← История

История · id 35104

قصة الحضارة

ول ديورانت

Полный текст (15 136 стр.). Показаны 2346–2385 · переход к 2351.

стр. 2346

قد ابتلعت ثقافتها أكثر مما ابتلعت ثقافة أثينة، فضاعت مخطوطاتها في فوضى الثورات والحروب، وليس في وسعنا إلا أن نحكم على الكل من هتامات الجزء. لكن تراث هذه الحضارة رغم هذا كله تراث عظيم، عظيم في شكله بلا ريب إن لم يكن في مقداره (ومن ذا الذي استطاع أن يستوعبه كله؟). والشكل والنظام هما جوهر أسلوب العصر الذهبي في الأدب وفي الفن على السواء؛ فالكاتب اليوناني، كالفنان اليوناني الذي يعد أنموذجاً لذلك العصر، لا يقنع بمجرد التعبير عما يريد، بل يتوق إلى أن يكسب مادته شكلاً وجمالاً. وهو يعمد إلى مادته فيقصها من أطرافه ويشذبها، ويعيد تنظيمها لتكون واضحة جلية، ويحولها إلى صورة من البساطة المعقدة؛ وهو دائماً واضح يسلك أقصر الطرق إلى قصده، وقلّما يلجأ إلى الدوران أو الغموض، يتجنب المبالغة والتحيز، وإذا ما لجأ إلى الخيال في مشاعره حاول أن يكون منطقياً في تفكيره. وهذا الجهد الدائم الذي لا ينفك يبذله لإخضاع الخيال للعقل، وهو الصفة الغالبة المسيطرة على العقل اليوناني؛ لا بل على الشعر اليوناني نفسه. ومن أجل هذا كان الأدب اليوناني أدباً "حديثاً" بل قل أدباً معاصراً؛ فإنا ليصعب علينا أن نفهم دانتي أو ملتن؛ أما يوربديز، وتوكيديدز، فهما شديدا القرب من عقولنا وينتميان إلى عصرنا. وسبب ذلك أن العقل يبقى من غير تغيير وإن تغيرت الأساطير، وأن حياة العقل تؤاخي بين أنصارها ومحبيها في كل زمان ومكان.

стр. 2347

الباب الثامن عشر انتحار بلاد اليونان الفصل الأول العالم اليوناني في عهد بركليز خليق بنا قبل أن نواجه منظر حرب البلوبونيز المحزنة أن نلقي نظرة على العالم اليوناني خارج أتكا. ولكن معلوماتنا عن الدولة الواقعة في هذا العالم ضئيلة إلى حد لا يسعنا معه إلا أن نفترض ما لا نستطيع أن نقيم عليه الدليل، وهو أنها كانت تشترك مع أثينة في الازدهار الثقافي الذي امتاز به العصر الذهبي وإن لم تبلغ مبلغ أثينة نفسها في هذا الازدهار. في عام ٤٥٩ سيّر بركليز أسطولاً ضخماً ليطرد الفرس من مصر حرصاً منه على أن يضمن لبلاده قمحها. وأخفقت الحملة في غرضها، وسار بركليز من ذلك الحين على السياسة التي كان يسير عليها ثمستكليز، وهي أن يكسب العالم بالتجارة لا بالحرب. من أجل ذلك ظلت مصر وقبرص طوال القرن الخامس خاضعتين لحكم الفرس، واحتفظت رودس بحريتها، ثم انضمت مدنها الثلاث وأصبحت مدينة واحدة عام ٤٠٨ فتهيأت بذلك إلى أن تكون في العهد الذي اصطبغ فيه في العالم المعروف بالصبغة اليونانية مركزاً من أغنى المراكز التجارية في حوض البحر الأبيض المتوسط. واحتفظت المدن اليونانية في آسية باستقلالها الذي ظفرت به في ميكالي عام ٤٧٩ حتى أضحت بعد تدمير الإمبراطورية الأثينية

стр. 2348

ضعيفة عاجزة عن مقاومة جباة الملك العظيم (١). وازدهرت المستعمرات اليونانية في تراقية وعلى شواطئ الهلسبنت والبروبنتس واليوكسين (٢) تحت السيطرة الأثينية، ولكن الحرب البلوبونيزية أكلت فيها الأخضر واليابس. وخرجت مقدونية تحت حكم أرخلوس Archelaus من غمار الهمجية وأضحت إحدى الدول الكبرى في العالم اليوناني. فأنشئت فيها الطرق الصالحة، وصار لها جيش حسن النظام والتدريب من رجال الجبال الأشداء، وبنيت لها عاصمة جديدة جميلة في بلا، ورحب بلاطها بكثيرين من عباقرة اليونان أمثال تموثيوس Timotheus، وزيوكسيز Zeuxis، ويوربديز، وضربت بلاد اليونان في الحلف البؤوني مثلاً طيباً لم تنتفع به لحياة الدول حرة مستقلة في ظلال السلم والتعاون الدولي. وفي إيطاليا عانت المدن اليونانية أشد البلاء من جراء الحروب المتكررة ومن تفوق أثينة في مجال التجارة البحرية. وأرسل بركليز في عام ٤٤٣ جماعة من الهلينيين جمعهم من عدة دول لينشئوا بالقرب من سيبارس مستعمرة ثورياي Thurii الجديدة لتكون تجربة في سبيل الوحدة الهلينية الجامعة، ووضع بروتاغوراس قانوناً عاماً للمدينة، وخطط هبودامس المهندس المعماري شوارعها على نظام مربع حذت كثير من المدن الأخرى حذوه في القرون التالية. ولكن لم تمض على تلك التجربة إلا بضع سنين حتى انقسمت المستعمرات أحزاباً وشيعاً حسب أصولها، وحتى عاد معظم الأثينيين، وأكبر الظن أن هيرودوت كان منهم، إلى أثينة. وظلت صقلية - وهي التي كانت دائماً مضطربة ولكنها كانت دائماً غنية -تنمو ثروتها وتزداد ثقافتها. وشادت سلينس وأقراغاس معابد ضخمة

стр. 2349

وبلغت أقراغاس في عهد ثيرون درجة من الغنى قال فيها أنبادوقليس: "ينغمس رجال أقراغاس في الترف كأنهم يموتون غداً، ولكنهم يؤثثون بيوتهم كأنهم يعيشون أبداً" (١). وترك جيلون الأول بعد موته في عام ٤٧٨ لسرقوصة نظاماً إدارياً لا يكاد يقل إحكاماً عن النظام الذي خلفه نابليون لأوربا الحديثة. وأضحت المدينة في عهد أخيه هيرون الأول الذي جلس على العرش من بعده مركزاً للأدب والعلم والفن فضلاً عن التجارة والثروة. وفيها أيضاً بلغ الترف غايته. فكانت المآدب السرقوصية مضرب المثل في البذخ، وكثرت "البنات الكورنثيات" في المدينة حتى كان الرجل الذي ينام في منزله يعد من القديسين؛ وكان الأهلون سريعي البديهة حداد الألسنة، يستمتعون بالخطب البليغة إلى حد أفسد عليهم أمورهم، ويتزاحمون في الملهى الفخم ذي الهواء الطلق ليستمعوا إلى مسالي إبكارمس ومآسي إسكلس (١). وكان هيرون هذا ملكاً مستبداً غليظ القلب حسن القصد، قاسياً على أعدائه، مكرماً لأصدقائه. فتح بابه وخزائنه لسمونيديز، وبكليديز، وبندار، وإسكلس، واستعان بهم على جعل سرقوصة إلى وقت ما عاصمة اليونان العقلية. لكن الناس لا يعيشون على الفن وحده؛ وكان السرقوصيون يتوقون إلى نعمة الحرية، فلما توفي هيرون خلعوا أخاه وأقاموا حكومة ديمقراطية مقيدة، وشجع هذا مدن الجزيرة الأخرى، فحذت حذو سرقوصة وطردت الطغاة الحاكمين، وقضت على الأشراف ملاّك الأراضي وأنشأت ديمقراطيات تجارية تقوم على نظام من الاسترقاق القاسي الشديد. وقضت الحرب بعد ستين

стр. 2350

سنة من ذلك الوقت على هذه الفترة من فترات الحرية كما قضت من قبل على فترة أخرى مماثلة لها على يد جيلون الأول. وفي عام ٤٠٩ غزا القرطاجيون صقلية بأسطول ضخم مؤلف من ألف وخمسمائة سفينة وعشرين ألف رجل بقيادة هنيبال حفيد هملكار؛ وذلك بعد أن ظلوا ثلاثة أجيال محتفظين بذكرى هزيمة هملكار في هيميرا Himera. وحاصر هنيبال سلينس وكانت قد جنحت إلى السلم بعد أن عمها الرخاء، وأهملت معاقلها فلم تصلح شأنها. فلما أن باغت العدو المدينة استغاثت بأقراغاس وسرقوصة؛ وتباطأ أهلها المنعمون في إغاثتها تباطؤ الإسبارطيين، حتى استولى العدو على سلينس، وذبح كل من بقي حياً من أهلها وقطع أوصالهم، وأصبحت المدينة جزءاً من الإمبراطورية القرطاجية. وواصل هنيبال زحفه على هيميرا، واستولى عليها دون عناء، وعذّب وقتل ثلاثة آلاف من أهلها، ليرضي بذلك شبح جده المهزوم. ثم فشا الطاعون بين جنوده فأهلك أكثرهم، ومات به هنيبال نفسه في أثناء حصار أقراغاس، غير أن القائد الذي خلفه سكّن غضب آلهة قرطاجة بأن حرق ابنه حياً زلفى لهذه الآلهة. واستولى القرطاجيون على المدينة، وعلى جيلا Gela وكمرينا Camarina وزحفوا على سرقوصة. وبوغت السرقوصيون وهو منهمكون في ولائمهم، فأسلموا زمام السلطة المطلقة لديونيشس أعظم قائد في بلدهم، ولكن ديونيشس عقد الصلح مع القرطاجيين وترك لهم القسم الجنوبي من صقلية بأجمعه واستخدم جنوده في إقامة الدكتاتورية ثانية (٤٠٥). ولم يكن ذلك كله غدراً منه وخيانة لبلاده، فقد كان يعرف أن المقاومة غير مجدية، فنزل للعدو عن كل شيء عدا مدينته وجيشه، واعتزم أن ينهض بالمدينة والجيش حتى يستطيع أن يفعل ما فعله جيلون من قبله فيطرد الغزاة من صقلية.

стр. 2351

الفصل الثاني كيف شبت نار الحرب الكبرى لا يستطيع المواطن الساذج إلا أن يعتقد أن سبب كل الحروب هو على الدوام سبب شخصي - بل شخص واحد في العادة، كما لا تستطيع النفس الساذجة إلا أن تصور إلهها في صورة إنسان. وحتى أرسطوفان نفسه قد فعل ما فعله الثرثارون النمّامون من رجال عصره فادعى أن بركليز هو الذي أوقد نار الحرب البلوبونيزية بهجومه على ميغارا لأن ميغارا أساءت إلى إسبانيا (٣). والراجح أن بركليز الذي لم يتردد في الاستيلاء على إيجينا، كان يأمل أن تستحوذ أثينة على التجارة اليونانية بأجمعها، وذلك بسيطرتها على ميغارا وعلى كورنثة أيضاً؛ ولقد كان مركز كورنثة بالنسبة لبلاد اليونان كمركز اسطنبول في شرق البحر الأبيض المتوسط في وقتنا الحاضر - كانت باباً ومفتاحاً لتجارة نصف قارة. لكن سبب الحرب الجوهري هو نمو الإمبراطورية الأثينية، وازدياد سيطرة أثينة على الحياة التجارية والسياسية في بحر إيجة. لقد كانت أثينة تترك التجارة حرة في هذا البحر وقت السلم، لكنهما لم تكن تفعل ذلك إلا إذا أجازته هي وسمحت به مصالحها الإمبراطورية؛ ولم يكن في مقدور أية سفينة أن تمخر عباب هذا البحر إلا برضائها. وكان رجال أثينيون موكلون منها يحددون مستقر كل سفينة تغادر ثغور الحبوب في البلاد الشمالية؛ ولما أن كان الجدب يهلك ميثوني Methone لم تستطع أن تستورد القليل من الحبوب إلا بعد استئذان أثينة (٤). وكانت تلك المدينة تدافع عن هذه السيطرة لأنها تراها أمراً حيوياً لا بد منه لبقائها، فقد كانت تعتمد في طعامها على ما تستورده من خارج بلادها، وقد أجمعت أمرها على أن تحرس الطرق التي يصل منها هذا

стр. 2352

الطعام إليها؛ على أنها بحراستها طرق التجارة الدولية كانت تؤدي خدمة حقة للسلم والرخاء في بحر إيجة، ولكن الطريقة التي سارت عليها في أداء هذه الخدمة ازدادت إيلاماً للمدن الخاضعة لها وجرحاً لكبريائها كلما زاد ثراء هذه المدن وقوي إحساسها بعزتها القومية. وكانت أثينة قد أخذت تنفق الأموال التي تبرعت بها هذه المدن لتصد بها غارات الفرس عنها في تجميلها، بل لقد بلغ منها أن أخذت تنفقها في شن الحرب على غيرها من مدن اليونان (٥). وكانت الأحوال المفروضة على تلك المدن تزداد عاماً بعد عام حتى بلغت في عام ٤٣٢ ق. م ٤٦٠ وزنة (٠٠٠ ر ٣٠٠ ر ٢ ريال أمريكي) في العام. وكانت أثينة قد قصرت على المحاكم الأثينية حق النظر في جميع القضايا التي تنشأ في داخل الحلف إذا كان أحد طرفي النزاع مواطناً أثينياً أو كانت القضايا تشمل جرائم كبرى. فإذا ما وقفت مدينة في وجه أثينة أخضعتها بالقوة؛ وعلى هذا النحو أخمد بركليز بسرعة ومهارة الفتن التي ثار نقعها في إيجينا (٤٥٧)، وعوبية (٤٤٦)، وساموس (٤٤٠). وإذا جاز لنا أن نصدق قول توكيديدز فإن زعماء الديمقراطية الأثينية كانوا يعترفون أن حلف المدن الحرة قد أصبح إمبراطورية تقوم على القوة؛ وإن كانوا قد اتخذوا الحرية الغرض الأسمى لسياستهم في داخل أثينة نفسها، وفي ذلك يقول توكيديدز على لسان كليون مخاطباً الجمعية في عام ٤٢٧: "عليكم أن تذكروا أن إمبراطوريتكم ليست إلا طغياناً تفرضونه على أقوام خاضعين لسلطانكم رغم أنوفهم، وأنهم لا ينفكون يأتمرون بكم، وهم لا يطيعونكم نظير خير تقدمونه لهم وتضرون به أنفسكم لتنفعوهم فتؤثروهم بذلك على أنفسكم، بل يطيعونكم لأنكم سادتهم، وهم يحبونكم مرغمين، ولكنهم لا يخضعون لكم إلا بالقوة" (٦). وقد أدى هذا التناقض الأساسي بين عبادة الحرية؛ وطغيان الإمبراطورية منضماً إلى النزعة الفردية المتأصلة

стр. 2353

في الدول اليونانية أدى هذا وذاك إلى القضاء على العصر الذهبي في بلاد اليونان. وشرعت مدن اليونان جميعها تقريباً تقاوم سياسة أثينة (٧)، فقاومت بؤوتية في كورونيا (٤٤٧) ما بذلته أثينة من جهود لضمها إلى الإمبراطورية. واستغاثت بعض المدن الخاضعة لأثينة وبعضها الآخر الذي يخشى الخضوع لها بإسبارطة، وطلبت إليها أن تقف في وجه أثينة. ولم يكن الإسبارطيون متحمسين للحرب راغبين فيها، لعلمهم بقوة الأسطول الأثيني وشجاعة رجاله، ولكن الكراهة العنصرية القديمة بين الدوريين والأيونيين أشعلت نار البغضاء في قلوبهم، وبدا للألجركية الإسبارطية مالكة الأراضي أن الخطة التي جرت عليها أثينة وهي إقامة حكومة ديمقراطية تستمد سلطتها من الإمبراطورية في كل مدينة من المدن الخاضعة لها، نقول بدا لهذه الألجركية أن تلك الخطة تهدد كيان الحكومات الأرستقراطية أينما كانت، واكتفى الإسبارطيون حيناً من الدهر بتقديم المعونة للطبقات العليا في كل مدينة من هذه المدن، وأخذوا يعملون على مهل في تكوين جبهة متحدة ضد أثينة. ورأى بركليز نفسه يحيط به الأعداء من داخل أثينة وخارجها، فأخذ يعمل للسلم ويستعد للحرب. وهداه تفكيره إلى أن في مقدور الجيش أن يدافع عن أتكا، أو عن جميع سكان أتكا إذا اجتمعوا داخل أسوار أثينة، وأن في مقدور الأسطول أن يحمي الطرق التي تسلكها السفن المحملة بالحبوب من بلاد اليوكسين أو مصر إلى ثغر أثينة المسور ويبقيها مفتوحة. وكان يعتقد أنه لا يستطيع النزول عن شيء لأعدائه دون أن يعرض للخطر موارد الطعام الذي تعتمد عليه أثينة؛ وبدا له كما يبدو لإنجلترا في هذه الأيام، أنه أمام واحدة من اثنتين إما الإمبراطورية أو الموت جوعاً ولا وسط بينهما. ولكنه مع هذا أرسل الرسل إلى جميع الدول اليونانية يدعوها إلى عقد مؤتمر هليني للبحث عن حل للمشاكل التي تدفع

стр. 2354

اليونان للحرب. فرفضت إسبارطة الدعوة، إذ أحست أن قبولها إياها سيفسر بأنه اعتراف منها بزعامة أثينة، وحذت كثير من الدول الأخرى حذوها بوحي منها (٨)، وبذلك فشل مشروع بركليز. وفي هذا يقول توكيديدز مقالة تفسر كثيراً من الحقائق التاريخية: "لقد كانت البلوبونيز وأثينة مملوءتين بالشباب تدفعهم نقص تجربتهم إلى الرغبة في امتشاق الحسام" (٩). كانت هذه العوامل الأساسية تعمل عملها، ولم يكن قيام الحرب يتطلب أكثر من حادث يستفز النفوس. وقد وقع هذا الحادث في عام ٤٣٥. وذلك أن كرسيرا Corcyra إحدى المستعمرات الكورنثية أعلنت استقلالها عن كورنثة وانضمت إلى الحلف الأثيني ليحميها من تلك المدينة. وأرسلت كورنثة عمارة بحرية لإخضاع الجزيرة. واستغاث الديمقراطيون المنتصرون في كرسيرا بأثينة فسيّرت أسطولاً لإغاثتهم. وحدثت معركة غير حاسمة بين أهل كرسيرا وأثينة من جهة، وأهل ميغارا وكورنثة من جهة أخرى. وفي عام ٤٣٢ حاولت بوتيديا Potidaea وهي مدينة في جزائر خلقيدية تؤدي الجزية لأثينة ولكن أهلها من عنصر كورنثي، حاولت هذه المدينة أن تخلع النير الأثيني عن كاهلها، فسيّر عليها بركليز جيشاً يحاصرها، ولكنها ظلت تقاومه سنتين كاملتين استنفدت في خلالهما موارد أثينة العسكرية وأضعفت هيبتها. ولما أن مدت ميغارا يدها مرة أخرى بالمعونة إلى كورنثة أمر بركليز بمنع كل محصولاتها من دخول أسواق أتكا والإمبراطورية. واستغاثت ميغارا وكورنثة بإسبارطة، فعرضت على أثينة أن تلغي قرار التحريم، ووافق بركليز على شريطة أن تسمح إسبارطة للدول الأجنبية بأن تتجر مع لكونيا، فرفضت إسبارطة هذا الشرط، واشترطت من جانبها للصلح أن تعترف أثينة باستقلال جميع المدن اليونانية استقلالاً تاماً، أي أن تنزل أثينة عن إمبراطوريتها. وأقنع بركليز الأثينيين أن يرفضوا هذا الطلب، فما كان من إسبارطة إلا أن أعلنت الحرب (١٠).

стр. 2355

الفصل الثالث من الوباء إلى السلم وانضمت بلاد اليونان كلها إلى هذا الطرف أو ذاك من الطرفين المتنازعين، فانضمت دول البلوبونيز ما عدا أرغوس إلى إسبارطة، وحذت حذوها كورنثة، وميغارا وبؤونية، ولكريس، وفوسيس. أما أثينة فقد قدمت لها المدائن الأيونية واليكسينية، والجزائر الإيجية في بادئ الأمر بعض معونتها. وكانت المرحلة الأولى من مراحل تلك الحرب كالمرحلة الأولى من الحرب العالمية الكبرى في هذه الأيام (١) صراعاً بين القوتين البحرية والبرية، فقد ضرب الأسطول الأثيني مدن البلوبونيز الساحلية، وأما الجيش الإسبارطي فغزا أتكا واستولى على غلاّتها وأتلف تربتها. ودعا بركليز سكان أتكا إلى الاعتصام داخل أسوار أثينة، وأبى أن يخرج جيوشه للقتال، ونصح الأثينيين الذين هاج هائجهم بأن يصبروا ويصابروا حتى ينتصر أسطولهم. وقد كان هذا تدبيراً سديداً من الناحية العسكرية الفنية، ولكنه غفل عن عامل كاد أن يحسم النزاع. فقد كان ازدحام أثينة بأهل أتكا سبباً في تفّشي وباء فيها - لعله الملاريا (١١) - في عام ٤٣٠ دام قرابة ثلاث سنين، وأهلك ربع جنودها، وعدداً كبيراً من أهلها المدنيين (٢). واستولى اليأس على قلوب الأهلين لما لحقهم من العذاب بسبب الوباء والحرب فاتهموه بأنه أصل كليهما. وتقدم كليون وغيره للقضاة متهمين بركليز بأنه أساء التصرف

стр. 2356

في الأموال العامة؛ وإذا كان قد استخدم أموال الدولة كما يبدو في إرشاء ملوك إسبارطة لعقد الصلح، فقد عجز من أن يقدم حساباً مقنعاً عما تصرف فيه من الأموال؛ وثبتت عليه التهمة، وأخرج من منصبه، وفرضت عليه غرامة باهظة مقدارها خمسون وزنة (٠٠٠ ر ٣٠٠ ريال أمريكي). وفي ذلك الوقت عينه أو حواليه ماتت أخته ومات اثنان من أبنائه الشرعيين بالوباء. لكن الأثينيين لم يجدوا لهم زعيماً يخلفه فأعادوه إلى منصبه (٤٢٩)؛ وأرادوا أن يظهروا تقديرهم له وعطفهم عليه في محنته، فخرقوا قانوناً كان هو واضعه، ومنحوا ابناً له من اسبازيا حقوق المواطنية الأثينية. ولكن الأثيني الطاعن في السن كان هو نفسه قد أصيب بالوباء، ووهنت قواه يوماً بعد يوم ومات بعد بضعة أشهر من عودته إلى منصبه. ولقد وصلت أثينة في عهده إلى ذروة مجدها، وصلت إليها بفضل الثروة التي أفاءها عليها حلف كاره من جهة، وبفضل القوة التي أوغرت عليها صدور الدول جميعاً من جهة أخرى، ولهذا فإن القواعد التي رست عليها دعائم العصر الذهبي لم تكن سليمة، وكان لا بد أن تتقوض حين عجزت السياسة الأثينية عن تسيير دفة الحكم في زمن السلم. ولعل أثينة، كما يشير توكيديدز، كانت تستطيع أن تظفر بالنصر رغم هذا العجز، لو أنها ظلت تسير على خطة فابيوس Fabius التي وضعها بركليز. ولكن خلفاءه تعجلوا في تنفيذ منهاج كان يتطلب كثيراً من ضبط النفس. فقد كان زعماء الحزب الديمقراطي الجدد تجاراً من نمط كليون تاجر الجلود، ويكراتيز Eucrates بائع الحبال، وهيبربولس Hyperbolus صانع المصابيح. وكان هؤلاء الرجال يدعون إلى مواصلة الحرب في البر والبحر، وكان كليون أقدرهم جميعاً وأعظمهم كفايةً، وأفصحهم لساناً، وأكثرهم استهتاراً بالمبادئ الأخلاقية، وأشدهم فساداً. ويصفه بلوتارخ بأنه "أول خطيب من الأثينيين خلع رداءه وضرب على فخذه وهو يخاطب الجماهير" (١٢)؛ ويقول أرسطاطاليس إن كليون كان شديد الحرص على الظهور على المنصة في ثياب العمال (١٣). وكان على رأس

стр. 2357

عدد كبير من الزعماء الشعبيين حكموا أثينة منذ مات بركليز إلى أن فقد الأثينيون استقلالهم يوم قيرونة Chaeronea (٣٣٥) . وأثبت كليون كفايته عام ٤٢٥ حين حاصر الأسطول الأثيني جيشاً إسبارطياً في جزيرة اسفكتيريا Sphacteria القريبة من بيلس Pulus المسينية. ولاح أنه لا يوجد قائد بحري يستطيع الاستيلاء على الحصن، فلما أن عهدت الجمعية إلى كليون الإشراف على الحصار (وكانت ترجو بعض الرجاء أن يقتل في الهجوم عليه)، أدهش الناس كلهم بتوجيه الهجوم بمهارة وشجاعة أجبرتا اللسدمونيين على الاستسلام على غير عادتهم. وأذل هذا الاستسلام إسبارطة فطلبت الصلح والتحالف مع أثينة نظير الإفراج عن أسراها، ولكن كليون استطاع بفصاحته الخطابية أن يقنع الجمعية بأن ترفض هذا العرض وأن تواصل الحرب. وقويت سيطرته على الجماهير بعد أن عرض على الجمعية اقتراحاً أجازته من فورها يعفي الأثينيين فيما بعد من أداء الضرائب التي تتطلبها مواصلة الحرب، على أن يؤخذ ما يلزمها من المال بزيادة الخراج الذي تؤديه المدن الداخلة في نطاق الإمبراطورية (٤٢٤). وكانت السياسة التي يسير عليها كليون في هذه المدن، كالسياسة التي يسير عليها في أثينة، هي أن يستولي من الأغنياء على أكبر قدر يجده عندهم من المال. ولما أن ثارت الطبقات العليا في متليني، ونبذت الحكم الديمقراطي، وأعلنت تحرر لسيوس من ولائها لأثينة (٤٢٩)، اقترح كليون أن يقتل جميع الذكور البالغين من سكان المدينة العاصية. ووافقت الجمعية على هذا الاقتراح - ولعل الذين حضروا هذه الجلسة لم يكونوا سوى العدد القانوني الذي يصح أن تعقد بحضوره - وأرسلت سفينة تحمل أوامره بتنفيذه إلى باكيز Paches القائد الأثيني الذي قمع الثورة. ولما أن ذاع نبأ هذا الأمر الوحشي في أثينة، دعا العقلاء المعتدلون إلى عقد اجتماع ثان للجمعية، واستصدروا منها قراراً بإلغاء القرار السابق، وأرسلوا سفينة أخرى أدركت باكيز قبيل تنفيذ أمر

стр. 2358

المذبحة. وبعث باكيز إلى أثينة ألفاً من زعماء الثوار، قتلوا عن آخرهم إجابة لاقتراح كليون وجرياً على سنة ذلك العصر (١٤). وكفر كليون على ذنبه بأن مات في الميدان وهو يحارب البطل الإسبارطي براسيداس Brasidas الذي كان يستولي على المدن في شمال بلاد اليونان الأصلية والخاضعة لأثينة أو المتحالفة معها مدينة في إثر مدينة. وهذه الحرب هي التي خسر فيها توكيديدز منصبه البحري ومسكنه في أثينة من جرّاء تباطؤه في إنقاذ أمفبوليس المدينة التي كانت تتحكم في مناجم الذهب في تراقية. وقتل براسيداس في هذه الحرب نفسها، فلم تجد إسبارطة زعيماً يستطيع مواجهة الهيلوتيين الذين كانوا يهددونها بالثورة فعرضت الصلح مرة أخرى على أثينة، وانصاعت أثينة للمرة الأولى لنصيحة الزعيم الألجركي فوقعت صلح نيشياس (٤٢١). ولم تكتف المدن المتحاربة بأن تعلن انتهاء الحرب، بل وقعت شروط حلف يستمر خمسين عاماً، وتعهدت أثينة أن تخف لمساعدة إسبارطة إذا ما ثار عليها الهيلوتيون (١٥).

стр. 2359

الفصل الرابع ألقبيادس واجتمعت ثلاثة عوامل حولت هذا العهد الذي أخذته المدن اليونانية على نفسها بأن تدوم المودة بينها خمسين عاماً كاملة إلى هدنة مؤقتة لم تدم إلا ست سنين. وهذه العوامل الثلاثة هي: الفساد الذي طرأ على السلم فجعله "حرباً بوسائل أخرى؛ وقيام ألقبيادس على رأس حزب ينادي بامتشاق الحسام؛ ومحاولة أثينة الاستيلاء على المستعمرات الدورية في صقلية، ورفض حلفاء إسبارطة أن يوقعوا شروط الاتفاق مع أثينة، وانشقوا عليها بعد أن ذهبت قوتها، وحولوا ولاءهم إلى أثينة. واحتفظ ألقبيادس في أثينة بالسلم رسمياً، ولكنه كان في واقع الأمر يعد العدة لمحاربة إسبارطة، وحشد المدن اليونانية الموالية لأثينة في واقعة دارت رحاها عند منتينيا Mantinea (٤١٨) . وانتصرت إسبارطة في المعركة، وعقدت المدن اليونانية هدنة أخرى على الرغم منها. وفي هذه الأثناء سيَّرت أثينة أسطولاً إلى جزيرة ميلوس الدورية تطلب إليها أن تكون دولة خاضعة لسلطان الإمبراطورية الأثينية (٤١٦). ويقول توكيديدز - وأكبر الظن أن المؤرخ الذي فيه يخضع للفيلسوف السوفسطائي أو الطريد المنتقم - إن الرسل الأثينيين لم يبرروا اعتداءهم بأكثر من قولهم إن القوة هي الحق: "لقد أملت علينا الآلهة وعلمنا الناس أن هؤلاء وأولئك يحكمون أينما استطاعوا وفقاً لقانون محتوم متأصل في طبيعتهم، ولسنا نحن أول من سنّ هذا القانون أو عمل به؛ لقد وجدناه قائماً من قبلنا، وسنتركه قائماً سرمدياً من بعدنا؛ وكل ما نستطيع أن نفعله أن نسير على سننه، لأنا نعرف أنكم أنتم وكل من عداكم من الناس ستفعلون فعلنا إذا أوتيتم ما أوتينا من قوة" (١٦). وأبى أهل

стр. 2360

ميلوس أن يخضعوا وأعلنوا أنهم سيفوضون أمرهم إلى الآلهة ويضعون فيها ثقتهم. ولما أن وصلت بعدئذ إلى الأسطول الأثيني إمدادات لا قبل لهم بها استسلموا للغزاة الفاتحين بلا شرط ولا قيد. وأعدم الأثينيون كل من وقع في أيديهم من الذكور البالغين، وباعوا النساء والأطفال بيع الرقيق، وأقطعوا الجزيرة لخمسمائة من المستعمرين الأثينيين. وابتهجت أثينة بهذا الفتح المبين، وشرعت من ذلك الحين تبرهن، بما مَثل بين جدرانها من مآس حية، على ذلك المبدأ الذي مَثله كُتابها على المسرح، وهو أن الانتقام الإلهي يتعقب الانتصار الوقح. وكان ألقبيادس ممن أيدوا في الجمعية القرار الماضي بإعدام الذكور من أهل ميلوس (١٧). وكان تأييده لكل اقتراح أياً كان نوعه يكفي في الغالب لإقراره، لأنه كان وقتئذ أقوى رجل في أثينة، تعجب به لفصاحة لسانه، وبهاء طلعته، وعبقريته المتعددة الكفايات، بل تعجب به أيضاً لعيوبه وجرائمه. وكان أبوه أقلينياس Cleinias الثري قد قتل في واقعة كورونيا Coronea، وكانت أمه وهي القميونية Alemaeonid تمت بالقرابة إلى بركليز، قد أقنعت ذلك السياسي أن يربي ألقبيادس في منزله. وكان الغلام مشاكساً، ولكنه ذكي شجاع، حارب وهو في سن العشرين بجانب سقراط في بوتيديا Potidaea، وحارب في السادسة والعشرين من عمره في واقعة دليوم Delium (٤٢٤) . ويبدو أن الفيلسوف كان يحس بعطف قوي على الغلام، وأنه ردّه إلى الفضيلة، كما يقول بلوتارخ، بألفاظ، "بلغ من تأثيرها في ألقبيادس أن استدرت الدمع من عينيه، وأقلقت باله، ولكنه مع ذلك كان يسلم نفسه أحياناً للمتملقين، حين كانوا يعرضون عليه ألواناً من الملاذ، فيهجر سقراط، ويأخذ الفيلسوف في مطاردته كأنه عبد آبق" (١٨). وكانت بديهة الشاب الوقّادة ومجونه حديث الناس في أثينة وموضع دهشتهم وإعجابهم. ولما أن عاب عليه بركليز تكبره واستبداده برأيه بقوله إنه لم يفعل فعله هو مع أنه هو الآخر كان زلق اللسان في صباه، رد عليه ألقبيادس

стр. 2361

بقوله: "أشد ما آسف له أنني لم أعرفك حين كان عقلك في عنفوانه" (١٩). وأراد مرة أن يرد على تحدي أحد رفاقه المتهورين الصخابين فصفع رجلاً من أغنى الأثينيين وأشدهم بطشاً يدعى هبونكس Hipponicus على وجهه، ثم دخل في اليوم الثاني بيت ذلك العظيم، وخلع ملابسه، ورجا هبونكس أن يضربه بالسوط عقاباً له على فعلته. وتأثر الشيخ بفعل الشاب فزوجه بابنته هبريتي ومهرها بعشر وزنات، وأقنعه ألقبيادس بأن يضاعف المهر وأنفق معظمه على نفسه، وعاش عيشة بلغت من الترف درجة لم تعرف أثينة مثلها من قبل. فقد ملأ بيته بالأثاث الثمين، واستخدم الفنانين في رسم الصور على الجدران، وجمع طائفة من جياد السباق، فاز بها مراراً في سباق المركبات في أولمبيا. وقد فازت خيله في إحدى هذه المباريات بالجوائز الأولى والثانية والرابعة فما كان منه إلا أن أولم وليمة لجميع أعضاء الجمعية (٢٠). وكان في بعض الأحيان يعد السفن ويؤدي نفقات الممثلين من ماله الخاص، وإذا ما طلبت الدولة تبرعات للحرب من أبنائها كان هو أكبر المتبرعين. ولم يكن ألقبيادس يتقيد بواعز من ضمير أو عرف أو خوف، ولهذا كان يعبث في صباه وكهولته عبثاً بهيمياً، وكأن أثينة بقضها وقضيضها كانت تستمتع معه بسعادته. وكان يتلعثم قليلاً في نطقه تلعثماً بلغ من سحره أن أصبح التلعثم الطراز الشائع بين شباب أثينة العصريين، واحتذى مرة طرازاً جديداً من الأحذية، فلم يلبث شباب المدينة الأثرياء المتأنقون أن لبسوا أحذية ألقبيادس؛ وقد خرج على مائة قانون، وأساء إلى مائة رجل، ولكن أحداً لم يجرؤ على مقاضاته. وقد بلغ من حب السراري له أن نقش على درعه الذهبي صورة لإله الحب وإلى جانبه صاعقة كأنه يعلن بذلك انتصاراته في الحب (٢١)، وصبرت زوجته على خياناته صبر الكرام، فلما تمادي فيها عادت إلى منزل أبيها وأخذت تستعد لمقاضاته طلباً للطلاق، ولما ظهرت أمام الأركون، احتضنها ألقبيادس، وسار بها إلى منزله مخترقاً السوق

стр. 2362

العامة دون أن يجرؤ إنسان على اعتراضه، فلم يسعها والحالة هذه إلا أن تطلق له العنان، وأن تقنع منه بفتات حبه، ولكن موتها المبكر يوحي بأنها ماتت كسيرة القلب بسبب خياناته الزوجية. ولما أن دخل ميدان السياسة بعد موت بركليز لم يجد فيه إلا منافساً واحداً له، هو نيشياس الثري التقي. ولكن نيشياس كان ضالعاً مع طبقة الأشراف جانحاً للسلم، ومن أجل هذا شرع ألقبيادس يخص بعطفه طبقات التجار، ويدعو إلى النزعة الاستعمارية دعوة أثارت كبرياء الأثينيين. وكان صلح نيشياس مشيناً في نظره لأنه يحمل اسم منافسه. ولما اختير في عام ٥٢٠ قائداً من عشرة قوّاد بدأ يضع تلك الخطط الطموحة التي قذفت بأثينة مرة أخرى في معمعان القتال، ولما أن هتفت له الجمعية ابتهج لهتافها تيمن Timon كاره المجتمع وتنبأ بما سوف يحل بها من الفواجع (٢٢).

стр. 2363

الفصل الخامس المغامرة الصقلية كان خيال ألقبيادس هو الذي أفسد عمل بركليز. ذلك أن أثينة قد انتعشت بعد ما حل بها من كوارث الحرب، وأخذت التجارة تدر عليها ثروة جزائر بحر إيجة. لكن القانون الطبيعي الذي يخضع له كل كائن حي هو قانون النماء الذاتي؛ فأما المطامع والإمبراطوريات فلا تقنع أبداً بما تبلغ، ولا تقف أبداً عند حد. وكان ألقبيادس يطمع في أن يبني لأثينة إمبراطورية جديدة في مدائن إيطاليا وصقلية الغنية، حيث تستطيع أن تجد الغلال، والمواد، والرجال، وحيث تستطيع أن تسيطر على موارد الطعام في البلوبونيز، وتضاعف الخراج الذي كان يوشك أن يجعلها أعظم المدن اليونانية. ولم يكن في وسع أية مدينة أن تنافسها غير سرقوصة، ولم تكن هي تطيق التفكير في هذه المنافسة، وكانت ترى أنها إن استولت على سرقوصة خضع لسلطانها جميع حوض البحر الأبيض المتوسط الغربي، ونالت أثينة من المجد ما لم يحلم به بركليز نفسه. وحدث في عام ٤٢٧ أن حذت صقلية حذو بلاد اليونان الأصلية فانقسمت إلى معسكرين متنازعين، تتزعم أحدهما سرقوصة الدورية، وتتزعم الأخرى ليونتيني Leontini الأيونية. وأرسلت ليونتيني غورغياس إلى أثينة يستنجدها، ولكن أثينة كانت وقتئذ أضعف من أن تغيث مستغيثاً. وفي عام ٤١٦ أرسلت سجستا رسلاً إلى أثينة يبلغونها أن سرقوصة تعد العدة لتخضع صقلية كلها، وتفرض عليها حكومة دورية، وتمد إسبارطة بالمؤن والأموال إذا ما تجددت الحرب الكبرى. واغتنم ألقبيادس هذه الفرصة السانحة وقال إن اليونان في صقلية منقسمون على أنفسهم انقساماً لا يرجى من ورائه لهم

стр. 2364

خير، وإن كل مدينة فيها منقسمة على نفسها، وإن من أيسر الأمور وبقليل من الشجاعة أن تضم الجزيرة كلها إلى الإمبراطورية، وإن من أوجب الواجبات أن تظل الإمبراطورية تتسع رقعتها، وإلا فلا مناص لها من أن تبدأ في الاضمحلال، وإن الشعب الذي يريد أن تكون له إمبراطورية في حاجة إلى مناوشة من آن إلى آن لتدريبه على أساليب حكم الشعوب (٢٣). وقام نيشياس في الجمعية يعارضه ويطلب إليها ألا تستمتع لرجل يغريه بذخه بالإقدام على مشروعات التوسع الخيالية، ولكن بلاغة ألقبيادس وخيال شعب تحلل الآن تحللاً خطيراً من المبادئ الأخلاقية تغلباً على حجج نيشياس، وأعلنت الجمعية الحرب على سرقوصة ووافقت على الأموال اللازمة لإعداد أسطول ضخم لغزوها، وكأنما أرادت أن تجعل هزيمة أثينة مؤكدة فوزعت القيادة بين ألقبيادس ونيشياس. وسارت الاستعدادات على قدم وساق مدفوعة بالحماسة الشديدة التي هي من أخص خصائص الحرب؛ وأخذ الأهلون ينتظرون سفر الأسطول ليحتفلوا به احتفالاً وطنياً عظيماً. ولكن حدث قبل اليوم المحددة لسفره بأيام قلائل حادث عجيب هز مشاعر المدينة التي كانت قد فقدت كثيراً من تقواها وإن لم تفقد شيئاً من خرافاتها وأوهامها. وتفصيل ذلك أن أشخاصاً مجهولين تسللوا في جنح الظلام وحطموا أنوف تماثيل الإله هرمس، وآذانها، وأعضاء تذكيرها. وكانت هذه التماثيل قائمة أمام المباني العامة وكثير من المساكن الخاصة رمزاً للإخصاب ووقاية لها من كل سوء. وجاء باحث متحمس يفضي إلى القوم بشهادة لا سند لها منقولة عن جماعة من الغرباء والأرقاء يقولون فيها إن هذا العبث من فعل طائفة من أنصار ألقبيادس السكارى بزعامة ألقبيادس نفسه. واحتج القائد الشاب على هذا القول وحاول أن يبرئ نفسه منه، وطلب أن يقدم إلى المحاكمة على الفور، حتى يدان أو يبرأ قبل سفر الأسطول. ولكن أعداءه الذين كانوا يتوقعون صدور الحكم ببراءته، أفلحوا في تأجيل المحاكمة. وعلى هذا أبحر الأسطول

стр. 2365

العظيم في عام ٤١٥ وقد عقد لواؤه لداعية من دعاة السلم خوار القلب يبغض الحرب، ورجل جريء من أنصار الحرب، يقف توزيع القيادة وخشية البحارة أن يكون قد استحق غضب الآلهة، حائلاً بين عبقريته وبين الجهود التي لابد من بذلها لنيل النصر. ولم تكد تمضي على سفر الأسطول بضعة أيام حتى وردت أدلة كالأدلة السابقة لا سند لها يؤديها ولا يمكن الوثوق بها تقول إن ألقبيادس وأصدقاءه قد اشتركوا في تمثيل الطقوس الإلوريتية الخفية تمثيلاً هزلياً ساخراً. وأسرعت الجمعية تدفعها الجماهير الهائجة الغاضبة، فأرسلت السفينة السريعة سلامينيا Salaminia للحاق بألقبيادس وإعادته إلى أثينة ليقدم فيها للمحاكمة. وقبل ألقبيادس الدعوة، وانتقل إلى سلامينيا؛ ولما أن رست السفينة عند ثورباي نزل إلى البر خفية وفر هارباً. فلما أن غلبت الجمعية الأثينية على أمرها أصدرت حكمها بنفيه ومصادرة جميع أملاكه. وإعدامه إذا ما استطاع الأثينيون القبض عليه. واستولى عليه الحزن إذ رأى أن مشروعاته التي تهدف إلى مجد أثينة وتوطيد دعائم إمبراطوريتها قد قضى عليها من جرّاء حكم لا يزال يعده ظالماً، فلجأ إلى البلوبونيز، وحضر إحدى جلسات الجمعية الإسبارطية، وعرض أن يساعد إسبارطة على هزيمة أثينة وإقامة حكومة أرستقراطية فيها. ويقول توكيديدز على لسانه: "أما الديمقراطية فإن العقلاء منا يعرفون حقيقة أمرها، ولست أنا أقل علماً بذلك عن أي واحد منهم، لأن عندي من أسباب الشكوى منها أكثر مما عندهم، ولكني لا أجد شيئاً جديداً أذكره عن هذا السخف المتأصل فيها" (٢٤). وأشار على الإسبارطيين أن يسّيروا أسطولاً لمساعدة سرقوصة، وجيشاً للاستيلاء على دسيليا Deceleia - وهي مدينة في أتكا إذا استولت عليها إسبارطة تحكمت عسكرياً في أتكا بأجمعها ما عدا أثينة، فتمنع بذلك مناجم الفضة في لوريوم أن تمد أثينة بالأموال التي تمكّنها من مقاومة الغزو، حتى إذا

стр. 2366

رأت المدن الخاضعة لأثينة أن هزيمتها محققة امتنعت عن أداء الجزية. وعملت إسبارطة بهذه النصيحة. وظهرت قوة عزيمته حين نبذ ما تعوده في حياة الترف وعاش كما يعيش الإسبارطيون متقشفاً، مقتصداً، متحفظاً، يأكل غليظ الطعام، ويلبس خشن الثياب، ويسير حافي القدمين، ويستحم في نهر اليوروتاس Eurotas صيفاً وشتاءً، ويطيع قوانين لسدمونيا وعاداتها عن وفاء وإخلاص. لكن طلعته البهية، وجاذبيته رغم هذا كله أفسدتا عليه خططه، فقد هامت الملكة بحبه، وحملت منه بولد، وأسرّت إلى أصدقائها في زهو وفخار أنه أبوه. واعتذر هو لأصدقائه عن فعلته هذه بأنه لم يستطع أن يقاوم رغبته في أن يكون ملوك لكونيا من نسله. وجاء الملك أجيس إلى بلده، وكان متغيباً عنه مع جيشه. وعلم ألقبياس بذلك فحصل على منصب في قسم أسطول إسبارطة كان مسافراً إلى آسية. وتبرأ الملك من الطفل، وبعث بأوامر سرية تقضي باغتيال ألقبيادس، ولكن أصدقاءه حذروه من هذا، ففر وانضم لطشفرن Tissaphernes قائد الأسطول الفارسي في سرديس. وكان نيشياس يواجه في الطرف الآخر من ميدان القتال مقاومة لا يستطيع التغلب عليها إلا عبقرية ألقبيادس العسكرية ومهارته في حبك الدسائس وتدبير المؤامرات. ذلك أن صقلية بأجمعها تقريباً خفت لمساعدة سرقوصة. وفي عام ٤١٤ استطاع أسطول صقلية بمساعدة أسطول إسبارطي يقوده جيبلس Gylippus أن يحصر السفن الأثينية الحربية في ميناء سرقوصة ويمنع عنها الطعام. وفقدت هذه السفن آخر فرصة أتيحت لها للخروج من هذا المأزق حين خسف القمر فارتاع لذلك نيشياس وكثيرون من جنوده وحملهم هذا الروع على أن ينتظروا فرصة أخرى أكثر من هذه إرضاء للآلهة. ولكنهم في اليوم الثاني وجدوا أنفسهم يحيط بهم أعداؤهم فاضطروا كارهين

стр. 2367

أن يخوضوا المعركة، ومنوا بالهزيمة في البحر أولاً ثم في البر بعدئذ. وحارب نيشياس رغم ضعفه ومرضه ببسالة، ولكنه أسلم نفسه آخر الأمر لرحمة السرقوصيين، فلم يكن منهم إلا أن أعدموه؛ ثم أرسل من بقي على قيد الحياة من الأثينيين، وكانوا كلهم من طبقة المواطنين، إلى العمل في مناجم صقلية، حيث ذاقوا طعم الحياة التي ظل يحياها عدة أجيال أولئك الذين ظلوا عدة قرون يكدحون في استخراج الفضة من مناجم لوريوم وهلكوا فيها كما هلك هؤلاء.

стр. 2368

الفصل السادس انتصار إسبارطة وقضت هذه الكارثة على روح أثينة المعنوية، فقد هلك أو استرق فيها نصف مواطنيها تقريباً، وترمّل نصف هذه الطبقة من النساء، وتيتم نصف الأطفال. ولم يكد يبقى لها شيء من الأموال التي جمعها بركليز في خزائنها، وكان عام آخر كفيلاً باستنفاد كل درهم فيها. وحسبت المدن الخاضعة لأثينة أنها ساقطة لا محالة فامتنعت عن أداء الجزية، وتخلف عنها معظم حليفاتها وانضمت الكثيرات منهن إلى إسبارطة. وفي عام ٤١٣ ادعت إسبارطة أن أثينة قد خرقت أكثر من مرة شروط صلح "الخمسين عاماً" فأعلنت إليها الحرب من جديد، واستولى اللسديمونيون في هذه المرة على ديسيليا، وحالوا دون وصول الطعام إليها من عوبية والفضة من لوريوم. وتمرد الأرقاء الذين كانوا يعملون في هذه المناجم، وانضموا بكامل عددهم البالغ عشرين ألف رجل إلى الإسبارطيين. وبعثت سرقوصة جيشاً لينضم إلى المهاجمين، ورأى ملك الفرس الفرصة سانحة ليثأر لنفسه من هزيمة مرثون وسلاميس، فأمد بالمال الأسطول الإسبارطي الناشئ، بعد أن اتفق مع إسبارطة ذلك الاتفاق المشين، وهو أن تساعد الفرس على أن يستعيدوا سيادتهم على مدائن أيونيا اليونانية (٢٥). ومما يدل على شجاعة الديمقراطية الأثينية وما كان فيها من حيوية أن أثينة استطاعت أن تقاوم أعداءها عشر سنين أخرى، فقد نظمت حكومتها تنظيماً راعت فيه قواعد الاقتصاد، وجدت في جميع الضرائب وفرض الإعانات لبناء أسطول جديد، فلم تكد تمضي سنة على هزيمتها في سرقوصة

стр. 2369

حتى أصبحت متأهبة لأن تنازع إسبارطة سيادتها الجديدة على البحار. ولما كاد انتعاش أثينة يبدو أمراً مؤكداً نظم الحزب الألجركي ثورة في البلاد، واستولى على أزمة الحكم وأنشأ مجلساً أعلى قوامه أربعمائة ألف (٤١١). ولم يكن أعضاء هذا الحزب في يوم من الأيام في جانب الحرب، بل إنهم كانوا في واقع الأمر يودون لو انتصرت إسبارطة على أثينة لتنتعش فيها الأرستقراطية. واستولى الرعب على الجمعية بعد أن اغتيل كثيرون من زعماء الديمقراطية فاقترعت على أن تكفي نفسها بنفسها. وناصر الأغنياء الثورة لأنهم رأوا فيها الوسيلة الوحيدة للقضاء على حرب الطبقات التي وحدت صفوف الطبقات المتماثلة في أثينة وإسبارطة، كما وحد كفاح الطبقات الوسطى ضد الأرستقراطية أحزاب الأحرار في إنجلترا وأمريكا إبان الثورة الأمريكية. وما كاد الألجركيون يستولون على أزمة الحكم حتى أرسلوا الرسل لعقد الصلح مع إسبارطة، وأخذوا يمهدون السبيل سراً لدخول الجيش الإسبارطي في أثينة. وفي هذا الوقت تولى ثرمنيز، وهو زعيم حزب وسط من الأرستقراط المعتدلين، ثورة مضادة للثورة السالفة الذكر، واستبدل بمجلس الأربعمائة الذي تولى الحكم نحو أربعة أشهر مجلساً آخر من خمسمائة عضو (٤١١)، واستمتعت أثينة فترة قصيرة بحكم ديمقراطي أرستقراطي مشترك كان في نظر توكيديدز وأرسطاطاليس (٢٦) (وكلاهما من الأشراف) خير ما رأته أثينة بعد عهد صولون من أنظمة الحكم وأكثرها عدلاً. ولكن الثورة الثانية نسيت، كما نسيت الثورة الأولى، أن طعام أثينة وحياتها نفسها يعتمدان على أسطولها، الذي حرمت الثورتان رجاله عدا قليلين من زعمائهم من حقوقهم السياسية. وثارت ثائرة البحّارة حين سمعوا هذا الخبر، فأعلنوا أنهم سيحاصرون أثينة إن لم تعد إليها حكومتها الديمقراطية. وانتظر الألجركيون قدوم الجيش الإسبارطي ولكن الإسبارطيين تباطئوا شأنهم في كل مرة، وولى الحكام الجدد الأدبار، وأعاد الديمقراطيون المنتصرون الدستور القديم (٤١١).

стр. 2370

وكان ألقبيادس قد أيد الثورة الألجركية سراً، وكان يرجو أن تمهد السبيل لعودته إلى أثينة، فلما عادت الديمقراطية إلى سابق عهدها استدعته إليها ووعدته بالعفو عنه؛ ولعلها كانت تجهل دسائسه، ولكنها كانت تعرف بلا ريب سيئات الحكومات التي توالت عليها بعد نفيه منها. غير أن ألقبياس أرجأ عودته ظافراً إلى أثينة، وتولى قيادة الأسطول المرابط عند ساموس، وأقدم على العمل بسرعة ونجاح سعدت بهما أثينة فترة قصيرة من الزمان. فقد اجتاز الهلسبنت مسرعاً، والتقى بأسطول إسبارطي عند سزكس Cyzicus ودمره تدميراً تاماً. (٤١٠)، ثم حاصر خلقيدون وبيزنطية حصاراً دام عاماً كاملاً استولى بعده عليهما وأعاد بذلك إلى أثينة سيطرتها على مواد الطعام المارة بالبسفور. ثم عاد بأسطوله نحو الجنوب فالتقى بعمارة إسبارطية أخرى قرب جزيرة أندروس وهزمها دون عناء. ورجع بعدئذ إلى أثينة (٤٠٧)، فحياه أهلها على بكرة أبيهم أحسن تحية واستقبلوه أحسن استقبال. لقد نسوا وقتئذ ذنوبه ولم يذكروا إلا عبقريته وحاجة أثينة الشديدة إلى قائد قدير مثله (٢٧). ولكن أثينة وهي تحتفل بانتصاراته لم ترسل إليه المال الذي يؤدي به رواتب بحارة أسطوله. وهنا أيضاً قضى على ألقبياس عدم استمساكه بالمبادئ الأخلاقية الكريمة. ذلك أنه ترك الجزء الأكبر من أسطوله عند نوتيوم Notium (قرب إفسوس) تحت إمرة رجل يدعى أنتيكس Antiochus، وأمره أن يبقى في الميناء وألا يشتبك في القتال مهما تكن الأسباب، ثم سار هو ومعه عدد قليل من السفن إلى كاريا Caria ليجمع منها المال إلى رجاله بأساليب لا يرضى عنها القانون. وطمع أنتيكس في الشهرة فغادر الميناء، وتحدى أسطولاً إسبارطياً صغيراً بقيادة ليسندر Lysander فقبل هذا القائد التحدي، وقَتَل أنتيكس بيده وأغرق معظم سفائن الأسطول الأثيني أو استولى عليها (٤٠٧). ولما علمت أثينة بهذه الفاجعة، وكان لها في الجمعية رد فعل سريع، فقد اجتمعت من فورها ووجهت اللوم إلى ألقبيادس

стр. 2371

لتركه أسطوله وعزله من قيادته. وأصبح ألقبياس يخشى أثينة وإسبارطة على السواء، فلم ير بداً من الالتجاء إلى بيثينيا Bithynia. وأمرت أثينة في يأسها أن يصهر ما في التماثيل والقرابين القائمة على الأكربوليس من ذهب وفضة، وأن ينفق هذا كله في بناء أسطول جديد من مائة وخمسين سفينة ذات ثلاثة صفوف من المجاديف، ثم قررت أن تعتق الأرقاء، وتمنح حقوق المواطنية للغرباء، الذين يدافعون عن المدينة. وهزم الأسطول الجديد عمارة إسبارطية بالقرب من جزائر أرجنوسي Arginusae (جنوب لسيوس) في عام ٤٠٦، واهتزت مشاعر أثينة مرة أخرى بنشوة الظفر، ولكن الجمعية استشاطت غضباً حين سمعت أن قوادها (١) قد تركوا بحارة خمس وعشرين سفينة من السفن التي أغرقها العدو يموتون غرقاً على أثر عاصفة بحرية. ونادى المتحمسون أن أرواح هؤلاء الغرقى الذين لم يدفنوا طبقاً للمراسيم المرعية، ستطوف قلقة حول العالم؛ واتهموا الباقين على قيد الحياة بإهمالهم إنقاذ الغرقى، واقترحوا أن يحكم بالقتل على ثمانية من القواد المنتصرين (ومنهم ابن بركليز من أسبازيا). وتصادف أن كان سقراط عضواً في لجنة الرياسة في ذلك اليوم فأبى أن يعرض هذا الاقتراح على الجمعية. ولكنه عرض ووافقت عليه على الرغم منه، ونفذ الحكم بنفس السرعة التي صودق بها عليه. وما هي إلا أيام قلائل حتى ندمت الجمعية على فعلتها، وحكمت بالإعدام على من أقنعوها بقتل القواد. وفي هذه الأثناء عرض الإسبارطيون، بعد أن أوهنتهم الهزيمة، أن يعقدوا الصلح مرة أخرى، ولكن الجمعية الأثينية رفضت هذا العرض متأثرة ببلاغة كليوفون المخمور (٢٨). واتجه الأسطول الأثيني بعدئذ نحو الشمال، تحت إمرة قواد من الطبقة

стр. 2372

الثانية، ليلاقي الإسبارطيين بقيادة ليسندر في بحر مرمرة. ورأى ألقبيادس من مخبئه بين التلال أن السفن الأثينية قد اتخذت لها موضعاً شديد الخطورة عند إيجسبتماي Aegospotami قرب لمبسكس Lampascus، فما كان منه إلا أن خاطر بحياته ونزل إلى الشاطئ على ظهر جواده، ونصح أمراء البحر الأثينيين أن يبحثوا لهم عن موضع أقل تعرضاً للخطر من موضعهم؛ ولكنهم لم يثقوا بنصحه ولم يعملوا به، وذكروه بأنه لم يعد له شأن بالقيادة. وفي اليوم الثاني حدثت المعركة الفاصلة، وأغرقت فيها مائتان من سفن الأسطول الأثيني المائتين والثمان، أو استولى عليها العدو، وأمر ليسندر بقتل ثلاثة آلاف من الأسرى الأثينيين (٢٩). وترامى إلى ألقبياس أن ليسندر قد أمر بقتله، ففر إلى فريجيا مع القائد الفارسي فرنيزوس Pharnapazus الذي وهبه قصراً وحظية. ولكن ملك فارس أمر فرنيزوس بأن يقتل ضيفه عملاً بنصيحة ليسندر. وحاصر اثنان من القتلة ألقبيادس في قصره، وأشعلا النار فيه، فخرج منه عارياً يائساً، يريد أن يقاتل دفاعاً عن حياته، ولكن سهام مهاجميه وحربتيهما اخترقت جسمه قبل أن يمسهما سيفه فقضى نحبه في السادسة والأربعين من عمره؛ وكان أعظم العباقرة في تاريخ اليونان العسكري، كما كان إخفاقه أعظم الفواجع في هذا التاريخ. وأصبح ليسندر بعدئذ صاحب السلطان المطلق في بحر إيجة، فأخذ يتنقل بأسطوله من مدينة إلى مدينة، يقضي على الديمقراطيات ويقيم مكانها حكومات ألجركية خاضعة لإسبارطة، ثم دخل ثغر بيرية من غير أن يلقى مقاومة، وضرب الحصار على أثينة، وقاومه الأثينيون ببسالتهم المعهودة، ولكن ما كان لديهم من الطعام لم يكفهم أكثر من ثلاثة أشهر، وامتلأت طرقات المدينة بالموتى أو المحتضرين. وعرض ليسندر على أثينة شروطاً للصلح مذلة ولكنها رحيمة. فقد قال إنه لا يريد أن يخرب مدينة أدت في الماضي خدمات مشرفة إلى بلاد اليونان، ولن يريد فوق ذلك أن يستعبد أهلها،

стр. 2373

ولكنه طلب دك الأسوار الطويلة واستدعاء الألجركيين المنفيين، وتسليم جميع ما كان باقياً من أسطولها عدا ثمان سفن، وأن تقطع على نفسها عهداً بأن تساعد إسبارطة مساعدة جدية في كل حرب تخوض غمارها في المستقبل، واحتجت أثينة على هذه الشروط ولكنها قبلتها صاغرة. واستولى الألجركيون العائدون بزعامة أقرتياس وثرمنيز على أزمة الحكم بتأييد ليسندر، وألفوا مجلساً من ثلاثين عضواً ليحكم أثينة (٤٠٤). ولم يفد هؤلاء العائدون من دروس الماضي شيئاً، كما لم يفد منها آل بربون Bourbon بعد أن عادوا إلى حكم فرنسا. فقد صادروا أموال كثيرين من أغنياء التجار، وأوغروا عليهم صدورهم. ونهبوا أموال الهياكل، وباعوا بثلاث وزنات أرصفة بيرية التي كلفت أثينة ألف وزنة (٣٠)، ونفوا من المدينة خمسة آلاف من الديمقراطيين، وأعدموا ألفاً وخمسمائة آخرين؛ وقتلوا جميع الأثينيين الذين لم يكونوا هم راضين عنهم لأسباب سياسية أو شخصية؛ وقضوا على حرية التعليم والاجتماع، والكلام؛ وحرم أقريتياس على سقراط، وقد كان يوماً ما تلميذ هذا الفيلسوف، أن يواصل أحاديثه العامة. وأراد الثلاثون أن يُعرّضوا الفيلسوف للشبهات ويضموه إلى قضيتهم فأمروه هو وأربعة غيره أن يقبضوا على ليون Leon الديمقراطي، فأطاع الأربعة أمرهم ورفضه سقراط. وازدادت جرائم الألجركيين وتضاعفت إلى حد أنسى الأثينيين أوزار الديمقراطية، فأخذ عدد من يريدون التخلص من هذا الطغيان الدموي، ومن بينهم كثيرون من ذوي اليسار؛ يزداد يوماً بعد يوم؛ ولما أن اقترب من بيرية ألف من الديمقراطيين المدججين بالسلاح بقيادة ثرازيبولس Thrasypulus لم يكد الثلاثون يجدون من يدافع عنهم غير شيعتهم الأقربين. ونظم أقريتياس جيشاً صغيراً، وخرج هو إلى ميدان القتال فهزم وقتل. ودخل ثرازيبولس

стр. 2374

أثينة وأعاد إليها الحكم الديمقراطي (٤٠٣). وسارت الجمعية بإرشاده سيراً معتدلاً لم تألفه من قبل، فلم تحكم بالإعدام إلا على أكابر من بقوا على قيد الحياة من زعماء الثورة، وسمحت لهم بالنجاة من هذا الحكم بالخروج من المدينة؛ ثم أعلنت العفو العام عن جميع من ساعد الألجركيين من غير هؤلاء الزعماء، بل إنها ردت على إسبارطة المائة الوزنة التي أعارها حكامها إلى الثلاثين (٣١). وأعادت هذه الأعمال المنطوية على كثير من الإنسانية وحسن السياسة إلى أثينة ذلك السلام الذي حرمت منه جيل من الزمان.

стр. 2375

الفصل السابع موت سقراط من أغرب الأشياء أن العمل القاسي الوحيد الذي ارتكبته الديمقراطية بعد عودتها، قد ارتكبته مع فيلسوف طاعن في السن تحول سنوه السبعون بينه وبين القيام بأي عمل يضر الدولة. ولكن كان بين زعماء الحزب المنتصر ذاك الأنيتوس Anytus الذي هدد قبل عدة سنين من ذلك الوقت بأن ينتقم لنفسه من سقراط لبعض إهانات لحقته من جدله، ولأن الفيلسوف "أفسد" ابنه. وكان أنيتوس هذا رجلاً صالحاً، حارب ببسالة تحت إمرة ثرازيبولس، وأنقذ حياة بعض من أسرهم جنوده من الألجركيين. وكانت له يد في إصدار العفو العام؛ وسمح للذين ابتاعوا أملاكهم، بعد أن صادر الثلاثون الأملاك، أن يستبقوها لأنفسهم لا ينازعهم فيها منازع. ولكنه لم يحتفظ بهذه الصفات الكريمة في معاملته لسقراط. فهو لم ينس أن ابنه بقي مع سقراط وصار سكيراً عربيداً بعد أن ذهب هو إلى منفاه (٣٢)؛ ولم يخفف من حقده على الفيلسوف أن سقراط أبى أن يطيع الثلاثين وأعلن أن أقريتياس حاكم ظالم (هذا إذا كان لنا أن نصدق رواية أكسانوفون عن هذا الحادث (٣٣)). فقد بدا لأنيتوس أن تأثير سقراط في الأخلاق وفي السياسة أسوأ من تأثير أي سوفسطائي آخر، وأنه يقوض دعائم العقيدة الدينية التي كانت تستند إليها الأخلاق، وأن انتقاداته الدائمة كانت تضعف إيمان الأثينيين المتعلمين في الأنظمة الديمقراطية (١). وبدا لأنيتوس أن من الخير أن يخرج سقراط من أثينة أو أن يموت.

стр. 2376

ووجَّه الاتهام إلى سقراط أنيتوس، وملاتوس، وليقون في عام ٣٣٩ وكان نصه: "أن سقراط مذنب عام لأنه لا يعترف بالآلهة التي تعترف بها الدولة، بل يدخل فيها كائنات شيطانية" (الديمونيون السقراطية)؛ "وأنه مذنب كذلك لأنه أفسد الشباب" (١). وجرت المحاكمة أمام محكمة شعبية (ديكاستريون Dikasterion) مؤلفة من حوالي خمسمائة من المواطنين معظمهم ممن لم ينالوا قسطاً كبيراً من التعليم. وليس لدينا وسيلة نعرف بها ما في رواية أفلاطون وأكسانوفون الخاصة بدفاع سقراط عن نفسه من دقة؛ وكل ما نعرفه محققاً أن أفلاطون شهد المحاكمة بنفسه (٣٧)، وأن روايته عن اعتذار سقراط تتفق في كثير من المواضع مع رواية أكسانوفون. يقول أفلاطون إن سقراط قد أكد أنه يؤمن بألوهية الشمس والقمر نفسيهما. "تقولون أولاً إني لا أؤمن بالآلهة ثم تقولون بعدئذ إني أومن بأنصاف الآلهة … إن مثلكم في هذا كمثل من يؤكد وجود البغال ثم ينكر وجود الخيل والحمير" (٣٨) ثم أشار وهو مكتئب حزين إلى ما كان لهجاء أرسطوفان من أثر فعّال: "لقد اتهمني كثيرون، اتهموني في الزمن القديم، وظلت تهمهم الكاذبة تطاردني كثيراً من السنين؛ وأنا أخشاهم أكثر مما أخشى أنيتوس ورفاقه … لأنهم بدءوا يتهمونني وأنتم أطفال، واستحوذوا بأكاذيبهم على عقولكم، إذ حدثوكم عن شخص يسمى سقراط، وهو رجل حكيم، يفكر في السموات العلا، ويفحص عن الأرض من تحتنا، ويجعل أسوأ الأسباب تبدو للعين كأنها أحسنها. أولئك هم المتهمون الذين أخشى بأسهم، لأنهم هم الذين ينشرون

стр. 2377

هذه الشائعة، وسرعان ما يخيل إلى المستمعين إليهم أن من يفكر هذا التفكير لا يؤمن بالآلهة. وما أكثر هؤلاء، وما أقدم التهم التي يوجهونها إليَّ، وقد كانوا يوجهونها أثناء طفولتكم التي ينطبع فيها كل شيء قوياً في عقولكم، أو لعلهم وجهوها إليَّ في أثناء شبابكم، وسواء كان هذا أو ذاك فإن التهمة إذا وجهت ولم تجد من يفندها ثبتت في العقول. وأصعب ما في الأمر كله أني لا أستطيع ذكر أسمائهم لأني أجهلها، اللهم إلا اسم واحد عرفته مصادفة وهو شاعر هزلي … تلك هي حقيقة التهم الموجهة إلي، وهذا هو الذي رأيتموه بأعينكم في مسلاة أرسطوفان (٣٩). وهو يقول إنه مكلف برسالة إلهية هي أن يهدي الناس إلى الحياة الصالحة البسيطة، وإنه لن يمتنع عن إبلاغ الناس هذه الرسالة أياً كان ما يهدد به: "ولو فعلت لكان مسلكي عجيباً بحق. أي رجال أثينة، إذا كنت وأنا تحت إمرة القواد الذين اخترتموهم رؤساء عليَّ في بوتيديا، وأمفبوليس، ودبليوم قد ثبتُّ حيث أمروني بالثبات، وواجهت الموت كما واجهه كل رجل آخر - وإذا كنت الآن، وأنا أعتقد وأتصور أن الله يأمرني بأن أؤدي رسالة الفيلسوف فأفحص عن نفسي وعن غيري من الناس، إذا كنت أنا أتخلى عن مهمتي خشية الموت … ، وإذا ما قلتم لي: يا سقراط إنا سنعفو عنك الآن ولا نشترط عليك إلا أن تكف من هذه الساعة عن البحث والتفكير على هذا النحو … أجبتكم: أي رجال أثينة، إني أجلكم وأحبكم، ولكني سأطيع الله ولا أطيعكم، ولن أمتنع، ما دمت حياً وما دامت لدي قوة، عن ممارسة الفلسفة أو تعليمها للناس، أعظ كل من ألقاه على طريقتي الخاصة، وأقنعه، وأقول له: أي صديقي، لم تعنى كل هذه العناية كلها بادخار أكبر قدر مستطاع من المال والشرف والسمعة الطيبة ولا تدخر إلا النزر اليسير من الحكمة والحقيقة وأنت مواطن في مدينة أثينة العظيمة، القوية، الحكيمة؟ وأهيب بكم يا رجال

стр. 2378

أثينة أن تفعلوا ما يأمركم به أنيتوس، برئوني أو لا تبرئوني، ولكن أياً كان ما تفعلونه بي، فلتعلموا أني لن أبدل طرائقي، ولو مت مرات كثيرة (٤٠). ويبدو أن القضاة قد قاطعوه عند هذه النقطة، وأمروه ألا يسترسل فيما بدا لهم أنه وقاحة، ولكنه واصل دفاعه بكبرياء أشد من ذي قبل: أحب أن تعرفوا أنكم إذا قتلتم رجلاً مثلي، أسأتم إلى أنفسكم أكثر مما تسيئون إليَّ … لأنكم إن قتلتموني لن يسهل عليكم أن تجدوا رجلاً آخر مثلي، فأنا، إذا سمح لي أن ألجأ إلى هذا التشبيه المضحك السخيف، كذبابة بعثها الله إلى الدولة، والدولة شبيهة بجواد عظيم كريم، بطيء الحركة لضخامة جسمه، في حاجة إلى ما يبث فيه الحياة … وإذ كنتم لن تجدوا غيري رجلاً مثلي، فإني أنصحكم أن تبقوا عليًّ (٤١). وصدر الحكم بإدانته بأغلبية ضئيلة لا تزيد على ستين صوتاً، ولو أن دفاعه كان أقل حدة وأكثر استرضاء للقضاة لكان من الجائز أن يبرأ. وكان من حقه أن يقترح عقاباً آخر بدل الإعدام، ولكنه أبى في أول الأمر أن يطلب هذا الطلب؛ فلما ألح عليه أفلاطون وغيره من الأصدقاء، عرض أن يؤدي غرامة قدرها مائة مينا (٣٠٠٠ ريال أمريكي). وضمنه أفلاطون وهؤلاء الأصدقاء في تعهده. فلما أخذ الرأي للمرة الثانية زاد عدد أصوات الذين حكموا بإعدامه ثمانين صوتاً على عددهم في المرة الأولى (٤٢). وقد كان في استطاعته بعدئذ أن يفر من السجن، وقد مهد له أقريطون وغيره من الأصدقاء (إذا جاز لنا أن نصدق أفلاطون) بالرشا سبيل الفرار (٤٥)، والرجح أن أنيتوس كان يأمل أن ينتهي الأمر على هذا النحو. ولكن سقراط بقى كما هو إلى آخر يوم في حياته. فقد كان يحس أنه لن تطول حياته أكثر من بضع سنين وأنه "لن يلقى عن كاهله إلا أبهظ جزء من الحياة؛ وهو الجزء الذي يشعر فيه الناس كلهم أن قواهم العقلية آخذة في النقصان" (٤٦).

стр. 2379

لهذا لم يقبل اقتراح أقريطون، بل أخذ يبحثه من وجهة النظر الأخلاقية، ويناقشه على الطريقة الجدلية، ويطبق عليه المنطق إلى النهاية (٤٧). ولم ينقطع تلاميذه عن زيارته في سجنه كل يوم خلال الشهر الذي انقضى بين إدانته وتنفيذ الحكم فيه، ويبدو أنه ظل يتحدث إليهم وهو هادئ حتى الساعة الأخيرة من حياته. ويحدثنا أفلاطون أنه أخذ يعبث بشعر فيدون Phaedo ويقول: "يخيل إليَّ يا فيدون أن هذه الغدائر الجميلة ستقص غداً" - حزناً عليَّ. وجاءته زانثبي باكية وبين ذراعيها أصغر أطفالهما؛ فأخذ يواسيها، وطلب إلى أقريطون أن يصحبها إلى دارها. وقال له أحد تلاميذه المتحمسين: "إنك لا تستحق هذه الميتة" فأجابه سقراط بقوله: "هل تريد إذن أن أستحقها؟ " (٤٩). ويقول ديودور الصقلي (٥٠). إن الأثينيين ندموا على فعلتهم بعد موته وأعدموا من اتهموه. ويقول سويداس إن ملاتوس مات رجماً بالحجارة (٥١)، ولكن بلوتارخ يروي رواية أخرى فيقول إن الشعب غضب على متهميه غضباً بلغ من شدته إنهم لم يجدوا مواطناً يوقد لهم النار، أو يجيب لهم عن سؤال، أو يستحم في ماء استحموا هم فيه، فلم يسعهم آخر الأمر إلا أن يقتلوا أنفسهم (٥٢). ويروي ديوجانس ليرتيوس أن ملاتوس أعدم، وأن أنيتوس نفي، وأن تمثالاً من البرنز أقيم في أثينة تخليداً لذكرى الفيلسوف (٥٣). ولكنا لا نعرف ما في هذه القصص من الصدق أو الكذب (١). وانتهى العصر الذهبي بموت سقراط. فقد خارت قوى أثينة المادية والمعنوية؛ ولم يكن ثمة ما يستطاع به تعليل القسوة المتناهية التي عاملت بها ميلوس، والحكم الوحشي الذي أصدرته على متليني، وإعدام قواد أرجنوسي،

стр. 2380

والتضحية بسقراط على مذبح الدين المحتضر، لم يكن ثمة ما يستطاع به تعليل هذا كله إلا ما أصاب الأخلاق فيها من تدهور بسبب الحروب الطوال التي خاضت غمارها وما جرته على أهلها من عذاب وآلام. لقد تصدعت جميع الدعائم التي تستند إليها الحياة الاثينية: فأقفرت تربة أتكا من جراء الغارات الإسبارطية، وأحرقت أشجار الزيتون البطيئة النمو، ودمر الأسطول الأثيني فلم تستطع أثينة بعد تدميره أن تسيطر على الطرق التجارية وتضمن ما يلزمها من الطعام؛ وأقفرت خزائنها من المال، وفرض على الثروات الخاصة من الضرائب الباهظة ما كاد يذهب بها كلها؛ وقتل نحو ثلثي مواطنيها. وكان ما أصاب بلاد اليونان من الضرر بسبب غزوة الفرس أقل مما أصابها بسبب حروب البلوبونيز. لقد تركت موقعتا سلاميس وبلاتيا بلاد اليونان فقيرة ولكنها مرفوعة الرأس تملأ نفوس أهلها العزة وتعمر قلوبهم الشجاعة، أما الآن فقد افتقرت بلاد اليونان مرة أخرى، وأثخنت أثينة بجراح في روحها مستنسرة لا يرجى لها برء. ولم يكن يحفظ عليها حياتها إلا شيئان: عودة الديمقراطية على أيدي رجال من ذوي الحكمة والاعتدال، وشعورها بأنها في خلال الستين سنة الأخيرة، وحتى في خلال الحرب نفسها، قد أخرجت إلى العالم فناً وأدباً لا يدانيهما نتاج أي عصر آخر في تاريخ البشر. نعم إن أنكساغورس قد نفي، وأن سقراط قد أعدم، ولكن القوة التي بعثاها في الفلسفة كانت تكفي لأن تجعل أثينة من ذلك الحين، وعلى الرغم منها، مركز التفكير اليوناني الذي بلغ فيها ذروته. فقد نضجت فيها تلك الآراء التي كانت من قبل أفكاراً تجريبية لم تتشكل بعد وأضحت نظماً عظيمة مستقرة ظلت مصدر الحركة في الحياة الفكرية الأوربية عدة قرون؛ وحلت محل نظم التربية العالية المضطربة التي لا تخضع لقاعدة والتي كان يتولى أمرها السوفسطائيون، حلت محلها أولى الجامعات التي عرفها التاريخ - وهي الجامعات التي جعلت أثينة في

стр. 2381

مستقبل الأيام "مدرسة هلاس" كما تعجل وسماها سيديدز قبل اكتمالها. ولم تقض الحروب وما أريق فيها من دماء وما أحدثته من فوضى واضطراب على مقومات الفن وتقاليده قضاءً تاماً، بل ظل المثالون والمهندسون اليونان عدة قرون بعد ذلك الوقت ينحتون ويشيدون لجميع بلاد البحر الأبيض المتوسط. ولقد انتعشت أثينة من اليأس الذي دب فيها بعد هزيمتها، وعادت إليها حيويتها عوداً يثير الدهشة، فتجددت ثروتها، وثقافتها، وقوتها، وازدهر خريف حياتها وأثمر أحسن الثمار.

стр. 2382

الكِتابُ الرّابع اضمحلال الحرية اليونانية وسقوطها من ٣٩٩ إلى ٣٢٢ ق. م.

стр. 2383

الباب التاسع عشر فليب الفصل الأول إمبراطورية إسبارطة بسطت إسبارطة الآن سيادتها البحرية على بلاد اليونان، ودامت لها هذه السيادة فترة قصيرة من الزمان مثلت في التاريخ مرة أخرى مأساة من مآسي النجاح يذل صاحبَه الكبرياء. فهي لم تمنح المدن التي كانت من قبل خاضعة لأثينة ما وعدتها به من حرية، بل فرضت عليها بدلاً من هذا جزية سنوية مقدارها ألف وزنة (٠٠٠ ر ٠٠٠ ر ٦ ريال أمريكي)، وأقامت في كل منها حكماً أرستقراطياً يشرف عليه حاكم لسدموني تؤيده حامية إسبارطية. ولم تكن هذه الحكومات مسئولة إلا أمام الحكام الإسبارطيين البعيدين عنها، فأوغلت في الفساد والظلم إيغالاً لم يلبث أن أوغر الصدور على الحكومة الجديدة أكثر مما كانت موغرة على الحكومة القديمة. وفي إسبارطة نفسها كان سيل من المال والهدايا المنهمر من المدائن الخاضعة لاستبدادها والألجركيين الأذلاء سبباً في تقوية العوامل الداخلية التي كانت تدفع المدينة دفعاً إلى الانهيار. فلم يستهل القرن الرابع حتى تعلمت الطبقة الحاكمة كيف تجمع بين الترف في الحياة الخاصة والبساطة في الحياة العامة، وحتى الحكام أنفسهم لم يعودوا يتأدبون بأدب ليتورغ إلا في

стр. 2384

المظهر الخارجي دون غيره. وانتقل الكثير من الأراضي عن طريق البائنات والوصايا إلى النساء؛ وهذه الثروة المكدسة جعلت النساء الإسبارطيات - وهن اللائي لم يكنَّ يتحملنَّ عبء تربية الذكور من الأبناء - يحيين حياة مريحة متحللة من القيود الأخلاقية لا توائم الأنوثة بحال من الأحوال. هذا إلى أن ما تعاقب على بعض الضياع من تقسيم في إثر تقسيم قد أفقر بعض الأسر فقراً عجزت معه عن تقديم نصيبها من الطعام العام، ففقدت بذلك ما كان لها من حقوق المواطنية، على حين أن تضخم بعض الثروات الأخرى عن طريق الزواج والوصايا قد أوجد لدى العدد القليل من "الأنداد" الباقين ثروات كبيرة مركزة أثارت الغيرة والحسد في القلوب (١). وفي ذلك يقول أرسطاطاليس: "من الإسبارطيين من يمتلك ضياعاً واسعة، ومنهم من لا يكادون يمتلكون شيئاً على الإطلاق، فالأرض بأجمعها في أيدي عدد قليل منهم" (٣). وتكون من الطبقات العليا التي فقدت حقوقها السياسية ومن اليريسيين المحرومين من هذه الحقوق، والهيلوتيين الحانقين، مجموعة من الأهلين يضطرب في نفوسها من القلق والعداء ما لا يسمح للحكومة أن تقدم على شئ من المغامرات العسكرية الخارجية التي يتطلبها الحكم الإمبراطوري إقداماً يشغلها زمناً طويلاً في أماكن واسعة. وكانت الحرب الأهلية القائمة في بلاد الفرس وقتئذ تشكل مصائر بلاد اليونان؛ فقد ثار قورش الأصغر في عام ٤٠١ على أخيه أرتخشتر الثاني، واستعان عليه بإسبارطة، وجند جيشاً من آلاف اليونان وغيرهم من الجنود المرتزقة الذين أصبحوا ولا عمل لهم في آسية على أثر انتهاء حرب البلوبونيز الفجائي. والتقى الأخوان المتقاتلان في كونكسا بين دجلة والفرات وقرب ملتقاهما. وهزم قورش في هذه الواقعة وقُتل وأسر جيشه كله أو أبيد عدا فرقة مؤلفة من اثني عشر ألفاً من اليونان استعانوا بسرعة بديهتهم وإقدامهم

стр. 2385

على الهرب إلى داخل بلاد بابل. وطاردتهم قوات الملك فاختاروا على طريقتهم الدمقراطية الساذجة ثلاثة قواد يهدونهم سبيل السلامة. وكان من بين هؤلاء القواد أكسانوفون الذي كان في يوم من الأيام تلميذاً لسقراط، والذي كان وقتئذ جندياً شاباً مغامراً، قدر له أن يُخلَّد اسمه على الأخص بمؤلَّفه المعروف بالأناباسيس Anabasis أو الصعود الذي وصف فيه وصفاً بسيطاً رائعاً "ارتداد العشرة آلاف" الطويل متتبعين مجرى نهر الفرات نحو منبعه وفوق تلال كردستان وأرمينية إلى البحر الأسود. وكان هذا الارتداد من أعظم المغامرات في تاريخ البشر. وإنا لتدهشنا أشد الدهشة بسالة هؤلاء اليونان وهم يشقون طريقهم سيراً على أقدامهم يوماً بعد يوم خمسة شهور كاملة، قطعوا في أثنائها ألفي ميل كاملة في بلاد معادية لهم، واجتازوا سهولاً قائظة لا يجدون فيها طعاماً، وطرقاً وعرة خطرة فوق الجبال تتراكم فيها الثلوج إلى عمق ثمان أقدام، يتعرضون فيها لهجمات الجيوش والعصابات المسلحة من خلفهم وأمامهم، وعن أيمانهم وشمائلهم، ولا يترك أهل البلاد وسيلة إلا اتبعوها لقتلهم أو إضلالهم أو سد الطريق في وجههم. ونحن حين نقرأ هذه القصة الرائعة، التي شوهها في شبابنا إرغامنا على ترجمتها، ندرك أن أهم سلاح تحتاجه الجيوش هو سلاح الطعام، وأن مهارة القائد في تدبير المؤن لجيشه لا تقل أهمية عن مهارته في تدبير الفوز في المعركة. وقد هلك من هؤلاء اليونان من التعرض للعوامل الجوية أكثر ممن هلك منهم في الوقائع الحربية، وإن كانت هذه الوقائع لم تنقطع يوماً واحداً. ولما أن وقعت عيون الباقين منهم أحياء، وكانت عدتهم ٦٠٠ ر ٨، على بحر اليوكسين عند تربيزي (طربزون) غمرت قلوبهم موجة من السرور: "ولم تكد مقدمتهم تصل إلى قمة الجبل حتى علت في الجو صيحة شديدة، سمعها أكسانوفون ومَن في المؤخرة فخيل إليهم أن أعداء آخرين يهاجمون المقدمة - لأن الأعداء كانوا يقتفون آثارهم من خلفهم … فاستحثوا الخطى إلى
следующие страницы →