← История

История · id 35104

قصة الحضارة

ول ديورانت

Полный текст (15 136 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

مجالس الحكم المحلية في المقاطعات وتنتهي بالمحاكم العليا في منف أو طيبة أو عين شمس (٨١). وكانوا يلجئون إلى التعذيب في بعض الأحيان لحمل المجرم على الاعتراف بالحق (٨٢). وكان الضرب بالعصا من أنواع العقاب الشائعة، وكانوا يلجئون في بعض الأحيان إلى عقاب المذنب بجدع أنفه أو قطع يده أو لسانه (٨٣)، أو نفيه إلى أقاليم المناجم، أو إعدامه بالشنق أو بالمخزق، أو بقطع رأسه أو بإحراقه مصلوباً. وكان أشد ضروب العقاب هو تحنيط المعاقب حياً، أو إحاطته بطبقة من النطرون القارض تأكل جسمه أكلاً بطيئاً (٨٤). وكان المجرمون من علية القوم يجنبون عار الإعدام علنا بأن يسمح لهم بقتل أنفسهم بأيديهم كما تفعل طبقة الساموراي في اليابان (٨٥). ولم يُعثر على شواهد يستدل منها على وجود نظام للشرطة، وحتى الجيش العامل- وقد كان على الدوام صغير الحجم لأن في عزلة مصر وموقعها بين الصحراء والبحر ما يرد عنها المغيرين- قلما كان يستخدم لحفظ النظام في داخل البلاد. ذلك أن الحياة والملكية، والاطمئنان إلى سلطان القانون والحكومة تكاد تعتمد كل الاعتماد على هيبة الملك، وكانت المدارس والهياكل دعامة هذه الهيبة وليس في العالم كله أمة غير مصر- إذا استثنينا الأمة الصينية- جرؤت على أن تعتمد كل هذا الاعتماد على العوامل النفسية لحفظ الأمن في البلاد. لقد كانت الحكومة المصرية من أحسن الحكومات نظاماً، وكانت أطول حياة من أية حكومة أخرى في التاريخ. وكان الوزير على رأس الإدارة كلها، يشغل منصب رئيس الوزراء، وقاضي القضاة، ورئيس بيت المال، وكان الملجأ الأخير للمتقاضين لا يعلو عليه في هذا إلا الملك نفسه. وترى الوزير في نقش على أحد القبور يخرج من بيته في الصباح الباكر "ليستمع إلى مظالم الفقراء ويصغي " كما هو وارد في النقش " إلى ما يقول الناس في مطالبهم، لا يميز فيها بين الحقير والعظيم" (٨٦). وقد وصلت إلينا بردية مدهشة من عهد الإمبراطورية

стр. 282

تحتوى كما تقول هي نفسها على صورة الخطاب الذي كان يلقيه الملك حين يعين الوزير في منصبه (ولربما كان هذا الخطاب قطعة أدبية من وضع كاتبها نفسه): "اجعل عينك على مكتب الوزير؛ وراقب كل ما يحدث فيه. واعلم أنه هو الدعامة التي تستند إليها جميع البلاد … ليست الوزارة حلوة، بل هي مرة. واعلم أنها ليست إظهار الاحترام الشخصي للأمراء والمستشارين؛ وليست وسيلة لاتخاذ الناس أيا كانوا عبيدا. انظر، إذا جاءك مستنصف من مصر العليا أو السفلى، فاحرص على أن يجري القانون مجراه في كل شيء، وأن يتبع في كل شيء العرف السائد في بلده، وأن (يعطي كل إنسان) حقه … واعلم أن المحاباة بغيضة إلى الإله … فانظر إلى من تعرفه نظرتك إلى من لا تعرفه، وإلى المقربين إلى الملك نظرتك إلى البعيدين عن (بيته). انظر، إن الأمير الذي يفعل هذا سيبقى هنا في هذا المكان. وليكن ما يخافه الناس من الأمير أنه يعدل في حكمه. ارع القواعد المفروضة عليك" (٨٧). وكان الملك نفسه هو المحكمة العليا، يستطاع رفع كل قضية إليه في أحوال معينة، إذا لم يعبأ المدعى بما يطلبه رفعها إليه من النفقات. وتمثل بعض النقوش القديمة " البيت الأعظم " الذي يجلس فيه للحكم والذي تتجمع فيه دواوين الحكومة. وقد اشتقت من اسم هذا البيت الأعظم الذي كان المصريون يطلقون عليه لفظ "بيرو" والذي ترجمه اليهود إلى فرعوه، اشتق من اسمه هذا لقب الملك نفسه. وفي هذا البيت كان الملك يضطلع بواجبة الشاق الرتيب من الأعمال التنفيذية، التي كانت في بعض الأحيان لا تقل في كثرتها وفيما تتطلبه من جهود عن أعمال شندرا جويتا (١) أو لويس الرابع عشر أو نابليون (٨٨). وكان الملك إذا سافر قابله أمراء الإقطاع عند حدود إقطاعاتهم، وساورا في ركابه، وأولموا له

стр. 283

الولائم، وقدموا له من الهدايا ما يتناسب مع ما ينتظرونه منه. وقد جاء في أحد النقوش أن نبيلا من النبلاء أهدى أمنحوتب الثاني " عربات من الفضة والذهب وتماثيل من العاج والأبنوس، وجواهر، وأسلحة وتحفا فنية " و ٦٨٠ درعاً، و ١٤٠ خنجراً من البرنز ومزهريات كثيرة من المعادن الثمينة (٨٩). وجازاه الملك على هذا بأن أخذ ابنه معه ليعيش في قصره- وهي طريقة ماكرة لاتخاذه رهينة يضمن بها ولاء هذا الشريف. وكان يتألف من أكبر رجال البلاط سناً مجلس شيوخ يسمى سارو أي مجلس العظماء مهمته أن يكون مجلساً استشارياً للملك (٩٠). على أن هذه الاستشارة لم تكن في الواقع ضرورية لأن الملك ومن ورائه الكهنة كان يدعى أنه من سلالة الآلهة وأن الآلهة نفسها قد وهبته السلطة والحكمة. وكان اتصاله بالآلهة على هذا النحو مصدر نفوذه وهيبته. ومن أجل هذا كانت تخلع عليه إذا خوطب صفات من الإجلال يدهش لها الإنسان أحيانا. من ذلك ما جاء في قصة سنوحى إذ يحييه مواطن صالح بقوله: "أيها الملك الطويل العمر أرجو أن تهب الواحدة الذهبية (أي الإلهة حتحور) الحياة لأنفك" (٩١). وكان يقف على خدمة الملك- كما يليق بشخص هذه عظمته- عدد كبير من مختلف الأعوان منهم القوّاد، وغاسِلو الملابس، وقُصّارها، وحراس خزائنها، وغيرهم من ذوي المراتب الرفيعة. وكان عشرون من الموظفين يشتركون في تزيينه، منهم حلّاقون لا يسمح لهم إلا بقص شعره وحلْق لحيته، وآخرون لإلباسه قلنسوته وتاج رأسه، ومدرمون يقصون أظافره ويدرمونها، ومعطرون يعطرون جسمه ويكحلون جفون عينيه، ويحمرون خديه وشفتيه بالصبغة الحمراء (٩٢). وجاء في نقش على أحد القبور أن صاحب القبر كان "المشرف على صندوق دهان الشعر والوجه، المسيطر على الدهان، حامل ُخفي الملك، والذي يعني بخفيه العناية التي يرضاها القانون" (٩٣). وكان الانحلال والضعف عاقبة هذا التنعم المفرط، وكان الملك يلجأ في بعض الأحيان إلى الترويح عن نفسه وإزالة ما يعتريه من ملل

стр. 284

وسآمة بحشد طائفة من الفتيات في قاربه الملكي وليس عليهن من الثياب إلا نوع من الشباك ذات الثقوب الواسعة. وكان الترف الذي انغمس فيه أمنحوتب الثالث هو الذي مهد السبيل لثورة إخناتون. ٤ - القانون الأخلاقي مضاجعة الملك لأقاربه - الحريم - الزواج - مركز المرأة - سلطان الأم في مصر - القوانين الأخلاقية الخاصة بعلاقة الرجال والنساء لقد كانت حكومة مصر شبيهة بحكومة نابليون حتى في مضاجعة الملك لأقاربه، وكثيراً ما كان الملك يتزوج أخته، بل كان يحدث أحيانا أن يتزوج ابنته، ليحتفظ بالدم الملكي نقيا خالصا من الشوائب. وليس من اليسير أن نحكم هل أضعفت هذه العادة قوة نسل الملوك أو لم تضعفه؟ لكننا لا نشك في أن مصر لم تكن تعتقد هذا بعد أن ظلت تسير عليه عدة آلاف من السنين، وانتقلت عادة الزواج بالأخوات من الملوك إلى عامة الشعب حتى وجد في القرن الثاني بعد الميلاد أن ثلثي سكان أرسينوئي يسيرون على هذه السُنّة (٩٤). وكان معنى لفظي أخ وأخت في الشعر المصري القديم كمعنى حبيب وحبيبة في أيامنا هذه (٩٥). وكان للملك فضلا عن أخواته عدد كبير من النساء من أسيرات الحروب وبعضهن من بنات الأعيان أو ممن أهداهن إليه الأقيال الأجانب. من ذلك أن أحد أمراء بلاد "نهرينا" أهدى إلى أمنحوتب الثالث ابنته الكبرى وثلاثمائة من صفوة الفتيات (٩٦). وقد حذا بعض النبلاء حذو الملوك في هذا الإسراف وإن لم يبلغوا فيه مبلغهم، فقد كان عليهم أن يوفقوا في هذه الناحية بين مبادئهم الخلقية ومواردهم المالية. أما عامة الشعب فكان شأنهم شأن ذوي الدخل المتوسط في سائر الأمم، يقنعون بزوجة واحدة. ويلوح أن الحياة العائلية كانت منظمة، ذات مستوى

стр. 285

رفيع من الوجهة الأخلاقية ومن حيث سلطان الأبوين، ولا تقلّ في هذا عنها في أرقى الحضارات في هذه الأيام. وكان الطلاق نادراً إلا في عهد الاضمحلال. وكان في مقدور الزوج أن يخرج زوجته من داره دون أن يعوضها بشيء إذا زَنَت؛ أما إذا طلقها لغير هذا السبب فكان عليه أن يخصص لها جزءاً كبيرا من أملاك الأسرة. كذلك كان الأزواج يبذلون قصارى جهدهم في الإخلاص لزوجاتهم- على قدر ما يستطيع الإنسان أن يحكم في هذه الأمور الخفية. ولم يكن مستواهم في هذا أقل منه في المدنيات اللاحقة، وكان مركز المرأة عندهم أرقى من مركزها عند كثير من الأمم في هذه الأيام. وفي ذلك يقول ماكس ملر: "ليس ثمة شعب قديم أو حديث قد رفع منزلة المرأة مثل ما رفعها سكان وادي النيل" (٩٧). فالنقوش تصور النساء يأكلن ويشربن بين الناس، ويقضين ما يحتجنه من المهام في الشوارع من غير رقيب عليهن ولا سلاح بأيديهن، ويمارسن الأعمال الصناعية والتجارية بكامل حريتهن. ولشد ما دهش الرحالة اليوناني- وقد اعتادوا أن يضيقوا على نسائهم السليطات- من هذه الحرية، وأخذوا يسخرون من الأزواج المصريين الذين تتحكم فيهم زوجاتهم. ويقول ديودور الصقلي- ولعله يهدف بقوله هذا إلى السخرية من المصريين- إن طاعة الزوج لزوجته في وادي النيل كانت من الشروط التي تنص عليها عقود الزواج (٩٨)، وهو شرط لا ضرورة للنص عليه في أمريكا! وكان النساء يمتلكن ويورثن، كما تشهد بذلك وثيقة من أقدم الوثائق في التاريخ، وهي وصية من عهد الأسرة الثالثة توصي فيها السيدة نب- سنت بأرضها لأبنائها (٩٩). وقد ارتقت حتشبسوت وكليوبطرة عرش مصر، وحكمتا وخربتا كما يحكم الملوك ويخربون. على أننا نجد أحيانا نغمة ساخرة في الآداب المصرية. من ذلك ما كتبه رجل من رجال الأخلاق الأقدمين يحذر قراءه منهن:

стр. 286

"احذر المرأة التي تأتيك من الخارج، والتي لا يعرفها أهل مدينتها. فلا ترفع بصرك إليها إذا أتت، ولا تعرفها، فهي كالدُّردور في الماء العميق، لا تستطيع أن تسبر غورها. وأن المرأة التي غاب زوجها لتكتب إليك في كل يوم، وإذا لم يكن معها شاهد عليها قامت ونشرت حولك شباكها. وما أشنعها من جريمة إذا أصغي إليها الإنسان" (١٠٠)!. أما النغمة المصرية الخالصة فهي التي نسمعها في نصيحة بتاح حوريب لابنه والتي يقول فيها: "إذا كنت ناجحا، وأَثثت بيتك، وكنت تحب زوجة قلبك، فاملأ بطنها واكس ظهرها … وادخل السرور على قلبها طوال الوقت الذي تكون فيه لك، ذلك أنها حرث نافع لمن يملكه … وإذا عارضتها كان في ذلك خرابك" (١٠١). وتحذر بردية بولاق الطفل تحذيرا يشهد بالحكمة البالغة فتقول: "ينبغي لك ألا تنسى أمك فقد حملتك طويلا في حنايا صدرها وكنت فيها حملا ثقيلاً؛ وبعد أن أتممتَ شهورك ولدتك. ثم حملتك على كتفها ثلاث سنين طوالا وأرضعتك ثديها في فمك، وغذتك، ولم تشمئز من قذارتك. ولما دخلت المدرسة وتعلمت الكتابة كانت تقف في كل يوم إلى جانب معلمك ومعها الخبز والجعة جاءت بهما من البيت" (١٠٢). ويرجح أن هذه المكانة السامية التي كانت للمرأة إنما نشأت من أن المجتمع المصري كان أميل إلى تغليب سلطان الزوجة على سلطان الزوج بعض الشيء. وشاهد ذلك أن المرأة لم تكن لها السيادة الكاملة في بيتها وكفى، بل إن الأملاك الزراعية كلها كانت تنتقل إلى الإناث؛ وفي ذلك يقول بيترى: "لقد كان الزوج حتى في العهود المتأخرة ينزل لزوجته في عقد زواجه عن جميع أملاكه ومكاسبه المستقبلة" (١٠٣) ولم يكن سبب زواج الأخ بأخته أن وجودها معه قد ملأ بحبها قلبه، بل كان سببه أن الرجال كانوا يبغون أن يستمتعوا بميراث الأسرة الذي كان ينحدر

стр. 287

من الأم إلى البيت، ولا يريدون أن ينعم الغرباء بهذه الثروة (١٠٤). على أن سلطان المرأة قد نقص قليلا على مر الزمن، ولعل سبب هذا النقص هو أثر التقاليد الأبوية التي أدخلها الهكسوس، وأثر انتقال البلاد من عزلتها الزراعية ومن حال السلم إلى طور الاستعمار والحرب. وزاد نفوذ اليونان في أيام البطالمة زيادة أصبحت معها حرية الطلاق، وهي التي كانت تطالب بها المرأة في الأزمنة السابقة، حقا خالصا للزوج لا ينازعه فيه منازع. بيد أنه حتى في ذلك الوقت لم يقبل هذا التطور إلا الطبقات العليا من أهل البلاد، أما عامة الشعب فقد ظلت مستمسكة بالتقاليد القديمة (١٠٥). ولعل سيطرة المرأة على شئونها الخاصة هي التي جعلت قتل الأطفال أمرا نادر الحدوث. ويرى ديودور الصقلي أن من خواص المصريين أن كل طفل يولد لهم يلقى حظه الكامل من التربية والرعاية، ويقول أن القانون كان يقضي على الأب الذي يرتكب جريمة قتل طفله بأن يحتضن الطفل القتيل ثلاثة أيام وثلاث ليال كاملة (١٠٦). وكانت الأسرة الكبيرة، والأطفال تغص بهم الأكواخ والقصور على السواء، وكان الأثرياء منهم يلقون صعابا جمة في إحصاء نسلهم (١٠٧). وحتى في مسائل الخطبة كانت المرأة هي البادئة. وشاهد ذلك أن ما وصل إلينا من قصائد الغزل ورسائل الحب أغلبه موجه من المرأة إلى الرجل، فهي التي تطلب تحديد مواعيد اللقاء، وهي التي تتقدم بالخطبة إلى الرجل مباشرة، وهي التي تعرض عليه الزواج صراحة (١٠٨). وقد جاء في إحدى هذه الرسائل: " أي صديقي الجميل؛ إني أرغب في أن أكون، بوصفي زوجتك، صاحبة كل أملاكك" (١٠٩). ومن ثم نرى أن الحياء- وهو أمر يختلف عن الوفاء- لم يكن من صفات المصريين البارزة، فقد كانوا يتحدثون عن الشئون الجنسية بصراحة لم نعهدها في التقاليد الأخلاقية المتأخرة عن عهدهم، وكانوا يزينون هياكلهم بصور ونقوش غائرة تظهر فيها أجزاء الجسم كلها واضحة أتم الوضوح، وكانوا يقدمون لموتاهم من الأدب الفاحش ما يسليهم في قبورهم (١١٠). لقد كان

стр. 288

الدم الذي يجري في عروق سكان وادي النيل دما حارا، ومن أجل ذلك كانت البنات يصلحن للزواج في سن العاشرة، وكان اتصال الفتيان والفتيات قبل الزواج حراً ميسراً؛ ويقال أن أحد السراري في أيام البطالمة استطاعت أن تدخر من الأموال ما بنت به هرما. وحتى اللواط لم يكن معدوما في مصر (١١١). وكانت الفتيات الراقصات الشبيهات بأمثالهن في اليابان يُقبَلن في أرقى مجتمعات الرجال ليقدمن للمجتمعين ضروب التسلية والمتعة الجسمية. وكن يرتدين ملابس شفافة أو يكتفين أحيانا بالتزين بالخلاخل والأساور والأقراط (١١٢). ولدينا شواهد على الفسوق الديني في نطاق ضيق. وكان من العادات المتبعة التي ظلت باقية إلى عهد الفتح الروماني أن تختار أجمل بنات الأسر الشريفة في طيبة وتنذر لآمون. فإذا أضحت لكبر سنها عاجزة عن إرضاء الإله أخرجت من خدمته بمظاهر التشريف والتعظيم، وتزوجت ولقيت الترحيب والإجلال في أرقى الأوساط (١١٣). لقد كانت لهذه الحضارة آراؤها ونزواتها التي تختلف عن آرائنا نحن ونزواتنا. ٥ - العادات الأخلاقية الشخصية - الألعاب - المظهر الخارجي - الأصباغ والأدهان - الملابس - الحلي إذا شئنا أن نستعيد في مخيلتنا صورة من الأخلاق الشخصية للمصريين الأقدمين، وجدنا أن ليس من السهل أن نفرق بين هذه الأخلاق كما نقرأ عنها في آدابهم وبين ما كان يحدث في الحياة الواقعية. فما أكثر ما نقرا عنه من العواطف النبيلة في كتاباتهم. من ذلك ما كتبه أحد الشعراء ينصح مواطنيه: أطعم الخبز لمن لا حقل له. واترك ورائك ذكراً طيبا يبقى أبد الدهر. وكثيراً ما يسدي بعض الكبار إلى أبنائهم نصائح حميدة، ففي المتحف

стр. 289

البريطاني بردية تعرف باسم: "حكمة أمنحوتب" (حوالي ٩٥٠ ق. م) وهي تُعِد أحد الطلاب لتولي منصب عام بطائفة من النواهي لا يبعد قط أن كان لها أثر في واضع "أمثال سليمان" أو واضعيها: لا تطمع في ذراع من الأرض، ولا تعتد على حدود أرملة … ، واحرث الحقل حتى تجد حاجاتك، وخذ خبزك من بيدرك، وإن قدحا من الحب يعطيكه الله لخير من خمسة آلاف تنالها بالعدوان … ، وإن الفقر بيد الله لخير من الغنى في المخازن؛ وإن الرغيف والقلب مبتهج لخير من الغنى مع الشقاء … " (. على أن ما تحويه هذه الآداب من دلائل التقوى والصلاح لم يحل دون المطامع البشرية. ولم يكن المصريون الأقدمون إلا خلقاً، لهم ما لسائر الخلق من مطامح. لقد وصف أفلاطون الآثينيين بأنهم محبون للمعرفة، والمصريين بأنهم محبون للثروة. ولعل في هذا الوصف كثيراً من المغالاة دفعته إليها النعرة الوطنية، ولكنا لا نعدو الحقيقة إن قلنا أن المصريين هم أمريكيو العالم القديم. فهو قوم مولعون بضخامة الحجم، يحبون المباني الفخمة الكبيرة، وهم مجدون نشيطون جماعون للثروة، عمليون حتى في خرافاتهم الكثيرة عن الدار الآخرة. وهم أشد الأمم الماضية استمساكا بالقيم، لم تتبدل حالهم رغم ما طرأ عليهم من أحداث؛ وظل فنانوهم يقلدون ما جرى به العرف القديم تقليدا كأنه أمر من أوامر الدين، إذا نظرنا إلى آثارهم بدا أنهم قوم واقعيون لا يعنون بالسخافات التي لا صلة لها

стр. 290

بالأمور الدينية. ولا يقدرون الحياة تقديرا أساسه العاطفة، يقتلون وضميرهم مستريح لأنهم لم يفعلوا ما يخالف الطبيعة البشرية. ولقد كان الجندي المصري يقطع يمين العدو والمقتول أو عورته ويأتي بها إلى الكاتب المختص ليسجل له عمله هذا في صحيفة حسناته (١١٦). وفقد الناس في عهد الأسر المتأخرة عاداتهم وصفاتهم الحربية لطول ما أخلدوا إلى الأمن في الداخل وإلى السلام فيما عدا الحروب البعيدة عن ديارهم؛ وكانت نتيجة هذا أن فئة قليلة من جنود الرومان استطاعت أن تسيطر على مصر كلها (١١٧). ولما كان أكثر ما نعرفه عن المصريين مستمدا من الآثار التي كشفت في مقابرهم أو النقوش التي على جدران هياكلهم، فقد خدعتنا هذه المصادفة المحضة فبالغنا فيما كانوا يتصفون به من جد ووقار. والحق أن بعض ما خلفوه من تماثيل ونقوش، ومن قصص هزلية عن آلهتهم (١١٨)، ليشهد بأنهم كانوا على جانب غير قليل من المرح والفكاهة، وقد كان لهم كثير من الألعاب والمباريات العامة والخاصة "كالداما" والنرد (١١٩)، وكانوا يقدمون اللعب والدمى لأطفالهم كالبلى والكرة والنطاطة والخذروف، وكانوا يعقدون مباريات في المصارعة والملاكمة وصراع الثيران (١٢٠)، وكان خدمهم يمسحون لهم في أعيادهم ونزهتهم أجسامهم بالزيوت. وكانوا يضعون على رؤوسهم أكاليل الزهر ويسقون الخمور تقدم لهم الهدايا، ونستطيع استنادا إلى ما لدينا من رسومهم الملونة وتماثيلهم أن نصورهم خلقا أقوياء الأجسام، مفتولي العضلات، عريضي المناكب، مستدقي الخصور، ممتلئي الشفاه، منبسطي الأقدام لاعتيادهم الحفاء. وهذه الرسوم والتماثيل تمثل الطبقات العليا النحيفة القوام، طويلة في هيبة، ذات وجوه بيضاء وجباه منحدرة منتظمة، وأنوف طويلة مصفحة، وعيون نجل، وكانت بشرتهم بيضاء وقت مولدهم (تشهد بأنهم من أصل آسيوي لا إفريقي)، ولكنها سرعان ما تلفحها شمس مصر فتسمر (١٢١). وقد جرى

стр. 291

العرف بين الفنانين المصريين على أن يرسموا الرجال حمرا والنساء صفروات؛ ولربما كان هذان اللونان مجرد طرازين من الزينة للرجال والنساء. هذا شأن الطبقات العليا، أما الرجال من عامة الشعب فكان يمثل بالصورة التي نراها في تمثال شيخ البلد، قصير القامة، ممتلئ الجسم، كاسي القصب، وذلك لطول كده وطعامه غير المتزن. وكانت ملامحه خشنة، وكان أفطس الأنف أخشمه، ذكيا ولكنه خشن الطباع. ولربما كان الشعب وحكمه من سلالتين مختلفتين، شأنهم في هذا شأن كثير من الشعوب: فلعل الحكام كانوا من أصل آسيوي وعامة الشعب من أصل إفريقي. وكان شعرهم أسود، أحجن في بعض الأحيان، وقلما كان قَطَطاً. وكان النساء يقصصن شعورهن كأحسن ما يقصصنه في هذه الأيام؛ وكان الرجال يحلقون لحاهم ويخفون شواربهم ويزينون أنفسهم بشعور مستعارة فخمة. وكثيرا ما كانوا يقصون شعر رأسهم ليسهل عليهم لبس هذه الشعور المستعارة. وحتى زوجة الملك نفسها كانت تقص شعرها كله ليسهل عليها لبس التاج والشعر الملكي المستعار (كما ترى هذا في صورة تي أم إخناتون). وكان من المراسم التي لا يستطيع الملك الخروج عليها أن يلبس أكبر ضفيرة مستعارة (١٢٢). وكانوا يستعينون بفنون التجميل على إصلاح عيوب أجسامهم كل منهم حسب موارده. فكانوا يحمرون أوجههم وشفاههم، ويلونون أظافرهم، ويدهنون أعضاء أجسامهم بالزيت، وحتى تماثيل المصريات كانت تكحل عيونها. وكان ذوو اليسار منهم يضعون في قبور موتاهم سبعة أنواع من الأدهان ونوعين من الصبغة الحمراء. وقد وجدت بين آثارهم كميات كبيرة من أدوات الزينة، والمرايا، والمواسي، وأدوات تجعيد الشعر، ودبابيسه، والأمشاط، وصناديق الأدهان، والصحاف والملاعق- مصنوعة من الخشب، أو العاج، أو المرمر، أو البرنز، ذات أشكال جميلة تتفق والأغراض التي تستخدم فيها. ولا تزال بعض أصباغ العيون باقية في أنابيبها إلى يومنا هذا، وليس الكحل الذي تستعمله النساء في هذه الأيام لتزيين حواجبهن ووجوههن إلا صورة أخرى من الزيت الذي كان المصريون

стр. 292

يستخدمونه في غابر الأيام. وقد وصلت إلينا هذه العادة عن طريق العرب، واشتق من اسمه العربي "الكحل" لفظ "الكحول" الذي نستخدمه الآن. وكانت العطور على اختلاف أنواعها تستخدم لتعطير الجسم والثياب، كما كانت المنازل تبخر بالبخور والمر (١٢٣). وسارت ملابسهم في جميع مراحل التطور من عرى البدائيين إلى أفخم ملابس عصر الإمبراطورية. ففي أول الأمر كان الأطفال ذكورا وإناثا يظلون حتى الثالثة عشرة من عمرهم عراة الأجسام إلا من الأقراط والقلائد. غير أن البنات كن يظهرن شيئاً من الخفر الخليق بهن فيتمنطقن بمنطقة من الخرز في أوساطهن (١٢٤). وكان الخدم والزراع يقتصرون على قطعة من القماش تستر عوراتهم. فلما كان عهد الدولة القديمة كان الأحرار من الرجال والنساء يسيرون وأجسامهم عارية من فوق السرة، مغطى ما تحتها إلى الركبة بإزار قصير ضيق من الكتان الأبيض (١٢٥). ولما كان الحياء وليد العادة لا الطبيعة فإن هذه الثياب البسيطة كانت ترضي ضمير هؤلاء القوم، كما كان الإنجليز في العصر الفكتوري يرتضون النُّقبة (الجونيلا) والخصار (١) أو ثياب السهرة التي يلبسها الرجال من الأمريكيين في هذه الأيام. وما أصدق القول المأثور: "ليست فضائلنا إلا معاني تخلعها الأيام على الأفعال والعادات". وحتى القساوسة أنفسهم في عصر الأسر المصرية الأولى كانوا يكتفون بستر عوراتهم كما نشاهد ذلك في تمثال رنوفر (١٢٦). فلما زادت الثروة كثرت الملابس، فأضافت الدولة الوسطى إزارا ثانيا فوق الإزار الأول وأكبر منه، وأضافت الدولة الحديثة غطاء للصدر ودثارا للكتفين كان يلبس من حين إلى حين. وكان سائقو المركبات وسائسو الخيل يرتدون حللاً فخمة كاملة ويعدون في الشوارع بحللهم هذه ليفسحوا الطريق لمركبات أسيادهم. ونبذت النساء المئزر الضيق في عصور الرخاء المتأخرة واستبدلن به ثوباً فضفاضاً

стр. 293

ينزل من الكتفين ويربط بمشبك تحت الثدي الأيمن. وظهرت الأثواب المطرزة ذات الأهداب المختلفة التي لا يحصى عديدها، وتسربت الأنماط والطرز الحديثة إلى البيوت تسرب الأفاعي لتفسد على أصحابها جنة العري البدائية (١٢٧). وكان الرجال والنساء سواء في الشغف بالحلي والزينة، فكانوا يحلون بالجواهر أعناقهم، وصدورهم، وأذرعهم، ومعاصمهم، وأرساغهم. ولما عم الرخاء البلاد وزاد ثراء أهلها بما جاءها من خراج أملاكها في آسية، ومن مكاسب تجارة بلاد البحر الأبيض المتوسط، وأصبح التحلي بالجواهر مطلباً يهواه جميع المصريين، ولم يعد ميزة للطبقات الموسرة؛ فكان لكل كاتب وتاجر خاتمه المصنوع من الفضة أو الذهب، ولكل رجل خاتم في إصبعه، ولكل امرأة قلادة تزينها. وكانت هذه القلائد من أنماط لا حصر لها كما يدل على ذلك ما نراه منها اليوم في المتاحف؛ فمنها ما لا يزيد طوله على بوصتين أو ثلاث بوصات، ومنها ما يبلغ طوله خمسة أقدام؛ ومنها ما هو سميك ثقيل، ومنها ما يضارع "أجمل مخرمات مدينة البندقية خفة وليناً" (١٢٨). وأضحت الأقراط في عهد الأسرة الثامنة عشرة حلية لا غنى عنها. فكان لا بد لكل شخص أن تخرق أذنه لتحلى بقرط، ولم تختص بالأقراط النساء والبنات بل كان يتحلى بها أيضا الأولاد والرجال (١٢٩). وكان الرجال والنساء على السواء يزينون أجسامهم بالأساور والخواتم والأنواط والقلائد من الخرز والحجارة الثمينة. وملاك القول أن نساء مصر القديمة لن يتعلمن منا شيئا عن أدهان الشعر والوجه والجواهر لو أنهن بعثن بيننا في هذه الأيام. ٦ - القراءة والكتابة والتعليم التعليم - مدارس الحكومة - الورق والحبر - مراحل تطور الكتابة - أشكال الكتابة المصرية كان الكهنة يلقنون أبناء الأسر الغنية مبادئ العلوم في مدارس ملحقة بالهياكل كما هو الحال في أبرشيات طوائف الكاثوليك الرومان في هذه الأيام (١٣٠).

стр. 294

ويطلق أحد الكهنة- وقد كان يشغل المنصب الذي يصح أن نسميه في هذه الأيام وزير المعارف- على نفسه اسم "رئيس الإسطبل الملكي للتعليم" (١٣١). وقد عثر في خرائب إحدى المدارس التي يبدو أنها كانت جزءاً من بناء الرمسيوم على عدد كبير من المحار لا تزال دروس المعلم القديم ظاهرة عليها. وكان عمل المدرس في تلك الأيام هو تخريج الكتبة للقيام بأعمال الدولة، وكان المدرسون يستحثون تلاميذهم على الإقبال على التعليم بتدبيج المقالات البليغة يشرحون فيها مزاياه. من ذلك ما جاء في إحدى البرديات: " أفرغ قلبك للعلم وأحبه كما تحب أمك، فلا شيء في العالم يعدل العلم في قيمته ". وتقول بردية أخرى: "ليس ثمة وظيفة إلا لها من يسيطر عليها، لكن العالم وحده هو الذي يحكم نفسه". وكتب أحد المولعين بمطالعة الكتب يقول: "إن من سوء الحظ أن يكون الإنسان جندياً، وإن حرث الأرض لعمل ممل، أما السعادة فلا تكون إلا في توجيه القلب إلى الكتب في النهار والقراءة في الليل" (١٣٢). وقد وصلت إلينا كراسات من عهد الدولة الحديثة وفيها إصلاح المدرسين لأخطاء التلاميذ يزين هوامشها؛ وهذه الأخطاء تبلغ من الكثرة حداً يجد فيه تلميذ اليوم كثيراً من السلوى (١٣٣). وكان الإملاء ونقل النصوص أهم طرق التعليم، وكانت هذه الدروس تكتب على الشقف أو على رقائق من حجر الجير (١٣٤). وكان أكثر ما يعلم هو الموضوعات التجارية، وذلك لأن المصريين كانوا أول الأقوام النفعيين، وأعظمهم استمساكاً بالنظرية النفعية؛ وكانت الفضيلة أهم الموضوعات التي يكتب فيها المعلمون، وكانت مشكلة النظام أهم المشاكل التعليمية في تلك الأيام، كما هي أهم مشاكله في الوقت الحاضر. وقد جاء في إحدى الكراسات: " لا تضع وقتك في التمني، وإلا ساءت عاقبتك. اقرأ بفمك الكتاب الذي بيدك؛ وخذ النصيحة ممن هو أعلم منك ". ولعل هذه العبارة الأخيرة من أقدم ما عرف من الحكم في أية لغة من اللغات. وكان

стр. 295

النظام صارماً يقوم على أبسط المبادئ. وقد جاءت تلك العبارة المنمقة اللفظ في إحدى المخطوطات: "إن للشباب ظهرا، وهو يلتفت للدرس إذا ضرب … لأن أذني الشاب في ظهره". وكتب تلميذ إلى مدرس سابق يقول: "لقد ضربت ظهري، فوصل تعليمك إلى أذني". ومما يدل على أن هذا التدريب الحيواني لم يفلح على الدوام ما جاء في إحدى البرديات التي يأسف فيها مدرس لأن تلاميذه السابقين لا يحبون الكتب بقدر ما يحبون الخمر (١٣٥). لكن عدداً كبيراً من طلبة الهياكل تخرجوا رغم هذا على أيدي الكهنة ودخلوا المدارس العليا الملحقة بمكاتب خزانة الدولة. وفي هذه المدارس، وهي أقدم ما عرف من المدارس التي تعلم نظم الحكم، كان الكتبة يدرسون نظم الإدارة العامة، حتى إذا ما أتموا دراستهم قضوا مدة التمرين عند بعض الموظفين يعلمونهم بكثرة ما يعهدون إليهم من الأعمال. ولعل هذه الطريقة في الحصول على الموظفين العموميين وتدريبهم أفضل من الطريقة التي نتبعها نحن في هذه الأيام طريقة اختيار الموظفين على أساس أقوال الناس فيهم، واستعدادهم للطاعة والخضوع، وما يثار حولهم من دعاوى. وعلى هذا النمط أنشأت مصر وبابل في عصر واحد تقريبا أقدم ما عرف من النظم المدرسية في التاريخ (١٣٦). ولم يرق نظام التعليم العام للشبان فيما بعد إلى هذا المستوى الذي بلغه في أيام المصريين الأقدمين إلا في القرن التاسع عشر. وكان يسمح للطالب في الفرق الراقية أن يستعمل الورق- وهو من أهم السلع في التجارة المصرية ومن أعظم النعم الخالدة التي أنعم بها المصريون على العالم. وكانت طريقة صنعه أن تقطع سوق نبات البردي شرائح وتوضع متقاطعة بعضها فوق بعض ثم تضغط ويصنع منها الورق عماد المدنية (١٣٧)، (وأعظمها سخفا). وحسبنا دليلا على حسن صنعه أن ما كتب عليه من المخطوطات منذ خمسة آلاف عام لا يزال حتى الآن باقيا متماسكا سهل القراءة. وكانت الكتب تصنع

стр. 296

من الأوراق بضمها إلى بعض وإلصاق الطرف الأيمن من واحدة بالطرف الأيسر من التي تليها، فتكون منها ملفات ما يبلغ طول الواحد منها أحيانا نحو أربعين ياردة؛ وقلما كانت تزيد على هذا في الطول لأن مصر لم يكن فيها مؤرخون مولعون بالحشو واللغو. وكانوا يصنعون حبرا أسود لا يتلاشى بمزج الصناج والصمغ النباتي بالماء على لوحة من الخشب. أما القلم فكان قطعة بسيطة من الغاب يعالج طرفها ليكون كقلم الرسام (١٣٨). وبهذه الأدوات الحديثة الطراز كان المصريون يكتبون أقدم الآداب؛ وبهذه الأدوات الحديثة الطراز كان المصريون يكتبون أقدم الآداب؛ ويرجح أن لغتهم قد جاءت من آسية؛ وشاهد ذلك أن أقدم نماذج منها بينها وبين اللغات السامية شبه كبير (١٢٩). ويبدو أن أقدم الكتابات المصرية كانت تصويرية- تعبر عن الشيء برسم صورة له. فكانت كلمة بيت مثلا (وهي في اللغة المصرية بر) يرمز لها بشكل مستطيل بفتحة في أحد طوليه. ولما كانت بعض المعاني مجردة إلى حد يصعب معها تصويرها تصويرا حرفيا فقد استعيض عن التصوير بوضع رموز للمعاني، فكانت بعض الصور تتخذ بحكم العادة والعرف للتعبير عن الفكرة التي توحي بها لا عن الشيء المصوّر نفسه، فكان مقدم الأسد يعبر عن السيادة (كما هو في تمثال أبي الهول) وكان الزنبور يعبر عن الملكية، وفرخ الضفدع عن الآلاف. ثم تطورت هذه الطريقة تطوراً جديداً في هذا الطريق نفسه، فأصبحت المعاني المجردة التي عجزوا في بادئ الأمر عن تصويرها يعبر عنها برسم صور لأشياء تشبه أسماؤها مصادفة الألفاظ التي تعبر عن هذه المعاني. من ذلك أن صورة المِزْهِر لم تكن تعني المزهر نفسه فحسب بل كان معناها أيضا طيّب أو صالح لأن منطق اسم المزهر في اللغة المصرية- نِفِر- شبيه بمنطق اللفظ الذي يعبر عن معنى طيب أو صالح- نُفِر. ونشأت من هذا الجناس اللفظي أي من الألفاظ المتفقة في اللفظ والمختلفة المعنى- تراكيب غاية في الغرابة. من ذلك أن فعل الكينونة كان يعبر عنه في لغة الكلام بلفظ خوبيرو. وقد عجز الكاتب

стр. 297

المصري في أول الأمر عن إيجاد صورة يمثل بها هذا المعنى الشديد التجريد، حتى اهتدى أخيرا إلى تقطيع الكلمة إلى ثلاثة مقاطع خو- بي- رو. ثم عبرّ عن هذه المقاطع الثلاثة بصور الغربال "الذي يعبر عنه في لغة الكلام بلفظ خو" وبالحصيرة "بي" وبالفم "رو". وسرعان ما جعل العرف والعادة، اللذان يخلعان القدسية على كثير من السخافات، هذا الخليط العجيب من الحروف يوحي بفكرة الكينونة. وعلى هذا النحو عرف الكاتب المصري مقاطع الكلمة، والصورة التي ترمز لكل مقطع، ويبحثون عن الألفاظ المشابهة لهذه المقاطع نفسها في المنطق والمغايرة لها في المعنى، ويرسمون مجموعة الأشياء المادية التي توحي بها أصواتها، حتى استطاعوا في آخر الأمر أن يعبروا بالعلامات الهيروغليفية عن كل ما يريدون، فلا يكاد يوجد معنى من المعاني لا يستطيعون التعبير عنه بعلامة أو بمجموعة من العلامات. ولم يكن بين هذا وبين اختراع الحروف الهجائية إلا خطوة واحدة. وقد كانت العلامة الدالة على البيت تعني أولاً كلمة البيت- بِرْ. ثم أصبحت رمزاً للصوت بِرْ، ثم لهذين الحرفين أياً كانت حركاتهما وفي أية كلمة جاءتا. ثم اختصرت الصورة واستخدمت للدلالة على الباء أيا كانت حركتها وفي أية كلمة كانت. ولما كانت الحركات لا تكتب عقب الحروف بل تهمل كلية فإن هذه الصورة أصبحت تمثل حرف الباء. وعلى هذا النمط عينه أصبحت العلامة الدالة على اليد (وتنطق اللغة المصرية دُتْ) تعني دُ، دَ ثم أصبحت هي حرف د، وكذلك صارت العلامة الدالة على الفم (رُ، رَ) ثم أصبحت حرف ر، والعلامة الدالة على الثعبان هي حرف ز، وعلامة البحيرة (شي) وهي حرف ش- الخ، وكانت نتيجة هذا التطور أن وجدت حروف هجائية عدتها أربعة وعشرون حرفاً انتقلت مع التجارة المصرية الفينيقية إلى جميع البلاد الواقعة حول البحر

стр. 298

المتوسط، ثم انتشرت عن طريق اليونان وروما حتى صارت أثمن ما ورثته الحضارة من بلاد الشرق (١٤٠). والكتابة الهيروغليفية قديمة قدم الأسر المصرية الأولى، أما الحروف الهجائية فكان أول ظهورها في النقوش التي خلفها المصريون في مناجم سيناء التي يرجعها بعض المؤرخين إلى عام ٢٥٠٠ ق. م وبعضهم إلى عام ١٥٠٠ ق. م (١). ولم يتخذ المصريون لهم كتابة قائمة كلها على الحروف الهجائية وحدها لحكمة في ذلك أو لغير حكمة، بل ظلوا إلى آخر عهود حضارتهم يخلطون بين حروفهم وبين الصور الدالة على الرموز وعلى الأفكار وعلى مقاطع الكلمات. ومن أجل هذا صعب على العلماء أن يقرءوا الكتابة المصرية، ولكن من السهل علينا أن نتصور أن هذا الخلط بين الكتابة بالطريقة المعتادة وبطريقة الاختزال قد سهل عملية الكتابة للمصريين الذين كانوا يجدون فسحة من الوقت لتعلمها. وإذ كانت أصوات الكلمات الإنجليزية لا تعد مرشداً أميناً لهجائها، فإن الشاب الذي يريد أن يتعلم أساليب الهجاء الإنجليزية يجد فيها من الصعوبة ما كان يجده الكاتب المصري في حفظ الخمسمائة رمز هيروغليفي، ومعانيها المقطعية، واستعمالاتها حروفا هجائية. ومن أجل هذا نشأ شكل سريع سهل من أشكال الكتابة استخدم في الكتابات العادية، واحتفظ بالطراز الأول منها ليستخدم فيه "النقوش المقدسة" على الآثار. وإذا كان الكهنة وكتبة الهياكل هم أول من مسخ الكتابة الهيروغليفية على هذا النحو فقد أطلق اليونان عليها اسم الكتابة الهيراطية (المقدسة)، ولكنها سرعان ما عم استخدامها في الوثائق العامة والتجارية والخصوصية. ثم نشأ على يد الشعب نفسه نمط آخر من الكتابة أكثر من النمط الثاني اختصارا

стр. 299

وأقل منه عناية؛ ولذلك سمي بالكتابة الديموطية (الشعبية) لكن المصريين كانوا يصرون على ألا ينقشوا على آثارهم إلا الرموز الهيروغليفية الفاخرة الجميلة- ولعلها أجمل نمط من الكتابة عرف حتى الآن. ٧ - الآداب النصوص ودور الكتب - السندباد المصري - قصة سنوحي - الروايات الخيالية - قطعة غرامية - أشعار الحب - التاريخ - ثورة في الأدب إن معظم ما بقي من آداب مصر القديمة مدون بالكتابة الهيراطية، وهذا القدر الباقي قليل لا يغني؛ ولهذا فإننا لا نستطيع الحكم على الأدب المصري القديم إلا من هذه البقايا القديمة وهو حكم أعمى للمصادفة فيه النصيب الأوفر. ولعل الزمان قد عدا على أعظم شاعر في مصر، ولم يبق إلا شعراء البلاد. وقد كان للمصريين دور كتب وخزنة عليها؛ فقد كتب على قبر موظف كبير في الأسرة الرابعة " كاتب دار الكتب (١) ولسنا نعرف أكانت هذه الدار البدائية مستودعاً للأدب، المصري القديم هو "نصوص الأهرام" وهي موضوعات دينية ورعة منقوشة على جدران خمسة من أهرام الأسرتين الخامسة والسادسة. وقد وصلت إلينا مكتبات يرجع تاريخها إلى عام ٢٠٠٠ ق. م وتحوى برديات مطوية ومحفوظة في جرار معنوية ومصفوفة على رفوف (١٤٥). وعثر في إحدى هذه الجرار على أقدم صورة من صور قصة السندباد البحري، أو لعلنا نكون أقرب إلى الحقيقة إذ أسميناها أقدم صورة من صور قصة رُبنسن كروزو.

стр. 300

وهذه القصة "قصة الملاح الذي حطمت سفينته" قطعة من ترجمة ذاتية لحياة ملاح تفيض حياة وشعوراً. ويقول هذا الملاح القديم في أحد سطورها قولا يذكرنا بقول دانتي: "ما أعظم سرور من يقص ما وقع له حين ينجو من كارثة حلت به! ". يقول هذا الملاح في مطلع هذه القصة: "سأقص عليك شيئا حدث لي حين يمت شطر مناجم الملك ونزلت البحر في سفينة طولها مائة وثمانون قدما وعرضها ستون، وفيها مائة وعشرون من صفوة الملاحين المصريين، خبيرين بمعالم الأرض والسماء، وقلوبهم أشد بأسا .... من قلوب الآساد، يتنبأون بأعاصير البحر وعواصف البر قبل أن تثور. وهبت علينا عاصفة ونحن لا نزال في البحر .... ودفعتنا الرياح حتى كنا نطير أمامها .... وثارت موجة علوها ثمان أذرع .... ثم تحطمت السفينة، ولم ينج أحد ممن كان فيها، وألقت بي موجة من أمواج البحر في جزيرة، قضيت فيها ثلاثة أيام بمفردي لا رفيق لي إلا قلبي؛ أنام تحت شجرة وأعانق الظلال؛ ثم مددت قدمي أبحث عما أستطيع أن أضعه في فمي، فوجدت أشجار التين والكروم وجميع صنوف الكُرّات الجميل .... وكان فيها سمك ودجاج ولم يكن ينقصها شيء قط .... وبعد أن صنعت لنفسي جهازاً أوقد به النار أشعلتها وقربت للآلهة قرباناً مشويا" (١٤٦). وتروي قصة أخرى مغامرات سنوحي، وهو موظف عام فرّ من مصر على أثر وفاة أمنمحيت الأول، وأخذ يتنقل من بلد إلى بلد في الشرق الأدنى، وحظي فيها بضروب من النعيم والشرف، ولكنه رغم هذا لم يطق صبراً على ما حلّ به من آلام الوحدة والحنين إلى وطنه. وبرح به الألم آخر الأمر حتى ترك ثروته وعاد إلى مصر وقاسى في طريقه إليها كثيرا من الشدائد والأهوال. وقد جاء فيها: "ألا أيها الإله، أيا كنت، يا من قدّرت عليّ هذا الفرار، أعِدْني إلى البيت (أي الملك). ولعلك تسمح لي أن أرى الموضع الذي يقيم فيه قلبي.

стр. 301

وأي شيء أعظم من أن تدفن جثتي في الأرض التي ولدت فيها؟ أعنّي على أمري! وليصبني الخير، وليرحمني الله! ". ثم نراه بعدئذ وقد عاد إلى وطنه، متعبا، يعلوه العثير من طول السفر في الصحراء، يخشى أن ينتهره الملك لطول غيابه عن بلد يراه أهله- كما يرى الناس بلادهم في سائر الأزمان- البلد المتحضر الوحيد في العالم. ولكن الملك يعفو عنه ويحسن استقباله ويحبوه بكل أنواع العطور والأدهان: "وأقمت في بيت أحد أبناء الملك، حيث توجد أفخر ضروب الأثاث، وكان فيه حمام .... وزالت عن جسمي آثار السنين الطوال؛ وقص شعري، ومشط، وطرح في الصحراء حمل (من الأقذار؟) وأعطيت الملابس (القذرة) لروّاد الرمال. وجيء لي بأرق الملابس الكتانية وعطّر جسمي بأحسن الزيوت" (١٤٧). أما القصص القصيرة فكثيرة متنوعة فيما وصل إلينا من بقايا الأدب المصري القديم. ومن هذه قصص عجيبة بديعة عن الأطياف والمعجزات والتلفيقات العجيبة التي تخلب الألباب والتي لا تقل في سبكها وقربها من الحقائق عن قصص الشرطة السرية التي يصدقها رجال الحكم في هذه الأيام. ومنها روايات غرامية مكتوبة بعبارات طنانة رنانة عن الأمراء والأميرات، والملوك والملكات، ومن بينها أقدم مثال معروف لقصة سندرلا، وقدمها الصغيرة الجميلة، وحذائها الجوال، وانتهاء القصة بزواجها من ابن الملك (١٤٨). وفيها قصص خرافية على لسان الطير والحيوان تفصح عن نقائص الآدميين وشهواتهم وعواطفهم، وتهدف في حكمة وتعقل إلى معان خلقية سامية (١٤٩)، كأنما هي منقولة عن خرافات إيزوب ولافنتين. ومن القصص المصرية التي تمزج الحوادث الطبيعية المعقولة بخوارق الطبيعة، والتي تعد نموذجاً لغيرها من القصص المصرية، قصة أنوبو وبيتيو، وهما أخوان صغير وكبير ظلا يعيشان عيشة راضية سعيدة في مزرعة لهما حتى هامت زوجة

стр. 302

أنوبو بحب بيتيو، فردها عن نفسه، فانتقمت منه بأن وشت به إلى أخيه واتهمته بأنه أراد بها سوءا. وجاءت الآلهة والتماسيح لتعين بيتيو على أنوبو ولكن بيتيو ينفر من بني الإنسان ويضيق بهم ذرعا ويبتر نفسه ليبرهن بذلك على براءته، ويعتزل العالم إلى الغابات كما فعل تيمن الآثيني (١) فيما بعد. ويعلق قلبه في أعلى زهرة في شجرة لا يستطيع الوصول إليها أحد. وتشفق عليه الآلهة في وحدته فتخلق له زوجة رائعة الجمال يشغف النيل بحبها لفرط جمالها، ويختلس غديره من شعرها. وتحمل مياه النهر هذه الغديرة فيعثر عليها الملك، فيسكره عطرها، ويأمر اتباعه بالبحث عن صاحبتها. ويعثر هؤلاء عليها ويأتونه بها، ويتزوجها. وتدب في قلبه الغيرة من بيتيو فيرسل رجاله ليقطعوا الشجرة التي علق عليها بيتيو (١٥٠). ألا ما أقل الفرق بين أذواقنا وأذواق من سبقونا من الخلق!. وكانت معظم الآداب المصرية الأولى آداباً دينية، وأقدم القصائد المصرية ترانيم نصوص الأهرام. وصيغتها هي أيضا أقدم الصيغ المعروفة لنا، وهي عبارة عن تكرار المعنى الواحد بعبارات مختلفة، وقد أخذ الشعراء العبرانيون عن المصريين والبابليين هذه الطريقة وخلدوها في المزامير (١٥١). وفي عصر الانتقال من الدولة القديمة إلى الدولة الوسطى تصطبغ الآداب تدريجاً بالصبغة الدنيوية "الدنسة". وفي قطعة من بردية قديمة لمحة خاطفة تشير إلى طائفة من الأدب الغرامي بقيت لنا لأن كاتبا من كتبة الدولة قد منعه الكسل أن يتم محو ما على هذه البردية من كتابة فبقى عليها خمسة وعشرون سطراً تستطاع قراءتها، وتروي قصة لقاء بين راع وإحدى الإلهات. وتقول هذه القصة أن "الإلهة التقت بالراعي وهو سائر في طريقه إلى البركة، وكانت قد خلعت ملابسها وأرخت شعرها". ويروي الشاعر ما حدث بعدئذ رواية الحذر الحريص فيقول:

стр. 303

"إليك ما حدث حين نزلت إلى المستنقع … رأيت فيه امرأة لم تكن صورتها كصورة الخلائق الفانين. وانتصب شعري قائماَ على أطرافه حين أبصرت غدائرها، وذلك لفرط جمالها وبهائها. ولم أفعل قط ما قالته لي؛ فقد تملكت الرهبة منها جسدي " (١٥٢). ولدينا من أغاني الحب الجميلة عدد كبير، ولكن معظمها يتحدث عن غرام الأخوة والأخوات (١)، ولهذا تسخر منه أذن السامع في هذه الأيام وتصطك لسماعه. ومن هذه الأغاني مجموعة سميت "الأغاني الجميلة السارة التي غنتها أختك حبيبة قلبك، التي تسير في الحقول". ولدينا محارة من عهد الأسرة التاسعة عشرة أو العشرين تضرب نغمة حديثة على أوتار الحب القديمة جاء فيها: إن غرام حبيبتي يقفز على شاطئ الغدير. وفي الظلال تمساح رابض؛ وليتني أنزل إلى الماء وأواجه الأمواج. ويشتد بأسي فوق الغدير ويكون الماء هو والأرض تحت قدمي سواء، لأن حبها يملأ قلبي قوة. فهي لي كتاب من الرقي والتعاويذ. وإذ رأيت حبيبتي مقبلة ابتهج لمرآها قلبي وفتحت ذراعي ومددتهما لأضمها إلى صدري وينشرح قلبي أبد الدهر … لأن حبيبتي قد أقبلت

стр. 304

فإذا ما ضممتها كنت كمن في أرض البخور، وكمن يحمل العطور، وإذ قبّلتها انفرجت شفتاها وسكرتُ من غير خمر، ياليتني كنت جاريتها الزنجية التي تقف بين يديها حتى أرى لون أعضائها كلها. ولقد قسمنا نحن هذه السطور من عندنا على غير قاعدة، وليس في وسعنا أن نستدل من الصورة الأصلية لهذه الوثيقة على أن ما عليها شعر أو نثر. لقد كان المصريون يعرفون أن النغمة الموسيقية والعاطفة القلبية هما جوهر الشعر وقوامه، فإذا ما وجدت النغمة والعاطفة فلن تهمهم الصورة الخارجية قط. على أن العبارات في بعض الأحيان كان لها وزن يقاس بالنبرات. وكان الشاعر في بعض الأحيان يبدأ كل جملة أو مقطوعة بنفس الكلمة التي بدأ بها غيرها من الجمل أو المقطوعات السابقة، وكان يعمد أحيانا إلى الجناس اللفظي فيأتي بالألفاظ المتشابهة في أصواتها ذات المعاني المختلفة أو المتناقضة. وتدل النصوص على أن تجنيس الأحرف في أوائل الكلمات المتتابعة قديم قدم الأهرام نفسها (١٥). وكان حسب المصريين هذه الصيغ البسيطة، فقد كان في مقدور شاعرهم أن يعبر بها عن كل لون من ألوان الحب العذري الذي يظن نيتشه أنه من اختراع شعراء الفروسية الغزلين في أوربا في العصور الوسطى. وتدل بردية هرسى على أن المرأة كانت تستطيع أن تعبر عن هذه العواطف كما يعبر عنها الرجال: أنا أختك الأولى، وأنت لي كالروضة التي زرعت فيها الأزهار والأعشاب العطرة جميعاً.

стр. 305

وأجرَيتُ فيها غديراً لكي تضع فيه يدك إذا ما هبت ريح الشمال باردة. وهي المكان الجميل الذي نتنزه فيه حين تكون يدي في يدك. يفكر عقلانا ويبتهج قلبانا لأننا نسير معاً؛ إن سماع صوتك ليسكرني، وحياتي كلها في سماعك، وإن رؤيتك لأحب إليّ من الطعام والشراب. وإذا نظرنا إلى هذه القطع الباقية في مجموعها اعترتنا الدهشة من تباين موضوعاتها. فهي تشمل رسائل رسمية، ووثائق قانونية، وقصص تاريخية، وطلاسم سحرية، وترنيمات مجهدة، وكتباً دينية مليئة بعبارات التقى والورع، وأغاني الحب والحرب، وأقاصيد غرامية صغيرة، ونصائح تحض على حسن الخلق، ومقالات فلسفية. وجملة القول أن فيها مثلا من كل شيء عدى الملاحم والتمثيليات، وحتى هذه يستطيع الإنسان أن يقول مع بعض التجاوز أن فيها أمثلة منها. وأن قصة النصر الذي أحرزه رمسيس الثاني بجرأته المدهشة والتي نقشت شعرا على حجارة أبواب الأقصر العظيمة لهي ملحمة على الأقل في طولها وفيما تبعثه في نفس قارئها من ملل. ويتباهى رمسيس الرابع في نقش آخر بأنه في إحدى الألعاب قد حمى أوزير من ست وأعاد الحياة إلى أوزير (١٥٦). وليس لدينا من المعلومات ما نستطيع به أن نبسط القول في معنى هذه الإشارة. وكتابة التاريخ في مصر قديمة قدم التاريخ نفسه، بل إن ملوك عصر ما قبل

стр. 306

الأسر كانوا يحتفظون بسجلات تاريخية تفاخرا وإعجابا بأنفسهم (١٥٧). وكان المؤرخون الرسميون يصحبون الملوك في حملاتهم، ولكنهم لا يبصرون هزائمهم، بل يسجلون، أو يخترعون من عندهم، تفاصيل نصرهم، لأن كتابة التاريخ كانت قد أضحت حتى في ذلك العصر البعيد فنا للزينة والتجمل. وأخذ العلماء المصريون من عام ٢٥٠٠ ق. م يكتبون قوائم بأسماء ملوكهم، ويؤرخون السنين بحكمهم، ويذكرون الحوادث الهامة في كل حكم وفي كل عام. فلما تولى تحتمس الثالث الملك كانت هذه الوثائق قد أصبحت تواريخ بحق، تفيض بالعواطف الوطنية (١٥٨). وكان فلاسفة الدولة الوسطى يرون أن الإنسان والتاريخ نفسه قد تقادم بهما العهد وأضنتهما الشيخوخة وأخذوا يندبون ما انقضى من شباب جسمهم الفتي. وشكا عالم في عهد سنوسريت الثاني أي حوالي ٢١٥٠ ق. م من أن كل ما يمكن أن يقال قد قيل من عهد بعيد، ومن أن الأدب لم يبق له ما يقوله إلا التكرار. وقال في أسى وحسرة: "ألا ليتني أجد ألفاظاً لم يعرفها الناس، وعبارات وأقوالاً بلغة جديدة لم ينقض عهدها، وليس فيما تلوكه الألسن أقوال لم تصبح تافهة مملة، ولم يقلها آباؤنا من قبل" (١٥٩). ولقد أخفى تقادم العهد ما في الأدب المصري من تباين كما يخفى ما بين أفراد الشعوب غير المألوفة للإنسان من فروق بيد أن الآداب المصرية في خلال تطورها الطويل قد مرت بحركات ونزعات لا تقل في تباينها عن الحركات والنزعات التي اضطرب بها تاريخ الآداب الأوربية. وتغيرت لغة الكلام في مصر تغيراً تدريجياً على مر الزمان، كما تغيرت لغة الكلام في أوربا من بعد، حتى أصبحت هذه اللغة في آخر الأمر كأنها لغة أخرى غير التي دونت بها كتب الدولة القديمة. وظل المؤلفون وقتا ما يكتبون باللغة الأولى، وظل العلماء يدرسونها في المدارس والطلاب لا يجدون مندوحة عن دراسة "الآداب القديمة" مستعينين بكتب النحو والمعاجم وبالتراجم التي "بين السطور" في بعض الأحيان. فلما كان القرن الرابع عشر قبل الميلاد ثار

стр. 307

المؤلفون المصريون على هذا الخضوع المزري للتقاليد، وفعلوا مثل ما فعل دانتي وتشوسر من بعد، فأقدموا على الكتابة بلغة الشعب، ولقد كتبت ترنيمة إخناتون للشمس، وهي الترنيمة الذائعة الصيت، باللغة الدارجة. وكان الأدب الجديد أدبا واقعيا، فتيا، مبهجا. وكان يسر منشئيه أن يسخروا من الأدب القديم ويصفوا الحياة الجديد. ثم فعل الزمن فعله بهذه اللغة الجديدة فأضحت هي أيضا لغة أدبية لها أصولها وقواعدها رقيقة دقيقة، جامدة مقيدة في ألفاظها وتعبيراتها بما جرى عليه العرف. واختلفت مرة أخرى لغة الكتابة عن لغة الكلام وانتشر التحذلق، حتى كانت المدارس المصرية في عصر ملوك ساو تقضي نصف وقتها في دراسة "الآداب القديمة" آداب عهد إخناتون وترجمتها (١٦٠). وحدث مثل هذا التطور في اللغات القومية في عهد اليونان والرومان والعرب، ولا يزال يجري في مجراه في هذه الأيام؛ ذلك أن كل شيء يسير ولا يبقى جامدا لا يتغير إلا العلماء. ٨ - العلوم منشأ العلوم المصرية - الرياضيات - علم الفلك والتقويم - التشريح ووظائف الأعضاء - الطب والجراحة والقوانين الصحية كان معظم علماء مصر من الكهنة، ذلك لأنهم بعيدون عن صخب الحياة وضجيجها، يتمتعون بما في الهياكل من راحة وطمأنينة؛ فكانوا هم الذين وضعوا أسس العلوم المصرية رغم ما كان في عقائدهم من خرافات. وهم يقولون في أساطيرهم أن العلوم قد اخترعها من ٠٠٠ ر ١٨ سنة قبل الميلاد تحوت إله الحكمة المصري في خلال حكمه على ظهر الأرض البالغ ثلاثة آلاف من الأعوام، وإن أقدم الكتب في كل علم من العلوم كانت من بين العشرين ألف مجلد التي وضعها هذا الإله

стр. 308

العالم (١٦١) (١). وليس لدينا من العلم ما نستطيع به أن نفصل القول في نظرية نشأة العلوم في مصر. وحسبنا أن نقول أنا نجد العلوم الرياضية متقدمة أعظم تقدم منذ بداية تاريخ مصر المدون؛ وشاهد ذلك أن تصميم الأهرام وتشييدها يتطلبان الدقة في القياس لا يستطاع الوصول إليها بغير معرفة واسعة بالعلوم الرياضية. ولقد أدى اعتماد الحياة في مصر على ارتفاع النيل وانخفاضه إلى العناية بتسجيل هذا الارتفاع والانخفاض وإلى حسابهما حسابا دقيقا. وكان المساحون والكتبة لا ينقطعون من قياس الأراضي التي محا الفيضان معالم حدودها؛ وما من شك في أن هذا القياس كان منشأ فن الهندسة، وشاهد ذلك أن اسمها الأجنبي geometry مشتق من كلمتين معناهما قياس الأرض (١٦٣). والأقدمون كلهم تقريبا مجمعون على أن هذا العلم من وضع المصريين (١٦٤) وإن كان يوسفوس يظن أن إبراهيم قد جاء بالحساب من كلديا (أي من أرض الجزيرة) إلى مصر (١٦٥)، وليس من المستحيل أن يكون الحساب وغيره من العلوم والفنون قد جاءت إلى مصر من "أور الكلدان" أو من غيرها من مراكز آسية الغربية. وكانت الأرقام سمجة متعبة- فقد كان رقم ١ يمثل له بشرطة. ورقم ٢ بشرطتين، و ٣ بثلاث شرط … و ٩ بتسع شرط، وتمثل العشرة بعلامة خاصة والعشرون باثنتين من هذه العلامات والثلاثون بثلاث منها … والتسعون بتسع والمائة بعلامة أخرى جديدة والمائتان بعلامتين والثلاثمائة بثلاث علامات … والتسعمائة بتسع والألف بعلامة جديدة. أما المليون فكانت تمثله صورة رجل يضرب كفا بكف فوق رأسه كأنه يعبر عن دهشته من وجود مثل هذا العدد

стр. 309

الكبير (١٦٦)، وكاد المصريون أن يصلوا إلى الطريقة العشرية في الأعداد؛ وإن لم يعرفوا الصفر ولم يصلوا قط إلى فكرة التعبير عن جميع الأعداد بعشرة أرقام، بل كانوا يعبرون عن رقم ٩٩٩ مثلاً بسبع وعشرين علامة (١٦٧). وكانوا يعرفون الكسور الاعتيادية، ولكن بسط هذه الكسور كان رقم ١ على الدوام؛ فكانوا إذا أرادوا كتابة ٣ slash ٤ كتبوها ١ slash ٢ + ١ slash ٤ (١) . وجداول الضرب والقسمة قديمة قدم الأهرام، وأقدم رسالة في الرياضة عرفت في التاريخ هي بردية أحمس التي يرجع تاريخها إلى ما بين عام ألفين وألف وسبعمائة قبل الميلاد؛ ولكن هذه البردية نفسها تشير إلى كتابات رياضية أقدم منها بخمسمائة عام. وهي تحسب سعة مخزن للغلال أو مساحة حقل وتضرب لهذا الحساب أمثلة ثم تنتقل من هذا إلى معادلات جبرية من الدرجة الأولى (١٦٨). ولم تقتصر الهندسة المصرية على قياس مساحات المربعات والدوائر والمكعبات، بل كانت تقيس أيضا أحجام الاسطوانات والكرات؛ وقد وصلت إلى تقدير النسبة التقريبية بـ ٣. ١٦ (١٦٩). وما أعظم فخرنا إذا استطعنا في أربعة آلاف عام أن نتقدم في حساب هذه النسبة التقريبية من ٣. ١٦ إلى ٣. ١٤١٦. ولسنا نعرف شيئاً عما وصل إليه المصريون في علمي الطبيعة والكيمياء، ولا نكاد نعرف شيئاً عما وصلوا إليه في علم الفلك. ويلوح أن راصدي النجوم في الهياكل كانوا يظنون الأرض صندوقاً مستطيلاً تقوم في أركانه الجبال لتمسك السماء (١٧٠). ولم يشيروا بشيء إلى الخسوف والكسوف، وكانوا في هذا العلم بوجه عام أقل رقياً من معاصريهم في أرض النهرين، ولكنهم مع هذا كانوا يعرفون منه ما يكفي للتنبؤ باليوم الذي يرتفع فيه النيل، وأن يتجهوا بهياكلهم نحو الشرق في النقطة التي تشرق منها الشمس في صباح يوم الانقلاب الصيفي (١٧١). ولربما كانوا

стр. 310

يعرفون أكثر مما عنوا بإذاعته بين شعب كانت خدماته عظيمة القيمة لحكامه. وكان الكهنة يرون أن دراساتهم الفلكية من العلوم السرية الخفية التي لا يحبون أن يكشفوا أسرارها للسوقة من الناس (١٧٢). وظلوا قروناً طويلة متتالية يتتبعون مواقع الكواكب وحركاتها حتى شملت سجلاتهم في هذه الناحية آلاف السنين. وكانوا يميزون الكواكب السيّارة من النجوم الثوابت، وذكروا في فهارسهم نجوماً من القدر الخامس (وهي لا تكاد ترى بالعين العادية) وسجلوا ما ظنوه أثر نجوم السماء في مصائر البشر. ومن هذه الملاحظات أنشأوا التقويم الذي أصبح فيما بعد من أعظم ما أورثه المصريون بني الإنسان. وبدأوا تقسيم السنة إلى ثلاثة فصول في كل واحد منها أربعة شهور، أولها فصل ارتفاع النيل وفيضه وانحساره، وثانيها فصل الزرع، وثالثها فصل الحصاد. وكانت عدة كل شهر من شهورهم ثلاثين يوما لأن هذا العدد هو أقرب الأعداد السهلة إلى طول الشهر القمري الذي يبلغ تسعاً وعشرين يوماً ونصف يوم. وكان لفظ الشهر في لغتهم كما هو في اللغة الإنجليزية مشتقاً من رمزهم للقمر (١). وكانوا يضيفون بعد آخر الشهر الثاني عشر خمسة أيام حتى تتفق السنة في الحساب مع فيضان النهر ومع مواقع الشمس (١٧٤). واختاروا لبدء السنة اليوم الذي يصل فيه النيل عادة إلى أقصى ارتفاعه والذي كانت فيه الشعرى العظيمة (وكانوا يسمونها سوثيس) تشرق مع الشمس في وقت واحد. ولما كان التقويم المصري يجعل السنة ٣٦٥ يوما بدل ٣٦٥ وربع، فإن الفرق بين شروق الشعرى وشروق الشمس وهو الذي كان في أول الأمر صغيراً لا يكاد يدرك قد ازداد حتى

стр. 311

بلغ يوما كاملا في كل أربع سنين. وبذلك كان التقويم المصري يختلف عن التقويم السماوي الحقيقي بست ساعات في كل عام. ولم يصحح المصريون قط هذا الخطأ، حتى جاء فلكيو الإسكندرية اليونان فأصلحوه بأمر يوليوس قيصر (في عام ٤٦ ق. م) وذلك بإضافة يوم بعد كل أربع سنين. وهذا هو ما يسمونه التقويم اليوليوسي. ثم صحح التقويم تصحيحاً أدق في عصر البابا جريجوري الثالث عشر (١٥٨٢) وذلك بحذف هذا اليوم الزائد (وهو اليوم التاسع والعشرين من فبراير) من السنين المتممة للمئات التي لا تقبل القسمة على ٤٠٠؛ وهذا هو "التقويم الجريجوري" الذي نستخدمه اليوم. وجملة القول أن تقويمنا في جوهره من وضع الشرق الأدنى القديم (١).

стр. 312

ولم يتقدم المصريون في دراسة جسد الإنسان تقدما يستحق الذكر رغم ما أتاحه لهم فن التحنيط من فرص لهذه الدراسة. فقد كانوا يظنون الأوعية الدموية تحمل هواء وماء ونفايات من السوائل. وكانوا يعتقدون أن القلب والأمعاء مركز العقل. ولعلنا إذا عرفنا ما كانوا يعتقدونه بهذا المصطلحات لا نجدهم يختلفون عنا كثيراً في معتقداتنا الأكيدة التي لا نثبت عليها إلا قليلا. ولكنهم وصفوا بكثير من الدقة العظام الكبرى والأمعاء، وعرفوا أن القلب هو القوة الدافعة في الكائنات الحية، وأنه مركز الدورة الدموية. وقد جاء في بردية إيبرز (١٧٦) أن "أوعيته تتفرع إلى جميع أعضاء الجسد، فسواء وضع الطبيب إصبعه على جبهة الإنسان، أو على مؤخرة الرأس، أو على اليدين … أو على القدمين فإنه يلتقي بالقلب في كل مكان". ولم يكن بين هذا وبين أقوال ليوناردو وهارفي إلا خطوة واحدة- ولكنها خطوة تتطلب ثلاثة آلاف عام. أما أكبر مفخرة علمية للمصريين فهي علم الطب. وكان الكهنة هم البادئين به كما أن فيه من الشواهد ما يدل على أن هذه البداية قد نبتت من السحر. وشأن الطب في هذا يكاد يكون شأن كل شيء آخر في حياة مصر الثقافية. وكانت التمائم أكثر شيوعاً بين الناس من حبوب الدواء لعلاج الأمراض أو للوقاية منها. وكان المرض في اعتقادهم هو تقمص الشياطين الجسم، وعلاجه هو تلاوة العزائم؛ فقد كان الزكام مثلا يعالج بمثل هذه العبارات السحرية: "اخرج أيها البرد يا ابن البرد، يا من تهشم العظام، وتتلف الجمجمة، وتمرض مخارج الرأس السبعة. اخرج على الأرض. دفر. دفر. دفر! " (١٧٧) - وأكبر الظن أن هذا علاج لا يقل في مفعوله عن أي علاج نعرفه اليوم لهذا المرض القديم. ثم نرتفع في مصر من هذه الأعماق إلى الأطباء العظام والجراحين والأخصائيين الذين ساروا في صناعة الطب على قانون أخلاقي ظل يتوارث جيلا بعد جيل حتى وصل إلى القَسَم الذائع الصيت قسم أبقراط (١٧٨). وكان

стр. 313

من المصريين أخصائيون في التوليد وفي أمراض النساء؛ ومنهم من لم يكن يعالج إلا اضطرابات المعدة، ومنهم أطباء العيون. وقد بلغ من شهرة هؤلاء أن قورش استدعى واحداً منهم إلى بلاد الفرس (١٧٩). أولئك هم الأخصائيون، أما غير الأخصائيين منهم فقد ترك لهم جمع الفتات بعد هؤلاء وعلاج الفقراء من الناس؛ وكان من عملهم فوق هذا أن يحضروا أدهان الوجه، وصبغات الشعر، وتجميل الجلد، وأعضاء الجسم، ومبيدات البراغيث (١٨٠). وقد وصلت إلينا عدة برديات تبحث في الشئون الطبية. وأعظمها قيمة بردية أدون اسمث، وسميت كذلك نسبة إلى مستكشفها وهي ملف طوله خمسة عشر قدماً، ويرجع تاريخها إلى عام ١٦٠٠ ق. م تقريباً وتعتمد على مراجع أقدم منها كثيراً. وحتى لو ضربنا صفحاً عن هذه المراجع الأولى لظلت هذه البردية نفسها أقدم وثيقة علمية معروفة في التاريخ وهي تصف ثماني وأربعين حالة من حالات الجراحة التطبيقية تختلف من كسر في الجمجمة إلى إصابة النخاع الشوكي. وكل حالة من الحالات الواردة فيها مبحوثة بحثاً دقيقاً في نظام منطقي في عناوين مرتبة من تشخيص ابتدائي مؤقت، وفحص، وبحث في الأعراض المشتركة بين أمراض مختلفة، وتشخيص العلة، والاستدلال بأعراضها على عواقبها وطريقة علاجها، ثم تعليقات على سطح المصطلحات العلمية الواردة فيها وشروح لها. ويشير المؤلف في وضوح لا نجد له مثيلا قبل القرن الثامن عشر الميلادي إلى أن المركز المسيطر على الطرفين السفليين من أطراف الجسم كائن في المخ. "وتلك أول مرة يظهر فيها هذا اللفظ في عالم الأدب (١٨١). وكان المصريون يستمتعون بطائفة كبيرة من الأمراض المتنوعة، وإن كانوا قد قضى عليهم أن يموتوا بها من غير أن يعرفوا أسمائها اليونانية. وتحدثنا بردياتهم وأجسامهم المحنطة عن تدرن النخاع الشوكي وتصلب الشرايين، والحصوات الصفراوية، والجدري وشلل الأطفال، وفقر الدم، والتهاب المفاصل، والصرع

стр. 314

والنقرس، والتهاب النتوء الحلمي. والتهاب الزائدة الدودية، وبعض الأمراض العجيبة. كالالتهاب الفقري الأشوه، وما يعتري نمو كراديس العظام الطويلة من نقص. وليست لدينا دلائل تثبت إصابتهم بالزهري أو السرطان، ولكن تقيح اللثة وتسوس الأسنان وهما اللذان لا أثر لهما في أقدم الجثث المحنطة القديمة يظهران بكثرة في الجثث المحنطة الباقية من العهود المتأخرة، وذلك دليل على تقدم الحضارة في هذه العهود. وكان ضمور عظم الإصبع الصغرى من أصابع القدم وانعدامها- وهي حالة كثيراً ما يعزى سببها إلى الأحذية الحديثة- من الحالات المنتشرة في مصر القديمة، حيث كان الأهلون على اختلاف أعمارهم وطبقاتهم يسيرون كلهم تقريبا حفاة (١٨٢). وكان لدى الأطباء المصريين عدة وافية من القراباذينات (دساتير الأدوية) لمقاومة هذه الأمراض كلها. ففي بردية إيبرز ثبت بأسماء سبعمائة دواء لكل الأدواء المعروفة، من عضة الأفعى إلى حمى النفاس. وتصف بردية كاهون (ويرجع عهدها إلى حوالي عام ١٨٥٠ ق. م) أقماع اللبوس ولعلها كانت تستخدم لمنع الحمل (١٨٢). وقد عثر في قبر إحدى ملكات الأسرة الحادية عشرة على صندوق للأدوية يحتوي على مزهريات، وملاعق، وعقاقير جافة، وجذور. وكانت الوصفات الطبية تتذبذب بين الطب والسحر. وكان مفعول الخليط في رأيهم يتناسب مع اشمئزاز النفس منه ومما تصفه تذاكر الأطباء دم العظاية (السحلية) وأذن الخنزير وأسنانه، واللحم والدهن النتن، ومخ السلحفاة، وكتاب قديم مقلي في الزيت، ولبن النفساء، وماء المرأة الطاهرة، وبراز الرجال والحمير والكلاب والآساد والقطط والقمل- كل هذه واردة في تذاكر الأطباء. وكان الصلع يعالج بتدليك الرأس بدهن الحيوان. وقد انتقلت بعض هذه الوسائل (١) العلاجية من المصريين إلى اليونان، ثم انتقلت من اليونان إلى الرومان، ومن الرومان إلينا ولا نزال إلى اليوم نتجرع في ثقة واطمئنان كثيراً من الأدوية التي خلطها

стр. 315

وجهزها لنا المصريون على شاطئ النيل في أقدم الأزمان (١٨٣). ولقد حاول مصريون أن يحافظوا على صحة أجسامهم باتباع الوسائل الصحية العامة، وبختان الذكور (١) وبتعويد الناس أن يكثروا من استخدام الحقن الشرجية. ويقول ديودور الصقلي في هذا المعنى: وهم يتقون الأمراض بالمحافظة على صحة أجسامهم وذلك باستخدام الملينات وبالصوم وبالمقيئات، كل يوم في بعض الأحيان وكل ثلاثة أيام أو أربعة في البعض الآخر. وذلك لأنهم يقولون أن الجزء الأكبر مما يخل في الجسم من طعام يزيد على حاجته، وإن الأمراض إنما تنشأ من هذا القدر الزائد (٢). ويعتقد بلنى أن المصريين قد تعلموا عادة استخدام الحقن الشرجية من الطائر المعروف "بأبي منجل" وهو طائر يقاوم الإمساك الناشئ من طبيعة ما يتناوله من الطعام بإدخال منقاره الطويل في دبره واستخدامه كالمحقن (١٨٨). ويروي هيرودوت أن المصريين كانوا "يطهرون أجسامهم مرة في كل أشهر ثلاثة أيام متوالية، ويعملون على حفظ صحتهم بالمقيئات والحقن الشرجية، لأنهم يظنون أن جميع ما يصيب الناس من الأمراض إنما ينشأ مما يأكلون من الطعام". وهذا المؤرخ- وهو أول مؤرخ للحضارة- يصف المصريين بأنهم بعد اللوبيين أصح شعوب العالم أجساماً (١٨٩).

стр. 316

٩ - الفن العمارة - النحت في الدولة القديمة والدولة الوسطى والإمبراطورية وفي عهد الملوك الساويين - النقوش الغائرة - التصوير - الفنون الصغرى - الموسيقى - الفنون كان الفن أعظم عناصر هذه الحضارة؛ فنحن نجد في هذه البلاد، وفي عهد يكاد يكون عهد بداية الحضارات، فناً قوياً ناضجاً أرقى من فن أية دولة حديثة، ولا يضارعه إلا فن اليونان. لقد كان ما امتازت به مصر في أول عهودها من عزلة وسلم، ثم ما تدفق فيها بعدئذ من مغانم الظلم والحرب في عهد تحتمس الثالث ورمسيس الثاني، مما أتاح لها الفرصة المواتية والوسائل الكفيلة بتشييد المباني الضخمة، ونحت التماثيل المتينة، والبراعة في عدة فنون أخرى صغيرة، كادت تبلغ حد الكمال في هذا العهد السحيق. وإن المرء ليقف حائراً مشدوها لا يكاد يصدق ما وضعه الباحثون من نظريات لتطور الرقي البشري إذا نظر إلى منتجات الفن المصري القديم. وكانت العمارة (١) أفخم الفنون المصرية على الإطلاق، وذلك لما تجمع فيها من روعة وضخامة وصلابة وجمال ومنفعة. وقد بدأ هذا الفن بداية متواضعة بتزيين المقابر ونقش الوجهة الخارجية لجدران المنازل. وكانت كثرة المساكن تبنى من الطين تتخللها في بعض الأحيان أعمال بسيطة من الخشب (كالنوافذ الشبكية اليابانية أو الأبواب الجميلة الحفر)، والسقف المقامة على جذوع النخل السهلة العلاج. وكان يحيط بالدار عادة سور يضم فناء، تصعد منه درج إلى سطح البيت؛ ومنه ينزل السكان إلى الحجرات. وكان للموسرين من الأهلين حدائق خاصة يعنون بتنسيقها؛ وكان في الحواضر حدائق عامة للفقراء، ولا يكاد يخلو بيت من أزهار

стр. 317

الزينة. وكانت جدران المنزل تزين من الداخل بحُصر ملوّنة، وتفرش أرضه بالطنافس، إذا كان رب الدار ذا سعة. وكان السكان يفضلون الجلوس على هذه الطنافس عن الجلوس على الكراسي وكان المصريون في عهد الدولة القديمة يتناولون الطعام وهم جالسون مرتبعون وأمامهم موائد لا يزيد ارتفاعها على ست بوصات كما يفعل اليابانيون في هذه الأيام، وكانوا يأكلون بأيديهم على طريقة شكسبير؛ فلما كان عهد الإمبراطورية وقل ثمن العبيد أصبح أفراد الطبقات العليا يجلسون على كراسي عالية ذات وسائد، ويقدم لهم خدمهم أصناف الطعام صنفاً بعد صنف (١٩٠). وكانت أحجار البناء أغلى من أن تستخدم في تشييد المنازل؛ ولهذا كانت من مواد الترف الخاصة بالكهنة والملوك. وحتى النبلاء أنفسهم- وهم الطائفة الكثيرة الطموح- آثروا المعابد بأكبر قسط من الثروة وبأحسن مواد البناء؛ ومن أجل هذا فإن القصور كانت تطل على النيل والتي لم يكد يخلو ميل من واحد منها في أيام أمنحوتب الثالث قد تهدمت كلها وعفت آثارها على حين أن أضرحة الآلهة ومقابر الموتى قد بقيت إلى أيامنا هذه. ولما جاءت الأسرة الثانية عشرة لم يعد الهرم الطراز المحبب لمدافن الأموات، ولهذا اختار ختوم حوتب (حوالي ١١٨٠ ق. م) لمدفنه عند بني حسن شكلاً أهدأ من أشكال الهرم وهو قبر ذو عمد في أحضان الجبل؛ وما كادت هذه الفكرة تثبت وتستقر حتى اتخذت آلاف الأشكال المختلفة بين التلال الممتدة على جانب النيل الغربي. وهكذا خرجت من رمال مصر ما بين عهد الأهرام والعهد الذي شيد فيه هيكل حتحور عند دندرة- أي في خلال ثلاثة الآلاف عام أو نحوها- ضروب من العمائر المختلفة لم تفقها قط عمائر أية حضارة من الحضارات الأخرى. ففي الكرنك والأقصر أيكة من الأعمدة أقامها تحتمس الأول والثالث، وأمنحوتب الثالث، وسيتي الأول، ورمسيس الثاني وغيرهم من الملوك ما بين

стр. 318

الأسرة الثانية عشرة والأسرة الثانية والعشرين؛ وفي مدينة حبو (حوالي ١٣٠٠ ق. م) صرح متسع الأرجاء، وإن كان لا يضارع الصروح السالفة الذكر في فخامتها، قامت عليه فيما بعد قرية عربية وظلت جاثمة على صدره عدة قرون. وفي أبيدوس (العرابة) شيد هيكل سيتي الأول الذي لم يبق منه إلا خرائب ضخمة قاتمة كئيبة؛ وفي إلفنتين معبد صغير وهو معبد ختوم (حوالي ١٤٠٠ ق. م) "اليوناني في دقة بنائه ورشاقته" (١٩١)؛ وفي الدير البحري بهو الأعمدة الذي شادته الملكة حتشبسوت، وبالقرب منه الرمسيوم وهي أيكة أخرى من العمد والتماثيل الضخام شادها المهندسون والعبيد الذين سخرهم رمسيس الثاني، وفي جزيرة فيلة هيكل إيزيس الجميل (حوالي ٢٤٠ ق. م) المهجور الموحش في هذه الأيام لأن خزان أسوان قد غمر قواعد عمده التي بلغت في عمارتها حد الكمال- وهذه البقايا القليلة المتفرقة إن هي إلا نماذج من الآثار القديمة التي لا تزال تجمل وادي النيل وتنطق خرائبها نفسها بما كان عليه الشعب الذي شادها من قوة وبسالة. ولعل في هذه الصروح إفراطاً في الأعمدة وتقاربها بعضها من بعض لاتقاء حر الشمس اللافح، ولعل فيها بعدا عن التناسب هو من خصائص الشرق الأقصى، وافتقاراً إلى الوحدة، وهياماً همجياً بالضخامة كهيام أهل هذه الأيام. فإن كان ذلك كذلك فإن فيها أيضاً عظمة وسمواً وجلالاً وقوة؛ فيها الأقواس والعقود (١٩٢) وهي إن قلت فما ذلك إلا لقلة الحاجة إليها، ولكنها من حيث المبادئ التي شيدت عليها تسير في طريق الانتقال إلى المبادئ التي شيدت عليها العمد والأقواس في بلاد اليونان والرومان وفي أوربا الحديثة، وفيها نقوش للزينة لا يفوقها غيرها من النقوش في تاريخ العالم كله (١٩٣)، وفيها عمد على صورة أعواد البردي والأزورد (اللوطس)، وعمد من الطراز الدوري (١) الأول (١٩٤) وعمد في صورة نساء (١٩٥)، وتيجان للعمد منها ما هو في صورة حتحور

стр. 319

ومنها ما هو على صورة النخيل؛ وفيها قصور ذات نوافذ قرب السقوف؛ وفيها عتبات فخمة تمتاز بالقوة والثبات اللذين هما روح الجاذبية القوية في فن العمارة. لعمري إن المصريين لهم أعظم البنائين في التاريخ كله بلا جدال. ومن الناس من يضيف إلى هذا أنهم أيضا أعظم المثالين، فلقد أنشأوا في بداية تاريخهم تمثال أبي الهول ذلك التمثال الذي يرمز إلى الصفات الأدبية التي اتصف بها أحد الفراعنة الأقوياء؛ ولعل هذا الفرعون هو خفرع. والتمثال لا ينم عن القوة فحسب بل يفصح كذلك عن الصفات الخلقية. ولقد حطمت طلقة من مدافع المماليك أنف التمثال وحلقة لحيته، ولكن ملامحه القوية الضخمة تعبر أحسن تعبير وأقواه عما اتصف به ذلك الملك من قوة ومهابة وهدوء ونضوج، وكلها صفات يجب ألا تفارق الملك. وقد علت هذه الملامح الساكنة ابتسامة خفيفة لم تفارقها منذ خمسة آلاف من السنين، كأنما الفنان المجهول الذي صاغه أو الملك المجهول الذي يرمز التمثال له، كان يفهم كل ما يريد الخلق أن يفهموه عن الخلق. والحق أنه هو " موناليزة " من الصخر الأصم. وما من شيء في تاريخ النحت أجمل من تمثال خفرع المصنوع من حجر الديوريت والذي يقوم الآن في متحف القاهرة. لقد كان هذا التمثال قديماً في أيام هركستليز، قدم هركستليز نفسه بالنسبة إلينا؛ مع هذا فقد اجتاز حقبة من الزمان طولها خمسون قرنا، ثم وصل إلينا ولم تكد تؤثر فيه عوادي الدهر ونوائبه. لقد صنع هذا التمثال من أصلب الحجارة وأشدها استعصاء على الإنسان، ولكنه ينقل إلينا أكمل ما يكون النقل قوة الملك (أو الفنان) البدنية، وسلطانه وعناده وصلابة رأيه وبسالته وذكائه. ويجلس بالقرب منه تمثال عابس متجهم لملك أقدم من صاحب التمثال الأول عهدا وهو تمثال الملك زوسر المصنوع من حجر الجير. ومن بعده يكشف لك الدليل بعود الثقاب عن شفافية تمثال رائع من المرمر هو تمثال منقورع. ويضارع تمثالا شيخ البلد والكاتب تماثيل الملوك من ناحية الإبداع

стр. 320

والإتقان الفني الذي ليس بعده إتقان. ولقد وصل إلينا تمثال الكاتب في عدة أشكال، وكلها من عهود لا نعلمها علم اليقين، ولكن أشهرها كلها تمثال الكاتب المتربع المحفوظ في متحف اللوفر (١). وليس تمثال شيخ البلد لشيخ بحق ولكنه تمثال مُشرفٍ على الفعلة بيده عصا السلطة، يخطو إلى الأمام كأنه يلاحظ عماله أو يصدر إليهم أوامره. ويبدو أن اسمه هو "كعبيرو" ولكن العمال المصريين الذين أخرجوه من قبره في سقارة قد أدهشهم ما رأوه من تشابه بينه وبين شيخ البلد الذي يسكنونه، فأوحت إليهم فكاهتهم بهذا اللقب الذي اشتهر به والذي لا يزال إلى اليوم ملازما له. وهذا التمثال المصنوع من الخشب المعرض للبلى ولكن الزمان لم يقو على تشويه جسمه المليء، أو ساقيه الغليظتين؛ وينم وسط جسمه على ما يتمتع به الملاك في جميع الحضارات من سعة في الرزق وقلة في الكدح، وينطق وجهه المستدير بقناعة الرجل الذي يعرف مكانته ويفخر بها. ويشعرنا رأسه الأصلع وثوبه المتهدل على واقعية الفن الذي كان في ذلك الوقت قد بلغ من القدم درجة أجازت له أن يثور على التقاليد التي جعلت من الفن القديم مثلاً أعلى يحتذى؛ ولكن فيه أيضا بساطة جميلة وإنسانية كاملة عبر عنها المثال بلا حقد ولا مرارة، وعبر عنها في يسر ورشاقة، تمتاز بهما اليد الواثقة الصَّنَاع. وفي ذلك يقول مسبيرو: "لو أن معرضا أنشئ لروائع الفن في العالم كله لاخترت هذا التمثال ليمثل فيه عظمة الفن المصري" (١٩٦) - أو هل أصدق من هذا أن نختص بهذا الشرف تمثال خفرع؟ هذه هي الروائع الفنية من تماثيل الدولة القديمة. ولكن هناك آيات فنية أخرى كثيرة أقل منها روعة، منها تمثال رع حوتب وزوجته الجالسان، ومنها التمثال القوي للكاهن رنوفو، ومنها تمثالا الملك فيوبس وولده المصبوبان من
следующие страницы →