← История

История · id 35104

قصة الحضارة

ول ديورانت

Полный текст (15 136 стр.). Показаны 2451–2490 · переход к 2456.

стр. 2451

ويقول بوسنياس (٤٠) إن اسكوباس قد "صَبَّ" في إليس "تمثالاً من الشبه لأفريديتي البندينية جالسة فوق جَدْي من الشبه". ونحت في سكيون تمثالاً رخامياً لهرقليز لعل النسخة الرومانية المحفوظة في بيت لاندسدون بلندن منقولة عنه مباشرة. وجسم التمثال يدل على النكسة الفنية والعودة بالفن إلى الطراز العضلي البولكليتي، والرأس صغير مستدير كالعادة، والوجه يكاد يبلغ من الرقة وجوه تماثيل بركستليز. وقد أقام في ميغارا، وأرجوس، وطيبة، وأثينة ما يكفي من الوقت لنحت تماثيل شاهدها بوسنياس بعد خمسة قرون من ذلك الوقت، ولعله قد اشترك في تجديد بناء معبد أبدورس. وعبر بعدئذ بحر أيجة ونحت لنيدس تمثالين لأثينا وديونيشس، وكان له شأن كبير في أعمال النحت التي احتاجها بعض الأعمدة في هيكل إفسوس. وفي برجموم Bergamum نحت تمثالاً ضخماً لآريس Ares يمثله جالساً؛ وفي كريسا في أرض طروادة أقام تمثالاً لأبلو سمنثيوس Apollo Smintheus ليخيف الجرذان ويطردها من الحقول. وأقام في سمثريس Samothrace تمثالاً لأفريديتي كان من أسباب شهرتها العظيمة، ونحت في بيزنطية البعيدة تمثالاً لكاهنة باكس Bacchante ربما كان التمثال المحفوظ في متحف البرتنوم بدرسدن والمعروف باسم ميناد الغامضة نسخة رومانية منه. وإن هذا التمثال الرخامي الصغير وحده لخليق بأن يرفع صانعه إلى مرتبة الفنانين العظام - فهو تمثال قوي النحت، فخم الثياب، فذ في وقفته، حي في غضبه، وجميل من كافة نواحيه. ويشير بلني إلى تماثيل أخرى كثيرة من صنع اسكوباس كانت في أيامه قائمة في قصور رومة. منها تمثال لأبلو يرجح أنه هو الذي نقل عنه تمثال أبلو ثيسارودس Apollo Citharoedus المحفوظ في الفاتيكان؛ ومجموعة تماثيل لبسيدن، وثيتيس، وأخيل، ونربديز، وهي كما يقول بلني "آية في دقة الصنع حتى لو أن صاحبها قد قضى حياته كلها في إتمامها؛ ومنها تمثال لأفرديتي عارية يكفي وحده لأن يذيع شهرة أية مدينة" (٤١).

стр. 2452

وملاك القول أن هذه الأعمال، إذا جاز لنا أن نصدر حكماً على صاحبها يستند إلى بقايا قليلة ظنية، توحي بأن لاسكوباس منزلة تقرب جداً من منزلة بركستليز. فهو يمتاز بالابتكار في غير إسراف، والقوة في غير غلظة، وبالتمثيل المسرحي للنوازع والعواطف والمزاج، دون أن تشوه هذه كلها شدةٌ متكلفة. لقد كان بركستليز يعشق الجمال، أما اسكوباس فكان ينجذب نحو الخلق، وكان بركستليز يرغب في الكشف عن الرشاقة والحنان في النساء، وعن الصحة المبهجة والمرح في الشباب؛ أما اسكوباس فقد اختار أن يمثل آلام الحياة ومآسيها، ورفع من شأنها بهذا التمثيل الغني البديع. ولو أننا كان لدينا من أعماله أكثر مما عثرنا عليه منها لما فضلنا عليه أحداً غير فدياس. حسبنا هذا عن اسكوباس، أما ليسبوس السيكوني فقد بدأ حياته صانعاً وضيعاً في النحاس؛ وكان يتوق إلى أن يكون فناناً، ولكنه لم يكن لديه من المال ما يمكنه من أن يتتلمذ على معلم. غير أنه تشجع حين سمع يوبومس المصور يعلن أنه يفضل محاكاة الطبيعة نفسها عن محاكاة أي فنان مهما يكن قدره (٤٢). فلما سمع ليسبوس هذا القول اتجه من فوره إلى دراسة الكائنات الحية، ووضع قانوناً جديداً للنسب في فن النحت ليستعيض به عن قاعدة بلكليتس الصارمة؛ فأطال الساقين وقصر الرأس، وزاد من ثخانة الأطراف، وخلع على الصورة كلها كثيراً من الحيوية والراحة. ومن أعماله تمثال أبكسيومنوس Apxyomenos وهو صورة لتمثال ديامنوس، تختلف عنها من بعض الوجوه. فرجل بلكليتس الرياضي يربط عصابة فوق جبينه، أما ليسبوس فيزيل الزيت والغبار عن ذراعه بمكشط، ويبدو فيها أكثر نحافة ورشاقة. وأكثر من هذا التمثال جاذبية وحيوية، إذا جاز لنا أن نستند في حكمنا إلى الصورة الرخامية المحفوظة في متحف دلفي، تمثال أجياس Agias الشاب التسالي النبيل. ذلك أن ليسبوس لم يكد يتحرر من القيود حتى أخذ يشق طريقه في ميادين فنية جديدة، فاستبدل تصوير الفرد بتصوير

стр. 2453

الطراز، والنزعة الانطباعية بالعرف والتقاليد (١). وكاد هو أن يبتدع النحت المصوَّر عند اليونان. وقد قطع فليب حروبه وعشقه ليجلس أمام ليسبوس لينحت له تمثالاً؛ وسُر الإسكندر من التماثيل النصفية التي نحتها له الفنان سروراً جعله يختاره دون غيره مَثاله الملكي الرسمي، كما منح من قبل أبليز وحده حق تصويره وإلى برجتليز حق نقش هذه الصورة على الجواهر. وثمة طائفة من أجمل التماثيل التي خلفها القرن الرابع في فن النحت لا يُعرف مَن صنعها: منها تمثال من الشبه لشاب عُثر عليه في البحر قرب مرثون، ومنها نسخة قديمة لتمثال هرمس الأندروسي الذي صُنع في القرن الرابع، وتمثال رقيق لهيجيا المفكرة عثر عليه في تيجيا (٢) -وكل هذه التماثيل في متحف أثينة، وفي متحف بسطن رأس فتاة من طشيوز غاية في الجمال. ومن آثار هذا العصر، بقدر ما وصل إليه علمنا معظم تماثيل نيوبي التي نقلت إلى رومة من آسية الصغرى في أيام أغسطس، والتي نراها الآن موزعة في متاحف أوربا. وربما كان من آثار هذا العهد أيضاً التماثيل الأصلية الثلاثة من تماثيل أفرديتي التي تعزى إلى بركستليز: وهي تمثال فينوس المفكرة الذي جيء به من كبوا Capua والمحفوظ في متحف نابلي، وتمثال فينوس المضطجعة المحفوظ في متحف الفاتيكان

стр. 2454

وتمثال فينوس أرلوس المتواضع المحفوظ في متحف اللوفر. وأعظم من هذه كلها من ناحية الجمال الناضج، وعمق الشعور الهادئ، تمثال دمتر الجالس الذي عُثر عليه في نيدس عام ١٨٥٨، والذي يعد الآن من أروع التحف المحفوظة في المتحف البريطاني. ولسنا نعرف موضوع التمثال على وجه التحقيق، ولعله لا يعدو أن يكون أجمل صورة جنائزية وصلت إلينا من العهود القديمة، أو لعله يمثل إلهة التلال في صورة الأم الحزينة Mater Dolorose؛ تتحسر وهي صامتة على اغتصاب برستوني. وقد مثلت العاطفة هنا في غير إسراف كما كان المثالون يفعلون في العصر الذهبي؛ ويبدو في الوجه والعينين حنو الأمومة كله، واستسلامها الصامت. وهذا التمثال مضافاً إلى تمثال هرمس، لا تماثيل أفرديتي المتحببة المستعطفة، هي روائع النحت الحية وآياته الخالدة التي أنتجتها بلاد اليونان في القرن الرابع قبل الميلاد.

стр. 2455

الباب الحادي والعِشرون العصر الذهبي للفلسفة الفصل الأوّل العلماء إذا وازنا بين حال العلم في القرن الرابع وبين الخطوات الجريئة التي خطاها إلى الأمام في القرن الخامس، وبالانقلاب الثوري الذي حدث فيه في القرن الثالث، حكمنا من فورنا بأنه كان في هذا القرن الأوسط في حالة ركود، وأنه قنع في معظم الأحوال بتسجيل ما تجمع له في القرن السابق. فقد كتب أكسانوقراطيس Xenocrates تاريخاً للهندسة، وكتب ثاوفرسطوس تاريخاً للفلسفة الطبيعية، وكتب مينون Menon تاريخاً للطب، وأوديموس Eudemus تواريخ للحساب، والهندسة، والفلك (١). وبدا لعلماء ذلك العصر أن المسائل الدينية والأخلاقية والسياسية أكثر أهمية وأولى بالدرس من مشاكل الطبيعة، فتحول الناس مع سقراط من دراسة العالم المادي دراسة موضوعية إلى البحث في أحوال النفس وشئون الدولة. وكان أفلاطون يحب العلوم الرياضية فغمر فيها فلسفته إلى أعماق بعيدة، وجعلها شغل المجمع العلمي، وكاد في سراقوصة أن يهب لها ممالك بأسرها. لكن الحساب كان في نظره نظريات في الأعداد تتصف بالكثير من الغموض؛ ولم تكن الهندسة هي قياس الأرض، بل كانت تدريباً عقلياً، خالصاً، وطريقاً يصل به العقل إلى الله. ويحدثنا بلوتارخ عن "غضب" أفلاطون من أودسكوس

стр. 2456

Eudoxus وأرخيتاس Archytas لأنهما قاما بتجارب في الميكانيكا "فأفسدا الشيء الوحيد الطيب في الهندسة، وقضيا عليه قضاء مبرماً، وأبعداه بطريقة مخجلة يجللهما العار من المسائل العقلية الخالصة غير المجسمة إلى المحسوسات، واستعانا على عملهما هذا بالمادة". ويقول بلوتارخ بعد ذلك: "إن الميكانيكا قد انفصلت بهذه الطريقة عن الهندسة، وأنكرها الفلاسفة، وأهملوا أمرها، فأصبحت من فنون الحرب" (٢). على أن أفلاطون رغم هذا قد قدم للعلوم الرياضية بطريقته العقلية المجردة أجل الخدمات؛ فأعاد تعريف النقطة وقال إنها مبدأ الخط (٣)، ووضع قاعدة لإيجاد الأعداد المربعة التي هي مجموع مربعين (٤)، واخترع التحليل الرياضي أو ارتقى به (٥)، ونعني بالتحليل الرياضي البرهنة على صحة قضية أو خطأها بالنظر إلى النتائج التي يؤدي إليها الأخذ بها؛ وليست طريقة إقامة البرهان بنقض نقيضه إلا صورة من هذه الطريقة. وكان الاهتمام بالرياضيات في منهاج المجمع العلمي عوناً كبيراً للعلوم الطبيعية، ولو لم يؤد هذا الاهتمام إلا لتدريب تلاميذ مبتكرين أمثال أودكسوس النيدي (١)، وهرقليدس البنتي، لكفاه فضلاً. وعمل أرخيتاس صديق أفلاطون على ترقية رياضيات الموسيقى، وضاعف المكعب، وكتب أول رسالة معروفة في الميكانيكا. هذا إلى أنه اختير حاكماً لمدينة تاراس Taras سبع مرات، وكتب عدة بحوث في الفلسفة الفيثاغورية. ويعزو إليه الأقدمون ثلاثة اختراعات عظيمة الخطر - البكرة وطارة السير، واللولب، (والخشخيشة). وكان الاختراعان الأولان أساس الصناعة الآلية، أما ثالثهما فيقول عنه أرسطاطاليس في كثير من الجد والوقار إنه "هيأ للأطفال

стр. 2457

عملاً يشغلون به أنفسهم فمنعهم بذلك أن يحطموا ما في البيت من أدوات" (٦). وفي هذا العصر نفسه "ربع" ديونستراتس Dinostratus " الدائرة" باستخدام القوس الذي يمكن به إيجاد الخطوط المستقيمة المساوية لمحيطات الدوائر أو غيرها من المنحنيات. ووضع أخوه مينكموس Menaechmus أحد تلاميذ أفلاطون، أساس هندسة القطاعات المخروطية (١)، وضاعف المكعب، ووضع قاعدة التكوين النظري للخمسة أجسام الصلبة المنتظمة (٢)، وصاغ نظرية الأعداد الصماء، وأورث العالم تلك العبارة المشهورة، وهي قوله للإسكندر: "أيها الملك إن ثمة طرقاً للملوك وأخرى لعامة الشعب يسافرون عليها في أقطار الأرض؛ أما الهندسة فليس فيها إلا طريق واحد يسلكه جميع الناس (٣). وأعظم رجال العلم في القرن الرابع هو أودكسوس الذي أعان بركستليز على تخليد اسم نيدس في التاريخ. وقد ولد فيها حوالي عام ٤٠٨، وشرع وهو في الثالثة والعشرين من عمره يدرس الطب مع فلستيون Fhilistion في لكري Locri، والهندسة مع أرخيتاس في تاراس، والفلسفة مع أفلاطون في أثينة. وكان لفقره يعيش معيشة ضنكا في بيرية، ويسير منها على قدميه إلى المجمع العلمي في كل يوم من أيام الدراسة. وبعد أن

стр. 2458

أقام زمناً ما في نيدس سافر إلى مصر وقضى فيها ستة عشر شهراً يدرس الفلك على كهنة عين شمس ثم نجده بعد ذلك في سيزقوس البربوبنثية Proportin Cyzcus يحاضر في العلوم الرياضية. ولما بلغ الأربعين من عمره انتقل هو وتلاميذه إلى أثينة وافتتح فيها مدرسة لتعليم العلوم الطبيعية والفلسفة، ونافس أفلاطون وقتاً ما. ثم عاد آخر الأمر إلى نيدس وأقام فيها مرصداً، وعهد إليه أن يضع للمدينة طائفة من القوانين (٩). وقد وضع في الهندسة عدة مبادئ أساسية، فهو الذي وضع نظرية النسبة (١) ومعظم الفروض التي انتقلت إلينا في الكتاب الخامس من كتب إقليدس، وهو الذي اخترع طريقة إفناء الفرق التي أمكن بها إيجاد مساحة الدائرة وحجم الكرة، والهرم، والمخروط؛ ولولا هذا لكان عمل أرشميدس المبدئي مستحيلاً. ولكن العلم الذي وهب له أودكسوس معظم جهوده هو علم الفلك. ونستطيع أن نلمح روح العالم في قوله إنه يسره أن يحترق كما احترق فيتون إذا استطاع بهذا أن يكشف عن طبيعة الشمس وحجمها وشكلها (١٠). وكان لفظ التنجيم Astrology يستعمل في ذلك الوقت ليشمل ما نسميه الآن علم الفلك Astronomy، ولكن أودكسوس أشار على تلاميذه أن يغفلوا نظرية الكلدانيين القائلة إن مستقبل الإنسان يمكن التنبؤ به بالنظر لمواقع النجوم وقت مولده. وكان شديد الرغبة في أن يرجع جميع الحركات السماوية إلى قوانين ثابتة، ووضع في كتابه الفينومينا Fhainomena - الذي يعده الأقدمون أعظم ما كتبوه في علم الفلك - أساس التنبؤات الجوية.

стр. 2459

وأخفقت أشهر نظرياته إخفاقاً باهراً. فقد قال إن العالم يتكون من سبعة وعشرين دائرة شفافة لا تراها العين لشفيفها تدور في اتجاهات مختلفة وبسرعات متباينة حول مركز الأرض، وإن الأجرام السماوية مثبتة حول قشرة هذه الدوائر المتحدة المركز. ويبدو هذا النظام الآن نظاماً مغرقاً في الخيال، ولكنه كان أول محاولة بُذلت لتفسير حركات الأجرام السماوية تفسيراً علمياً. وعلى أساس هذه النظرية حسب أدكسوس بدقة عظيمة (إذا ما اتخذنا "معلوماتنا" الحاضرة في مثل هذه المسائل مقياساً نحكم به على الأشياء) أوقات اقتران الكواكب وحلولها في البروج المختلفة (١). وكان لهذه النظرية أثر أقوى من أية نظرية أخرى في الزمن القديم لإيقاظ روح البحث العلمي. وكتب إكفنتوس السراقوصي حوالي عام ٣٩٠. ومن أقواله أن الأرض تدور حول مركزها في اتجاه شرقي (١٢). وأخذ هرقليدس البنتي هذا الإيحاء، أو لعله وصل إليه مستقلاً، وقال إن العالم لا يدور حول الأرض، وإن الظواهر المتصلة بهذا الفرض يمكن تفسيرها إذا افترضنا أن الأرض نفسها تدور مرة في كل يوم حول محورها (١٣). ومن أقواله أيضاً أن الزهرة وعطارد يدوران

стр. 2460

حول الشمس، ولعل هرقليدس في لحظة من لحظات التجلي العلمي قد استبق أرسطرخوس وكوبرنيق، لأنا نقرأ في الجزازات الباقية من كتابات جمنوس Geminus (حوالى عام ٧٠ ق. م) أن هرقليدس البنتي قال: "حتى لو افترضنا أن الأرض تدور بطريقة ما، وأن الشمس ساكنة بطريقة ما، فإن ما يبدو لنا من عدم انتظام الشمس لا يستعصي على الفهم" (١٤). وأكبر الظن أننا لن نستطيع فهم ما كان يقصده هرقليدس بقوله هذا بالضبط. وكانت العلوم الطبيعية في هذه الأثناء تتقدم تقدماً بطيئاً. ففي الجغرافية قام ديقايرخوس المساني Dicaearchus of Messana كاتب السير اليوناني بقياس ارتفاع الجبال، وقدر طول محيط الأرض بما يقرب من ثلاثين ألف ميل، ولاحظ تأثير الشمس في المد والجزر. وفي عام ٣٢٥ سافر نيارخوس Nearchus أحد قواد الإسكندر بحراً من مصب نهر السند محاذياً ساحل آسية الجنوبي إلى مصب الفرات؛ وكان سجل سفينته الذي احتفظ أريان Arrian ببعضه في كتابه Indica (١٥) من أهم الكتب الجغرافية القديمة وكان علم المساحة التطبيقية - أي قياس السطوح، والمرتفعات، والمنخفضات والمواقع، والأحجام- قد وضع له اسم خاص يميزه من الهندسة النظرية Geometry وهو الجيوديزيا (١٦). وكان فلستيون Fhilistion أحد أبناء بلدة لكري Lorcri الإيطالية يمارس تشريح الحيوانات في بداية ذلك القرن وقال إن القلب هو المنظم الرئيسي للحياة ومركز النيوما أي النفس. وشرح ديوقليس Diocles أحد أبناء بلدة كرستوس Carystus العوبية حوالي عام ٣٧٠ أرحام إناث الحيوان، ووصف الأجنة البشرية من بداية اليوم السابع والعشرين إلى اليوم الأربعين من حياتها، وتقدمت على يديه علوم التشريح والأجنة وأمراض النساء والولادة، وأصلح إحدى الأغلاط اليونانية الشائعة بقوله إن "بذرتي" الذكر والأنثى تشتركان في تكوين

стр. 2461

الجنين (١٧). وكانت امرأة تدعى أسبازيا (غير أسبازيا أم الإسكندر) من أشهر الطبيبات في أثينة في القرن الرابع، وذاع صيتها بمؤلفاتها في أمراض النساء والجراحة وغيرها من فروع الطب (١٨). وخشي إينياس تكتكوس Aeneas Tocticus الأركادي أن يؤدي تقدم الطب إلى إنقاص نسبة الوفيات أكثر مما تحتمله موارد الغذاء، فنشر حوالي عام ٣٦٠ أول كتاب شهير في فن الحرب، وجاء نشره في الوقت الذي استطاع فليب والإسكندر أن يفيدا بما ورد فيه من المعلومات.

стр. 2462

الفصل الثاني المدارس السقراطية ١ - أرستبوس إذا كان العلم في القرن الرابع لم يتجاوز الدرجة الوسطى من الرقي، فقد كان هذا القرن عصر الفلسفة الذهبية. لقد بسط المفكرون الأولون آراء عامة في نظام الكون، وجاء السوفسطائيين فشكوا في كل شيء عدا البلاغة، وأثار سقراط آلاف الأسئلة ولم يجب عن واحد منها. أما الآن فقد نبتت البذور التي زرعت في مائتي عام وصارت نظماً عظيمة في بحوث ما وراء الطبيعة، والأخلاق، والسياسة. وكانت أثينة وقتئذ أفقر من أن تحتفظ للدولة بمصلحة طبية، ولكنها رغم فقرها هذا أنشأت جامعات خاصة، فأضحت بذلك "مدرسة هلاس" على حد قول إسقراط، وحاضرة بلاد اليونان الذهبية، والحكم الذي لا معقب لحكمه في شئونها العلمية، ولما أن أضعف الفلاسفة الدين القديم أخذوا يكافحون لكي يجدوا في الطبيعة وفي العقل بديلاً من هذا الدين يكون دعامة الأخلاق وهادياً للناس في سبيل الحياة. وكان أول ما عملوه أن ارتادوا السبل التي فتحها لهم سقراط. ذلك أن السوفسطائيين كانوا قد ارتكسوا فاقتصروا في الغالب على تدريس البلاغة، وزالوا بوصفهم طبقة مستقلة؛ ولهذا أصبح تلاميذ سقراط مركز عاصفة من الفلسفات الشديدة التباين. فقد أثار إقليدس الميغاري Eucleides of Megara، الذي سافر إلى أثينة ليستمع إلى سقراط "عاصفة من الجدل" في مسقط رأسه كما يقول تيمن الأثيني (١٩)، وارتقى بنقاش زينون وسقراط فجعله

стр. 2463

فناً من الجدل يرتاب في كل نتيجة منطقية، وأدى ذلك في القرن التالي إلى نزعة بيرون وقرنيادس التشككية. وبعد أن مات إقليدس اتجه تلميذه النابه استلبون Stilpon بالمدرسة الميغارية شيئاً فشيئاً نحو النظرة الكلبية (Cynic) التي تقول: بما أن كل فلسفة يمكن دحضها، فإن الحكمة لا تكون في بحوث ما وراء الطبيعة، بل في الحياة البسيطة التي تحرر الفرد من الاعتماد في رفاهيته على العوامل الخارجية. ولما سأل دمتريوس بليوقريطس Demetrius Poliocretes بعد نهب ميغارا عن مقدار ما خسره استلبون أجابه ذلك الحكيم بقوله إنه لم يكُ يملك شيئاً غير المعرفة، وأن أحداً لم يغتصبها منه (٢٠). وكان من بين تلاميذه في آخر سني حياته واضع أسس الفلسفة الرواقية، ولذلك فإن من حقنا أن نقول إن المدرسة الميغارية قد بدأت بزينون واختتمت بزينون آخر. وسافر أرستبوس الظريف بعد موت سقراط إلى مدن متفرقة، وقضى بعض الوقت في سلس Scillus مع أكسانوفون، ووقتاً أطول من هذا مع لئيس Lais في كورنثة (٢١)، ثم ألقى عصا الترحال في قورينة مدينته الأصلية القائمة على ساحل أفريقية. وكان ثراء الطبقات العليا في هذه المدينة النصف الشرقية قد كونا عاداته، فكان أكثر مما يتفق عليه مع مبادئ أستاذه هو قوله إن السعادة أعظم فضيلة. وكان أرستبوس وسيم الطلعة، دمث الأخلاق، بارعاً في الحديث، فشق بهذه الصفات طريقاً له في كل مكان. وتحطمت به سفينته قرب رودس واشتد عليه الفقر فيها، فذهب إلى مدرسة للتدريب الرياضي، وأخذ يخطب فيها، فافتتن به رجالها وقدموا له هو وأصحابه جميع وسائل الراحة؛ فلما فعلوا ذلك قال لهم إن الآباء يجب أن يسلحوا أبناءهم بثروة يستطيعون أن يحملوها معهم إلى البر إذا تحطمت بهم السفن (٢٢). وكانت فلسفته بسيطة وصريحة؛ قال: إن كل ما نفعله إنما نفعله طمعاً في اللذة أو خوفاً من الألم - حتى إذا أفقرنا أنفسنا لخير أصدقائنا، أو ضحينا

стр. 2464

بحياتنا من أجل قوادنا. وعلى هذا فالناس كلهم مجمعون على أن اللذة هي الخير الذي لا خير بعده، وأن كل ما عداها حتى الفضيلة والفلسفة يجب أن يحكم عليه حسب قدرته على توفير اللذة. وعلمنا بالأشياء غير مؤكد، وكل ما نعرفه معرفة مباشرة أكيدة هو حواسنا، فالحكمة إذاً لا تكون في السعي وراء الحقيقة المجردة بل في اللذات الحسية. وليست أعظم اللذات هي اللذات العقلية أو الأخلاقية، بل هي اللذات الجسمية أو الحسية، ولهذا فإن الرجل العاقل هو الذي يسعى وراءها أكثر من سعيه وراء أي شيء آخر، والذي لا يضحي بخير عاجل في سبيل خير آجل غير مؤكد. والحاضر وحده هو الموجود، وأكبر الظن أنه لا يقل من حيث الخير على المستقبل إن لم يفقه في ذلك. وفن الحياة هو التهاب اللذائذ وهي عابرة والاستمتاع بكل ما نستطيع أن نحصل عليه في الساعة التي نحن فيها (٢٣). وليست فائدة الفلسفة في أنها قد تبعدنا عن اللذة، بل فائدتها في أنها تهدينا إلى أن نختار أحسن اللذات وننتفع بها. وليس صاحب السلطان على اللذات هو الزاهد المتقشف الممتنع عنها، بل هو الذي يستمتع بها دون أن يكون عبداً لها، والذي يستطيع بعقله أن يقرن بين اللذائذ التي تعرضه للخطر، والتي لا تعرضه له. ومن ثم كان الرجل الحكيم هو الذي يُظهر الاحترام المقرون بالفطنة للرأي العام وللشرائع، ولكنه يعمل بقدر ما يستطيع على "ألا يكون سيداً لإنسان ما أو عبداً له" (٢٤). وإذا كان يشرف الإنسان أن يعمل بما يدعو الناس إلى عمله فقد كان أنتسبوس خليقاً ببعض هذا الشرف. فقد كان في فقره وغناه على السواء سمحاً كريماً، ولم يكن يتظاهر بالميل إلى إحدى الناحيتين. وكان يصر على أن يتقاضى أجراً على ما يعمله، ولا يتردد في أن يتملق للطغاة إذا كان في هذا الملق ما يوصله إلى أغراضه. وقد ابتسم ولم يأفف حين بصق دنيسوس الأول في وجهه وقال: "إن من واجب الصياد أن يتحمل أكثر من هذا الماء ليمسك بسمكة

стр. 2465

أصغر من التي أريدها" (٢٥). ولما أن لامه صديق له على ركوعه أمام دنيسوس أجابه: "بأنه ليس من عيبه أن تكون أذنا الملك في قدميه"، ولما سأله دنيسوس لم يلازم الفلاسفة أبواب الأغنياء، ولا يلازم الأغنياء مجالس الفلاسفة أجابه بقوله: "ذلك بأن الأولين يعرفون ما يريدون أما الآخرون فلا يعرفونه" (٢٦). ولكنه مع ذلك كان يحتقر من يطلبون المال لذاته. من أنه لما أن أراه سيموس Simus الفريجي الثري بيتاً له جميلاً مفروشاً بالرخام، بصق أنتسبيوس في وجهه، فلما أن احتج عليه سيموس اعتذر بأنه لم يجد بين ذلك الرخام كله مكاناً أليق من وجهه بالبصق عليه (٢٧). ولما أن جمع من المال ما يريده أنفقه بسخاء على الطعام الشهي، والكساء الجميل، والمسكن الفخم، والنساء الحسان (على ما كان يبدو له). ولما أن لامه بعضهم على أنه يعاشر حظية أجابه بقوله إنه لا يعارض في أن يعيش في بيت سكنه آخر قبله أو أن يسافر في سفينة سافر فيها غيره (٢٨). ولما قالت له عشيقته: "أني أعاشرك معاشرة الأزواج" قال لها: "إنك لا تستطيعين أن تقولي إنني أنا الذي أعاشرك، كما لا تستطيعين أن تقوليه بعد أن تخترقي أجمة أية شوكة فيها خدشتك" (٢٩). وقتله الناس رغم أنه كان رجلاً شريفاً، ظريفاً، مهذباً، مثقفاً، طيب القلب، مشهوراً باسم سيموس اللطيف. وما من شك في أن من أسباب دعوته السافرة للسعي وراء اللذة أنه كان يسر من التشهير بالكبار الفاسدين من أهل المدن. وقد كشف عن خليقته بتبجيل سقراط، وحبه الفلسفة (١)، واعترافه بأن أجل منظر في الحياة، هو منظر الرجل الفاضل الذي يشق طريقه مطمئناً واثقاً من نفسه بين الأنذال (٣١). وقال وهو على فراش الموت (٣٥٦) إن أعظم تراث يتركه لابنته

стр. 2466

أريتي Arete هو أنه علمها "ألا ترى قيمة ما لشيء تستطيع أن تستغني عنه" (٣٢) وهو استسلام منه لديوجانس عجيب. وقد خلفته ابنته في رياسة مدرسة قورينة وألفت أربعين كتاباً، وكان لها تلاميذ يمتازون وحبتها مدينتها قبرية مشرفة هي: "ضياء هلاس" (٣٣). ٢ - ديجين (ديوجانس) ووافق أستانس على نتيجة هذه الفلسفة وإن لم يوافق على مناقشاتها، واستخلص من أقوال سقراط نفسه فلسفة للحياة قائمة على التقشف. وكان مؤسس المدرسة الكلبية ابن مواطن أثيني وأمة تراقية، وحارب ببسالة في يوم تنغارا عام ٤٢٦، ودرس زمناً ما مع غورغياس وبرودكوس، ثم أنشأ بعدئذ مدرسته؛ ولكنه بعد أن سمع مناقشات سقراط، ذهب ومعه تلاميذه ليتلقى فلسفة الذي يفوقه سناً. وكان مثل أودكسوس يعيش في بيرية، ويسير إلى أثينة مشياً على قدميه كل يوم تقريباً. ولعله كان حاضراً حين كان سقراط (أو أفلاطون) يناقش خطيباً ظريفاً في مشكلة اللذة: سقراط: هل تظن أن الفيلسوف يجب أن يهتم بملذات … المأكل والمشرب؟. سمياس: لا، من غير شك. سقراط: وما قولك في لذات الحب- هل يجب عليه أن يهتم بها؟. سمياس: لا، يجب ألا يهتم بحال من الأحوال. سقراط: وهل يجوز له أن يفكر فيما عدا ذلك من طرق المتعة الجسمية- كالحصول على الملابس الغالية، أو الأحذية وما إليها من زينة الجسم؟ أليس الواجب عليه، بدل أن يُعنى بهذه الأشياء، أن يحتقر كل ما تتطلبه الطبيعة؟. سمياس: من واجبي أن أقول إن الفيلسوف الحق هو الذي يحتقرها (٣٤).

стр. 2467

هذا هو جوهر الفلسفة الكلبية: أن تقتصر حاجات الجسم على الضرورات المحضة حتى تكون الروح حرة قدر المستطاع. وقد استمسك أنتستانس بحرفية النظرية، وأصبح كأنه راهب فرنسيسي يوناني بلا دين. وكان شعار أرستبوس هو: "إني أملك ولكن أحداً لا يملكني"، أما شعار انتستانس فقد كان: "إني لا أملك حتى لا يمتلكني أحد". ولم يكن عنده مال (٣٥)، وكان يرتدي ثوباً خلقاً عيره به سقراط بقوله: "إني أستطيع أن أرى غرورك يا أنتستانس من خلال ثقوب ثوبك" (٣٦). وإذا ضربنا صفحاً عن هذا فقد كان عيبه الوحيد هو تأليف الكتب؛ وقد ترك منها ثمانية، أحدها تاريخ للفلسفة. ولما مات سقراط اضطلع أنتستانس بواجب تدريس الفلسفة لطالبيها واختار موضعاً لمحاضراته ساحة "كلب البحر للتدريب الرياضي"، وكان سبب اختيارها أنها مخصصة لأفراد الطبقات الدنيا، أو الغرباء، أو غير الشرعيين، وغلب اسم الكلبي على المدرسة بسبب مكان وجودها لا بسبب العقيدة التي تُدرس فيها (٣٧). وكان أنتستانس يرتدي ثياب العمال، ولا يتقاضى أجراً على قيامه بالتدريس، ويفضل أن يكون تلاميذه من الفقراء، ويطرد من مدرسته بلسانه أو عصاه كل من لا يعيش معيشة الفقراء ولا يتحمل شظف العيش. وأبى في أول الأمر أن يقبل ديجين ضمن تلاميذه فلما أصر ديجين وصبر على الإهانة، قبلهُ، فأذاع التلميذ نظريات أستاذه في جميع أنحاء هلاس بأن اتبع تعاليمه في معيشته لا يحيد عنها قيد شعرة. لقد كان أنتستانس في أصله نصف رقيق، وكان ديجين رجلاً مصرفياً مفلساً من سينوب اضطرته شدة الحاجة إلى التسول، وسره أن يعلم أن هذا جزء من الفضيلة والحكمة، فلبس أثواب المتسولين، وحمل جرابهم، وتوكأ على عصاهم، وعاش وقتاً ما داخل قصعة في ساحة معبد سيبيل في أثينة (٣٨). وكان يحسد الحيوان على حياته البسيطة ويحاول أن يحذو حذوه، ينام على الأرض، ويطعم مما يستطيع الحصول عليه أينما وجده؛ ويؤكدون لنا أنه كان

стр. 2468

يقضي حاجة الطبيعة ومراسم الحب على مرأى من جميع الناس (٣٩). ولما رأى طفلاً يشرب الماء بيديه ألقى هو الآخر كوب الماء (٤٠). وكان في بعض الأحيان يحمل شمعة أو مصباحاً ويقول إنه يبحث بهما عن رجل (٤١). ولم يسئ في حياته إلى إنسان، ولكنه رفض أن يعترف بالقوانين، وأعلن قبل الرواقيين بزمن طويل أنه مواطن عالمي (Kosmopolites) . وكان يطوف بالبلاد على مهل، ونسمع أنه أقام بعض الوقت في سراقوصة. وقبض عليه القراصنة في بعض أسفاره وباعوه عبداً لأكسنياديس صاحب كورنثة. ولما سأله سيده عما يستطيع أن يؤديه من الأعمال قال: "إنه يستطيع أن يحكم الرجال"، فاتخذه أكسنياديس مربياً لأبنائه، ومشرفاً على شئون قصره، وأحسن ديجين القيام بكلا العملين إحساناً جعل سيده يطلق عليه لقب "العبقري الصالح"، ويعمل بمشورته في كل شيء. وظل ديجين يحيا حياته البسيطة لا يحيد عنها قط حتى أصبح بعد الإسكندر أشهر رجل في بلاد اليونان. وكان متصنعاً بعض الشيء، وما من شك في أنه كان يحب الشهرة، وكان بارعاً في الجدل، ويقول سميه إنه لم يُغلب قط في مناقشة (٤٢). وكان يصف حرية الكلام بأنها أعظم الطيبات، وقد أفاد منها كثيراً هي والمزاح الخشن، والفكاهة التي لم تكن تُعجزه قط. وعنف ذات يوم امرأة تركع وتسجد أمام صورة مقدسة بأن سألها: "ألا تخافين أن تكوني في هذا الوضع وقد يكون في ورائك إله من الآلهة، لأن الآلهة يملأون كل مكان" (٤٣)؟؛ ولما رأى ابن حظية يرمي جماعة من الناس بحجر قال: "احذر أن تصيب أباك" (٤٤). وكان يكره النساء، ويحتقر من الرجال من يسلكون مسلك النساء، من ذلك أن شاباً كورنثياً جاءه متعطراً متأنقاً في ثيابه الغالية يسأله سؤالاً فأجابه بقوله: "لن أجيبك عن سؤالك حتى تخبرني: أولد أنت أم بنت" (٤٥)؟. والعالم كله يعرف قصته مع الإسكندر حين التقى بالفيلسوف في كورنثة

стр. 2469

نائماً في الشمس وقال له: "أنا الإسكندر الأكبر"، وأجابه الفيلسوف بقوله: "وأنا ديجين الكلب". وقال لهُ الملك: "اسألني أي شيء تريد"، فأجابه: "ابتعد حتى لا تحجب عني الشمس". وقال الجندي الشاب: "لو لم أكن أنا الإسكندر لتمنيت أن أكون ديجين" (٤٦)، ولسنا نعرف أن ديجين قد رد على هذه التحية. ويراد منا أن نعتقد أن الرجلين توفيا في يوم واحد من أيام عام ٣٢٣ الإسكندر في بابل وهو في سن الثالثة والثلاثين، وديجين في كورنثة بعد أن جاوز التسعين (٤٧). وقد وضع الكورنثيون فوق قبره كلباً من الرخام؛ وأقامت له سينوب التي نفته نصباً تذكارياً تخليداً لذكراه. وليس ثمَ شيء أوضح من الفلسفة الكلبية؛ فهي لم تعمد إلى المنطق إلا ريثما تدحض نظرية المعرفة التي كان أفلاطون يحير بها عقول العلماء في أثينة. كذلك كانت الميتافيزيقا في نظر الكلبيين عبثاً عقيماً؛ وكانوا يقولون إن من واجبنا ألا ندرس الطبيعة لنفسر العالم بهذه الدراسة، وهو أمر مستحيل، بل لنعلم حكمة الطبيعة ونسترشد بها في الحياة، والفلسفة الوحيدة الحقة هي فلسفة الأخلاق، والغرض من الحياة هو السعادة، ولكن هذه السعادة لا تكون في طلب اللذة، بل في الحياة الفطرية البسيطة المستقلة قدر المستطاع عن المساعدات الخارجية؛ ذلك أن اللذة، وإن كانت عملاً مشروعاً إذا أتت نتيجة كدح الإنسان وجهوده الخاصة، ولم يعقبها شيء من الندم ووخز الضمير (٤٨)، كثيراً ما تفلت منا أثناء السعي إليها، أو تخيب رجاءنا فيها بعد أن ننالها؛ ومن أجل هذا فإن الأخلق بنا أن نعدها شراً لا خيراً. والسبيل الوحيد إلى السعادة الباقية هي أن يحيا الإنسان حياة معتدلة فاضلة. والثروة تفسد الطمأنينة والسلام، والشهوة الحاسدة تأكل النفس كما يأكل الصدأ الحديد، والاسترقاق عمل ظالم ولكنه ليس عملاً خطيراً؛ والرجل الحكيم يسهل عليه أن يجد السعادة في الرق كما يجدها في الحرية، لأن حرية النفس هي الحرية الحقة. ويقول ديجين إن الآلهة

стр. 2470

قد وهبت الإنسان الحياة السهلة المريحة، ولكن الإنسان هو الذي عقّدها بالتلهف على الترف. وليس معنى هذا أن الكلبيين كانوا شديدي الإيمان بالآلهة، وشاهد ذلك أن قسيساً أخذ يعدد لأنتستانس ما يتمتع به المستمسكون بأسباب الفضيلة من خير كثير بعد وفاتهم، فسأله الفيلسوف: "ولم إذن لا تموت؟ " (٤٩)، وكان ديجين يسخر من الطقوس الدينية الخفية، ويقول عن القرابين التي قربها في سمثريس من نجوا من الموت بعد أن حُطمت سفينتهم: "لو أن هذه القرابين قد قربها الذين هلكوا لا الذين نجوا لكانت أكثر من هذا عدداً" (٥٠)، وكان كل شيء في الدين عدا الاستمساك بالفضيلة يبدو للكلبيين أوهاماً وخرافات، وهم يرون أن جزاء الفضيلة يجب أن يكون هو الفضيلة نفسها، وأن من الواجب ألا يكون هذا الجزاء موقوفاً على عدالة الآلهة. وقوام الفضيلة هو الأكل والتملك، والحد من الرغبات قدر المستطاع، والاقتصار على شرب الماء، وعدم الإساءة لأي إنسان. وسُئل ديجين: وكيف يستطيع الإنسان أن يدفع عنه أذى عدوه؟ فأجاب بقوله: "بأن يثبت أنه شريف مستقيم" (٥١). والشهوة الجنسية دون غيرها هي التي كانت تبدو للكلبيين غريزة معقولة، وكانوا يتجنبون الزواج بوصفه رابطة خارجية ولكنهم كانوا يحمون البغايا. وكان ديجين يدعو إلى الحب الجر الطليق، وإلى شيوعية الزوجات (٥٢)؛ وكان أنتستانس يطلب الاستقلال في كل شيء، ومن أجل ذلك كان يشكو من أنه لا يستطيع أن يشبع جوعه بمفرده كما يستطيع أن يشبع شهوته الجنسية على هذا النحو (٥٣). وإذ كان الكلبيون قد قرروا أن الشهوة الجنسية شهوة سوية طبيعية كالجوع، فقد أعلنوا أنهم لا يفقهون لم يخجل الناس من إشباع إحدى الرغبتين جهرة أمام الناس كما يشيعون الأخرى (٥٤). ومن رأيهم أن الإنسان يجب أن يكون مستقلاً في كل شيء حتى في الموت نفسه،

стр. 2471

فيختار لنفسه مكان موته وزمانه؛ وعندهم أن الانتحار عمل مشروع، ويقول بعضهم إن ديجين قتل نفسه بأن أمسك عن التنفس (٥٥). وكانت الفلسفة الكلبية جزءاً من الحركة التي تهدف إلى "الرجوع إلى الطبيعة"، وهي الحركة التي قامت في أثينة في القرن الخامس رداً على ما أحدثته الحضارة المعقدة من ملل في النفوس وعدم توازن في شئون الحياة. ذلك أن الناس ليسوا متحضرين بالفطرة، وهم لا يتحملون قيود الحياة المنظمة، إلا لأنهم يخشون مغبة العقاب والوحدة. وكانت الصلة بين ديجين وسقراط شبيهة بعض الشبه بالصلة التي بين روسو وفلتير: فقد كان يرى أن الحضارة لا خير فيها، وأن بوميثيوس قد استحق أن يصلب لأنه جاء بها إلى بني الإنسان (٥٦). وكان الكلبيون، كما كان الرواقيون، وكما كان روسو في العصر الحديث، يجعلون مثلهم الأعلى هو "الشعوب الطبيعية" (٥٧)؛ وقد حاول ديجين أن يأكل اللحم النيئ لأن طهو الطعام عمل غير طبيعي (٥٨)، ويظن أن أحسن المجتمعات هو المجتمع الخالي من أسباب الخداع ومن القوانين. وكان اليونان يسخرون من الكلبيين، ويصبرون عليهم صبر المجتمع في العصور الوسطى على القديسين. وقد أصبحوا بعد ديجين هيئة دينية من غير دين، اتخذوا الفقر قاعدة وأساساً لعقيدتهم، وكانوا يعيشون من الصدقات، وينفسون عن عزوبتهم بالشيوعية الجنسية، وافتتحوا مدارس لتعليم الفلسفة. ولم تكن لهم بيوت، بل كانوا يعملون وينامون في الطرقات أو مداخل المعابد. وانتقلت العقائد الكلبية على أيدي استلبو Stllpo وأقراطيس Crates تلميذي ديجين إلى العصر الهلنستي، وكانت فيه أساس الرواقية، واختفت المدرسة بوصفها ذات كيان مستقل حوالي القرن الثالث، ولكنها ظلت ذات أثر قوي في التقاليد اليونانية، ولعلها عادت

стр. 2472

إلى الوجود في شخص الإسينيين (١) في بلاد اليهود، والرهبان في مصر، في أوائل عهد المسيحية. وليس في مقدور العلماء أن يقرروا حتى الآن مقدار ما تأثرت به هذه الحركات كلها بأمثالها من حركات الطوائف المختلفة في الهند، أو ما كان للثانية من أثر في الأولى. وإن الذين يدعون للرجوع إلى الطبيعة في أيامنا هذه، لهم الأبناء الذهنيون لأولئك الرجال والنساء الذين عاشوا في بلاد الشرق أو اليونان في الأيام الخالية، والذين ملوا القيود الضيقة غير الطبيعية، وظنوا أن في وسعهم أن يعودوا إلى الحيوانات ويعيشوا بينها؛ واعتقادنا أنه ليس ثمة حياة كاملة خالية من هذه اللوثة الحضرية.

стр. 2473

الفصل الثالِث أفلاطون ١ - المعلم لقد تأثر أفلاطون نفسه بالمبادئ الكلبية. وشاهد ذلك أنه يصف في المقالة الثانية من الجمهورية (٥٩) مدينة فاضلة تعيش عيشة فطرية شيوعية؛ ونستشف من هذا الوصف عطفه على هذه المدينة وحبه إياها. نعم إنه يكتفي بقبولها ولا يدعو إليها، ويصور دولة "في الدرجة الثانية بعدها"، ولكنه حين يعمد إلى تصوير ملوكه - الفلاسفة نستشف في هذه الصورة الحلم الكلبي، فنجد رجالاً لا أملاك لهم ولا زوجات، يستمسكون بالحياة البسيطة والفلسفة الراقية، قد استحوذوا على حصن أجمل خيال في تاريخ اليونان. وكانت الخطة التي رسمها أفلاطون لإيجاد أرستقراطية شيوعية محاولة باهرة من رجل محافظ ثري للتوفيق بين احتقاره للديمقراطية وبين مثالية زمانه المتطرفة. وكان ينتمي إلى أسرة يرجع أصلها من ناحية أمه إلى صولون ومن ناحية أبيه إلى ملوك أثينة الأولين، بل لقد ذهب بعضهم إلى أنها ترجع من هذه الناحية إلى بسيدن إله البحر (٦٠). وكانت أمه أخت خرميدس Charmides وابنه أخ أقريتياس، ومن أجل هذا يكاد كره الديمقراطية أن يكون متأصلاً في دمه. وقد سمى أرستقليس Aristocles- أي الأحسن الشهير- وبرع الشاب في جميع نواحي الحياة تقريباً، فنبغ في الموسيقى، والرياضيات، والبلاغة والشعر. وافتتنت النساء، والرجال بلا ريب، بجمال طلعته؛ وصارع في الألعاب البرزخية، ولقبوه من قبيل السخرية فلاطون Platon أي العريض لامتلاء جسمه وقوة بنيته؛ وحارب

стр. 2474

في ثلاثة معارك، ونال جائزة في الشجاعة (٦١). وكتب فكاهات شعرية، وغزلاً، ومأساة رباعية (١)؛ وبينما كان يتردد بين الشعر والسياسة لا يعرف أيهما يختار طريقاً له في الحياة، إذ افتتن وهو في سن العشرين بسقراط؛ وما من شك في أنه كان يعرف من قبل، لأن الفيلسوف الكبير كان صديقاً لخاله خرميدس؛ ولكنه لما بلغ هذه السن كان يستطيع أن يفهم تعاليم سقراط ويستمتع بمنظر الرجل الشيخ وهو يقذف بأفكاره في الهواء كالبهلوان، مرتكزاً على أسنة أسئلته. فما كان منه إلا أن أحرق قصائده، ونسي يوربديز والألعاب الرياضية، والنساء، وتبع المعلم الشيخ كأنه سحره أو نومه تنويماً مغناطيسياً. ولعله كان يكتب مذكرات في كل يوم، لأنه كان يشعر كما يشعر الفنان المرهف الحس بما لهذا الشيخ البطين المشوه المحبوب من شأن عظيم في مستقبل الأيام. ولما بلغ أفلاطون الثالثة والعشرين من عمره شبت ثورة المحافظين في عام ٤٠٤ بقيادة جماعة من أقربائه، وشهد أيام الإرهاب الألجركي العصيبة، وشجاعة سقراط في تحدي الثلاثين، وموت أقريتياس وخرميدس، وعودة الديمقراطية، ومحاكمة سقراط وموته. وبدا العالم كله يتصدع ويتهدم حول هذا الشاب الذي كان من قبل لا يتطرق الهم إلى قلبه، ففر من أثينة التي بدت في نظره كأنها مأوى الشياطين، ووجد بعض الراحة في ميغارا في بيت إقليدس، ثم في قورينا ولعله كان فيها مع أرستبوس. ويظهر أنه سافر منها إلى مصر حيث درس على الكهنة العلوم الرياضية والمعارف التاريخية الشعبية (٦٢). ونراه مرة أخرى في أثينة حوالي عام ٣٩٥، وبعد عام من ذلك الوقت حارب دفاعاً عن كورنثة. وبدأ أسفاره مرة أخرى حوالي عام ٣٨٧، ودرس فلسفة فيثاغورس مع أرخيتاس

стр. 2475

في تاراس ومع تيماس في لكري، ثم انتقل إلى صقلية ليشاهد بركان إتنا، وارتبط برباط الصداقة مع ديون طاغية سراقوصة، وقُدّم لدنيسوس الأول، وبِيعَ بَيْعَ الرقيق، ثم عاد سالماً إلى أثينة في عام ٣٨٦. ولما رفض أنسريس Anniceris الثلاثة آلاف درخمة التي جمعها أصدقائه ليفتدوه بها، ابتاع له هؤلاء الأصدقاء بهذا المال أيكة للتنزه في ضاحية من ضواحي المدينة وأطلقوا عليها اسماً مشتقاً من إلهها المحلي أكديموس Academus (٦٢ أ)، وفيها أنشأ أفلاطون الجامعة التي قُدِر لها أن تكون فيما بعد مركز بلاد اليونان العقلي تسعمائة عام كاملة (١). وكان المجمع العلمي (الأكاديمية) من الناحية الفنية إخوة دينية (ثاسيوس Thasios) مخصصاً لعبادة ربات الشعر والفن، ولم يكن الطلاب يؤدون فيه أجوراً عن التعليم، ولكنهم كانوا في الغالب من أبناء الأسر الغنية، ولذلك كان يُنتظر من آبائهم أن يهبوا المعهد هبات قيمة. وفي ذلك يقول سويداس إن الأغنياء " كانوا يوصون قبل وفاتهم لأعضاء المدرسة بما يكفل لهم أن يحيوا حياة الفلاسفة غير مضطرين إلى العمل لكسب أقواتهم" (٦٣). ويقال إن دنيسوس الثاني وهب المعهد ثمانين وزنة (٠٠٠ ر ٤٨٠ ريال أمريكي) (٦٤) - وفي هذا ما قد يفسر صبر الفيلسوف على هذا الملك. وكان الشعراء الفكهون في ذلك الوقت يهجون الطلاب بقولهم إنهم أشخاص متصنعون في أخلاقهم متطرفون في ملابسهم - ذوو قلانس رشيقة وعصي، وستر قصيرة أو أردية جامعية (٦٥). ألا ما أقدم تقاليد إيتن والأثواب الجامعية السوداء! وكانت النساء يُقبلن في المجمع مع الرجال، لأن أفلاطون بقي من هذه الناحية متطرفاً في

стр. 2476

أفكاره تطرفاً جعله من أقوى أنصار المرأة، وكانت أهم موضوعات الدرس هي العلوم الرياضية والفلسفة، وقد كُتِب على مدخل المجمع هذا التحذير: "لن يدخل هذا المكان إنسان بلا هندسة"؛ ولعل قدراً كبيراً من الحساب كان من شروط القبول في المجمع. وكان معظم ما حدث من التقدم في العلوم الرياضية في القرن الرابع على أيدي رجال ممن درسوا فيه. وكان منهاج الرياضة يشمل الحساب (نظرية العدد) والهندسة الراقية، والفلك، "والموسيقى" (ولعل هذه كانت تتضمن الأدب والتاريخ)، والقانون، والفلسفة (٦٦)؛ وكانت الفلسفة الأخلاقية والسياسية آخر الدراسات في هذا المنهاج، هذا إذا كان أفلاطون قد أخذ بالنصيحة التي ينطق بها سقراط في معرض الدفاع إلى حد ما عن أنيتوس وملاتوس: سقراط: إنك تعرف أن ثمة مبادئ معينة في العدالة والخير تعلمناها في طفولتنا، ونشأنا تحت رعايتها الأبوية، نطيعها ونعظمها. أجلوكون: هذا صحيح. سقراط: وثمة أيضاً مبادئ مناقضة لها وعادات من أنواع السرور تتملق أرواحنا وتجذبها إليها، ولكنها لا أثر لها فيمن لديهم أي إحساس بالحق، ومن لا ينقطعون عن إجلال تعاليم آبائهم وطاعتها. أجلوكون: حق. سقراط: فإذا كان الإنسان في هذه الحال وسألته روحه السائلة ما هو الشيء الجميل الشريف؟ وأجاب بأن ذلك هو الذي يأمر به القانون، نقضت الحجج أقوال المشترع، فاضطر إلى الاعتراف بأن لا شيء فيه من الجمال أكثر مما فيه من القبح، أو فيه من العدالة والطيبة أكثر مما فيه من نقيضيهما، وإلى الاعتراف بأن هذا بعينه ينطبق على جميع آرائه التي خلع عليها الزمن جلالاً وتعظيماً، إذا حدث هذا فهل تظن أنه سيظل يعظم هذه التعاليم ويطيعها؟. أجلوكون: هذا مستحيل.

стр. 2477

سقراط: وإذا لم يعد يظنها كما كان يظنها من قبل شريفة وطبيعية، ثم عجز عن معرفة الحق، فهل يُنتظر منه أن يحيا حياة غير الحياة التي تتملق شهواته؟ أجلوكون: ذلك ما لا يُنتظر منه. سقراط: وهل ينقلب بعدئذ من إنسان طائع للقوانين إلى إنسان خارج عليها؟. أجلوكون: بلا ريب. سقراط: وإذن فلا بد من الحذر الشديد في إدخال مواطنينا الذين لا يتجاوزون سن الثالثة والثلاثين في الجدل … إذ يجب ألا يسمح لهم بتذوق هذه اللذة العزيزة قبل الأوان؛ هذا شيء ينبغي تجنبه بنوع خاص، لأن الشبان، كما رأيت، إذا تذوقوا الجدل بدءوا من فورهم يجادلون حباً في الجدل، ولا ينفكون يعارضون غيرهم ويدحضون حججهم تقليداً منهم لمن ينقضون حججهم هم؛ فهم في هذا أشبه بصغار الكلاب التي يسرها أن تشد أثواب كل من يقترب منها وتمزقها. أجلوكون: نعم إن هذا هو الذي يسرها. سقراط: وإذا ما غلبوا الكثيرين من الناس وغلبهم الكثيرون اندفعوا بسرعة وعنف إلى حال لا يؤمنون معها بأي شيء كانوا يؤمنون به من قبل، ومن … ثم تسوء سمعة الفلسفة عند سائر الناس. أجلوكون: هذا هو عين الحق. سقراط: ولكن الرجل إذا بدأ يكبر، فإنه لا يرتكب هذا الضرب من الأعمال الجنونية؛ بل يحذو حذو الرجل المنطقي الذي يبحث عن الحقيقة، لا حذو الخصيم الذي يعارض لما يجده في المعارضة من لذة؛ وإن إجلال الناس لخلقه سيزيد من شرف هذا السعي بدل أنه ينقص منه (٦٧). وكان أفلاطون وأعوانه يعلمون الناس بالمحاضرات والحوار، وبعرض

стр. 2478

المسائل على الطلاب لحلها؛ وكان من هذه المسائل إيجاد: "الحركات المنتظمة المتساوية التي يمكن بالاستناد إليها تعليل حركة الكواكب" (٦٨)؛ ولعل أودكسوس وهرقليدس قد وجدا في هذه البحوث ما يحفزهما إلى العمل. وكانت المحاضرات علمية، وكانت في بعض الأحيان مخيبة لآمال مَن جاءوها طلباً للكسب المادي، ولكن تلاميذ أرسطو ودمستين وليقورغ، وهيبريدس، وأكسانوقراطيس تأثروا بها أعمق التأثر ونشروا في كثير من الأحيان ما كتبوه عنها من مذكرات. وقال أنتفانس متفكهاً إن الكلمات التي كان ينطق بها أفلاطون أمام طلابه في شبابهم لم يفهموها إلا في شيخوختهم؛ كما كانت الألفاظ في إحدى المدن القائمة في أقصى الشمال تتجمد حين تخرج من أفواه المتكلمين ثم تُسمع في الصيف حينما تسيح (٦٩). ٢ - الفنان يقر أفلاطون نفسه أنه لم يكتب في حياته رسالة علمية (٧٠)، ويشير أرسطوطاليس إلى ما كان يلقى من العلوم في المجمع العلمي بقوله "تعاليم" أفلاطون "غير المكتوبة" (٧١). ولسنا نعرف مدى اختلاف هذه التعاليم عما ورد في المحاورات (١)، وأكبر الظن أن هذه المحاورات كانت في بادئ الأمر وسيلة للترويح عن النفس، وأنها كانت تُلقى بطريقة فكهة إلى حد ما (٧٢). ومن سخريات التاريخ أن المؤلفات الفلسفية التي تدرس في الجامعات الأوربية والأمريكية والتي تَلقى فيها أعظم التقدير والإجلال في هذه الأيام قد ألفت لتقرب الفلسفة من أذهان غير العلماء بربطها بإحدى الشخصيات المعروفة. ولم تكن محاورات أفلاطون أول ما كُتب من الحوار الفلسفي، فقد اتبع زينون الإليائي وكثيرون غيره هذه الطريقة ذاتها (٧٣)، ونشر تيمن الأثيني قاطع الجلود بطريقة

стр. 2479

الحوار أحاديث سقراط التي كانت تدور في حانته (٧٤). وكانت المحاورات كما أوردها أفلاطون قطعة أدبية لا تاريخية؛ وهو لا يدعي أنه ينقل لنا نصاً دقيقاً للأحاديث التي كانت تجري قبل أن يكتبها بثلاثين عاماً أو خمسين، بل ولا يدعي أنه يحرص على أن يكون ما فيها من إشارات منسقاً غير متناقض بعضه مع بعض. وذهل غورغياس كما ذهل سقراط حين سمعا الألفاظ التي أنطقهما بها الفيلسوف المسرحي (٧٥). وقد كتبت المحاورات مستقلة كل منها عن الأخرى، ولعلها كتبت في فترات متباعدة تباعداً طويلاً، وليس من حقنا أكثر من هذا أن نرتاع لما فيها من آراء متناقضة. وليس ثمة خطة موضوعة للتأليف بينها كلها وجعلها وحدة منسقة، اللهم إلا البحث المتواصل الذي يقوم به عقل ينمو ويتطور تطوراً واضحاً ملموساً عن الحقيقة التي لا يستطيع الحصول عليها أبداً (١). والمحاورات مركبة بمهارة وإن كانت لا ترقى إلى الدرجة الوسطى. وهي تصور الأفكار تصويراً مسرحياً، وترسم صورة منسقة لسقراط تدل على حب أفلاطون الشديد له؛ ولكنها قلما تدل على وحدة الأفكار أو تسلسلها، وكثيراً ما تنتقل من موضوع إلى موضوع وتسئم القارئ في كثير

стр. 2480

من أجزائها لأنه يورد الحديث بمعناه لا بلفظه - فيجعل رجلاً واحداً ينقل سائر أحاديث غيره من الناس. ويقول سقراط إن ذاكرته "غاية في الضعف" (٧٧). ولكنه مع ذلك يتلو على صديق له عن ظاهر قلب أربعاً وأربعين صفحة من نقاش جرى في أيام شبابه بينه وبين بروتاغوراس. ومما يضعف معظم المحاورات أنها يعوزها المتكلمون الأقوياء القادرون على أن يردوا على سقراط "بغير نعم" أو ما في معناها. ولكن هذه العيوب تختفي في تألق اللغة ووضوحها، وما في الموقف، والتعبير، والفكرة من فكاهة؛ والعالم الحي وما فيه من مختلف الشخصيات البشرية الحقيقية، وما تفتحه هذه المحاورات من نوافذ توصل إلى العقل العميق النبيل. وفي وسعنا أن نحكم على ما كان لهذه المحاورات من قيمة عظيمة عند الأقدمين، إذا ذكرنا أنها أكمل نتاج عقلي وصل إلينا من أي مؤلف يوناني؛ وإن شكلها ليضعها في تاريخ الأدب في منزلة لا تقل سمواً عن المنزلة التي يضعها فيها موضوعها في تاريخ الفكر. وأقدم المحاورات من خير الأمثلة في جدل الشباب الخصيم الذي يندد به في الفقرة التي أوردناها من قبل، ولكن الصورة الساحرة التي تصور بها هذه المحاورات الشباب الأثيني تذهب بما فيها من عيوب من هذه الناحية. ومعرض الآراء هو خير ما كتب من نوعه في أدب العالم كله، وهو خير مقدمة لكتب أفلاطون؛ وإن ما فيه من تصوير مسرحي للمناظر (ونورد على سبيل المثال قول أجاثون Agathon لخدمه: "تصوروا أنكم أرباب المنزل وأنني أنا وأصحابي ضيوفكم" (٧٨))، والصورة الحية التي رسمها لأرسطوفان "وقد تملكه الفواق من كثرة الأكل"، وقصته المرحة عن ألقبيادس الثمل الذي افتضح أمره بين الناس، وأهم من هذا كله براعته في التأليف بين الواقعية القاسية في صورة سقراط وبين فكرته السامية عن الحب، نقول إن هذه الصفات تجعل معرض الآراء آية أدبية رائعة في فن النثر. أما الفيدون فأقل من معرض الآراء قوة وأكثر منه جمالاً. فالنقاش الرئيسي فيه، مهما يبلغ من الضعف، نقاش أمين لا التواء فيه ولا مغالطة، يبيح لصاحب الرأي

стр. 2481

المخالف فرصة مكافئة لفرصة مناظره؛ ويتدفق تدفقاً أكثر سلاسة وسط مناظر يتغلب هدوؤها على ما فيها من مآسٍ، حتى أن موت سقراط نفسه ليشبه اختفاء النهر عن العين حين يلتف عند أحد المنحنيات. ويدور بعض ما يشتمل عليه فيدروس من حوار على شواطئ نهر إليسوس Illissus حين يبرّد سقراط وتلميذه أقدامهما في ماء النهر. ولا حاجة إلى القول بأن أعظم المحاورات كلها على الإطلاق هي الجمهورية لأنها أكمل عرض لفلسفة أفلاطون، وهي في أولى أجزائها صراع مسرحي بين الأشخاص والآراء. والبارمنيدس أسوأ مثل للتلاعب المنطقي في الأدب كله، كما أنه أجرأ مثل في تاريخ الفلسفة للمفكر الذي يفند أحب العقائد إلى نفسه - نعني نظرية الأفكار - تفنيداً لا يقوى أحد على الرد عليه ودحض حججه. وفي المحاورات الأخيرة تضعف قدرة أفلاطون الفنية، فتضمحل شخصية سقراط، وتفقد الميتافيزقيا شعريتها، وتفقد السياسة "مُثُل الشباب العليا" حتى إذا ما وصلنا إلى القوانين، استسلم الرجل المتعب المنهوك القوى الذي ورث جميع ثقافة أثينة على اختلاف مناحيها إلى إغراء إسبارطة، وطلّق الحرية، والشعر والفن والفلسفة نفسها. ٣ - الميتافيزيقي لم يتبع أفلاطون فيما خلفه من أفكار خطة منظمة، وإذا لخصنا نحن آراءه ووضعنا لها رؤوس موضوعات مختلفة كالمنطق، وما وراء الطبيعة، والأخلاق، وعلم الجمال، والسياسة، ليسهل علينا أن نتحدث عنها حديثاً منظماً، فإن من الواجب أن نذكر أن أفلاطون نفسه كان شاعراً مغرقاً في شاعريته إلى حد يمنعه أن يقيد أفكاره ويحدها بحدود. وإذ كان أفلاطون شاعراً فقد كان المنطق أكثر ما يعترض سبيله من الصعاب، فهو يجول هنا وهناك يبحث

стр. 2482

عن التعاريف ويضل السبيل في التشبيهات التي تعرضه لأشد الأخطار؛ "ثم دخلنا في تيه، ولما حسبنا أننا قد وصلنا إلى آخره، رأينا أنفسنا مرة أخرى في بدايته، وكان علينا أن نعود إلى البحث عن مخرج" (٧٩)، ويختم حديثه هذا بقوله: "ولست واثقاً قط من أنه يوجد من بين العلوم علم كالمنطق" (٨٠). ولكنه مع هذا يخطو فيه الخطوة الأولى. فهو يفحص عن طبيعة اللغة ويقول إنها مشتقة من محاكاة الأصوات (٨١)؛ ويبحث في التحليل والتركيب، والتشبيهات والمغالطات، ويقبل الاستقراء، ولكنه يفضل الاستدلال (٨٢)؛ ويضع في هذه المحاورات الشعبية نفسها مصطلحات فنية، كالجوهر، والطاقة، والفعل والانفعال، والتوليد، وهي المصطلحات التي استخدمتها الفلسفة فيما بعد. وهو يضع أسماء لخمس من المقولات العشر التي أذاعت شهرة أرسطوطاليس. وهو يرفض قول السوفسطائيين إن الحواس خير وسيلة لمعرفة الحقيقة وإن الفرد هو مقياس الأشياء جميعها؛ ويقول إنه لو صح هذا لكان ما يقوله أي إنسان عن العالم مساوياً في قيمته لما يقوله أي نائم، وأي مخبول، أو أي قرد (٨٣). ولسنا نستمد من فوضى الحواس إلا فيضاً من التغيرات الهرقليطية؛ ولو لم تكن لنا إلا إحساسات، لما كانت لدينا قط معلومات أو حقائق؛ ذلك أن المعلومات لا تأتي إلا عن طريق الأفكار، وعن طريق الصور المعممة، والأشكال التي تصوغ فوضى الإحساسات وتكون منها التفكير المنظم (٨٤). ولو كنا لا ندك إلا الأشياء المفردة لكان التفكير مستحيلاً، ذلك أننا نتعلم التفكير بجمع الأشياء وتصنيفها حسب ما بينها من أوجه الشبه، ثم نعبر عن الصنف بأجمعه باسم عام له، فلفظ رجل يمكننا من أن نفكر في جميع الرجال، ولفظ منضدة يمكننا من التفكير في جميع المناضد ولفظ ضوء في جميع الأضواء التي سطعت في البر أو البحر. وليست هذه الآراء (Ideai، Eida) أشياء تدركها الحواس، ولكنها حقائق تعرف بالتفكير، لأنها تبقى، ولا تتغير، ولو انعدمت

стр. 2483

جميع الموجودات الحسية المقابلة لها. فالرجال يولدون ويموتون، ولكن "الرجل" يبقى. وليس كل مثلث بمفرده إلا مثلثاً ناقصاً، يفنى عاجلاً أو آجلاً، ومن أجل هذا فهو غير حقيقي نسبياً، ولكن "مثلث"- أي الشكل والقانون اللذين ينطبقان على جميع المثلثات- كامل سرمدي (٨٥). وكل الأشكال الرياضية أفكار سرمدية وكاملة (١)، وكل ما تقوله الهندسة عن المثلثات، والدوائر، والمربعات، والمكعبات، والكرات، يبقى صحيحاً، ومن ثم فهو "حقيقي" ولو لم توجد هذه الأشكال في العالم المادي في الماضي أو في المستقبل. والمعاني المجردة هي الأخرى حقيقية بهذا المعنى؛ فالأعمال الفردية الفاضلة قصيرة الأجل ولكن الفضيلة تبقى حقيقية خالدة في التفكير وأداة للتفكير؛ وهذا أيضاً شأن الجمال، والكبر، والمشابهة وما إليها (٨٧). فالأعمال والأشياء الفردية أشياء وأعمال بالصورة التي نعرفها بها، لأنها تشترك في هذه الأشكال الكاملة أو الأفكار، وتحقق وجودها بدرجة قليلة أو كثيرة. وعالم العلم والفلسفة لا يتكون من أشياء مفردة، بل يتكون من أفكار (٢) (٨٨)؛

стр. 2484

والتاريخ المتميز عن السِّيَر هو قصة الإنسان، وليس علم الأحياء هو علم كائنات عضوية معينة بل هو علم الحياة نفسها، وليست العلوم الرياضية هي دراسة الأشياء المجسمة بل هي دراسة العدد، والعلاقة، والشكل، مستقلة عن الأشياء نفسها، ولكنها تصدق على جميع الأشياء. والفلسفة هي علم الأفكار. وكل شيء في ميتافيزيقية أفلاطون يدور حول نظرية الأفكار. فالله المحرك الأول الذي لا يتحرك، أو روح العالم (٩١)، يحرك كل شيء وينظمه حسب القوانين والأشكال الأزلية، وهي الأفكار التي لا تتبدل والتي تكون، على حد قول أصحاب الأفلاطونية الحديثة، الكلمة أو الحكمة الإلهية أو عقل الله. وأرقى الأفكار هو الخير، ويرى أفلاطون في بعض الأحيان أن هذا الخير هو الله نفسه (٩٢)، ولكنه في أكثر الأحيان هو أداة الخلق الهادية المرشدة، والشكل الأعلى الذي تنجذب إليه كل الأشياء. وإدراك هذا الخير، ورؤية هذا المثل الأعلى الذي يشكل عملية الخلق، هو أسمى غاية تبتغيها المعرفة (٩٣). وليست الحركة وعملية الخلق عمليتين آليتين، بل هما تحتاجان في العالم، كما نحتاج نحن، إلى روح أو مبدأ حيوي يكون هو قوتهما المنشئة المبدعة (٩٤). وليس شيء حقيقياً إلا الذي فيه قوة (٩٥)، ومن أجل هذا فإن المادة ليست حقيقة أساسية (to me on) بل هي مجرد مبدأ من القصور الذاتي، وإمكانياته تنتظر أن يعطيها الله أو الروح شكلاً خاصاً وكياناً حسب فكرة من الأفكار. والروح هي القوة المتحركة بنفسها الموجودة في الإنسان، وهي جزء من الروح المتحركة بنفسها الموجودة في الأشياء جميعها (٩٦). وهي قوة حيوية خالصة، مجردة من الجسم، وخالدة. وقد وجدت قبل الجسم، وجاءت معها من حلولها في أجسام سابقة بذكريات كثيرة إذ أيقظتها الحياة الجديدة حسبناها خطأ معلومات جديدة. ولنضرب لذلك مثلاً الحقائق

стр. 2485

الرياضية فهي بأجمعها حقائق فطرية بهذه الطريقة، وكل ما يفعله التعليم هو أنه يوقظ ذكريات الأشياء التي عرفتها الروح في حيواتها الكثيرة الماضية (٩٧). وإذا مات الإنسان انتقل روحه أو مبدأ الحياة الذي فيه إلى كائنات عضوية أخرى أرقى منه أو أحط حسب ما استحقته في تجسداتها السابقة. وربما ذهبت الروح المذنبة إلى المطهر أو الجحيم، وذهبت الروح الفاضلة إلى جزائر المباركين (٩٨). فإذا ما تطهرت الروح في خلال الحيوات المختلفة من جميع آثامها، تحررت من التجسد وصعدت إلى الفردوس تتمتع فيه بالسعادة السرمدية (١). ٤ - العالم الأخلاقي لقد كان أفلاطون يعرف أن كثيرين من قرائه سيكونون من المتشككين، ودليلنا على هذا أنه قضى بعض الوقت يحاول وضع قانون أخلاقي طبيعي يبعث في نفوس الناس الرغبة في الاستقامة والصلاح من غير أن يعتمدوا على السماوات والمطهر والجحيم (١٠١)؛ وإن المحاورات التي كتبها في حياته الوسطى لتتحول شيئاً فشيئاً من الميتافيزيقا إلى الأخلاق والسياسة "إن أعظم أنواع الحكمة وأجملها هي الحكمة المتصلة بتنظيم الدول والأسر" (١٠٢). والمشكلة الرئيسية في علم الأخلاق تدور حول النزاع الظاهر بين ملاذ الفرد وبين الخير الاجتماعي. ويعرض أفلاطون هذه المشكلة عرضاً واضحاً ويورد على لسان كلياس Callias من الحجج التي تبرر الأنانية ما لا يقل عن أقوى الحجج التي أوردها أي داعية لمخالفة القواعد الخلقية في عصر من العصور (١٠٣). وهو يعترف بأن كثيراً من اللذائذ لا عيب فيه ولا إثم،

стр. 2486

وأن الإنسان في حاجة إلى الذكاء للتمييز بين اللذات الطيبة واللذات الضارة، وأن من الواجب أن تربى في الطفل عادة الاعتدال وإدراك "الأواسط الذهبية للأمور" خشية أن يأتي الذكاء متأخراً بعد فوات الوقت (١٠٤). وتتكون النفس أو أصل الحياة من ثلاث درجات أو أجزاء- الشهوة، والإدارة، والفكر، ولكل جزء من هذه الأجزاء فضيلته الخاصة- الاعتدال والشجاعة، والحكمة؛ ويجب أن تضيف إليها التقوى والعدالة- وأداء واجب الإنسان نحو والديه وآلهته. ويمكن تعريف العدالة بأنها هي تعاون الأجزاء في الكل، أو العناصر في الأخلاق، أو الأهلين في الدولة، بحيث يقوم كل جزء بواجبه اللائق به على الوجه الأكمل (١٠٥). وليس الخير هو الفعل وحده أو اللذة وحدها، بل هو امتزاجهما بنسب ومقادير تنتج منها حياة الفعل (١٠٦). والخير الأسمى كائن في العلم الخالص بالأشكال والقوانين السرمدية، و"أسمى خير" من الناحية الأخلاقية " … هو ما في النفس من قدرة أو موهبة، إذا كان ثمة شيء من هذا النوع تستطيع به أن تعرف الحقيقة، وأن تفعل كل الأشياء من أجل الحقيقة (١٠٧)؛ ومن يحب الحقيقة لا يهمه أن يجزي الإساءة بالإساءة" (١٠٨)، بل يفضل أن يتحمل على أن يرتكب هو الظلم، و"يضرب في الأرض براً وبحراً يبحث عن الناس الذين لا يجد الفساد سبيلاً إليهم، والذين لا تُقَوَّم صحبتهم بالمال أياً كان … والذين يهبون أنفسهم للفلسفة بحق يمتنعون عن الشهوات الجسمية، وإذا ما عرضت عليهم الفلسفة أن تطهرهم من الشر وتحررهم منه، أحسوا بأن من واجبهم ألا يقاوموا تأثيرها فيهم؛ ومن أجل ذلك يميلون نحوها، ويسيرون خلفها للهدف الذي تقودهم إليه" (١٠٩). وكان أفلاطون قد حرق قصائده وفقد عقائده الدينية، ولكنه ظل مع ذلك شاعراً وعابداً؛ يغمر فكرته عن الخير إحساس قوي بالجمال وتقوى ممتزجة

стр. 2487

بالزهد والتقشف؛ توحدت فيه الفلسفة والدين وامتزجت فيه الأخلاق بحاسة الجمال. ولما تقدمت به السن عجز عن أن يرى الجمال منفصلاً عن الخير والحقيقة. وكان في دولته المثالية يفرض الرقابة على جميع الفن والشعر اللذين قد ترى الحكومة أن فيهما نزعة مغايرة للأخلاق الفاضلة أو الوطنية، وهو يمنع فيها جميع الخطب وجميع المسرحيات المضادة للدين؛ وحتى شعر هومر نفسه- الذي يصور الدين المغاير للأخلاق تصويراً مغرياً- يجب أن يضحى به. وكان يجيز في هذه الدولة المثالية أساليب الموسيقى الدُّورية والفريجية؛ ولكنه يشترط ألا تضر بها آلات معقدة التركيب أو يعزفها فنانون يُحدثون "أصواتاً وحشية" في أثناء عرضهم الفني (١١٠)، أو يُدخلون فيها بدعاً متطرفة. "يجب الابتعاد عن إضافة أي نوع جديد لأنواع الموسيقى، لأن هذا يعرض الدولة كلها للخطر؛ وسبب ذلك أن الأنماط الموسيقية إذا اضطربت أثرت حتماً في أهم الأنظمة السياسية … ذلك أن النمط الجديد يتأصل في الدولة تدريجاً، ويتطرق شيئاً فشيئاً إلى أخلاق الناس وعاداتهم، ومن هذه الأخلاق والعادات يهاجم الشرائع والدساتير، ويظهر في هذا الهجوم منتهى السفالة، وينتهي الأمر بقلب كل شيء في الدولة رأساً على عقب (١١١). والجمال كالفضيلة إنما يكون في اللياقة، والتناسب، والنظام. والعمل الفني يجب أن يكون مخلوقاً حياً، ذا رأس، وجذع، وأطراف، توحدها وتبعث فيها الحياة، فكرة واحدة (١١٢). ويظن هذا المتزمت المتحمس أن الجمال الحق هو جمال العقل لا جمال الجسم، وأن الأشكال الهندسية ذات جمال سرمدي مطلق، وأن القوانين التي تقوم عليها السماوات تفوق النجوم في جمالها (١١٣). والحب هو طلب الجمال ويتألف من ثلاث مراحل أولاها حب الجسم والثانية حب الروح والثالثة حب الحقيقة. وحب الجسم بين الرجل والمرأة مشروع لا إثم فيه لأنه وسيلة للتناسل الذي هو نوع من أنواع الخلود (١١٤)؛ ولكنه مع ذلك صورة بدائية من

стр. 2488

الحب غير جديرة بالفيلسوف. والحب الجسمي بين الرجل والرجل أو بين المرأة والمرأة مناف للطبيعة ويجب قمعه لأنه يعطل التناسل (١١٥). وقمعه مستطاع بالسمو به إلى المرحلة الثانية أي المرحلة الروحية من مراحل الحب: ففي هذه المرحلة يحب الرجل الكبير السن الشاب لأن وسامته رمز للجمال الطاهر السرمدي، والشاب يحب الشيخ لأن حكمته تيسر له سبيل الفهم والشرف. ولكن أسمى أنواع الحب هو "حب الاستحواذ على الخير الأبدي" وهو الحب الذي يسعى وراء الجمال المطلق للأفكار أو الأشكال الكاملة السرمدية (١١٦). وهذا النوع لا العاطفة غير الجسمية بين الرجل والمرأة هو "الحب الأفلاطوني"، وهو النقطة التي يتحدث عندها أفلاطون الشاعر مع أفلاطون الفيلسوف في الرغبة القوية في الفهم، وتكاد هذه الرغبة أن تكون شغفاً صوفياً بما في القانون وما في بناء العالم وحياته وغايته من نور النعيم الباهر. "لأن أديمنتس، الذي لا يتحول عقله عن الوجود الحق لا يجد لديه وقتاً يطل فيه على شئون الناس، أو يمتلئ فيه قلبه حسداً وغُلاً من النزاع معهم؛ ذلك أن عينه تتجه على الدوام نحو المبادئ الثابتة التي لا تتبدل، وهي التي لا يؤذي بعضها بعضاً، بل يراها كلها تتحرك في نظام حسب قوانين العقل؛ فهو يحذو حذو هذه المبادئ، وعلى مثالها يشكل حياته قدر المستطاع" (١١٧). ٥ - الطوباوي ولكنه مع هذا يهتم بشئون الناس، وتتمثل أمام ناظريه رؤيا اجتماعية أيضاً، ويحلم بوجود مجتمع خالٍ من الفساد والفقر والظلم والحروب. وقد روعته ما كان يسود أثينة من انقسامات حزبية مريرة "وشقاق، وعداء، وحقد، وريبة، لا تكاد تخبو نارها حتى تعود إلى الاشتعال" (١١٨). وكان يحتقر ألجركية المال كما يحتقرها جميع النبلاء أبناء الأسر الشريفة ذات المجد التليد،

стр. 2489

ويقول عن رجالها إنهم "رجال الأعمال … الذين لا تطاوعهم نفوسهم إلى رؤية من قضوا عليهم بجشعهم، ويدفعون سمومهم - أي مالهم - في جسم كل من لا يحْذَرهم، ثم يستردون ما أخذوه منهم أضعافاً مضاعفة: وتلك هي الطريقة التي يملأون بها الدولة بالكسالى والمعدمين" (١١٩) "ثم تنشأ الديمقراطية، بعد أن يتغلب الفقراء على معارضيهم، فيقتلون بعضهم، وينفون من البلاد البعض الآخر، ثم يمنحون الباقي أقساطاً متساوية من الحرية والسلطة" (١٢٠). ويتضح آخر الأمر أن الديمقراطيين لا يقلون فساداً عن الحكام الأثرياء: فهم يستخدمون القوة التي تؤول إليهم لكثرة عددهم ليوزعوا الأموال العامة على الفقراء، ومناصب الدولة عليهم أنفسهم؛ وهم يتملقون العامة ويداهنونهم حتى تنقلب الحرية فوضى، وتنحط المعايير بعد أن تؤول السلطة العليا إلى أراذل الناس، وتغلظ الطباع بسبب انتشار الوقاحة والسباب؛ وكما أن السعي الجنوني وراء المال يقضي على الحكم الألجركي، كذلك يقضي على الديمقراطية التطرف في الحرية. سقراط: ففي هذه الدولة تسود الفوضى، وتتخذ سبيلها إلى البيوت الأفراد، وتنهي الأمر بانتقال عدواها إلى الحيوانات … فيتعود الأب النزول إلى مستوى أبنائه … ويتعود الابن أن يضع نفسه في مستوى أبيه، فلا يخشى أبويه، ولا يستحي منهما .. ويخاف الأستاذ طلابه ويتملقهم، ويحتقر الطلاب أساتذتهم ومعلميهم .. ويصبح الكبار والصغار سواسية، فيضع الشاب نفسه في مستوى الشيخ، ولا يستنكف أن يعارضه بالقول والفعل، ولا يتحرج الشيوخ من تقليد الشبان. ومن واجبي ألا أنسى حرية الجنسين الذكور والإناث ومساواة كليهما بالآخر في علاقتهما بعضهما ببعض … والحق أن الخيل والحمير، لن تعدم وقتئذ سبيلاً للسير مع الناس جنباً إلى جنب، والاستمتاع بكل ما لأحرار الناس من حقوق وكرامات … وقصارى القول أن الأشياء جميعها توشك أن تنفجر لكثرة ما أتخمت بالحرية …

стр. 2490

أديمنتس: ولكن ما هي الخطوة التالية؟ … سقراط: إن ازدياد أي شيء فوق حده كثيراً ما يؤدي إلى انقلاب في الاتجاه المضاد له … ولهذا يبدو أن الإفراط في الحرية، سواء كان ذلك من ناحية الأفراد أو من ناحية الدول، لن يؤدي إلا إلى الاستعباد … ونرى أن أشد أنواع الحكومات استبداداً تنشأ من أشد أنواع الحرية تطرفاً. وإذا ما صارت الحرية تحللاً من كل القيود، فقد اقتربت الدكتاتورية. ذلك أن الأغنياء يخشون وقتئذ أن تجردهم الديمقراطية من مالهم فيأتمرون بها ليقضوا عليها (١٢٢) "وقد يغتصب السلطة أحد الأفراد المغامرين، ويعد الفقراء بكل ما يرغبون فيه، ويحيط نفسه بجيش خاص به، ويقتل أولاً أعداءه ثم يتبعهم بأصدقائه "حتى يطهر الدولة" من هؤلاء وأولئك، ويقيم حكومة دكتاتورية. (١٢٣). وفي هذا الصراع العنيف بين الآراء المتطرفة يكون الفيلسوف الذي ينادي بالاعتدال والتفاهم أشبه "برجل وقع بين الوحوش"؛ فإذا كان حكيماً "احتمى بجدار حتى تمر العاصفة والريح الهوجاء" (١٢٤) ومن العلماء من يلجئون في هذه الأزمات إلى الماضي، ويشتغلون بكتابة التاريخ، أما أفلاطون فيلجأ إلى المستقبل، ويضع نظام المدينة الفاضلة، ويرى أن أول ما يجب عمله هو "البحث عن ملك صالح يسمح بأن نجري التجارب على شعبه، وواجبنا الثاني هو أن نبعد من هذه المدينة جميع الكبار فلا نستبقي منهم إلا من لا غنى عنهم لحفظ النظام وتعليم الشبان، وذلك لأن أساليب الكبار تفسد الشباب وتطبعهم بطابع الماضي. ثم نعد للشباب رجالاً كانوا أو نساء منهجاً تعليمياً يمتد إلى عشرين عاماً، ويشمل تعليم الأساطير" وهو لا يقصد بها أساطير الدين القديم الفاسدة، بل أساطير جديدة تعود النفس طاعة الآباء والدولة (١). فإذا قضوا في التعليم هذه المدة وضعت لهم اختبارات جسمية وعقلية وأخلاقية. فأما الذين يخفقون
следующие страницы →