اليوناني أن يوفق بين الشر والله، فيقول إن العذاب كله ناشئ من الخطيئة، ولو كانت خطيئة جيل من الأجيال البائدة. ولم يكن مؤلف بروميثيوس تقياً ساذجاً، ودليلنا على ذلك أن في مسرحياته، ومنها الأرستيا، كثيراً من العبارات الدالة على الإلحاد، وقد اتهم بالكشف عن أسرار الطقوس الدينية، ولم ينجه إلا شفاعة أخيه مينياس الذي كشف عما أصيب به من جروح في سلاميس (٥٢). ولكن إسكلس كان يعتقد واثقاً أن الأخلاق الصالحة لها أن تعتمد على قوى غير قوى البشر لكي تصمد لقوة الغرائز المضرة بالهيئة الاجتماعية، وكان يرجو:
"أن يكون هناك واحد يستمع إلى الناس من عرشه الأعلى، بان أو زيوس أو أبلو، مطلع على الخلق، يعاقب على خرق القانون بالغضب ويتعقب من خرقه، وهو يقصد بهذا "تعذيب الضمير والجزاء الحق".
ومن أجل هذا تراه يجل الدين ويحاول أن يسمو عن الشرك، ويفكر في التوحيد.
"أي زيوس، زيوس، أينما يكون؛ إذا كان يحب أن يسمع هذا الاسم فسوف أدعوه به. أنقب في البر والبحر والهواء، فلا أجد في مكان ما ملجأ إلا إليه وحده، إذا نبذ عقلي، قبل موته، عبء هذا الغرور" (٥٤).
وهو يرى أن زيوس هو طبيعة الأشياء مجسدة، وهو قانون العالم أو علته، وأن "القانون الذي هو القدر والأب الذي يدرك كل شيء يلتقيان هنا ويصبحان شيئاً واحداً" (٥٥).
وربما كانت هذه الأبيات الختامية آخر ما نطق به من الشعر. ويعود بعد عامين من إخراج أرستيا إلى صقلية. ويعتقد البعض أن النظارة، وهم في العادة أكثر تطرفاً من القضاة، لم تعجبهم هذه المسرحية الثلاثية؛ ولكن يصعب التوفيق بين هذا الاعتقاد وبين ما قرره الأثينيون بعد بضع سنين،
стр. 2277
وعلى خلاف العادة، من إعادة تمثيل مسرحياته في ملهى ديونيشس. وقد أقبل على هذا كثيرون وظل إسكلس ينال الجوائز بعد وفاته. وبينما كان هذا يحدث إذ قتله نسر في صقلية، على ما تقول إحدى هذه القصص القديمة، بأن ألقى سلحفاة على رأسه الأصلع لأنه حسبه حجراً (٥٦). وفيها دفن إسكلس ونقش على شاهد قبره تلك العبارة التي كتبها بنفسه والتي يدهشنا أنها لم تذكر شيئاً عن مسرحياته، والتي يفخر فيها بندوب جراحه:
تحت هذا الحجر يرقد إسكلس، الذي تحدثنا عن بسالته أيكة مرثون، أو ملك الفرس ذو الشعر الطويل الذي يعرفه حق المعرفة.
стр. 2278
الفصل الرابع
سفكليز
في عام ٤٦٨ انتزع الجائزة الأولى للمأساة من إسكلس قادم حديث في سن السابعة والعشرين يسمى سفكليز (سوفكل) أي العاقل المكرم. وكان سفكليز هذا أسعد الناس حظاً ويكاد أن يكون أشدهم تشاؤماً. وكان موطنه الأصلي ضاحية كولونس إحدى ضواحي أثينة، وكان ابن صانع سيوف، ومن أجل هذا فإن الحروب الفارسية والبلوبونيزية التي أفقرت الأثينيين كلهم تقريباً جاءت لهذا الكاتب المسرحي بثروة طائلة (٥٧). وكان فضلاً عن ثرائه رجلاً عبقرياً وسيماً جيد الصحة، نال جائزتي المصارعة والموسيقى - فجمع بذلك بين كفايتين لو شهدهما أفلاطون لاغتبط أشد الاغتباط بوجودهما في رجل واحد. وقد أمكنته مهارته في لعب الكرة وفي العزف على القيثارة من أن يقيم حفلات عامة في الفنين، وكان هو الذي اختارته المدينة بعد واقعة سلاميس ليقود شبان أثينة العراة في رقصة النصر ونشيده (٥٨). وقد ظل محتفظاً ببهاء طلعته إلى أواخر أيامه، ويظهره تمثاله المحفوظ في متحف لاتران Lateran شيخاً ملتحياً بديناً ولكنه قوي طويل القامة. وقد نشأ في أسعد عهود أثينة، وكان صديقاً لبركليز وشغل في عهده أعلى مناصب الدولة؛ فكان في عام ٤٤٣ أمين بيت المال الإمبراطوري؛ وفي عام ٤٤٠ كان أحد القواد الذين تولوا قيادة قواد أثينة في الحملة التي سيرها بركليز على ساموس، وإن كان من واجبنا أن نضيف إلى هذا أن بركليز كان يعجب بشعره أكثر من إعجابه بخططه الحربية. وعين بعد الكارثة التي حلت بأثينة في سرقوصة عضواً في لجنة الأمن العام (٥٩)، واقترع
стр. 2279
بحكم منصبه هذا على عودة الدستور الألجركي في عام ٤١١. وكان الشعب يعجب بأخلاقه أكثر من إعجابه بسياسته، فقد كان ظريفاً، لبقاً، متواضعاً، محباً للهو، وهب من قوة الجاذبية ما يكفر عن جميع أخطائه. وكان يحب المال (٦٠) والغلمان (٦١)، حتى إذا ما بلغ سن الشيخوخة تحول حبه هذا نحو السراري (٦٢)؛ وكان شديد الصلاح، وقد شغل مراراً منصب الكاهن (٦٣).
وكتب سفكليز ١١٣ مسرحية، لم يبق منها إلا سبع لا نعرف الترتيب الذي خرجت به. وقد نال الجائزة الأولى في الحفلات الديونيشية ثماني عشرة مرة، ونالها مرتين في الحفلات اللينيائية Lenaean، وحصل على أولى جوائزه في سن الخامسة والعشرين وعلى آخرها وهو في الخامسة والثمانين، وظل يسيطر على المسرح الأثيني ثلاثين عاماً، وكان له عليه من السلطان أكثر مما كان لمعاصره بركليز على الحكومة الأثينية. وهو الذي زاد عدد الممثلين إلى ثلاثة، وظل يقوم ببعض الأدوار حتى فقد صوته. وقد غير نظام المسرحية الثلاثية الذي كان يتبعه إسكلس وفضل أن يدخل المباريات بثلاث مسرحيات مستقلة كل منها عن الأخرى (وحذا حذوه يوربديز من بعده).
وكان إسكلس مولعاً بالموضوعات الكونية التي تطغى على أشخاص مسرحياته، أما سفكليز فكان مولعاً بالأخلاق، ويكاد أن يكون حديث النزعة في إدراكه للآثار النفسانية. ومسرحية "المرأة التراقينية" في ظاهرها مسرحية غنائية عاطفية؛ وخلاصتها: أن ديانيرا Deianeira تتملكها الغيرة من حب زوجها هرقل لأيولا Iola فتبعث إليه على غير علم منها بثوب مسمم يقضي عليه فتقتل هي نفسها. وليس الذي يعني به سفكليز في هذه القصة هو العقاب الذي يحل بهرقل - أي العقاب الذي كان يبدو لإسكلس أنه أهم ما في المسرحية - وليس هو عاطفة الحب القوية نفسها - وهي التي كانت تبدو أهم ما فيها في نظر يوربديز - بل الذي يعني به هو سيكولوجية الغيرة. وفي مسرحية
стр. 2280
أجاكس لا يعني المؤلف بأعمال القوة التي يقوم بها بطل المسرحية، بل إن الذي يعني به هو دراسة رجل ذهب عقله. ولا نكاد نرى في فلكتيتس حادثة ما، بل الذي نراه هو تحليل سافر للسذاجة التي أوذيت وللخيانة الدبلوماسية. والقصة في مسرحية إلكترا قليلة الشأن قديمة، ولقد كان إسكلس يفتتن بما تثيره القصة من مشاكل أخلاقية، أما سفكليز فيكاد يغفل هذه المشاكل في حرصه على دراسة كراهية الفتاة لأمها دراسة تحليلية نفسانية لا أثر للعاطفة أو للشفقة فيها. وقد اشتق من اسم هذه المسرحية اسم لنوع من الاضطراب العصبي كان موضوع البحث في يوم من الأيام، كما اشتق من مسرحية أوديب الملك اسم لنوع آخر من هذا الاضطراب.
وأشهر المسرحيات اليونانية بأجمعها مسرحية أوديب تيرانس. والفصل الأول من فصولها قوي الأثر: ترى فيه خليطاً من الرجال، والنساء، والغلمان، والبنات، والأطفال جالسين أمام قصر الملك في طيبة يحملون أغصان الغار والزيتون رمزاً لأنهم جاءوا راجين متوسلين. ذلك أن وباء قد اجتاح المدينة فاجتمع الشعب يطلب إلى الملك أوديب أن يقرب للآلهة قرباناً يسترضيها به. وتعلن إحدى النبوءات أن الطاعون سيذهب عن طيبة إذا خرج القاتل غير المعروف الذي اغتال ملكها السابق. ويعلن أوديب هذا القاتل أياً كان لعنة شديدة، لأن جريمته قد سببت هذا الشقاء كله للمدينة. وبداية المسرحية على هذا النحو خير مثل لتلك الطريقة التي يشير بها هوراس طريقة الاندفاع في وسط الأشياء In Medias Res أي مفاجأة النظارة بالمشكلة أولاً على أن يأتي شرحها فيما بعد. لكن النظارة في هذه المسرحية كانوا يعرفون مجرى الحوادث بطبيعة الحال لأن قصة ليوس Laius وأوديب وأبي الهول كانت جزءاً من القصص الشعبي اليوناني. وتقول الرواية المأثورة إن لعنة قد حلت بليوس وأبنائه لأنه أدخل إلى هلاس رذيلة غير طبيعية (٦٤)، وكانت نتائج هذه الخطيئة التي أهلكت الناس
стр. 2281
جيلاً بعد جيل موضوعاً شائعاً للمآسي اليونانية. وقد قال الوحي إن ليوس وزوجته جكستا Jocasta سيرزقان ولداً يقتل أباه ويتزوج أمه. وكانت نتيجة هذه النبوءة أن وجد في العالم للمرة الأولى زوجان يريدان أن يكون أول أبنائهما بنتاً؛ ولكنهما رزقا ولداً، وأرادا ألا تتحقق النبوءة فعرضاه للموت على أحد التلال، حيث وجد راعٍ وسماه أوديب لتورم قدميه، وأهداه إلى ملك كورنثة وملكتها فتبنياه وربياه. ولما كبر أوديب عرف من مهبط الوحي أيضاً أنه قد كتب عليه أن يقتل أباه ويتزوج أمه. واعتقد أن ملك كورنثة وملكتها هما أبوه وأمه، ففر من المدينة واتخذ طريقه إلى طيبة. والتقى في الطريق بشيخ طاعن في السن فتشاجر معه وقتله وهو لا يعرف أن هذا الشيخ أبوه. ولما اقترب من طيبة التقى بأبي الهول، وهو مخلوق له وجه امرأة، وذنب أسد، وجناحا طائر. وقد سأل أبو الهول أوديب أن يجيب عن ذلك اللغز المشهور: "ما قولك في مخلوق ذي أربع أقدام، وثلاث أقدام، وقدمين؟ ". وكان أبو الهول يقتل كل من لا يعرف الجواب الصحيح عن هذا السؤال؛ واستولى الهلع على أهل طيبة واشتدت رغبتهم في تطهير طريق مدينتهم من هذا المخلوق المهول، فنذروا أن يكون ملكهم الثاني هو الرجل الذي يحل هذا اللغز، وذلك لأن أبا الهول قد قرر أن ينتحر إذا عرف إنسان الجواب الصحيح. وأجابه أوديب بقوله: "هو الإنسان؛ لأن الطفل الرضيع يحبو أولاً على أربع أقدام، فإذا كبر مشى على قدمين، وإذا هرم استعان بعصاً". وكانت إجابة عرجاء، ولكن أبا الهول رضي بها ووفى بوعده فقتل نفسه. ورحب الطيبيون بأوديب وعدوه منقذاً لهم، ولما لم يعد ليوس إلى المدينة اختاروا هذا القادم الجديد ملكاً عليهم. واتبع أوديب العادة المألوفة في المدينة فتزوج الملكة ورزق منها أربعة أبناء: أنتجوني، وبولينيسيز Polynices، وإتيكليز Eteocles وإزميني Ismene.
وفي المنظر الثاني في مسرحية سفكليز - وهو أقوى منظر في المسرحيات
стр. 2282
اليونانية بأجمعها - يأمر أوديب كاهناً من كبار الكهنة بأن يكشف إذا استطاع عمن قتل ليوس فيقول إن القاتل هو أوديب نفسه. وليس في الفجائع كلها فجيعة أشد وقعاً أو أعظم هولاً من إدراك الملك على الرغم منه أنه هو قاتل أبيه وزوج أمه. وتأبى جوكستا أن تصدق هذا النبأ وتقول إنه حلم فرويدي Freudian (١) ، وتؤكد لأوديب "أن كثيرين من الناس قد حلموا أنهم ضاجعوا أمهاتهم؛ ولكن الذي يرى أن هذه أضغاث أحلام يعيش طول حياته مستريح البال" (٦٥). ثم تعرف الحقيقة كاملة فتشنق نفسها، ويجن أوديب من شدة الندم فيفقأ عينيه ويغادر طيبة منفياً عنها، وليس معه من يعينه في منفاه غير أنتجوني.
وفي مسرحية أوديب في كولونس (٢) وهي الجزء الثاني من مسرحية ثلاثية غير مقصودة، نرى الملك السابق طريداً، أشيب الشعر، متكئاً على ذراع ابنته يطوف بالمدن يستجدي الناس الخبز. ويصل في طوافه إلى كولونس الظليلة، وينتهز سفكليز هذه الفرصة فينشد لقريته التي ولد فيها، ولزيتونها، أغنية من أحسن الأبيات اليونانية لا تستطاع ترجمتها ترجمة تظهر جمالها يقول فيها:
"أيها الغريب، إنك تنزل الآن في هذه الأرض، أرض الجياد والفرسان؛ تلك أرض لا كمثلها أرض سواها؛ هاهي ذي كولونس البيضاء تتلألأ. كم من مرة غنى العندليب بصوته الشجي وهو عائد إلى عشه، تخفيه الأيك الخضر، يروي قصته الحلوة الحزينة … وترى النرجس في كل يوم يرتشف رضاب الندى فيتفتح، وتعلوه أول عناقيد من التيجان البيض!
стр. 2283
"وهنا تخرج الأرض عشباً عجيباً لم يتغن أحد بمثله في جزيرة بلبس Pelops الدورية القريبة، ولم ينبت في أرض آسية البعيدة. وهو نبات متجدد النظارة على الدوام، يجدد نفسه، ويتوالد بنفسه، يلقي الرعب في قلوب أعدائها المسلحين: فهو لا يبلغ في غير هذه البلدة ما يبلغه فيها من جمال وازدهار، بأوراقه الريشية الملساء ذات الزرقة السنجابية البراقة كالفضة، والذي يغذي البلدة بعصير زيتونه. ولن تستطيع قوة أو يد مخربة أن تخرب المدينة سواء كانت قوة الشباب الأهوج أو حكمة الشيخوخة المجربة لأن قرص زيوس السماء يرعاها هو والضياء الأزرق المنبعث من عين أثينة".
وكانت نبوءة قد سمعت بأن أوديب سيموت بجوار اليمنيديات، فلما عرف أنه الآن في أيكتهن المقدسة بكولونس أيقن هذا الشيخ الذي لم يجد في الحياة جمالاً أن الموت يحلو في ذلك المكان. وينادي لثسيوس ملك أثينة بأبيات كأنه يخترق بها حجب الغيب ويجمع فيها القوى التي كانت تعمل على إضعاف بلاد اليونان وهي فقر التربة، وقلة الإيمان، وضعف الأخلاق والرجال:
"إن آلهة السماء وحدها هي التي لا تصل إليها الشيخوخة ولا الموت لأي سبب من الأسباب، وكل ما عداها يعدو عليه الزمان المسيطر على كل شيء، فتذهب قوة الأرض، وتذبل زهرة الرجولة، وينعدم الإيمان، ويزدهر الإلحاد ازدهار الزهرة، ومن ذا الذي يستطيع أن يجد في شوارع الناس المفتوحة، أو في مكنون حبه الخفي ريحاً تهب صادقة إلى أبد الدهر؟ " (٦٧).
ثم يبدو كأن أوديب يسمع نداء إله من الآلهة فيودع أنتجوني وإزميني وداعاً رقيقاً، ويسير إلى الأيكة المظلمة وليس معه إلا ثسيوس وحده.
"وسرنا قليلاً ثم التفتنا فإذا الرجل قد اختفى؛ ولم يبق إلا الملك (١)، وقد رفع إحدى يديه ليظل بها عينيه، كما يفعل الإنسان إذا تراءت له رؤية
стр. 2284
رهيبة مروعة لا تقوى عيناه على التطلع إليها … وما من أحد غير ثسيوس يعرف كيف قضى نحبه … فلعل إنساناً أرسلته الآلهة ليهدي خطاه، أو لعل الأرض قد أشفقت عليه ففغرت فاها وابتلعته حتى لا يصيبه ألم. وهكذا اختفى الرجل ولم يخلف وراءه شيئاً نحزن لأجله - لم يترك العالم بعد أن ينهكه المرض والألم؛ بل اختتم حياته، إن كان قد اختتمها، ختاماً عجيباً" (٦٨).
وفي المسرحية الثالثة في ترتيب الحوادث، والظاهر أنها هي أول ما كتب من المسرحيات الثلاث، توارى أنتجوني الوفية في قبرها. فقد سمعت أن أخويها بولينيسيز وإتيكليز يتنازعان عرش المملكة، فعادت مسرعة إلى طيبة ترجو أن توفق بينهما، ولكنهما لا يصغيان إليها، ويوصلان الحرب حتى يقضى عليهما ويستولي كريون Creon حليف إتكليز على العرش، ويأمر ألا تدفن جثة بولينيسيز عقاباً له على ثورته. ولكن أنتجوني تعصى هذا الأمر وتدفن جثة أخيها لأنها تعتقد، كما يعتقد سائر اليونان، أن روح الميت لا تفتأ تعذب ما دامت جثته لم تدفن. وفي هذا المقام تغني فرقة المرتلين أغنية تعد من أشهر أغاني سفكليز:
"ما أكثر العجائب في هذا العالم، ولكن لا شيء أعجب من الإنسان؛ فهو يشق طريقه المحفوف بالأخطار خلال المضيق ذي الماء المزبد فوق متن البحار الصاخبة، تدفعه ريح الجنوب الهوجاء. والأرض أقدم الآلهة التي لا يعتريها نصب ولا وهن يفلحها ويقلبها سنة بعد سنة بمحراثه ونيره على رقاب الجياد.
"ويصيد بفخاخه المنسوجة طيور الهواء الحمقاء، ووحوش الغاب والفلوات، وسمك البحار المالحة. ألا ما أشد مكره. فهو يذلل بحيله التي لا آخر لها الثور الوحشي والأيل الذي يمرح حراً في الجبال، ويخضع للجامه الجواد الأشعث ذا اللبد. أما الكلام وإسداء النصح العاجل والذكاء فقد عرفها كلها بنفسه،
стр. 2285
وعرف كيف يسقط المطر السريع وكيف تهب الريح العاتية الطليقة التي تتجمد تحت سماء الشتاء. وهو مستعد لكل ما يصادفه، فقد عرف كيف يتحمل الوباء الوخيم، وكيف ينجو من كل ما يصيبه، ولكنه مع هذا كله لم يجد دواء يرد عنه الموت" (٦٩).
ويحكم كريون أن تدفن أنتجوني حية، ويحتج ابنها هيمون على هذا الحكم الظالم الرهيب، فلا يفيد احتجاجه فيقسم لأبيه "إنك لن ترى وجهي بعد الآن". وهنا لأول مرة يحدث الحب أثره في مأساة سفكليز وينشد الشاعر لإله الحب نشيداً ظل الأقدمون يذكرونه عهداً طويلاً:
"أيها الحب؛ يا من لا يقوى على صدك شيء في الكفاح، كل الناس يخضعون إذا ألقيت عليهم نظرة من عينيك. الحب يرقد طول الليل على خد العذراء، ويطوي الربا والقفار، ويشق عباب البحار. أيها الحب يا من يقع الآلهة في أسرك، هل يقوى الآدميون على النجاة من قبضتك؟ " (٧٠).
ويختفي هيمون، ويجد كريون في البحث عنه ويأمر جنوده بأن يفتحوا الكهف الذي دفنت فيه أنتجوني، فيجدها ميتة وإلى جانبها هيمون قد وطد العزم على الموت.
"ونظرنا، وفي قبوة الكهف المظلم رأيت الفتاة مخنوقة هناك، وقد لف حبل من التيل وعقد حول عنقها، وإلى جانبها حبيبها ممسك بجثتها الهامدة يندب عروسه الميتة … فلما أن رآه الملك صرخ صرخة مروعة واتجه نحوه وهو يصيح: "أي ولدي، ماذا فعلت بنفسك؟ وماذا يؤلمك؟ وأية كارثة حلت بك فسلبت عقلك؟ أقبل يا ولدي أقبل، إن أباك يتوسل إليك". ولكن ابنه أحدق فيه بعينين كعيني النمر، وبصق في وجهه، ثم استل سيفه ذا المقبضين دون أن ينبس ببنت شفة وضرب؛ غير أن أباه تراجع إلى الوراء فأخطأته الضربة. وغضب الغلام الداعر البائس من نفسه، فسقط على حد سيفه،
стр. 2286
فنفذ السيف في جنبه؛ وقبل أن تخمد أنفاسه أمسك الفتاة بذراعيه المسترخيتين، وقد اصطبغ خدها المصفر بشهيقه. وهكذا قضى الاثنان نحبهما، وأصبحا جثتين هامدتين وحَّد بينهما الموت" (٧١).
وأهم ما تمتاز به هذه المسرحيات صفتان لم يذهب بروعتهما مر الزمان ولا عبث المترجمين وهما جمال الأسلوب وسمو الفن. ففيها النموذج الحق لعبارات العصر الذهبي المصقولة، الهادئة، الرصينة، القوية في غير إسراف، الجزلة الرشيقة، التي تجمع بين قوة فدياس ورقة برلستيليز. ولا يقل السياق نفسه سمواً عن الألفاظ، فكل سطر قد وضع في الموضع اللائق به، وكل سطر يستحوذ على فكرك ويسير بك إلى تلك اللحظة التي تصل فيها الحوادث إلى غايتها ومغزاها. وقد بنيت كل مسرحية من هذه المسرحيات كما تبنى المعابد يصقل كل جزء منها على حدة، ولكنه يوضع في مكانه اللائق به من البناء كله، إذا استثنينا فيها عيباً واحداً هو أن المؤلف في مسرحية فلكتيتس يقبل في غير جهد فكرة إنزال الآلهة بالآلات (وهي فكاهة من فكاهات يوربديز) ويعدها حلاً جدياً للعقدة المستعصية على الحل. وأهم النقاط البارزة في حبكة هذه المسرحيات، وفي مسرحيات إسكلس، هي أولاً انتقام لغطرسة شديدة وسفاهة في أحد الفصول (كلعنة أوديب للقاتل المجهول)، ثم معرفة فجائية لحقيقة كانت قبل غامضة، ثم تعثر الحظ، ثم الانتقام الإلهي والعقاب المحتوم. وكان أرسطاطاليس يتخذ "أوديب الملك" مثلاً للمسرحية الكاملة البناء الخالية من النقص؛ وإن مسرحيتي أوديب الأخريين لتوضحان أتم الوضوح تعريف أرسطو للمسرحية، وقوله إنها تطهير للرحمة والفزع بعرضهما عرضاً موضوعياً. والشخصيات هنا مصورة تصويراً أوضح من شخصيات إسكلس وإن لم تبلغ في واقعيتها مبلغ شخصيات يوربديز. وفي ذلك يقول سفكليز نفسه: "إني أصور الرجال كما يجب أن يكونوا، أما يوربديز فيصورهم كما هم" (٧٢)،
стр. 2287
وكأنه يعني بهذا أن التمثيل يجب أن يتجه إلى حد ما نحو المثل العليا، وأن الفن يجب ألا يكون تصويراً شمسياً. ولكن أثر يوربديز يظهر واضحاً في النقاش الذي يدور في الحوار، وفي استغلال العواطف في بعض الأحيان؛ وشاهد ذلك أنا نرى أوديب يغفل صفاته الملكية ويحاج تيرسياس Teiresias، ونراه حين يفقد بصره يتحسس أوجه بناته تحسساً يبعث الحسرة في النفس. أما إسكلس فلو أنه كان في هذا الموقف نفسه لنسي البنات وأخذ يفكر في قانون من القوانين الخالدة.
وسفكليز أيضاً فيلسوف وواعظ، ولكن نصائحه لا تعتمد على رضاء الآلهة بالقدر الذي تعتمد به عليها نصائح إسكلس. وسبب ذلك أنه قد مسته روح السوفسطائيين، وهو وإن كان يستمسك بأصول الدين يظهر في مسرحياته أنه لولا أن الحظ قد واتاه لكان هو ويوربديز سواء. ولكن حساسيته الشاعرية الشديدة التي تمنعه أن يتلمس المعاذير لما يصيب الناس من ضر لا يستحقونه في أغلب الأحيان. انظر مثلاً إلى قول ليلس Lyllus أمام جسم هرقل وهو يتلوى من شدة الألم:
"نحن لم نقترف ذنباً، ولكننا نقر بأن قلوب الآلهة خالية من الرحمة، فهم يلدون الأبناء، ويطلبون أن يعبدوا باسم الآباء، ولكنهم ينظرون إلى أبنائهم نظرة مليئة بالأحقاد" (٧٣).
وهو ينطق جوكستا بالسخرية من النبوءات، مع أن مسرحياته تدور حول هذه النبوءات نفسها وتبدو فيها واضحة؛ وترى كريون يندد بالمتنبئين ويقول عنهم إنهم "طائفة لا هم لها إلا جمع المال"، ويسأل فلكتيتس السؤال القديم "كيف نبرر تصرفات السماء إذا كنا نجد السماء ظالمة؟ " (٧٤) ويجيب سفكليز عن هذا السؤال إجابة تبعث الأمل في النفوس فيقول
стр. 2288
إن النظام الأخلاقي في العالم أدق من أن تفهمه عقولنا، ولكنه نظام قائم بالفعل، وستكون الغلبة فيه للحق في آخر الأمر (٧٥). وهو يحذو حذو إسكلس فيرى أن زيوس هو نفسه النظام الأخلاقي، وهو يقترب من الوحدانية أكثر مما يقترب منها إسكلس نفسه. ويشبه الصالحين من الإنجليز في عصر الملكة فكتوريا، فتراه قوياً في إيمانه بالأخلاق الفاضلة وإن كان غير واثق كل الثقة من دينه، ويرى أن أرقى أنواع الحكمة أن نعرف القانون الذي هو زيوس، المرشد الأخلاقي لهذا العالم، وأن نتبعه متى عرفناه.
"ألا ليت قدمي الثابتين لا تعجزان عن السير في طريق الحق والصلاح. وليتني أقضي حياتي مبرأً من الخطايا في القول والفعل، مستمسكاً بتلك القوانين الأزلية التي تسمو على الدوام إلى أبراج السماء الأثيرية النقية التي نشأت فيها: ذلك أن موطنها الوحيد هو أولمبس، ولم تكن هي وليدة حكمة البشر؛ ومهما غفل عنها الناس فإنها مستيقظة لا تنام عيناها أبداً" (٧٦).
ذلك قلم سفكليز ولكنه صوت إسكلس، أو هو الإيمان يقف وقفته الأخيرة في وجه الكفر. وكأنا نشهد في هذا الموقف، موقف التقى والاستسلام للقضاء، أيوب يندم على ما فرط منه ويرضى بما كتب له، ولكننا نلمح بين السطور شيئاً من إلهام يوربديز قبل أن يوجد يوربديز نفسه.
ويرى سفكليز، كما يرى صولون، أن أسعد الناس هو الذي لم يولد، ويليه في هذه السعادة من يموت في طفولته. ولقد وجد أحد المتشائمين المحدثين بعض اللذة في ترجمة الأبيات المحزنة في النشيد الجنائزي الذي أنشد عند موت أوديب، وهي أبيات يظهر فيها الملل من العالم الناشئ من آلام الشيخوخة، ومن حرب البلوبونيز حيث يقتتل الإخوة ويفتك بعضهم ببعض:
"أي رجل ذاك الذي يتوق إلى طول الأجل؟ إن عيني ترى الحماقة
стр. 2289
تكتنف كل أساليبه، وكلما مرت السنون تبدلت حياتك سوءاً بعد سوء. سوف يقترب منك الحزن، ويمتنع عن عينيك السرور. هذا هو الجزاء الذي يناله من يطول أجلهم.
"وخير الناس في نظري هو الذي لم يولد (١)؛ ويليه في هذا من يولد ثم يموت لساعته. إن الشباب ليجيء للإنسان بالحماقات التي هي أخف وزناً من الريش، ثم تجتمع الشرور كلها فلا ينقصها شر: من الغضب، وحسد، وشقاق، ونزاع، وسيف يتعقب الحياة. وتختتم هذه المتاعب كلها باقتراب الشيخوخة التي توهن الجسم فيفر من الأصدقاء والأقارب، الشيخوخة التي يتضاعف فيها كل ما تحت قبة السماء من أحزان.
"والذي يتحرر من الكدح، تنعقد أواصر الصداقة بينه وبين غيره من الناس، ولا تصحبه عروس ولا أهل عروس، ولا يسمع صوت الدفوف والغناء لأن الموت يقضي على ذلك كله".
ويعرف كل من درس حياة سفكليز أنه كان يتسلى في شيخوخته مع حظيته ثيوريس Theoris، وأنه رزق منها بطفل (٧٨)، وأن أيوفون Iophon ابنه الشرعي أقام دعوى على أبيه يتهمه فيها بالسفه، ولعل الدافع له إلى هذا خوفه أن يترك الشاعر ثروته لابنه من ثيوريس. ودافع سفكليز عن نفسه وقدم دليلاً على تمتعه بكامل قواه بعض مقطوعات قرأها على المحكمة من مسرحية كان يكتبها، ولعلها كانت مسرحية "أوديب في كولونس"؛ ولم يكتف القضاة بتبرئته من التهمة بل ساروا يحفون به إلى بيته (٧٩). ومع أنه قد ولد قبل يوربديز بزمن طويل فقد عاش حتى لبس عليه الحداد، ثم مات في السنة التي مات فيها هذا الكاتب سنة ٤٠٦. ومن الخرافات الشائعة أنه لما حاصر الإسبارطيون
стр. 2290
أثينة، تجلى ديونيشس إله التمثيل للمتحاربين وشفع لأصدقاء سفكليز، فحصل لهم على ممر أمين، وأمكنهم بذلك أن يدفنوه في مقبرة آبائه في ديسيليا Deceleia، وأجله اليونان وكرموه كما يكرمون آلهتهم، وكتب له الشاعر سمياس Simmias قبرية هادئة قال فيها:
تسلق بلطف أيها الخلباب إلى حيث يرقد سفكليز في راحته الهادئة، وأرسل غدائرك الصفراء المخضرة على قبره الرخامي، الذي يتفتح حوله الورد الأرجواني. ولتتدل حوله عناقيد الورد المكتنزة، وتلقي حول الحجر أعناقها الصغيرة الجميلة، جزاءً وِفاقاً له على حكمته الحلوة التي هو منشؤها والتي تدعى ربات الشعر وثالوث الجمال أنها أغانيها.
стр. 2291
الفصل الخامِس
يوربديز
١ - المسرحيات
كما شق جيتو Giotto الطريق الوعر للتصوير الإيطالي في بداية عهده، ثم أوصله بروحه الهادئة إلى كماله الفني، وأتم ميكل أنجلو تطوره بأعماله التي صدرت عن عبقريته المعذبة؛ وكما شق باخ Bach بجهوده الجبارة الطريق الرحب إلى الموسيقى الحديثة، وأبلغها موزار ببساطتها العذبة الرخيمة إلى أرقى الدرجات، ثم أتم بيتهوفن تطورها بمؤلفاته التي لا يدانيها شيء في فخامتها وجلالها؛ كذلك شق إسكلس بشعره القوي وفلسفته الصارمة الطريق الذي سارت فيه المسرحيات اليونانية، وحدد أشكالها، ثم هذب سفكليز هذا الفن بموسيقاه المتزنة وحكمته الهادئة، وأتم يوربديز تطوره بمؤلفاته التي تفيض بالشعور الجائش والشك القوي. لقد كان إسكلس في مسرحياته واعظاً لا يكاد يقل صراحة عن أنبياء بني إسرائيل، وكان سفكليز فناناً سامياً يتشبث بإيمان مزعزع موشك على الانهيار، وكان يوربديز شاعراً عاطفياً إبداعياً لا يستطيع أن يكتب مسرحية كاملة لأن الفلسفة شتت قواه. وكان هؤلاء هم إشعيا وأيوب والجامعة في كتاب اليونان المقدس.
ولد يوربديز في عام سلاميس، ويقول بعضهم إنه ولد في يوم سلاميس بالذات، وأكبر الظن أن مسقط رأسه هو تلك الجزيرة التي يقال إن أبويه فرا إليها هرباً من الغزاة الميديين (٨٠). وكان أبوه رجلاً من أصحاب المال والسلطان في مدينة فيلا Phyla الأتكية، وكانت أمه تنحدر من أسرة شريفة (٨١)،
стр. 2292
وإن كان منافسه أرسطوفان يصر على أنها كانت تدير حانوت بدال، وتبيع الفاكهة والأزهار في الطرقات. وقضى يوربديز أيامه الأخيرة في سلاميس، مولعاً بعزلة تلالها، وجمال مناظرها، وزرقة بحارها؛ وكما أراد أفلاطون أن يكون كاتباً مسرحياً فكان فيلسوفاً، كذلك أراد يوربديز أن يكون فيلسوفاً فكان كاتباً مسرحياً. ويقول استرابون (٨٢) إنه "تلقى منهج أنكساغورس كله، ودرس بعض الوقت على برودكس، وكان صديقاً حميماً لسقراط، وبلغ من صلته به أن بعض الناس يظنون أن قد كان للفيلسوف يد في مسرحيات الشاعر (٨٣). وكان للحركة السوفسطائية كلها أثر كبير في تعليمه، واستحوذت عن طريقه على المسرح الديونيشي، فكان هو فلتير عصر الاستنارة اليوناني، يعبد العقل ويلمح إلى هذه العبادة في ثنايا مسرحياته التي كانت تمثل لتمجيد إله من الآلهة تلميحاً أفسدها وكان له أسوأ الأثر فيها.
وتعزو إليه سجلات المسرح الديونيشي فضل تأليف خمس وسبعين مسرحية، بدأت ببنات بلياس في عام ٤٥٥ واختتمت بالباخيه Bacchae في عام ٤٠٦، ووصلت إلينا منها ثمان عشرة كاملة وهتامات مختلفة من باقي المسرحيات (١). ومادتها هي أساطير اليونان الأولين، تتخللها إشارات من التشكك تبدو أولاً في حذر ثم تظهر سافرة جريئة بين السطور. ونرى في مسرحية أيون Ion أبا القبائل الأيونية المزعوم وقد وقع في ورطة حرجة: فقد جاء على لسان وحي أبلو أن أباه هو أكسوثوس Xuthus، ولكن أيون يكشف أنه ابن أبلو الذي أغوى أمه ثم خلعها على أكسوثوس، ويسأل أيون نفسه أيمكن أن يكون الإله النبيل كاذباً؟ وفي مسرحيتي هرقل وألسستيز Alcestis نرى الفتى الغوي ابن
стр. 2293
زيوس وألكمينا في صورة إنسان سكير طيب القلب، له نهم جارجنتوا Gargantua وعقل لويس السادس عشر. وتقص مسرحية ألسستيز القصة المنفرة فتصف كيف اشترطت الآلهة نظير إطالة عمر أدميتس Adametuas (ملك فيري Pherae في تساليا) أن يرضي إنسان ما أن يموت بدلاً منه. وتعرض زوجته أن تفتديه بحياتها، وتودعه بقصيدة من مائة بيت يستمع إليها في صبر ونبل، وتُحمل ألسستيز باعتقاد أنها قد ماتت ولكن هرقل يخرج من مجلس الخمر والولائم، ويجادل الموت، وينهره، ويرغمه على ترك ألسستيز، ويعيد إليها حياتها. ولا يمكن فهم المسرحية إلا على أنها محاولة خبيثة لتسخيف هذه الخرافة (١).
وتستخدم مسرحية هيبوليتس Hippolytus هذه الطريقة عينها طريقة إقامة البرهان بنقض نقيضه، ولكن بطريقة أظرف وأكثر دهاء. فالبطل الوسيم هنا شاب صياد يقسم لأرتميس Artemis العذراء إلهة الصيد أن يكون على الدوام وفياً لها، وأن يتجنب النساء طول حياته، وأن يجد أعظم لذته في الأدغال. وتغضب أفرديتي لهذه العزوبة المهينة فتصب في قلب فدرا Phaedra زوجة ثسيوس هياماً جنونياً بهبوليتس بن ثسيوس من أنتيوبي Antiope زوجته المحاربة. وهذه هي أولى مآسي العشق فيما لدينا من كتابات أدبية، وفيها نجد من بداية الأمر جميع أعراض الحب في أعقد أزماتها وأقوى درجاتها، وذلك حين يصد هبوليتس عن فدرا فيتحطم قلبها، ويذوى غصنها، وتكاد تقضى من فرط الأسى. وتصبح مربيتها فيلسوفة
стр. 2294
على غير انتظار فتأخذ في التفكير في الحياة بعد الموت، وتظهر في تفكيرها هذا من الشك في هذه الحياة ما لا يقل عن شك هملت فيها:
"ومع هذا فحياة الإنسان كلها ألم وكدر، وليس ثمة راحة على ظهر هذه الأرض؛ وإذا كانت هناك حالة بعيدة أحب إلى الموتى من الحياة فإن يد "الظلماء" تقبض عليها وتحجبها في ظلمات من فوقها ومن أسفل منها. ومن الناس من يرغبون في الحياة ويتعلقون بالبقاء على هذه الأرض بهذا الشيء البراق الذي لا أعرف ماذا أسميه، وذلك لأن الحياة الأخرى نبع مختوم مغلق، والأعماق التي من تحتنا لم تكشف لنا، ونحن تتقاذفنا الخرافات والأوهام إلى أبد الدهر" (٨٤).
وتحمل المربية رسالة إلى هبوليتس تقول إن فدرا ترحب به في فراشها؛ ويرتاع هو لهذه الرسالة لأنه يعرف أن التي تدعوه إلى فراشها زوجة أبيه، وينطلق لسانه بإحدى الفقرات التي اشتهر من أجلها يوربديز بأنه عدو النساء:
"رباه! لم وضعت في سبيلنا هذا الشرك البراق، تلك النساء اللاتي يتعقبن خطانا على ظهر هذه الأرض السعيدة؟ هل إرادتك هي التي اقتضت أن يولد الإنسان عن طريق الحب والمرأة؟ " (٨٥).
ثم تموت فدرا، ويجد زوجها في يدها رسالة كتب فيها أن هبوليتس أغواها. ويستشيط ثسيوس غضباً، ويدعو بوسيدن أن يقتل هبوليتس؛ ويحتج الشاب بأنه بريء ولكن أحداً لا يصدقه؛ ويخرجه ثسيوس من البلاد. وبينما كانت عربته تمر في سيرها بشاطئ البحر إذ يخرج من الموج أسد بحر ويطارده؛ ويجفل جواداه ويقلبان العربة ويجران هبوليتس (بعد أن مزقه الجوادان) فوق الصخور حيث يموت شر ميتة. وترفع فرقة المنشدين صوتها بهذه الأبيات التي أدهشت أثينة وأزعجتها بلا ريب:
стр. 2295
"أيتها الآلهة، يا من أوقعته في الشرك، إني أقذف في وجهك كرهي واحتقاري".
وفي مسرحية ميديا ينسى يوربديز إلى حين غضبه على الآلهة ويصوغ من قصة ركاب السفينة أرجوس أقوى مسرحياته على الإطلاق. فعندما يصل جيسن Jason إلى كلشيز، تهيم الأميرة ميديا بحبه، وتساعده على أخذ الجزة الذهبية، وفي دفاعها عنه تخدع أباها وتقتل أخاها. ويقسم جيسن أن يحبها حبا أبديا ويأخذها معه إلى أيوكلس Iolcus. وهناك تدس ميديا الوحشية الطباع السم إلى الملك بلياس لكي تجلس جيسن على العرش الذي وعد به. وإذ كانت شريعة تساليا تحرم الزواج من الأجنبيات فإن جيسن يعيش مع ميديا عيشة العاشقين بغير زواج وتلد له طفلين. ولكنه لا يلبث أن يضيق ذرعا بشهوتها الوحشية، ويتطلع حوله باحثا عن زوجة شرعية ووارث لملكه، ويعرض أن يتزوج ابنة كريون ملك كورنثة. ويوافق كريون على هذا الزواج وينفي ميديا من البلاد؛ وتفكر ميديا فيما ارتكبته من أخطاء، وتنطق بفقرة من أشهر فقرات يوربديز التي يدافع فيها عن النساء:
"لم أر بين جميع الأشياء التي تنمو ويسيل منها الدم، شيئاً تهشم كما تهشمت المرأة. إن علينا أن نقدم كل ما جمعناه من الذهب وادخرناه لهذا اليوم الوحيد، لنبتاع به حب رجل، ولكننا نبتاع به سيداً ليتصرف في أجسامنا! وهذا لعمري أشد ما يؤلمنا في هذا العمل المشين. ولا نعرف بعد ذلك هل سيكون هذا السيد إنساناً خيراً أو شريراً، وذلك هو خطر يتهددنا طوال حياتنا … إن بيتها لم يعلمها أحسن وسيلة تهدي بها ذلك الشيء الذي ينام بجانبها سبل السلام. وإن التي تجد بعد جهودها المضنية الطويلة وسيلة تجعله يحسب لها حسابها، فلا ينفض عن ظهره عبأها بعنف، تعد نفسها سعيدة. أما التي تعجز من النساء عن العثور على تلك الوسيلة فلتتمن الموت. إن زوجها إذا مل رؤية وجهها في داخل المنزل
стр. 2296
غادره، وذهب إلى مكان أروح من المنزل وأحب منه إلى قلبه؛ أما هي فقد كتب عليها البقاء حيث هي، لا تقع عيناها إلا على نفس واحدة. ثم يقولون بعدئذ إنهم هم الذين يلبون نداء الحرب، على حين أننا نجلس في عقر دورنا وفي حمايتها بعيدات عن كل خطر! إن هذا لسخرية وبهتان! ولأن أنزل ثلاث مرات إلى ميدان القتال، أخوض المعارك وترسي في يدي لأحب إليَّ من أن أحمل طفلاً واحداً (٨٦).
ثم تتبع هذه القصة انتقامها الرهيب، فترسل إلى منافستها مجموعة من الأثواب الثمينة متظاهرة بأنها تريد بذلك أن تسترضيها. وتلبس الأميرة الكورنثية أحد هذه الأثواب فتحترق بالنار؛ ويحاول كريون أن ينجيها فيحترق هو أيضاً ويموت. وتقتل ميديا أطفالها، وتخرج بجثثهم على مرأى من جيسن، وتنشد فرقة المرتلين هذه الخاتمة الفلسفية:
"لزيوس في السماء ردهات ملأى بالكنوز يفرق منها على بني الإنسان مصائرهم القريبة من خير وشر لم يكونوا يرجونه أو يرهبونه. فأما الغاية التي كانوا يتطلعون إليها فلا ينالونها؛ فهناك طريق لم يفكر أحد فيه! ذلك ما حدث في هذا المكان".
وتدور سائر المسرحيات في الغالب حول قصة طروادة. ففي مسرحية هلن نرى القصة كما رواها استسكورس Stesichorus وهيرودوت (٨٧)؛ فملكة إسبارطة حسب هذه الرواية لا تفر مع باريس إلى طروادة، بل تنقل رغم إرادتها إلى مصر، حيث تنتظر مجيء زوجها دون أن يعتدي أحد على عفافها؛ ويقول يوربديز إن بلاد اليونان كلها قد خدعتها خرافة هلن في طروادة. وفي مسرحية إفجينيا في أوليس يغمر يوربديز قصة تضحية أجممنون بفيض من العواطف لم تعهد من قبل في المسرحيات اليونانية، وبطائفة من أشنع الجرائم التي دفع الناسَ إليها دينُهم القديم. وكان إسكلس وسفكليز قد كتبا أيضاً في هذا الموضوع، ولكن
стр. 2297
مسرحياتهما لم تلبث أن نسيت وطغى عليهما سناً من المسرحيات الحديثة. وفي هذه المسرحية ينظر يوربديز إلى قدوم كليتمنسترا وابنتها نظرة عطف وحنان، ويظهر أرستيز "وهو لا يزال بعد طفلاً رضيعاً لا يستطيع الكلام" ليشهد خرافة القتل التي تقرر مصيره فيما بعد. وترى الفتاة يجللها الخفر وتغمرها السعادة وهي تهرول لتحيي الملك:
إفجينيا: ما أشد شوقي يا أبتاه إلى أن أرتمي على صدرك بعد هذا
الغياب الطويل؟ وأرجو ألا يغضبك أنني قد سبقت غيري
إليك- لأني مشتاقة إلى طلعتك .... ولأنك يسرك كل
السرور أن تراني. ولكن لم أراك مهموماً محزوناً؟
أجممنون: إن الملوك والقادة كثيرو الهموم.
إفجينيا: لتكن هذه الساعة لي- هذه الساعة لا أكثر. لا تستسلم للهموم!.
أجممنون: سأكون كلي لك؛ فلا تتشتتي يا أفكاري. . .
إفجينيا: ومع هذا- ومع هذا- فإني أرى الدموع تترقرق في عينيك!
أجممنون: نعم، لأن الغياب في المستقبل سيطول.
إفجينيا: لست أعرف، لست أعرف، يا أبتي العزيز ماذا تقصد؟
أجممنون: إن فطنتك الرشيدة تضاعف أحزاني.
إفجينيا: سأنطق إذن بالسخف لأدخل السرور على قلبك (٨٨).
وحين يقبل أخيل تتبين أنه لا يعرف شيئاً عن زواجهما المزعوم، بل تعرف بدل هذا أن الجيش قد طال انتظاره للتضحية بها؛ فتلقي بنفسها على قدمي أجممنون وتتوسل إليه أن يبقى على حياتها:
لقد كنت أولى أبنائك- وأولى من قال لك يا أبت، وأولى من جلس على ركبتيك من أطفالك؛ وتبادلت وإياك الحديث في مسرات الحياة. وهذا
стр. 2298
ما كنت تقوله لي: "أي بنيتي العزيزة، هل يقدر لي أن أراك ممتعة سعيدة في بيت سيدك وزوجك الخليق بك؟ " واحتضنت لحيتك التي أمسك بها الآن متوسلة، وأجبتك بقولي: "وأنا الأخرى سأرحب بك يا أبت، حين يبيض شعرك من طول السنين، في داخل بيتي الحلو الجميل، وسأجزيك على حبك إعزازاً وتكريماً". هذا كنا ما نتحدث عنه، أذكره جيداً، ولكني أراك تنساه وتريد أن تقضي على حياتي" (٨٩).
وتندد كليتمنسترا باستسلام أجممنون لهذه الطقوس الوحشية، وتتوعده بعبارات تحتوي على الكثير من المآسي: "لا تضطرني إلى الغدر بك"، وتشجع أخيل على ما يبذله من الجهد لإنقاذ الفتاة، ولكن إفجينيا تغير رأيها وتأبى أن تهرب:
استمعي يا أماه إلى ما خطر ببالي وأنا أقلب الفكر في أمري:
لقد اعتزمت أن أموت، ويسرني أن أموت هذه الميتة المجيدة- وأن أبعد عني جميع الأفكار الدنيئة … إن هلاس العظيمة كلها تتطلع إلي، وما من أحد غيري يستطيع أن يمد إليها يداً ويسدي إليها تلك النعم: فتسير سفنها، وتهزم فيريجيا عدوتها، وتنقذ بناتها من البرابرة في أيامها المقبلة، حتى لا يستطيع الناهبون أن يختطفونهم من بيوتهن ويقضوا بذلك على سعادتهن، بعد أن يعاقب باريس على اعتدائه وهلن على ما جللت به نفسها من عار. كل هذا الخير ستناله البلاد بموتي، وسيكون اسمي مباركاً محوطاً بالإجلال لأني وهبت الحرية لهلاس (٩٠).
وحين يقبل الجنود ليأخذوها تأمرهم بألا يمسوها بأيديهم وتسير طائعة مختارة إلى كومة وقود التضحية.
وفي مسرحية هكيبا تضع الحرب أوزارها، ويستولى اليونان على طروادة، ويقتسم المنتصرون الأسلاب. وترسل هكيبا زوجة بريام بوليدورس
стр. 2299
أصغر أبنائها ومعه كنز من الذهب إلى بولمنستر Polymnestor ملك تراقيا وصديق بريام. لكن بولمنستر يطمع في الذهب فيقتل الغلام ويلقي بجثته في البحر، فتقذفها الأمواج فوق ساحل إليون. وتحمل إلى هكيبا. وفي هذه الأثناء يمنع شبح أخيل الميت الريح من أن تدفع الأسطول اليوناني إلى بلاده، حتى يضحي له بيولكسينا Polyxena أجمل بنات بريام. ويأتي تلثبيوس Talthybius رسول اليونان إلى هكيبا ليأخذ منها الفتاة، فيجدها ملقاة على الأرض منفوشة الشعر ذاهلة، وقد كانت منذ قليل ملكة مكرمة، ينشد أبياتاً من الشعر تدل على تشكك يوربديز:
ماذا أقول يا زيوس؟ - أأقول إنك تنظر إلى الخلق؟ أم إلى قولنا إن هناك جيلاً من الآلهة ليس إلا وهماً وخداعاً كاذباً نستمسك به ولا يجدينا نفعاً، وإن المصادفة دون غيرها هي التي تسيطر على جميع مصائر البشر؟ (٩١).
والفصل التالي في المسرحية المركبة هو المرأة الطروادية. وقد مثلت هذه المسرحية الجزئية في عام ٤١٥، بعد أن دمر الأثينيون ميلوس في عام ٤٠٦ بزمن قليل، وقبيل الحملة التي سيرت إلى صقلية للاستيلاء عليها وضمها إلى الإمبراطورية الأثينية. وكانت هذه هي اللحظة التي روع فيها يوربديز بالمذبحة التي وقعت في ميلوس، وبالنزعة الاستعمارية الوحشية التي دفعت الأثينيين إلى مهاجمة سرقوصة، فجرؤ على الجهر بدعوة حارة إلى السلم، صور فيها ما حدث تصويراً جريئاً على أنه انتصار من وجهة نظر المغلوبين، وكان تصويره هذا "أعظم تشهير بالحرب في الأدب القديم" (٩٢). وهو يبدأ حيث ينتهي هومر- بعد الاستيلاء على طروادة. فالطرواديون ملقون على الأرض بعد مذبحة جامعة، ونساؤهم قد ذهب الروع بعقولهن، وهن يخرجن من مدينتهن المخربة ليكن سبايا للغالبين. وتقبل هكيبا مع ابنتيها أندرمكي وكسندرا بعد أن ضحى بحياة بولكسينا، ويأتي تلثيبيوس ليأخذ كسندرا إلى خيمة أجممنون. وتسقط هكيبا على الأرض
стр. 2300
من فرط الحزن، وتحاول أندرمكي أن تواسيها، ولكنها هي الأخرى يغلب عليها الجزع حين تضم الأمير الصغير أستياناكس Astyanax إلى صدرها وتذكر أباه الميت.
أندرمكي: … ولقد شددت وتر قوسي من زمن بعيد وصوبت سهمي نحو حسن سمعتي، وأدركت أن سهمي قد أصاب هدفه، ومن أجل هذا فأنا بعيدة كل البعد عن السلام. لقد أحببت من أجل هكتور كل ما يثني عليه الرجال فينا، وبذلت جهدي في الوصول إليه. لقد عرفت أن التجوال في خارج البلاد يسيء إلى سمعة المرأة سواء أصابها شر في هذا التجوال أو عادت منه بريئة طاهرة، ومن أجل هذا قمعت في نفسي هذه الرغبة، وكان تجوالي في حديقة بيتي، ولم تدخل قط من باب داري ألفاظ النساء المستهترة أو أحاديثهن المرحة. وتحدثت إلى قلبي، ولم أكن أبغي ذلك الحديث، فسعدت به. وكثيراً ما لزمت الصمت وأسبلت العين حين كان هكتور يحييني، وحرصت كل الحرص على أساليب الحياة الطيبة وعرفت أين أرشد، وأين أطيع …
ولقد قال الناس إن ليلة واحدة تذلل المرأة وتلقيها في أحضان الرجل. فيا للعار، يا للعار! أي شفتين هاتين اللتين توردان المرأة موارد الهلكة وتسمحان للغريب أن يقبلهما؟. إن أنثى الحيوان الأعجم، إن المهرة، لا تجري خالية من الهموم إذا كان رفيقها بعيداً عنها …
أي هكتور! يا أحب الناس إليّ، لقد كنت زوجي، وكنت كل شيء لي، كنت أميري، وحكيمي، يا أشجع الشجعان! إن رجلاً ما لم يمسني أو يقترب مني من يوم أن أخذتني من دار أبي وجعلتني زوجة لك … وها أنت ذا قد مِتَّ وقذفت بي الحرب إلى الرق وعيش المذلة في هلاس وراء البحار الكريهة!.
وتفكر هكيبا في يوم انتقام بعيد فتأمر أندرمكي أن ترضى بسيدها
стр. 2301
الجديد لعله يسمح لها أن تربي استياناكاس، حتى يستطيع في يوم من الأيام أن يعيد بيت بريام ومجد طروادة. غير أن اليونان كانوا قد فكروا هم أيضاً في هذا، ويقبل تلثبيوس ليعلن أن استياناكاس لابد أن يموت: "لقد قرروا أن يلقي ولدك من فوق سور طروادة العالي ذي الأبراج". وينتزع الطفل من بين ذراعي أمه، وتتشبث به أندرمكي إلى آخر لحظة وتودعه وداعاً حاراً وعقلها مشتت مضطرب:
الق الموت يا أحب الناس إليّ وأعزهم عليّ، بأيدي رجال قساة غلاظ الكباد، واتركني وحيدة في هذا المكان؛ لقد كان أبوك شجاعاً مقداماً، ومن أجل هذا يقتلونك … ولا تجد من يرحمك! … ألا أيها المخلوق الصغير الذي تتلوى بين ذراعي، ما أزكى هذه الرائحة التي تنبعث من حول عنقك! أيها الحبيب أعبثاً ضمك هذا الصدر وغذاك، وهل إلى غير غاية قضيت الليالي قلقة أسهر عليك في مرضك حتى أضناني السهر؟ قبلني قبلة واحدة لن تتكرر بعد ذلك أبداً. امدد ذراعيك وارفع نفسك حول عنقي، قبلني الآن وضع شفتيك فوق شفتي … آه أيها اليونان الظرفاء، لقد عثرتم على نوع من العذاب لم يعرف مثله الشرق من قبل! … أسرعوا خذوه، جروه، ألقوه من فوق الأسوار، إن كنتم تريدون أن تلقوه من فوقها! مزقوه أيها الوحوش، عجلوا! لقد خارت عزيمتي فلست أقوى على رفع يدي لأنجي طفل من الهلاك.
ثم تأخذ في الهذيان، ويغشي عليها، ويخرج بها الجند، وحينئذ يظهر منلوس، ويأمر جنوده أن يأتوا بهلن، وكان قد أقسم ليقتلنها، وترتاح هكيبا حين تفكر أن هلن ستلقى آخر الأمر جزاءها:
أباركك يا منلوس، أباركك إن أنت قتلتها! ولكن حذار أن تنظر إلى وجهها لئلا تأسرك فتخر صريعاً!.
وتدخل هلن، لم يمسسها أحد بسوء. ولا تخش أن تمس بسوء، تزهو إذ تشعر بأنها جميلة.
стр. 2302
هكيبا: هل أتيت الآن مزدانة الصدر والجبين، وهل تتنفسين مع سيدك ما يتنفسه من هواء، أنت يا ذات القلب الخبيث، فليطأطأ رأسك، ولينفش شعرك، ولتمزق أثوابك، فلن يكون من تحتها شيء يرفع من شأنك، بل سيكون من داخلها ما يجللك العار لما ارتكبت من الآثام. كن صادق العزم أيها الملك، وضع على جبين هلاس تاج العدالة؛ اقتل هذه المرأة …
منلوس: صه، أيها العجوز صه … (ثم يلتفت إلى الجند):
أعدوا لها سفينة كبيرة متعددة الحجرات تجوب فيها البحار ....
هكيبا: إن من أحب مرة سيظل محباً على الدوام.
وحين تخرج هلن ويخرج منلوس يعود تلثبيوس يحمل جثة أستياناكس القتيل!.
تلثبيوس: لقد سحرت أندرمكي … هذه الدموع في عيني وهي تبكي بلادها من وراء البحار. لقد نظرت إلينا، وأخذت تتحدث إلى قبر هكتور، وترجو أياً كان ما نفعله به ألا نغفل المراسم المرعية في دفن هذا الطفل … وأمرتني أن ألفه في أربطة الموت وأثوابه وأن أضعه بين يديك … (تأخذ هكيبا الطفل).
هكيبا: آه! أي موت لاقيت أيها الصغير! … أيها الذراعان الرقيقان. إن صورتكما العزيزة لهي بعينها صورة ذراعيه … ويا أيتها الشفتان اللتان يشع منهما الكبرياء، لقد انطبقتما إلى أبد الدهر! ماذا كانت تلك الكلمات الكاذبة التي نطقت بها وأنت تحبو إلى فراشي؟ لقد ناديتني بأسماء رقيقة وقلت لي: أي جدتي، سأقص شعري حين تموتين وأركب على رأس القواد إلى قبرك". لم خدعتني هذا الخداع؟ وهاأنذا، العجوز، الطريدة، الثكلى، أبكيك بالدمع الغزير، أبكي طفولتك وأبكي ميتتك التعسة. أي إلهي! وأبكي خطاك حين تجيء لترحب بي، وأبكي جلوسك في حجري، وأبكي رقادنا معاً! لقد ذهب كل هذا ولن يعود. وكيف يستطيع شاعر أن ينحت شاهد قبرك ليقص قصتك صادقة؟
стр. 2303
"هنا يثوي طفل خافه اليونان، فقتلوه لأنهم خافوه". نعم، وستبارك بلاد اليونان بأجمعها القصة التي يقصها ذلك الشاهد.
ألا ما أشد غرور الإنسان، إنه يتباهى بمسراته ولا يخاف شيئاً، ومن حوله صروف الزمان ترقص رقص البلهاء في الريح! .... (تلف الطفل في أكفانه).
إن أحسن الثياب الفريجية التي كنت أحتفظ بها ليوم زواجك بإحدى ملكات الشرق بعد أن جبت البلاد القاصية للبحث عنها، إن هذه الثياب تلفك الآن إلى أبد الدهر (٩٣) …
وفي مسرحية إلكترا نرى الموضوع القديم قد خطا خطوات إلى الأمام فأجممنون قد مات، وأرستيز في فوسيس، وإلكترا قد زوجتها أمها بفلاح يخلص لها إخلاصاً ساذجاً، ويرهب أصلها الملكي أشد رهبة، ولا يؤثر في إخلاصه لها ورهبته إياها طول تفكيرها في أمرها وإهمالها شئونه. وبينما هي تفكر هل يعثر عليها أرستيز ويأتي إليها إذ يأمره أبلو نفسه (ويؤكد يوربديز هذه النقطة ويحرص على إبرازها) بأن يثأر لموت أجممنون. وتستفزه إلكترا، وتقول إنه إذا لم يقتل السفاح فستقتله هي، ويبحث الصبي عن إيجسثس ويقتله ثم ينقلب على أمه. وتبدو كليتمنسترا هنا عجوزاً شمطاء، ذليلة، منهوكة القوى، ويؤنبها ضميرها على جرائمها، يتنازع قلبها خوف الأطفال الذين يكرهونها وحبها إياهم في نفس الوقت، وتطلب الرحمة في غير توسل، وترضى إلى حد ما بما جوزيت به على ذنوبها. وحين ينتهي القتل يرتاع أرستيز من هول ما حدث ويقول:
شقيقتي، هل لمستها مرة أخرى، واحسرتاه غطي جسدها، وضعي عليه ثوبها الجميل، وسدي هذا الجرح الأحمر المميت. أي أماه، هل كانت نتيجة آلامك أن ولدت قاتلك (٩٤)؟.
ويسمي يوربديز الفصل الخامس من فصول المسرحية إفجينيا في توريس
стр. 2304
أو إفجينيا بين التوريين. وفيه يبدو أن أرتميس قد وَضعت على كومة الحريق في أوليس غزالة بدل ابنة أجممنون، واختطفت الفتاة من اللهب، وجعلتها كاهنة في معبد أرتميس بين التوريين أنصاف الهمج سكان القرم. وكانت عادة التوريين أن يضحوا للآلهة بكل غريب تطأ قدمه بلادهم، وتقوم إفجينيا بدور العاملة البائسة الشقية التي تقدم الضحايا. وكانت الثمان عشرة سنة المليئة بالأحزان التي قضتها خارج بلاد اليونان قد بلدت ذهنها، وكان أبلو قد وعد أرستيز على لسان الوحي أن ينزل السكينة على قلبه إذا انتزع من التوريين صورة أرتميس المقدسة وجاء بها إلى أتكا. ويبحر أرستيز وبيلاديز ويصلان آخر الأمر إلى أرض التوريين، ويقبلهما هؤلاء الناس ويرونهما هدية طيبة أهداها البحر إلى أرتميس، ويسرعون بهما ليذبحوهما على مذبحها. وتنتاب أرستيز نوبة عصبية يخر على أثرها مغشياً عليه عند قدمي إفجينيا، وهي، وإن كانت لا تعرفه، تأخذها الشفقة عليه حين ترى رفيقين في نضرة الشباب يساقان إلى الموت:
إفجينيا: إن أحداً من الناس لم يعط علم بداية أحزانه أو نهايتها؛ ذلك أن الله خفي، وأساليبه كلها تخفيها المصادفات العمياء عنا فلا نعرفها. ألا أيها الرجلان الشقيان، من أين جئتما؟ … ومن أمكما؟ ومن أبوكما؟ أفصحا أيها الغريبان، ومن هي أختكما إن كانت لكما أخت؟ ولم تتركانها من غير أخوة وكلاكما في ميعة الصبا ونضرة الشباب وشجاعته … ؟
أرستيز: ألا ليت يد أختي تسبل عيني وأنا مسجي على فراش الموت!
إفجينيا: وا أسفاه، إنها تعيش تحت سماوات بعيدة، ودعاؤك أيها الشقي لا يجديك نفعاً. ولكنك من أرجوس، ومن أجل هذا فسأقدم لك كل ما في وسعي من عناية، ولن أضن عليك بشيء منها. سآتيك بثياب ثمينة تدفن فيها، وبزيت يبرد كومة حريقك حين يلفها اللهب الذهبي، وسألقي عليها الشهد الذي جمعه النحل الطنان من آلاف الأزهار الجبلية لكي يفنى معك في وسط العبير.
стр. 2305
وتعدهما بأن تنجيهما إذا حملا معهما إلى أرجوس رسالة تأمرهما بأن ينقشاها في ذاكرتهما.
إفجينيا. قولا "لأرستيز بن أجممنون إن التي قتلت في أويس، والتي فقدتها بلاد اليونان ولكنها لا تزال حية، إن إفجينيا تبعث إليه السلام".
أرستيز: إفجينيا! أين هي؟ أعادت من بين الأموات؟
إفجينيا: أنا هي! ولكن لا تتكلم حتى لا تفسد عليّ تدبيري. "خذني يا أخي إلى أرجوس قبل أن أموت".
ويريد أرستيز أن يضمها بين ذراعيه، ولكن الحراس يمنعونه، لأن كاهنة أرتميس لا يصح أن يمسها إنسان. ويعلن أنه أرستيز، ولكنها لا تصدقه فيقنعها بأن يذكر لها القصص التي روتها لهما إلكترا.
إفجينيا: أهذا هو الطفل الذي عرفته، الطفل الصغير قد انتقل خفيفاً كما ينتقل الطير؟. أي أرض أرجوس، أيها الموقد، أيها اللهب المقدس الذي أشعلك سكلوبس الشيخ؛ إني أباركك لأنه عاش، ولأنه نما، وصار ضياء وقوة، أخي وابن أبي، إني أبارك اسمك إلى أبد الدهر (٩٥).
ويعرضان عليها أن ينجياها من أسرها، وتساعدهما هي على أن يأخذا صورة أرتميس. ويستطيعان بحيلتها الماهرة أن يصلا آمنين إلى سفينتهما، ويحملان التمثال إلى برورون Brauron. وفيها تصير إفجينيا كاهنة، وتصبح بعد موتها إلهة معبودة. ويتخلص أرستيز من ربات الانتقام، وينعم بالطمأنينة والسلام بضع سنين، وتروي الآلهة غليلها وتتم مسرحية أطفال تنتالوس.
٢ - يوربديز الكاتب المسرحي
لا مناص لنا من أن نوافق أرسطاطاليس على أن هذه المسرحيات، إذا نظرنا إليها من ناحية الفن المسرحي، لا تصل إلى المستوى الذي وضعه له إسكلس
стр. 2306
وسفكليز (٩٦). نعم إن مسرحيات ميديا، وهبوليتس، والباخيات قد رسمت لها خطة محكمة، ولكن هذه المسرحيات نفسها لا يمكن مع ذلك أن توازن من حيث سلامة التركيب والبناء بمسرحية أرستيا، أو من ناحية الوحدة المعقدة بمسرحية أوديب الملك. ذلك أن يوربديز لا يثب دفعة واحدة إلى الحادثة الهامة في المسرحية فيعرضها ثم يفسر بعدئذ مقدماتها تفسيراً تدريجياً طبيعياً في سياق القصة، بل نراه يستخدم الوسيلة المصطنعة وسيلة المقدمة التمهيدية؛ بل يفعل ما هو أسوأ من هذا فيضعها على لسان إله من الآلهة. وهو لا يظهر لنا هذه الحادثة من بادئ الأمر كما يقضي بذلك فن التمثيل، بل نراه يأتي في كثير من الأحيان برسول يصفها وإن لم يكن فيها شيء من العنف. يضاف إلى هذه أنه لا يجعل الغناء الجماعي جزءاً من الحوادث التي تمثل، بل يحوله إلى عمل فرعي ثانوي، ويستخدمه لوقف تطور حوادث المسرحية بما يتضمنه من أغان جميلة على الدوام، ولكنها كثيراً ما تكون عديمة الصلة بتلك الحوادث. وهو لا يعرض ما يريد من آراء عن طريق الحادثات التي تتضمنها المسرحية، بل يعمد إلى استبدال الأفكار بالحادثات ويجعل المسرح مدرسة للتأمل والبلاغة والجدل. وما أكثر ما تعتمد حبكات مسرحياته على المصادفات "والذكريات" - وإن كانت الأفكار هنا حسنة التنظيم ومعروضة عرضاً مسرحياً صادقاً. وتختتم معظم مسرحيات يوربديز بإله ينزل من إله (كما كان يفعل بعض الكُتاب من قبله)، وتلك وسيلة لا يمكن أن نغتفرها له إلا إذا افترضنا أن المسرحية الحقيقية قد اختتمت قبل هذه الحيلة الدينية، وأن إله لم ينزل إلا لكي يختتم التمثيل بخاتمة فاضلة لولاها لكان في نظرهم شائناً فاضحاً (٩٧). وقد استطاع عظماء الكتّاب الإنسانيين دون غيرهم أن يعرضوا بهذه الوسيلة مروقهم وإلحادهم على المسرح.
أما مادة المسرحية فهي، كصيغتها وشكلها، خليط من العبقرية والصناعة، وسبب ذلك أن أهم ما يمتاز به يوربديز هو الإحساس المرهف كما يجب أن
стр. 2307
يكون سائر الشعراء. وهو يحس بمشاكل الجنس البشري إحساساً قوياً ويعبر عنها تعبيراً مؤثراً عظيم الوقع في النفوس؛ ومآسيه أشد المآسي فجائع وهو أعظم كتابها إنسانية، ولكن إحساسه يكون في أغلب الأحيان مفرطاً في الحنو أو متكلفاً له؛ و "إذرافه الدمع السخين" (٩٨) أيسر مما يجب أن يكون؛ وهو لا يدع فرصة تفلت منه ويستطيع أن يظهر فيها أماً تفارق طفلها، وينتزع كل ما يستطيع انتزاعه من العواطف من كل موقف من المواقف. وتلك المناظر دائمة الحركة، وهو يصفها في بعض الأحيان بقوة لا تعادلها قوة أي وصف من المآسي قبله أو بعده، ولكنها تنحط أحياناً إلى التمثيل الشجوي الغنائي وتتخم بالعنف والرعب كما ترى في خاتمة مسرحية ميديا. وقصارى القول أن يوربديز في بلاد اليونان هو بيرن، وشلي، وهوجو، مجتمعين، وهو بمفرده حركة إبداعية كاملة.
وهو يفوق منافسيه في تصوير الشخصيات، ويحل عنده التحليل النفسي، أكثر مما يحل عند سفكليز نفسه، محل تصاريف القضاء. وهو لا يمل من تقصي القوانين الأخلاقية والبواعث التي تحدد سلوك بني الإنسان. ويدرس أنواعاً مختلفة من الرجال: من زوج إلكترا الفلاّح إلى ملوك بلاد اليونان وطروادة؛ ولسنا نجد كاتباً مسرحياً غيره قد صور مثل ما صور هو من أصناف النساء المختلفة، أو صورها بمثل ما صورها هو من العطف عليها، فقد كان كل لون من ألوان الرذيلة أو الفضيلة يهمه ويسترعي انتباهه، فيصوره تصويراً واقعياً. وهو في هذا يختلف عن إسكلس وسفكليز، فقد كان هذان الكاتبان مستغرقين فيما هو عام وأبدى استغراقاً عجزا معه عن رؤية ما هو فردي ومؤقت سريع الزوال؛ وقد خلقاً بذلك أصنافاً من الشخصيات عميقة غير عادية، أما يوربديز فقد صور أفراداً أحياء، وحسبنا شاهداً على هذا أن أحداً ممن عاش قبله لم يتصور إلكترا بمثل الوضوح الذي تصورها هو به. وفي هذه المسرحيات نرى المسرحيات التي
стр. 2308
تمثل الصراع مع الأقدار تتخلى عن مكانها شيئاً فشيئاً إلى المسرحيات التي تمثل الموقف والأخلاق، وهي تمهد السبيل للمسلاة الخلقية التي استحوذت في القرن التالي على المسرح اليوناني على أيدي فلمون Philemon، ومنندر Menander.
٣ - يوربديز الفيلسوف
لكن من السخف أن يكون أهم ما نقدر به يوربديز هو مسرحياته، ذلك أن أهم ما يعنى به لم يكن الفن المسرحي، بل كان البحث الفلسفي والإصلاح السياسي؛ فهو وليد السوفسطائيين، وشاعرة الاستنارة، وممثل الشباب المتطرف الذي كان يسخر من الأساطير القديمة، ويرنو بطرف إلى الاشتراكية، ويدعو إلى نظام اجتماعي جديد يقل فيه استغلال الرجال للرجال والرجال للنساء، واستغلال الدولة لهؤلاء وأولئك؛ وهذه النفوس الثائرة هي التي كان يكتب لها يوربديز؛ وهي التي كان من أجلها يضيف إلى مسرحياته تلك الغمزات المتشككة، ويحشر مئات الضلالات بين سطور مسرحياته الدينية المزعومة، وهو يغطي هذه وتلك بفقرات مليئة بعبارات التقي والصلاح وبالأغاني الوطنية. وكان يعرض الأساطير المقدسة بحرفيتها فيبدو ما فيها من سخافات وأباطيل واضحاً جلياً، ومع ذلك فإن أحداً لا يستطيع أن يتهمه بالمروق من الدين؛ وهو يدعو في مسرحياته بوجه عام إلى التشكك في الآلهة والدين، ولكنه يوجه ألفاظها الأولى والأخيرة إلى الآلهة. ويرجع بعض ما يمتاز به من الدهاء والذكاء، كما يرجع دهاء رجال دوائر المعارف الفرنسيين وذكائهم، إلى أنه قد أرغم على أن يفصح عن آرائه وهو يحاول إنقاذ حياته. ولقد كان شعاره هو شعار لكريشيوس:
Tantum religio potuit suader emalorum. ما أكثر الشرور التي يدفع إليها الدين: نبوءات تولد العنف في أثر العنف، وأساطير ترفع من شأن الفساد الخلقي بما تضربه من أمثلة قدسية، وما تعلنه من رضاء الآلهة عن الخيانة
стр. 2309
والزنا، والتلصص، والتضحية بالآدميين، والحروب. وهو يصف العراف بأنه "رجل ينطق بقليل من الحقائق وكثير من الأباطيل" (٩٩)؛ ويقول: إن "من البلاهة المحضة" تعرف المستقبل بالفحص عن أحشاء الطير (١٠٠)؛ ويندد بجميع الوسائل التي تستخدم لمعرفة الغيب واستنزال الوحي (١٠١)؛ وأهم من هذا كله أن يستنكر أشد الاستنكار ما تؤدي إليه الخرافات الرائجة من نشر الفساد ويقول:
سيدرك الناس أن لا وجود لآلهة، وأن لا ضوء في السماء، إذا كان الباطل سيغلب الحق في آخر الأمر … لا تقل إن في السماء زانياً وزانية، وآلهة مسجونين وآلهة سجانين: لقد أحس قلبي من زمن بعيد أن هذه خسة ودناءة، ولن أتحول قط عن هذا الإحساس … إنما هذه كلها أقاصيص كاذبة، شأنها شأن الحفلات الهمجية التي تقام لتنتالوس، وللآلهة التي تمزق أجساد الأطفال. إن هذه الأرض أرض السفاحين قد خلعت على الآلهة ما تتصف به هي من جشع وشهوانية. والشر ليس مقره في السماء … وهذه كلها أقاصيص ميتة آثمة من اختراع المغنين (١٠٢).
وتراه أحياناً يقلل من حدة هذه الفقرات بترانيم لديونيشس أو مزامير دينية للآلهة مجتمعة، ولكنه في بعض الأحيان ينطق إحدى شخصياته بتشككه في الآلهة جميعها:
هل في الناس من يقول إن في السماء آلهة؟ كلا! ليس في السماء آلهة، ليس فيها آلهة، لا تسمحوا لأحد هؤلاء الحمقى الذين غرتهم هذه الخرافات الباطلة أن يخدعكم ويضللكم هذا الضلال. انظروا إلى الحقائق في ذاتها، ولا تثقوا بكلماتي أكثر مما تستحق أن يوثق بها؛ إني أصارحكم أن الملوك يقتلون، وينهبون، ويحنثون في أيمانهم، ويخربون المدن زوراً وغدراً، ولكنهم رغم هذه الآثام أسعد حالاً من الذين يحيون حياة هادئة ملؤها التقي والصلاح (١٠٣).
стр. 2310
وهو يبدأ مسرحية ميلانبي المفقودة بهذين البيتين اللذين يثيران أعظم الدهشة: أي زيوس، إن كان ثمة زيوس، لأني لا أعرف عنه إلا ما يقوله الناس فيه.
ويقال إن النظارة حين سمعوا هذا القول هبوا واقفين احتجاجاً عليه، وهو يختم هذه المسرحية بقوله:
والآلهة الذين يعدهم البشر حكماء، ليسوا أكثر وضوحاً من أحلام مجنحة؛ ولا تختلف أساليبهم عن أساليب الآدميين، فهي كلها فوضى واضطراب يتلوه اضطراب. ومن أراد أن يكون أقل الناس عذاباً، وألا تعمى بصيرته كما يعمى الكهنة بصائر البلهاء، يمض إلى الموت الذي يعرفه من يعرفونه (١٠٤).
وهو يعتقد أن مصائر الناس نتيجة لأسباب طبيعية، أو للمصادفات العمياء، وليست من تدبير قوى عاقلة مفكرة تتصف بها كائنات تسمو على الكائنات البشرية (١٠٥)، ويفسر بعض ما يظنه الناس معجزات تفسيراً يستند إلى العقل والمنطق: فيقول مثلاً إن ألستيز لم تمت حقاً، بل أخذت لكي تدفن حية، ولكن هرقل أدركها قبل أن تموت (١٠٦). وهو لا يقول لنا صراحة ما يعتقده هو نفسه في هذا، ولعل منشأ ذلك هو شعوره بأن ما يورده من الشواهد لا يؤدي إلى الاعتقاد الواضح؛ لكن عباراته التي هي أكثر ما يمتاز بها عن غيره هي العبارات الدالة على الإيمان بوحدة الوجود، وعلى العقيدة التي أخذت من ذلك الوقت تحل عند المتعلمين من اليونان محل عقيدة الشرك القديمة:
"يا صاحب الأساس العميق الذي يقوم عليه العالم، ويا ذا العرش الرفيع الذي يعلو على العالم، أياً كنت، يا من لا نعرفك ويصعب علينا أن نتصورك، يا منسق الموجودات، ويا عقل عقولنا؛ إليك يا الله أرفع صوتي بالثناء، لأني أرى فيك السبيل الصامتة التي تأتي بالعدالة، قبل أن يصل إلى نهاية أجله كل من يحيا ويموت (١٠٧).
стр. 2311
والعدالة الاجتماعية هي النغمة الصغرى في أغانيه؛ وهو يتمنى، كما يتمنى جميع من امتلأت قلوبهم عطفاً على الخلق، أن يحين الوقت الذي يكون فيه الأقوياء أكثر مم هم عطفاً على الضعفاء، والذي يقضي فيه على أسباب البؤس والنزاع (١٠٨)؛ وتراه حتى في أيام الحرب، وما تستلزمه من إثارة الروح الوطنية والحماسة للقتال، يصف مصائب الحرب وأهوالها وصفاً واقعياً لا يخفى فيه شيئاً هذه الأهوال:
كيف تعمى عيونكم يا من تدكون المدن، وتخربون المعابد، وتدمرون القبور، تلك الأحداث المحرمة التي يثوي فيها الموتى القدامى؟ ألا تعلمون أنكم عما قريب ستموتون (١٠٩)؟.
ويمتلئ قلبه حسرة حين يرى الأثينيين يقاتلون الإسبارطيين، وتدوم الحرب بينهم خمسين عاماً، يستعبد فيها بعضهم بعضاً، ويهلك فيها خير رجالهم؛ ويدعو في إحدى مسرحياته المتأخرة دعوة حارة مؤثرة إلى السلام:
"أيتها السلم؛ إنك تفيضين بالخير العميم كأنك تأتين به من نبع عميق؛ ليس في العالم كله جمال كجمالك، بل إنا لا نرى له مثيلاً حتى بين الآلهة الأخيار. إن قلبي يكاد يتفطر لطول غيابك، لقد وهن العظم مني ولم تعودي؛ وهل تكل عيناي قبل أن تريا زهرتك وجمالك؟ وهل يقضي عليّ المشيب والأحزان قبل أن تسمع أذناي مرة أخرى أغاني الراقصين الشجية ووقع أقدام من تطوق رؤوسهم أكاليل الزهر؟ ألا عودي إلى مدينتنا أيتها الحبيبة المقدسة ولا تقيمي بعيدة عنا يا من تطفئين الحقد. إن العداوات والأحقاد ستفارقنا إذا أقمت معنا وسيخرج من أبوابنا الجنون وظبا السيوف (١٠٩ أ).
ويكاد ينفرد من بين كُتاب عصره العظام بالجرأة على مهاجمة الرق. ذلك أنه قد اتضح له في أثناء حرب البلوبونيز أن معظم الأرقاء لم يكونوا كذلك بطبيعتهم، بل إنهم قد ساقتهم إلى هذه الحال ظروف الحياة وحدها؛
стр. 2312
وهو لا يعترف بوجود أرستقراطية طبيعية، ويرى أن البيئة لا الوراثة هي التي تخلق الرجال. والأرقاء في مسرحياته يضطلعون بأدوار هامة، وكثيراً ما ينطقون بأجمل أشعاره. وهو حين يبحث حال النساء يعطف عليهن عطف الشاعر الواسع الخيال؛ فهو يعرف أغلاطهن ويعرضها عرضاً واقعياً جعل أرسطوفان يتهمه بأنه يكره النساء؛ ولكنه في الحقيقة قد عرض قضية المرأة أحسن مما عرضها أي شاعر قديم آخر أيد حركة تحريرها التي كانت وقتئذ في بداية عهدها. وتكاد بعض مسرحياته أن تكون حديثة الطابع، تحتوي على دراسات في مشاكل الجنس البشري كالدراسات التي نشأت بعد أيام إبسن Ibsen بل إنها تحتوي على دراسات في الشذوذ الجنسي نفسه (١١٠). وهو يصف الرجال وصفاً واقعياً، أما النساء فوصفه إياهن ينطوي على كثير من الشهامة، وتنال ميديا الرهيبة من عطفه أكثر مما يناله جبسن البطل غير الوفي؛ وهو أول كاتب مسرحي جعل المسرحية تدور حول الحب؛ حتى لقد كان آلاف من شباب اليونان يتغنون بأغنيته إلى إيروس إله الحب في مسرحية إندرمدا التي لم تصل إلينا:
"أيها الحب، إلهنا، ملك الآلهة والبشر! هلا امتنعت عن تعليمنا ما هو الحب؟ أو ساعدت المحبين المساكين، الذين تشكلهم كما تشكل الطين، كي يصلوا بكدحهم وجدهم إلى غاية موفقة سعيدة" (١١١).
ويوربديز بطبيعته متشائم، لأن كل من يروي قصص الحب يصبح متشائماً حين تصطدم الحقيقة بالخيال، وفي ذلك يقول هوراس وولبول Horaces Walpole " إن الحياة مسلاة عند من يفكرون، ومأساة عند من يحسون" (١١٢): ويقول شاعرنا:
لقد نظرت من أمد بعيد إلى حياة الإنسان فلم أجد إلا خيالاً أشمط. وفي وسعي أن أؤكد أيضاً أن الذين يعدون من بين الناس حكماء، شديدي الذكاء، مبتدعين لأعظم الخطط، يجزون على هذا شر الجزاء. وهل
стр. 2313
أبصرت عين الله مذ بدأت الحياة رجلاً واحداً سعيداً (١١٣)؟.
وهو يعجب من جشع الإنسان وقسوته، ومن الشريرين وسعة حيلتهم، ومن اختطاف الموت للناس اختطافاً دنيئاً خبط عشواء. وهو ينطق الموت في بداية مسرحية ألسيس بقوله: "أليست مهمتي أن أقبض أرواح المقضي عليهم؟ "؛ ويجيبه أبلو بقوله: "لا؛ بل مهمتك أن تقبض من نضجوا ووصلوا إلى الشيخوخة الكاملة". ومن رأيه أن الموت إذا جاء بعد أن يحيا الإنسان حياته كاملة كان أمراً طبيعياً، لا يصح أن يغضب أحد منه: "لو أن كل جيل من الناس جاء في أثر الجيل الذي قبله، وازدهر ثم ذبل، ثم انقضى أجله، كما يأتي الحصاد بعد الحصاد على مر السنين، لو أن هذا حدث لما بكينا صروف الزمان وما تصيبنا به الأقدار. إن هذا هو الذي تجري به سنن الطبيعة، ومن واجبنا أن لا نبتئس بما تجعله قوانينها أمراً محتوماً لا مفر منه" (١١٤). وينتهي أمره إلى الرواقية: "اصبر كما يجب أن يصبر الرجال، ولا تضجر" (١١٥). وتراه من حين إلى حين يحذو حذو أنكسيمانس Anaximenes ويستبق فلسفة الرواقيين فيواسي نفسه بالتفكير في أن روح الإنسان جزء من الهواء المقدس، النيوما Pneuma، وفي أنها ستبقى بعد الموت جزءاً من روح العالم (١١٦):
من يدري؟ لعل هذا الذي نسميه موتاً هو حياة، ولعل ما نسميه حياة هو الموت؟ وكل ما هنالك من فرق أن الناس وهم أحياء يقاسون مرارة الأحزان، فإذا ما أسلموا الروح، لم تبق لديهم أحزان، ومن ثم لا يحزنون (١١٧).
стр. 2314
٤ - يوربديز الطريد
إن الرجل الذي نصوره من مسرحياته هذا التصوير ليشبه تمثاله الجالس في متحف اللوفر، وتماثيله النصفية في نابلي، شبهاً يحملنا على الاعتقاد بأن هذه التماثيل منقولة نقلاً أميناً عن أصول يونانية حقيقية. فوجهه الملتحي وسيم، ولكنه أضناه التفكير، ورققه الحزن الحنون. ويتفق أصدقاؤه وأعداؤه على أنه كان مكتئب الطبع يكاد أن يكون نكداً، لا يميل إلى المرح أو الضحك، وأنه قضى سنيه الأخيرة في عزلة في أرض الجزيرة التي ولد فيها. وكان له ثلاثة أبناء ذكور كانت طفولتهم سبباً فيما استمتع به من سعادة قليلة (١١٨). وكان يجد سلواه في الكتب، ومبلغ علمنا أنه كان أول مواطن فرد في بلاد اليونان جمع لنفسه مكتبة كبيرة (١). وكان له أصدقاء أخيار، منهم بروتاغوراس ومنهم سقراط؛ ولم يكن ثانيهم يهتم بالمسرحيات ولكنه كان يقول إنه لا يتردد في أن يسير إلى ببريه مشياً على قدميه ليشهد مسرحية من مسرحيات يوربديز، وذلك لعمري قول خطير لصدوره من فيلسوف كبير. وكان الجيل الناشئ ممن تحررت عقولهم، من أسر التقاليد يعدونه زعيماً لهم، ولكنه كان له من الأعداء أكثر مما كان لأي كاتب آخر في تاريخ اليونان. وقد اقتصر القضاة الذين كانوا فيما نظن يرون
стр. 2315
أن واجبهم يقضي عليهم بأن يحموا الدين والأخلاق من سهام تشككه، اقتصر هؤلاء القضاة على تتويج خمس من مسرحياته بتاج النصر. ولقد كان الأركون المشرف على شئون الدين سخياً غاية السخاء حين قبل هذا العدد من مسرحيات يوربديز ضمن المسرحيات التي يجيز تمثيلها الدين. وكان المحافظون على اختلاف نزعاتهم يلقون عليه هو وسقراط تبعة انتشار نزعة الكفر بالآلهة بين شباب أثينة. وحاربه أرسطوفان من بادئ الأمر في مسرحية الأركانيين، وهجاه وصوره تصويراً هزلياً مرحاً في مسرحية الشموفريازوسي؛ وفي السنة التالية لموت الشاعر واصل هجومه عليه في مسرحية الضفادع. على أنه يقال لنا رغم هذا إن الكاتبين كاتب المآسي وكاتب المسالي، ظلا صديقين إلى النهاية (١٢٠). أما النظارة فكانوا ينددون بإلحاده ويهرعون إلى مشاهدة مسرحياته. ولما أن نطق الصياد الشاب في السطر ٦١٢ من مسرحية هبوليتس بقوله "لقد أقسم لساني، ولكن عقلي لا يزال طليقاً" احتج الجمهور احتجاجاً قوياً على ما ظنه انتهاكاً شديداً لحرمة الآداب والدين حتى اضطر يوربديز أن يقف في مكانه ويهدئ ثائرتهم بأن يؤكد لهم أن هبوليتس سيجزى على قوله هذا الجزاء الأوفى قبل انتهاء القصة - وهو وعد مأمون العاقبة يكاد يصدق على كل شخصية في المأساة اليونانية.
ووجهت إليه حوالي عام ٤١٠ تهمة المروق من الدين، ولم يمض بعدئذ إلا قليل من الوقت حتى وجه إليه هجيانون Hygianon تهمة أخرى، تتصل بالجزء الأكبر من ثروته، واستدل على خيانة يوربديز بالبيت الذي نطق به هبوليتس. وبرئ الشاعر من التهمتين، ولكن موجة السخط التي قوبلت بها مسرحية المرأة الطروادية أشعرت يوربديز أنه لم يكد يبقى له صديق واحد في أثينة. ويقال إن زوجته نفسها قد انقلبت عليه لأنه لم