← История

История · id 35104

قصة الحضارة

ول ديورانت

Полный текст (15 136 стр.). Показаны 2416–2455 · переход к 2421.

стр. 2416

الفصل السّادس دمستين (دمستنيز) إن تمثال الخطيب العظيم القائم في متحف الفاتيكان ليعد من الروائع الفنية الواقعية التي أخرجها العصر الذي انتشرت فيه الحضارة اليونانية خارج بلاد اليونان الأصلية؛ فوجهه يبدو عليه الهم والقلق، كأن كل نصر أحرزه فليب قد أحدث غصناً جديداً في جبهته؛ والجسم نحيل منهوك، ومظهره مظهر الرجل الذي يوشك أن يدعو الناس للأخذ بيده للدفاع عن قضية يرى أنه قد خسرها. وتكشف العينان عن حياة قلقة، وتتنبئان بموت مدبر. وكان أبوه صانع سيوف وأسِرَّة، ترك له تجارة تبلغ قيمتها أربع عشرة وزنة (٠٠٠ ر ٨٤ ريال أمريكي). واختار الوالد ثلاثة من الرجال ليديروا هذه الأملاك لصالح الغلام، ولكنهم أنفقوها على أنفسهم بسخاء، اضطر معه دمستين حين بلغ سن العشرين (٣٦٣) أن يقاضي الأوصياء عليه لكي يستعيد ما بقي من ميراثه. وأنفق معظم ما آل إليه في تجهيز سفينة ذات ثلاثة صفوف من المجاديف وهبها للأسطول الأثيني، ثم أخذ يعمل لكسب عيشه بكتابة الخطب للمتقاضين؛ وكان أقدر على الكتابة منه على الكلام، لأنه كان ضعيف الجسم عيّ اللسان. ويقول عنه بلوتارخ إنه كان في بعض الأحيان يعد دفاعاً لكلا الطرفين المتنازعين. وكان يعمل في هذه الأثناء للتغلب على ما فيه من نقص طبيعي، فكان يخاطب البحر وفمه مملوء بالحصباء، أو يخطب وهو يصعد فوق الجبل. وكان مجداً في عمله لا يشغله عنه إلا السراري والغلمان. وقال أمين سره يشكو أمره: "ماذا عسى أن يفعل الإنسان بدمستين؟ إن الشيء الذي قضى عاماً

стр. 2417

كاملاً يفكر فيه لتربكه امرأة واحدة في ليلة واحدة" (٥٤). وأصبح الرجل بعد جهود مضنية دامت عدة سنين أغنى المحامين في أثينة، يعرف دقائق هذا الفن ويقنع المستمعين إلى خطبه، ولا يتقيد كثيراً بقواعد الأخلاق. وشاهد ذلك أنه دافع عن المصرفي فورميو طالباً تبرئته من تهم وجهها هو بعينها إلى الأوصياء عليه، وكان يتناول أجوراً عالية من الأفراد نظير تقديم بعض القوانين للجمعية والدفاع عنها، ولم يدفع عن نفسه التهمة التي وجهها إليه زميله هيبريديز وهي أنه كان يتلقى المال من ملك الفرس ليشعل نار الحرب على فليب (٥٥). وبلغت ثروته في ذروة مجده عشرة أضعاف ما خلفه له أبوه. لكنه رغم هذا بلغ من النزاهة درجة رضي معها بالتعذيب والموت في سبيل الآراء التي استؤجر للدفاع عنها. ذلك أنه أخذ يندد باعتماد أثينة على الجنود المرتزقة، وأصر على أن المواطنين الذين يتقاضون أجوراً من "الرصيد" المخصص لإعانة من يحضرون ألعاب الحفلات الدينية ويشاهدون المسرحيات، يجب أن يكسبوها بالخدمة في الجيش؛ وبلغ من شجاعته أن طالب بألا يؤدى هذا المال أجوراً لهؤلاء المواطنين، بل يجب أن ينفق في إعداد قوة حربية للدفاع عن الدولة أحسن من القوة التي لديها (١). وقال للأثينيين إنهم قوم كسالى منحلون فقدوا ما كان يتصف به آباؤهم من فضائل حربية، وأبى أن يصدق أن دولة المدينة قد وهنت قواها بالانقسامات الحزبية والحروب، وأن الوقت قد آن لتوحيد بلاد اليونان. وأنذر الأثينيين بأن هذه الوحدة ليست إلا أقوالاً تخفي ورائها خضوع

стр. 2418

بلاد اليونان جميعها لرجل واحد. ولقد تبين أطماع فليب من أعراضها الأولى وتوسل إلى الأثينيين أن يحاربوا للاحتفاظ بأحلافهم ومستعمراتهم في الشمال. وكان، إسكنيز وفوشيون وحزب السلم يعارضون دمستين وهيبريديز وحزب الحرب. وليس ببعيد أن كلتا الطائفتين كانت مرتشية الثانية من قبل الفرس والأولى من قبل فليب (٥٧)، وأن الاثنتين كانتا تعملان بإخلاص للوصول إلى أغراضها تدفعهما الحماسة التي أثارتها كلتاهما في قلوب أتباعها. وقد أجمع أهل ذلك العصر على أن فوشيون كان أشرف رجال السياسة في أيامه - كان رواقياً قبل أن يؤسس زينون الرواقية، وفيلسوفاً من خريجي مجمع أفلاطون العلمي، وخطيباً يحتقر الجمعية احتقاراً يستطيع القارئ أن يتبينه إذا ذكرنا له أنها حين صفقت له التفت إلى أحد أصدقائه وسأله: "ألم أرتكب خطأ في قولي من حيث لا أدري؟ " (٥٨) وقد اختير قائداً (Strategos) خمساً وأربعين مرة ففاق في هذا بركليز نفسه؛ وتولى مراراً كثيرة قيادة الجيش وأظهر في كل مرة كفاية عظيمة، ولكنه قضى معظم حياته يدعو إلى السلم. ولم يكن رفيقه إسكنيز رواقياً في معيشته، بل كان رجلاً ارتقى من الفقر المدقع إلى الثراء الواسع، اشتغل في صباه بالتدريس والتمثيل فأعانه ذلك على أن يكون خطيباً مصقعاً، وأول خطيب يوناني - على ما يقول المؤرخون - يرتجل الخطب ارتجالاً وينجح في ذلك أعظم نجاح (٥٩)، بينما كان منافسوه يعدون خطبهم ويكتبونها قبل إلقائها. واشترك مع فوشيون في عدة وقائع حربية، فأخذ عنه سياسة التراضي مع فليب بدل الاشتراك معه في الحرب؛ ولما أن كافأه فليب على جهوده استحال تحمسه للسلم ولاءً لها وإخلاصاً. واتهم دمستين إسكنيز مرتين بأنه يرتشي بالذهب من مقدونية، ولكنه في كلتا المرتين عجز عن إثبات التهمة. على أن فصاحة دمستين الحربية وتقدم فليب نحو الجنوب أقنعا الأثينيين آخر الأمر أن يمتنعوا وقتاً ما عن توزيع رصيد المناظر وأن يستخدموه في الاستعداد للحرب. ففي عام ٣٣٨ نظموا على عجل

стр. 2419

قوة زحفوا بها إلى الشمال لملاقاة فيالق فليب عند قيرونيا البؤتية. وأبت إسبارطة أن تقدم معونتها لأثينة، ولكن طيبة أحست بقبضة فليب تطبق على عنقها فأرسلت فرقتها المقدسة لتحارب إلى جانب الأثينيين، وقتل الثلاثمائة جندي الذين تتألف منهم هذه الفرقة في الميدان؛ وحارب الأثينيون بهذه الشجاعة نفسها أو بما يقرب منها، ولكنهم كانوا قد تباطأوا فوق الحد المباح، ولم يعدوا العدة لملاقاة جيش المقدونيين المسلح على أحدث طراز. فكانت النتيجة أن منوا بهزيمة شتتت شملهم ففروا أمام بحر الرماح الزاحفة عليهم وفر معهم دمستين. وكان الإسكندر بن فليب يبلغ وقتئذ الثامنة عشر من عمره، وكان يقود فرقة الفرسان المقدونية بشجاعة تبلغ درجة التهور أنالته شرف الانتصار في هذه المعركة الحامية الوطيس. وكان فليب كريماً في انتصاره كرماً تمليه عليه خطته السياسية التي رسمها. نعم إنه أعدم بعض زعماء طيبة المعادين للمقدونيين، وأقام في تلك المدينة حكومة ألجركية من أشياعه، ولكنه أطلق سراح الألفي أثيني الذين وقعوا أسرى في يديه، وأرسل الإسكندر الظريف وانتباتر Antipater العاقل الحكيم ليعرضا الصلح على أثينة على شريطة أن تعترف به قائداً عاماً لبلاد اليونان كلها ضد عدوها المشترك. وكانت أثينة تتوقع شروطاً أقسى من ذلك كثيراً، ولهذا فإنها لم تقبل هذا الشرط فحسب، بل أصدرت فوق ذلك قرارات تكيل فيها الثناء لهذا الأجممنون الجديد. وعقد فليب في كورنثة جمعية (سندريون Sunderion) من الدول اليونانية، وألف منها جميعاً (عدا إسبارطة) حلفاً على نظام الحلف البؤوتي، ورسم الخطوط الرئيسية لخططه التي تهدف إلى تحرير آسية. واختير بالإجماع قائداً عاماً لهذه المغامرة الكبرى، وتعهدت كل دولة أن تمده بالرجال والسلاح، ووعدته ألا يحارب يوناني من أي بلد كان في صفوف أعدائه. وكانت هذه التضحيات كفارة رخيصة للعداء الذي أظهرته هذه المدن من قبل.

стр. 2420

ولم تقف النتائج التي تمخضت عنها قيرونيا عند حد. فقد تحققت بها الوحدة التي عجزت عن تحقيقها بلاد اليونان من قبل، وإن كانت لم تتحقق إلا على ظبا سيف رجل يكاد أن يكون أجنبياً عنها. وكانت الحرب البلوبونيزية قد أثبتت عجز أثينة عن تنظيم هلاس، وأثبتت الحوادث التي أعقبت هذه الحرب عجز إسبارطة عن هذا التنظيم، وعجزت طيبة عن بسط سيادتها على البلاد، وأنهكت حرب الجيوش والطبقات قوى دول المدائن، وتركتها ضعيفة عاجزة عن الدفاع عن نفسها. لهذا كان من حسن حظها أن تجد لها في هذه الظروف فاتحاً معقولاً يعرض عليها أن ينسحب من ميدان النصر ويترك للمغلوبين قسطاً كبيراً من الحرية. والحق أن فليب ومن بعده الإسكندر كانا يحيطان استقلال الدول المتحالفة بحمايتهما ورقابتهما، حتى لا تضم إحدى هذه الدول غيرها إليها فيكون لها من القوة ما تستطيع به أن تحل بينها محل مقدونية. بيد أن فليب قد سلبها نوعاً غالياً من الحرية - ونعني به حق الثورة. فقد كان محافظاً صريحاً، يرى أن استقرار الملكية حافز لا غنى عنه للإقدام والنشاط، ودعامة لا بد منها للحكم. ومن أجل هذا حمل المجمع المقدس في كورنثة على أن يضع بين مواد الحلف عهداً يقطعه المتحالفون على ألا يُدخلوا في الدستور تغييراً ما، وألا يبدلوا النظم الاجتماعية بحال من الأحوال، وألا يتورطوا في الانتقامات السياسية. وكان في كل ولاية يؤيد بنفوذه المدافعين عن الملكية، وقضى قضاءً تاماً على الضرائب الفادحة التي تبلغ درجة مصادرة الأملاك. وكان قد أحكم وضع خططه كلها إلا ما يختص منها بزوجته أولمبياس Olympias، ولهذا فإن الذي قرر مصيره آخر الأمر لم يكن هو انتصاره في ميدان القتال، بل كان عجزه عن الانتصار على زوجته. ولم يكن يرهب منها أخلاقها وحِدَّة طباعها فحسب، بل كان يرهب فوق ذلك اشتراكها في الطقوس الديونيشية الهمجية. وقد وجد في ذات ليلة أفعى إلى جانبها في

стр. 2421

السرير، فارتاع ولم يذهب عنه روعه حتى بعد أن قيل له إن الأفعى إله من الآلهة. وأسوأ من هذا أن أولمبياس أخبرته ذات مرة أنه لم يكن والد الإسكندر الحقيقي، بل إن صاعقة قد انقضت عليها ليلة زفافها، وأشعلت فيها النار، وأن الإله العظيم زيوس - أمون هو الذي حملت منه بالأمير المقدام. ونفّرت هذه المنافسات المختلفة فليب منها فولى وجهه شطر غيرها من النساء، وشرعت أولمبياس تثأر لنفسها منه فأخبرت الإسكندر بسر أبوته الإلهية (٦٠). وزاد الطين بلّة أن قائداً من قواد فليب يدعى أتلس Atallus طلب أن يشرب نخب ولد فليب المرتقب من زوجة أخرى وقال إنه الوارث "الشرعي" (أي المقدوني لحماً ودماً) لعرش البلاد. فما كان من الإسكندر إلا أن ضربه بالكأس في رأسه وصاح قائلاً: "وهل أنا إذن ابن زنى؟ ". واستل فليب سيفه يريد أن يقتل به ولده ولكنه كان ثملاً لا يستطيع الوقوف. فضحك منه الإسكندر وقال: "هاهو ذا رجل يستعد للانتقال من أوربا إلى آسية وهو لا يستطيع أن يخطو آمناً من مقعد إلى مقعد". وبعد بضعة أشهر من ذلك طلب ضابط من ضباط فليب يدعى بوسينياس أن يأخذ له الملك بحقه من أتلس لإهانة لحقت به منه، فلما لم يجبه الملك إلى طلبه اغتاله (٣٣٦). وكان الإسكندر محبوباً من الجيش حباً يقرب من العبادة، وكانت أولمبياس تؤيده (١) فاستولى على أزمة الملك، وتغلب على كل ما لقيه من مقاومة، وأخذ يعد العدة لفتح العالم.

стр. 2422

الباب العشرون الآداب والفنون في القرن الرابع الفصل الأول الخطباء كانت الآداب في أثناء هذا الاضطراب كله ينعكس عليها ما انتاب بلاد اليونان من اضمحلال في الأخلاق وضعف في صفات الرجولة. فلم يكن الشعر كما كان من قبل تعبيراً عاطفياً إبداعياً يبتكره الأفراد، بل أصبح تدريباً ظريفاً وثمرة من نتاج العقول في الندوات، وصدى للواجبات والتمارين المدرسية. نعم إن تموثيوس الملطي كتب ملحمة شعرية، ولكنها لم تكن توائم عصر الجدل والنقاش، وظلت بعيدة عن الشعب بُعد موسيقاه في عهدها الباكر؛ وظلت المسرحيات تُمثل ولكن تمثيلها كان أضعف وأضيق نطاقاً من ذي قبل. ذلك إن إقفار خزانة الدولة من المال وضعف الروح الوطنية عند الأثرياء من الأفراد قللا من أقدار الممثلين وأفقداهم ما كان لهم من شأن في ماضي الأيام. واكتفى كُتاب المسرحيات شيئاً فشيئاً بالمقطوعات الموسيقية التي تعزف بين الفصول ولا صلة لها بالمسرحية بدل الأغاني التي تكون جزءاً منها، واختفى اسم رئيس فرقة المرتلين فلم يعد مما يهتم به النظارة، ثم اختفى بعدئذ اسم الشاعر نفسه، ولم يبقَ إلا اسم الممثل. وبَعُدت المسرحية بالتدريج عن القصيدة وأضحت شيئاً فشيئاً عرضاً للحوادث التاريخية، وأصبح العصر كله عصر كبار الممثلين وصغار الكتاب المسرحيين. ذلك أن المأساة اليونانية قد قامت على الدين والأساطير،

стр. 2423

وكانت تتطلب شيئاً من التقى والإيمان عند المستمعين، ومن أجل هذا كان لا بد أن يضمحل شأنها حين أوشكت شمس الآلهة على الأفول. وازدهرت المسلاة في الوقت الذي اضمحلت فيه المأساة، وانتقل إليها بعض ما كان يتصف به مسرح يوربديز من براعة، وظرف، ومادة طيبة؛ وفقدت هذه المسلاة الوسطى (٤٠٠ - ٣٢٣) حبها للهجاء السياسي وتشجيعها له، وقت أن كانت السياسة تتطلب "الصديق الصريح"؛ وليس ببعيد أن يكون هذا الهجاء قد حُرِّم أو أن النظارة قد سئموا السياسة بعد أن أصبح حكام أثينة رجالاً من الطراز الثاني. وكان اعتزال الرجل اليوناني بوجه عام الحياة العامة إلى الحياة الخاصة في القرن الرابع سبباً في توجيه اهتمامه إلى شئون منزله وقلبه وإغفاله شئون الدولة. وظهرت في ذلك الوقت المسلاة الأخلاقية، وأخذ الحب يسيطر على مناظرها؛ ولم يكن يسيطر عليها دائماً عن طريق الفضيلة، بل كانت العاهرات يظهرن على خشبة المسرح مع بائعات السمك، والطهاة والفلاسفة الحيارى. وإن كان زواج الممثل والكاتب ينقذ شرفهما في آخر التمثيل. خلت هذه المسرحيات من فحش أرسطوفان ومجونه اللذين كانا سبباً في خشونة المسرحيات وخلوها من الصقل الجميل، ولكنها خلت أيضاً من حيويته وخصب خياله. ولدينا أسماء تسعة وثلاثين شاعراً من كُتاب المسلاة الوسطى، وإن لم يكن لدينا شيء من مسرحياتهم، ولكنا نستطيع أن نحكم من القطع الباقية لدينا أنهم لم يكتبوا شيئاً جديراً بالخلود. وقد كتب ألكسيس الثوريائي (of Thurii) ٢٤٥ مسرحية، وكتب أنتفانيز Antiphanes ٢٦٠. لقد ذاع صيتهم في زمانهم فلما انقضى ذلك العهد أفل نجمهم. أما الخطباء فكان هذا زمانهم. ذلك أن نهضة الصناعة والتجارة قد حولت عقول الناس إلى الحياة الواقعية والعملية؛ وأخذت المدارس التي كانت قبل تعلم أشعار هومر تدرب تلاميذها الآن على أساليب البلاغة. ولقد كان

стр. 2424

إسيوس Isaeus، وليقورغ، وهيبريديز، ودمديز Demades، وديناركس Deinarchus، وإسكنيز، ودمستين كلهم خطباء سياسيين، يتزعمون أحزاباً سياسية، ويسيطرون ببلاغتهم على عقول الجماهير، وظهر رجال في سراقوصة في الفترات التي ساد فيها الحكم الدمقراطي، أم الدول الدمقراطية فلم تكن تطيقهم؛ وكانت لغة الخطباء الأثينيين تمتاز بالوضوح والقوة، والبعد عن المحسنات اللفظية وكانت تسمو بين الفينة والفينة إلى مراقي الوطنية النبيلة، وتسف إلى المهاترات المنحطة والشتائم القذرة التي لا يُسمح بها حتى في المنازعات الحديثة. وكان ما تتصف به الجمعية الأثينية والمحاكم الشعبية من عدم التجانس في أعضائها سبباً في انحطاط فن الخطابة اليونانية، وحافزاً لها في الوقت عينه. وانتقل هذا الأثر بنوعيه عن طريق الخطابة إلى الأدب اليوناني بوجه عام، فقد كان سرور المواطن الأثيني من سماع الشتائم في خطب الخطباء لا يكاد يقل عن سروره من مشاهدة مباراة لنيل جائزة، وإذا عُرف أن مبارزة لفظية ستقوم بين محاربين بالألفاظ مثل إسكنيز، ودمستين أقبل الناس لسماعهما من القرى النائية والدول الأجنبية؛ وكان أكثر ما يستثيره الخطباء هو غريزة الكبرياء والهوى. وقد عَرَّفَ أفلاطون البلاغة، وكان يكره الخطابة ويصفها بأنها السم القاتل للدمقراطية، عرفها بأنها فن حكم الناس باستثارة مشاعرهم وعواطفهم. وحتى دمستين نفسه، رغم حيويته وقوة أعصابه، وسموه في كثير من الأحيان إلى فقرات تفيض بالحماسة الوطنية، ورغم هجومه الشديد على الأشخاص هجوماً أخذ يضعف على مر الزمان، ومهارته في تعاقب القصص والجدل في خطبه تعاقباً يريح الأذن ويطرد السآمة، وما في لغته من انسجام وتوازن كان يُعنى بهما كل العناية، ورغم تدفقه في خطبه كالسيل الجارف، نقول إن دمستين نفسه رغم هذا كله يبدو لنا أقل قليلاً من الخطيب العظيم. وكان يرى أن التمثيل هو سر العظمة الخطابية، وبلغ من إيمانه بهذا المبدأ أن كان يعيد خطبه مراراً في كثير من الأناة،

стр. 2425

ويتلوها على نفسه أمام مرآة. واحتفر لنفسه كهفاً كان يعيش فيه عدة أشهر، لا يكاد يعلم به أحد وكان في هذه الفترات يحلق نصف وجهه ويبقي على النصف الأخر حتى لا تحدثه نفسه بالخروج من مأواه (١). وكان إذا وقف على منصة الخطابة اتجه بوجهه نحو تمثاله، ودار يمنة ويسرة، ووضع يده على جبهته كأنه يفكر، ورفع صوته في أغلب الأحيان إلى حد الصراخ (٢). ويقول بلوتارخ إن هذا كله "كان يسر العامة كل السرور، أما المتعلمون أمثال دمتريوس الفاليري (Demetrius of Phalerum) فكانوا يظنون هذا عملاً حقيراً، مهيناً، لا يتفق مع الرجولة الحقة". وإنا لَنُسَرّ من حركات دمستين المسرحية، ونعجب بتقديره لنفسه واعتزازه بها، وتحيرنا استطراداته وتُرَوّعنا بذائته. وليس في خطبه إلا القليل من الفكاهة والقليل من الفلسفة. ولولا حماسته الوطنية، وما يبدو من إخلاص في دعوته الحارة اليائسة إلى الحرية، لما كان له شأن كبير. وبلغت الخطابة اليونانية أرقى درجاتها في عام ٣٣٠. وكان تسفون Ctesiphon قبل ذلك العام بست سنين قد اقترح على المجلس مبدئياً أن يهدي دمستين تاجاً أو إكليلاً من الزهر اعترافاً منه بحسن سياسته، وبما قدمه للدولة من منح مالية كثيرة. ووافق المجلس على هذا الاقتراح وأراد إسكنيز أن يحول بين منافسه وبين هذا الشرف العظيم فاتهم تسفون بأنه عرض على المجلس اقتراحاً غير دستوري (وهو اتهام صحيح من الناحية الشكلية) وأجلت القضية المرة بعد المرة، ثم عُرضت أخيراً على هيئة القضاء المؤلفة من خمسمائة من المواطنين. وكانت هذه بطبيعة الحال قضية من أشهر القضايا شهدها كل من استطاع الحضور إلى أثينة مهما بعد موطنه؛ ذلك بأن أعظم خطباء أثينة في ذلك الوقت كان في واقع الأمر يدافع فيها عن سمعته وعن حياته السياسية. ولم يُضِع إسكنيز في مهاجمة تسفوت إلا قليلاً من الوقت ولكنه وجه هجومه إلى أخلاق دمستين

стр. 2426

وسيرته، ورد عليه دمستين بخطبة من نوع خطبته هي خطبته الشهيرة المعروفة باسم "في سبيل التاج". ولا نزال نحس في كل سطر من أسطر الخطبتين بما كان يضطرم في صدر صاحبيهما من اهتياج شديد، وحقد في قلب عدوين التقيا وجهاً لوجه في ميدان القتال. وكان دمستين يعرف أن الهجوم أفضل من الدفاع، فقال إن فليب قد اختار بوقاً له في أثينة أحط خطبائها وأشدهم فساداً، ثم أخذ يرسم صورة لحياة إسكنيز يتجلى فيها الحقد بأوضح معانيه فقال: لابد لي أن أدلكم على حقيقة هذا الرجل الذي يطلق لسانه بالشتائم المقذعة … وإلى أي الآباء ينتسب. الفضيلة أيها الوغد الخائن! … ما شأنك أنت أو أسرتك بالفضيلة؟ … وبأي حق تتحدث عن التربية والتعليم؟ … هل أقص على الناس كيف كان أبوك عبداً يدير مدرسة أولية قرب هيكل ثسيوس. وكيف كان مصفداً بالحديد في ساقه، وكيف كان حول عنقه طوق من الخشب، وكيف كانت أمك تقيم حفلات الزواج في مرافق بيت في وضح النهار؟ … لقد كانت تساعد أباك في كدحه في مدرسة صغيرة، تطحن له الخبز، وتنظف المقاعد بالأسفنج، وتكنس الحجرة، وتقوم بعمل الخادم … ثم سجلت اسمك في سجل أبرشيتك - وليس في مقدور أحد أن يعرف كيف استطعت أن تفعل ذلك، ولكن ما علينا من هذا - لقد اخترت لنفسك مهنة خليقة بأشرف الرجال المهذبين فكنت كاتباً وموصل رسائل لصغار الموظفين. وبعد أن ارتكبت جميع الجرائم التي تعير بها غيرك من الناس، أعفيت من هذا العمل … والتحقت بخدمة الممثلَين الشهيرَين سميلس Simylus وسقراط المشهورين باسم "المدمدمين". ومثلت أدواراً صغيرة تحت إشرافهم، فكنت تلتقط التين والعنب والزيتون وتعيش على هذه القذائف خيراً مما تعيش من جميع الوقائع التي كنت تخوضها للنجاة من الموت. إن الحرب التي كانت قائمة بينك وبين النظارة لم تكن فيها هدنة أو وقف للقتال …

стр. 2427

وازن إذن يا إسكنيز بين حياتك وحياتي. لقد كنت تعلم مبادئ القراءة وكنت أنا طالباً في المدرسة؛ وكنت أنت راقصاً وكنت أنا رئيس الممثلين … وكنت كاتباً عمومياً، وكنت أنا خطيباً عاماً. وكنت ممثلاً من الدرجة الثالثة وكنت أنا ممن يشهدون التمثيل. وأخفقت أنت في تمثيل دورك وسخرت أنا منك بالصفير (٣). وكانت هذه خطبة عنيفة؛ ولم تكن أنموذجاً للترتيب والأدب ولكنها كانت فصيحة اللفظ شديدة الانفعال إلى حد حملت القضاة على أن يبرئوا تسفون بأغلبية خمسة أصوات ضد صوت واحد. وفي العام التالي منحت الجمعية دمستين التاج المتنازع. ولما عجز إسكنيز عن أداء الغرامة التي تُفرض حتماً على مَن يعجز عن إثبات جريمة يتهم بها أحد المواطنين، فر إلى رودس، حيث أخذ يكسب الكفاف من العيش بتعليم البلاغة. وتقول إحدى الروايات إن دمستين كان يرسل إليه المال ليخفف عنه آلام الفاقة.

стр. 2428

الفصل الثاني إسقراط وكانت هذه المبارزة في الخطابة من الموضوعات التي يمجدها ويعنى بدراستها كل جيل من الأجيال اللاحقة، ولكنها في واقع الأمر تمثل الدرك الأسفل من الانحطاط الذي هوت إليه السياسة الأثينية. ولسنا نرى شيئاً من النبل أو الكرامة في هذا التنابذ بالشتائم، وهذا الكفاح الحقير لنيل الثناء من الجماهير، بين رجلين كان كلاهما يتلقى الذهب الأجنبي في الخفاء. أما إسقراط فكان أكثر منهما جاذبية إلى حد ما وينتقل فيه إلى القرن الرابع بعض عظمة القرن الخامس. ولد إسقراط في عام ٤٣٦، وعاش حتى عام ٣٣٨، ومات حين ماتت الحرية اليونانية. وكان أبوه قد جمع ثروة كبيرة بصنع آلات الناي الموسيقية، وأتاح لابنه جميع الفرص التعليمية، ولم يبخل عليه بإرساله لدراسة البلاغة على غورغياس في تساليا. وقضت حرب البلوبونيز وخطة ألقبيادس على صناعة الناي وذهبتا بثروة الأسرة؛ فاضطر إسقراط إلى كسب قوته بعرق قلمه. فبدأ بكتابة الخطب لغيره، وفكر في أن يكون هو خطيباً، ولكنه كان خجولاً، ضعيف الصوت، شديد البغض لسفالة الحياة السياسية؛ وكان يمقت أشد المقت الزعماء المهرجين الذين سيطروا على الجمعية، وانزوى وقتاً ما في حياة التعليم الهادئة. فافتتح في عام ٣٩١ أعظم مدارس البلاغة نجاحاً في أثينة، وهرع الطلاب إليها من جميع أنحاء العالم اليوناني؛ ولعل اختلاف أصولهم ونظراتهم إلى الحياة قد ساعد على تكوين فلسفته الهلينية الجامعة. وكان يظن أن مَن عداه من المدرسين يسيرون كلهم في غير الطريق السوي. وقد ندد في نشرة له ضد السوفسطائيين بالذين يرفعون كل أخرق مأفون إلى فيلسوف نظير دريهمات

стр. 2429

معدودة، والذين يرجون، كما يرجو أفلاطون، أن يعدوا الناس لتولي الحكم بتدريبهم في علوم الطبيعة وما وراء الطبيعة. أما هو فكان يقر بأنه لا يستطيع أن يحصل من الطالب على نتائج طيبة إلا إذا كان هذا الطالب ذا موهبة طبيعية. ولم يكن في وسعه أن يدرس العلوم الطبيعية أو ما وراء الطبيعة لأنها، كما يقول، بحوث لا يرجى منها خير، في أمور غامضة لا يمكن الكشف عن خفاياها. ولكنه رغم هذا كان يطلق اسم الفلسفة على ما يعلمه في مدرسته. وكان منهاج الدراسة يدور حول فني الكتابة والكلام، ولكنه كان يدرّسهما من حيث صلتهما بالأدب والسياسة (٥). وكان يدرس للطلاب منهجاً ثقافياً، على حد تعبير هذه الأيام، يخالف المنهج الرياضي الذي كان يدرس في مجمع أفلاطون العلمي. وكان الهدف الذي يريد الوصول إليه هو فن الخطابة، وقد كان هذا الفن في ذلك الوقت وسيلة التقدم في الحياة العامة، لأن الجدل هو الذي كان وقتئذ يحكم الدولة الأثينية. ومن أجل ذلك كان إسقراط يعلم تلاميذه طريقة استعمال الألفاظ، كيف يضعونها في أوضح ترتيب، وفي تتابع منسجم ولكنه غير موزون، وفي عبارات مصقولة ولكنها غير مزخرفة، وكيف ينتقل بالأصوات والأفكار انتقالاً هادئاً سلساً (١)، وكيف تكون الجمل متزنة والوقفات كثيرة. وكان من رأيه أن هذا النثر يسر الأذن المهذبة بقدر ما يسرها الشعر. تخرج في هذه المدرسة كثيرون من الزعماء في عصر ديمستين: تموثيوس القائد، وإفورس وثيوبومس المؤرخان، وإسيوس، وليقورغ، وهبيريديز، وإسكنيز الخطباء، وإسيبوس خليفة أفلاطون، وأرسطاطاليس نفسه في رأي بعضهم (٦).

стр. 2430

ولم يكن إسقراط يقنع بتكوين عظماء الرجال، بل كان يرغب في أن تكون له يد في تصريف شئون عصره. وإذا كان عاجزاً عن أن يكون خطيباً أو سياسياً فقد أخذ يؤلف النشرات. فكان يوجه خطباً طويلة لجمهور الأثينيين، وللزعماء أمثال فليب، أو لليونان المحتشدين في ساحات الألعاب اليونانية الجامعة؛ ولم يكن يلقي هذه الخطب، بل كان ينشرها، فابتدع بذلك على غير علم منه المقالة بوصفها فناً من فنون الأدب. وقد بقيت لنا تسع وعشرون من خطبه تعد من أكثر ما بقي من الأدب القديم إمتاعاً. وكانت خطبته الأولى العظيمة المعروفة باسم الجمعية العامة أو البانيجركس Panegyricus (١) مفتاح تفكيره كله والهدف الذي كان يبتغيه معلمه القديم غورغياس، وهو دعوة بلاد اليونان إلى نسيان سيادتها الصغيرة والاندماج في دولة واحدة. وكان إسقراط أثينياً فخوراً بموطنه - "لقد فاقت مدينتنا سائر بلاد العالم في أفكارها وخطبها حتى أصبح تلاميذها معلمي الدنيا بأجمعها"، لكنه كان يفخر بيونانيته أكثر من فخره بأثينيته؛ ولم يكن معنى الهلينستية عنده (٢)، كما لم يكن معناها عند رجال العصر الهلينستي، هو الانتساب إلى جنس بعينه، بل كان معناه الاشتراك في ثقافة بعينها؛ وكان يشعر بأن هذه الثقافة هي أرقى ثقافة ابتدعها الإنسان في أي بلد من بلاد العالم (٧)؛ وكان "البرابرة" يحيطون بهذه الثقافة من جميع الجهات - في إيطاليا، وصقلية، وإفريقية، وآسية، والبلاد المعروفة لنا الآن باسم بلاد البلقان. وكان يحزنه ويقض مضجعه أن يرى هؤلاء البرابرة يزيدون كل يوم قوة، وأن يرى بلاد الفرس تقوى سيطرتها على أيونية، على حين أن الدول اليونانية كانت تقضي على نفسها بحروبها الداخلية.

стр. 2431

"ما أكثر الشرور التي تلازم الطبيعة البشرية؛ ولكننا نحن قد اخترعنا من أكثر الشرور التي تفرضها علينا الطبيعة، بإثارة الحروب والانقسامات الداخلية … ولم يقم أحد قط بمقاومة هذه الشرور، والناس لا يستحيون أن يبكوا من الكوارث التي اصطنعها الشعراء، على حين أنهم ينظرون بعين الرضا إلى ما تؤدي إليه الحرب القائمة بيننا من آلام حقة، وكوارث لا حصر لها. وهم لا يشفقون منها، بل إنهم ليبتهجون مما يصيب غيرهم من الأحزان أكثر من ابتهاجهم بما ينالون من النعم" (٨). وكان يقول إنه إذا كان لا بد لليونان أن يقاتلوا فلم لا يقاتلون عدواً حقيقياً؟ لم لا يطردون الفرس إلى هضابهم؟ ويتنبأ بأن شرذمة قليلة من اليونان تستطيع أن تهزم جيشاً كبيراً من الفرس (٩). وقد توحد حرب مقدسة من هذا النوع بلاد اليونان في آخر الأمر، ولم يكن أمام اليونان إلا واحدة من اثنتين فإما وحدة اليونان وإما انتصار البرابرة ولا ثالثة لهما. واعتزم إسقراط أن يحقق نظريته هذه عملياً، فأخذ يطوف ببحر إيجة بعد عامين من نشر هذه الدعوة (٣٧٨) وبصحبته تلميذه السابق تموثيوس، وساعد على وضع شروط الحلف الأثيني الثاني. وكان ما تعاقب على هذه الأمل الجديد في الوحدة من قوة تارة وخيبة تارة أخرى من أشد الآلام الكثيرة التي مني بها في حياته الطويلة. فأخذ يقرع أثينة في نشرته القوية الجريئة "في السلم" لأنها أفسدت الحلف مرة أخرى فحولته إلى إمبراطورية، وأهاب بها أن توقع صلحاً يؤمن كل دولة يونانية من أن تعتدي عليها أثينة مرة أخرى: "إن ما تسميه إمبراطورية لهو في الحقيقة كارثة، لأنها بطبيعة تكوينها تفسد كل من له صلة بها" (١٠). ومن أقواله أن الاستعمار قد قضى على الدمقراطية لأنه علم الأثينيين أن يعيشوا على الجزية الأجنبية؛ فلما خسروا هذه الجزية أرادوا أن يعيشوا على

стр. 2432

الإعانات التي تقدمها لهم الدولة، ورفعوا إلى أعلى المناصب مَن وعدوهم بأكبر معونة: "إنكم حين تتناقشون في أعمال الدولة ترتابون في أصحاب الذكاء الفائق ولا تحبونهم؛ وترفعون بدلاً منهم أخطر من يتقدم إليكم من الخطباء … إنكم تفضلون السكارى عمن لا يتعاطون الخمر، ومن لا عقل لهم عن الحكماء، ومن يبددون أموال الدولة عمن يؤدون الخدمات العامة وينفقون عليها من مالهم الخاص" (١١). وكان أخف من هذا وطأة على الدمقراطية في خطابه الثاني المسمى الأريوبجستس. ويقول في إحدى فقراته التي تصدق على كل زمان: "إنا لنجتمع في حوانيتنا ندد بالنظام الحاضر، ولكننا نرى أن الدمقراطيات الفاسدة النظام نفسها تسبب من الكوارث أقل مما تسببه الألجركية" (١٢). ويتساءل، ألم تكن سيادة إسبارطة على بلاد اليونان أسوأ من سيادة أثينة؟ "ألم نصبح نحن جميعاً بفضل جنون "الثلاثين" أشد تحمساً للدمقراطية من الذين احتلوا فيلي (١)؟ " (١٣) ولكن أثينة قد قضت على نفسها بتجاوز الحد في الأخذ بمبدأ الحرية والمساواة، و"بتدريب المواطنين تدريباً يجعلهم يعدون الوقاحة دمقراطية، والخروج على القانون حرية، والسفاهة في القول مساواة، وقدرتهم على أن يفعلوا كل ما يشاءون سعادة" (١٤). "ليس الناس كلهم أكفاء، ويجب ألا يكونوا كلهم أكفاء، في تولي المناصب العامة". وكان يشعر أن نظام القرعة قد نزل بمستوى الحكم الأثيني إلى الدرك الأسفل، وأدى إلى أوخم العواقب. ويقول إن خيراً من "حكم الغوغاء" هذا "حكم الملاك" الذي كان يدعو إليه صولون وكليسثنيز لأن الجهل المحبب للناس، والفصاحة التي تبتاع بالمال، تقل أمامهما فرص

стр. 2433

الارتقاء إلى مراتب الزعامة؛ ولأن القادرين من الناس يرقون رقياً طبيعياً إلى أعلى المناصب، فإذا تلقفهم الأريوبجس بعد فترة توليهم مناصبهم، أصبحوا من تلقاء أنفسهم عقل الدولة الناضج. ولما عقدت أثينة الصلح مع فليب في عام ٣٤٦، وكان إسقراط وقتئذ في سن التسعين، وجه إلى الملك المقدوني خطاباً مفتوحاً. وقد هداه تفكيره إلى أن فليب سيفرض سيادته على بلاد اليونان فتوسل إليه ألا يستخدم سلطانه كما يستخدم المستبدون سلطانهم، بل يستعين به على جمع شمل اليونان المستقلين وتوجيههم إلى حرب يحررون بها بلادهم من "صلح الملك"، وتحرير أيونيا من حكم الفرس، وأخذ حزب الحرب يطعن في هذا الخطاب ويصفه بأنه استسلام للطغيان، وظل إسقراط سبع سنين ممسكاً بقلمه يرد به على هذه التهمة. ثم كتب خطبة أخرى في عام ٣٣٩ موجهاً الخطاب إلى اليونان الذين اجتمعوا لمشاهدة الألعاب الأثينية الجامعة. وكانت "الخطبة الأثينية الجامعة (البان أثنيكس Panathenaicus) " تكراراً ضعيفاً مسهباً لخطبة الجمعية العامة. فنحن نحس أسلوبها يرتجف في يد الشيخ الطاعن في السن، ولكنها مع ذلك عمل عجيب من رجل لا تنقص سنه عن قرن كامل إلا ثلاث سنين. وفي عام ٣٣٨ دارت معركة قيرونية وهزمت فيها أثينة، ولكن ما كان يحلم به إسقراط من وحدة بلاد اليونان أوشك أن يتحقق. وتقول إحدى الروايات اليونانية التي ذاعت بعدئذ إنه لما بلغه الخبر لم يفكر في فليب أو في الوحدة، بل كان تفكيره كله في مدينته التي ذُلت، وفي أيام مجدها التي ولت؛ وإنه بعد أن بلغ ثمانية وتسعين عاماً وبلغ من العمر كفايته أمات نفسه جوعاً (١٥). ولسنا نعرف هل هذه القصة صادقة أو كاذبة، ولكن أرسطاطاليس يحدثنا بأن إسقراط مات قبل أن تمضي على قيرونية خمسة أيام.

стр. 2434

الفصل الثالث أكسانوفون إذا كان أثر "الشيخ الفصيح" في ساسة عصره قابلاً للشك، فإن أثره في الأدب كان أثراً عاجلاً وخالداً (١). وكان المؤرخون أول مَن أحسوا بهم، فلقد قلده أكسانوفون وغيره من المؤرخين في الصورة التي رسمها لإفجروس Evagoras (٢) ؛ وأصبحت السير من بعده فناً شائعاً من فنون الأدب اليوناني، بلغت غايتها في روائع بلوتارخ الثرثارة. وقد عهد إسقراط إلى تلميذ من تلاميذه يدعى إفورس Ephorus أن يضع تاريخاً عاماً لبلاد اليونان - لا يؤرخ حوادث دولة واحدة من دوله بل يؤرخ لبلاد اليونان بوجه عام. وقام إفورس بما عهد إليه خير قيام وأجاده إجادة حملت معاصريه على أن يضعوا كتابه "التاريخ العام" في مستوى كتاب هيرودوت. وخص إسقراط تلميذاً آخر هو ثيوبمبس الطشيوزي بتأريخ الحوادث القريبة العهد، فصدع ثيوبمبس بالأمر ووصف هذه الحوادث في كتابيه الهلينيكا والفلبيكا وهما مؤلفان رائعان يمتازان بحيويتهما وعباراتهما اللاذعة، وحازا إعجاب معاصريه. وكتب دسياركس Dicaearchus المسانى (of Messana) حوالي عام ٣٤٠ تاريخاً للحضارة اليونانية عنوانه حياة اليونان (Bios Hellados) . ألا ما أقدم هذه المغامرة التي أقدمنا نحن عليها، وما أعظم الشبه بين ذلك العمل القديم وعملنا هذا الذي يتفق معه حتى في الاسم. ولم يخلد من مؤرخي القرن الرابع أحد غير أكسانوفون. ويصفه ديوجانس ليرتيوس في شبابه بقوله:

стр. 2435

كان أكسانوفون رجلاً شديد التواضع، وسيماً كأعظم ما يتصور الإنسان الوسامة؛ ويقال إن سقراط التقى به في حارة ضيقة فسد عليه مدخلها بعصاه، ومنعه أن يخرج منها، وأخذ يسأله عن الأماكن التي تباع فيها كثير من ضرورات الحياة. فلما أجابه أكسانوفون عن أسئلته سأله من جديد أين يصنع الرجال الطيبون الأفاضل؟ ولما عجز أكسانوفون عن الإجابة قال له سقراط: "اتبعني إذن وتعلم مني" وأصبح أكسانوفون من ذلك الوقت أحد أتباع سقراط (١٧). وكان أشد تلاميذه ميلاً إلى الفلسفة العملية، وكان يعجبه في سقراط قوة حيلته الجذابة ويرى أنه قديس فيلسوف. ولكنه كان يُعجب بالعمل كما يُعجب بالتفكير، ولذلك صار جندياً مغامراً على حين أن غيره من رجال العلم كانوا كما يقول فيهم أرسطوفان مستهزئاً "يقيسون الهواء" (١٨). وخدم وهو في سن الثلاثين أو ما يقرب منها في جيش قورش الأصغر وحارب في كونكسا وقاد العشرة آلاف إلى النجاة. وفي بيزنطية انضم إلى الإسبارطيين في حربهم ضد الفرس وأسَر ميديَّاً غنياً، وقبلَ مبلغاً كبيراً من المال فدية له، وعاش من هذا المال بقية أيام حياته، وأصبح بعد تلك الحرب صديقاً لأجسلوس ملك إسبارطة، وأعجب به، وترجم له ترجمة تدل على هذا الإعجاب، وعاد إلى بلاد اليونان مع أجسلوس بعد أن أعلنت أثينة الحرب على إسبارطة، وآثر الولاء له على الولاء لمدينته؛ فلم يكن من أثينة إلا أن أعلنت نفيه وصادرت أملاكه؛ وحارب في صفوف اللسديمونيين في قورونية وكوفئ على هذا بضيعة في سِلس Scilus من أعمال إيليس Elis، وكانت وقتئذ تحت سيطرت إسبارطة، وقضى فيها عشرين عاماً يعيش عيشة سادات الريف، يزرع ويصطاد، ويكتب، ويربي أولاده تربية صارمة على الطريقة الإسبارطية (١٩). ونحن مدينون بنفيه إلى كتبه المختلفة التي رفعته إلى المقام الأول بين المؤلفين في زمانه. وكان يكتب، إذا حلت له الكتابة، في تدليل الكلاب، وترويض

стр. 2436

الخيل وتدريب الزوجة، وتربية الأمراء، والحرب إلى جانب أجسلوس، أو جباية المال لأثينة. وقد قص في الآباباسيس بأسلوبه العذب السائغ أسلوب الرجل الذي شاهد الأعمال التي يصفها أو اشترك بنفسه فيها، قص في هذا الكتاب قصة مسيرة العشرة آلاف إلى البحر، وهي القصة المثيرة التي لا سند لها غيره. وفي كتابه الهلينيكا واصل قصة بلاد اليونان من حيث انتهى توكيديدز، إلى واقعة منتينيا التي قتل فيها ولده جريس وهو يحارب ببسالة بعد أن قتل بيده أباميننداس. والكتاب في حد ذاته سرد ممل للحوادث يدل على أن كاتبه يفهم التاريخ على أنه سلسلة لا نهاية لها من الوقائع الحربية، وسرد للانتصارات والهزائم ومحاولة غير مجدية لتعليلها منطقياً. والأسلوب قوي، والشخصيات واضحة، لكن الحوادث قد أحسن اختيارها لكي يثبت تفوق الأساليب الإسبارطية. وفي كتاب أكسانوفون تعود الخرافات التي كانت قد اختفت من التاريخ في كتاب توكيديدز، وهو يستند إلى القوى غير الطبيعية ليفسر بها سير الحوادث. وبمثل هذه السذاجة أو هذا النفاق تحيل الممورابيليا سقراط إنساناً كاملاً إلى حد لا يصدقه عقل سليم، فهو مستمسك بالدين القويم، والأخلاق الفاضلة، والحب العذري، وقصارى القول أنه مكمل في كل شيء إذا استثنينا احتقاره للدمقراطية، ذلك الاحتقار الذي حببه إلى قلب أكسانوفون الطريد. وكتابه "المائدة" أقل من هذا الكتاب الأخير جدارة بالثقة. وهو ينقل حديثاً يزعم أنه دار حين كان لا يزال أكسانوفون طفلاً. اما في الإكونمكس Oeconomicus فإن أكسانوفون يتحدث في الميدان الذي يحق له أن يتحدث فيه، ويكشف عن نزعته التحفظية بصراحة تسحر عقولنا على الرغم منا. لقد كان أكسانوفون خبيراً في الزراعة، وشاهد ذلك أنه لما طلب إلى سقراط ان يعلم فنونها أقر في كثير من التواضع بجهله، ولكنه ذكر نصيحة المالك الثري إسكوماكس Ischomachus والمثل الذي ضربه للناس بنفسه. ويجهر إسكوماكس هذا باحتقار أكسانوفون لكل عمل

стр. 2437

عدا الزراعة والحرب، ولا يكتفي بشرح أسرار النجاح في الأعمال الزراعية، بل يشرح معها فن إدارة الرجل أملاكه وأملاك زوجته. ويحدثنا إسكوماكس في أسلوب لا يكاد يقل رشاقة عن أسلوب أفلاطون كيف علم عروسه أن تعنى بمنزلها، وتضع كل شيء في مكانه، وتسوس خدمها بالرفق من غير أن تختلط بهم وتفقد منزلتها في أعينهم، وتشتهر بين الناس، لا بجمالها المصطنع، بل بإخلاصها في أداء واجباتها بوصف كونها زوجة، وأماً، وصديقة. والزواج في رأي إسكوماكس - أكسانوفون رابطة اقتصادية وجسمية معاً، وهو يضمحل حين يقوم الشريك الصامت بالعمل كله. ولعل حديثه عن استعداد الزوجة الشابة لقبول هذا كله لا يعدو أن يكون أمنية يتمناها ذلك القائد الذي لم ينل نصراً ما في ميدان البيت؛ ولكننا لا يمنعنا مانع من أن نصدق كل شيء في القصة إلا أن إسكوماكس قد استطاع في لحظة وجيزة أن يقنع زوجته بترك المساحيق والأصباغ الحمراء (٢٠). وبعد أن شرح أكسانوفون فن الزواج أخذ يصف في القيروبيديا (أي تربية قورش) مثله العليا في التعليم والحكم، كأنه يرد بها على آراء أفلاطون في الجمهورية. وكان أكسانوفون بارعاً في تكييف السير الخرافية لخدمة الفلسفة، فأخذ يروي قصة خيالية عن تعليم قورش الأكبر، وحياته، ونظامه الإداري؛ وهو يجعل القصة شخصية مسرحية، ويبعث فيها الحياة بحواره، ويجملها بما يدخله فيها من أقدم قصص الحب في الآداب التي كانت موجودة في زمانه. ويكاد يغفل في كتابه التربية الثقافية، ويركز اهتمامه في كيفية جعل الغلام رجلاً صحيح الجسم، قادراً، شريفاً؛ فالصبي يتعلم الألعاب الرياضية الخليقة بالرجال، وفنون الحرب، وعادة الصمت والطاعة، ويتعلم أخيراً كيف يسيطر على مرءوسيه سيطرة قوية قائمة على الإقناع. ويرى أكسانوفون أن خير أنواع الحكم هو الحكم الملكي المستنير الذي تؤيده وتحد منه أرستقراطية متخصصة في الأعمال الزراعية والشئون الحربية. وهو يعجب بقوانين الفرس التي تقضي بمكافأة المحسن وعقاب المسيء (٢١)،

стр. 2438

ويقول لليونان ذوي النزعة الفردية إن من المستطاع ضم كثير من المدن والدول في إمبراطورية واحدة تستمتع بالنظام والسلم في الداخل، ويضرب لهم بلاد الفرس مثلاً. ولقد بدأ أكسانوفون كما بدأ فليب وهو يحلم بالفتح وبسطة الملك، وينتهي كما انتهى الإسكندر أسير حب الشعوب التي فكر في التغلب عليها. وهو قصاص بارع، ولكنه فيلسوف وسط. وهو هاوٍ في كل شيء عدا الحرب، يبحث في مائة موضوع وموضوع، ولكنه يبحث فيها على الدوام بعقلية العسكري. وهو يبالغ في مزايا النظام، ولا يجد كلمة يقولها عن الحرية؛ وفي مقدورنا أن نستدل من هذا على مقدار ما بلغه الاضطراب في أثينة. وإذا كان القدامى قد وضعوه في مرتبة هيرودوت وتوكيديدز، فذلك راجع من غير شك إلى أسلوبه الذي يمتاز بصفائه الأتكي الساحر الطلي، ونثره السلس المتدفق المنسجم الذي وصفه شيشرون بأنه "أحلى من الشهد" (٢٢)، وإلى اللمحات الشخصية التي تُكسب الموضوع حياة وإنسانية، وإلى لغته ذات البساطة والثقافة التي تمكن القارئ أن يرى من خلال هذا الوسط الصافي الرأي أو الموضوع الذي يعالجه الكاتب. وإن الصلة التي بين أكسانوفون وأفلاطون من جهة وتوكيديدز وسقراط من جهة أخرى لشبيهة كل الشبه بالصلة التي بين أبليز وبركستليز من ناحية وبلجنوتس من الناحية الأخرى - فقد بلغت أناقة الأسلوب والمهارة الفنية على أيديهما أعلى منزلتهما بعد عصر من الابتكار في التفكير وقوة الأسلوب.

стр. 2439

الفصل الرّابع أبليز إن الذي بلغ فيه القرن الرابع إلى الذروة لم يكن الأدب بل الفلسفة والفن؛ ذلك أن الفرد قد تحرر فيه، كما تحرر في السياسة، من المعبد ومن الدولة، ومن التقاليد ومن المدرسة. فلما أن حل الولاء الفردي محل الإخلاص الوطني، نزل فن العمارة إلى الدرجة الوسطى، وازداد طابعه الدنيوي شيئاً فشيئاً، واضمحل شأن تمثيليات الموسيقى والرقص وحل محلها تمثيل يقوم به أفراد محترفون، وظل التصوير والنحت يزينان المباني العامة بصور طرز من الآلهة أو النبلاء، ولكنهما في الوقت ذاته دخلا في خدمة الأفراد الأحياء وشرعا يصورانهم حتى أصبح هذا طابع العصر الذي أعقب ذلك القرن. وإذا كانت بعض المدن قد ظلت تناصر الفن مناصرة قوية واسعة النطاق، فما ذلك إلا لأنها كانت كمدائن نيدس، وهليكرنسس، وإفسوس لم تجتاحها الحرب اجتياحاً تاماً، أو كسراقوصة قد وجدت في مواردها الطبيعية ونظام حكمها وسائل الانتعاش العاجل. وأما فن العمارة في أرض اليونان الأصلية فقد كان في ذلك الوقت واقفاً يترقب لا يتقدم ولا يتأخر وإن كانت قد شُيدت فيه بعض العمائر. من ذلك أن ليقورغ جدد في عام ٣٣٨ بناء ملهى ديونيشيوس، وساحة الألعاب، واللوقيون؛ وشاد فيلون بإشرافه دار صنعة كبيرة رائعة في بيرية. ولما أن ازداد ميل الناس إلى الرقة والدقة في البناء فقد الطراز الدوري جدته وانصرف الناس عنه، لأن بساطته الصارمة لم تعد تستجيب لها النفس، وارتفع شأن الطراز الأيوني وازداد انتشاراً، وكان هذا في الفن يقابل ظرف بركستليز في النحت وسحر أفلاطون في الأدب. وأنشئ على الطراز الكورنثي "برج الرياح"

стр. 2440

والنصب التذكاري للتمثيل في لسكرتيز Lysicartes. وشاد اسكوباس Scopas في تيجيا Tegea الأركادية هيكلاً لأثينة جمع فيه بين الطرز الثلاثة، فكانت فيه مجموعة من العمد الدورية، وأخرى أيونية، وثالثة كورنثية (٢٣)، ثم جمّله بالتماثيل نحتها بيده الصناع العضلية. وكان التمثال الثالث المقام لأرتميس في إفسوس أكبر من هذا وأعظم شهرة؛ وكان التمثال الثاني قد احترق يوم ولد الإسكندر في عام ٣٥٦؛ وتلك مصادفة يقول عنها بلوتارخ بظرفه المعهود إن هجسياس المغنيزي Hegesias of Magnesia " اتخذها سبباً لغرور بلغ من البرودة حداً يكفي لإخماد النار" (٢٤). وسرعان ما بُدئ بإقامة البناء الثاني، ولم ينته ذلك القرن حتى كان البناء قد تم. وعرض الإسكندر أن يتحمل جميع نفقات المبنى كلها إذا نُقش اسمه على هذا الصرح، وقيل إنه أقيم من ماله؛ ولكن يونان إفسوس أبت عليهم عزة نفسهم أن يقبلوا هذا العرض، وكانت حجتهم في رفضه حجة لا تستطاع مقاومتها (أو لعلهم أرادوا بها هجو الإسكندر والسخرية منه) وهي أنه "لا يليق أن ينشئ إله هيكلاً لإله آخر" (٢٥). غير أن الذي حدث رغم هذا أن مهندس الإسكندر المقرب إليه هو الذي رسم مبنى الهيكل وجعله أكبر هياكل هلاس على الإطلاق. وقام عدد من المثالين بعمل النقوش القليلة البروز على ستة وثلاثين عموداً، وكان من بينهم اسكوباس الذي نرى له نقوشاً في كل مكان في بلاد اليونان. وفي المتحف البريطاني صفحة من أحد هذه العمد، نحتت عليها تماثيل، وكأنها قد قاومت عوادي الزمان لكي تثبت بما عليها من تصوير للثياب دون غيره أن فن النحت اليوناني لا يزال قريباً جداً من ذروته. وليست رؤوس التماثيل جامدة نحتت على غرار طرز حددتها التقاليد والأجيال الطوال، ولكنها تمثل وجوهاً لأفراد تنبض بالشعور والمميزات الخلقية - وتبشر بالواقعية الهلنستية. وفي الأحجام الصغيرة امتاز القرن الرابع بالتماثيل الصغيرة المصنوعة من

стр. 2441

الآجر المحروق. وقد أضحى اسم تنجارا البؤوتية Boeotiam Tangara مرادفاً للتماثيل الصغيرة المصنوعة من الصلصال المحروق غير المزجج المصبوب على غرار طرز عامة، ولكنه يُشكَّل ويلون باليد فتخرج منه آلاف من الصور الفردية التي تنبعث فيها ألوان الحياة العامة على اختلاف أشكالها. وكان يلجأ إلى التصوير في هذا القرن كما كان يلجأ إليه في القرون السابقة له لمساعدة غيره من الفنون. غير أنه قد أصبحت له وقتئذ كرامة ومنزلة مستقلة، وأضحى أساتذته يُستدعَون لأداء أعمال فنية في جميع أنحاء العالم اليوناني. وكان بمفيلس الأمفبلوسي Panphilus of Amphipolis معلم أبليز يرفض أي تلميذ لا يبقى عنده اثنتي عشرة سنة كاملة، وكان يطلب ما يعادل ستة آلاف ريال أمريكي لتدريس المنهج. وقد أدى ناسون Mnason طاغية إلاتيه اللكرية Locrian Elatea عشر مينات أجراً عن كل صورة من المائة الصورة في منظر واقعة حربية رسمه أرستيدز الطيبي، وبذلك حصل هذا الرسام على مائة ألف ريال أمريكي أجراً لرسم منظر واحد، وهذا الطاغية المتحمس نفسه وهب اسكلبيودورس ما يعادل ٠٠٠ ر ٣٦٠ ريال أمريكي أجراً للوحة صُور عليها الاثنا عشر الكبار من الآلهة الأولمبية. ودفع ما يعادل ٠٠٠ ر ١٢ ريال أمريكي ثمناً لنسخة ثانية من الصورة الملونة التي رسمها بوسياس السشيوني لجلسيرا عشيقة مناندر (٢٦). ويقول بلني إن صورة من عمل أبليز كانت تباع بثمن يعادل ما في خزائن مدائن بأجمعها (٢٧). ويقول هذا الهاوي المتحمس نفسه أن "أبليز القوسي فاق كل من عداه من المصورين السابقين واللاحقين، وإنه بمفرده أفاد فن التصوير كما لم يفده جميع المصورين مجتمعين" (٢٨). وما من شك في أن أبليز كان أعظم أهل فنه وأهل زمانه، ولولا ذلك لما استطاع أن يسرف هذا الإسراف النادر في مدح غيره من المصورين؛ من ذلك أنه لما علم أن بروتجنبر أكبر منافسيه يعيش في فقر مدقع، سافر إلى رودس لزيارته. ولم يكن بروتجنيز في مرسمه حين أقبل أبليز

стр. 2442

لأن أحد لم ينبئه بهذه الزيارة. وقابلت الزائر خادم عجوز وسألته عن اسمه لتبلغه إلى سيدها بعد أن يعود. فما كان جواب أبليز إلا أن أخذ فرشاة ورسم على لوحة إطار غاية في الدقة بجرة واحدة. ولما عاد بروتجنيز وأخبرته الخادم العجوز أنها تأسف لأنها لا تستطيع أن تخبره باسم الزائر، ثم اطلع على الإطار وشاهد دقته، صاح قائلاً: "إن أحد لا يستطيع رسم هذا الإطار إلا أبليز". ثم رسم في داخله إطار أدق منه وأمر المرأة أن تطلع عليه الزائر الغريب إذا عاد. وعاد أبليز فعلاً ودُهش من حذق بروتجنيز الغائب، ولكنه رسم بين الإطارين إطاراً ثالثاً بلغ من الرقة والرشاقة حد لم يسع بروتجنيز معه حين رآه إلا أن يعترف أن منافسه قد غلبه، ثم أسرع إلى الميناء ليستبقي أبليز ويرحب به. وانتقلت هذه الآية الفنية من جيل إلى جيل حتى اشتراها يوليوس قيصر، ثم احترقت في النار التي دمرت قصره القائم على تل البلاتين. وتاقت نفس أبليز إلى أن يوقظ في العالم اليوناني الاهتمام ببروتجنيز وتقدير قيمته فسأله أن يخبره كم من المال يطلب ثمناً لبعض رسومه؛ ولما طلب بروتجنيز مبلغاً متواضعاً عرض عليه أبليز بدلاً منه خمسين وزنة (٠٠٠ ر ٣٠٠ ريال أمريكي)، ثم أذاع أنه سيبيع هذه الرسوم زاعماً أنها من صنع يده. وكان هذا الإعلان سبباً في أن أهل رودس قدروا عمل فنانهم خيراً من ذي قبل فدفعوا إلى بروتجنيز أكثر مما عرضه عليه أبليز واحتفظوا بالصور بين كنوز مدينتهم (٢٩). وكان أبليز في هذه الأثناء قد نال إعجاب العالم اليوناني كله بصورة أفرديتي أنديوميني Aphrodite Anadyomene أي أفروديتي الخارجة من البحر. وأرسل الإسكندر في طلبه وعرض عليه أن يرسمه في مواقف كثيرة. ولم تعجب الشاب الفاتح صورة لجواده بسفالس Bucephalies في أحد هذه الرسوم، وأمر بأن يقرب الجواد من الصورة ليوازن بينه وبينها، فلما نظر الجواد إلى صورته صهل، فقال أبليز للإسكندر "يلوح أن جواد

стр. 2443

جلالتك يعرف عن التصوير أكثر مما تعرف" (٣٠). وكان الملك في مرة أخرى يتحدث عن الفن في رسم أبليز، فرجاه الفنان أن ينتقل إلى موضوع آخر حتى لا يسخر منه الغلمان الذين يسحقون الألوان، ولم يغضب الإسكندر من هذا القول. ولما أن استخدم الفنان في تصوير حظيته المحبوبة، وشغف بها أبليز أهداها إليه الملك (٣١). وكان أبليز يغطي صوره بعد الفراغ منها بطبقة رقيقة من الطلاء؛ تحفظ الألوان، وتخفف من بريقها ولكنها تجعلها أكثر بهجة وإمتاعاً من ذي قبل. وظل أبليز يعمل إلى آخر أيامه ووافته المنية وهو يعمل مرة أخرى في تخطيط صورة أفرديتي الخالدة.

стр. 2444

الفصل الخامِس بركستليز وكانت خير آيات النحت في ذلك العصر وأعظمها روعة هي الضريح الذي أقيم لموسولوس Mausolus ملك هليكرنسس. وكان موسولوس مرزباناً من مرازبة الفرس بالاسم، ولكنه بسط سلطانه على كاريا Caria وأجزاء من أيونيا وليشيا Lyoia، واستخدم موارده الكثيرة في إنشاء أسطوله وتجميل عاصمته. ولما مات (٣٥٣) أقامت أخته وهي أيضاً زوجته مباراة شهيرة في الخطابة تكريماً له، واستدعت أشهر الفنانين اليونان ليشتركوا في إقامة ضريح يكون تذكاراً جديراً بعبقريته. وكانت ملكة بطبعها كما كانت بزواجها. ولما أن اغتنم أهل رودس فرصة موت الملك وغزوا كاريا غلبتهم بحيلها واستولت على أسطولهم وعاصمة بلادهم، وما لبثت أن أملت شروطها على أولئك التجار الأثرياء (٣٢). ولكن حزنها على وفاة موسولوس هد ركنها فلم تعش بعده أكثر من عامين، قبل أن يتم الضريح الذي صار فيما بعد حديث الناس كلهم في بلاد الغرب. وكان اسكوباس، وليوكاريز Leochares، وبريكسيس Bryaxis، وتمثيوس يعملون في جد وأناة لإقامة ضريح رباعي الشكل من ألواح من الرخام الأبيض فوق قاعدة من الآجر، ويغطونه بسقف هرمي، ويزينونه بستة وثلاثين عموداً، وبطائفة كبيرة من التماثيل الصغيرة والنقوش. وقد عثر الإنجليز في خرائب هليكرنسس عام ١٨٥٧ م على تمثال لموسولوس يظهره رجلاً هادئاً قوياً. وكان أعظم من الضريح نفسه صقلا إفريز (١) يمثل مرة أخرى كفاح اليونان مع المحاربات الخرافيات الأمزونيات. ويعد هذا النقش وما فيه من رجال

стр. 2445

ونساء وجياد من أعظم روائع العالم كله في النقش القليل البروز. وليست الأمزونيات التي به نساء مسترجلات خُلقن للحرب، بل هن نساء ذوات جمال شهواني، وما أخلقهن بأن يثرن في اليونان عواطف أرقى من عاطفة الحرب. وقد أضحى هذا الضريح هو وهيكل إفسوس الثالث من عجائب العالم السبع. وبلغ فن النحت وقتئذ ذروة مجده من نواح كثيرة. نعم إنه كان ينقصه الحافز الديني، ولم يبلغ ما بلغته قواصر البرثنون من جلال وقوة، ولكنه استمد إلهاماً جديداً من الرشاقة النسوية، وبلغ من الجمال ما لم يبلغه ذلك الفن قبل هذا الوقت أو بعده. لقد صور القرن الخامس رجالاً عراة، ونساء مكتسيات، أما القرن الرابع فقد آثر أن ينحت نساء عاريات ورجال مكتسين؛ وجعل القرن الخامس نماذجه مثلاً عليا يحتذي الفنانون حذوها ولا يحيدون عنها، وصبوا أو نحتوا حياة الإنسان الشقية في صورة خلائق مجردين من العواطف يستريحون من عناء تلك الحياة وشئونها؛ أما القرن الرابع فقد حاول فنانوه أن يمثلوا في الحجر شيئاً من الفردية والإحساسات البشرية. وأضحت للرأس والوجه في صور الرجال أهمية أكثر مما كان لها من قبل، وقلت أهمية الجسم نفسه، وحلت دراسة الأخلاق محل عبادة القوة العضلية، وتسابق كل من كان ذا مال على أن تكون له صورة من حجر؛ وتحرر الجسم من وضعه الجامد المعتدل، وصار يتكئ مستريحاً على عصا أو شجرة؛ ومُثل فيه التفاعل الحي للضوء والظل. وقد بلغ من حرص ليسستراتس السكيوني على أن يكون واقعياً إلى أقصى حد، أن كان يعمل غلافاً من الجص فوق وجه الشخص المراد تصويره، ويصب فيه القالب المبدئي، ولعله كان أول من فعل هذا من اليونان (٣٣). وبلغ تمثيل جمال الجسم ورشاقته حد الكمال على يد بركستليز. والعالم كله يعرف أنه أحب فيريني Phyrene، وأنه صور جمالها تصويراً مخلداً، ولكن أحداً من الناس لا يعرف متى ولد هذا الفنان أو متى توفي. وكان

стр. 2446

ابناً وأباً لمثالين يعرفان باسم سفسدوتس Cephissdotus، ولذا يحق لنا أن نقول إنه يمثل أعظم ما بلغته تقاليد أسرة من الفنانين المجدين الصابرين. وكان يعمل في البرنز والرخام على حد سواء، وبلغ من شهرته أن كانت اثنتا عشرة مدينة تتنافس للحصول على خدماته؛ منها كوس التي عهدت إليه في عام ٣٦٠ أن ينحت لها تمثالاً لأفرديتي؛ فنحت لها هذا التمثال بمساعدة فيريني، ولكن الكوسيين ساءهم أن وجدوا الإلهة مجردة من الثياب، فما كان من بركستليز إلا أن هدأ ثورة غضبهم بأن صنع لها تمثالاً آخر مكتسياً، وابتاعت نيدس التمثال الأول. وعرض نكومديز ملك بيثيا على نيدس أن يبتاع هذا التمثال بكل ما على المدينة من ديون، ولكن نيدس آثرت المجد الخالد على العرض الزائل. وأقبل السياح من جميع بلاد البحر الأبيض المتوسط ليشاهدوا التمثال، وحكم الخبراء على أنه أجمل تمثال صنع حتى ذلك الوقت في بلاد اليونان كلها، وقال الثرثارون إن الرجال كانت تستثار عواطفهم إلى حد الجنون حين يشاهدون هذا التمثال (١). وكما أذاع تمثال أفرديتي شهرة نيدس في الخافقين، كذلك اجتذبت بلدة ثسبيا الصغيرة إحدى بلاد بؤوتة مسقط رأس فيريني السائحين، لأن فيريني قد وضعت فيها تمثالاً لإيروس (الحب) من نحت بكستليز. ذلك أنها سألته يوماً ما أن يقدم لها برهاناً على حبه أجمل تمثال في منحته، وأراد أن يترك لها الخيار؛ ولكن فيريني أرادت أن تكشف بنفسها عن تقديره لأعماله، فهرولت إليه في يوم من الأيام وأخبرته أن منحته يحترق؛ فلما سمع هذا النبأ صاح قائلاً "إن كان تمثال جني الغاب وتمثال إيروس قد احترقا فيالهول النكبة" (٣٥)

стр. 2447

واختارت فيريني من فورها تمثال إيروس وأهدته إلى مسقط رأسها (١). وكان إيروس في أول أمره إله هزيود Hesiod وخالقه، ثم استحال في تفكير بكستليز شاباً حالماً رقيقاً، يرمز إلى سلطان الحب على النفوس؛ ولم يكن قد أصبح بعد كيوبت Cupid اللعوب الخبيث الذي نعرفه في الفنين الهلينستي والروماني. ولعل تمثال جِنّي الغاب المحفوظ في متحف الكبتولين برومة والمعروف باسم إله الحقول والرعاة الرخامي صورة من التمثال الذي فضله بركستليز على تمثال إيروس. ويظن بعضها أن جذع التمثال المحفوظ في متحف اللوفر من التمثال الأصلي نفسه (٣٦). وتمثال الجِنّي يصوره في صورة غلام متين البنية مبتهجاً سعيداً، ليس فيه من جسم الحيوان إلا أذناه الطويلتان القائمتان؛ وهو يتكئ متراخياً على جذع شجرة وقد لف إحدى قدميه بالأخرى. وقل أن تجد في الرخام تمثيلاً أصدق من هذا للراحة الكاملة. فأنت ترى تراخي الحدوثة الساحر بادياً في الأطراف المرتخية والوجه المطمئن الواثق. وربما كانت الأطراف مستديرة ناعمة فوق ما يجب أن تكون؛ وذلك لأن بركستليز لم يستطع بطول نظره إلى فيرين أن يمثل الرجال تمثيلاً صادقاً. ويؤيد ذلك أن تمثال أبلو قاتل العظايا Apolls Sauroctomus نسائي إلى حد يكاد يحملنا على أن نضمه إلى تماثيل المخنثين الكثيرة بين التماثيل الهلينستية. ويقول بوسنياس في عبارة موجزة إيجازاً يؤسف له إن من بين تماثيل هيرايوم Heraeum وفي أولمبيا تمثالاً "من الحجر لهرمس يحمل ديونيشس من عمل بكستليز" (٣٧). وبينما كان علماء الآثار الألمان ينقبون في هذا

стр. 2448

المكان عام ١٨٧٧ م، إذ توجت جهودهم بالعثور على هذا التمثال مطموراً في طبقات من الأقذار والطين ظلت تتراكم عليه عدة قرون. وليس في وسع القارئ أن يتخيل صورة حقيقية له من وصفه، وصوره الشمسية، والنماذج التي تعمل له، بل على الإنسان أن يقف خاشعاً أمامه في متحف أولمبيا الصغير، ويمر بإصبعه خلسة على سطحه، لكي يدرك ما في نسيج هذا اللحم الرخامي من نعومة وحياة. أما موضوعه فهو أن الإله الرسول قد عهد إليه إنقاذ الطفل ديونيشس من غيرة هيرا وحمله إلى حور الغابات والبحيرات ليربينه في السر. ويقف هرمس في الطريق، ويضطجع على جذع شجرة ويمسك بعنقود من العنب أمام الطفل. وليس تمثال الطفل نفسه جيد الصقل، كأن تمثال الإله الأكبر قد استنفذ جميع وحي الفنان. وقد ضاعت ذراع هرمس اليمنى وأعيدت إليه بعض أجزاء من الساقين، أما بقية الجسم فيبدو أنها هي كما صاغتها يد المثال. وتكشف الأطراف المتينة ويكشف الصدر العريض عن قوة الجسم وصحته؛ والرأس في حد ذاته آية فنية رائعة بجماله الأرستقراطي، ومعارفه الرقيقة وشعره المنثني، والقدم اليمنى قد بلغت درجة الكمال حيث يندر الكمال في التمثيل. وكان الأقدمون يعدون هذا التمثال من أعمال الفنان الصغرى، وفي وسعنا أن نحكم من هذا على مقدار ما كان يمتاز به هذا العصر من ثروة فنية عظيمة. ويصف بوسنياس (٣٨) في فقرة أخرى مجموعة رخامية أقامها بكستليز في منتينيا. ولم يعثر المنقبون إلا على قاعدة هذه المجموعة، تحمل تماثيل لثلاث من ربات الفن لعل الذين نحتوها هم التلاميذ لا الأستاذ نفسه. وإذا جمعنا ما في بوسنياس من إشارات إلى تماثيل بركستليز في الكتابات اليونانية التي كانت موجودة في أيامه، خرجنا منها بنحو أربعين من الأعمال الكبرى (٣٩)؛ وما في شك في أن هذه الأربعين لم تكن إلا جزءاً من إنتاجه العظيم. ونحن إذا درسنا القطع الباقية من هذه الأعمال نجد فيها ما نجده في تماثيل فدياس

стр. 2449

من سمو وقوة وهيبة وإجلال، وترى الآلهة قد أخلت مكانها لفيريني، وترى مشاكل الحياة القومية الكبرى قد أغفلت ليحل محلها الحب الفردي. ولكن ما من مثال قد فاق بركستليز في دقة الصياغة، وفي قدرته التي تكاد تبلغ حد الإعجاز على أن يمثل في الحجر الصلب الراحة والرشاقة، وأرق العواطف وبهجة الحواس، والاستمتاع بالغابات. لقد كان فدياس فناناً دورياً وأما بكستليز فكان أيونياً، وإنا لنجد فيه مرة أخرى ما ينذر بغزو أوربا الثقافي الذي أعقب انتصارات الإسكندر.

стр. 2450

الفصل السّادس اسكوباس وليسبوس لقد كان اسكوباس لبيرن Byron كما كان فيدياس لملتن وبكستليز لكيتس Keats. ولسنا نعرف شيئاً عن حياة المَثال القديم إلا من أعماله، وهي الترجمة الحقة لأي إنسان؛ ولكننا لا نعرف أعماله نفسها معرفة أكيدة موثوقاً بصحتها. وإن الرؤوس القصيرة الممتلئة المنفرة للتماثيل المعزو له، أو النسخ التي يقال إنها منقولة عن التماثيل الأصلية، لتظهره في صورة الرجل المسرف في قوته وفي نزعته الفردية. ولقد سبق القول إنه كان يعمل في تيجيا مهندساً معمارياً ومثالاً معاً، وإنه لا يفوقه في قوته وتعدد كفاياته أحد في جميع القرون التي بين فيدياس وميكل أنجلو. وكل ما عثر عليه المنقبون من أعماله قطع قليلة من قوصرة، أهمها رأسان أصيبا بكثير من التلف يمتازان بقصرهما وعرضهما واستدارتهما وبالنظرة العابسة الجافة، وهي الصفات الغالبة على جميع أعمال اسكوباس، ومنها تمثال مهشم لأطلنطا. ويشبه هذه البقايا شبهاً عجيباُ رأس ملياجر Meleager المحفوظ في بيت مديشي برومة. وفي هذا الرأس أيضاً نرى الخدين الممتلئين، والشفتين الشهوانيتين، والعينين المكتئبتين، والجبهة ذات الحافة البارزة بروزاً قليلاً فوق الأنف، والشعر الملوي الأشعث بعض الشيء؛ ولعل هذا التمثال نسخة رومانية من تمثال ملياجر الذي نحته اسكوباس ليكون جزءاً من مجموعة تمثل منظر صيد كلدوني. وفي متحف نيويورك الفني رأس آخر لا نكاد نشك في أنه من صنع اسكوباس، أو منقول عن رأس من صنعه؛ وهو قوي بليد ولكنه وسيم ذكي، وهو أصدق الرؤوس تمثيلاً لما بقي من آثار النحت في العصور القديمة.

стр. 2451

ويقول بوسنياس (٤٠) إن اسكوباس قد "صَبَّ" في إليس "تمثالاً من الشبه لأفريديتي البندينية جالسة فوق جَدْي من الشبه". ونحت في سكيون تمثالاً رخامياً لهرقليز لعل النسخة الرومانية المحفوظة في بيت لاندسدون بلندن منقولة عنه مباشرة. وجسم التمثال يدل على النكسة الفنية والعودة بالفن إلى الطراز العضلي البولكليتي، والرأس صغير مستدير كالعادة، والوجه يكاد يبلغ من الرقة وجوه تماثيل بركستليز. وقد أقام في ميغارا، وأرجوس، وطيبة، وأثينة ما يكفي من الوقت لنحت تماثيل شاهدها بوسنياس بعد خمسة قرون من ذلك الوقت، ولعله قد اشترك في تجديد بناء معبد أبدورس. وعبر بعدئذ بحر أيجة ونحت لنيدس تمثالين لأثينا وديونيشس، وكان له شأن كبير في أعمال النحت التي احتاجها بعض الأعمدة في هيكل إفسوس. وفي برجموم Bergamum نحت تمثالاً ضخماً لآريس Ares يمثله جالساً؛ وفي كريسا في أرض طروادة أقام تمثالاً لأبلو سمنثيوس Apollo Smintheus ليخيف الجرذان ويطردها من الحقول. وأقام في سمثريس Samothrace تمثالاً لأفريديتي كان من أسباب شهرتها العظيمة، ونحت في بيزنطية البعيدة تمثالاً لكاهنة باكس Bacchante ربما كان التمثال المحفوظ في متحف البرتنوم بدرسدن والمعروف باسم ميناد الغامضة نسخة رومانية منه. وإن هذا التمثال الرخامي الصغير وحده لخليق بأن يرفع صانعه إلى مرتبة الفنانين العظام - فهو تمثال قوي النحت، فخم الثياب، فذ في وقفته، حي في غضبه، وجميل من كافة نواحيه. ويشير بلني إلى تماثيل أخرى كثيرة من صنع اسكوباس كانت في أيامه قائمة في قصور رومة. منها تمثال لأبلو يرجح أنه هو الذي نقل عنه تمثال أبلو ثيسارودس Apollo Citharoedus المحفوظ في الفاتيكان؛ ومجموعة تماثيل لبسيدن، وثيتيس، وأخيل، ونربديز، وهي كما يقول بلني "آية في دقة الصنع حتى لو أن صاحبها قد قضى حياته كلها في إتمامها؛ ومنها تمثال لأفرديتي عارية يكفي وحده لأن يذيع شهرة أية مدينة" (٤١).

стр. 2452

وملاك القول أن هذه الأعمال، إذا جاز لنا أن نصدر حكماً على صاحبها يستند إلى بقايا قليلة ظنية، توحي بأن لاسكوباس منزلة تقرب جداً من منزلة بركستليز. فهو يمتاز بالابتكار في غير إسراف، والقوة في غير غلظة، وبالتمثيل المسرحي للنوازع والعواطف والمزاج، دون أن تشوه هذه كلها شدةٌ متكلفة. لقد كان بركستليز يعشق الجمال، أما اسكوباس فكان ينجذب نحو الخلق، وكان بركستليز يرغب في الكشف عن الرشاقة والحنان في النساء، وعن الصحة المبهجة والمرح في الشباب؛ أما اسكوباس فقد اختار أن يمثل آلام الحياة ومآسيها، ورفع من شأنها بهذا التمثيل الغني البديع. ولو أننا كان لدينا من أعماله أكثر مما عثرنا عليه منها لما فضلنا عليه أحداً غير فدياس. حسبنا هذا عن اسكوباس، أما ليسبوس السيكوني فقد بدأ حياته صانعاً وضيعاً في النحاس؛ وكان يتوق إلى أن يكون فناناً، ولكنه لم يكن لديه من المال ما يمكنه من أن يتتلمذ على معلم. غير أنه تشجع حين سمع يوبومس المصور يعلن أنه يفضل محاكاة الطبيعة نفسها عن محاكاة أي فنان مهما يكن قدره (٤٢). فلما سمع ليسبوس هذا القول اتجه من فوره إلى دراسة الكائنات الحية، ووضع قانوناً جديداً للنسب في فن النحت ليستعيض به عن قاعدة بلكليتس الصارمة؛ فأطال الساقين وقصر الرأس، وزاد من ثخانة الأطراف، وخلع على الصورة كلها كثيراً من الحيوية والراحة. ومن أعماله تمثال أبكسيومنوس Apxyomenos وهو صورة لتمثال ديامنوس، تختلف عنها من بعض الوجوه. فرجل بلكليتس الرياضي يربط عصابة فوق جبينه، أما ليسبوس فيزيل الزيت والغبار عن ذراعه بمكشط، ويبدو فيها أكثر نحافة ورشاقة. وأكثر من هذا التمثال جاذبية وحيوية، إذا جاز لنا أن نستند في حكمنا إلى الصورة الرخامية المحفوظة في متحف دلفي، تمثال أجياس Agias الشاب التسالي النبيل. ذلك أن ليسبوس لم يكد يتحرر من القيود حتى أخذ يشق طريقه في ميادين فنية جديدة، فاستبدل تصوير الفرد بتصوير

стр. 2453

الطراز، والنزعة الانطباعية بالعرف والتقاليد (١). وكاد هو أن يبتدع النحت المصوَّر عند اليونان. وقد قطع فليب حروبه وعشقه ليجلس أمام ليسبوس لينحت له تمثالاً؛ وسُر الإسكندر من التماثيل النصفية التي نحتها له الفنان سروراً جعله يختاره دون غيره مَثاله الملكي الرسمي، كما منح من قبل أبليز وحده حق تصويره وإلى برجتليز حق نقش هذه الصورة على الجواهر. وثمة طائفة من أجمل التماثيل التي خلفها القرن الرابع في فن النحت لا يُعرف مَن صنعها: منها تمثال من الشبه لشاب عُثر عليه في البحر قرب مرثون، ومنها نسخة قديمة لتمثال هرمس الأندروسي الذي صُنع في القرن الرابع، وتمثال رقيق لهيجيا المفكرة عثر عليه في تيجيا (٢) -وكل هذه التماثيل في متحف أثينة، وفي متحف بسطن رأس فتاة من طشيوز غاية في الجمال. ومن آثار هذا العصر، بقدر ما وصل إليه علمنا معظم تماثيل نيوبي التي نقلت إلى رومة من آسية الصغرى في أيام أغسطس، والتي نراها الآن موزعة في متاحف أوربا. وربما كان من آثار هذا العهد أيضاً التماثيل الأصلية الثلاثة من تماثيل أفرديتي التي تعزى إلى بركستليز: وهي تمثال فينوس المفكرة الذي جيء به من كبوا Capua والمحفوظ في متحف نابلي، وتمثال فينوس المضطجعة المحفوظ في متحف الفاتيكان

стр. 2454

وتمثال فينوس أرلوس المتواضع المحفوظ في متحف اللوفر. وأعظم من هذه كلها من ناحية الجمال الناضج، وعمق الشعور الهادئ، تمثال دمتر الجالس الذي عُثر عليه في نيدس عام ١٨٥٨، والذي يعد الآن من أروع التحف المحفوظة في المتحف البريطاني. ولسنا نعرف موضوع التمثال على وجه التحقيق، ولعله لا يعدو أن يكون أجمل صورة جنائزية وصلت إلينا من العهود القديمة، أو لعله يمثل إلهة التلال في صورة الأم الحزينة Mater Dolorose؛ تتحسر وهي صامتة على اغتصاب برستوني. وقد مثلت العاطفة هنا في غير إسراف كما كان المثالون يفعلون في العصر الذهبي؛ ويبدو في الوجه والعينين حنو الأمومة كله، واستسلامها الصامت. وهذا التمثال مضافاً إلى تمثال هرمس، لا تماثيل أفرديتي المتحببة المستعطفة، هي روائع النحت الحية وآياته الخالدة التي أنتجتها بلاد اليونان في القرن الرابع قبل الميلاد.

стр. 2455

الباب الحادي والعِشرون العصر الذهبي للفلسفة الفصل الأوّل العلماء إذا وازنا بين حال العلم في القرن الرابع وبين الخطوات الجريئة التي خطاها إلى الأمام في القرن الخامس، وبالانقلاب الثوري الذي حدث فيه في القرن الثالث، حكمنا من فورنا بأنه كان في هذا القرن الأوسط في حالة ركود، وأنه قنع في معظم الأحوال بتسجيل ما تجمع له في القرن السابق. فقد كتب أكسانوقراطيس Xenocrates تاريخاً للهندسة، وكتب ثاوفرسطوس تاريخاً للفلسفة الطبيعية، وكتب مينون Menon تاريخاً للطب، وأوديموس Eudemus تواريخ للحساب، والهندسة، والفلك (١). وبدا لعلماء ذلك العصر أن المسائل الدينية والأخلاقية والسياسية أكثر أهمية وأولى بالدرس من مشاكل الطبيعة، فتحول الناس مع سقراط من دراسة العالم المادي دراسة موضوعية إلى البحث في أحوال النفس وشئون الدولة. وكان أفلاطون يحب العلوم الرياضية فغمر فيها فلسفته إلى أعماق بعيدة، وجعلها شغل المجمع العلمي، وكاد في سراقوصة أن يهب لها ممالك بأسرها. لكن الحساب كان في نظره نظريات في الأعداد تتصف بالكثير من الغموض؛ ولم تكن الهندسة هي قياس الأرض، بل كانت تدريباً عقلياً، خالصاً، وطريقاً يصل به العقل إلى الله. ويحدثنا بلوتارخ عن "غضب" أفلاطون من أودسكوس
следующие страницы →