وأن الإنسان في حاجة إلى الذكاء للتمييز بين اللذات الطيبة واللذات الضارة، وأن من الواجب أن تربى في الطفل عادة الاعتدال وإدراك "الأواسط الذهبية للأمور" خشية أن يأتي الذكاء متأخراً بعد فوات الوقت (١٠٤).
وتتكون النفس أو أصل الحياة من ثلاث درجات أو أجزاء- الشهوة، والإدارة، والفكر، ولكل جزء من هذه الأجزاء فضيلته الخاصة- الاعتدال والشجاعة، والحكمة؛ ويجب أن تضيف إليها التقوى والعدالة- وأداء واجب الإنسان نحو والديه وآلهته. ويمكن تعريف العدالة بأنها هي تعاون الأجزاء في الكل، أو العناصر في الأخلاق، أو الأهلين في الدولة، بحيث يقوم كل جزء بواجبه اللائق به على الوجه الأكمل (١٠٥). وليس الخير هو الفعل وحده أو اللذة وحدها، بل هو امتزاجهما بنسب ومقادير تنتج منها حياة الفعل (١٠٦). والخير الأسمى كائن في العلم الخالص بالأشكال والقوانين السرمدية، و"أسمى خير" من الناحية الأخلاقية " … هو ما في النفس من قدرة أو موهبة، إذا كان ثمة شيء من هذا النوع تستطيع به أن تعرف الحقيقة، وأن تفعل كل الأشياء من أجل الحقيقة (١٠٧)؛ ومن يحب الحقيقة لا يهمه أن يجزي الإساءة بالإساءة" (١٠٨)، بل يفضل أن يتحمل على أن يرتكب هو الظلم، و"يضرب في الأرض براً وبحراً يبحث عن الناس الذين لا يجد الفساد سبيلاً إليهم، والذين لا تُقَوَّم صحبتهم بالمال أياً كان … والذين يهبون أنفسهم للفلسفة بحق يمتنعون عن الشهوات الجسمية، وإذا ما عرضت عليهم الفلسفة أن تطهرهم من الشر وتحررهم منه، أحسوا بأن من واجبهم ألا يقاوموا تأثيرها فيهم؛ ومن أجل ذلك يميلون نحوها، ويسيرون خلفها للهدف الذي تقودهم إليه" (١٠٩).
وكان أفلاطون قد حرق قصائده وفقد عقائده الدينية، ولكنه ظل مع ذلك شاعراً وعابداً؛ يغمر فكرته عن الخير إحساس قوي بالجمال وتقوى ممتزجة
стр. 2487
بالزهد والتقشف؛ توحدت فيه الفلسفة والدين وامتزجت فيه الأخلاق بحاسة الجمال. ولما تقدمت به السن عجز عن أن يرى الجمال منفصلاً عن الخير والحقيقة. وكان في دولته المثالية يفرض الرقابة على جميع الفن والشعر اللذين قد ترى الحكومة أن فيهما نزعة مغايرة للأخلاق الفاضلة أو الوطنية، وهو يمنع فيها جميع الخطب وجميع المسرحيات المضادة للدين؛ وحتى شعر هومر نفسه- الذي يصور الدين المغاير للأخلاق تصويراً مغرياً- يجب أن يضحى به. وكان يجيز في هذه الدولة المثالية أساليب الموسيقى الدُّورية والفريجية؛ ولكنه يشترط ألا تضر بها آلات معقدة التركيب أو يعزفها فنانون يُحدثون "أصواتاً وحشية" في أثناء عرضهم الفني (١١٠)، أو يُدخلون فيها بدعاً متطرفة.
"يجب الابتعاد عن إضافة أي نوع جديد لأنواع الموسيقى، لأن هذا يعرض الدولة كلها للخطر؛ وسبب ذلك أن الأنماط الموسيقية إذا اضطربت أثرت حتماً في أهم الأنظمة السياسية … ذلك أن النمط الجديد يتأصل في الدولة تدريجاً، ويتطرق شيئاً فشيئاً إلى أخلاق الناس وعاداتهم، ومن هذه الأخلاق والعادات يهاجم الشرائع والدساتير، ويظهر في هذا الهجوم منتهى السفالة، وينتهي الأمر بقلب كل شيء في الدولة رأساً على عقب (١١١).
والجمال كالفضيلة إنما يكون في اللياقة، والتناسب، والنظام. والعمل الفني يجب أن يكون مخلوقاً حياً، ذا رأس، وجذع، وأطراف، توحدها وتبعث فيها الحياة، فكرة واحدة (١١٢). ويظن هذا المتزمت المتحمس أن الجمال الحق هو جمال العقل لا جمال الجسم، وأن الأشكال الهندسية ذات جمال سرمدي مطلق، وأن القوانين التي تقوم عليها السماوات تفوق النجوم في جمالها (١١٣). والحب هو طلب الجمال ويتألف من ثلاث مراحل أولاها حب الجسم والثانية حب الروح والثالثة حب الحقيقة. وحب الجسم بين الرجل والمرأة مشروع لا إثم فيه لأنه وسيلة للتناسل الذي هو نوع من أنواع الخلود (١١٤)؛ ولكنه مع ذلك صورة بدائية من
стр. 2488
الحب غير جديرة بالفيلسوف. والحب الجسمي بين الرجل والرجل أو بين المرأة والمرأة مناف للطبيعة ويجب قمعه لأنه يعطل التناسل (١١٥). وقمعه مستطاع بالسمو به إلى المرحلة الثانية أي المرحلة الروحية من مراحل الحب: ففي هذه المرحلة يحب الرجل الكبير السن الشاب لأن وسامته رمز للجمال الطاهر السرمدي، والشاب يحب الشيخ لأن حكمته تيسر له سبيل الفهم والشرف. ولكن أسمى أنواع الحب هو "حب الاستحواذ على الخير الأبدي" وهو الحب الذي يسعى وراء الجمال المطلق للأفكار أو الأشكال الكاملة السرمدية (١١٦). وهذا النوع لا العاطفة غير الجسمية بين الرجل والمرأة هو "الحب الأفلاطوني"، وهو النقطة التي يتحدث عندها أفلاطون الشاعر مع أفلاطون الفيلسوف في الرغبة القوية في الفهم، وتكاد هذه الرغبة أن تكون شغفاً صوفياً بما في القانون وما في بناء العالم وحياته وغايته من نور النعيم الباهر.
"لأن أديمنتس، الذي لا يتحول عقله عن الوجود الحق لا يجد لديه وقتاً يطل فيه على شئون الناس، أو يمتلئ فيه قلبه حسداً وغُلاً من النزاع معهم؛ ذلك أن عينه تتجه على الدوام نحو المبادئ الثابتة التي لا تتبدل، وهي التي لا يؤذي بعضها بعضاً، بل يراها كلها تتحرك في نظام حسب قوانين العقل؛ فهو يحذو حذو هذه المبادئ، وعلى مثالها يشكل حياته قدر المستطاع" (١١٧).
٥ - الطوباوي
ولكنه مع هذا يهتم بشئون الناس، وتتمثل أمام ناظريه رؤيا اجتماعية أيضاً، ويحلم بوجود مجتمع خالٍ من الفساد والفقر والظلم والحروب. وقد روعته ما كان يسود أثينة من انقسامات حزبية مريرة "وشقاق، وعداء، وحقد، وريبة، لا تكاد تخبو نارها حتى تعود إلى الاشتعال" (١١٨). وكان يحتقر ألجركية المال كما يحتقرها جميع النبلاء أبناء الأسر الشريفة ذات المجد التليد،
стр. 2489
ويقول عن رجالها إنهم "رجال الأعمال … الذين لا تطاوعهم نفوسهم إلى رؤية من قضوا عليهم بجشعهم، ويدفعون سمومهم - أي مالهم - في جسم كل من لا يحْذَرهم، ثم يستردون ما أخذوه منهم أضعافاً مضاعفة: وتلك هي الطريقة التي يملأون بها الدولة بالكسالى والمعدمين" (١١٩) "ثم تنشأ الديمقراطية، بعد أن يتغلب الفقراء على معارضيهم، فيقتلون بعضهم، وينفون من البلاد البعض الآخر، ثم يمنحون الباقي أقساطاً متساوية من الحرية والسلطة" (١٢٠). ويتضح آخر الأمر أن الديمقراطيين لا يقلون فساداً عن الحكام الأثرياء: فهم يستخدمون القوة التي تؤول إليهم لكثرة عددهم ليوزعوا الأموال العامة على الفقراء، ومناصب الدولة عليهم أنفسهم؛ وهم يتملقون العامة ويداهنونهم حتى تنقلب الحرية فوضى، وتنحط المعايير بعد أن تؤول السلطة العليا إلى أراذل الناس، وتغلظ الطباع بسبب انتشار الوقاحة والسباب؛ وكما أن السعي الجنوني وراء المال يقضي على الحكم الألجركي، كذلك يقضي على الديمقراطية التطرف في الحرية.
سقراط: ففي هذه الدولة تسود الفوضى، وتتخذ سبيلها إلى البيوت الأفراد، وتنهي الأمر بانتقال عدواها إلى الحيوانات … فيتعود الأب النزول إلى مستوى أبنائه … ويتعود الابن أن يضع نفسه في مستوى أبيه، فلا يخشى أبويه، ولا يستحي منهما .. ويخاف الأستاذ طلابه ويتملقهم، ويحتقر الطلاب أساتذتهم ومعلميهم .. ويصبح الكبار والصغار سواسية، فيضع الشاب نفسه في مستوى الشيخ، ولا يستنكف أن يعارضه بالقول والفعل، ولا يتحرج الشيوخ من تقليد الشبان. ومن واجبي ألا أنسى حرية الجنسين الذكور والإناث ومساواة كليهما بالآخر في علاقتهما بعضهما ببعض … والحق أن الخيل والحمير، لن تعدم وقتئذ سبيلاً للسير مع الناس جنباً إلى جنب، والاستمتاع بكل ما لأحرار الناس من حقوق وكرامات … وقصارى القول أن الأشياء جميعها توشك أن تنفجر لكثرة ما أتخمت بالحرية …
стр. 2490
أديمنتس: ولكن ما هي الخطوة التالية؟ …
سقراط: إن ازدياد أي شيء فوق حده كثيراً ما يؤدي إلى انقلاب في الاتجاه المضاد له … ولهذا يبدو أن الإفراط في الحرية، سواء كان ذلك من ناحية الأفراد أو من ناحية الدول، لن يؤدي إلا إلى الاستعباد … ونرى أن أشد أنواع الحكومات استبداداً تنشأ من أشد أنواع الحرية تطرفاً.
وإذا ما صارت الحرية تحللاً من كل القيود، فقد اقتربت الدكتاتورية. ذلك أن الأغنياء يخشون وقتئذ أن تجردهم الديمقراطية من مالهم فيأتمرون بها ليقضوا عليها (١٢٢) "وقد يغتصب السلطة أحد الأفراد المغامرين، ويعد الفقراء بكل ما يرغبون فيه، ويحيط نفسه بجيش خاص به، ويقتل أولاً أعداءه ثم يتبعهم بأصدقائه "حتى يطهر الدولة" من هؤلاء وأولئك، ويقيم حكومة دكتاتورية. (١٢٣). وفي هذا الصراع العنيف بين الآراء المتطرفة يكون الفيلسوف الذي ينادي بالاعتدال والتفاهم أشبه "برجل وقع بين الوحوش"؛ فإذا كان حكيماً "احتمى بجدار حتى تمر العاصفة والريح الهوجاء" (١٢٤)
ومن العلماء من يلجئون في هذه الأزمات إلى الماضي، ويشتغلون بكتابة التاريخ، أما أفلاطون فيلجأ إلى المستقبل، ويضع نظام المدينة الفاضلة، ويرى أن أول ما يجب عمله هو "البحث عن ملك صالح يسمح بأن نجري التجارب على شعبه، وواجبنا الثاني هو أن نبعد من هذه المدينة جميع الكبار فلا نستبقي منهم إلا من لا غنى عنهم لحفظ النظام وتعليم الشبان، وذلك لأن أساليب الكبار تفسد الشباب وتطبعهم بطابع الماضي. ثم نعد للشباب رجالاً كانوا أو نساء منهجاً تعليمياً يمتد إلى عشرين عاماً، ويشمل تعليم الأساطير" وهو لا يقصد بها أساطير الدين القديم الفاسدة، بل أساطير جديدة تعود النفس طاعة الآباء والدولة (١). فإذا قضوا في التعليم هذه المدة وضعت لهم اختبارات جسمية وعقلية وأخلاقية. فأما الذين يخفقون
стр. 2491
في هذه الاختبارات فيصبحون هم رجال الاقتصاد في الدولة- رجال الأعمال، والصناع، والزراع؛ ويسمح لهؤلاء بأن تكون لهم أملاك خاصة، وأن يكونوا على درجات مختلفة في الثراء (داخل حدود معينة) حسب كفاياتهم، على أنه لا يسمح بوجود العبيد. أما من يجتازون هذا الاختبار الأول فيتلقون منهاجاً آخر من التعليم والتدريب يمتد إلى عشرة أعوام أخرى.
ثم يختبرون من جديد بعد الأعوام الثلاثين؛ فأما الساقطون فيصبحون جنوداً، لا يسمح لهم بأملاك خاصة ولا يشتغلون بالأعمال التجارية والمالية، بل يعيشون في شيوعية عسكرية. وأما الذين يجتازون الاختبار الثاني فيبدأون في ذلك الوقت (لا قبله) دراسة "الفلسفة الإلهية" (١٢٥) مدة خمس سنين. وتشمل الدراسة جميع فروع هذه الفلسفة من رياضيات إلى منطق إلى سياسة وقانون. فإذا أتموا هذه الدراسة النظرية خمسة وثلاثين عاماً، ألقوه في الحياة العملية ليكسبوا قوتهم ويشقوا طريقهم. وبعد خمسين عاماً يصبح الباقون منهم على قيد الحياة الطبقة المهيمنة على المدينة أو حكامها من غير حاجة إلى انتخاب.
ويمنح هؤلاء السلطة كلها، ولكنهم لا تكون لهم أملاك. ولن تكون للمدينة قوانين، بل تعرض كل القضايا والمنازعات على الملوك - الفلاسفة ليفصلوا فيها بحكمتهم التي لم تفسدها السوابق. ولن يكون لهؤلاء الملوك - الفلاسفة ملك ولا مال، ولا أسر، ولا زوجات يختصمون بهن على الدوام، وذلك لكيلا يسيئون استخدام سلطتهم. ويتولى الشعب التصرف في أموال المدينة كما يتولى الجند السلطة العسكرية. وليست الشيوعية عند أفلاطون نوعاً من الديمقراطية، بل هي أرستقراطية، يعجز عن بلوغها عامة الشعب، ولا يتحملها إلا الجنود والفلاسفة.
أما الزواج فيجب أن ينظمه الحراس لجميع الطبقات تنظيماً دقيقاً يهدف إلى غرض مقدس هو تحسين النسل. "فيجب أن يجتمع أفضل الجنسين بعضهما ببعض أكثر ما يستطيعون، وأن يجتمع المنحطون من الرجال بالمنحطات من النساء،
стр. 2492
ثم يربى أبناء الأولين ولا يربى أبناء الآخرين، لأن هذه هي السبيل الوحيدة للاحتفاظ بالشعب في حالة صالحة" (١٢٦) وعلى الدولة أن تتولى تربية الأطفال جميعهم وتقدم لهم فرصاً للتعليم متكافئة. ويجب ألا تكون الطبقات وراثية، وأن يكون للبنات من الفرص مثل ما للأولاد، وألا تمنع النساء من تولي مناصب الدولة لأنهن نساء. ويعتقد أفلاطون أنه بهذا المزيج من الفردية والشيوعية، وبالعمل على تحسين النسل، ومساواة المرأة بالرجل في الحقوق، يستطيع أن يوجد مجتمعاً يسر الفيلسوف أن يعيش فيه. ويختم بحثه بالعبارة الآتية: "وإلى أن يكون الفلاسفة ملوكاً، أو أن يتشبع ملوك هذا العالم وأمراؤه بروح الفلسفة وقوتها … لن تنجو المدن ولن ينجو الجنس البشري من الشر" (١٢٧).
٦ - المشترع
وظن أنه وجد في دنيسوس الثاني الأمير المطلوب. وكان يشعر كما يشعر فلتير أن الملكية المطلقة تمتاز عن الديمقراطية بأن المصلح في الحالة الأولى لا يحتاج إلى إقناع أكثر من رجل واحد (١٢٨). وفي ذلك يقول إنك إذا أردت أن تنشئ دولة صالحة فما "عليك إلى أن تضع على رأسها حاكماً بأمره، شاباً معتدلاً، سريع التعلم، قوي الذاكرة شجاعاً، كريم الطبع … حسن الحظ؛ ويكون حسن حظه في أنه معاصر لمشترع عظيم، وأن الظروف الموفقة تجمع أحدهما إلى الآخر" (١٢٩) لكن اجتماعه بدنيسوس كان كما سبق القول من أسوأ الظروف.
وكان أفلاطون في آخر سني حياته لا يزال يتوق إلى أن يكون مشترعاً، ولذلك عرض على الناس دولة تلي الدولتين السابقتين في الحسن. وهو يتحدث عن هذه الدولة الثالثة في كتاب القوانين، وهذا أقدم المراجع الأوربية المعروفة في التشريع، وهو إلى هذا دراسة نافعة في عهد الشيخوخة
стр. 2493
اليوناني الذي أعقب عهد الشباب الإبداعي. وفيه يقول أفلاطون إن الدولة الجديدة ينبغي أن تكون في داخل الأرض، بعيدة عن البحر حتى لا تفسد الآراء الأجنبية إيمانها، والتجارة الأجنبية أمنها، والترف الأجنبي بساطتها وانطواءها على نفسها (١٣٠). ويجب أن يقتصر عدد مواطنيها الأحرار على العدد السهل الانقسام وهو ٥٠٤٠ يضاف إليهم أفراد أسرهم. ويختار المواطنون من بينهم ٣٦٠ حارساً يقسمون إلى جماعات تتألف كل واحدة منها من ثلاثين شخصاً يتولون تصريف أعمال الدولة شهراً واحداَ، ويختار الحراس الثلاثمائة والستون مجلساً ليلياً مؤلفاً من ستة وعشرين عضواً يجتمع في الليل ويشرع لكل شئون المدينة الحيوية (١٣١). ويجب على هؤلاء الأعضاء أن يقسموا الأرض بين أسر المواطنين أقساماً متساوية على ألا يسمح لهؤلاء الملاك بتقسيمها بعدئذ ولا بالنزول عنها لغيرهم. وعلى الحراس "أن يتخذوا ما يجب اتخاذه من الاحتياطات حتى لا يضر المطر بالأرض بدل أن ينفعها … وأن يمنعوا المطر عنها بالجسور والخنادق، ويجعلوا قنوات" الري "توصل الكثير من الماء لجميع الأراضي حتى الأراضي الجافة" (١٣٢). ويجب ألا تزيد التجارة عن الحد الأدنى حتى لا ينشأ من هذا عدم المساواة الاقتصادية. ويجب ألا يحتفظ الناس بشيء من الذهب أو الفضة، وألا يتعاملوا بالربا (١٣٣)، وألا يُشَجع أي إنسان على أن يعيش باستثمار أمواله، بل يُشَجع على أن يعيش بالاشتغال بزرع الأرض بجد ونشاط. ويجب على كل من يحصل من ريع الأرض على أربعة أمثال قيمته أن يرد الباقي إلى الدولة. وقد قُيد حق التوريث والوصية بأشد القيود (١٣٤) وجعل للنساء فرصاً تعليمية وسياسية متكافئة مع الرجال (١٣٥)، وفرض على الرجال أن يتزوجوا بين الثلاثين والخامسة والثلاثين، وإلا ألزموا بدفع غرامات سنوية باهضة، (١٣٦) وعليهم ألا يلدوا أطفالاً إلا في خلال عشر سنين. ومن الواجب تنظيم الشراب وغيره من وسائل اللهو للمحافظة على أخلاق الشعب (١٣٧).
стр. 2494
وللوصول إلى هذا كله في هدوء وسلام يجب أن تشرف الدولة إشرافاً تاماً على شئون التعليم، والنشر، وغيرها من وسائل تكوين الرأي العام، وأخلاق الأفراد، ويجب أن يكون أكبر موظف في الدولة هو وزير المعارف ويجب أن تحل السلطة محل الحرية في شئون التعليم، وذلك لأن ذكاء الأطفال أقل من أن يجيز لنا أن نتركهم يختطون لنفسهم حياتهم. ويجب ألا تفرض الرقابة على الآداب، والعلوم والفنون، فلا يجوز أن يُعبر عن آراء يرى أعضاء المجلس أنها ضارة بالآداب العامة أو الخلق القويم. وإذ كانت طاعة الوالدين والقوانين لا بد أن تستند إلى قوة أعلى من قوة البشر وتأييدها فإن الدولة هي التي تقرر أي الآلهة تُعبد وكيف تُعبد ومتى تُعبد. وكل من يتردد في الخضوع لهذا الدين الرسمي يسجن، فإن أصر على عدم الخضوع له وجب أن يقتل (١٣٨).
وليست الحياة الطويلة نعمة لصاحبها على الدوام. ولقد كان من الخير لأفلاطون أن يموت قبل أن يوجه هذه التهمة لسقراط، وأن يمهد هذا التمهيد لجميع محاكم التفتيش المستقبلة. ولعل دفاعه عن نفسه هو أنه يحب العدالة أكثر من حبه للحقيقة، وأن هدفه هو أن يمحو الفقر والحرب، وأنه لا يستطيع أن يمحوهما إلا بسيطرة الدولة على الأفراد سيطرة تامة، وأن هذه السيطرة لا تكون إلا بواحدة من اثنتين القوة أو الدين. وكان يظن أن ما أصاب الأثينيين من انحلال أيوني في الأخلاق والسياسة لا علاج له إلا بالقوانين الإسبارطية المشتقة من النظام الدوري. والنزعة السارية في تفكير أفلاطون كله هي خوفه من أن يساء استخدام الحرية، وأن يفهم الناس الفلسفة على أنها الرقيب على شئون الناس والمنظمة للفنون. ويعرض أفلاطون في كتاب القوانين تسليم أثينة المحتضرة التي استوفت حياتها لإسبارطة التي قضت نحبها من أيام ليقورغ. وإذا لم يكن في وسع أشهر فلاسفة أثينة أن يقول أكثر مما قال دفاعاً عن الحرية، فمعنى هذا أن بلاد اليونان كانت على أتم استعداد لأن يتولى أمورها ملك. وإذا ما ألقينا نظرة
стр. 2495
شاملة على جميع هذه الآراء اعترتنا الدهشة إذ نرى أن أفلاطون قد جاء في هذا الوقت القديم بكل ما جاء به في العصور الوسطى الفلسفة والدين والأنظمة المسيحية، وبالشيء الكثير مما جاءت به الفاشية في العصر الحديث. لقد صارت نظرية الأفكار هي "واقعية" المدرسين - واقعية "العموميات" الموضوعية، ولم يكن أفلاطون مسيحياً قبل وجود المسيحية - على حد قول نتشة -فحسب، بل كان فوق ذلك متزمتاً مسيحياً قبل وجود عصر التزمت المسيحي. فهو يرتاب في الطبيعة البشرية ويراها شراً، ويعتقد أنها هي الخطيئة الأولى التي لوثت النفس. وهو يعمد إلى تلك الوحدة القائمة بين الجسم والروح والتي كانت هي الفكرة الرئيسية في القرنين السادس والخامس، فيقسمها إلى جسم خبيث وروح قديسة (١٣٩) وهو يستمد من فيثاغورس والأورفية اعتقاد الشرق في تناسخ الأرواح، والكرما (١)، والخطيئة والتطهير، و"الانطلاق"؛ ويضرب في كتبه الأخيرة على نغمة أخروية شبيه بنغمة أوغسطين أي نغمة الرجل الذي تاب وأناب وعاد إلى الدين الصحيح، ولولا هذا النثر الذي بلغ غاية الكمال لشك الإنسان في أن أفلاطون من اليونان.
وقد بقي أفلاطون أحب المفكرين اليونان إلى الناس لأنه يتصف بعيوبهم الجذابة المحبوبة. وكان مثل دانتي مرهف الحس إلى حد يستطيع معه أنه يرى الجمال الكامل السرمدي وراء الأشكال الدنيوية غير الكاملة. وكان زاهداً لأنه كان مضطراً في كل لحظة إلى أن يكبح جماح مزاجه القوي العنيف (١٤٠). وكان شاعراً يسيطر عليه الخيال ويسير وراء كل فكرة شاذة غريبة، وتستحوذ عليه مآسي الأفكار ومباهجها، يهيجه التحمس الذهني
стр. 2496
المنبعث من الحياة العقلية الحرة التي كانت تستمتع بها أثينة. ولكن كان من سوء حظه أنه رجل منطق وشاعر معاً، وأنه كان أقوى مجادل في العصر القديم، فقد كان أدق في جدله من زينون الإليائي ومن أرسطو، وأنه كان يشغف بالفلسفة أكثر من شغفه بأية امرأة أو أي رجل، وأنه انتهى في آخر الأمر بمثل ما انتهى إليه البحاث الأكبر في رواية دستيوفسكي، وهو قمع كل تفكير حر، واعتقاده بأن الفلسفة يجب أن يُقضى عليها لكي يعيش الإنسان ولو أن مدينته الفاضلة تحققت فعلاً لكان هو أول ضحاياها.
стр. 2497
الفصل الرّابع
أرسطوطاليس
١ - أعوام التجوال
لما مات أفلاطون شيد أرسطو طاليس مذبحاً له وكرمه تكريماً يكاد يبلغ حد التأليه، ذلك لأنه كان يعجب بأفلاطون وإن لم يكن يميل إليه. وكان أرسطوطاليس قد قدم من أثينة من مسقط رأسه في اسطاغيرا وهي مستعمرة يونانية صغيرة في تراقية. وكان أبوه الطبيب الخاص لأمينتاس الثاني Amyntas II والد فليب، وكان قد علّم الشاب) إذا لم يكن جالينوس مخطئاً في قوله (شيئاً من التشريح قبل أن يبعث به إلى أفلاطون. واجتمعت باجتماع الفيلسوفين نزعتان متعارضتان في تاريخ الفكر- النزعة الصوفية والنزعة الطبيعية- وأخذتا تحتربان. ولو أن أرسطوطاليس لم يستمع إلى أفلاطون تلك المدة الطويلة) التي يقدرها بعضهم بعشرين عاماً (لجاز أن يكون له عقل علمي محض؛ أما وقد استمع له تلك المدة فأن ابن الطبيب أخذ ينازع فيه تلميذ المعلم المتزمت، ولم تتغلب إحدى النزعتين على الأخرى، لهذا لم يقر أرسطو طول حياته أي النزعتين يطيع. لقد كدس حوله ملاحظات علمية تكفي لإخراج موسوعة كاملة، ثم حاول أن يحشرها في القالب الأفلاطوني الذي صُنع عقله المدرسي على غراره. ولقد نقض حجج أفلاطون في كل مرحلة من مراحل تفكيره لأنه كان يستعير منه في كل صفحة من صفحات كتبه.
وكان طالباً مجداً، وسرعان ما لاحظ فيه معلمه هذا الجد. ولما قرأ أفلاطون رسالته عن الروح في المجمع العلمي كان أرسطوطاليس) على حد قول ديجين
стр. 2498
ليرتس ("الشخص الوحيد الذي يستمع إليها من أولها إلى آخرها، أما غيره فقد انفضوا من حوله". ولما مات أفلاطون ذهب أرسطوطاليس إلى بلاط هرمياس Hermeias، وكان قد درس معه في المجمع العلمي وارتفع من، عبد رقيق إلى أن صار حاكماً بأمره في أترنيوس Atarneus وأسوس Assus من بلاد آسية الصغرى. وتزوج أرسطوطاليس بيثياس Pythias ابنة هرمياس؛ وأوشك أن يستقر في أسوس، لكن الفرس اغتالوا هرمياس، لأنهم ظنوه يدبر الخطط لمعاونة فليب في غزوه المرتقب لبلاد آسية. وفر أرسطوطاليس مع بيثياس إلى لسبوس القريبة وقضى فيها بعض الوقت يدرس تاريخ الجزيرة الطبيعي. ثم ماتت بيثياس بعد أن رزق منها بنتاً، ثم تزوج أرسطوطاليس بعدئذ الغانية هربليس Herpyllis أو عاشرها، ولكنه ظل إلى آخر أيام حياته يعز ذكرى بيثياس، وأوصى وهو على فراش الموت أن تدفن عظامه بجوار عظامها، ذلك أنه لم يكن بالرجل المنكب على الدرس والكتب الذي قد يتصوره الإنسان بالنظر إلى مؤلفاته. وفي عام ٣٤٣ دعاه فليب ليتولى تعليم الإسكندر، وكان وقتئذ غلاماً طائشاً في الثالثة عشر من عمره. وأكبر الظن أن فليب قد عرف الفيلسوف أيام شبابه في بلاط أمينتاس. وجاء أرسطوطاليس إلى بلا؛ وظل يقوم بهذا الواجب الثقيل أربع سنين؛ وفي عام ٣٤٠ كلفه فليب بالإشراف على إعادة بناء اسطرخوس وتعميرها، وكانت قد ضربت في أثناء الحرب مع أولنثوس Olynthus؛ وطلب إليه فوق ذلك أن يضع لها شرائعها؛ وقد قام بهذه الأعمال جميعها قياماً أرضى أهل المدينة، فأخذت من ذلك الحين تحيي ذكرى هذا التعمير بإقامة عيد له في كل عام (١٤٦).
وفي عام ٣٣٤ عاد إلى أثينة، وافتتح فيها مدرسة لتعليم البلاغة والفلسفة- وأكبر الظن أن الإسكندر قد أمده بما يلزمه من المال، واختار مكانها في أجمل دار للتدريب الرياضي في أثينة، وهي طائفة من المباني خاصة بأبلو لوقيوس
стр. 2499
Apolls Lyceus) إله الرعاة (تحيط بها حدائق غناء، وطرقات مسقوفة، وكان في صدر النهار يلقي على الطلاب المنتظمين فيها دروساً في موضوعات راقية، وفي عجزه يلقي محاضرات على جماعات من الشعب أقل انتظاماً وأقل رقياً ممن يستمعون إليه في الصباح. وأكبر الظن أن هذه المحاضرات الثانية كانت في البلاغة، والشعر؛ والأخلاق والسياسة، وقد جمع في هذا البناء مكتبة كبيرة، وأنشأ فيهِ حديقة للحيوان ومتحفاً للتاريخ الطبيعي، وسميت المدرسة فيما بعد، باللوقيون Lyceun، كما سمي الطلاب بالمشائين وسميت فلسفتهم بالمشائية نسبة إلى المماشي المسقوفة (Perptaoi) التي كان أرسطوطاليس يحب أن يسير فيها مع طلابه وهو يحاضرهم. وقامت منافسة حادة بين اللوقيون التي كان معظم طلابها من الطبقة الوسطى، وبين المجمع العلمي الذي كان يستمد معظم أعضائه من طبقة الأشراف، ومدرسة إسقراط التي كان يؤمها في الغالب يونان المستعمرات. ثم خفت حدة هذه المنافسة فيما بعد حين وجه إسقراط اهتمامه إلى الفلسفة، وحين أخذ المجمع العلمي يعنى بالعلوم الرياضية، وما وراء الطبيعة، والسياسة، وأخذت اللوقيون تعنى بالتاريخ الطبيعي. وكان أرسطو يطلب إلى تلاميذه أن يجمعوا المعلومات في الميادين العلمية المختلفة وينسقوها: كعادات البرابرة؛ ودساتير المدن اليونانية، وتواريخ الفائزين في الألعاب البيثية والديونيشيا الأثينية، وأعضاء الحيوانات، وعاداتها، وأصناف النباتات وتوزيعها؛ وتاريخ العلوم والفلسفة، وأضحت هذه البحوث ذخيرة طيبة من المعلومات يستمد منها رسائلهم المختلفة التي يخطئها الحصر، وكان أحياناً يولي هذه المعلومات من الثقة أكثر مما تستحق.
وكتب لأنصاف المتعلمين نحو سبع وعشرين محاورة يرى شيشرون وكونتليان أنها تضارع محاورات أفلاطون؛ وهذه المحاورات هي التي قامت عليها شهرته في الزمن القديم؛ وقد ضاعت فيما ضاع على أثر استيلاء البرابرة على رومة.
стр. 2500
أما ما بقي من مؤلفاته فهو مجموعة من الكتب الفنية، المجردة إلى أبعد حد في التجريد، والخالية من المتعة إلى درجة تعز على التقليد، وقلما كان العلماء الأقدمون يشيرون إليها في مؤلفاتهم، ولعله قد كتبها في السنين العشرين الأخيرة من حياته بالرجوع إلى مذكرات له وضعها بنفسه ليعتمد عليها في محاضراته، أو من مذكرات دونها تلاميذه عن هذه المحاضرات. ولم تكن هذه الذخيرة العلمية الفنية معروفة خارج اللوقيون حتى نشرها أندرنكوس Andronicus من أهل رودس في القرن الأول قبل الميلاد. وقد بقيت لنا من هذه الكتب أربعون كتاباً، ولكن ديجين ليرتس يضيف إليها ٣٦٠ كتاباً أخرى أكبر الظن أنها رسائل قصيرة كل منها في موضوع واحد. وهذه البقايا العلمية القليلة هي التي يجب علينا أن نبحث فيها عن الأفكار التي كانت وقتاً ما أفكاراً حية، والتي أكسبت أرسطوطاليس في العصور التي تلت عصره لقب "الفيلسوف". وإذا ما أخذنا ندرسه فعلينا ألا نتوقع أن نرى في كتاباته من البهجة ما في أفلاطون، ومن الفكاهة ما في ديجين؛ بل كل الذي نجده هو طائفة كبيرة من المعلومات القيمة، ومن الحكمة المتحفظة الخليقة بصديق الملوك الذي يعيش من رفدهم (١).
стр. 2501
٢ - العالم الطبيعي
إن الاعتقاد السائد هو أن أرسطو فيلسوف قبل كل شيء، ولعل هذا من الأخطاء الشائعة؛ بيد أننا سنعده في هذا الكتاب عالماً طبيعياً أولاً، حتى إذا لم يكن لهذا سند إلا أنه رأى في الرجل جديد.
وأول ما نقوله عنه أن عقله الطلَعة يهتم بعملية الاستدلال وأصولها الفنية، ويحلل هذه العملية والأصول تحليلاً بلغ من الدقة حداً اصبح معه الأورغانون (Organon) أو الآلة) الفكرية (- وهو الاسم الذي أطلق بعد وفاته على رسالاته في المنطق- المرجع الذي ظل المناطقة يعتمدون علية مدى ألفي عام. وهو يتوق إلى أن يكون واضح التفكير، وإن كان لا يصل إلى هذا الغرض فيما لدينا من كتبه إلا نادراً؛ فهو يقضي نصف وقته في تعريف مصطلحاته، فإذا فرغ من هذا شعرَ بأنه قد حل المسئلة التي يبحث فيها. وهو يرَّف التعريف نفسه تعريفاً دقيقاً بأنه تحديد الشيء أو الفكرة بذكر الجنس أو الصنف الذي ينتمي إليه ذلك الشيء، أو تنتمي إليهِ تلك الفكرة) كقوله "الإنسان حيوان" (والفروق الخاصة التي تميزه أو تميزها عن جميع أفراد الصنف (الإنسان حيوان عاقل). ومما تمتاز به طريقته المنظمة أنه قسم المظاهر الرئيسية التي يمكن دراسة أي شيء بمقتضاها عشرة أقسام: المادة، والكم، والكيف، والعلاقة، والمكان، والزمان، والموضع، والمِلْك، والفاعلية، والانفعالية- وهو تصنيف وجد فيه بعض الكتاب ما يعينهم على تنشيط ذهنهم الكليل.
وهو يرى أن الحواس هي المصدر الوحيد للمعرفة، وأن القوانين العامة ليست إلا أفكاراً معممة، وأنها ليست فطرية بل تكونت من مشاهدات للأشياء المتماثلة، فهي مدركات وليست أشياء. وهو يقرر قرار
стр. 2502
الواثق مبدأ التناقض، بوصفه الشيء البديهي في المنطق كله، وهو أن "الصفة الواحدة لا يمكن أن تكون من صفات الشيء الواحد ومن غير صفاته في العلاقة الواحدة". ويكشف عن المغالطات التي يقع فيها السوفسطائيين أو يغرون الناس بالوقوع فيها، وينتقد المتقدمين لأنهم صوروا الكون أو وضعوا نظرياتهم عنه من خيالهم بدل أن يمضوا الوقت الطويل في الرصد والتجارب بصبر وأناة. ومثله الأعلى في الاستدلال المنطقي وهو القياس- المكون من ثلاث قضايا ثالثتها نتيجة محتومة للقضيتين الأوليتين؛ ولكنه يقر بأنه إذا أريد تجنب الوقوع في خطأ المصادرة على المطلوب الأول (١) وجب أن يسبق القياس استقراء واسع يجعل قضيته الكبرى مرجحة؛ وهو وإن كان في رسائله الفلسفية يضل في بيداء الاستدلال يمجد الاستقراء ويجمع في كتبه العلمية ذخيرة طيبة من الملاحظات المحدودة الدقيقة، ويسجل في بعض الأحيان تجاربه هو أو تجارب غيره من العلماء (٢). وقصارى القول أنه رغم أغلاطه واضع أساس الطريقة العلمية وأول من نضم التعاون في البحث العلمي.
فهو يبدأ بحثه العلمي من حيث انتهى ديموقريطس، ولا يخشى أن يلج كل ميدان فيه. وهو أضعف ما يكون في الرياضيات والطبيعة، ويقتصر فيهما على دراسة المبادئ الأساسية. فهو في كتابه "الطبيعة" لا يسعى وراء اكتشافات جديدة بل يهتم بوضع التعاريف الواضحة للمصطلحات المستعملة في هذا العلم كالمادة، والحركة، والمكان، والزمان، والاستمرار، واللانهائي، والتغير، والنهاية. فالحركة والمكان عنده مستمران، وهما لا تتكونان، كما يفترض زينون،
стр. 2503
من لحظات أو أجزاء صغيرة غير قابلة للانقسام، والشيء "اللانهائي" موجود بالقوة لا بالفعل. وهو يحس بالمشاكل التي أثارت تفكير نيوتن وإن لم يعمل شيئاً لحلها؛ وهذه المشاكل هي: القصور الذاتي، والجاذبية والحركة، والسرعة. ولديه فكرة عن توازن القوى، ويقول في قانون الروافع: "كلما كان الثقل المحرك بعيداً عن نقطة الارتكاز كان أقدر على تحريك) الجسم (".
ويقول إن الأجرام السماوية كلها كرات- ويؤكد ذلك بالنسبة للأرض بنوع خاص، لأنه لا يستطيع تفسير شكل القمر إذا خسف بسبب اعتراض الأرض بينه وبين الشمس إلا إذا كانت الأرض كروية. وهو يدرك الأزمنة الجيولوجية إدراكاً يستثير الإعجاب فيقول مثلاً إن البحر يستحيل إلى أرض والأرض تستحيل إلى بحر على توالي الأيام، ولكنا لا نحس بهذا التحول، وقد ظهرت أمم وحضارات لا حصر لها ثم اختفت، إما بسبب الكوارث السريعة، وإما بسبب عدوان الأيام البطيء. " وأكبر الظن أن كل فن قد نما وازدهر وارتفع إلى أعلى الدرجات عدة مرات ثم اختفى. وهذا أيضاً شأن الفلسفة ". والحرارة أهم عامل في التغيرات الجيولوجية والجوية. وهو يجازف بتفسير أصل السحب والضباب، والندى، والصقيع، والمطر، والثلج، والبرد، والرياح، والرعد، والبرق، وقوس قزح، والشهب. ونظرياته في الغالب شاذة غريبة، ولكن رسالته الصغيرة في الظواهر الجوية عظيمة الخطر من الناحية التاريخية، لأنها لا تستند إلى القوى الخارقة للطبيعة، بل يحاول فيما أن يُرجع ما في الجو من تقلبات تبدو له غير منطبقة على القوانين الطبيعية إلى أسباب طبيعية تعمل متعاقبة وفقاً لنظام محدد، ولم يكن من المستطاع أن ترقى العلوم الطبيعية فوق الحد الذي وصلت إليه على يديه إلا بعد أن أمدتها الاختراعات بأجهزة وآلات أوسع مدى وأدق في الرصد والقياس.
стр. 2504
أما علم الأحياء فهو ميدان أرسطو الحقيقي، فهو فيه واسع الملاحظة عظيم الإطلاع؛ وفيه أيضاً يرتكب أكثر الأغلاط؛ وأعظم فضل له على هذا العلم الحيوي أنه نسق كل ما كشف فيه من قبل ودعم أركانه، وقد استعان بتلاميذه على جمع المعلومات القيمة عن الحيوان والنبات في بلا د بحر أيجة كما جمع في مكان واحد أولى المجموعات العلمية من الحيوان والنبات. إذا جاز لنا أن نأخذ بقول بلني Pliny فأن الإسكندر أصدر الأوامر لصياديه، وحارسي صيده، وصائدي السمك له، وغيرهم ألا يمنعوا عن أرسطو أي نوع يطلبه منها وأن يمدوه بما يريده من المعلومات. ويعتذر الفيلسوف عن اهتمامه بتلك الأشياء الصغيرة فيقول: "ليس في الأشياء الطبيعية ما يخلو من الأعاجيب، وإذا ما احتقر إنسان التفكير في الحيوانات الدنيا، فغن عليه أن يحقر نفسه".
وهو يقسم المملكة الحيوانية قسمين، ذات دم وغير ذات دم: إنيما، وأنيما Anaima، Enaima وهما يقابلان بوجه التقريب تقسيمنا إياها إلى "فقاريات" و "لا فقاريات". ثم يعود فيقسم الحيوانات غير ذات الدم إلى صدفية، وقشرية، ورخوة، وحشرات، ويقسم الدموية إلى أسمال، وقوازب (١)، وطيور، وثدييات.
وتشمل بحوثه في هذا العلم ميداناً واسعاً مختلف الأنحاء. فهو يبحث في أعضاء الهضم، والإخراج، والحس، والحركة والتكاثر، والدفاع؛ وفي أنواع الأسماك، والطيور، والزواحف، والقردة، ومئات غيرها من الأصناف؛ وفي فصول تزاوجها، وطريقة حملها صغارها، وتربيتها إياها؛ وفي ظواهر البلوغ، والحيض، والحمل، والإجهاض، والوراثة، والإتئام؛ وفي مواطن الحيوانات وهجرتها؛ وما يعيش عليها من الطفيليات وما ينتابها من الأمراض؛ وفي طرق نومها وفصول سباتها … وهو يشرح حياة النحلة شرحاً وافياً ممتعاً (١٦٠). وكتابه مليء بالملاحظات
стр. 2505
العجيبة العارضة، كقوله إن دم الثيران يتجمد أسرع من تجمد دماء معظم الحيوانات الأخرى، وإن بعض ذكور الحيوان كالجدي بنوع خاص قد تدر اللبن؛ وإن الخيل ذكوراً وإناثاً أكثر الحيوانات شهوانية بعد الإنسان (١).
وهو شديد الاهتمام بأجهزة التوالد وأساليبها في الحيوان، وتثير دهشته كثرة الأساليب التي تتوصل بها الطبيعة إلى الإبقاء على أنواع الأحياء، وكيف "تحتفظ بالنوع حين يعجزها أن تحتفظ بالفرد"؛ وقد ظل عمله في هذا الميدان فذاً منقطع النظير حتى القرن الماضي. ومن أقوله أن حياة الإنسان تدور حول بؤرتين- الأكل والتوالد: "فللأنثى عضو يجب أن يعد بمثابة مبيض لأنه يحتوي على ما يكون في بادئ الأمر بيضة غير متميزة، ثم تتميز بعدئذ فتصبح بويضات كثيرة (٢) ". والعنصر الأنثوي يزود مادة الجنين بالطعام، أما عنصر الذكورة فيزوده بالجهد والحركة، والأنثى هي العنصر المنفعل، أما الذكر فهو العنصر النشيط الفعال. ويرفض أرسطو ما يراه أنبادوقليس وديموقريطس من أن جنس الجنين تعينه حرارة الرحم أو تغلب أحد عنصري التكاثر على العنصر الآخر؛ ثم يصوغ بعد إذ هذه النظريات على أنها من وضعه فيقول: "كلما عجز العنصر المكوَّن) الذكر (عن أن تكون له الغلبة، ولم يستطع لنقص حرارته أن يطبخ المادة، أو يشكلها في شكله هو، انتقلت هذه المادة إلى … صورة الأنثى". ويضيف إلى ذلك قوله: "وقد يحدث أحياناً أن تلد
стр. 2506
المرأة ثلاثة صغار أو أربعة، وخاصة في أجزاء معينة من الأرض. وأكبر عدد ولدته امرأة هو خمسة أبناء، وقد حدث هذا عدة مرات. وحدث في زمن ما أن وضعت امرأة عشرين طفلاً على أربع دفعات وأن عاش معظم هؤلاء الأطفال حتى كبروا".
وهو يستبق القرن التاسع عشر في كثير من نظريات علم الأحياء. فهو يعتقد مثلاً أن أعضاء الجنين وخواصه تتكون بواسطة جزيئات دقيقة) هي "ذرات التناسل بالتجمع العام" التي يذكرها دارون (١) (تنتقل من كل جزء من أجزاء الشخص الكبير إلى عناصر التوالد. وهو يقول كمل يقول فن بير Von Baer إن الخواص المميزة للجنس تظهر في الجنين قبل غيرها من الصفات، ثم تليها الخواص المميزة للنوع، وتلي هذه الخواص المميزة للفرد. وهو يذكر مبدأ يفخر به هربرت اسبنسر، وهو أن خصوبة الكائن الحي بوجه عام تتناسب تناسباً عكسياً مع تعقد تطوره. وخير ما يتجلى فيه نبوغه هو وصفه جنين الدجاج:
"أجرِ إذا شئتَ هذه التجربة: إيت بعشرين بيضة أو أكثر، واجعل دجاجتين أو أكثر ترقدان عليها. ثم خذ منها بيضة في كل يوم؛ ابتداءً من اليوم الثاني إلى أن تفقس واكسرها وافحص عنها … ففي حالة الدجاجة العادية تُستطاع رؤية الجنين أو لمرة بعد ثلاثة أيام … فيظهر القلب في صورة نقطة من الدم، ينبض ويتحرك كأنه قد وهب الحياة، ويخرج منه وعاءان بهما دم يسيران في تلافيف، وغشاء يحمل خيوطاً رفيعة دموية من
стр. 2507
أنابيب الوريدين ويحيط بجميع أجزاء المخ) الصفار ( … وبعد عشرة أيام يُرى المخ بجميع أجزائه واضحاً كل الوضوح".
ويعتقد أرسطو أن جنين الإنسان ينمو كما ينمو جنين الكتكوت: "ويرقد الطفل في رحم أمه بهذه الطريق عينها … لأن طبيعة الطائر يمكن تشبيهها بطبيعة الإنسان". وهو يستطيع بنظريته الخاصة بالأعضاء المتشابهة أن يرى عالم الحيوان في صورة جامعة: "فالظفر مماثل للمخلب، واليد شبيهة بثنية السرطان القاطعة، والريشة بقشرة السمكة". وهو يقترب في بعض الأحيان من نظرية النشوء والارتقاء:
"تسير الطبيعة قليلاً قليلاً من الأشياء غير الحية إلى الحياة الحيوانية بطريقة يستحيل معها أن نحدد تحديداً دقيقاً متى تنتهي هذه وتبدأ تلك … فجنس النبات مثلاً يأتي بعد الجمادات غير الحية في سلم الرقي، وهذا النبات لا حياة فيهِ نسبياً إذا وازنا بينه وبين الحيوان، ولكنه حي إذا ووزنَ بالأشياء الجامدة. وفي النبات سلم تصاعدي مستمر نحو مرتبة الحيوان. ففي البحر أشياء لا يستطيع الإنسان أن يقول هل هي حيوان أو نبات … فالإسفنج مثلاً شبيه بالنبات من جميع الوجوه … وبعض الحيوانات ثابتة في أماكنها لا تنتقل منها، وإذا انتزعت منها هلكت … أما من حيث الحساسية فإن بعض الحيوانات لا يظهر فيها ما يدل عليها، وبعضها تظهر فيها غامضة … وهذا التنوع بعينهِ يظهر في سلم الرقي الحيواني.
وهو يرى أن القرد صورة وسطى بين الإنسان وغيره من الحيوانات التي تلد، ولا يقبل فكرة أنبادوقليس عن الانتخاب الطبيعي للتغيرات العارضة، لأن النشوء والارتقاء ليس فيهما أشياء عارضة، بل أن خطوط التطور يحددها ما في كل فرد، ونوع، وجنس من دافع فطري لكي ينمي نفسه
стр. 2508
نماءً يصل به إلى أقصى درجة من تحقيق طبيعته. إن لهذا التطور خطة موضوعة ولكنها دفع من الداخل نحو الغرض يجذب كل شيء إلى أن يكمل طبيعته.
ويمتزج بهذه الآراء النيرة كل ما يتوقع الإنسان وجوده في ذلك الزمن القاصي الذي يبعد عنا ثلاثة وعشرين قرناً من أخطاء كثيرة، يبلغ بعضها من الشناعة حداً لا نرى معه حرجاً إذا ظننا أن مؤلفات أرسطو في علم الحيوان قد اختلطت مذكراته بمذكرات تلاميذه. فكتابه في تاريخ الحيوان معين لا ينضب من الأخطاء؛ فهو يقول فيه إن الفئران تموت إذا شربت الماء في الصيف، ولأن الفيلة لا يصيبها إلا مرضان- الزكام والانتفاخ، وإن الحيوانات كلها ما عدا الإنسان يصيبها السعور إذا عضها كلب كلِب (١) وإن ثعبان الماء ينشأ نشأة شيطانية، وإن الإنسان وحده هو الذي يخفق قلبه، وإنه إذا رثجَ صفار بيضات اجتمع وسط الإناء، وإن البيض يطفو فوق الماء الكثير الملح. يضاف إلى هذا أن أرسطو يعرف عن الأعضاء الداخلية للحيوان أكثر مما يعرفه عن الإنسان، فقد يلوح أنه لا هو ولا أبقراط قد تحررا من سلطان الدين فأقدما على تشريح الأجسام البشرية. ومن أجل هذا وقع في أغلاط شنيعة منها قوله أن ليس للإنسان إلا ثمانية أضلاع، وإن أسنان المرأة أقل من أسنان الرجل، وإن القلب أعلى من الرئتين، وإن القلب لا المخ هو مركز الإحساس (٢). وإن وظيفة المخ هي تبريد الدم) بالمعنى الحرفي لهذه العبارة (. وآخر ما نذكره من هذه الأغلاط أنه) هو أو إنسان آخر سمجاً ثقيلاً (قد ذهب بنظرية الخطة الموضوعة مذاهب يضحك منها كل حكيم. "من الواضح أن النباتات قد خلقت لمنفعة الحيوانات، كما خلقت الحيوانات لمنفعة الإنسان" "لقد جعلت الطبيعة الأعجاز للراحة، لأن ذوات الأربع تستطيع أن تقف
стр. 2509
على أرجلها دون أن تتعب، أما الإنسان فهو في حاجة إلى ما يجلس عليه. وحتى هذه الفقرة الأخيرة تكشف عن طبيعة أرسطوطاليس العلمية؛ فمؤلف هذا الكتاب يرى أن من الأمور المسلم بها أن الإنسان حيوان، ولهذا يبحث عن الأسباب الطبيعية لما بين الإنسان والحيوان من فروق في التشريح. وقصارى القول أن تاريخ الحيوان في مجموعه هو خير مؤلفات أرسطوطاليس على الإطلاق، وأنه أعظم ما أثمره العلم في بلاد اليونان أثناء القرن الرابع. وقد لبث علم الأحياء عشرين قرناً ينتظر ظهور مؤلف يضارعه.
٣ - الفيلسوف
إذا ما انتقل أرسطوطاليس إلى دراسة الإنسان نفسه أصبح ميتافيزيقياً أكثر منه عالماً طبيعياً. ولسنا ندري هل منشأ هذا التحول هو تقواه الشديدة أو احترامه لآراء بني الإنسان. وهو يعرف النفس (Psyche) أو العنصر الحيوي بأنه "الدافع الداخلي الأول في الكائن العضوي" أي الصورة الفطرية المقدرة لهذا الكائن والتي تدفع نماءه وتحدد اتجاهه. وليست النفس شيئاً يأتي إلى الجسم من خارجه أو يسكن فيه بل هي موجودة معه في كل جزء من أجزائه، أي أنها هي الجسم نفسه من حيث "قدرته على تغذية نفسه وتنميته وانحلاله"؛ فهي جماع وظائف الكائن العضوي، وهي للجسم كقوة الإبصار للعين. بيد أن هذه الناحية الوظيفية ناحية أساسية، فالوظائف هي التي توجد التراكيب والرغبات هي التي تشكل الأعضاء، والنفس هي التي تكون الجسم: "فالأجسام الطبيعية كلها أعضاء للنفس (١) ".
стр. 2510
والنفس ثلاث درجات: نامية، وحاسة، وناطقة. فالنبات يشترك مع الإنسان والحيوان في النفس النامية- أي في قدرته على تغذية نفسه وعلى النماء الداخلي، وللحيوان والإنسان فضلاً عن هذه النفس نفس حاسة- أي قدرة الإحساس، وللحيوانات الراقية والإنسان نفس "منفعلة عاقلة"- أي قدرة على الأشكال البسيطة البدائية من الذكاء، والإنسان وحده هو الذي له نفس "فاعلة عاقلة"- أي قدرة على التعميم والابتكار. وهذه النفس الأخيرة جزء أو انبعاث من قوة الكون الخالقة العاقلة وهي الله، وهي بهذا الوصف لا تموت. ولكن هذا الخلود غير شخصي، أي أن الذي يبقى هو القوة لا الشخصية؛ والفرد مركب فد فان من المواهب النامية والحاسة والعاقلة؛ وهو لا يصل إلى الخلود إلا نسبياً؛ وذلك عن طريق التوالد، وبطريقة غير شخصية عن طريق الموت (١).
والله هو "صورة" العالم أو "حقيقته الفعلية Entelechy"- طبيعته الفطرية، ووظائفه، وأغراضه (٢) كما أن الروح هي "صورة" الجسم.
стр. 2511
والعلل كلها ترتد آخر الأمر إلى العلة الأولى التي لا علة لها (١)، كما تُرد كل الحركات إلى المحرك الأول الذي لا محرك له؛ ولا بد لنا أن نفترض وجود أصل أو مبدأ لما في العالم من حركة أو قوة، وهذا الأصل هو الله. وكما أن الله هو جماع الحركة كلها ومصدرها، فهو كذلك جماع كل غايات الطبيعة وهدفها، فهو العلة الآخرة والأولى. وإنا لنرى الأشياء في كل مكان تتحرك نحو غايات معينة: فالأسنان الأمامية تنمو حادة لتقطع الطعام، والأضراس تنمو مستوية لتطحنه، والجفن يطرف ليقي العين، والحدقة تتسع في الظلام لتدخل قدراً كبيراً من الضوء، والشجرة تمد جذورها في الأرض، وغصونها نحو الشمس. وكما أن الشجرة تجذبها طبيعتها الفطرية وقوتها وأغراضها نحو الضوء، فكذلك العالم ينجذب بطبيعته الفطرية وقوته وأغراضه وهذه كلها هي الله. وليس الله هو خالق العالم المادي، ولكنه صورته المنشطة، وهو لا يحركه من خلفه ولكنه هو الموجه له من الداخل أو هدفه، يحركه كما يحرك الحب الحبيب، ويقول أرسطو أخيراً إن الله فكر خالص، وروح عاقل، يتبدى في الصور السرمدية التي تكون جوهر العالم والله في وقت واحد.
وغاية الفن، كفاية الميتافيزيقيا، هي القبض على الصورة الجوهرية للأشياء، وهو تقليد أو تمثيل للحياة، ولكنه ليس نسخة آلية لها؛ والذي تقلده هو روح المادة لا جسم المادة ولا المادة نفسها؛ وعن طريق هذه البصيرة أو عكس هذا الجوهر كما تعكس المرآة الجسم قد يبدو الشيء القبيح جميلا. والجمال
стр. 2512
هو الوحدة، هو تعاون الأجزاء وتماثلها في الكل. وتكون هذه الوحدة في المسرحية وحدة العمل قبل كل شيء؛ ولذلك يجب أن يكون أعظم ما تهتم بهِ المسرحية عملاً واحداً، وأن يكون الغرض الوحيد مما فيها من أعمال أخرى هو أن ترقى بهذه القصة الرئيسية أو توضحها. وإذا أريد أن يكون العمل الفني غاية في الروعة والجودة وجب أن يكون موضوعه متسماً بالنبل أو البطولة.
ويقول أرسطو في تفسيره الشهير للمأساة: "المأساة تمثيل موضوع في البطولة، كامل متسع إلى حد ما، بلغة تزدان بكل أنواع المحسنات … فهي تمثل رجالاً يعملون ولا تعمد إلى القصص، ثم تستعين بالرحمة والخوف لتخفف من واقع هذه العواطف وغيرها". والمأساة تستثير أعمق عواطفنا ثم تهدئها بخاتمتها المسكنة. ويذلك تعرض علينا تعبيراً عن العواطف لا ضرر فيه ولكنه ينفذ إلى أعماق النفس، ولولا هذا التعبير لتجمعت العواطف فصارت عُصَاباً أو عنفاً. فهي تظهر لنا من الآلام والأحزان ما هو أكثر رهبة من آلامنا وأحزاننا، وتعيدنا إلى بيوتنا مبرئين مطهرين. وقصارى القول أن ثمة لذة في تأمل عمل من أعمال الفن الحقيقية. ومن الشواهد الدالة على رقي الحضارة أن تقدم للروح أعمالاً خليقة بهذا التأمل. ذلك بأن "الطبيعة لا تطلب إلينا أن نشغل أوقاتنا بالأعمال الطيبة فحسب بل تتطلب فوق ذلك أن نكون قادرين على أن نستمتع بفراغنا بأشراف الوسائل (١٩٣) ".
فما هي الحياة الطيبة إذن يجيب أرسطو عن هذا السؤال ببساطة وصراحة فيقول إنه الحياة السعيدة؛ وهو لا يريد أن يبحث في كتاب الأخلاق (١)
стр. 2513
(كما يبحث أفلاطون) كيف يجعل الناس أخياراً، بل يريد أن يبحث كيف يجعلهم سعداء! وهو يرى أن غي ر السعادة من الأغراض لا يسعى إليها لذاتها بل هي وسيلة لغاية، أما السعادة فهي وحدها التي تُبتغى لذاتها. وثمة بعض أشياء لا بد منها للحصول على السعادة الباقية وهي: المولد الطيب، والصحة الجيدة، والوجه الجميل، والحظ الطيب، والسمعة الحسنة، والأصدقاء الأوفياء، والمال الوفير، والصلاح. "وليس في وسع إنسان أن يكون سعيداً إذا كان دميم الخلقة" "أما الذين يقولون إن الذي يعذب على العذراء، أو تحل به كارثة شديدة، يكون سعيداً بشرط أن يكون صالحاً فقولهم هراء". وينقل أرسطو بصراحة يندر وجودها في الفلاسفة، جواب سمنيدس لزوجة هيرن إذ سألته أيهما أفضل الحكمة أو الغنى فقال: "الغنى، لأنا نرى الحكماء يقضون أوقاتهم على أبواب الأغنياء". لكن الثروة وسيلة لا أكثر، فهي في حد ذاتها لا ترضي غير البخيل؛ وإذ كانت الثروة نسبية فإنها لا ترضي إنساناً زمناً طويلاً. وسر السعادة هو العمل، أي بذل الجهد بطريقة تتفق مع طبيعة الإنسان ظروفه. والفضيلة حكمة عملية، وهي تقدير الإنسان بعقلهِ لما فيه من خير، وهي في العادة وسط بين نقيضين؛ والإنسان في حاجة إلى الذكاء لمعرفة هذا الوسط، وإلى ضبط النفس) إنكراتيا enkratia أو القوة الداخلية (لممارستها. ويقول أرسطو في جملة من جملهِ النموذجية إن "الذي يغضب مما وممن ينبغي أن يغضب منه، ويغضب فوق ذلك بالطريقة الحقة وفي الوقت المناسب للغضب، ويطول غضبه الزمن الملائم، إن هذا الرجل خليق بالثناء. وليست الفضيلة عملاً، بل هي تعود عمل الصواب، ولا بد أن تفرض في أول الأمر بالتدريب والتهذيب، لأن الشبان لا يستطيعون أن يحطموا في مثل هذه الأمور حكماً صادقاً حكيماً، فإذا مضى بعض الوقت فإن ما كان من قبل نتيجة الإرغام يصبح عادة أي "طبيعة ثانية"، ويكاد يبعث من اللذة ما تبعثه الشهوة.
стр. 2514
ويختم أرسطو هذا البحث خاتمة تناقض أشد التناقض ما بدأه به وهو قوله إن السعادة في العمل، وإن أحسن حياة هي حياة الفكر. ذلك أن الفكر في رأيه هو الدليل على ما انفرد به الإنسان من تفوق وامتياز، وأن " العمل الخليق بالإنسان هو أن تعمل نفسه بالاتفاق مع عقله ". وأسعد الناس حظاً هو الذي يجمع بين قدر من الرخاء وقدر من العلم، أو البحث أو التفكير، فهذا الرجل هو أقرب الناس إلى الآلهة. "والذين يرغبون في اللذة المستقلة يجب أن يطلبوها في الفلسفة، لأن غيرها من اللذات يحتاج إلى معونة الإنسان".
٤ - السياسي
ويرى أرسطو أن علم السياسة هو علم السعادة الجماعية كما أن علم الأخلاق هو علم السعادة الفردية، وأن وظيفة الدولة هي أن تقيم مجتمعاً يحقق أعظم سعادة لأكبر عدد "والدولة هي مجموعة من المواطنين ذات عدد كاف لتحقيق جميع أغراض الحياة، وهي نتاج طبيعي، لأن "الإنسان بطبيعته حيوان سياسي"، أي أن غرائزه تؤدي به إلى الاجتماع مع غيره. "والدولة سابقة بطبيعتها على الأسرة، وعلى الفرد": ذلك أن الإنسان كما نعرفه يولد في مجتمع منظم من قبل يشكله في صورته.
وبعد أن درس أرسطو مع طلابه ١٥٨ دستوراً يونانياً (١)، قسم هذا الدساتير ثلاثة أنواع مختلفة: ملكية، وأرستقراطية، وتمقراطية، أي حكم أصحاب السلطان، وأصحاب المولد الشريف، والنبهاء. وكل نوع من
стр. 2515
هذه الأنواع قد يكون صالحاً حسب زمانه ومكانه وظروفه. وتقول إحدى الجمل التي يجب على كل أمريكي أن يحفظها عن ظهر قلب "إن نوعاً من أنواع الحكم قد يكون أحسن من غيره من الأنواع ولكن ليس ثمة ما يمنع أن يكون نوع آخر خيراً منه في ظروف خاصة". وكل حكم حسن إذا كانت السلطة الحاكمة تعمل لمصلحة الناس جميعاً لا لمصلحتها الخاصة، فإذا لم تفعل هذا فكل حكم سيء. ومن ثم كان لكل نوع من أنواع الحكم الصالح شبيه فاسد حين يكون حكماً لمصلحة الحاكمين لا لمصلحة المحكومين؛ ففي هذه الحال تنحط الملكية فتصير استبداداً، والأرستقراطية فتصبح ألجركية، والتمقراطية فتكون دمقراطية أي حكم العامة. فإذا كان الحاكم المفرد صالحاً وقديراً كانت الملكية خير أشكال الحكم، أما إذا كان أتقراطياً أنانياً كان حكمه استبداداً ظالماً، وهو شر أنواع الحكم. وقد تصلح الحكومة الأرستقراطية إلى حين ولكن الأشراف) الأرستقراط (الذين يتولون أمورها ينزعون إلى الاضمحلال والانحطاط. "ويندر أن نجد شخصاً نبيل الخُلق بين الأشراف بمولدهم بل إن معظمهم لا يصلحون لشيء على الإطلاق … فالأسر ذوات المواهب العالية كثيراً ما تنحط فيكون أبناؤها من المجانين، ومن أمثلة ذلك أبناء ألقبيادس ودنيسوس الأكبر، أما المتوسطون منهم فكثيراً ما يكونون حمقى أو أغنياء كأبناء سيمون، وبركليز، وسقراط". وإذا ما انحطت الأرستقراطية حلت محلها في العادة حكومة ألجركية من أصحاب المال أي حكومة ذوي الثراء. وهذه خير من طغيان الملك أو طغيان الغوغاء، ولكنها تضع السلطة في أيدي رجال لا تتسع نفوسهم لأكبر من ذلك العمل الصغير وهو حساب تجارتهم، أو ذلك العمل الإجرامي الدنيء وهو أكل الربا، وقد ينتهي أمرهم إلى استغلال الفقراء بلا وازع من ضمير.
стр. 2516
والدمقراطية- وهو يعني بها حكومة العامة من المواطنين demos لا تقل خطورة عن الألجركية لأنها تعتمد على انتصار الفقراء القصير على الأغنياء في كفاحهما من أجل السلطة؛ ونتيجتها هي الفوضى المؤدية إلى القضاء عليهما معاً. وخير ما تكون الديمقراطية حين يسيطر عليها الملاك الزراعيون، وأسوأ ما تكون حين يسيطر عليها رعاع المدن من الصناع والتجار. نعم إن "حكم الكثرة يكون في كثير من الحالات خيراً من حكم الفرد، لأنها لكثرة أفرادها أبعد عن الفساد والرشوة بعد الماء الكثير من التلوث". ولكن الحكم يتطلب كفاية خاصة ودراية خاصة و "ليس في مقدور من يعيش عيشة الصانع البسيط أو الخادم الأجير أن يحصل على التفوق المطلوب"،) أي على الخلق الطيب والتدريب، وصحة الحكم على الأمور (. وقد خلق الناس كلهم غير متساوين. نعم إن "العدل في المساواة؛ ولكن هذا لا يكون إلا بين الأكفاء". ولا يقل استعداد الطبقات العليا لإثارة الفتن إذا فرضت عليهم مساواة غير طبيعة عن استعداد الطبقات الدنيا للتمرد إذ بلغ عدم المساواة درجة من التطرف غير طبيعية (١). وإذا ما سيطرت الطبقات الدنيا على الدمقراطية فرضت الضرائب على الأغنياء لتوفر المال للفقراء؛ "فإذا أخذه الفقراء شرعوا يستزيدون منه، وما أشبه هذه الحال بصب الماء في المنخل". ومع هذا فإن الرجل المحافظ الحكيم لن يترك الناس يموتون جوعاً، "يجب على الوطني الحق في الحكومة الديمقراطية أن يحذر من أن تكون أغلبية الشعب في فقر مدقع … ، وعليه أن يبذل جهده في أن يوفر لها الخير على الدوام؛ وإذا كان الأغنياء يستفيدون أيضاً من هذا، فإن من الواجب أن يقسم ما يمكن ادخاره من الأموال العامة بين الفقراء بحيث يكفي نصيب كل منهم لأن يبتاع به حقلاً" (٢١٨).
стр. 2517
وهكذا يرد أرسطو للأغنياء ما كان يعدل ما أخذه منهم، وبعد أن يفعل هذا يعرض توصيات متواضعة لا يقصد بها أن يقيم مدينة فاضلة، بل يهدف إلى إقامة مجتمع خير من المجتمع القائم في زمانه إلى حد ما.
ثم ينتقل بعد هذا للبحث عن أصلح نوع من أنواع الحكم وأحسن أسلوب من أساليب الحياة يوائم المجتمعات بوجه عام.
ولسنا نريد أن يكون هذا الحكم وذلك الأسلوب مما يتفق مع تلك الفضيلة السامية البعيدة عن متناول العامة، أو مع تلك التربية التي لا ينالها إلا من هيأت له الطبيعة والحظ جميع الفرص الطيبة، أو مع تلك الخطط الخالية التي يضعها الناس في أوقات لهوهم ومرحهم؛ بل نريد أن يتفقا مع أسلوب الحياة الذي تستطيع كثرة الجنس البشري أن تصل إليه، ومع نظام الحكم الذي تستطيع معظم المدن أن تقيمه … ومن أراد أن يقيم حكومة على أساس شيوعية السلع فليرجع إلى تجارب كثير من السنين؛ فإذا فعل فسيتضح له هل هذا نظام نافع أو غير نافع؛ ذلك أن الأشياء كلها تقريباً قد عُرفت ولم يبق مجهولاً إلا القليل … إن الشيء الذي يشترك فيه كثيرون لا يعني به إلا أقل عناية؛ ذلك بأن الناس يوجهون من العناية إلى ما يملكونه لأنفسهم أكثر مما يوجهون إلى ما يشاركهم فيه غيرهم … ولابد لنا أن نبدأ بحثنا بافتراض مبدأ عام وهو أن ذلك الجزء من الدولة الذي يرغب في بقاء الدستور الجديد يجب أن يكون أقوى من ذلك الجزء الذي لا يرغب في بقائه … ويتضح من هذا أن أحسن الدول نظاماً هي التي تكون الطبقات الوسطى فيها أكبر عدداً وأعظم قوة من الأغنياء أو الفقراء … وفي جميع الحالات التي قل فيها عدد أفراد الطبقة الوسطى عن الحد الواجب تغلبت عليها الطبقة التي تفوقها في العدد، سواء أكانت طبقة الأغنياء أم طبقة الفقراء، وتولت بنفسها تصريف الشؤون العامة … ، وإذا ما سيطر الأغنياء على الفقراء، أو الفقراء على الأغنياء؛ لم تستطع هذه الطبقة أو تلك أن تقيم دولة حرة (٢٢٣).
стр. 2518
ويقترح أرسطو وضع "دستور مختلط" أو إقامة حكم "تمقراطي"، وهو خليط من الأرستقراطية والدمقراطية، ليمنع به هذه الدكتاتوريات المقيدة للحرية سواء أكانت دكتاتورية الأغنياء أم الفقراء. وهو يريد أن يكون حق الانتخاب في هذا النظام مقصوراً على ملاك الأراضي، وأن تكون فيه طبقة وسطى قوية هي مصدر السلطة وقطب دائرتها، "ويجب أن تقسم الأرض قسمين، أحدهما يملكه المجتمع بوجه عام، والآخر يملكه الأفراد متفرقين". ولا بد أن يكون كل مواطن من الملاك، ويجب "أن يطعموا على الموائد العامة جماعات"، وهؤلاء وحدهم هم الذين يقترعون أو يحملون السلاح. وسيكون هؤلاء أقلية صغيرة من السكان، لا تزيد علة عشرة آلاف. "ويجب ألا يسمح لواحد منهم أن يشتغل بمهنة آلية أو يكسب عيشه من طريق التجارة، لأن هاتين المهنتين غير شريفتين، وتقضيان على التفوق". كذلك يجب أل يفلحوا الأرض؛ … بل ينبغي "أن يكون الفلاحون طبقة من الشعب قائمة بنفسها"- ولعله يريد أن تكون من الأرقاء. ويختار المواطنون الموظفين العموميين ويحاسبون كلا منهم على أعماله في نهاية المدة التي يتولى فيها منصبه. ويجب أن تحدد القوانين الموضوعة وفقاً لنظام قويم ما يصدر من الأحكام في جميع القضايا بقدر المستطاع بحيث لا يترك إلا أقل عدد مستطاع منها لتصرف القضاة … " ذلك أن " حكم القانون خير من حكم الفرد … ، وأن من يعهد بالسلطة العليا لإنسان أياً كان إنما يعهد بها إلى وحش من الوحوش، لأن شهواته تجعله في بعض الأحيان وحشاً. وللعواطف أثر كبير فيمن يتولون السلطة، ولو كانوا هم خير من يتولاها، أما القانون فهو العقل مجرداً عن الشهوة. والدولة المقامة على هذا النظام تتولى تنظيم الملكية، والصناعة، والزواج، والأسرة، والتعليم، والأخلاق، والموسيقى، والأدب، والفن. "وأحق من هذا كله بالعناية ألا يتجاوز عدد الناس حداً معيناً … لأن إهمال هذا
стр. 2519
الواجب يؤدي إلى افتقار المواطنين؛ ويجب ألا يُسمح بتربية أبناء مشوهين عاجزين"، ومن هذه الأسس تتفتح أزهار الحضارة والطمأنينة. "وإذ كان الذكاء أعظم الفضائل، فإن أهم ما يجب على الدولة ليس هو إعداد المواطنين للتفوق الحربي، بل هو تعليمهم كيف يستفيدون من السلم الاستفادة الصحيحة".
وبعد فليس من الضروري أن ننصب أنفسنا حكاماً على أعمال أرطوطاليس. وحسبنا أن نقول إنا نعرف أحداً من الناس قبله قد شاد مثل هذا الصرح الرائع من التفكير. وحين يمتد نشاط الإنسان الذهبي إلى ميادين واسعة، فإن من حقه علينا أن نعفو عن كثير من زلاته، إذا ما وسعت نتائج بحوثه إدراكنا للحياة. وإن أخطاء أرسطو- أو أخطاء المجلدات التي نعدها بالحق أو الباطل ثمار قلمه- لتبلغ من الوضوح حداً لا نحتاج معه إلى إيرادها مفصلة. فهو رجل منطق، ولكن هذا لا يمنعه أن يقع في كثير من الأغلاط المنطقية؛ وهو يضع قواعد البلاغة والشعر، ولكن كتبه أيكة مشتبكة الأغصان من سوء النظام، أوراقها المتربة نفثةٌ من ريح الخيال. بيد أننا إذا ما توغلنا في هذه الأيكة، التقينا فيها بكنز من الحكمة والنشاط العقلي الذي شق طرقاً كثيرة في ميدان العقل.
وليس في وسعنا أن نقول إنه قد علم الأحياء، أو تاريخ النظم الدستورية، أو النقد الأدبي- إذ ليس في العالم قط بدايات- ولكن هذه الموضوعات كلها قد أفادت منه أكثر مما أفادته من أي رجل نعرفه من الأقدمين. والعلوم الطبيعية والفلسفة مدينة له بالعدد الجم من المصطلحات التي يسرت في صورتها اللاتينية تبادل الأفكار … منها: المبدأ، والنهاية، والموهبة، والوسط، والصنف، والطاقة، والباعث، والعادة، والغاية، principle، maxim، faculty، means، catxegory، energy، motive، habit، end. ولقد كان كما سماه بيتر Pater " أول المدرسيين (٢٣٠) "
стр. 2520
وكانت سيطرته الطويلة على الأساليب والبحوث والفلسفة مما يوحي بخصب تفكيره، ونفاذ بصيرته. وإن كتابيه في الأخلاق والسياسة (١) ليفوقان أمثالهما كلها في الشهرة وعميق التأثير حتى أيامنا هذه، وإذا ما أنقصنا من تقديرنا له كل ما فيه من عيوب، فإنه يبقى بعدها "سيد العارفين". وذلك دليل مشجع على ما يمتاز به العقل البشري من مدى واسع مرن، وهو إلهام مطمئن إلى الذين يكدحون في سبيل جمع معلومات الناس المتفرقة وتنسيقها وفهمها.
стр. 2521
الباب الثاني والعِشرون
الإسكندر
الفصل الأوَل
نفسية فاتح
لقد كانت حياة أرسطو العقلية بعد أن غادر تلميذه الملكي مماثلة لحياة الإسكندر العسكرية؛ ذلك أن كلتا الحياتين تعبر عن نزعة الفتح، والبناء، والتركيب. وربما كان الفيلسوف هو الذي غرس في عقل الشاب تحمسه الشديد للوحدة وهو التحمس الذي رفع بعض الشيء من قدرات الإسكندر؛ لكن أرجح من هذا أن هذا التحمس قد انحدر إليه من مطامع أبيه، ثم أحاله دم أمه إلى ولع وهيام. وإذا شئنا أن نفهم الإسكندر على حقيقته، وجب علينا أن نتذكر على الدوام أن عروقه كان يجري فيها نشاط فليب العارم وحدة ألمبياس الهمجية؛ يضاف إلى هذا أن ألمبياس كانت تدعي الانتساب إلى أخيل، ومن أجل هذا كان الإسكندر يهوى الإلياذة ويفتتن بها؛ وكان يفسر عبوره الهلسبنت بأنه تتبع لخطوات أخيل نفسه واستيلاءه على آسية الغربية بأنه إتمام للعمل الذي بدأه جده الأعلى في طروادة. وكان في خلال حملاته العسكرية كلها يحتفظ معه بنسخة من الإلياذة عليها شروح بقلم أرسطو؛ وكثيراً ما كان يضعها تحت وسادته أثناء الليل بجوار خنجره، كأنه يرمز بهذا إلى أداته وهدفه.
وعني ليونداس Leonidas وهو مولوسي Molosian صارم بتربية الغلام الجسمية، وعلمه ليسمخوس الأدب، وحاول أرسطو أن يكون عقله. وكان فليب
стр. 2522
يرغب في أن يدرس ولده الفلسفة "حتى لا يفعل أشياء كثيرة من نوع الأشياء التي فعلتها أنا والتي آسف على فعلها" (١) كما قال فليب نفسه. وقد أفلح أرسطو إلى حد ما في أن يجعل منه رجلاً هلينياً؛ ذلك أن الإسكندر كان طوال حياته يعجب بالأدب اليوناني ويحسد اليونان على حضارتهم؛ وقد قال مرة لرجلين يونانيين كانا يجلسان معه أثناء المأدبة الوحشية التي قتل فيها كليتوس: "ألا تشعران حين تجلسان في صحبة هؤلاء المقدونيين بأنكما أشبه بإلهين بين خلائق من الهمج" (٢).
وكان الإسكندر من الناحية الجسمية شاباً مثالياً. وذلك أنه كان يجيد كل ضروب الألعاب الرياضية: كان عداءً سريعاً، وفارساً جريئاً، ومبارزاً ماهراً؛ وكان يجيد الرماية بالقوس، ولا يرهب أي شيء في الصيد. ولما رغب إليه أصدقاؤه أن يشترك في سباق العدو في أولمبيا أجاب بأنه لم يكن يمانع في ذلك لو أن المتبارين معه كانوا ملوكاً. ولما عجز غيره عن تذليل بوسفلس Bucephalus الجواد الجامح الجبار، نجح الإسكندر في هذا العمل؛ فلما رأى ذلك فليب، كما يقول بلوتارخ، حياه بتلك الألفاظ التي كانت أشبه بنبوءة بما يخبؤه له القدر: "أي بني، إن مقدونية لا تتسع لك، فابحث لنفسك عن إمبراطورية أوسع منها، وأجدر بك" (٣). وكان حتى في أثناء زحفه يصرف بعض نشاطه في أن يرمي بالسهام بعض ما يمر به من الأهداف، أو ينزل من مركبته ثم يعود فيركبها وهي تجري بأقصى سرعتها. وكان إذا تراخت الحرب خرج إلى الصيد وواجه بمفرده وهو واقف على قدميه وحشاً ضارياً؛ وسمع ذات مرة بعد أن فرغ من قتال أسد بعضهم يقول إنه كان يحارب الأسد كأنه يبارزه لتقرر نتيجة البراز أيهما يكون هو الملك (٤)، فسر من هذا القول أيما سرور. وكان مولعاً بالعمل الشاق والمغامرات الخطرة، ولم يكن يطيق الراحة. وكان يسخر من بعض أصدقائه الكثيري الخدم ويقول إنهم لا يجدون ما يفعلون. ومن أقواله لهم: "عجيب أمركم،
стр. 2523
كيف لم تدلكم تجاربكم على أن من يعملون ينامون نوماً أعمق من نوم من يعمل لهم غيرهم، وهل لا تزالون بحاجة إلى من يدلكم على أن أعظم ما نحتاجه بعد انتصارنا هو أن نتجنب الرذائل وأسباب الضعف التي كان يتصف بها من غلبناهم على أمرهم" (٥). وكان يؤلمه ما يضيع من الوقت في النوم ويقول: "إن النوم وعملية التناسل هما أهم ما كان يشعره بأنه آدمي فان" (٦). وكان معتدلاً في الطعام، وظل إلى آخر سني حياته معتدلاً كذلك في الشراب، وإن كان يحب أن يطيل المكث مع أصدقائه على كأس من الخمر. وكان يحتقر الأطعمة الدسمة، وقد رد مشهوري الطهاة الماهرين الذين عرضوا عليه، وقال أن مشي ليلة كفيل بأن يقوي شهوته للفطور، وإن فطوراً خفيفاً يقوي شهوته للغداء (٧). ولعل هذه العادات هي التي جعلت وجهه وضاء إلى حد كبير، وجعلت رائحة جسمه ونفسه "زكية تفوح من ملابسه التي على جسمه" (٨). وإذا ما أخذنا بأقوال معاصريه وضربنا صفحاً عن ملق الذين رسموا صوره أو نحتوا تماثيله أو نقشوا رسمه، حكمنا بأنه كان وسيماً بدرجة لم يسبقه إليها أحد من الملوك الذين قبله: كان ذا معارف قوية التعبير، وعينين زرقاوين رقيقتين وشعر غزير أصحر. وهو الذي ساعد على إدخال عادة حلق اللحية في أوربا، وحجته في ذلك أن اللحية تمكن العدو من القبض على صاحبها (٨ أ). ولعل أكثر آثاره في التاريخ هو هذا الأثر التافه.
أما من الناحية العقلية فقد كان شديد التحمس للدرس، لكن التبعات التي ألقيت عليه قبل الأوان لم تترك له فسحة من الوقت ينضج فيها عقله. وكان يحزنه ما يحزن الكثيرين من رجال الجد والعمل وهو أنه لا يستطيع أن يكون أيضاً مفكراً. ويقول بلوتارخ إنه "كان شديد الشغف بالعلم، شغفاً يزداد على مر الأيام … وكان مولعاً بجميع أنواع المعارف محباً لقراءة جميع أنواع الكتب". وكان من أسباب سروره بعد أن يقضي يوماً في السير أو في القتال أن يسهر إلى منتصف الليل يتحدث إلى الطلاب والعلماء. وقد كتب إلى أرسطو يقول: "خير لي أن أتفوق على غيري
стр. 2524
في العلوم من أن أتفوق عليهم في اتساع المُلك وقوة السلطان" (٩). ولقد أرسل بعثة لارتياد منابع النيل -وقد يكون هذا بإيعاز أرسطو - وأعان بالمال كثيراً من البحوث العلمية. وليس في وسعنا أن نحكم أكان إذا امتد به أجله يبلغ ما بلغه قيصر من صفاء الذهن أو ما بلغه نابليون من دقة الفهم. لكن مشاغل المُلك أدركته وهو في العشرين من عمره، واستغرقت شئون الحرب والإدارة كل وقته وجهده، ومن أجل هذا بقي ناقص التعليم إلى آخر أيام حياته. نعم إنه كان متحدثاً لبقاً، ولكنه كان يتورط في مئات الأغلاط إذا تطرق الحديث إلى شئون السياسة والحرب. ويلوح أنه رغم حروبه الكثيرة لم يعرف من الجغرافية ما كان في مقدور ذلك العلم في أيامه أن يمده به. وكان عقله في بعض الأحيان يسمو عن الآراء الضيقة التحكمية، ولكنه بقي إلى آخر أيام حياته عبداً للخرافات والأوهام، شديد الثقة بالعرافين والمنجمين الذين تزدحم بهم حاشيته. ولقد قضى الليلة السابقة لواقعة أربيلا يقوم بمراسم سحرية مع الساحر أرستندر Aristander ويقرب القربان إلى إله الخوف. وكان هذا الرجل الذي واجه الناس والوحوش بشجاعة ونشوة "يرتاع لأقل النذر الموهومة" ارتياعاً يحمله على تغيير خططه (١٠). وكان في مقدوره أن يقود آلاف الرجال، ويهزم الملايين منهم، ويحكمهم، ولكنه لم يكن يستطيع السيطرة على طبعه. ولم يتعلم قط الاعتراف بما يرتكب من خطأ أو بما فيه من نقص، وكان يغتر بالثناء اغتراراً يطغى على حكمته ويفسدها. وقد عاش طول حياته في جو من الانفعال والمجد يكاد يذهب بعقله، وكان يحب الحرب حباً استحوذ على عقله فلم يترك له ساعة ينعم فيها بسلام.
وكانت أخلاقه تحوم حول أمثال هذه التناقضات. فقد كان في قرارة نفسه عاطفياً سريع الانفعال، تستبقه عبراته، شديد التأثر بالشعر والموسيقى، وكان في أيام شبابه الأولى يعزف على القيثارة ويتأثر بأنغامها
стр. 2525
أشد التأثر. ولما عنفه فليب على هذا هجر تلك الآلة، ورفض من ذلك الوقت أن يستمع لغير النغمات العسكرية؛ ولعله أراد بهذا أن يتعود السيطرة على حواسه (١١). كذلك كان يستمسك بالفضيلة من الناحية الجنسية، ولم يكن ذلك من مبدأ يدين به، بل لأن مشاغله كانت تحول بينه وبين الانحراف إلى هذه الناحية. ذلك أن نشاطه الدائم، وسيره الطويل، وحروبه الكثيرة، وخططه المعقدة، وأعبائه الإدارية، كانت تستنفذ كل قواه، ولا تترك إلا القليل من شهوة الحب. وكانت له زوجات كثيرات، ولكن زواجه بهن كان تضحية منه قضت بها شئون السياسة والحكم؛ وكان شهماً ذا مروءة في معاملته للنساء، ولكنه كان يفضل عليهن صحبة قواده. وجاءه رجاله ذات مرة إلى خيمته بامرأة جميلة بعد أن مضى من الليل أكثره، فسألها "لم تأخرت إلى هذا الوقت؟ " فردت عليه بقولها: "كان علي أن أنتظر حتى أنيم زوجي". فصرفها الإسكندر وعنف خدمه وقال لهم إنه كاد بأعمالهم أن يصبح زانياً (١٢). وكان فيه كثير من صفات اللوطيين، وكان يحب هفستيون Hephaestion إلى حد الجنون؛ لكنه حين جاءه ثيودورس التاراسي Theodorus of Taras يعرض عليه أن يبيعه غلامين بارعي الجمال، طرد ثيودورس من مجلسه وطلب إلى أصدقائه أن يفحصوا له عما أظهره من سفالة وخسة نفس تحملان إنساناً ما على أن يتقدم إليه بهذا العرض الدنيء (١٣). وكان يستمسك بصداقة الأصدقاء ويهبهم ما يهبه معظم الناس إلى المحب من اشتياق ورقة وعاطفة؛ وليس بين من نعرف من السادة، دع عنك القواد، من فاقه في صدق القول الخالي من التكلف أو في الصداقة الوفية القوية، أو في إخلاصه في حبه وغرضه، أو في كرمه لمعارفه وأعدائه دع عنك أصدقائه (١٤). وفي ذلك يقول بلوتارخ "وهو ينتهز أقل الظروف ليكتب الخطابات لخدمة الأصدقاء". وقد كسب حب جنوده بعطفه عليهم؛ وكان يخاطر بحياتهم ولكنه لم يكن يفعل ذلك جزافاً من غير ميالاة، كأنه كان يحس بجميع جراحهم؛ وكما عفى قيصر عن