهكماته، فإن كان كذلك فإن سقراط لم يكن ينفك يؤكد دعواه هذه تأكيداً عجيباً، ولم تكن هذه الدعوى إلا مثلاً من أمثلة عدة لالتجاء سقراط إلى النبوءات والأحلام وقوله إنها وحي من عند الآلهة (١٦٧). وكان يقول إن في الكون من الأمثلة الدالة على التناسق المدهش العجيب، ومن الخطة الواضحة المرسومة، ما لا يصح معه

стр. 2243

أن يعزى وجود العالم إلى الصدفة المحضة أو إلى أية علة غير عاقلة، أما الخلود فلم يكن واثقاً منه مثل هذه الثقة أو قاطعاً في أمره هذا القطع، فهو يستمسك به ويدافع عنه في الفيدون Phaedo أما في الأبولوجيا Apology فهو يقول: "إذا جاز لي أن أدعي بأني أكثر حكمة من غيري فسبب ذلك أني لا أعتقد أن عندي كثيراً من العلم بالدار الآخرة، وأنا في واقع الأمر لا علم لي بها على الإطلاق" (١٦٨). ويطبق هذه النزعة اللا أدرية نفسها على الآلهة في كتابه الكراتلس فيقول: "أما الآلهة فلسنا نعرف عنها شيئاً" (١٦٩). وكان ينصح أتباعه بألا يجادلوا في مثل هذه الأمور، يسألهم كما يسأل كنفوشيوس أتباعه هل عرفوا شئون البشر حق المعرفة فأصبحوا بعدئذ على استعداد لأن يتدخلوا في شئون السماء (١٧٠)؟ وكان يحس أن خير ما نفعله في هذه الناحية أن نقر بجهلنا، وأن نطيع في الوقت نفسه وحي دلفي حين سئل كيف يعبد الإنسان الآلهة فأجاب: "حسب قانون بلادكم" (١٧١). وكان يطبق هذا التشكك نفسه تطبيقاً أشد من هذا صراحة في العلوم الطبيعية فيقول إن من واجب الإنسان ألا يزيد في دراستها على القدر الذي يهتدي به في حياته، أما فيما عدا هذا فإن هذه العلوم بيداء يضل فيها العقل، يكشف كل لغز غامض فيها حين يحل عن لغز آخر أشد منه غموضاً (١٧٢). وكان في شبابه قد درس العلوم الطبيعية مع أركلوس Archelaus، فلما كبر ونضج عقله تركها وهو يعتقد أنها أسطورة خداعة إلى حد ما، ولم يعد يهتم بالحقائق أو بأصول الأشياء بل وجه اهتمامه إلى القيم والغايات. وفي ذلك يقول أكسانوفون "إنه كان على الدوام يتحدث في البشرية (١٧٤). وكان السوفسطائيون أيضاً قد حولوا اهتمامهم من العلوم الطبيعية إلى الإنسان، وبدءوا يدرسون الإحساس، والإدراك والمعرفة، ولكن سقراط تعمق أكثر من هذا في داخل الإنسان وأخذ يدرس الأخلاق والأغراض البشرية: "قل لي يا يوثيديموس،

стр. 2244

هل ذهبت في حياتك إلى دلفي؟ ". " وهل لاحظت ما هو مكتوب على جدار الهيكل- أعرف نفسك؟ " "نعم لاحظته". "وهل لم تفكر في هذه الكتابة، أو هل عنيت بها، وحاولت أن تفحص عن نفسك وتعرف عن يقين حقيقة أخلاقك؟ " (١٧٥). فلم تكن الفلسفة إذن عند سقراط هي الدين، أو ما وراء الطبيعة، أو الطبيعة نفسها، بل كانت علم الأخلاق والسياسة، مدخلها والوسيلة إليها المنطق، وإذ كان قد عاش في ختام عصر السوفسطائيين فقد أدرك أن هذه الطائفة قد أوجدت حالة من أشد الحالات خطورة في تاريخ أية ثقافة من الثقافات وتلك هي إضعاف أحد الأسس التي تقوم عليها الأخلاق ونعني به خوارق الطبيعة. وبعد أن أدرك هذا لم يعد خائفاً مرتاعاً إلى الإيمان بالدين بل سلك السبيل إلى أعمق الأسئلة في علم الأخلاق: هل يستطاع وجود علم للأخلاق قائم على أساس من الطبيعة؟ أي هل يمكن أن تبقى الأخلاق من غير الاعتقاد بخوارق الطبيعة؟ وهل في مقدور الفلسفة إذا صاغت قانوناً قوياً أخلاقياً دنيوياً غير ديني أن تنقذ الحضارة التي تهددها حريتها الفكرية بالانهيار والزوال؟ وحين يقول سقراط في الأوطيفرون أن ليس الخير خيراً لأن الآلهة ترضى عنه، بل إن الآلهة ترضى عن الخير لأنه خير، حين يقول هذا يعرض في واقع الأمر ثورة فلسفته. ولم تكن فكرته عن الخير فكرة دينية، بل كانت فكرة دنيوية إلى حد يجعلها نفعية. فهو يرى أن الصلاح ليس فكرة عامة مجردة، ولكنها فكرة خاصة عملية فالصالح صالح لشيء ما"، والصلاح والجمال شكلان من أشكال المنفعة والفائدة البشرية، وحتى السلة من الروث تكون جميلة إذا أحسن إعدادها للغرض الذي تؤديه (١٧٦). وإذ لم يكن ثمة (في رأي سقراط) شيء غير المعرفة يعادلها في نفعها، فإن المعرفة هي أسمى الفضائل والرذيلة جميعها هي الجهل (١٧٨)، وإن كان المقصود بالفضيلة (Arete) هنا هو التفوق لا البراءة من الذنوب. والعمل الصالح غير مستطاع بغير المعرفة الحقة، وبالمعرفة الحقة يكون العمل الصالح أمراً محتوماً لا مفر منه،

стр. 2245

والناس لا يفعلون قط ما يعرفون أنه خطأ- أي مضاد للعقل، ضار بهم. وأسمى أنواع الخير السعادة، وخير سبيل للوصول إليها هي سبيل المعرفة أو الذكاء. ويقول سقراط إنه إذا كانت المعرفة هي أسمى الفضائل كانت الأرستقراطية خير أشكال الحكم، وكانت الديمقراطية سخفاً وعبثاً. وفي ذلك يقول أكسانوفون على لسان سقراط: "من السخف أن نختار الحكام بالقرعة على حين أن أحداً لا يفكر قط في أن يختار بالقرعة مرشد السفن أو البناء أو النافخ في الناي، أو أي صانع على الإطلاق، مع أن عيوب هؤلاء أقل ضرراً من عيوب أولئك الذين يفسدون حكوماتنا" (١٧٩). وهو يعيب على الأثينيين حبهم للتقاضي، وتحاسدهم الصاخب، ومرارة أحقادهم ومنازعاتهم السياسية، ويقول في ذلك: "ولهذه الأسباب تراني على الدوام أخشى أشد خشية أن يحل بالدولة شر تنوء به وتعجز عن تحمله" (١٨٠). وكان يظن أن لا شيء ينجي أثينة إلا حكم أصحاب المعرفة والكفاية، وليست السبيل إلى هذا الحكم هي الاقتراع، كما أن الاقتراع لا يصلح سبيلاً لتقدير كفاية مرشد السفن أو الموسيقى أو الطبي أو النجار. كذلك يجب ألا يختار موظفو الدولة على أساس جاههم أو ثرائهم، ذلك أن الاستبداد وسلطان المال لا يقل شرهما عن شر الديمقراطية. والسبيل الوسطى المعقولة هي النظام الأرستقراطي الذي تقصر فيه المناصب على الذين تؤهلهم لها عقولهم والذين يدربون على القيام بما تتطلبه من الواجبات (١٨١). على أن سقراط كان يعترف بما للديمقراطية الأثينية من مزايا رغم ما يوجهه إليها من نقد، ويقدر ما أسدته إليه من حريات وما أتاحته له من فرص. وكان يبتسم ساخراً من ميل بعض أتباعه للدعوة إلى "العودة إلى الطبيعة"، وقد وقف من أنستانس ومن الكلبيين نفس الموقف الذي وقفه فلتير من روسو فيما بعد- وهو أن الحضارة، رغم عيوبها الكثيرة، كنز ثمين لا يصح أن تتخلى عنه لتستبدل به البساطة الأولية (١٨٢). ومع هذا كله فقد كان الأثينيون ينظرون إليه نظرة الريبة والسخط، فأما

стр. 2246

المتمسكون منهم بالدين فقد كانوا يرونه أشد السوفسطائيين خطورة، لأنه وإن راعى ما في الدين القديم من أسباب المتعة والمسرة، رفض التقاليد المرعية، وأراد أن يخضع كل قاعدة من قواعده إلى حكم العقل بعد تقص وفحص، وأن يقيم قواعد الأخلاق على أساس ضمير الأفراد لا على أساس خير المجتمع أو أوامر الآلهة، وانتهى به الأمر إلى تشكك ترك العقل في حال من الاضطراب زعزعت كيان كل عادة وكل عقيدة. وكان الذين يمجدون الأيام الخوالي أمثال أرسطوفان يعزون إليه كما يعزون إلى بروتاغوراس ويوربديز زعزعة أركان الدين، وقلة احترام الصغار للكبار، والانحلال الخلقي عند الطبقات المتعلمة، وفوضى العزوبة التي كانت تقوض أركان الحياة الأثينية. ولقد كان الكثيرون من زعماء الحزب الألجركي من تلاميذ سقراط أو من أصدقائه، وإن كان هو نفسه قد أبى أن يؤيد هذا الحزب، ولما أن قام رجل منهم يدعى أقريتياس وقاد الألجركيين في ثورة بسطوا خلالها عهداً من الإرهاب الوحشي، اتهم الديمقراطيون أمثال أنيتوس، وملاتوس سقراط بأنه العقل المحرك للرجعية الألجركية، وأجمعوا أمرهم على إبعاده عن مجرى الحياة الأثينية. وأفلحوا فيما أجمعوا أمرهم عليه، ولكنهم لم يفلحوا في القضاء على ما كان من نفوذ لا حد لقوته. ذلك أن الطريقة الجدلية التي تلقاها عن زينون انتقلت منه عن طريق أفلاطون إلى أرسطاطاليس فحولها هذا إلى نظام منطقي بلغ من الكمال درجة استطاعت بها أن تبقى دون أن يطرأ عليها تغيير ما تسعة عشر قرناً كاملة. أما العلم فقد كان له فيه أثر ضار، ذلك أنه حول الطلاب من البحث في العلوم الطبيعية، كما أن نظرية الغرض الخارجي لم تكن من العوامل المشجعة للتحليل العلمي. وربما كان لنزعة سقراط الفردية والذهنية في علم الأخلاق بعض الأثر فيما أصاب الأخلاق في أثينة من انحلال، ولكن رفعها من شأن الضمير، وقولها إنه أعلى من القانون، أصبحا من العقائد الجوهرية في الديانة المسيحية. وقد انتقل الكثير

стр. 2247

من آرائه على أيدي تلاميذه فأصبح مادة جميع الفلسفات الكبرى في القرنين التاليين. وكان أقوى أسباب نفوذه هو المثل الذي ضربه للناس بحياته وأخلاقه، فلقد أضحى في التاريخ اليوناني شهيداً وقديساً، حتى لقد كان كل جيل يبحث عن مثل أعلى للحياة البسيطة والتفكير الجريء يعود إلى الماضي ليستمد من ذكرى سقراط غذاء لمثله العليا. وفي ذلك يقول أكسانوفون: "كلما فكرت في حكمة الرجل ونبل أخلاقه رأيت أن ليس في مقدوري أن أنساه أبداً، أو أن أحاجز نفسي عن الثناء عليه حين أذكره، وإذا كان من بين أولئك الذين جعلوا الفضيلة غايتهم لإنسان قد اتصل بشخص أكثر معونة له في هذا الغرض النبيل من سقراط، فإني أرى أن هذا الرجل خليق بأن يعد أسعد الناس على الإطلاق" (١٨٣).

стр. 2248

الباب السابع عشر أدب العصر الذهبي الفصل الأول بندار إن فلسفة عصر من العصور تصبح في الأحوال العادية أدب العصر الذي يليه، ذلك أن الآراء والمسائل التي يتجادل فيها الناس في ميدان البحث والتفكير تكون في الجيل التالي أساس مسرحياته وقصصه وشعره. لكن الأدب في بلاد اليونان لم يتأخر عن ركب الفلسفة، لأن الشعراء كانوا هم أنفسهم فلاسفة، يفكرون لأنفسهم، وكانوا في مقدمة أرباب العقل والتفكير في زمانهم. ولذلك فإن النزاع الذي قام بين التحفظ والتطرف والذي اضطرب به دين اليونان وعلومهم وفلسفتهم قد تردد صداه أيضاً في الشعر والتمثيل بل وفي كتابة التاريخ نفسه. وإذ كانت براعة الصورة الفنية قد اجتمعت في الأدب اليوناني إلى عمق التفكير، فقد وصل أدب العصر الذهبي إلى درجة من الرقي لم يصل إليها الأدب في العالم كله مرة أخرى إلا في عصر شكسبير ومنتاني. وبسبب هذا العبء الثقيل من الأفكار ولعدم وجود طبقة من الملوك أو الأشراف يناصرون الأدب ويشجعون الأدباء، كان القرن الخامس أقل غناء من السادس في الشعر الغنائي بوصفه فناً مستقلاً. وكان بندار أداة الانتقال بين العصرين: فقد ورث الصيغة الغنائية من العصر الذي قبله ولكنه ملأها

стр. 2249

بالفخامة المسرحية، ولم يلبث الشعر من بعده أن تخطى حدوده التقليدية وجمع في المسرحيات الديونيشية بين الدين، والموسيقى، والرقص لكي يصبح أداة أعظم من الأدوات السابقة للتعبير عن فخامة العصر الذهبي وعواطفه الجياشة. وكان بندار يعود بأصله إلى أسرة طيبية تعود بأصلها إلى أبعد العصور البدائية، وتدعى أنها تضم الكثيرين من الأبطال القدامى الذين خلد ذكرهم في شعره. وقد أورثه عمه، وهو موسيقي يجيد النفخ في الناي، كثيراً من حب الموسيقى، وشيئاً من براعته فيها، وأرسله أبوه إلى أثينة ليستزيد من هذا الفن، وفيها علمه لاسوس Lasus، وأجثكليز Agathocles تآليفه الغنائية الجماعية. ثم عاد إلى طيبة قبل أن يتم العقد الثاني من عمره أي قبل عام ٥٠٢ ق. م، وأخذ يدرس مع الشاعرة كورنا Corinna. وقد تبارى معها خمس مرات في الغناء أمام الجماهير وتغلبت عليه في المرات الخمس، ولكن كورنا كانت جميلة تسر الناظرين، والمحكمين كانوا رجالاً (١). وكان بندار يسميها خنزيرة، ويسمي سمنيدس غراباً، ويسمي نفسه نسراً. لكن شهرته رغم عيبه هذا قد ازدادت إلى حد جعل أبناء بلده يخترعون قصة يقولون فيها إنه بينما كان الشاعر نائماً في الحقل يوماً إذ حطت بضع نحلات على شفتيه وخلفت عليهما شهدها (٢). ولم يلبث أن كلف بإنشاء قصائد، يكافأ عليها بسخاء، في مدح الأمراء والأثرياء، واستضافته الأسر النبيلة في رودس، وتندوس، وكورنثة، وأثينة، وأقام وقتاً ما في بلاط الإسكندر الأول المقدوني، وتيرون الأكرغاسي، وهيرون الأول ملك سرقوصة، وكان فيها كلها شاعر هؤلاء الملوك. وكان عادة يؤجر على أغانيه مقدماً، كما لو أن مدينة في أيامنا هذه قد كلفت مؤلفاً موسيقياً أن يكرمها بتأليف قطعة غنائية تنشدها إحدى الفرق ويرقص على أنغامها الراقصون، ويتولى هو تنظيم الغناء والرقص. ولما أن عاد بندار إلى طيبة حوالي السنة الرابعة والأربعين من عمره، حيته المدينة وعدته أعظم هدية أهدتها بؤوتية إلى بلاد اليونان.

стр. 2250

وأخذ يعمل بجد في تلحين كل قصيدة من قصائده، وكثيراً ما كان يدرب المغنين على غنائها. وكتب ترانيم وأناشيد نصر للآلهة، وأغاني خمرية تغنى في أعياد ديونيشس، وأناشيد للعذارى تغنيها الفتيات، ومديحاً للمشهورين من العظماء، وأغاني للموائد، ومراثي للجنائز، وأغاني للنصر ينشدها الفائزون في المباريات الأثينية الجامعة. ولم يبق من هذه كلها إلا خمس وأربعون أغنية سميت باسم الألعاب التي تتغنى بمديح أبطالها. وليس لدينا من هذه الأغاني الخمس والأربعين إلا ألفاظها، أما موسيقاها فلم يبق منها أثر. ونحن إذا شئنا أن نحكم عليها كنا في وضع شبيه بوضع مؤرخ في مستقبل الزمان لديه نصوص مسرحيات فجنر التلحينية وليس لديه شيء من موسيقاها فحكم بأن فجنر هذا شاعر وليس مؤلفاً موسيقياً، ثم قدره مستنداً إلى الألفاظ التي كانت في وقت ما تصاحب ألحانه. أو كان عالماً صينياً لا يعرف شيئاً عن القصص المسيحي يقرأ ذات مساء في ترجمة عرجاء عشر تراتيل من وضع باخ Bach نزعت عنها موسيقاها ومراسمها الدينية. على هذا النحو يكون حكمنا على بندار من آثاره، فنحن إذا قرأنا أغانيه اليوم، أغنية بعد أغنية في سكون حجرة المكتب حكمنا أنه لا يماثلها شعر آخر في عصر اليونان الذهبي في بعث السآمة والكآبة. وليس في وسعنا أن نشرح تكوين هذه القصائد إلا بتشبيه كل منها بقطعة موسيقية، فلقد كان بندار يرى ما يراه سمنيدس وبكليدس Bacchylides وهو أن القالب الذي تصب فيه أغنية النصر قالب محتوم لا مفر منه شأنه في هذا شأن النغم الموسيقي الذي يوضع لمغن واحد ولآلة موسيقية واحدة في الأغاني الأوربية الحديثة. وكان يبدأ أولاً بإيراد موضوع الأغنية - وهو اسم اللاعب الذي نال الجائزة وقصته، أو اسم الشريف الذي فازت جياده في مباراة جر العربات. ويشيد بندار في العادة "بحكمة الإنسان، وجماله، واتساع شهرته" (٤). فهو في واقع الأمر لم يكن يهتم كثيراً بالموضوع الأصيل

стр. 2251

الذي يعرض له، بل كان يتغنى بمدح العدائين والمحاظي والملوك، ولم يكن يتردد في الرضاء بأن يتخذ أي طاغية يهبه المال مسرعاً نصيراً له وقديساً (٥) إذا ما أعانه على ذلك خياله الخصب وشعره المعقد الذي كان موضعاً لزهوه. ولم يكن يستنكف أن يتخذ أي شيء موضوعاً لقصائده سواء كان سباق البغال أو مجد الحضارة اليونانية على اختلاف أنواعها وفي كل مكان انتشرت فيه. وكان وفياً لطيبة، ولم يكن أكثر إلهاماً وتوفيقاً من وحي دلفي حين دافع عن حيادها في الحرب الفارسية، ثم استحى فيما بعد من غلطته هذه، وخرج عن مألوف عادته، وأثنى على زعيمة الدفاع اليوناني ووصفها بأنها "أثينة الذائعة الصيت، الغنية، المتوجة بالبنفسج، الجديرة بأن يتغنى بمدحها الشعراء، حصن هلاس الحصين، والمدينة التي تحميها الآلهة" (٦). ويقال إن الأثينيين وهبوه خمسة آلاف درخمة (٠٠٠ ر ١٠ ريال أمريكي) مكافأة له على القصيدة التي وردت فيها هذه الأبيات (٧)، وتقول روية أخرى أقل جدارة بالثقة من هذه إن طيبة فرضت عليه غرامة جزاء له على ما فيها من تعنيف خفي، وإن أثينة أدت عنه هذه الغرامة (٨). والجزء الثاني من أغاني بندار يتكون من مختارات من الأساطير اليونانية. وفي هذا أسرف بندار إسرافاً لا يشجع الإنسان على متابعة قراءته. وقد شكا من ذلك كورنا Corinna فقال أنه: "كان يبذر بالزكيبة لا باليد" (٩). وقد كانت للآلهة عنده مكانة عالية، فكان يعظمها ويستمد منها معظم موضوعاته. وكان الشاعر المحبب لكهنة دلفي، وقد حصل منهم في حياته على مزايا كثيرة، ولما مات كرمت روحه بأن دعيت إلى أن تنال نصيبها من باكورة الفاكهة التي تقدم في ضريح أبلو (١٠). وكان آخر من دافع عن الدين القويم، وإنَّ إسكلس على تقواه ليبدو إذا قورن به رجلاً زنديقاً. ولو أن بندار اطلع على قصيدة بروميثيوس المحرر ورأى ما فيها من تجديف في حق الآلهة لروعه هذا أشد الترويع. وهو يسمو أحياناً في فكرته عن زيوس إلى ما يقرب من التوحيد كقوله فيه:

стр. 2252

"المسيطر على كل شيء والمطلع على كل شيء" (١١). وهو يؤمن بالطقوس الغامضة الخفية ويرجو كما يرجو أورفيوس أن يكون مقره الجنة. وينادي بأن الروح البشرية من أصل إلهي وأن مآلها إلهي (١٢). وقد وصف يوم الحساب، والجنة، والنار وصفاً يعد من أقدم أوصافها فقال: "وبعد الموت مباشرة تعاقب الروح الخارجة على القانون، وينظر في الخطايا التي ارتكبت في مملكة زيوس واحدٌ يصدر فيها أحكامه الصارمة التي لا تنقص". "وفي ضياء الشمس الجميل يقيم المتقون لا فرق بين أيامهم ولياليهم في بهجتها وبهائها، ولا يفعلون ما كانوا يفعلونه في الأيام الخالية، يكدحون كدحاً كئوداً في حرث الأرض وإثارتها ليحصلوا على حاجاتهم الباطلة، أو يخوضون بسفنهم عباب البحر، بل يقيمون في نعيم دائم مع الآلهة العظام ويقضون معهم حياة خالية من الأحزان، يستمتعون فيها بسرور جزاء لهم على ما حفظوا من عهود هم على ظهر الأرض. وعلى بعد منهم نرى فريقاً آخر يقاسون ألوان العذاب ويقبعون في دياجير مظلمة لا ينفذ فيها البصر" (١٣). وكان القسم الثالث والأخير في أغاني بندار يتألف عادة من نصيحة خلقية. وليس من حقنا أن ننتظر منه في هذا القسم فلسفة عميقة؛ وذلك أن بندار لم يكن من أبناء أثينة، وأكبر الظن أنه لم يلق في حياته سوفسطائياً، ولم يقرأ لأحد من السوفسطائيين شيئاً، بل كان يوجه قواه العقلية بأجمعها إلى فنه، فلم تبق لديه قدرة على التفكير المبتكر الأصيل؛ وكان يكتفي بأن يستحث الرياضيين الفائزين، أو الأمراء الحاكمين، على أن يكونوا متواضعين يجلون الآلهة، ويوقرون بني جنسهم، ويحترمون أنفسهم. وكان ما بين الحين والحين يمزج اللوم بالمديح، وبلغ من الجرأة أن حذر هيرن Hieron ذات مرة عاقبة الشره (١٤). ولكنه لم يحاجز نفسه عن أن يقول كلمة طيبة في حق المال أخبث الطيبات كلها وأحبها إلى قلوب الناس. وكان يمقت الثوريين الصقليين، وقد حذرهم من عاقبة أمرهم بألفاظ

стр. 2253

لا تكاد تختلف عن ألفاظ كنفوشيوس: "إن من أسهل الأشياء حتى على الضعفاء أن يقوضوا مدينةً من أساسها؛ أما إعادتها إلى مكانها بعد تدميرها فتتطلب جهوداً مضنية وكفاحاً مريراً" (١٥). وكان يحب في أثينة دمقراطيتها المعتدلة بعد سلاميس؛ ولكنه كان يعتقد مخلصاً أن الأرستقراطية أقل أنواع الحكم ضرراً. ذلك بأنه كان يرى أن الكفاية متأصلة في الدم، لا تكتسب بالتعليم، وتنزع إلى الظهور في الأسرة التي ظهرت فيها من قبل. والدم الطيب وحده هو الذي يهيئ الخلق إلى القيام بالأعمال النادرة التي تجعل الحياة كريمة جديرة بأن يحياها الإنسان. "ما أقصر الحياة! أي شيء نكونه وأي شيء لا نكونه؟ الإنسان حلم يحوم حول خيال؛ أما إذا نزل عليه بهاء من قبل أحد الأرباب فإن هالة من المجد تحيط به وتصبح حياته حلوة ممتعة" (١٦). ولم يكن بندار محبباً إلى الجماهير في أثناء حياته، وسيظل بضعة قرون يستمتع بما يستمتع به من خلود لا حياة فيه أولئك الكتاب الذين يشيد الناس كلهم بذكرهم، ولا يقرأ أحد كتاباتهم. لقد كان يطلب من العالم أن يقف عن الحركة في الوقت الذي كان يتحرك فيه إلى الأمام، ومن أجل هذا خلفه العالم وراءه، حتى ليبدو أكبر سناً من ألكمان وإن كان أصغر من إسكلس. وقد كتب شعراً متقناً محبوكاً، معقداً ملتوياً، لا يقل في هذه الصفات كلها عن نثر تاستوس Tacitus، وكتبه بلهجة له خاصة مصطنعة تعمد أن يجعلها كلغة الأقدمين، وبأوزان متقنة دقيقة إلى درجة لم يعن معها أحد الشعراء بأن يحذو حذوه (١)، ومتنوعة تنوعاً لا نجد معه إلا أغنيتين اثنتين من بين أغانيه الأربع والخمسين ذواتا وزن واحد. وشعره غامض المعنى رغم سذاجة تفكيره، وقد بلغ هذا الغموض حداً يضطر معه النحاة إلى قضاء حياتهم كلها يحاولون حل تراكيبه

стр. 2254

الشبيهة بتراكيب اللغات التيوتونية، ثم لا يجدون بعد هذا العناء إلا عبارات طنانة جوفاء. وإذا كان بعض الطلعة من العلماء لا يزالون يقبلون على قراءة شعره رغم هذه العيوب، ورغم جموده وتمسكه الشديد بالشكليات واصطناعه التشبيهات المنتفخة، وإثقال هذا الشعر بالأساطير المملة، إذا كان بعضهم لا يزالون على قراءته رغم هذا كله فما ذلك إلا لما فيه من قصص واضح تتتابع حوادثه سراعاً، ولإخلاصه في مبادئه الأخلاقية، ولروعة لغته التي ترفع أتفه الموضوعات إلى سماء العظمة، وإن كانت لا تحتفظ بمكانها فيها إلا زمناً قصيراً. وعاش بندار حتى بلغ الثمانين من العمر، متحصناً في طيبة من اضطراب التفكير الأثيني، وقد تغنى بذلك في شعره فقال: "ما أحب موطن الإنسان إلى قلبه، وما أعز رفاقه، وأقاربه، يعيش بينهم قانعاً راضياً. أما الحمقى فيحبون الأشياء الفانية" (١٧). ويقال إنه قبل أن ينصرم أجله بعشرة أيام (٤٤٢) أرسل إلى مهبط وحي أمون يسأله: "ما أحسن الأشياء للإنسان؟ " فكان جواب الوحي في مصر كجواب الوحي في بلاد اليونان "الموت" (١٨). وأقامت أثينة تمثالاً له أنفقت عليه من الأموال العامة، ونقش أهل رودس أغنيته الأولمبية السابعة - التي يمدح فيها جزيرتهم - بحروف من ذهب على جدار هيكل من هياكل الجزيرة. ولما أن أمر الإسكندر الأكبر بإحراق طيبة الثائرة ودك أبنيتها في عام ٣٣٥، حذر جنوده أن يمسوا بسوء البيت الذي عاش فيه بندار ولقي فيه ربه.

стр. 2255

الفصل الثاني ملهى ديونيشس ورد في معجم سويداس The Lexicon of Suidas أنه حدث في أثناء تمثيل مسرحية من تأليف براتيناس Pratinas حوالي ٥٠٠ ق. م أن سقطت المقاعد الخشبية التي كان النظارة يجلسون عليها، وأن أصيب بعضهم بجروح، وأن استولى الذعر عليهم، وأن الأثينيين شادوا بعد هذا الحادث ملهى من الحجر إلى المنحدر الجنوبي للأكربوليس وهبوه للإله ديونيشس (١). ثم شيدت ملاه أخرى على غراره في المائتي عام التالية في إرتريا Eretria، وإبدورس، وأرغوس، ومنتينيا Mantinea، ودلفي، وتورومينيوم Tauromenium (تورومينا Tauromina) ، وسرقوصة، وغيرها من المدائن في مختلف أنحاء العالم اليوناني. ولكن مسرح ديونيشس هو الذي مثلت عليه المآسي والمسالي الكبرى في أول الأمر، وهو الذي ناضل أشد النضال في المعركة التي احتدمت بين الدين القديم والفلسفة الحديثة، والتي ربطت أجزاء التاريخ الفكري لعصر بركليز، وجعلته عملية كبيرة واسعة النطاق من عمليات التفكير والتغيير. ولا حاجة بنا إلى القول بأن الملهى العظيم كان مكشوفاً للسماء. وأن مقاعده الخمسة عشر ألف كانت ترتفع على شكل نصف دائرة كالمروحة، ومشيدة من

стр. 2256

القرميد مطلة على البارثنون، ومتجهة نحو جبل هيمتس Hymettus والبحر. ومن أجل هذا فإن أشخاص المسرحية حين ينادون الشمس والنجوم والبحار، كانوا ينادون حقائق واقعية يستطيع معظم النظارة، وهم يستمعون إلى الحديث أو الغناء، أن يروها ويشعروا بوجودها. وقد صنعت المقاعد من الخشب أولاً، ثم من الحجارة بعدئذ، ولم تكن لها مساند خلفية؛ وكان كثيرون من النظارة يأتون معهم بوسائد يجلسون عليها، ولكنهم كانوا يحضرون خمس مسرحيات في اليوم الواحد دون أن يسندوا ظهورهم إلى شيء معروف لنا غير ركب من خلفهم من النظارة، وهي بلا ريب مساند غير مريحة. وكان في الصفوف الأمامية عدد قليل من المقاعد الرخامية ذات الظهور يجلس عليها كبار كهنة ديونيشس المحليين وموظفو المدينة (١). وكان عند قاعدة منصة الخطابة مكان للرقص وللمغنين، وكان من خلفها بناء خشبي صغير يسمى الاسكيني Skene أو المنظر، يتخذ تارة لتمثيل قصر، وتارة لتمثيل معبد، أو بيت خاص، وأكبر الظن أنه كان يستخدم فوق هذا لجلوس الممثلين حين لا يكونون على المسرح يمثلون أدوارهم (٢). وهناك معدات بسيطة "كمذابح" القرابين، والأثاث وما إليها مما قد تحتاجه المسرحية؛ وأخرى كالمناظر والملابس يؤتى بها عند تمثيل مسرحية لأرسطوفان (٢٠) وقد صور أجاثاركس الساموسي عدة مناظر تصويراً توهم الرائي بوجود مسافات بينها. وكانت هناك عدة وسائل آلية تساعد على تغيير مجرى الحوادث أو مكانها (٣). من ذلك أنه إذا أريد إظهار انتهاء

стр. 2257

حادثة من الحوادث داخل المنظر دار سطح خشبي (Ekkyklema) على عجل إلى خارج المسرح وصنعت عليه صور بشرية بطريقة تعبر أمام النظارة ما حدث، وقد توضع عليه جثة ومن حولها القتلة وبأيديهم أسلحتهم ملوثة بالدماء، ولم يكن من تقاليد التمثيل اليوناني أن تمثيل الحوادث العنيفة على المسرح مباشرةً. وكان على جانبي صدر المسرح لوحة كبيرة منشورية الشكل مثلثة تتحرك على محور لها، وقد رسم على كل وجه من أوجه المنشور منظر يخال ما على الوجه الآخر، فإذا أديرت هذه الأوجه تغير المنظر في لمح البصر. وكان أعجب من هذا جهاز آخر يتكون من آلة رافعة ذات بكرة وأثقال توضع على يسار المسرح وتستخدم في إنزال الآلهة أو الأبطال من "السماء" إلى المسرح أو إعادتهم إلى "السماء" أو إظهارهم معلقين في الهواء بين السماء والأرض. وكان يوربديز بنوع خاص مولعاً باستخدام هذه الآلة لإنزال إله يحل بتقواه ما في مسرحياته اللا أدرية من تعقيد. ولم تكن المأساة في أثينة من الشئون الدنيوية أو الأعمال التي تتكرر طول العام، بل كانت جزءاً من الاحتفال السنوي بعيد ديونيشس (١). وكانت تعرض على الأركون بهذه المناسبة عدة مسرحيات يختار منها عدداً قليلاً ليمثل في هذا العيد. وكانت كل قبيلة من القبائل العشر في أتكا تختار واحداً من مواطنيها الأثرياء يشرف على جوقة المرتلين. وكان من امتيازاته أن يؤدي نفقات تدريب المغنين، والراقصين، والممثلين، وما إلى ذلك من النفقات التي يتطلبها تمثيل إحدى المسرحيات. وكان المشرف ينفق في بعض الأحيان مبالغ طائلة على إعداد المناظر والملابس وتدريب الممثلين. وبهذه الطريقة كانت كل مسرحية ينفق عليها نيسياس تنال جائزة (٢١). وكان بعض المشرفين الآخرين يقتصدون في

стр. 2258

هذه النفقات باستئجار ملابس مستعملة من باعة ملابس التمثيل (٢٢). وكان واضع المسرحية هو الذي يقوم عادة بتدريب جوقة المرتلين. وكانت هذه الجوقة أهم عناصر التمثيل وأكثرها نفقة من عدة وجوه. وكثيراً ما كانت المسرحية تسمى باسمها، وعن طريقها كان الشاعر في أكثر الأحيان يعبر عن آرائه في الدين والفلسفة. وتاريخ التمثيل اليوناني كفاح خاسر تقوم به جوقة المرتلين للسيطرة على المسرحية. ولقد كانت هي في بادئ الأمر كل شيء فيها، ثم نقص شأنها في ثسبيس وإسكلس، كلما زاد عدد الممثلين، ثم اختفت نهائياً في مسرحيات القرن الثالث. ولم تكن الجوقة تتألف عادة من مغنين محترفين، بل كانت تتألف من هواة يختارون من الكشوف المحتوية على أسماء أبناء القبيلة المدنيين. وكانوا جميعاً من الرجال، وكان عددهم بعد إسكلس خمسة عشر رجلاً، وكانوا يقومون بالرقص والغناء معاً ويسيرون في موكب مهيب فوق المسرح الطويل العتيق، يشرحون بحركاتهم الموزونة ألفاظ المسرحية ومواقفها. وكان للموسيقى في المسرحيات اليونانية شأن لا يعلو عليه إلا شأن الشعر والتمثيل نفسه، وكان المؤلف هو الذي يضع عادةً موسيقى المسرحية كما يضع ألفاظها (٢٣). وكان معظم الحوار يلقى بشكل أحاديث أو خطب حماسية، وكان بعضه ينشد، ولكن الأدوار الهامة كانت تحتوي على قطع غنائية يغنيها شخص واحد أو شخصان أو ثلاثة أشخاص معاً، أو تنشد مع النشيد الجماعي أو تتعاقب معه (٢٤). وكان الغناء بسيطاً غير مقسم إلى أدوار أو ألحان متوافقة. وكان يصحبه في العادة نفخ في الناي يوافق أنغام المغنين نغمة بعد نغمة. وبهذه الطريقة كان في وسع النظارة أن يتابعوا ألفاظ القصيدة دون أن تضيع في نغمات الغناء. وليس في وسعنا أن نحكم على هذه المسرحيات بقراءتها قراءة صامتة، ذلك أن الألفاظ

стр. 2259

عند اليونان لم تكن إلا صورة فنية معقدة ينسج منها الشعر، والموسيقى، والتمثيل، والرقص، وتتألف منها كلها وحدة عميقة متحركة (١). ولكن المسرحية رغم هذا هي أهم شيء، والجائزة تمنح لها أكثر مما تمنح للموسيقى، وتمنح للتمثيل أكثر مما تمنح للمسرحية؛ وكان في وسع الممثل الماهر أن يرفع من شأن مسرحية متوسطة فتفوز هي بالجائزة (٢٦). ولم يكن الممثل - وهو دائماً من الذكور - شخصاً محتقراً كما كانت الحال في رومة؛ بل كان يكرم أعظم تكريم، فيعفى من الخدمة العسكرية، ويمر آمناً بين صفوف الجند في زمن الحرب. وكان يلقب هبكريتسس Hypokrites، وكان معنى هذا اللفظ عندهم هو المجيب، أي المجيب على النشيد الجماعي. ولم يؤد الدور الذي يقوم به الممثل من انتحال شخصية إنسان آخر إلى تغيير معنى هذه الكلمة فيصبح معناها "المنافق" إلا بعد ذلك العهد. وكان الممثلون يؤلفون لهم طائفة أو نقابة قوية تسمى نقابة "الفنانين الديونيشيين"، انتشر أعضاؤها في جميع بلاد اليونان؛ وكانت جماعات من الممثلين تنتقل من مدينة إلى أخرى، يؤلفون مسرحياتهم ويلحنون موسيقاها، ويصنعون ملابسهم، ويقيمون مسارحهم. وكان دخل كبار الممثلين عظيماً كما هو شأنهم في جميع الأوقات، أما المتوسطون منهم فكان دخلهم قليلاً مزعزعاً (٢٧)؛ وكانت أخلاقهم هي الأخلاق التي يتوقع الإنسان وجودها في أقوام يتنقلون من مكان إلى مكان، وتختلف معيشتهم بين الترف والفقر، يمنعهم توتر أعصابهم من أن يحيوا حياة سوية مستقرة.

стр. 2260

وكان الممثل في المآسي والمسالي على السواء يلبس على وجهه قناعاً، يركب فيه عند فمه مبسم من الشبهان. وكانت طريقة تنظيم الصوت في الملهى اليوناني، ووضع المسرح بحيث يراه الجالس في أي مقعد من المقاعد، طريقة فذة مدهشة. على أن اليونان مع هذا رأوا أنه يحسن بهم أن يقووا صوت الممثل، وأن يساعدوا عين الناظر البعيد على تمييز مختلف أشخاص الرواية، وكانوا يضحون في سبيل هذا بكل مميزات الصوت والوجه وتعبيراتها. فإذا كانوا يمثلون على المسرح أشخاصاً حقيقيين مثل يوربديز في مسرحية إكلزيازوسي، وسقراط في مسرحية السحب، فإن الأقنعة كانت تحاكي ملامحهم الحقيقية، وتحاكيها في الغالب محاكاة هزلية. وقد جاءت الأقنعة إلى المسرحيات من طريق التمثيل الديني، وكانت فيها من وسائل الإرهاب أو الفكاهة. وقد ظلت تسير على هذه السُنَّة في المسالي؛ وكان فيها من القبح، وغرابة الشكل، والإسراف في هذا كل ما يستطيع خيال اليونان أن يبتدعه. وكانت الوسائد والمساند تزيد من أجسام الممثلين، والقلانس العالية والأحذية ذات النعال السميكة تزيد من أطوالهم، كما كانت الأقنعة تقوي أصواتهم وتزيد في وجوههم. وقصارى القول أن الممثل القديم كان، كما يقول لوشيان، شخصاً ذا "منظر بشع مفزع" (٢٨). وليس النظارة أقل جدارة باهتمامنا من المسرحية نفسها. لقد كان الدخول لمشاهدة التمثيل مباحاً لجميع الرجال والنساء من كافة الطبقات (٢٩). وكان جميع المواطنين بعد عام ٤٢٠ ق. م. يعطون من الدولة الأبلتين اللتين يؤدونهما أجراً للدخول إذا كانوا في حاجة إليهما. وكان النساء يجلسن بمعزل عن الرجال كما كان للسراري مكان خاص بهن؛ وقد جرت العادة أن تمنع النساء الساقطات من حضور المسرحيات إلا إذا كانت المسرحية مسلاة (٣٠).

стр. 2261

وكان النظارة جماعة مرحين ليسوا أحسن ولا أسوأ أخلاقاً من أمثالهم في غير بلاد اليونان. وكانوا وهم يشاهدون التمثيل ويستمعون إليه يأكلون البندق والفاكهة ويشربون الخمر. وكان أرسطاطاليس يقترح أن تقدر قيمة إخفاق المسرحية بمقدار ما يؤكل من الطعام في إثناء تمثيلها. وكانوا يتنازعون المقاعد، ويصفقون ويصرخون لمن يحبون من الممثلين، ويصفرون ويزمجرون حين يغضبون؛ فإذا رأوا ما يدعوا إلى احتجاج أقوى من هذا، دفعوا المقاعد بأقدامهم إلى الأرض، وإذا ثاروا أخرجوا الممثل عن المسرح بالزيتون أو التين أو الحجارة (٣١). وكاد إسكنيز أن يلقى حتفه رجماً بالحجارة عقاباً له على وضع مسرحية بغيضة، وكاد إسكلس أن يقتل لأن النظارة اعتقدوا أنه أفشى بعض أسرار الطقوس الإليوزينية الغامضة. وقد حدث أن استعار موسيقى كمية من الحجارة ليبني بها بيتاً، ووعد من استعارها منه أن يردها إليه مما سيجمعه من عمله في المسرحية التالية (٣٢). وكان الممثلون في بعض الأحيان يستأجرون جماعة من المصفقين، لكي يطغى تصفيقهم على ما يخشونه من صفير النظارة، وكان بعض الممثلين الهزليين يلقون بالبندق إلى النظارة يرشونهم به لكي يظلوا هادئين (٣٣). وكان النظارة يستطيعون إذا شاءوا أن يحولوا دون إتمام التمثيل بما يحدثونه من ضجة متعمدة، ويحتمون تمثيل المسرحية الثانية (٣٤). وبهذه الطريقة كان يمكن اختصار البرنامج التمثيلي إلى الحد الذي يطيقونه. وكان التمثيل في مدينة ديونيشيا يدوم ثلاثة أيام، تمثل في كل منها خمس مسرحيات - ثلاث مآس ومسرحية خرافية يكتبها شاعر، ومسلاة يكتبها شاعر آخر (٣٥). وكان التمثيل يبدأ في الصباح الباكر ويستمر إلى ما بعد الغروب؛ ولم تكن مسرحية ما تمثل مرتين في ملهى ديونيشس إلا في أحوال نادرة،

стр. 2262

فإذا لم يشاهدها بعضهم في ملهى هذه المدينة استطاع أن يشاهدها في ملاهي غيرها من المدن اليونانية، أو أن يشاهدها ممثلة تمثيلاً أقل روعة على مسرح قروي في أتكا. وبلغ عدد المسرحيات الجديدة التي مثلت في أثينة بين عامي ٤٨٠، ٣٨٠ نحو ألفي مسرحية (٣٦). وكانت الجائزة التي تمنح لأحسن المآسي الثلاث عنزة، والتي تمنح لأحسن مسلاة سلة ملأى بالتين وزقاً من الخمر؛ أما في العصر الذهبي فكانت الجوائز الثلاث التي تمنح للمأساة، والجائزة الوحيدة التي تمنح للمسلاة، بدرة من المال تقدمها الدولة. وكان المحكمون العشرة يختارون بالقرعة في الملهى نفسه في صباح اليوم الأول من أيام المباراة، وكانوا يختارون من بين ثبت طويل يحتوي أسماء من يرشحهم المجلس لهذا الغرض، فإذا انتهت المسرحية الثالثة كتب كل قاضٍ على لوحة ما يختاره من المسرحيات لنيل الجوائز الأولى والثانية والثالثة، ثم وضعت اللوحات جميعها في قارورة ليختار الأركون خمساً منها حيثما اتفق. وهذه الأحكام الخمسة مجتمعة تنال الجائزة النهائية، أما الخمسة الثانية فتتلف دون أن تقرأ. ولهذا فإن أحداً من الناس لم يكن يعرف مقدماً من هم القضاة، أو أيهم سيكون الحكَم فعلاً. على أنه كان يحدث في بعض الأحيان ورغم هذه الاحتياطات أن تقدم الرشا للمحكمين، أو أن يرهبوا لكي يحكموا لشخص بعينه. ويشكو أفلاطون من أن القضاة لخوفهم من الجماهير كانوا في كل مرة تقريباً يقضون حسب ما يوحي به تصفيق الجماهير، ويقول إن هذا "الحكم المسرحي" يفسد المؤلفين والنظارة جميعاً (٣٨). فإذا انتهت المباراة توج الشاعر الفائز ومنظم فرقة المنشدين بالحلباب (١)، وكان الفائزون في بعض الأحيان يقيمون نصباً كالنصب الذي أقيم لليسكراتس Lysicraltes، ليخلدوا به فوزهم. وكان الملوك أنفسهم يتبارون لنيل هذا التاج.

стр. 2263

ويقرر حجم الملهى وتقاليد الاحتفال طبيعة المسرحيات اليونانية إلى حد بعيد. وإذ كان من غير المستطاع إظهار الفروق الضعيفة بين الشخصيات بملامح الوجه أو تغيير نبرات الصوت، فقد كانت الدقة في تصوير شخصيات المسرحية قليلة الوجود في الملهى الديونيشي. لقد كانت المسرحيات اليونانية دراسة للأقدار أي للإنسان في كفاحه مع الآلهة، أما المسرحيات التي كتبت في عصر الملكة إليزابيث فكانت دراسة في تتابع الحوادث أي دراسة للإنسان في صراعه مع أخيه الإنسان، وكانت الجيدة منها دراسة في الأخلاق أي دراسة للإنسان في صراعه مع نفسه. وكان النظارة اليونان يعرفون مقدماً مصير كل شخصية من الشخصيات الممثلة، كما يعرفون نتيجة كل حادثة من حوادث التمثيل؛ ذلك بأن العادات الدينية كان لا يزال لها في القرن الخامس من القوة ما يكفي لتحديد موضوع المسرحيات الديونيشية بحيث لا يخرج عن قصة من الأساطير والخرافات الشائعة عند اليونان الأولين (١). ولم يكن في المسرحية شيء من ترقب النتائج غير المعروفة أو من المفاجآت، بل كان فيها بدلاً من هذا لذة الشعور السابق بالنتائج المرتقبة ومعرفة ما سيكون قبل وقوعها. وكان مؤلفو المسرحيات جيلاً بعد جيل يقصون على النظارة أنفسهم القصة بعينها؛ ولم يكن بينهم اختلاف إلا في الشعر، والموسيقى، والتفسير، والفلسفة. وحتى الفلسفة نفسها كانت

стр. 2264

تحددها التقاليد إلى حد كبير: فترى الموضوع الرئيسي في مسرحيات إسكلس وسفكليز هو العقاب الذي تفرضه الآلهة الحاسدة أو الأقدار اللاشخصية جزاء على التعاظم الوقح والتكبر عليها وعدم تعظيمها؛ والمغزى الذي يتكرر على الدوام هو ما في إطاعة صوت الضمير والشرف وما في الاعتدال المتواضع من حكمة بالغة. وإن اجتماع الفلسفة بالشعر، وبتتابع الحوادث، والموسيقى، والغناء والرقص هو الذي جعل المسرحيات اليونانية من طراز جديد في تاريخ الأدب. وهو الذي جعلها ترقى منذ نشأتها تقريباً إلى درجة من العظمة والفخامة لم ترق إلى مثلها فيما بعد.

стр. 2265

الفصل الثالث إسكلس ونقول تقريباً عامدين، فكما أن وجود عدد كبير من ذوي المواهب المتوارثة والمتتابعة يمهد السبيل إلى ظهور العباقرة، فإن كاتباً مسرحياً، لا نرى خيراً من أن ننسى اسمه وأن نكرمه رغم هذا النسيان، قد عاش بلا ريب بين ثسبيس وإسكلس. ولعل وقوف أثينة الموفق في وجه الفرس هو الذي بعث فيها العزة والقوة الدافعة اللتين لابد منهما لوجود عصر المسرحيات الكبرى، كما أن الثروة التي أتت بها التجارة والإمبراطورية في أعقاب الحرب قد أعانت على قيام المباريات الديونيشية في الأغاني والمسرحيات الغنائية. وكان إسكلس يحس في قرارة نفسه بهاتين العزة والقوة الدافعة، فكان ككثيرين غيره من كتاب اليونان في القرن الخامس يكتب ويستمتع بالحياة، ويعرف كيف يعمل وكيف يتكلم. وأخرج في عام ٤٩٩ وهو في السادسة والعشرين من عمره مسرحيته الأولى؛ وفي عام ٤٩٠ حارب هو وأخواه في واقعة مرثون وأظهروا من الشجاعة ما جعل أثينة تأمر بعمل صورة تخلد بها بطولتهم؛ وفي عام ٤٨٤ نال جائزته الأولى في العيد الديونيشي؛ وفي عام ٤٨٠ حارب في أرتميزيوم وسلاميس، وفي عام ٤٧٩ في بلاتيه؛ وفي ٤٧٦، ٤٧٠ زار سرقوصة واستقبل بمظاهر التكريم في بلاط هيرون الأول؛ وفي ٤٦٨ انتزع منه سفكليز الشاب الناشئ الجائزة الأولى للمسرحية بعد أن ظل هو مسيطراً على الأدب الأثيني جيلاً كاملاً، وفي عام ٤٦٧ عاد إلى مكانته العليا على أثر ظهور مسرحيته "سبعة ضد طيبة"، وفي عام ٤٥٨ نال آخر انتصاراته وأعظمها بإخراج أورستيا مسرحيته الثلاثية؛ وفي عام ٤٥٦ عاد إلى صقلية، حيث وافته منيته في تلك السنة نفسها.

стр. 2266

وكانت الحاجة ماسة إلى رجل بهذه الهمة ليصوغ المسرحية اليونانية في صورتها النهائية؛ فقد كان إسكلس هو الذي أضاف ممثلاً ثانياً إلى الممثل الأول الذي أخرجه ثسبيس من بين فرقة المغنين، وأتم بذلك نقل الترتيلات الديونيشية من قصيدة دينية غنائية إلى مسرحية (١)، وكتب سبعين (ويقول بعضهم تسعين) مسرحية، لم يبق منها إلا سبع. وليست الثلاث الأولى من هذه المسرحيات ذات شأن كبير (٢)؛ وأشهرها كلها مسرحية بروميثيوس المقيد وأعظمها هي التي تتكون منها مسرحية أورستيا الثلاثية. وقد تكون مسرحية بروميثيوس المقيد هي الأخرى جزءاً من مسرحية ثلاثية وإن لم نجد مؤرخاً قديماً يؤيد هذا الظن. فنحن نسمع عن مسرحية دينية تدعى بروميثيوس جالب النار، ولكنها كانت تمثل مستقلة عن مسرحية بروميثيوس المقيد في مجموعة أخرى من المسرحيات (٤١). ولدينا قطع صغيرة باقية من مسرحية بروميثيوس الطليق من تأليف إسكلس؛ وتكاد هذه القطع أن تكون خالية من المعاني، ولكن العلماء الحريصين يؤكدون لن أننا لو حصلنا على نص المسرحية كاملاً لوجدنا إسكلس يجيب إجابة مقنعة عن جميع الضلالات التي تُنطق بها المسرحية الحالية بطلها. وحتى لو أخذنا بهذا الرأي فإنا لا يسعنا إلا أن نعجب كيف يطيق النظارة الأثينيون الاستماع إلى تجديف هذا الجبار في حق

стр. 2267

الآلهة في عيد ديني. ونجد بروميثيوس في مستهل المسرحية مشدوداً إلى صخرة في جبال القوقاز شده إليها هفستس Hephaestus بأمر زيوس حين غضب على بروميثيوس لأنه علم الآدميين فن النار ويقول هفستس: يا ابن ثميس يا حصيف الرأي يا حكيم! لقد كتب عليك أن تشد بالأغلال إلى هذه الصخرة العالية التي لا يرقاها إنسان ولا تسمع فيها صوت آدمي أو ترى وجه أحد ممن كنت تحبهم، وحيث تذبل زهرة جمالك محترقة في حر الشمس اللافح الصافي. وسيقبل الليل مزادنا بالنجوم وتتسلى بضلاله، فإذا طلعت الشمس بددت بأشعتها صقيع الصباح؛ ولكن شعورك ببلواك الحاضرة يقض مضجعك مهما يكن ما تتعرض له من أخطار، لأن أحداً لا يمد يده لحل وثاقك. إن هذا هو الذي تجنيه من حبك لبنى الإنسان، لأن زيوس شديد صارم، ولأن الملوك المحدثين قساة غلاظ الأكباد وبتحدي بروميثيوس، وهو معلق في الصخرة لا حول له ولا طول، رب أولمبيس، ويعد في زهو وكبرياء الخطوات التي نقل بها الحضارة إلى الخلائق الأولين الذين كانوا حتى ذلك الوقت: يعيشون كالنمل الأخرق تحت الثرى في الكهوف الخاوية التي لا تدخلها أشعة الشمس، ولا تصل إليها دلائل على حلول الشتاء، ولا يعطرها شذى أزهار الربيع، ولا تملؤها فاكهة الصيف؛ ولكنهم كانوا يعملون كل شيء وهم عمى البصائر لا يخضعون لقانون، حتى علمتهم كيف تشرق النجوم وتغرب

стр. 2268

في أماكن خافية على عقولهم؛ واخترعت لهم العدد باعث الفلسفة، وعلمتهم تركيب الحروف، ووهبت لهم الذاكرة صانعة كل شيء، وأم التفكير الحلو الجميل. وكنت أول من ذلل الحيوان لخدمة الإنسان … وأنا دون سواي الذي ابتدعت السفن … وأنا الذي اخترعت كل هذه الفنون لبنى الإنسان لا أجد الآن وسيلة أنجي بها نفسي" (٤٣). وتحزن الأرض كلها لحزنه، "فإذا تلاطمت أمواج البحر صرخت، وخرج من أعماق البحار أنين حزين، وانبعث من كهوف الموتى عويل". وترسل الأمم كلها تعازيها إلى هذا السجين السياسي، وتأمره أن يذكر أن الألم يطوف بكل الخلائق، "فالحزن يسير في الأرض، ويجلس عند قدمي المخلوقات واحداً بعد واحد"، ولكنهم لا يفعلون شيئاً لإنقاذه. ويشير عليه "أقيانوس" بالخضوع لزيوس "لأن الذي يحكم، يحكم بالقسوة لا بالحق"؛ وتعجب الأقيانوسات بنات البحر ولا تدري هل الإنسانية جديرة بأن يعذب أحد من أجلها فيصلب على هذا النحو؛ "لقد كانت تضحيتك هذه أيها الحبيب تضحية لا جدوى منها. ألم تر الجنس البشري ضعيفاً في جهده ونشاطه، يتألف من حالمين خياليين مكبلين بالأغلال؟ " (٤٤). ومع هذا فإن تلك البنات يعجبن به إعجاباً يحملهن على البقاء إلى جانبه حين يهدده زيوس بإلقائه إلى طرطروس Tartarus ليواجهن معه الصاعقة التي تقذف به وبهن إلى الهاوية. غير أن بروميثيوس تمنع عنه راحة الموت لأنه من الآلهة ومن أجل ذلك يرفع في الخاتمة المفقودة للرواية الثلاثية من طرطروس ليشد مرة أخرى إلى صخرة جبلية، ويرسل زيوس نسراً ينخر قلب المارد الجبار. لكن القلب ينمو بالليل بنفس السرعة التي ينخره بها النسر بالنهار، وبهذه الطريقة يقاسي بروميثيوس العذاب مدى ثلاثة عشر جيلاً من أجيال الآدميين. ثم يقتل الجبار الرحيم هرقل النسر ويقنع زيوس بفك أغلال

стр. 2269

بروميثيوس، ويندم هذا على فعلته ويصطلح مع زيوس القادر على كل شيء، ويضع في إصبعه الخاتم الحديدي رمز الضرورة. وفي هذه المسرحية الثلاثية القوية يكرر إسكلس موضوع المسرحيات اليونانية - وهو كفاح الإرادة البشرية ضد القدر المحتوم - وموضوع حياة بلاد اليونان في القرن الخامس - وهو الصراع بين الفكر الثائر والإيمان التقليدي. والنتيجة التي يستخلصها نتيجة غير صريحة، ولكنه يدرك قضية الثائر ويحبوها بعطفه كله؛ ولسنا نجد حتى في مسرحيات يوربديز مثل ما نجده هنا من النظرة الانتقادية لرب أولمبس، وما أشبه هذه المسرحية بالفردوس المفقود يحتل فيها الملك الساقط مكان بطل القصة رغم ما يتصف به الشاعر من تقى وصلاح. والراجح أن ملتن كان كثيراً ما يذكر بروميثيوس وهو يؤلف الخطب البليغة التي ينطق بها الشيطان. وكان جوته مولعاً بهذه المسرحية، واتخذ بروميثيوس أداة يعبر بها عن نزعة الشباب الجامح؛ أما بيرن فقد اتخذه نموذجاً ينسج على منواله طول حياته؛ وأعاد شلي Shelley، وهو الذي كان على الدوام هدفاً لنوب الدهر، القصة إلى الحياة في قصيدته المشهورة بروميثيوس الطليق التي لا يخضع فيها الجبار الثائر قط. وتنطوي هذه الخرافة على عدد كبير من الاستعارات والتشبيهات: منها أن العذاب هو ثمرة شجرة المعرفة، ومنها أن معرفة المستقبل تحطم قلب الإنسان كمداً؛ وأن العذاب والصلب هما جزاء المخلص على الدوام؛ وأن الإنسان مضطر في آخر الأمر أن يرضى بالقيود Man Muss Enstagen، وأن عليه أن يحقق غايته داخل نطاق طبيعة الأشياء. وذلك لعمري موضوع جليل، يمكن إسكلس بفضل لغته الجزلة من أن يجعل من بروميثيوس مأساة من الطراز العظيم". ولم نر قط الكفاح بين العلم والخرافة، أو بين الاستنارة والجهل، أو بين العبقرية والتحكم، قد صور بأقوى مما صور به هنا، أو سما في الرمزية أو في الصراحة إلى أسمى مما سما به في هذه المأساة. ويقول شلجل

стр. 2270

Schlegel في هذا: "إن المآسي الأخرى التي أنتجها المؤلفون اليونان مآس عادية أما هذه فهي المأساة الحقة" (٤٥). ومع هذا فإن أرستيا أعظم منها - وهي بإجماع الآراء أجمل المسرحيات اليونانية على الإطلاق، ولعلها أجمل المسرحيات في العالم كله (٤٦). وقد مثلت في عام ٤٥٨، وأكبر الظن أن تمثيلها حدث بعد عامين من تمثيل مسرحية بروميثيوس المقيد وقبل أن يموت مؤلفهما بعامين. وموضوع المسرحية هو نشأة العنف من العنف، والجزاء المحتوم الذي لا بد أن يؤدي إليه الكبرياء والتطرف المصحوبان بالعتو والصلف. ونحن نسمي القصة خرافة، ولكن اليونان كانوا يسمونها تاريخاً، ولعلهم كانوا على حق في هذه التسمية. وهذه القصة كما يرويها اثنان من كبار كتاب المسرحيات اليونان يمكن أن تسمى أطفال تانتلوس لأن هذا الملك الفريجي المستهتر الفخور بثرائه هو الذي بدأ سلسلة الجرائم الطويلة، واستنزل غضب ربات الانتقام جزاء له على سرقة شراب الآلهة وطعامها، وتقديم الطعام المقدس لابنه بلويس؛ وفي كل عصر من العصور يجمع بعض الناس من الثروة أكثر مما يليق بالإنسان، ويستخدمونها لإفساد أبنائهم. وفي هذه القصة ترى كيف استطاع بلوبس أن يستحوذ على عرش إليس Elis بشر الوسائل، وكيف اغتال بعدئذ شريكه في جرمه، وتزوج ابنة الملك الذي خدعه وقتله، ثم رزق من هبوداميا Hippodamia بثلاثة أبناء: ثيستيز Theyestes وإيروبي Aerope وأتروس Atreus. وفسق ثيستيز بإيروبي؛ وانتقم أتروس لأخته بأن أطعم أخاه أبناءه في وليمة؛ فما كان إيجسثس Aegisthus بن ثيستيز من أخته إلا أن أقسم لينتقمن من أتروس وأبنائه. وكان لأتروس ولدان هما أجممنون ومنلوس، وتزوج أجممنون كليتمنسترا ورزق منها ابنتين هما إقجينيا وإلكترا وولداً واحداً هو أرستيز. ولما أن سكتت الريح ووقفت سفن أجممنون عند أويس وهي في طريقها إلى طروادة، روعت كليتمنسترا حين أضحى أجممنون بابنته إقجينيا لكي تهب الريح، وبينما كان أجممنون يحاصر

стр. 2271

طروادة أخذ إيجسثس يغازل زوجته الحزينة، فمالت له وائتمرت معه على قتل الملك. ومن هذه النقطة يبدأ إسكلس قصته. وجاءت الأنباء إلى أرجوس بأن الحرب قد وضعت أوزارها، ونزل أجممنون الفخور على شواطئ البلوبونيز "مسربلاً بدروع من الصلب وترتعد الجيوش فرقاً إذا غضب"، واقترب من ميسيني، ويظهر جماعة من الكبراء أمام قصر الملك وينشدون نشيداً يعيد إلى الأذهان تضحية أجممنون بإفجينيا. "وتسلح على مهل بما لا بد من التسلح به، وتحركت في صدره ريح عجيبة هزته هزاً، ريح من الأفكار السود، نجسة، دنسة؛ فقام وقد امتلأ قلبه جرأة، لأن الناس تقوى قلوبهم إذا عميت بصائرهم؛ وهم بتنفيذ رغبته الدنيئة التي أورثته الحزن فيما بعد؛ بل إنها هي الحزن بعينه. وهكذا تحجر قلب هذا الرجل فقتل ابنته لكي يستطيع بهذا القتل أن يثأر لنفسه من ضحكة ضحكتها امرأة وأن يعين سفائنه على السير … "وألقت بقميصها الزعفراني اللون على الأرض بقوة وغضب مكبوت لم تنطق به؛ ونفذت في قلب كل رجل من أولئك الرجال المحاربين القتلة سهام الرأفة التي أطلقتها الفتاة من عينيها، وارتسمت في عقولهم صورة وجه يحاول بقوة ما أعجبها أن يستدر الرحمة من القلوب، وجه الفتاة الصغيرة التي كانت ترقص إلى جانب سفينة أبيها. ولم يؤثر ذلك الصوت البريء في قلب الأب حين انضم إلى صوته بعد أن صبت الكأس الثالثة" (٤٧). ويدخل رسول أجممنون ليعلن قدوم الملك. ويدرك إسكلس بخياله الرقيق ما يهتز به قلب الجندي البسيط من نشوة السرور وهو يطأ بقدمه أرض بلاده بعد غيابه الطويل؛ فينطق الجندي بقوله: "إني الآن مستعد للموت إذا أراد الله أن أموت". ويصف الجندي لفرقة المرتلين أهوال الحرب وأقذارها،

стр. 2272

والمطر الذي تنفذ مياهه إلى العظام، والحشرات التي تضاعفت في الشعر، وحرارة الصيف الخانقة في إليون، وبرد الشتاء القارس الذي تساقطت منه الطيور جميعها موتى. وتخرج كلتيمنسترا من القصر كئيبة متهيجة الأعصاب، ولكنها مع ذلك ذات كبرياء، وتأمر أن تنثر في طريق أجممنون السجف الثمينة. ويقبل الملك في عربته الملكية، يحف به جنوده، منتصب القامة فخوراً بما أحرزه من نصر، ومن خلفه عربة أخرى تحمل كسندرا الجميلة السمراء، وهي الأميرة والمتنبئة الطروادية، جارية أجممنون ومشبعة شهوته رغم أنفها، وهي التي تتنبأ وقلبها غاضب حاقد بأنه سوف يلقى جزاءه، كما تتنبأ في حزنها بموتها. وتصف كلتيمنسترا للملك بلسان زلق شوقها لعودته خلال السنين الطوال: "لقد نضبت من أجلك ينابيع دموع عيني الفياضة، فلم تبق فيها قطرة واحدة، ولكنك تستطيع أن ترى فيهما كيف أضناهما سهري، وأنا أترقب في حزن بشائر نصرك المبطئة، وكيف كنت أقوم مسرعة من نومي المضطرب إذا هزت البعوضة جناحها لأني كنت أحلم بمتاعبك المضنية الطويلة، وقد تجمعت كلها أثناء نومي القصير" (٤٨). ويرتاب أجممنون في إخلاصها ويلومها أشد اللوم على إسرافها في فرش السجف المطرزة تحت سنابك خيله، ولكنه يتبعها إلى القصر وتصحبه كسندرا مذعنة مستسلمة. وتردد فرق المرتلين بصوت منخفض في خلال فترة الراحة الطويلة أغنية تنذر بشر مستطير. ثم تنبعث من الداخل صرخة كان كل سطر من أسطر المأساة يهيئ الآذان لسماعها، صرخة أجممنون حين يغتاله إيجسثس وكلتيمنسترا. وتفتح الأبواب، وتظهر كلتيمنسترا والبلطة في يدها والدم يلوث جبهتها، وقد وقفت منتصرة فوق جثتي كسندرا والملك، وترتل الفرقة خاتمة المسرحية: "ألا ليت الله يمن عليَّ بأن يعاجلني الموت فجاءة دون ألم أشد، ومن غير

стр. 2273

انتظار مؤلم طويل، فأقضي نحبي وأنام النوم الأبدي الذي لا صحوة منه. ليت الله يمن عليَّ بهذا بعد أن لاقى الردى من كان يرعاني حبه" (٤٩). والمسرحية الثانية من هذه الثلاث المسرحيات المجتمعة هي الكئفوري Choephoroe أو حاملات قربان الخمر. واسمها مشتق من جماعة النساء اللاتي يأتين بالقرابين إلى قبر الملك. وكانت كلتيمنسترا قد أرسلت أرستيز ابنها الصغير ليربى في فوسيس Phocis القاصية عساه أن ينسى مقتل أبيه، ولكن شيوخ تلك الجزيرة يعلمونه قانون الثأر القديم: "إن نقطة الدم المراقة تتطلب دماً جديداً"؛ وكانت الدولة في تلك الأيام المظلمة تترك عقاب القتل لأولياء القتيل، وكان الناس يعتقدون أن روحه لا تجد الراحة حتى يثأر له. واستحوذت فكرة الانتقام على أرستيز وأقضت مضجعه، وكانت توحي إليه أن يقتل أمه وإيجسثس. وتحقيقاً لهذا الغرض يأتي سراً إلى أرجوس مع رفيقه بيلديز Pylodes، ويبحث عن قبر أبيه، ويضع عليه خصلة من شعره. ويسمع الشبان وقع أقدام ساكبي قربان الخمر على القبر فيبتعدان عنه ويصغيان في ذهول إلى إلكترا أخت أرستيز الحزينة وقد أقبلت مع جماعة من النساء، ووقفت عند القبر، وأخذت تناجي روح أجممنون وتدعوه لأن يثير أرستيز فيأخذ بثأر أبيه. وهنا يكشف أرستيز عن نفسه، فتصب من قلبها المثقل بالهموم في عقله الساذج أن عليه أن يقتل أمه، ويذهب الشابان إلى قصر الملك في زي تاجرين؛ وترحب بهما كلتيمنسترا وتكرمهما فيرق لها قلباهما، ولكن أرستيز يختبرها بقوله إن الغلام الذي أرسلته إلى فوسيس قد مات؛ ويستولي عليه الفزع حين يرى البهجة بادية في حزنها. وتستدعي إيجسثس يستمع معها إلى أن الفتى الذي يخشيان انتقامه قد قضى نحبه، فيقتله أرستيز ويدفع أمه إلى القصر، ثم يخرج بعد هنيهة وقد جن جنونه أو كاد لشعوره بأنه قتل أمه ويقول:

стр. 2274

"وقبل أن يذهب عقلي أعلن في هذا المكان إلى كل من يحبني، وأعترف أني قتلت أمي" (٥٠). وفي المسرحية الثالثة نرى الشاعر يصور أرستيز تطارده ربات الانتقام المكلفة بعقاب المجرمين؛ وتشتق المسرحية اسمها من اسم هذه الإلهات المُلَطَّف "اليومنيديات Eumenides " أي "الراجيات الخير". ويصبح أرستيز طريداً مهدر الدم، يتجنبه سائر الناس؛ تتعقبه ربات الانتقام أينما ذهب، وتحوم حوله في صورة أشباح سود تنادي بسفك دمه. ويلقي الفتى بنفسه فوق مذبح أبلو في دلفي فيهدئ الإله روعه، ولكن شبح كلتيمنسترا يقوم من تحت الثرى ويوعز إلى ربات الانتقام ألا تتوانى عن تعذيب ولدها. ويسافر أرستيز إلى أثينة ويخر راكعاً أمام ضريح الإلهة أثينة ويتوسل إليها أن تنجيه. وتسمع أثينة نداءه وتصفه بالذي "كمله العذاب". وتحتج ربات الانتقام عليها فتدعوهن أن يعرضن قصة أرستيز على مجلس الأريبجس؛ ويمثل المشهد الأخير هذه المحاكمة العجيبة التي ترمز إلى استبدال حكم القانون بالقصاص وسفك الدماء. وتتولى أثينة ربة المدينة رياسة المجلس، وتعرض ربات الانتقام حجتهن في طلب الانتقام من أرستيز، ويدافع عنه أبلو. وتنقسم المحكمة على نفسها وتتساوى الأصوات، وترجح أثينة رئيسة المجلس الجانب الذي يريد تبرئة أرستيز، وتعلن براءته، وتقرر من ذلك الوقت رسمياً أن مجلس الأريبجس هو المحكمة العليا في أتكا، وأن حكمه السريع على القاتل سيطهر البلاد من المنازعات، وأن حكمته ستهدي الدولة إلى طريق النجاة مما يحيط بالشعب من أخطار. وتهدئ الإلهة بألفاظها العذبة ثائرة ربات الانتقام، وتكسب قلوبهن، وتقول زعيمتهن إن "نظاماً جديداً قد ولد في ذلك اليوم". وتعد الأرستيا أروع آيات الأدب اليوناني بعد الإلياذة والأوذيسة، ففيها تظهر سعة الإدراك، ووحدة التفكير والتنفيذ، وقوة الترقي المسرحي، والقدرة

стр. 2275

على فهم أخلاق الناس، وروعة الأسلوب، وهي مميزات لا نراها مجتمعة مرة أخرى إلا في شكسبير. والمسرحية الثلاثية محبوكة حبكاً قوياً كأن أجزاءها ثلاثة فصول في مسرحية حديثة، فكل جزء منها يمهد للجزء الذي يليه ويستدعيه في تتابع منطقي محتو م لا مفر منه، وكلما أعقبت إحدى مسرحيات المجموعة المسرحية التي قبلها تزداد رهبة الموضوع، ويبدأ الإنسان يدرك كيف كانت هذه القصة تثير أحاسيس اليونان. ولسنا ننكر أن الرواية مثقلة بالكلام الكثير الذي لا يبرره مقتل أربعة أشخاص، وأن ما فيها من أغان كثيراً ما يكون غامضاً عسير الفهم، وأن ما في هذه الأغاني من تشبيهات واستعارات قد بولغ فيه كثيراً، وأن لغتها في بعض الأحيان ثقيلة خشنة متكلفة. لكن هذه الأغاني مع ذلك لا يفوقها شيء من نوعها، فهي مليئة بالعظمة والحنو، بليغة فيما تدعو إليه من دين جديد هو دين العفو والمغفرة، ومن فضائل النظام السياسي الذي يؤذن بالزوال. ذلك أن الأرستيا تبلغ من التحفظ ما تبلغه برومثيوس من التطرف وإن لم يكن بينهما إلا فترة من الزمان لا تزيد على سنتين، لقد جرد إفيلتيز الأرببجس من اختصاصه في عام ٤٦٢، وفي عام ٤٦١ قتل، وفي عام ٤٥٨ عرض إسكلس في الأرستيا دفاعاً عن هذا المجلس قال فيه إنه أحكم هيئة في حكومة أثينة. وكان الشاعر في ذلك الوقت قد طال أجله وضرسته السنون، وكان في وسعه أن يفهم الشيوخ أكثر مما يفهم الشبان، وكان مثل أرسطوفان يتوق لأن يتحلى بفضائل رجال مرثون. ويريد أثنيوس منا أن نعتقد أنه كان سكيراً (٥١) ولكننا نراه في الأرستيا رجلاً متزمتاً يعظ الناس من فوق المسرح، ويحذرهم من الخطيئة وما يتبعها من عقاب، ويبين لهم ما يعقب الألم من حكمة، ويشرح قانون العتو والانتقام، وهو مبدأ آخر من مبادئ الخطيئة الأولى، ويقول إن كان عمل غي صالح سينكشف يوماً ما ويعاقب مقترفة في إحدى حيواته. وبهذا حاول التفكير

стр. 2276

اليوناني أن يوفق بين الشر والله، فيقول إن العذاب كله ناشئ من الخطيئة، ولو كانت خطيئة جيل من الأجيال البائدة. ولم يكن مؤلف بروميثيوس تقياً ساذجاً، ودليلنا على ذلك أن في مسرحياته، ومنها الأرستيا، كثيراً من العبارات الدالة على الإلحاد، وقد اتهم بالكشف عن أسرار الطقوس الدينية، ولم ينجه إلا شفاعة أخيه مينياس الذي كشف عما أصيب به من جروح في سلاميس (٥٢). ولكن إسكلس كان يعتقد واثقاً أن الأخلاق الصالحة لها أن تعتمد على قوى غير قوى البشر لكي تصمد لقوة الغرائز المضرة بالهيئة الاجتماعية، وكان يرجو: "أن يكون هناك واحد يستمع إلى الناس من عرشه الأعلى، بان أو زيوس أو أبلو، مطلع على الخلق، يعاقب على خرق القانون بالغضب ويتعقب من خرقه، وهو يقصد بهذا "تعذيب الضمير والجزاء الحق". ومن أجل هذا تراه يجل الدين ويحاول أن يسمو عن الشرك، ويفكر في التوحيد. "أي زيوس، زيوس، أينما يكون؛ إذا كان يحب أن يسمع هذا الاسم فسوف أدعوه به. أنقب في البر والبحر والهواء، فلا أجد في مكان ما ملجأ إلا إليه وحده، إذا نبذ عقلي، قبل موته، عبء هذا الغرور" (٥٤). وهو يرى أن زيوس هو طبيعة الأشياء مجسدة، وهو قانون العالم أو علته، وأن "القانون الذي هو القدر والأب الذي يدرك كل شيء يلتقيان هنا ويصبحان شيئاً واحداً" (٥٥). وربما كانت هذه الأبيات الختامية آخر ما نطق به من الشعر. ويعود بعد عامين من إخراج أرستيا إلى صقلية. ويعتقد البعض أن النظارة، وهم في العادة أكثر تطرفاً من القضاة، لم تعجبهم هذه المسرحية الثلاثية؛ ولكن يصعب التوفيق بين هذا الاعتقاد وبين ما قرره الأثينيون بعد بضع سنين،

стр. 2277

وعلى خلاف العادة، من إعادة تمثيل مسرحياته في ملهى ديونيشس. وقد أقبل على هذا كثيرون وظل إسكلس ينال الجوائز بعد وفاته. وبينما كان هذا يحدث إذ قتله نسر في صقلية، على ما تقول إحدى هذه القصص القديمة، بأن ألقى سلحفاة على رأسه الأصلع لأنه حسبه حجراً (٥٦). وفيها دفن إسكلس ونقش على شاهد قبره تلك العبارة التي كتبها بنفسه والتي يدهشنا أنها لم تذكر شيئاً عن مسرحياته، والتي يفخر فيها بندوب جراحه: تحت هذا الحجر يرقد إسكلس، الذي تحدثنا عن بسالته أيكة مرثون، أو ملك الفرس ذو الشعر الطويل الذي يعرفه حق المعرفة.

стр. 2278

الفصل الرابع سفكليز في عام ٤٦٨ انتزع الجائزة الأولى للمأساة من إسكلس قادم حديث في سن السابعة والعشرين يسمى سفكليز (سوفكل) أي العاقل المكرم. وكان سفكليز هذا أسعد الناس حظاً ويكاد أن يكون أشدهم تشاؤماً. وكان موطنه الأصلي ضاحية كولونس إحدى ضواحي أثينة، وكان ابن صانع سيوف، ومن أجل هذا فإن الحروب الفارسية والبلوبونيزية التي أفقرت الأثينيين كلهم تقريباً جاءت لهذا الكاتب المسرحي بثروة طائلة (٥٧). وكان فضلاً عن ثرائه رجلاً عبقرياً وسيماً جيد الصحة، نال جائزتي المصارعة والموسيقى - فجمع بذلك بين كفايتين لو شهدهما أفلاطون لاغتبط أشد الاغتباط بوجودهما في رجل واحد. وقد أمكنته مهارته في لعب الكرة وفي العزف على القيثارة من أن يقيم حفلات عامة في الفنين، وكان هو الذي اختارته المدينة بعد واقعة سلاميس ليقود شبان أثينة العراة في رقصة النصر ونشيده (٥٨). وقد ظل محتفظاً ببهاء طلعته إلى أواخر أيامه، ويظهره تمثاله المحفوظ في متحف لاتران Lateran شيخاً ملتحياً بديناً ولكنه قوي طويل القامة. وقد نشأ في أسعد عهود أثينة، وكان صديقاً لبركليز وشغل في عهده أعلى مناصب الدولة؛ فكان في عام ٤٤٣ أمين بيت المال الإمبراطوري؛ وفي عام ٤٤٠ كان أحد القواد الذين تولوا قيادة قواد أثينة في الحملة التي سيرها بركليز على ساموس، وإن كان من واجبنا أن نضيف إلى هذا أن بركليز كان يعجب بشعره أكثر من إعجابه بخططه الحربية. وعين بعد الكارثة التي حلت بأثينة في سرقوصة عضواً في لجنة الأمن العام (٥٩)، واقترع

стр. 2279

بحكم منصبه هذا على عودة الدستور الألجركي في عام ٤١١. وكان الشعب يعجب بأخلاقه أكثر من إعجابه بسياسته، فقد كان ظريفاً، لبقاً، متواضعاً، محباً للهو، وهب من قوة الجاذبية ما يكفر عن جميع أخطائه. وكان يحب المال (٦٠) والغلمان (٦١)، حتى إذا ما بلغ سن الشيخوخة تحول حبه هذا نحو السراري (٦٢)؛ وكان شديد الصلاح، وقد شغل مراراً منصب الكاهن (٦٣). وكتب سفكليز ١١٣ مسرحية، لم يبق منها إلا سبع لا نعرف الترتيب الذي خرجت به. وقد نال الجائزة الأولى في الحفلات الديونيشية ثماني عشرة مرة، ونالها مرتين في الحفلات اللينيائية Lenaean، وحصل على أولى جوائزه في سن الخامسة والعشرين وعلى آخرها وهو في الخامسة والثمانين، وظل يسيطر على المسرح الأثيني ثلاثين عاماً، وكان له عليه من السلطان أكثر مما كان لمعاصره بركليز على الحكومة الأثينية. وهو الذي زاد عدد الممثلين إلى ثلاثة، وظل يقوم ببعض الأدوار حتى فقد صوته. وقد غير نظام المسرحية الثلاثية الذي كان يتبعه إسكلس وفضل أن يدخل المباريات بثلاث مسرحيات مستقلة كل منها عن الأخرى (وحذا حذوه يوربديز من بعده). وكان إسكلس مولعاً بالموضوعات الكونية التي تطغى على أشخاص مسرحياته، أما سفكليز فكان مولعاً بالأخلاق، ويكاد أن يكون حديث النزعة في إدراكه للآثار النفسانية. ومسرحية "المرأة التراقينية" في ظاهرها مسرحية غنائية عاطفية؛ وخلاصتها: أن ديانيرا Deianeira تتملكها الغيرة من حب زوجها هرقل لأيولا Iola فتبعث إليه على غير علم منها بثوب مسمم يقضي عليه فتقتل هي نفسها. وليس الذي يعني به سفكليز في هذه القصة هو العقاب الذي يحل بهرقل - أي العقاب الذي كان يبدو لإسكلس أنه أهم ما في المسرحية - وليس هو عاطفة الحب القوية نفسها - وهي التي كانت تبدو أهم ما فيها في نظر يوربديز - بل الذي يعني به هو سيكولوجية الغيرة. وفي مسرحية

стр. 2280

أجاكس لا يعني المؤلف بأعمال القوة التي يقوم بها بطل المسرحية، بل إن الذي يعني به هو دراسة رجل ذهب عقله. ولا نكاد نرى في فلكتيتس حادثة ما، بل الذي نراه هو تحليل سافر للسذاجة التي أوذيت وللخيانة الدبلوماسية. والقصة في مسرحية إلكترا قليلة الشأن قديمة، ولقد كان إسكلس يفتتن بما تثيره القصة من مشاكل أخلاقية، أما سفكليز فيكاد يغفل هذه المشاكل في حرصه على دراسة كراهية الفتاة لأمها دراسة تحليلية نفسانية لا أثر للعاطفة أو للشفقة فيها. وقد اشتق من اسم هذه المسرحية اسم لنوع من الاضطراب العصبي كان موضوع البحث في يوم من الأيام، كما اشتق من مسرحية أوديب الملك اسم لنوع آخر من هذا الاضطراب. وأشهر المسرحيات اليونانية بأجمعها مسرحية أوديب تيرانس. والفصل الأول من فصولها قوي الأثر: ترى فيه خليطاً من الرجال، والنساء، والغلمان، والبنات، والأطفال جالسين أمام قصر الملك في طيبة يحملون أغصان الغار والزيتون رمزاً لأنهم جاءوا راجين متوسلين. ذلك أن وباء قد اجتاح المدينة فاجتمع الشعب يطلب إلى الملك أوديب أن يقرب للآلهة قرباناً يسترضيها به. وتعلن إحدى النبوءات أن الطاعون سيذهب عن طيبة إذا خرج القاتل غير المعروف الذي اغتال ملكها السابق. ويعلن أوديب هذا القاتل أياً كان لعنة شديدة، لأن جريمته قد سببت هذا الشقاء كله للمدينة. وبداية المسرحية على هذا النحو خير مثل لتلك الطريقة التي يشير بها هوراس طريقة الاندفاع في وسط الأشياء In Medias Res أي مفاجأة النظارة بالمشكلة أولاً على أن يأتي شرحها فيما بعد. لكن النظارة في هذه المسرحية كانوا يعرفون مجرى الحوادث بطبيعة الحال لأن قصة ليوس Laius وأوديب وأبي الهول كانت جزءاً من القصص الشعبي اليوناني. وتقول الرواية المأثورة إن لعنة قد حلت بليوس وأبنائه لأنه أدخل إلى هلاس رذيلة غير طبيعية (٦٤)، وكانت نتائج هذه الخطيئة التي أهلكت الناس
следующие страницы →