والعدالة الاجتماعية هي النغمة الصغرى في أغانيه؛ وهو يتمنى، كما يتمنى جميع من امتلأت قلوبهم عطفاً على الخلق، أن يحين الوقت الذي يكون فيه الأقوياء أكثر مم هم عطفاً على الضعفاء، والذي يقضي فيه على أسباب البؤس والنزاع (١٠٨)؛ وتراه حتى في أيام الحرب، وما تستلزمه من إثارة الروح الوطنية والحماسة للقتال، يصف مصائب الحرب وأهوالها وصفاً واقعياً لا يخفى فيه شيئاً هذه الأهوال:
كيف تعمى عيونكم يا من تدكون المدن، وتخربون المعابد، وتدمرون القبور، تلك الأحداث المحرمة التي يثوي فيها الموتى القدامى؟ ألا تعلمون أنكم عما قريب ستموتون (١٠٩)؟.
ويمتلئ قلبه حسرة حين يرى الأثينيين يقاتلون الإسبارطيين، وتدوم الحرب بينهم خمسين عاماً، يستعبد فيها بعضهم بعضاً، ويهلك فيها خير رجالهم؛ ويدعو في إحدى مسرحياته المتأخرة دعوة حارة مؤثرة إلى السلام:
"أيتها السلم؛ إنك تفيضين بالخير العميم كأنك تأتين به من نبع عميق؛ ليس في العالم كله جمال كجمالك، بل إنا لا نرى له مثيلاً حتى بين الآلهة الأخيار. إن قلبي يكاد يتفطر لطول غيابك، لقد وهن العظم مني ولم تعودي؛ وهل تكل عيناي قبل أن تريا زهرتك وجمالك؟ وهل يقضي عليّ المشيب والأحزان قبل أن تسمع أذناي مرة أخرى أغاني الراقصين الشجية ووقع أقدام من تطوق رؤوسهم أكاليل الزهر؟ ألا عودي إلى مدينتنا أيتها الحبيبة المقدسة ولا تقيمي بعيدة عنا يا من تطفئين الحقد. إن العداوات والأحقاد ستفارقنا إذا أقمت معنا وسيخرج من أبوابنا الجنون وظبا السيوف (١٠٩ أ).
ويكاد ينفرد من بين كُتاب عصره العظام بالجرأة على مهاجمة الرق. ذلك أنه قد اتضح له في أثناء حرب البلوبونيز أن معظم الأرقاء لم يكونوا كذلك بطبيعتهم، بل إنهم قد ساقتهم إلى هذه الحال ظروف الحياة وحدها؛
стр. 2312
وهو لا يعترف بوجود أرستقراطية طبيعية، ويرى أن البيئة لا الوراثة هي التي تخلق الرجال. والأرقاء في مسرحياته يضطلعون بأدوار هامة، وكثيراً ما ينطقون بأجمل أشعاره. وهو حين يبحث حال النساء يعطف عليهن عطف الشاعر الواسع الخيال؛ فهو يعرف أغلاطهن ويعرضها عرضاً واقعياً جعل أرسطوفان يتهمه بأنه يكره النساء؛ ولكنه في الحقيقة قد عرض قضية المرأة أحسن مما عرضها أي شاعر قديم آخر أيد حركة تحريرها التي كانت وقتئذ في بداية عهدها. وتكاد بعض مسرحياته أن تكون حديثة الطابع، تحتوي على دراسات في مشاكل الجنس البشري كالدراسات التي نشأت بعد أيام إبسن Ibsen بل إنها تحتوي على دراسات في الشذوذ الجنسي نفسه (١١٠). وهو يصف الرجال وصفاً واقعياً، أما النساء فوصفه إياهن ينطوي على كثير من الشهامة، وتنال ميديا الرهيبة من عطفه أكثر مما يناله جبسن البطل غير الوفي؛ وهو أول كاتب مسرحي جعل المسرحية تدور حول الحب؛ حتى لقد كان آلاف من شباب اليونان يتغنون بأغنيته إلى إيروس إله الحب في مسرحية إندرمدا التي لم تصل إلينا:
"أيها الحب، إلهنا، ملك الآلهة والبشر! هلا امتنعت عن تعليمنا ما هو الحب؟ أو ساعدت المحبين المساكين، الذين تشكلهم كما تشكل الطين، كي يصلوا بكدحهم وجدهم إلى غاية موفقة سعيدة" (١١١).
ويوربديز بطبيعته متشائم، لأن كل من يروي قصص الحب يصبح متشائماً حين تصطدم الحقيقة بالخيال، وفي ذلك يقول هوراس وولبول Horaces Walpole " إن الحياة مسلاة عند من يفكرون، ومأساة عند من يحسون" (١١٢): ويقول شاعرنا:
لقد نظرت من أمد بعيد إلى حياة الإنسان فلم أجد إلا خيالاً أشمط. وفي وسعي أن أؤكد أيضاً أن الذين يعدون من بين الناس حكماء، شديدي الذكاء، مبتدعين لأعظم الخطط، يجزون على هذا شر الجزاء. وهل
стр. 2313
أبصرت عين الله مذ بدأت الحياة رجلاً واحداً سعيداً (١١٣)؟.
وهو يعجب من جشع الإنسان وقسوته، ومن الشريرين وسعة حيلتهم، ومن اختطاف الموت للناس اختطافاً دنيئاً خبط عشواء. وهو ينطق الموت في بداية مسرحية ألسيس بقوله: "أليست مهمتي أن أقبض أرواح المقضي عليهم؟ "؛ ويجيبه أبلو بقوله: "لا؛ بل مهمتك أن تقبض من نضجوا ووصلوا إلى الشيخوخة الكاملة". ومن رأيه أن الموت إذا جاء بعد أن يحيا الإنسان حياته كاملة كان أمراً طبيعياً، لا يصح أن يغضب أحد منه: "لو أن كل جيل من الناس جاء في أثر الجيل الذي قبله، وازدهر ثم ذبل، ثم انقضى أجله، كما يأتي الحصاد بعد الحصاد على مر السنين، لو أن هذا حدث لما بكينا صروف الزمان وما تصيبنا به الأقدار. إن هذا هو الذي تجري به سنن الطبيعة، ومن واجبنا أن لا نبتئس بما تجعله قوانينها أمراً محتوماً لا مفر منه" (١١٤). وينتهي أمره إلى الرواقية: "اصبر كما يجب أن يصبر الرجال، ولا تضجر" (١١٥). وتراه من حين إلى حين يحذو حذو أنكسيمانس Anaximenes ويستبق فلسفة الرواقيين فيواسي نفسه بالتفكير في أن روح الإنسان جزء من الهواء المقدس، النيوما Pneuma، وفي أنها ستبقى بعد الموت جزءاً من روح العالم (١١٦):
من يدري؟ لعل هذا الذي نسميه موتاً هو حياة، ولعل ما نسميه حياة هو الموت؟ وكل ما هنالك من فرق أن الناس وهم أحياء يقاسون مرارة الأحزان، فإذا ما أسلموا الروح، لم تبق لديهم أحزان، ومن ثم لا يحزنون (١١٧).
стр. 2314
٤ - يوربديز الطريد
إن الرجل الذي نصوره من مسرحياته هذا التصوير ليشبه تمثاله الجالس في متحف اللوفر، وتماثيله النصفية في نابلي، شبهاً يحملنا على الاعتقاد بأن هذه التماثيل منقولة نقلاً أميناً عن أصول يونانية حقيقية. فوجهه الملتحي وسيم، ولكنه أضناه التفكير، ورققه الحزن الحنون. ويتفق أصدقاؤه وأعداؤه على أنه كان مكتئب الطبع يكاد أن يكون نكداً، لا يميل إلى المرح أو الضحك، وأنه قضى سنيه الأخيرة في عزلة في أرض الجزيرة التي ولد فيها. وكان له ثلاثة أبناء ذكور كانت طفولتهم سبباً فيما استمتع به من سعادة قليلة (١١٨). وكان يجد سلواه في الكتب، ومبلغ علمنا أنه كان أول مواطن فرد في بلاد اليونان جمع لنفسه مكتبة كبيرة (١). وكان له أصدقاء أخيار، منهم بروتاغوراس ومنهم سقراط؛ ولم يكن ثانيهم يهتم بالمسرحيات ولكنه كان يقول إنه لا يتردد في أن يسير إلى ببريه مشياً على قدميه ليشهد مسرحية من مسرحيات يوربديز، وذلك لعمري قول خطير لصدوره من فيلسوف كبير. وكان الجيل الناشئ ممن تحررت عقولهم، من أسر التقاليد يعدونه زعيماً لهم، ولكنه كان له من الأعداء أكثر مما كان لأي كاتب آخر في تاريخ اليونان. وقد اقتصر القضاة الذين كانوا فيما نظن يرون
стр. 2315
أن واجبهم يقضي عليهم بأن يحموا الدين والأخلاق من سهام تشككه، اقتصر هؤلاء القضاة على تتويج خمس من مسرحياته بتاج النصر. ولقد كان الأركون المشرف على شئون الدين سخياً غاية السخاء حين قبل هذا العدد من مسرحيات يوربديز ضمن المسرحيات التي يجيز تمثيلها الدين. وكان المحافظون على اختلاف نزعاتهم يلقون عليه هو وسقراط تبعة انتشار نزعة الكفر بالآلهة بين شباب أثينة. وحاربه أرسطوفان من بادئ الأمر في مسرحية الأركانيين، وهجاه وصوره تصويراً هزلياً مرحاً في مسرحية الشموفريازوسي؛ وفي السنة التالية لموت الشاعر واصل هجومه عليه في مسرحية الضفادع. على أنه يقال لنا رغم هذا إن الكاتبين كاتب المآسي وكاتب المسالي، ظلا صديقين إلى النهاية (١٢٠). أما النظارة فكانوا ينددون بإلحاده ويهرعون إلى مشاهدة مسرحياته. ولما أن نطق الصياد الشاب في السطر ٦١٢ من مسرحية هبوليتس بقوله "لقد أقسم لساني، ولكن عقلي لا يزال طليقاً" احتج الجمهور احتجاجاً قوياً على ما ظنه انتهاكاً شديداً لحرمة الآداب والدين حتى اضطر يوربديز أن يقف في مكانه ويهدئ ثائرتهم بأن يؤكد لهم أن هبوليتس سيجزى على قوله هذا الجزاء الأوفى قبل انتهاء القصة - وهو وعد مأمون العاقبة يكاد يصدق على كل شخصية في المأساة اليونانية.
ووجهت إليه حوالي عام ٤١٠ تهمة المروق من الدين، ولم يمض بعدئذ إلا قليل من الوقت حتى وجه إليه هجيانون Hygianon تهمة أخرى، تتصل بالجزء الأكبر من ثروته، واستدل على خيانة يوربديز بالبيت الذي نطق به هبوليتس. وبرئ الشاعر من التهمتين، ولكن موجة السخط التي قوبلت بها مسرحية المرأة الطروادية أشعرت يوربديز أنه لم يكد يبقى له صديق واحد في أثينة. ويقال إن زوجته نفسها قد انقلبت عليه لأنه لم
стр. 2316
يشترك في حفلات الزواج الحماسية في المدينة، وما وافت سنة ٤٠٨، وكان قد بلغ الثانية والسبعين من العمر، حتى قبل دعوة وجهها إليه الملك أرخلوس Archelaus لينزل ضيفاً عليه في عاصمة مقدونية. ووجد يوربديز في مدينة بلا Pella تحت حماية هذا الفردريك (١) - ولم يكن كملك بروسيا يخشى منه على عقائد شعبية - وجد في هذه المدينة الطمأنينة والراحة، وفيها كتب مسرحية إفجينيا في أوليس التي تكاد تكون كلها من قصائد الرعاة، ومسرحية الباخيات الدينية العميقة. ومات بعد ثمانية عشر شهراً من قدومه إلى تلك المدينة، ويقول أشقياء اليونان إن موته كان نتيجة لهجوم كلاب الملك وتمزيقها جسده.
وبعد سنة من موته عرض ابنه المسرحيتين في احتفال المدينة بعيد الديونيشيا ومنحهما القضاة الجائزة الأولى. ويظن النقاد، ومنهم العلماء المحدثون أنفسهم، أن مسرحية الباخيات كانت ترضية قدمها يوربديز للدين اليوناني (١٢٢). على أنه ليس ببعيد أن يكون قد قصد بالمسرحية أن تكون قصة رمزية لما لقيه يوربديز من معاملة على أيدي الشعب في أثينة.
وتقص المسرحية كيف مزقت جماعة من النساء المتظاهرات في الحفلات الديونيشية تقودهن أجيف Agave أم بنثيوس Pentheus ملك طيبة، نقول كيف مزقت أولئك النسوة جسم هذا الملك لأنه طعن في خرافتهن الباطلة الهمجية وتدخل من غير حق في شئون حفلاتهن.
ولم تكن هذه فكرة جديدة، فإن القصة من الأساطير الدينية المأثورة. وكانت أسطورة التضحية بحيوان أو تمزيق جسم إنسان إذا جرؤ على حضور هذه المواكب جزءاً من الطقوس الديونيشية. وقد ربطت هذه المسرحية
стр. 2317
القوية بين المأساة اليونانية في عنوان قوتها وبين المأساة اليونانية في بداية نشأتها، وذلك بعودتها إلى استمداد حبكتها من قصة ديونيشس. وقد ألف الشاعر هذه المسرحية بين جبال مقدونيا التي تصفها في أشعار لا تضعف قوتها، ولعله كان يقصد أن تمثل في بلا حيث كانت عبادة باخوس Bacchus ذات قوة عظيمة. وهي تدل على علم مدهش غزير بالطقوس الدينية ونشوتها؛ وفيها ينطق عباد باخوس بمزامير تدل على الخشوع والصلاح ليس ببعيد أن يكون الشاعر قد تجاوز فيها حدود العقلية، وأدرك وقتئذ ضعف العقل، وأن العواطف والشاعر لا بد منها للنساء والرجال على السواء. ولكن القصة تحيي من طرف خفي الدين الديونيشي، وموضوعها هي الأخرى هو ما قد ينشأ من العقائد الخرافية من شرور.
وتفصيل ذلك أن الإله ديونيشس يزور طيبة متخفياً في صورة باخوس أو متجسداً ويدعو إلى عبادة ديونيشس. وترفض بنات كدمس رسالته فيسلبهن وعيهن ويبث فيهن نشوة دينية قوية، فيذهبن إلى التلال ليعبدنه بالرقص الهمجي العنيف، ويرتدين جلود الحيوان. ويتمنطقن بالأفاعي، ويضعن على رؤوسهن أكاليل من الخلباب، ويرضعن صغار الذئاب والظباء، ويقاوم ملك طيبة هذه الطقوس ويقول إنها تناقض العقل والأخلاق والنظام، ويسجن الداعي إليها فيصبر على العقاب صبر المسيحيين الأولين. ولكن الإله الذي يتجلى ويفتح جدران السجن ويستعين بقوته الإلهية على تخدير الحاكم الشاب. ويلبس بنثيوس تحت هذا التأثير ثياب امرأة، ويتسلق التلال، وينضم إلى جماعة المحتفلات. وتتبين النسوة أنه رجل، فيمزق جسمه إرباً. وتحمل أمه، التي تملكتها "النشوة" فأفقدتها وعيها، رأسه
стр. 2318
المفصول في يديها ظناً منها أنه رأس أسد، وتغني عليه أغنية نصر. ثم تفيق فتدرك أنها تمسك برأس ابنها، وتشمئز من تلك الطقوس التي أسكرتها وأفقدتها وعيها، ويقول لها ديونيشس إنها سخرت منه وهو إله، وإن ذلك هو جزاؤها على هذه السخرية، فتجيبه بقولها وهل يليق بالإله أن يشبه بالرجل المتكبر في نوبة غضبه؟ والدرس الأخير الذي يلقيه علينا يوربديز في هذه المسرحية هو بعينه الذي يلقيه علينا في أولى مسرحياته، ولقد كان يوربديز في مسرحيته التي وضعها وهو يحتضر هو بعينه يوربديز الذي عهدناه في أيامه الأولى.
وذاع صيته وأحبه الناس بعد موته حتى في أثينة نفسها، وأصبحت الفكرة التي جاهد من أجلها هي الآراء المسيطرة على العقول في القرون التالية. ولما انتشرت الحضارة اليونانية خارج بلاد اليونان نفسها أخذ المتحضرون الجدد يعدونه هو وسقراط أعظم من عرفتهم بلاد اليونان من أصحاب العقول الملهمة الحافزة. ذلك أن يوربديز كان يعالج المسائل الحية لا أقاصيص الشعر الميتة، ولقد ظل العالم يذكره ولم ينسه إلا بعد زمن طويل. فقد خيم النسيان على مسرحيات من سبقوه من المؤلفين؛ أما مسرحياته فكان تمثيلها يتكرر في كل عام، وفي كل مكان أنشئ فيه مسرح يوناني. ولما أخفقت الحملة التي وجهت إلى سرقوصة (٤١٥) والتي تنبأ يوربديز بإخفاقها في مسرحية المرأة الطروادية، وواجه الأسرى الأثينيون الموت أحياء وهم يعملون عبيداً مصفدين بالأغلال في محاجر صقلية، ولما حدث هذا أطلق سراح كل من استطاع أن ينشد فقرات من مسرحيات يوربديز (كما يحدثنا بذلك بلوتارخ (١٢٣)). وقد صيغت المسلاة الجديدة على غرار مسرحياته، وتطورت منها؛ وفي ذلك يقول أحد زعماء هذه المسلاة: "لو أنني كنت واثقاً من أن للموتى عقولاً تدرك لشنقت نفسي لكي
стр. 2319
أرى يوربديز" (١٢٤). وكان إحياء فلسفة التشكك، والحرية العقلية، والنزعة الإنسانية، في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، كان هذه الإحياء سبباً في بعث يوربديز إلى الوجود وجعله أكثر اندماجاً في ذلك العهد من شكسبير. وجملة القول أن شكسبير وحده هو الذي كان يضارع يوربديز، وإن كان جيته يستكثر هذا على شكسبير نفسه. ومن الأسئلة التي يوجهها جيته إلى إكرمان: "هل أنجبت أمم الأرض بعد يوربديز كاتباً مسرحياً جديراً بأن يخلفه؟ " (١٢٥). والجواب عن هذا أنها لم تنجب أكثر من كاتب واحد (١).
стр. 2320
الفصل السادس
أرسطوفان
١ - أرسطوفان والحرب
المأساة اليونانية أشد قتاماً من المآسي الإنجليزية في عصر الملكة إليزابث لأنها قلما تستخدم مبدأ الترفيه التهكمي الذي يتخلل المأساة فيزيد قدرة السامع على احتمال ما فيها من فواجع. والكاتب اليوناني المسرحي لم يكن يلجأ إلى هذه الطريقة لأنه كان يفضل أن تكون مأساته عالية المستوى من بدايتها إلى نهايتها، ولذلك ترك المسلاة إلى كتاب المسرحيات الهزلية الخالية من المغزى والتي تهدئ عواطف النظارة المهتاجة بما تهيئه لهم من الفكاهة والراحة. وقد انفصلت المسلاة على مر الزمن من المأساة واستقلت عنها، وأفرد لها يوم خاص في الحفلات الديونيشية اقتصر منهج الاحتفال فيه على ثلاثة مسال أو أربع يكتبها مؤلفون مختلفون وتمثل واحدة بعد واحدة لتحصل كل منها على جائزة مستقلة.
وازدهرت المسلاة اليونانية كما ازدهرت الخطابة، في صقلية أول الأمر. ذلك أنه قدم إلى سرقوصة من كوس في عام ٤٨٤ فيلسوف، شاعر، طبيب، كاتب مسرحي يدعى إبكارمس Epicharmus أخذ يعرف الناس بفيثاغورس وهرقليطس ومبادئ العقليين في خمس وثلاثين مسلاة لم يبق منها إلا عبارات متفرقة منقولة عنها، وبعد اثنتي عشرة سنة من قدوم إبكارمس إلى صقلية أجاز الأركون الأثيني لفرقتها أن تمثل مسلاة؛ وسرعان ما نما الفن الجديد وتطور بتأثير الديمقراطية والحرية حتى أصبح أهم وسائل الهجو الأخلاقي والسياسي في أثينة؛ وكانت حرية التعبير الواسعة المسموح بها في المسلاة تقليداً يرجع إلى المواكب الديونيشية التي كانت تحمل عضو التناسل في الذكور. ولما أسيء استعمال هذه
стр. 2321
الحرية سن في عام ٤٤٠ ق. م قانون يحرم التهجم على الأشخاص في المسلاة، لكن هذه الخطر ألغي بعد ثلاث سنين من ذلك الوقت وظل الكُتاب يستمتعون بحرية الكلام وحرية السباب كاملتين حتى في أيام حرب البلوبونيز، فكانت المسلاة اليونانية والحالة هذه تؤدي واجب الصحافة الحرة في الديمقراطيات الحديثة، أعني بذلك واجب النقد السياسي.
ونحن نسمع عن كثيرين من كتّاب المسالي قبل أرسطوفان، بل إن أرسطوفان نفسه - وهو ريليه العهد العظيم، قد نزل من عليائه فأثنى على بعضهم بعد أن انقشع عجاج المعارك التي احتدمت بينه وبينهم. ومن هؤلاء الكتّاب أقراطينوس Cratinus لسان سيمون Cimon الناطق، والذي أثار حرباً شعواء على بركليز ولقبه "الإله القادر ذا الرأس الشبيه ببصل الفأر (١) " (١٢٦). ولقد أنجانا الزمان الرحيم من قراءة مسرحيات هذا الكاتب … ومن هؤلاء السباقين أيضاً فركراتس الذي هجا في مسرحية الرجال الهمج التي كتبها حوالي ٤٢٠ ق. م الأثينيين الذين يعلنون أنهم يمقتون الحضارة ويتمنون العودة إلى الطبيعة. ألا ما أقدم البدع التي يبتدعها الناس في شبابهم! على أن أقدر منافسي أرسطوفان هو يوبوليس Eupolis، وقد تعاونا أولاً في العمل ثم تنازعا وافترقا، وأخذ كلاهما يهجو صاحبه أقذع الهجاء، ولكنهما مع ذلك اتفقا في حملتهما على الحزب الديمقراطي. وإذا كانت المسلاة قد عادت الديمقراطية طوال القرن الخامس فقد كان من أسباب هذا العداء أن الشعراء يحبون المال، وأن الأشراف كانوا أغنياء؛ لكن أكبر أسبابه أن وظيفة المسلاة اليونانية كانت تسلية الجماهير عن طريق النقد، وأن الحزب الديمقراطي كان وقتئذ صاحب السلطان. وإذ كان بركليز زعيم الديمقراطية يعطف على الأفكار الجديدة كتحرير المرأة والنزعة العقلية في الفلسفة فإن كتاب المسالي قد اتفقوا جميعاً، اتفاقاً يبعث على الريبة في مصدره، على مقاومة التطرف في جميع
стр. 2322
أشكاله، وأخذوا يدعون إلى العودة إلى أساليب "رجال مرثون" وما كان يعزى إليهم من مبادئ أخلاقية. وكان أرسطوفان لسان هذه الرجعية ومردد صداها، كما كان سقراط ويوربديز رائدي الآراء الجديدة. وهكذا استحوذ النزاع بين الدين والفلسفة على مسرح التمثيل الهزلي.
وكان لدى أرسطوفان من الأسباب ما يبرر حبه للأرستقراطية، فقد كان ينتمي إلى أسرة مثقفة غنية، ويبدو أنه كان يمتلك أرضاً في إيجينيا، بل إن اسمه نفسه ليدل على أنه من النبلاء لأن معناه "الأفضل يظهر". وكان مولده حوالي عام ٤٥٠ ق. م، وإذن فقد كان في عنفوان الشباب حين دارت بين أثينة وإسبارطة تلك الحرب العوان التي أضحت فيما بعد موضوعاً مشئوماً لمسرحياته. وقد اضطره غزو إسبارطة لأتكا إلى مغادرة مزرعته في الريف والسكنى في أثينة. وكان يكره حياة المدن، وأظهر شديد استيائه حين طلب إليه فجأة أن يكره الميغاريين، والكورنثيين، والإسبارطيين. وأخذ يندد بهذا التطاحن الذي يقتل فيه اليوناني أخاه، ويدعو في كل مسرحية يكتبها إلى السلم.
وانتقلت السلطة العليا في أثينة بعد موت بركليز في عام ٤٢٩ إلى يدي كليون Cleon دابغ الجلد الغني ممثل المصالح التجارية التي تدعو إلى القضاء قضاءً مبرماً على إسبارطة منافسة أثينة في السيادة على بلاد اليونان. وقد سخر أرسطوفان في مسرحية له مفقودة تدعى "البابليين" (٤٢٦) سخريةً لاذعة من كليون وأساليبه السياسية قدم بسببها إلى المحاكمة بتهمة الخيانة وحكم عليه بغرامة. وثأر أرسطوفان لنفسه بعد عامين من هذا الحكم بإخراج مسرحية الفرسان The Knights؛ وكانت أهم شخصية في هذه المسرحية هي شخصية ديموس Demos (أي الشعب)؛ وكان لديموس هذا رئيس خدم يدعى "الدباغ". ولم يكن أحد يجهل من المقصود بهذه الألقاب حتى كليون نفسه الذي كان ممن شاهدوا المسرحية. وكان ما فيها من هجو لاذعاً شديداً إلى حد امتنع الممثلون جميعاً عن تمثيل دور الدباغ خوفاً
стр. 2323
من العقاب السياسي الصارم، فلم يجد أرسطوفان بداً من أن يمثل بنفسه هذا الدور وفي هذه المسرحية يعلن نيشياس Nicias (وهو اسم الزعيم المحترف رئيس الحزب الألجركي) أن الوحي أنبأه بأن الحاكم الثاني الذي سيتولى الأمر في بيت ديموس سيكون بائع وزم. ويُقْبل هذا البائع الدوار ويحييه العبيد ويلقبونه "زعيم المستقبل في أثينتنا المجيدة! " ويخاطبه بائع الوزم بقوله: "أرجو أن تسمح لي بأن أذهب لأغسل سقطي … إنك تسخر مني". ولكن رجلاً يدعى دمستين يؤكد له أنه يتصف بالصفات التي تؤهله لأن يحكم الشعب- أليس هو وغداً منحطاً، مجرداً من العلم على اختلاف أنواعه؟ ويخشى الدباغ أن يفقد مركزه فيؤكد ولاءه لديموس واستعداده لخدمته، ويقول إن أحداً غيره لم يخدم ديموس كما خدمه هو إلا العاهرات. وتحوى المسرحية المجون الذي اعتاده أرسطوفان: فالوزام يضرب الدباغ بالسقط ويستعد لمباراة خطابية في الجمعية بأكل مقدار من الثوم؛ ويعقب هذا تنافس في الملق والدهان ليعرف مَن من المتنافسين يستطيع أن يسرف في مديح ديموس أكثر من سواه، فيكون بذلك "أكثر استحقاقاً لرضاء ديموس وبطنه". ويحضر المتنافسون قدراً عظيماً من الطيبات، يبسطونها أمام ديموس قبل الانتخاب لتكون وعداً منهم بما سوف يقدمونه له بعدها. ويقترح الوزام أن يختبر شرفهم وأمانتهم بأن تفتش خزانة كل مرشح، فيعثر في خزانة الدباغ على كومة من المأكولات الشهية الطرية، أهمها كعكة ضخمة لم يقطع منها لديموس إلا قطعة جد صغيرة (وكان ذلك إشارة إلى تهمة رائجة في ذلك الوقت تقول إن كليون قد سرق قدراً كبيراً من أموال الدولة). وعلى أثر هذا يفصل الدباغ من عمله ويصبح الوزام حاكم بيت ديموس.
وتواصل مسرحية الزنابير السخرية من الديمقراطية سخرية أخف من السخرية السابقة. ففيها يظهر جماعة من المواطنين المتعطلين - على هيئة زنابير - يسعون إلى كسب أبلة أو أبلتين في كل يوم بأن يكونوا قضاة، حتى
стр. 2324
يستطيعوا بالاستماع إلى "المنزلفين" وجباية الضرائب الباهظة أن يستولوا على أموال الأغنياء ويضعوها في خزانة الدولة وفي جيوب الفقراء.
ولكن أكثر ما يهتم به أرسطوفان في هذه المسرحيات الأولى هو السخرية من الحرب والدعوة إلى السلم. فبطل مسرحية الأكارنيين (٤٢٥) رجل يسمى دسيوبوليس Dicaeopoles " المواطن الشريف" وهو مزارع يشكو من أن الجيوش قد أتلفت أرضه حتى لم يعد يستطيع العيش بعصر النبيذ من كرومه. وهو لا يجد ما يدعو إلى الحرب، ويؤمن بأنه ليس بينه وبين الإسبارطيين سبب للخصام. ويطول انتظاره لأن يعقد القواد والسياسيين الصلح، فيوقع هو معاهدة شخصية مع اللسديمونيين، ويشهر به جماعة من جيرانه الوطنيين دعاة الحرب فيجبهم بقوله:
أني أشك كثيراً هل الإسبارطيون هم الملومون وحدهم في جميع الأحوال.
الجيران: أتقول إنهم غير ملومين في جميع الأحوال؟ يا لك من وغد أفاق! كيف تجرؤ على النطق بهذه الخيانة الوطنية أمامنا، ثم تظن أنك ستنجو منا؟
ويوافق على أن يسمح لهم بقتله إذا عجز عن البرهنة على أن أثينة يقع عليها من اللوم في إشعال نار الحرب بقدر ما يقع على إسبارطة. ويوضع رأسه على وضم، ويبدأ في الإدلاء بحجته. وفي هذه اللحظة يدخل قائد أثيني، مهزوم، متبجح، منتهك لحرمة الآلهة، يشمئز منه الحاضرون، فيخلو سبيل ديسيوبوليس، ويدخل السرور على قلب كل إنسان بأن يبيع لهم خمراً يسمى السلم. وكانت المسرحية غاية في الجرأة ولا يجيزها إلا شعب تعود أن يستمع إلى ما يقال ضده. وقد استفاد أرسطوفان من عادة الاستطراد التي كانت تجيز لكاتب المسلاة أن يخاطب النظارة على لسان فرقة المنشدين أو إحدى شخصيات المسرحية، فأخذ يشرح للجمهور الغرض الذي يهدف له بوصفه رجلاً دواراً فكهاً بين الأثينيين ينقب عن عيوبهم ويكشفها لهم.
"لم يعمد شاعرنا منذ كتب المسالي إلى إطراء نفسه على المسرح … ولكنه
стр. 2325
يعتقد أنه فعل لكم الخير الكثير. وإذا لم يقبلوا بعد الآن أن يسرف الغرباء في خداعكم، أو يغروكم بالملق والدهان، وإذا لم تكونوا في السياسة إمعات كما كنتم من قبل، فالفضل في ذلك راجع إليه. وقد كنتم من قبل إذا أرادت وفود المدن الأخرى أن تخدعكم لا يتطلب ذلك منهم إلا أن يصفوكم بأنكم "الشعب المتوج بالبنفسج"، فلا تكادون تسمعون لفظ بنفسج حتى تعتدلوا في جلستكم على أطراف أعجازكم. وإذا أراد أحد أن يستثير غروركم وتحدث عن "أثينة الغنية الناعمة نال كل ما يبغيه منكم لأنه يتحدث عنكم كما يتحدث عن السردين في الزيت. ولقد أحسن الشاعر إليكم كل الإحسان حين حذركم من هذه الحيل الخادعة" (١٢٧).
ولقد نال الشاعر أعظم النصر في مسرحية السلم التي أخرجها عام ٤٢١. ففي ذلك الوقت كان كليون قد مات، وأوشك نيشياس أن يوقع مع إسبارطة معاهدة سلام وصداقة تدوم خمسين عاماً. ولكن الحرب اشتعلت نارها مرة أخرى بعد بضع سنين، وخاب أمل أرسطوفان في بني وطنه فدعا نساء اليونان في عام ٤١١ أن يعملن لحقن الدماء. وتبدأ مسرحية ليسستراتا باجتماع نساء أثينة، في مطلع الفجر ورجالهن نائمون في مجلس حربي قرب الأكربوليس، ويتفقن على أن يمنعن عن أزواجهن متع الحب حتى يعقدوا الصلح مع العدو، ثم يرسلن رسولاً إلى نساء إسبارطة يدعونهن إلى معاونتهن في حملة السلم الجديدة. ثم يستيقظ الرجال آخر الأمر من نومهم فيعون النساء أن يعدن إلى بيوتهن، وتأبى النساء العودة فيحاصرهن الرجال بدلاء ملأى بالماء الساخن وبسيل من الكلام؛ وتلقي ليسسترا (منقذة أثينة) على الرجال درساً تقول فيه:
لقد صبرنا عليكم كثيراً في الحروب الماضية … ولكننا كنا نفرض عليكم رقابةً شديدة، وكثيراً ما كنا نسمع، ونحن في منازلنا، أنكم قد
стр. 2326
أخطأتم في تقرير أمر من الأمور. فإذا سألنا عنه قال الرجال: "وما شأنكن أنتن والمسألة عن هذا؟ اصمتن". وسألنا "كيف يحدث يا زوجي أن تسير الأمور بهذه السخف على أيدي الرجال؟ ". ويجيب زعيم الرجال بقوله إن النساء يجب أن يبتعدن عن شئون الدولة، لأنهن عاجزات عن تصريف شئون الخزانة العامة. (وتتسلل بعض النساء في أثناء هذا النقاش إلى أزواجهن وهن يتمتمن بحجج من نوع حجج أرسطوفان). وترد ليسسترا على ذلك بقوله: "وكيف لا يستطعن؟ فطالما دبرت الزوجات شئون أزواجهن المالية لخيرهم ولخيرهن". وتبدي من الحجج القوية ما يقنع الرجال آخر الأمر بعقد مؤتمر من الدول المحاربة، ويجتمع مندوبو هذه الدول، وتهيئ لهم ليسسترا كل ما يستطيعون أن يشربوه من الخمر. وسرعان ما تلعب الخمر برؤوسهم فيوقعون المعاهدة التي طال انتظارها. ويختم المنشدون المسرحية بنشيد مدح السلم.
٢ - أرسطوفان والمتطرفون
يرى أرسطوفان أن انحلال الحياة الأثينية العامة يرجع إلى شرين أساسيين هما الديمقراطية والخروج على الدين. وهو يتفق مع سقراط في أن سيادة الأمة قد انقلبت فأصبحت سيادة السياسيين؛ ولكنه كان واثقاً من أن تشكك سقراط، وأنكساغورس والسوفسطائيين قد ساعد على انحلال عرى الروابط الخلقية التي كانت في الزمن القديم عاملاً قوياً في تدعيم النظام الاجتماعي والاستقامة الفردية. وقد سخر أشد السخرية من الفلسفة الجديدة في مسرحية السحب. وخلاصتها أن رجلاً من الطراز القديم يدعى استربسياديز Stripsiades كان يبحث عن حجة يبرر بها التنصل من ديونه، فيغتبط إذ يسمع أن سقراط يدير متجراً للتفكير، يستطيع كل إنسان أن يتعلم فيه كيف يثبت كل ما يريد إثباته ولو كان خاطئاً. ويتخذ الرجل طريقة إلى مدرسة "المفكرين الأشداء"، ويرى
стр. 2327
في وسط حجرة الدرس سقراط معلقاً من السقف في سلة، ومنهمكاً في التفكير كما يرى بعض الطلاب منحنين متجهين بأنوفهم نحو الأرض:
استربسياديز: ماذا يفعل هؤلاء الناس الذين ينحنون هذا الانحناء العجيب؟
الطالب: إنهم يفحصون عن الأسرار العميقة عمق ترتروس.
استربسياديز: ولكن لم- عفواً ولكن- أجزاءهم الخلفية- لم أراهم مثبتين في الهواء على هذا النحو العجيب؟
الطالب: إن أطرافهم الأخرى تدرس الفلك.
يطلب استربسياديز إلى سقراط أن يعلمه بعض الدروس
سقراط: وبأي الآلهة تقسمون، لأن الآلهة ليست من العملة الرائجة عندنا؟.
ويشير إلى فرقة المرتلين في مسرحية السحب
إن هؤلاء هم الآلهة الحقيقيون.
استربسياديز: لكن قل لي، ألا تؤمن بزيوس؟.
سقراط: ليس لزيوس وجود.
استربسياديز: ومن الذي ينزل المطر إذن؟.
سقراط: هذه السحب، فهل رأيت مطراً ينزل من غير سحاب؟
ولو أن زيوس كان هو الذي ينزل المطر لأنزله في الجو الصحو وحين تظهر السحب …
استربسياديز: ولكن قل لي من الذي يرسل الرعد؟ إن جسمي ليرتجف منه
سقراط: إن هذه السحب في اندفاعها تحدث الرعد.
استربسياديز: كيف؟
стр. 2328
سقراط: إذا امتلأت بالماء واندفعت في سيرها تساقطت بقوة عنيفة بعضها على بعض وأحدثت هذه القعقعة.
استربسياديز: ولكن من الذي يسوقها؟ أليس هو زيوس؟
سقراط: كلا، إن الدوامة الأثيرية هي التي تسوقها.
استربسياديز: إذن فأعظم الآلهة كلها هي الدوامة. ولكن ما الذي يحدث قعقعة الرعد؟
سقراط: سأعلمك من حالتك أنت نفسك. ألم يحدث لك مرة ما أن امتلأت بالطعام في إحدى الولائم،
ثم اضطربت معدتك فحدثت في داخلك كركرة؟
وفي منظر أخر يلتقي فيديبديز Pheidippides بن استربسياديز بالحجة الصحيحة والحجة الباطلة مجتمعتين. وتخبره أولاهما بأن عليه أن يقلد الفضائل الرواقية التي كان يتصف بها رجال مرثون، ولكن الأخرى تشير عليه بأن يتخلق بالأخلاق الحديثة. وتسأله الحجة الباطلة: هل في الناس من نال شيئاً بالعدالة أو الفضيلة أو الاعتدال؟، وتقول: إنه إذا وجد رجل شريف ناجح وجد معه على الدوام عشرة رجال خونة ناجحين معظمين. وتضيف على ذلك قولها: انظر على الآلهة نفسها. لقد كذبت، وسرقت، وقتلت، وزنت. وهاهي ذى يعبدها اليونان جميعهم. وحين تشك الحجة الصحيحة في أن معظم الناجحين كانوا خونة، تسألها الحجة الباطلة:
من أي طبقة من الناس يخرج رجال القانون عندنا؟
الحجة الصحيحة: من بين السفهاء.
الحجة الباطلة: هذا حق. ومن أي صنف يخرج شعراؤنا كتاب المآسي.
الحجة الصحيحة: من بين السفهاء.
стр. 2329
الحجة الباطلة: وخطباؤنا العموميون؟
الحجة الصحيحة: كلهم سفهاء.
الحجة الباطلة: انظري الآن إلى من حولك:
تلتفت وتشير إلى النظارة
أية طبقة من الطبقات تنتمي إليها الكثرة الغالبة من أصدقائنا الحاضرين هنا؟.
وتغمض الحجة الصحيحة عن النظرة في جد ووقار
الحجة الصحيحة: إن الكثرة الغالبة منهم سفهاء.
وفيدبديز تلميذ الحجة الباطلة يأتمر بأمرها ويبلغ من طاعته إياها أن يضرب أباه بحجة أنه يقوى على ضربه وأنه يستمتع بهذا الضرب، ويسأل فوق ذلك "ألم تضربني وأنا غلام؟ " ويستحلفه استربسياديز بزيوس أن يرحمه، ولكن فيدبديز يرد عليه بقوله إن زيوس لم يعد له وجود، لأن الدوامة قد حلت محله. ويستشيط الوالد غضباً، ويهيم في الطرقات، ويدعو جميع المواطنين الصالحين إلى القضاء على هذه الفلسفة الجديدة، فيهاجمون متجر التفكير ويحرقونه ولا ينجو سقراط بحياته إلا بعد جهد شديد.
ولسنا نعرف ماذا كان لهذه المسلاة من أثر في مأساة سقراط. وكل الذي نعرفه أنها مثلث في عام ٤٢٣ قبل المحاكمة الشهيرة بأربع وعشرين سنة؛ ويبدو أن ما فيها من فكاهة طيبة لم يغضب الفيلسوف، بل يقال إنه ظل واقفاً طوال التمثيل (١٢٨) ليمكن أعداءه من أن يروه أوضح رؤية. ويصور أفلاطون سقراط وأرسطوفان في صورة الصديقين بعد التمثيل، وقد أوصى أفلاطون نفسه ديونيشيوس الأول ملك صقلية بهذه الأعجوبة المسلية، وظل محتفظاً بصداقته لأرسطوفان حتى بعد أن مات أستاذه (١٢٩). وقد كان ملاتوس أحد الثلاثة الذين اتهموا سقراط في عام ٣٩٩ طفلاً
стр. 2330
حين مثلت المسلاة، وكان ثانيهما وهو أنيتس على وفاق مع سقراط بعد أن مثلت (١٣٠)؛ وأكبر الظن أن انتشار المسرحية بعدئذ بوصفها قطعة أدبية أضر بالفيلسوف أكثر مما أضر به التمثيل الأول. ولقد أشار سقراط في دفاعه عن نفسه- كما يرويه أفلاطون- إلى هذه المسرحية وقال عنها إنها من أكبر الأسباب التي سوأت سمعته وألبت القضاة عليه.
وكان في أثينة هدف آخر وجه إليه أرسطوفان سهام هجائه، وقد وجهها هذه المرة سهام عداوة لا تنطفئ نارها. ذلك أنه لم يكن يثق بتشكك السوفسطائيين؛ أو بالفردية الأخلاقية، والاقتصادية، والسياسية التي كانت تنخر في عظام الدولة؛ أو بالدعوة النسائية العاطفية التي ترمي إلى مساواة النساء بالرجال، والتي كانت تثير ثائرة النساء؛ أو بالاشتراكية التي كانت تعمل عملها بين الأرقاء. لقد رأى هذه المبادئ كلها واضحة أجلى وضوح في يوربديز، واعتزم أن يقضي بالضحك والسخرية على ما كان للكاتب المسرحي الكبير من أثر في العقلية اليونانية.
وبدأ يعمل لهذه الغاية في عام ٤١١ بمسرحية أسماها السموفريزوسيات The smophoriazusae. وقد اشتق هذا اللفظ من اسم النساء اللائى كن يحتفلن بعيد دمتر وبرسفوني عن طريق الامتناع الجنسي. وفيه يجتمع عبادهما ليناقشن آخر ما سخر به يوربديز من بنات جنسهن، ويدبرن أمر الانتقام منه. وتترامى أنباء هذه الخطة إلى يوربديز فيشير على نسيلكس Mnesilochus والد زوجته بأن يلبس ثياب النساء ويدخل الاجتماع ليدافع عنه. وتشكو أولاهن من أن الكاتب المسرحي قد حرمها من وسيلة كسب عيشها؛ فقد كانت من قبل تصنع أكاليل الزهر للهياكل، فلما أن قال يوربديز إنه لا وجود للآلهة، كسدت تجارتها. ويدافع نسيلكس عن يوربديز بقوله إن أسوأ ما قاله عن النساء حق لا مراء فيه، وإنه أخف مما تعرفه النساء أنفسهن من أخطائهن. وترتاب النساء في أن هذا
стр. 2331
الطعن في النساء صادر عن امرأة، فيمزقن ثياب نسيلكس، ولا يستطيع النجاة من تمزيق جسمه إرباً إلا بأن يختطف طفلاً رضيعاً من بين ذراعي امرأة، وينذرهن بأنه سيقتله إذا مسسنه هو بسوء. ولكنهن لا يعبأن بهذا التهديد ويهجمن عليه، فيخلع عن الطفل لفافته، فيجد أنه زق خمر قد لف في ملابس طفل هرباً من أداء ضريبة الإيراد. ويقول إنه رغم هذا سيقطع عنقه وتحزن لهذا صاحبة الزق وتصيح قائلة: "سألتك ألا تتلف زقي العزيز، فإن كنت لا بد فاعلاً فجيء بجفنة تتلق فيها دماءه". ويحل نسيلكس المشكلة بأن يشرب الخمر، ويرسل في الوقت نفسه دعوة إلى يوربديز بأن يخف لإنقاذه من ورطته. وخليق بنا أن نقول بهذه المناسبة إن يوربديز يظهر في أجزاء مختلفة من مسرحياته- في صورة منلوس، أو برسيوس، أو إكو Echo. وفي هذه المرة يفلح أخيراً في تمكين نسيلكس من الهرب.
ويعود في مسرحية الضفادع إلى مهاجمة يوربديز رغم موته. ذلك أننا نرى ديونيشس إله المسرحية غاضباً على من بقي حياً في أثينة من كُتاب المسرحيات، فينزل إلى الجحيم ليعود بيوربديز. وتلتقي به وهو ينتقل في قارب إلى العالم السفلي طائفة من الضفادع فتحييه بنقيقها تحية لا نشك في أن شباب أثينة ظل يتندر بها شهراً كاملاً. ولا ينسى أرسطوفان أيضاً أن يسخر من ديونيشس ولا يخشى من تمثيل طقوس إلوسبز تمثيلاً ساخراً. ذلك أن الإله حين يصل إلى العالم السفلي يجد يوربديز يحاول خلع إسكلس عن زعامة كُتاب المسرحيات جميعهم. ويتهم إسكلس يوربديز بأنه يعمل على نشر التشكيك، والحيل القانونية الخطرة، وعلى إفساد أخلاق نساء أثينة وشبابها. ويقول إن من سيدات الطبقة العليا من قتلن أنفسهن لأنهن لم يطقن سماع بذاءة يوربديز. ثم يؤتى بميزان ويلقي كل شاعر في إحدى كفتيه أبياتاً من مسرحياته. وترجح عبارة قوية من عبارات إسكلس على اثنتي عشرة عبارة من عبارات يوربديز (وهذا هجاء في الشاعر الشيخ
стр. 2332
نفسه). ويعرض إسكلس آخر الأمر أن يقفز الشاعر الشاب إلى إحدى الكفتين ومعه زوجه، وأبناؤه، ومتاعه، ويقول إنه يؤكد أن بيتاً واحداً من الشعر يرجح عليهم جميعاً. ويخسر المتشكك العظيم في آخر الأمر المباراة، ويعود إسكلس إلى أثينة منتصراً (١). وقد منح القضاة هذه المقالة الأولى في النقد الأدبي الجائزة الأولى، وبلغ من سرور النظارة بها أن أعيد تمثيلها مرة أخرى بعد بضعة أيام.
وكذلك وجه أرسطوفان سخريته إلى الحركة المتطرفة بوجه عام في مسرحية متوسطة القدر تدعى الإكليزيازوسيات The Ecclesiazusae أي نساء الجمعية (٣٩٣). وموضوعها أن نساء أثينة يتخفين في زي الرجال، ويملأن مقاعد الجمعية، وترجح أصواتهن على أصوات أزواجهن، وإخوتهن، وأبنائهن، ويختار منهن حكام الدولة. وتتزعم هذه الحركة امرأة تدعى براكساغورا Praxagora شديدة التحمس لنيل النساء حقوقهن السياسية، وتتهم بنات جنسها بالغفلة لأنهن يرضين بأن يحكمهن الرجال البلهاء. وتقترح أن تقسم الثروة بالتساوي بين المواطنين على أن يترك الأرقاء من غير أن يفسدهن الذهب. ويتخذ الهجوم على "المدينة الفاضلة" صورة أخف من هذه وأرحم في مسرحية الطيور أرقى مسرحيات أرسطوفان جميعها (٤١٤). ومضمونها أن اثنين من مواطني أثينة يستولي عليهما اليأس، فيتسلقان إلى مسكن الطيور، يأملان أن يجدا فيه الحياة المثالية التي ينشدانها. ويستعينان بالطيور على بناء مدينة فاضلة بين الأرض والسماء تدعى نفلوككسيجيا Nepheloccygia أي "أرض وَقْوقَ السحاب". وتوجه الطيور مجتمعة خطابها إلى الآدميين في نشيد لا يفوقه أي نشيد آخر وضعه شعراء المآسي تقول فيه:
стр. 2333
أي بني الإنسان، يا قصار الأجل، ويا من تملأ الأحزان حياتكم يوماً بعد يوم، يا عراة، يا منزوعي الريش، يا ضعاف الأجسام، يا كثيري النزاع، يا مرضى، يا من تنتابكم النوائب، يا من خلقتم من طين! استمعوا إلى أقوال السادة الطيور، الخالدة، مالكة الهواء، التي تشرف من علِ بأعينها الرحيمة، على ما بينكم من نزاع، وشقاء، وكدح، وقلق.
وتضع الطيور خطة لمنع كل الاتصال بين الآلهة والبشر، ولا تسمح بأن تصعد القرابين إلى السماء. وتقول المصلحة منها إن الآلهة القدامى لن تلبث أن تموت جوعاً فتسود الطيور. ثم تخترع آلهة جدد على صورة الآدميين عن عروشها، ثم يأتي آخر الأمر وفد من أولمبس يسعى لعقد هدنة، ويقبل زعيم الطير أن يتزوج من خادمة زيوس، وتختتم المسرحية بهذا الزواج الموفق.
٣ - الفنان والمفكر
أرسطوفان مزيج من الجمال والحكمة والقذارة لا نستطيع أن نحدد الصنف الذي ينتمي إليه من الناس. كان في وسعه إذا اعتدل مزاجه أن يكتب أغاني من الشعر اليوناني الخالص الرصين، لم يستطع مترجم حتى الآن أن ينقله بروعته إلى لغة غير لغته الأصلية. وحواره هو الحياة نفسها، أو لعل أكثر سرعة، وأعظم طلاوة، وأشد قوة مما تجرؤ أن تكون عليه الحياة، وهو يشبه ربليه Rabelais وشكسبير، ودكنز، في قوة أسلوبه وحيويته، وشخصياته كشخصياتهم أصدق تصويراً للعصر الذي عاش فيه من جميع ما ألفه المؤرخون في ذلك العصر؛ ويفوح منها شذاه أقوى مما يفوح من هذه المؤلفات كلها مجتمعة؛ وليس في وسع أحد أن يعرف الأثينيين حق المعرفة إذا لم يكن قد قرأ مسرحيات أرسطوفان. ومع هذا فإن حبكات مسرحياته هزأة سخيفة، جمع أطرافها بإهمال يكاد أن
стр. 2334
يكون مرتجلاً. وتراه في بعض الأحيان يستنفد موضوع المسرحية الرئيسي قبل أن يبلغ منتصفها، ويتعارج ما بقي منها على عكازتي المجون والهزل حتى يصل إلى نهايتها. والفكاهة في العادة من النوع الدنيء؛ مثقلة بالجناس السهل الساذج، وتطول حتى لا يطيق الإنسان طولها، وكثيراً ما تستعار عباراتها من عمليات الهضم، والتكاثر، والتبرز. ففي مسرحية الأركانيين تسمع عن شخص لا ينقطع ساعة عن التبرز طيلة ثمانية أشهر (١٣١). وفي السحب نرى فضلات الإنسان الكبيرة تمتزج بالفلسفة العليا (١٣٢)، ولا تمر صفحة إلا نجد في التي تليها أردافاً، وصدراً، وغدداً تناسلية، وسفاداً، ولواطاً، واستنماءً، كل ذلك يعرض علينا (١٣٣)؛ ثم نراه يتهم منافسه الشيخ أقراطينوس Cratinus بسيأ البول ليلاً (١٣٤). وهو بهذا كله أكثر الشعراء القدامى شبهاً بأهل هذه الأيام لأن الإسفاف والبذاءة لا يختص بهما عصر من العصور. وإذا ما تحدثنا عنه بعد حديثنا عن مؤلف يوناني سواه - وبخاصة بعد حديثنا عن يوربديز - بدا لنا مسفاً إلى حد تشمئز منه النفس وتنقبض، حتى ليصعب علينا أن نتصور أن النظارة الذين يستمعون إلى أحدهما هم بعينهم الذين يستمعون إلى الآخر.
وإذا كنا محافظين صادقين أطقنا هذا كله، وحجتنا في ذلك أن أرسطوفان يهاجم التطرف بكافة أشكاله، ويستمسك مخلصاً بالفضائل والرذائل القديمة أياً كان نوعها. وهو على ما نعلم أحط الكُتاب اليونان جميعهم خلقاً، ولكنه يأمل أن يعوض هذا النقص بمهاجمة الفساد الخلقي، ونراه دائماً إلى جانب الأغنياء، ولكنه يشتهر بالجبن؛ ويكذب كذباً يؤسف على يوربديز حياً وميتاً، ولكنه يهاجم الغدر والخيانة؛ ويصف نساء أثينة بالفظاظة إلى حد غير معقول، ولكنه يشهر بيوربديز لأنه يفتري ويسخر بالآلهة سخرية جريئة (١). وإذا وازنا بينه وبين سقراط التقي لم نجد بداً من أن نصوره
стр. 2335
كافراً مهزاراً، لكنه رغم هذا يدعو بقوة إلى الدين ويتهم الفلاسفة بأنهم يعملون للقضاء على الآلهة. لكن تصوير كليون ذي السلطان القوي تصويراً هزلياً، وكشف عيوب ديموس أمام ديموس نفسه يتطلبان شجاعة حقة؛ وتبين الخطر الشديد الذي يتهدد حياة أثينة من جراء اتجاه الدين والأخلاق من التشكك السوفسطائي إلى الفردية الأبيقورية، نقول إن تبين هذا الخطر يتطلب كثيراً من الفطنة ونفاذ البصيرة. ولعل أثينة كان يصلح حالها لو أنها عملت ببعض نصائحه، ولم تشتط في نزعتها الاستعمارية، وعقدت صلحاً مبكراً مع إسبارطة، وخففت بزعامة أرستقراطية ما فشا في الديمقراطية التي قامت بعد عصر بركليز من فوضى وفساد.
ولقد أخفق أرسطوفان لأنه لم يكن جاداً في نصائحه إلى الحد الذي يحمله على العمل بها. وكان إسرافه في تمثيل الدعارة وفي الشتائم من الأسباب التي أدت إلى تحريم الهجو الشخصي؛ ومع أن القانون الذي صدر بهذا التحريم قد ألغى بعد قليل من الوقت، فإن "المسلاة القديمة" ذات النقد السياسي قد ماتت قبل موت أرسطوفان (٣٨٥)، وحلت محلها في مسرحياته الأخيرة نفسها "المسلاة الوسطى" مسلاة الأخلاق والغرام. لكن الحيوية التي كانت تمتاز بها المسلاة اليونانية قد اختفت باختفاء ما كان فيها من إسراف ووحشية، وظهر فليمون ومناندر واختفيا وعفا ذكرهما، أما أرسطوفان فقد ظل باقياً رغم تبدل المبادئ الأخلاقية والأنماط الأدبية، حتى وصل إلى عصرنا هذا ومعه إحدى عشرة مسرحية من مسرحياته الاثنتين والأربعين كاملة لم ينقص منها شيء. ولا يزال إلى هذا اليوم حياً في هذه المسرحيات رغم ما يعترض فهمها وترجمتها من صعاب. وإذا ما استطعنا أن نسد أنوفنا حتى لا يؤذيها فحشه وبذاءته استطعنا أن نقرأ مسرحياته بكثير من البهجة الدنسة.
стр. 2336
الفصل السّابع
المؤرخون
لم ينس اليونان النثر كل النسيان في نشوة الشعر المسرحي، فقد أولعوا أشد الولع بالخطابة مدفوعين إلى هذا بنزاعهم القضائي ونظامهم الديمقراطي. وإذا رجعنا إلى ذلك التاريخ البعيد - عام ٤٤٦ ق. م - رأينا كوراكس Corax السرقوصي يكتب رسالة يسميها تكني لوجون Techne Logon (فن الكلمات) يرشد بها المواطنين الذين يريدون أن يخاطبوا الجمعية أو القضاة؛ ونجد فيها منذ ذلك العهد تقسيم الخطبة إلى ديباجة، وقصة، ونقاش، وملاحظات ثانوية، ومسك الختام. ونقل غورغياس هذا الفن إلى أثينة، واستخدم أنتيفون Antiphon الأسلوب المنمق في الخطب والنشرات التي خصها بالدعاوة الألجركية، ثم أضحت الخطابة اليونانية على يد ليسياس أكثر وضوحاً وأقرب إلى الأسلوب الطبيعي؛ غير أن الخطب التي كانت تلقى على الجماهير لم تتخلص من خداع الألفاظ، ولم تثبت ما للأسلوب الحديث البسيط من قوة الأثر، إلا عند أعظم الساسة والحكام أمثال ثمستكليز وبركليز. وشحذ السوفسطائيين هذا السلاح الجديد واستغله تلاميذه استغلالاً بلغ من قوته أن حرم الحزب الألجركي تعليم فنون البلاغة بعد استيلائه على مقاليد الحكم في عام ٤٠٤ (١٣٦).
وكان التاريخ أعظم ما أنتجه النثر في عصر بركليز، ونستطيع أن نقول إن القرن الخامس هو الذي كشف عن الماضي وبحث عن علاقة الإنسان بالزمن. ويمتاز فن التاريخ عند هيرودوت بكل ما في الشباب من سحر وقوة، فإذا ما وصلنا إلى توكيديدز بعد خمسين عاماً من عصر هيرودوت رأيناه قد بلغ حداً من النضوج لم يفقه فيه أي عهد من العهود التي أعقبته، وكانت
стр. 2337
الفلسفة السوفسطائية هي التي فصلت بين هذين المؤرخين وميزت كلاً منهما من الآخر. فقد كان هيرودوت أكثر بساطة من صاحبه، ولعله كان أكثر منه رأفة، وما من شك في أنه كان أبهج منه روحاً. وقد ولد في هليكرنسس Halicarnassus حوالي عام ٤٨٤، من أسرة بلغت من رفيع المنزلة درجة أمكنتها أن تشترك في الدسائس السياسية. ونفي من بلده وهو في الثانية والثلاثين من عمره بسبب مغامرات عمله السياسية، فبدأ من ذلك الوقت تلك الرحلات البعيدة التي كان لها أكبر الأثر في تواريخه. وقد مر بفينيقية في طريقه إلى مصر وتوغل فيها حتى وصل إلى جزيرة إلفنتين، ووصل في ترحاله غرباً إلى قورينة وشرقاً إلى السوس وشمالاً إلى المدن اليونانية القائمة على شاطئ البحر الأسود. وكان حيثما ذهب يلاحظ، ويبحث بعين العالم وتطلع الطفل؛ ولما ألقي عصا التسيار في أثينة حوالي عام ٤٤٧ كان في جعبته مقدار ضخم من المذكرات المختلفة عن جغرافية الدول المحيطة بالبحر الأبيض المتوسط، وتاريخها وعادات أهلها. وقد استعان بهذه المذكرات وسرقات قليلة من هكتيوس Hecataeus وغيره من المؤرخين السابقين على تأليف أشهر الكتب التاريخية على الإطلاق. وقد وصف في كتابه هذا حياة الناس في مصر، والشرق الأدنى، وبلاد اليونان، وسجل فيه تاريخ هذه البلاد كلها، من بدايته الخرافية إلى نهاية الحرب الفارسية. وتقول إحدى القصص القديمة إنه قرأ أجزاء من كتابه هذا على الجمهور في أثينة، وإن الأثينيين أعجبوا أشد الإعجاب بما ورد فيه من وصف الحرب وما قاموا به فيها من أعمال مجيدة، فقرروا له اثنتي عشرة وزنة (تالنت) أي ما يعادل ستين ألف ريال أمريكي - وهو مبلغ يرى أي مؤرخ أنه يبلغ من الضخامة حداً يجعله غير معقول. ويعلن هيردوت في مقدمة الكتاب بأسلوب رائع الغرض من وضعه فيقول:
"هذا عرض لبحوث (Historia) هيرودوت الهليكرنسي يقصد به
стр. 2338
ألا يمحو الزمان ما قام به الهلينيون والبرابرة من أعمال مجيدة عجيبة، ويقصد به بنوع خاص ألا تنسى الأسباب التي من أجلها شنوا الحرب بعضهم على بعض".
والكتاب إلى حد ما "تاريخ عالمي" لأنه يتناول قصة جميع الأمم التي تسكن في شرق البحر الأبيض المتوسط، وهو أوسع في مجال بحثه من الموضوع الضيق الذي شمله كتاب توكيديدز، وتسري في الكتاب روح الوحدة غير المقصودة بما يتضمنه من بيان الفرق بين حكم البرابرة المطلق والديمقراطية اليونانية؛ ثم ينتقل بخطى وئيدة واستطرادات مضطربة إلى الخاتمة الروائية المتوقعة في سلاميس. والغرض من الكتاب كما يقول المؤلف هو تسجيل "الأعمال العجيبة والحروب" (١٣٨)، والحق أن القصة في بعض مواضعها تعيد إلى الذاكرة سوء فهم جبن Gibbon للتاريخ حين يقول إنه "لا يعدو أن يكون سجلاً لجرائم البشرية وحماقاتها ومصائبها" (١٣٩). على أن هيردوت رغم هذا يتسع له المجال لإيراد حقائق طريفة لا تحصى عن ملابس الجماعات التي يصفها، وعاداتها، وأحلامها، ومعتقداتها. وهو يذكر لنا كيف يستطيع المصريون أن يقفزوا إلى النار، وكيف يسكر أهل الدانوب من رائحة الخمر، وكيف بنيت أسوار بابل، وكيف يأكل المساجيتي Massagetee آباءهم، وكيف كانت لكاهنة أثينة في بداسس Pedasus لحية ضخمة. وهو لا يقتصر على تصوير الملوك والملكات، بل يصور كذلك الرجال من جميع الطبقات، ويبعث الحياة في صحفه بذكر النساء اللاتي لا يجدن لهن مكاناً في كتاب توكيديدز، ويصف أحذيتهن، وجمالهن، وقسوتهن، وفتنتهن.
وفي "هيرودوت كثير من الهراء" كما يقول استرابون (١٤٠)، ولكن المجال الذي يبحث فيه مؤرخنا واسع سعة مجال أرسطاطاليس، وفيه فرص كثيرة للزلل، وجهله لا يقل سعة عن عمله، كما لا تقل سذاجته وسرعة
стр. 2339
تصديقه لكل ما يروى له عن حكمته؛ فهو يعتقد أن نطفة الأحباش سوداء (١٤١)، ويصدق الخرافة القائلة إن اللسدمونيين قد نالوا النصر لأنهم جاءوا بعظام أرستيز إلى إسبارطة (١٤٢)، وينقل أعداداً ضخمة عن جيوش خشيارشاي، وعن قتلى الفرس وعن انتصارات اليونان الذين لم يكادوا يصابون فيها بجروح. وتسري في قصته روح الوطنية ولكنها ليست بعيدة عن الإنصاف، فهو يعطي قسطاً من العناية لكلا الطرفين في معظم المنازعات السياسية (١)، ويمجد بطولة الغزاة، ويعترف بما كان يتصف به الفرس من شرف وشهامة، وهو يقع في أشنع أخطائه حين يعتمد على ما يحدثه به الأجانب؛ فهو يظن مثلاً أن نبوخدنصر امرأة، وأن جبال الألب نهر، وأن كيوبس عاش بعد رمسيس الثالث، لكنه حين يبحث في أشياء أتيحت له الفرصة لمشاهدتها بنفسه، يكون أدعى للثقة به، وكلما ازداد علمنا بالتاريخ ازدادت أقواله ثباتاً.
وهو لا يتردد في قبول الكثير من الخرافات والأوهام، ويسجل الكثير من المعجزات، ويرى النبوءات في خشوع الأتقياء، ويسود صحفه بالتفاؤل والتطير؛ ويحدد تواريخ سميلي Semele، وديونيشس، وهرقل؛ ويعرض التاريخ كله، كما يعرضه بوسيه Bossuet كأنه مسرحية من وضع القوة الإلهية المدبرة لشئون العالم، تثاب فيها الفضائل، وتعاقب الخطايا والجرائم، وطغيان الناس إذا استغنوا. لكن عقله تكون له الغلبة أحياناً؛ ولعل سبب ذلك أنه استمع للسوفسطائيين في آخر حياته. فهو يشير إلى أن هومر وهزيود هما اللذان وضعا أسماء آلهة أولمبس وخلعا عليها صورها، وأن أديان الناس وليدة عاداتهم، وأن ما يعرفه إنسان ما عن الآلهة يعادل ما يعرفه غيره (١٤٣). وهو يرى أن العناية الإلهية هي الحكم الذي لا معقب لحكمه في تاريخ العالم، لكنه يهمل بعد ذلك أمرها
стр. 2340
ويبحث عن الأسباب الطبيعية للحوادث، ويوازن بين شخصيات ديونيشس وأوزيريس، وأساطيرهما موازنة العالم المحقق؛ ويبتسم ابتسامة المتسامح مما يروي عن تدخل الآلهة في حوادث العالم، ويعرض لتفسيرها أسباباً طبيعية (١٤٤)؛ ويكشف لنا عن خطته العامة ويغمز بطرف عينه حين يقول: "إني مضطر إلى أن أقص ما ينقل إليّ، ولكني غير ملزم بتصديقه، وأحب أن يصدق هذا القول على كل قصة أرويها في هذا التاريخ" (١٤٥)، وهو أول من وصلت إلينا مؤلفاتهم من المؤرخين اليونان، وعلى هذا الاعتبار لا نلوم شيشرون على وصفه إياه بأنه أبو التاريخ. ويضعه لوشيان، كما يضعه معظم الأقدمين، في منزلة أرقى من منزلة توكيديدز (١٤٦).
ومع هذا كله فإن الفرق بين عقل هيرودوت وعقل توكيديدز كالفرق بين المراهقة والنضوج، ذلك أن توكيديدز ظاهرة من ظواهر عصر الاستنارة اليوناني، وهو من سلالة السوفسطائيين، كما كان جبن من الناحية الروحية من سلالة بايل Bayle وفولتير. وكان والده من أثرياء الأثينيين يمتلك مناجم للذهب في تراقية، وكانت أمه تراقية من أسرة عريقة. وقد تلقى كل ما كان في أثينة في أيامه من تعليم، ونشأ في جو التشكك الفلسفي، ولما شبت نار حرب البلوبونيز أخذ يسجل حوادثها يوماً فيوماً، ثم مرض بالطاعون في عام ٤٣٠، وفي عام ٤٢٤ اختير وهو في سن السادسة والثلاثين (أو الأربعين) أحد قائدين توليا قيادة حملة بحرية سيرت إلى تراقية، ولما أن عجز عن قيادة قواته إلى أمفبوليس Amphipolis ليفك عنها الحصار في الوقت المناسب - نفاه الأثينيون، فقضى العشرين سنة التالية من عمره يتنقل من بلد إلى بلد وخاصة في إقليم البلوبونيز. وإلى هذا العلم المباشر بأحوال العدو يرجع بعض ما يمتاز به كتابه من نزاهة ذات أثر كبير في النفس. ولما شبت الثورة الألجركية في عام ٤٠٤ انتهى أجل نفيه فعاد إلى أثينة. ومات - ويقول بعضهم إنه اغتيل - في عام ٣٩٦ أو قبله قبل أن يتم تاريخ
стр. 2341
حرب البلوبونيز. وهو يبدأ ذلك التاريخ بهذه العبارة البسيطة:
كتب توكيديدز - وهو رجل أثيني - تاريخ الحرب التي دارت رحاها بين البلوبونيز والأثينيين، من ساعة أن اشتعلت نارها. وكان يعتقد أنها حرب خطيرة الشأن، أجدر بالرواية من أية حرب سبقتها.
ويبدأ قصته الافتتاحية من المنطقة التي انتهى إليها هيرودوت في ختام حرب الفرس. ومما يؤسف له أن عبقرية أعظم المؤرخين اليونان لا ترى في الحياة اليونانية شيئاً أجدر بالتسجيل من حروبها. لقد كان هيرودوت يكتب وهو يستهدف تسلية القارئ المتعلم، أما توكيديدز فيكتب ليمد مؤرخي المستقبل بالمعلومات، ويسجل السوابق ليسترشد بها الحكام في المستقبل. وكان هيرودوت يكتب بأسلوب سهل مهلهل غير متماسك، ولعل الذي أوحى إليه بهذا الأسلوب هو ملاحم هومر الجوالة الهائمة. أما توكيديدز فيكتب كما يكتب من استمع إلى الفلاسفة، والخطباء، والكُتاب المسرحيين، بأسلوب يكثر فيه التعقيد والغموض، لأنه يحاول أن يجمع فيه بين الإيجاز والدقة والعمق، أسلوب تفسده في بعض الأحيان بلاغة غورغياس وزخرفها، ولكنه في بعض الأحيان لا يقل عن أسلوب ناستس وضوحاً وإحكام سبك، ويسمو في اللحظات الحاسمة إلى العبارات المسرحية التي تبلغ من القوة ما تبلغه أية عبارة من عبارات يوربديز. ولسنا نجد في المسرحيات اليونانية ما هو أروع من الصفحات التي يصف فيها حملة سرقوصة، أو تردد نيشياس، أو ما أعقب الهزيمة من فزع وروع. ولنعد مرة أخرى إلى الموازنة بين هيرودوت وتوكيديدز فنقول إن هيرودوت يتنقل من مكان إلى مكان، ومن عصر إلى عصر؛ أما توكيديدز فيضغط قصبته في إطار جامد من الفصول والسنين، مضحياً في ذلك بتسلسلها. وكان هيرودوت يكتب عن الأشخاص أكثر مما يكتب عن مجرى الحوادث لأنه يحس أن الشخصيات هي التي تجري الحادثات؛ أما توكيديدز فهو وإن كان يعترف بما للأفراد غير
стр. 2342
العاديين من خطر في التاريخ، وإن كان يخفف من أعباء موضوعة بما يبثه فيه من صورة بركليز، وألقبيادس، ونيشياس وأمثالهم، يجنح لتدوين الحادثات أكثر مما يجنح لذكر الأشخاص، ويبحث في علل الحوادث وتطوراتها، ونتائجها. وكان هيرودوت يكتب عن حوادث جد بعيدة عنه نقلت إليه أخبارها معنعنة مرتين أو ثلاث مرات في معظم الحالات، أما توكيديدز فكثيراً ما يحدثنا عما شاهده بعينيه، أو عما سمعه ممن شاهدوا بعيونهم، أو اطلعوا على وثائقه الأصلية، وكثيراً ما يثبت الوثائق التي يتحدث عنها. وهو شديد الحرص على الدقة، وحتى وصفه الجغرافي نفسه قد ثبتت صحة تفاصيله. وقلما يصدر أحكاماً أخلاقية على الرجال أو الحادثات، ويطلق العنان لسخريته الأرستقراطية من الديمقراطية الأثينية فتتغلب عليه وهو يصور كليون؛ ولكنه في أكثر الأحيان يبعد شخصيته عن قصته، ويروي الحقائق بنزاهة لا يتحيز لأحد الطرفين، ويقص قصة حياته توكيديدز العسكرية القصيرة وكأنه لم يعرف ذلك الرجل قط، دع عنك أنه هو الرجل الذي يقص قصته. وهو مبتدع الطريقة العلمية في التاريخ، ويفخر بما بذله في تأليفه من الجد والعناية. ويقول وهو يشير من طرف خفي إلى هيرودوت:
"إني أعتقد أن النتائج التي وصلت إليها من الأدلة التي ذكرتها هنا يمكن أن يوثق بها ويعتمد عليها. وما من شك في أنها لن تؤثر فيها قصص شاعر يعرض ما في صناعته من مبالغات، ولا تآليف الإخباريين التي يضحى فيها بالحقائق في سبيل الطرافة والجاذبية لأن الموضوعات التي يعالجونها خارجة عن نطاق الأدلة والبراهين، ولأن قدم عهدها قد سلبها قيمتها التاريخية ورفعها إلى مقام الخرافات. أما نحن فلم نلجأ إلى هذه الطريقة أو تلك، ولا ريب عندنا في أننا قد اعتمدنا على أصح المعلومات وأكثرها وضوحاً، وأننا قد وصلنا إلى نتائج تبلغ من الدقة أقصى ما ينتظره الإنسان في أمثال هذه المسائل الموغلة في القدم … وإني لأخشى أن يفقد كتابي بعض ما يجب أن يحتويه من طرافة ومتعة بسبب خلوه
стр. 2343
من القصص الخيالية المثيرة للعواطف، ولكن إذا رأى الباحثون الذين يرغبون في الوصول إلى حقائق الماضي الصحيحة ليستعينوا بها على تفسير حوادث المستقبل - وهي التي تشبه بلا ريب حوادث الماضي، إن لم تكن صورة مطابقة لها - إذا رأى هؤلاء الباحثون أن فيه فائدة لهم، فأني أرضى بهذا وأقنع به. وملاك القول أني لم أكتب كتابي هذا ليكون مقالة يكسب بها تصفيق الناس وثناؤهم لحظة قصيرة، بل كتبته ليكون ملكاً لجميع العصور (١٤٧).
لكنه مع هذا يضحي بالدقة في سبيل الطرافة في حالة واحدة معينة، فهو مولع بأنه ينطق شخصياته بالخطب الطنانة، ويعترف صراحة بأنه معظم هذه الخطب من نسج الخيال، ولكنها مع ذلك تساعده على توضيح الشخصيات والأفكار والحوادث وإنعاشها. وهو يدعي بأن كل خطبة من هذه الخطب تتضمن خلاصة خطبة حقيقية ألقيت فعلاً في الوقت الذي يتحدث عنه. فإذا كان هذا صحيحاً فإن جميع رجال الحكم وقواد الجيش من اليونان قد درسوا بلا ريب فنون البلاغة مع غورغياس، والفلسفة مع السوفسطائيين، وعلم الأخلاق مع ثرازمكس. يضاف على هذا أن الخطب جميعها واحدة في أسلوبها ومراوغتها ودهائها، ونظرتها الواقعية إلى الأمور. وهي تجعل الإسبارطي صاحب الرد الموجز المسكت مراوغاً كأي أثيني تربى بين السوفسطائيين، وتنطق الدبلوسيين بحجج أبعد ما تكون عن الدبلوماسية (١) وتضفي على عبارات قادة الجند أمانة صارمة لا قبل لهم بها. وليست "خطبة بركليز الجنازية" إلا مقالاً بديعاً في فضائل أثينة، كتبها بأسلوب رشيق رجل مطرود من بلده؛ مع أن بركليز قد اشتهر ببساطة خطبه وبعدها من فنون البلاغة، هذا إلى أن بلوتارخ يفسد على توكيديدز دعواه الخيالية الروائية بقوله إن بركليز لم يخلف وراءه شيئاً مكتوباً، وإن أقواله لا يكاد يبقى منها شيء على الإطلاق (١٤٨).
стр. 2344
ولتوكيديدز من العيوب ما يعادل فضائله، فهو صارم كصرامة التراقي، وتنقصه روح المرح والفكاهة الأثينية، ولذلك يخلو كتابه من الفكاهة أياً كانت، وتراه منهمكا على الدوام في "هذه الحرب التي يؤرخها توكيديدز" (وهي عبارة يكررها في كثير من الفخر) إنهماكاً يصرفه عن كل شيء عدا الحوادث السياسية والحربية. وهو يملأ صفحاته بالتفاصيل العسكرية، ولا يذكر قط فناناً واحداً ولا عملاً من أعمال الفن. وهو دائم البحث عن علل الأشياء، ولكنه قلما يتعمق إلى العوامل الاقتصادية التي تكمن وراء العوامل السياسية وتحدد مجرى الحادثات؛ وهو وإن كان يكتب للأجيال المقبلة، لا يحدثنا بشيء عن دساتير الدول اليونانية أو عن حياة المدن، أو نظم المجتمعات، وهو يتجنب التحدث عن النساء بقدر تجنبه التحدث عن الآلهة، ويأبى أن يكون لهم موضع في قصته؛ وهو ينطق بركليز صاحب الشهامة والمروءة الذي عرض حياته للخطر من أجل محظية تطالب بحرية المرأة، ينطقه بقوله: "إن سمعة المرأة إنما تقوم على امتناع الرجال عن ذكرها بالخير أو بالشر قدر المستطاع" (١٤٩). وهو وإن عاش في عصر يعد أعظم عصور التاريخ ثقافة، يضل في بيداء الانتصارات والهزائم العسكرية المتعاقبة التي تقوض قواعد المنطق من أساسها، ولا يتغنى بالحياة العقلية الأثينية التي تهز المشاعر هزاً، بل يبقى قائداً عسكرياً بعد أن يصبح مؤرخاً.
على أننا رغم هذا كله مدينون له بالشيء الكثير، وليس من حقنا أن نعيبه فوق ما يستحق لأنه لم يكتب ما لم يتكفل بكتابته، فهاهنا نجد في القليل طريقة لكتابة التاريخ منظمة، واحتراماً للحقائق، ودقة في الملاحظة، ونزاهة في الحكم، وجزالة في اللفظ لم تبق بعده طويلاً، وسحراً في الأسلوب، وعقلاً قوياً سديداً عميقاً، تصلح واقعيته الصارمة لأن تكون دعامة لأرواحنا الروائية الخيالية بفطرتها. ولسنا نجد في كتابه شيئاً من
стр. 2345
القصص الخرافية، أو الأساطير، أو المعجزات. وهو يقبل قصص البطولة، ولكنه يحاول أن يفسرها بالاستناد إلى العلل الطبيعية؛ ويغفل ذكر الآلهة إغفالاً تاماً، ولا يجعل لها موضعاً في كتابه، ويسخر من النبوءات والوحي ومن غموضها الذي يجعلها في مأمن من الخطأ (١٥٠). ويندد في سخرية بغباء نيشياس إذ يركن إلى النبوءات بدل أن يركن إلى المعرفة الحقة. وهو لا يعترف بوجود قوة عليا مدبرة مرشدة، أو خطة إلهية موضوعة محكمة، بل إنه لا يعترف حتى "بالتقدم" نفسه؛ وهو ينظر إلى الحياة والتاريخ نظرته إلى مسرحية دنيئة ونبيلة معاً، يرفع من شأنها بين الفينة والفينة عظماء الرجال، ولكنها تهوي على الدوام إلى وهدة الخرافة، والحرب. وفي شخصه يحسم النزاع بين الدين والفلسفة وتنتصر الفلسفة.
وبعد، فإن بلوتارخ وأثينيسوس يشيران في كتبهما إلى مئات من المؤرخين اليونان، ولكن الذين عاشوا منهم في العصر الذهبي، عدا هيرودوت وتوكيديدز قد عدا الدهر عليهم كلهم تقريباً فعفت آثارهم، ومن جاء بعدهم من المؤرخين لم يبق من كتبهم إلا فقرات متفرقة. وقد حدث هذا بعينه لمختلف الآداب اليونانية الأخرى؛ فليس لدينا من آثار كُتاب المآسي المسرحية الذين يعدون بالمئات والذين نالوا الجوائز في حفلات ديونيشيا إلا عدد قليل من المسرحيات كتبها ثلاثة من الشعراء، أما كتّاب المسالي الكثيرون فلم يبق إلا أثر لواحد منهم، ولم يبق من فلسفة ذلك العصر إلا آثار رجلين اثنين. وفي وسعنا أن نقول بوجه عام إنه لم يبق من الآداب اليونانية التي يعزوها النقاد إلى القرن الخامس قبل الميلاد أكثر من جزء واحد من عشرين جزءاً من نتاج ذلك القرن، وإنه لم يبق من آثار القرون التي سبقته أو تلته إلا أقل من هذا القليل (١٥١). والكثرة الغالبة مما بقي لنا قد جاءتنا من أثينة؛ ولقد أنبتت المدن الأخرى، كما نستدل من عدد الفلاسفة الذين بعثت بهم إلى أثينة، عدداً كبيراً من العباقرة؛ ولكن البربرية التي طغت عليها من خارجها ومن أسفل منها
стр. 2346
قد ابتلعت ثقافتها أكثر مما ابتلعت ثقافة أثينة، فضاعت مخطوطاتها في فوضى الثورات والحروب، وليس في وسعنا إلا أن نحكم على الكل من هتامات الجزء.
لكن تراث هذه الحضارة رغم هذا كله تراث عظيم، عظيم في شكله بلا ريب إن لم يكن في مقداره (ومن ذا الذي استطاع أن يستوعبه كله؟). والشكل والنظام هما جوهر أسلوب العصر الذهبي في الأدب وفي الفن على السواء؛ فالكاتب اليوناني، كالفنان اليوناني الذي يعد أنموذجاً لذلك العصر، لا يقنع بمجرد التعبير عما يريد، بل يتوق إلى أن يكسب مادته شكلاً وجمالاً. وهو يعمد إلى مادته فيقصها من أطرافه ويشذبها، ويعيد تنظيمها لتكون واضحة جلية، ويحولها إلى صورة من البساطة المعقدة؛ وهو دائماً واضح يسلك أقصر الطرق إلى قصده، وقلّما يلجأ إلى الدوران أو الغموض، يتجنب المبالغة والتحيز، وإذا ما لجأ إلى الخيال في مشاعره حاول أن يكون منطقياً في تفكيره. وهذا الجهد الدائم الذي لا ينفك يبذله لإخضاع الخيال للعقل، وهو الصفة الغالبة المسيطرة على العقل اليوناني؛ لا بل على الشعر اليوناني نفسه. ومن أجل هذا كان الأدب اليوناني أدباً "حديثاً" بل قل أدباً معاصراً؛ فإنا ليصعب علينا أن نفهم دانتي أو ملتن؛ أما يوربديز، وتوكيديدز، فهما شديدا القرب من عقولنا وينتميان إلى عصرنا. وسبب ذلك أن العقل يبقى من غير تغيير وإن تغيرت الأساطير، وأن حياة العقل تؤاخي بين أنصارها ومحبيها في كل زمان ومكان.
стр. 2347
الباب الثامن عشر
انتحار بلاد اليونان
الفصل الأول
العالم اليوناني في عهد بركليز
خليق بنا قبل أن نواجه منظر حرب البلوبونيز المحزنة أن نلقي نظرة على العالم اليوناني خارج أتكا. ولكن معلوماتنا عن الدولة الواقعة في هذا العالم ضئيلة إلى حد لا يسعنا معه إلا أن نفترض ما لا نستطيع أن نقيم عليه الدليل، وهو أنها كانت تشترك مع أثينة في الازدهار الثقافي الذي امتاز به العصر الذهبي وإن لم تبلغ مبلغ أثينة نفسها في هذا الازدهار.
في عام ٤٥٩ سيّر بركليز أسطولاً ضخماً ليطرد الفرس من مصر حرصاً منه على أن يضمن لبلاده قمحها. وأخفقت الحملة في غرضها، وسار بركليز من ذلك الحين على السياسة التي كان يسير عليها ثمستكليز، وهي أن يكسب العالم بالتجارة لا بالحرب. من أجل ذلك ظلت مصر وقبرص طوال القرن الخامس خاضعتين لحكم الفرس، واحتفظت رودس بحريتها، ثم انضمت مدنها الثلاث وأصبحت مدينة واحدة عام ٤٠٨ فتهيأت بذلك إلى أن تكون في العهد الذي اصطبغ فيه في العالم المعروف بالصبغة اليونانية مركزاً من أغنى المراكز التجارية في حوض البحر الأبيض المتوسط. واحتفظت المدن اليونانية في آسية باستقلالها الذي ظفرت به في ميكالي عام ٤٧٩ حتى أضحت بعد تدمير الإمبراطورية الأثينية
стр. 2348
ضعيفة عاجزة عن مقاومة جباة الملك العظيم (١). وازدهرت المستعمرات اليونانية في تراقية وعلى شواطئ الهلسبنت والبروبنتس واليوكسين (٢) تحت السيطرة الأثينية، ولكن الحرب البلوبونيزية أكلت فيها الأخضر واليابس. وخرجت مقدونية تحت حكم أرخلوس Archelaus من غمار الهمجية وأضحت إحدى الدول الكبرى في العالم اليوناني. فأنشئت فيها الطرق الصالحة، وصار لها جيش حسن النظام والتدريب من رجال الجبال الأشداء، وبنيت لها عاصمة جديدة جميلة في بلا، ورحب بلاطها بكثيرين من عباقرة اليونان أمثال تموثيوس Timotheus، وزيوكسيز Zeuxis، ويوربديز، وضربت بلاد اليونان في الحلف البؤوني مثلاً طيباً لم تنتفع به لحياة الدول حرة مستقلة في ظلال السلم والتعاون الدولي.
وفي إيطاليا عانت المدن اليونانية أشد البلاء من جراء الحروب المتكررة ومن تفوق أثينة في مجال التجارة البحرية. وأرسل بركليز في عام ٤٤٣ جماعة من الهلينيين جمعهم من عدة دول لينشئوا بالقرب من سيبارس مستعمرة ثورياي Thurii الجديدة لتكون تجربة في سبيل الوحدة الهلينية الجامعة، ووضع بروتاغوراس قانوناً عاماً للمدينة، وخطط هبودامس المهندس المعماري شوارعها على نظام مربع حذت كثير من المدن الأخرى حذوه في القرون التالية. ولكن لم تمض على تلك التجربة إلا بضع سنين حتى انقسمت المستعمرات أحزاباً وشيعاً حسب أصولها، وحتى عاد معظم الأثينيين، وأكبر الظن أن هيرودوت كان منهم، إلى أثينة.
وظلت صقلية - وهي التي كانت دائماً مضطربة ولكنها كانت دائماً غنية -تنمو ثروتها وتزداد ثقافتها. وشادت سلينس وأقراغاس معابد ضخمة
стр. 2349
وبلغت أقراغاس في عهد ثيرون درجة من الغنى قال فيها أنبادوقليس: "ينغمس رجال أقراغاس في الترف كأنهم يموتون غداً، ولكنهم يؤثثون بيوتهم كأنهم يعيشون أبداً" (١). وترك جيلون الأول بعد موته في عام ٤٧٨ لسرقوصة نظاماً إدارياً لا يكاد يقل إحكاماً عن النظام الذي خلفه نابليون لأوربا الحديثة. وأضحت المدينة في عهد أخيه هيرون الأول الذي جلس على العرش من بعده مركزاً للأدب والعلم والفن فضلاً عن التجارة والثروة. وفيها أيضاً بلغ الترف غايته. فكانت المآدب السرقوصية مضرب المثل في البذخ، وكثرت "البنات الكورنثيات" في المدينة حتى كان الرجل الذي ينام في منزله يعد من القديسين؛ وكان الأهلون سريعي البديهة حداد الألسنة، يستمتعون بالخطب البليغة إلى حد أفسد عليهم أمورهم، ويتزاحمون في الملهى الفخم ذي الهواء الطلق ليستمعوا إلى مسالي إبكارمس ومآسي إسكلس (١).
وكان هيرون هذا ملكاً مستبداً غليظ القلب حسن القصد، قاسياً على أعدائه، مكرماً لأصدقائه. فتح بابه وخزائنه لسمونيديز، وبكليديز، وبندار، وإسكلس، واستعان بهم على جعل سرقوصة إلى وقت ما عاصمة اليونان العقلية.
لكن الناس لا يعيشون على الفن وحده؛ وكان السرقوصيون يتوقون إلى نعمة الحرية، فلما توفي هيرون خلعوا أخاه وأقاموا حكومة ديمقراطية مقيدة، وشجع هذا مدن الجزيرة الأخرى، فحذت حذو سرقوصة وطردت الطغاة الحاكمين، وقضت على الأشراف ملاّك الأراضي وأنشأت ديمقراطيات تجارية تقوم على نظام من الاسترقاق القاسي الشديد. وقضت الحرب بعد ستين
стр. 2350
سنة من ذلك الوقت على هذه الفترة من فترات الحرية كما قضت من قبل على فترة أخرى مماثلة لها على يد جيلون الأول. وفي عام ٤٠٩ غزا القرطاجيون صقلية بأسطول ضخم مؤلف من ألف وخمسمائة سفينة وعشرين ألف رجل بقيادة هنيبال حفيد هملكار؛ وذلك بعد أن ظلوا ثلاثة أجيال محتفظين بذكرى هزيمة هملكار في هيميرا Himera. وحاصر هنيبال سلينس وكانت قد جنحت إلى السلم بعد أن عمها الرخاء، وأهملت معاقلها فلم تصلح شأنها. فلما أن باغت العدو المدينة استغاثت بأقراغاس وسرقوصة؛ وتباطأ أهلها المنعمون في إغاثتها تباطؤ الإسبارطيين، حتى استولى العدو على سلينس، وذبح كل من بقي حياً من أهلها وقطع أوصالهم، وأصبحت المدينة جزءاً من الإمبراطورية القرطاجية. وواصل هنيبال زحفه على هيميرا، واستولى عليها دون عناء، وعذّب وقتل ثلاثة آلاف من أهلها، ليرضي بذلك شبح جده المهزوم. ثم فشا الطاعون بين جنوده فأهلك أكثرهم، ومات به هنيبال نفسه في أثناء حصار أقراغاس، غير أن القائد الذي خلفه سكّن غضب آلهة قرطاجة بأن حرق ابنه حياً زلفى لهذه الآلهة. واستولى القرطاجيون على المدينة، وعلى جيلا Gela وكمرينا Camarina وزحفوا على سرقوصة. وبوغت السرقوصيون وهو منهمكون في ولائمهم، فأسلموا زمام السلطة المطلقة لديونيشس أعظم قائد في بلدهم، ولكن ديونيشس عقد الصلح مع القرطاجيين وترك لهم القسم الجنوبي من صقلية بأجمعه واستخدم جنوده في إقامة الدكتاتورية ثانية (٤٠٥). ولم يكن ذلك كله غدراً منه وخيانة لبلاده، فقد كان يعرف أن المقاومة غير مجدية، فنزل للعدو عن كل شيء عدا مدينته وجيشه، واعتزم أن ينهض بالمدينة والجيش حتى يستطيع أن يفعل ما فعله جيلون من قبله فيطرد الغزاة من صقلية.