الجمال والقوة، وليتصور بعدئذ أن هذه الحزمة كلها من صخر أصم. تلك هي العمد المقامة في الأقصر على هيئة نبات البردي. وليتصور القارئ بهواً مشيداً كله من هذه العمد مرفوعة عليها دعامات ضخمة وأكنان ظليلة. ليتصورها القارئ بالصورة التي تركتها عليها عوادي ثلاثين قرناً؛ ثم ليحكم بعدئذ على أقدار الرجال الذين استطاعوا في ذلك العهد السحيق الذي كنا نسميه طفولة المدنية أن يفكروا في هذه الآثار العظيمة ثم يخرجوا أفكارهم إلى حيز الوجود.
ثم يجتاز السائح بين الأطلال القديمة والأقدار الحديثة طريقاً غير معبد يؤدي إلى هياكل الكرنك آخر ما احتفظت به مصر من آثارها لتعرضها على زائريها. وقد اشترك في تشييدها نحو خمسين من الفراعنة منذ أواخر الدولة القديمة إلى أيام البطالمة. وأخذت هذه الهياكل تنمو ويزداد عددها جيلا بعد جيل حتى غطت هذه الصروح، وهي أعظم ما قربه فن العمارة قرباناً للآلهة، ما لا يقل عن ستين فدانا من الأرض. وثمة طريق تحفه من الجانبين تماثيل لأبي الهول يؤدي من هذه
стр. 247
الهياكل إلى المكان الذي وقف فيه شامبليون واضع علم الآثار المصرية القديمة في عام ١٨٢٨ م وكتب:
"وجئت آخر الأمر إلى قصر أو بعبارة أصح إلى مدينة الآثار- إلى الكرنك. وفيها تبدت لي عظمة الفراعنة بأكملها، وشاهدت كل ما تصوره الناس وما أخرجوه في أكبر صورة … وما من شعب قديم أو حديث غير قدماء المصريين قد صور لنفسه فن العمارة بهذا السمو وهذه العظمة وهذه الفخامة.
لقد كانوا يفكرون كما يفكر الجبابرة الذين تبلغ قامة الواحد منهم مائة من الأقدام (٧).
وليس في وسع الإنسان أن يفهم هذا البناء على حقيقته إلا إذا كانت لديه خرائط ورسوم، وكان ملماً بكل ما بلغه فن العمارة من رقي. فليتصور القارئ رقعة فسيحة مسورة مربعة الشكل طول كل ضلع من أضلاعها ثلث ميل، كثيرة الإبهاء، كانت تحتوي في وقت من الأوقات على ٠٠٠ ر ٨٦ تمثال (٨). أهم ما فيها مجموعة من المباني يتألف منها هيكل آمون وطوله ألف قدم في ثلاثمائة؛ وبين كل بهو وبهو أبواب عظيمة؛ وأعمدة النصر التي أقامها نابليون مصر تحتمس الثالث وقد تهشمت تيجانها ولكنها لا تزال تشهد بدقة النحت والتصوير؛ ثم بهو الاحتفالات ذو العمد المخددة التي شادها هذا الملك الباسل نفسه والتي تستبق كل ما في العمد الدورية المقامة في بلاد اليونان من قوة وعظمة، ثم هيكل بتاح الصغير ذو العمد التي لا تقل رشاقة عن أشجار النخيل الحية القائمة بجوارها، ثم المتنزه العظيم الذي أنشأه تحتمس أيضاً والذي يضم طائفة من العمد العارية الضخمة. وأعظم من هذا كله البهو الأكبر ذو السقف العظيم المقام على أعمدة ضخمة تبلغ عدتها مائة وأربعين، متقاربة بعضها من بعض لتقي من فيها حر الشمس اللافح وتمثل في أعلاها رؤوس النخل منحوتة في الحجارة، وتحمل سقفاً من كتل
стр. 248
ضخمة من الحجارة منحوتة من الحجر الأعبل الصلب وممتدة من تاج عمود إلى تاج عمود. وبالقرب من هذه الردهة مسلتان رفيعتان كلتاهما من حجر واحد متماثلتان أتم التماثل ومتساويتان في الجمال والرشاقة، تقومان كأنهما عمودان من النور بين حيطان التماثيل والهياكل، وتذيعان بما عليهما من النقوش
رسالة الملكة الفخور حتشبسوت إلى العالم. وقد جاء في هذا النقش أن " هاتين المسلتين قد صنعتا من الحجر الأعبل الصلب الذي جيء به من محاجر الجنوب، وأن رأسيهما من الذهب الإبريز الذي اختير من أحسن ما حوته منه البلاد الأجنبية. ويمكن مشاهدتهما على النهر من بعيد ونورهما الساطع يشع في الأرضين. وإذا ما لاح قرص الشمس بينهما بدا كأنه يبزغ حقاً في أفق السماء … وأنتم يا من ترون هذين الأثرين بعد زمن طويل ويا من تتحدثون من بعدي عما فعلت، ستقولون: إنا لا ندري، لا ندري كيف أقاموا جبلاً كله من الذهب … لقد أنفقت في تهذيبهما ذهباً كنت أكيله كيلاً كأنه أكياس الحب … ذلك أني أعرف أن الكرنك أفق الأرض السماوي" (٩).
стр. 249
أعظم بها من ملكة وأعظم بهم من ملوك! أكبر الظن أن هذه الحضارة- أولى الحضارات العظيمة- كانت أجملها كلها، وأكبر الظن أيضا أننا لم نعدُ طور البداية في الكشف عن عظمتها. وفي جوار بحيرة الكرنك المقدسة رجال يحفرون الأرض ويحملون التراب في أسفاط صغيرة مزدوجة معلقة في عصا على الكتفين.
وإلى جانبهم عالم من علماء الآثار المصرية مكب على نقوش هيروغليفية على حجرين أخرجا من الأرض تواً، وهو واحد من آلاف الرجال أمثال كارتر، وبرستد، ومسبيرو، وبيتري، وكابار وويجال، الذين عاشوا في تلك البلاد عيشة البساطة والقناعة في حرارة الشمس اللافحة والرمال السافية يحاولون أن يحلوا لنا طلسم أبي الهول، وأن يختطفوا من بين أحضان الثرى الضنين
стр. 250
فنون مصر وآدابها وتاريخها وحكمتها؛ والأرض والسماء تعاكسهم في كل يوم، والخرافات تلعنهم وتعوقهم، والرطوبة وقوى التحات تغير في كل يوم على الآثار التي يخرجونها من باطن الأرض، وهذا النيل الذي يفيض على البلاد بالخصب والنماء يتسلل في أيام فيضانه إلى خرائب الكرنك، فيفك الأعمدة ويصدعها (١)، ويترك عليها بعد أن ينحسر عنها طبقة من الأملاح تأكل الحجارة كما يأكل الجذام الأجسام.
والآن فلنستعرض مرة أخرى عظمة مصر ومجدها في تاريخها وحضارتها قبل أن تتصدع آثارها وتنهار بين الرمال.
стр. 251
الفصل الثاني
البناءون العظام
١ - كشف مصر
شامبليون وحجر رشيد
إن الكشف عن تاريخ مصر لهو أروع فصل في كتاب علم الآثار. لقد كان كل ما تعرفه العصور الوسطى عن مصر أنها مستعمرة رومانية وموطن من مواطن المسيحية؛ وكان الناس في زمن النهضة يظنون أن الحضارة بدأت في بلاد اليونان، وحتى عصر الاستنارة (١) لم يكن يعرف من مصر أبعد من الأهرام. وكان علم الآثار المصرية نتيجة ثانوية من نتائج حروب نابليون الاستعمارية. ذلك أن القائد القورسيقي العظيم، لما قاد الحملة الفرنسية على مصر في عام ١٧٩٨ م، اصطحب معه طائفة من الرسامين والمهندسين ليرتادوا الأرض ويرسموها، وشملت هذه الحملة أيضا بعض العلماء الذين كانوا يهتمون بمصر اهتماما يظنه الناس سخيفاً في تلك الأيام، ويسعون لفهم التاريخ فهما أوفى وأفضل مما كان يفهمه المؤرخون وقتئذ. وكانت هذه العصبة من الرجال هي التي كشفت للعالم الحديث هياكل الأقصر والكرنك، كما كان كتاب "وصف مصر" المحكم المفصل (١٨٠٩ - ١٨١٣ م) الذي أعدوه للمجمع العلمي الفرنسي أول خطوة هامة خطاها العلماء في دراسة هذه الحضارة المنسية (١٠).
على أن هؤلاء العلماء ظلوا سنين طوال عاجزين عن قراءة النقوش الباقية على الآثار المصرية. وليس ما بذله شامبليون أحد هؤلاء العلماء من جد وصبر أن
стр. 252
حل رموز الكتابة الهيروغليفية إلا شاهداً من شواهد كثيرة على الروح العلمية التي امتاز به علماء تلك الحملة. وعثر شامبليون آخر الأمر على مسلّة مغطاة بهذه "الرموز المقدسة" مكتوبة باللغة المصرية ولكن في أسفلها نقوشاً باللغة اليونانية عرف منها أن هذه الكتابة ذات صلة ببطليموس وكليوبطرة. وخطر له أن إحدى العبارات الهيروغليفية الكثيرة التكرار والتي يحيط بها الإطار الملكي
стр. 253
(الخرطوشي) هي اسم الملك والملكة، فَهَدَته هذه الفكرة (في عام ١٨٢٢ م) إلى تمييز أحد عشر حرفاً من الحروف المصرية؛ ولكن ذلك كان مجرد حدس ولم يكن يقيناً. وكان هذا الكشف أول دليل على أن مصر كانت لها حروف هجائية. ثم طبق هذه الحروف على رموز وجدها على حجر كبير أسود عثر عليه جنود نابليون قرب مصب رشيد. وكان على "حجر رشيد" هذا (١) نقوش كتبت بثلاث لغات أولاها الهيروغليفية وثانيتها "الديموطية"- الكتابة المصرية الدارجة- والثالثة هي اليونانية. واستطاع شامبليون، بفضل علمه باللغة اليونانية وبالأحد عشر حرفاً التي عرفها من المسلة الأولى وبعد جهد متواصل دام أكثر من عشرين عاما، أن يحل رموز هذا النقش كلها وأن يعرف الحروف الهجائية المصرية بأجمعها. وأن يمهد السبيل للكشف عن عالَم عظيم مفقود. وكان هذا الكشف من أعظم الكشوف في تاريخ التاريخ (٢).
٢ - مصر في عصر ما قبل التاريخ
العصر الحجري القديم - العصر الحجري الحديث -
عصر البداري - عصر ما قبل الأسر - جنس المصريين
إن المتطرفين في عصر من العصور هم أنفسهم الرجعيون في العصر الذي يليه، ومصداقاً لهذه القاعدة نقول أنه لم يكن ينتظر من الرجال الذين أنشئوا عِلم الآثار المصرية أن يكونوا أول من يؤمن بأن ما في مصر من مخلفات العصر الحجري القديم ينتمي حقاً إلى ذلك العصر. ذلك أن العالِم بعد الأربعين لا يظل طلعه تياحا. ولما أن كشفت أولى أدوات الظران في وادي النيل قال سير
стр. 254
فلندز بيتري، وهو الذي لا يتردد عادة في قبول أكبر الأرقام في تاريخ مصر، إنها من صنع ما بعد الأسر، وعزا ماسبيرو، الذي لم يفسد علمُه الغزير أسلوبه الممتع المنمق، الفخار المصري الباقي من العصر الحجري الحديث إلى الدولة الوسطى. ولكن ده مورجان كشف في عام ١٨٩٥ م عن سلسلة متدرجة تكاد تكون متصلة الحلقات من حضارات تنتمي إلى العصر الحجري القديم- تطابق في أكثر نواحيها الحضارات المماثلة لها والتي جاءت في أوربا بعدها بزمن طويل. وكان ما كشفه من مخلفات هذه الحضارات المصرية رؤوس معاول يدوية، ومطارد، ورؤوس سهام، ومطارق عثر عليها على طول مجرى النيل (١٣). وتتدرج مخلفات العصر الحجري القديم تدرجا غير ملحوظ إلى مخلفات العصر الحجري الحديث على أعماق تدل على أنها تنتمي إلى العهد المحصور ما بين ٠٠٠ ر ١٠، و ٠٠٠ ر ٤ سنة قبل الميلاد (١٤). وترقى صناعة الأدوات الحجرية شيئاً فشيئاً، وتزداد تهذيباً، وتصل إلى درجة من الحدة والصقل ودقة الصنع لا تضارعها فيها آية ثقافة أخرى وصل إلينا علمها من ثقافات العصر الحجري الحديث (١٥). وقبيل أواخر هذا العهد تظهر صناعة المعادن في صور مزهريات ومثاقب ودبابيس من النحاس وحلي من الفضة والذهب (١٦).
ثم يتدرج ذلك العصر إلى العصور التاريخية وتظهر الزراعة في أثناء هذا التدرج. وكان أول ما كشف من آثار عصر الانتقال في عام ١٩٠١ م حين عثر في بلدة البداري الصغيرة "وهي في منتصف المسافة بين القاهرة والكرنك" على جثث بين أدوات تنتمي إلى عهد يرجع إلى ما قبل المسيح بنحو أربعين قرناً. ووجدت في أمعاء هذه الجثث، التي أبقى عليها جفاف الرمال وحرارتها ستة آلاف عام، قشور من حب الشعير (١٧) غير المهضوم. ولما كان الشعير لا ينبت بريا في مصر فقد استدل من وجودها على أن البداريين كانوا يعرفون زراعة الحبوب. وقد بدأ سكان وادي النيل من ذلك العهد السحيق أعمال الري
стр. 255
وقطعوا الأدغال، وجففوا المستنقعات، وتغلبوا على تماسيح النهر وأفراسه، ووضعوا أسس الحضارة على مهل.
وتوحي إلينا هذه البقايا وبقايا أخرى غيرها بشيء من العلم عن حياة المصريين قبل الأسر الأولى التي عاشت في الأزمنة التاريخية. لقد كانت ثقافة ذلك العهد ثقافة وسطاً بين الصيد والزراعة، بدأت منذ قليل باستبدال الأدوات المعدنية بالحجرية. وكان الناس في أيامها يصنعون القوارب، ويطحنون الحب، وينسجون الكتان والبسط، ويتحلون بالحلي، ويتعطرون بالعطور، لهم حلاَّقون وحيوانات مستأنسة، وكانوا يحبون التصوير وبخاصة تصوير ما يصيدون من الحيوان (١٨)، وكانوا يرسمون على خزفهم الساذج صور النساء الحزانى وصوراً أخرى تمثل الحيوانات والآدميين، وأشكالاً هندسية، وينحتون آلات غاية في الدقة والأناقة يشهد بها سكين جبل الأراك. وكانت لهم كتابة مصورة وأختام أسطوانية شبيهة بأختام السومريين (١٩).
وما من أحد يعرف من أين جاء هؤلاء المصريون الأولون. ويميل بعض العلماء الباحثين إلى الرأي القائل بأنهم مولودون من النوبيين والأحباش واللوبيين من جهة، ومن المهاجرين من الساميين والأرمن من جهة أخرى (٢٠)، فالأرض حتى في ذلك العهد السحيق لم تكن تسكنها سلالات نقية. ويرجح أن الغزاة أو المهاجرين الذين وفدوا من غرب آسية قد جاءوا معهم بثقافة أرقى من ثقافة أهل البلاد (٢١)، وأن تزاوجهم مع هؤلاء الأهلين الأقوياء قد أنجب سلالة هجينة كانت مطلع حضارة جديدة كما هو الشأن في جميع الحضارات. وأخذت هذه السلالات تمتزج امتزاجا بطيئاً حتى تألف من امتزاجها فيما بين عام ٤٠٠٠، و ٣٠٠٠ ق. م شعب واحد هو الشعب الذي أوجد مصر التاريخية.
стр. 256
٣ - الدولة القديمة
الأقسام الإدارية - الشخصية التاريخية الأولى - كيوبس -
"خفرن" الغرض من بناء الأهرام - فن المقابر - التحنيط
وقبل أن يحل عام ٤٠٠٠ ق. م كان هؤلاء الأقوام الذين يقيمون على ضفاف النيل قد أنشئوا لهم حكومة من نوع ما. فقد انقسم الأهلون المقيمون على شاطئ النهر أقساما ينتسب سكان كل قسم منها إلى أصل واحد. وكان لهم شعار واحد، ويخضعون لرئيس واحد، ويعبدون إلهاً واحد بمراسم وطقوس واحدة. وظلت هذه الوحدات الإقليمية قائمة طوال تاريخ مصر القديم، وظل لحكامها نوع من السلطان يختلف قوة وضعفاً واستقلالاً باختلاف قوة الملك الأعظم وضعفه. وإذ كان كل نظام مطرد النمو تجنح أجزاءه لأن يعتمد بعضها على بعض فإن هذه الأقسام أخذت تنظم نفسها مدفوعة إلى هذا التنظيم بحاجات التجارة النامية وتكاليف الحرب المتزايدة حتى تكونت منها مملكتان واحدة في الجنوب وأخرى في الشمال. ولعل هذا التقسيم كان صورة أخرى من النزاع القائم بين الإفريقيين أهل الجنوب والمهاجرين الآسيويين أهل الشمال.
وقد سوى هذا النزاع الذي زاد من أثر الاختلافات الجغرافية والعنصرية تسوية مؤقتة حين ضم مينا "مينيس"- وهو شخصية لا يزال يكتنفها بعض الغموض- القطرين تحت سلطانه الموحد، وأعلن في البلاد قانوناً عاماً أوحى إليه به الإله توت (٢٢)، أقام أولى الأسر المالكة التاريخية، وشاد عاصمة جديدة لملكه في منف "منفيس" و "علم الناس" كما يقول مؤرخ يوناني قديم استخدام النضد والأسرة … وأدخل في البلاد وسائل النعيم والحياة المترفة (٢٣).
ولم تكن أعظم شخصية حقيقية عرفها التاريخ شخصية ملك، بل كانت شخصية فنان وعالم، وتلك هي شخصية إمحوتب الطبيب والمهندس، وكبير
стр. 257
مستشاري الملك زوسر (حوالي ٣١٥٠ ق. م) وكان له على الطب المصري من الفضل ما جعل الأجيال التالية تعبده وتتخذه إلهاً للعلم ومنشئ علومها وفنونها. ويلوح في الوقت نفسه أنه هو الذي أوجد طائفة المهندسين التي أمدت الأسرة التالية بأعظم البناءين في التاريخ.
وتقول الرواية المصرية أن أول بيت من الحجر قد أقيم بإشرافه، وأنه هو الذي وضع تصميم أقدم بناء مصري قائم إلى هذه الأيام وهو هرم سقارة المدرج، وذلك الهرم بناء مدرج من الحجر ظل عدة قرون الطراز المتبع في تشييد المقابر. ويلوح كذلك أنه هو الذي وضع تصميم هيكل زوسر الجنازي وأعمدته الجميلة الشبيهة بزهرة الأزورد "اللوطس" (١) وجدرانه المكسوة المقامة من حجر الجير (٢٤) وفي هذه الآثار القديمة القائمة في سقارة، والتي تكاد تكون بداية الفن المصري في العهود التاريخية، نجد الأعمدة الأسطوانية المنقوشة التي لا تقل جمالاً عما شاده اليونان منها فيما بعد (٢٥)، كما نجد فيها نقوشاً بارزة تفيض واقعية وحيوية (٢٦)، وخزفاً أخضر، وفخاراً ملونا مطليا بطبقة زجاجية- يضارع ما أنتجته إيطاليا في العصور الوسطى (٢٧). ونجد هناك أيضا تمثالاً قويا من الحجر لزوسر نفسه عدا عليه الدهر فطمس بعض معالمه التفصيلية، ولكنه يكشف عن وجه ذي نظرات حادة ثاقبة وعقل مفكر (٢٨).
ولسنا نعلم حقيقة الأحوال التي جعلت الأسرة الرابعة أهم الأسر الحاكمة في تاريخ مصر قبل الأسرة الثامنة عشرة، فقد تكون الثروة المعدنية العظيمة التي استخرجت من أرض مصر في عهد آخر ملك من ملوك الأسرة الثالثة، وقد تكون ما أحرزه التجار المصريون من تفوق في تجارة البحر الأبيض المتوسط، وقد تكون قسوة خوفو (٢) أول ملوك هذا البيت الجديد. وقد ترك لنا هيرودوت ما قاله له
стр. 258
الكهنة المصريون عن منشئ أول هرم من أهرام الجيزة فقال:
"وهم يقولون لي الآن أن العدالة ظلت توزع بالقسطاس، وأن الرخاء عم جميع أنحاء مصر إلى أيام حكم رحميسنتس؛ ثم حكم من بعده كيوبس فارتكب كل أنواع الخبائث؛ ذلك أنه أغلق جميع الهياكل … وسخر المصريين لخدمته وحده … فعين طائفة منهم لقطع الأحجار من المحاجر في جبال العرب ونقلها إلى النيل، وأمر طائفة أخرى باستقبال الحجارة بعد أن تنقل في النهر على سفن … وكان يعمل منهم مائة ألف في كل نوبة، وكل نوبة تعمل ثلاثة أشهر، وكل هؤلاء يكدحون عشر سنين في إنشاء الطريق الذي كانت تنقل عليه الحجارة، وهو عمل أرى أنه لا يقل مشقة عن تشييد الهرم نفسه (٢٩).
أما خفرع (١) خليفته على العرش ومنافسه في البناء فلدينا عنه معلومات مستقاة من الآثار نفسها. وذلك أن تمثاله المصنوع من حجر الديوريت والمحفوظ في متحف القاهرة يصوره لنا بالصورة التي يمثل بها خيالنا من أنشأ هذا الهرم الثاني وحكم مصر ستاً وخمسين سنة إن لم يكن بالصورة التي كان عليها فعلاً. فعلى رأسه الباشق رمز السلطة الملكية، ولو لم يكن هذا الباشق على رأسه لأدركنا من هيبته ومن كل جزء صغير من جسمه أنه ملك بحق (٢) فالتمثال يصوره إنساناً مزدهياً، صريحاً، جريئاً، ثاقب النظرات، أشم الأنف، قوياً في تحفظ وهدوء. ويتضح من صورته هذه أن الطبيعة قد عرفت من زمن طويل كيف تصوغ الرجال، وأن الفن قد عرف كيف يصورهم (٣).
ولم بنى هؤلاء الرجال الأهرام؟ لقد كان هدفهم الدين لا فن العمارة، فقد كانت الأهرام مقابر نشأت وتدرجت من القبور البدائية. ذلك أن الملك كان
стр. 259
يعتقد كما يعتقد السوقة من شعبه أن في كل جسم حي تستقر قرينة- كا- لا تموت حتما إذا لفظ الجسم أنفاسه، وأن هذه القرينة يضمن بقائها بقاء كاملا إذا ما احتفظ بالجسم آمناً من الجوع والتمزيق والبلي. وكانت وسيلته للبقاء ومقاومة الموت هي الهرم لعلوه وضخامته وشكله وموقعه. وإذا نحن ضربنا صفحاً عن أركانه فقد كان شكله هو الشكل الطبيعي الذي تصير إليه طائفة متجانسة من المواد الصلبة إذا ما تركت تسقط على الأرض من غير أن يعوقها عائق ما. وإذ كان يقصد بها كذلك البقاء والخلود فقد وضعت الحجارة في صبر لا يكاد يطيقه إنسان كأنما هي قد علت من نفسها على جانب الطريق، ولم تقتطع وتنقل من محاجر تبعد عن مكانها الحالي مئات الأميال. ويتكون هرم خوفو من مليونين ونصف مليون من الكتل الحجرية التي يبلغ وزن بعضها مائة وخمسين طناً ومتوسط وزنها طنين ونصف طن، وتبلغ مساحة قاعدته أكثر من نصف مليون قدم مربعة، ويعلو في الهواء إلى ارتفاع ٤١١ قدماً. وحجارته مندمجة بعضها مع بعض ولم يترك بينها إلا موضع لبضع كتل ليكون طريقا سرياً تنقل فيه جثة الملك. ويرشد الدليل السائح الذي يسير مرتجفاً على أربع إلى الكهف الذي احتوى جثة الملك على ارتفاع مائة خطوة من القاعدة في قلب الهرم. وهناك في مكان رطب مظلم ساكن في أعماق ذلك الصرح لا يهتدي إليه إنسان استقرت فيما مضى من الأيام عظام الملك خوفو وزوجته، ولا يزال تابوت الملك المنحوت من الرخام مستقراً في مكانه، ولكنه محطم وفارغ لأن تلك الحجارة على ضخامتها لم تنج الجثة من اللصوص كما لم تنجها من جميع لعنات الآلهة.
ولما كانت القرينة في رأي المصريين الأقدمين صورة مصغرة للجسم نفسه فقد كان لابد من أن يقدم لها الطعام والكساء وما يلزمها من الخدمات بعد موت الجسد. ومن أجل هذا كانت تعد في بعض المقابر الملكية دورات مياه لتنتفع بها الروح بعد فراق الجسد، وتحتوي بعض النصوص الجنازية فقرات تعبر عن قلق
стр. 260
كاتبيها وخوفهم من أن تضطر القرينة إذا أعوزها الطعام إلى أن تطعم من فضلاتها (٣١). ومن الطبيعي أن يخطر بالبال أن عادات الدفن عند المصريين الأقدمين إذا ما تتبعناها إلى بدايتها قد تؤدي بنا إلى تلك العادة البدائية عادة دفن أسلحة المحارب وعدده مع جثته، أو إلى نظام شبيه بما كان يتبعه الهنود وهو دفن زوجات الرجل وعبيده معه لكي يقوموا على خدمته وقضاء حاجاته بعد موته. وإذ كان في اتباع هذه العادات كثير من المشقة على الأزواج والعبيد فقد عمد المصريون الأقدمون إلى استخدام الرسامين والمثالين لرسم الصور وحفر النقوش وصنع التماثيل الصغيرة التي تمثل الزوجات والعبيد. وقد جرت عاداتهم على أن ينقشوا عليها عبارات سحرية تبدل الصور والرسوم فتجعلها قادرة على أداء كل ما يحتاجه الميت من خدمات كأنها أجسام وأشياء حقيقية. ولعل أبناء الميت قد ركنوا إلى التكاسل والاقتصاد في النفقات فجنحوا إلى إهمال الواجبات التي كان الدين يفرضها عليهم في أول الأمر ومنها تقديم الطعام للميت حتى في الحالات التي وقف فيها من ثروته ما يفي بهذه النفقات. ومن أجل هذا كانت الصور المتخذة بديلاً من الحقائق احتياطا قائما على الحكمة وحسن التدبير، فقد كان في وسعها أن تمد قرينة الميت بالحقول الخصبة، والثيران الثمينة، والعدد الجم من الخدم والصناع النشطين بنفقة قليلة مغرية. ولما كشف المصريون عن هذا المبدأ أخذ الفنانون ينتجون الشيء الكثير من روائع الفن. ففي أحد القبور صورة لحقل يحرث؛ وفي قبر آخر ترى المحصول يحصد أو يدرس، وفي غيرهما ترى الخبز يسوى، وفي رابع ترى الثور يلقح البقرة، وفي غيره ترى العجل يولد، وفي آخر ترى الماشية التي كبرت تذبح، أو اللحم يقدم ساخناً في الصحاف (٣٢). ويمثل نقش جميل على حجر جيري عثر عليه في قبر الأمير راع حوتب الميت يستمتع بمختلف الأطعمة على مائدة مبسوطة أمامه (٣٣). لعمرك أن الفن لم يفعل للإنسان في عصر من العصور ما فعله لهؤلاء المصريين القدامى.
стр. 261
على أنهم لم يكتفوا بهذا بل رأوا أن يضمنوا للقرينة طول الأجل بدفن الجثة في تابوت من أقسى الحجارة، وبتحنيطها تحنيطاً كلفهم بلا شك أعظم الجهد والمشقة. وقد برعوا في هذا الفن براعة أبقت على قطع من الشعر واللحم عالقة بالعظام الملكية. وما أجمل وأوضح ما وصف به هيرودوت فن التحنيط حين قال: "أول ما يفعله المحنطون أن يخرجوا المخ من المنخرين بخطاف من الحديد، فإذا ما انتزعوا جزءاً منه بهذه الطريقة أخرجوا ما بقي منه بإدخال بعض العقاقير فيه، ثم فتحوا فتحة في جنب الميت بحجر حاد وأخرجوا منها جميع أحشائه، فإذا ما غسلوا البطن ونظفوه بنبيذ النخل رشوا عليه العطور المسحوقة، ثم ملئوا البطن بالمر النقي وبعطر العشبة وبغيره من العطور، وأعادوه بالخياطة إلى ما كان عليه من قبل؛ فإذا ما فعلوا هذا كله غمروه في منقوع النطرون (١) وتركوه فيه سبعين يوماً، وتركه أكثر من هذا الوقت مخالف للقانون. فإذا انقضت هذه الأيام السبعون غسلوا الجثة ولفوها كلها في أحزمة من القماش المشمع، وغطوا هذا القماش بطبقة من الصمغ الذي يستعمله المصريون عادة بدل الغراء. وبعد أن يتم هذا كله يسترد أهل الميت الجثة ويصنعون لها صندوقاً من الخشب على صورة إنسان، فإذا ما أتموا صنعه وضعوا الجثة فيه، وأحكموا إغلاقه وأودعوه لحداً وهو واقف مستند إلى جداره. وبهذه الطريقة يعالجون الأجسام التي يريدون الاحتفاظ بها علاجاً يكلفهم أبهظ النفقات" (٣٤).
وتقول إحدى الأمثال المصرية المأثورة: "إن العالم كله يرهب الزمان، ولكن الزمان نفسه يرهب الأهرام (٣٥) ". غير أن هرم خوفو رغم هذا قد نقص من ارتفاعه عشرون قدم، وزال عنه كل غطائه الرخامي. ولعل الزمان لا يرهبه كل الرهبة بل يفعل به ما يفعل بغيره؛ وكل ما في الأمر أنه يبليه على مهل. وإلى
стр. 262
جانب هذا الهرم الأكبر يقوم هرم خفرع، وهو أصغر من الأول قليلاً، ولكن قمته لا يزال يكسوها غشاء من الحجر الأعبل "الجرانيت" الذي كان من قبل يغطيه كله. وعلى مسافة من هذا الهرم الثاني يقوم هرم آخر متواضع هو هرم منقورع خليفة خفرع على عرش مصر (١). وهذا الهرم لا يغطيه الحجر الأعبل بل تغطيه طبقة وضيعة من الآجر كأنها تعلن للعالم أن الدولة القديمة كانت تؤذن بالزوال حين كان الملك يشيد هذا الهرم. وتصور ما وصل إلينا من تماثيل منقورع هذا الملك في صورة رجل أكثر رقة وتهذيباً وأقل قوة من خفرع (٢). إن الحضارة كالحياة تُفنى ما بلغت به حد الكمال، ولعل النعيم والترف حتى في هذا العهد السحيق، ولعل ما طرأ على العادات والأخلاق من تطور ورقي، لعل هذا كله قد جعل الناس يحبون السلم ويبغضون الحرب. وقام فجأة إنسان جديد، اغتصب عرش منقورع وقضى على أسرة بُناة الأهرام.
٤ - الدولة الوسطى
عهد الإقطاع - الأسرة الثانية عشرة - سيطرة الهكسوس
لم يكن الملوك في بلد من البلاد بالكثرة التي كانوا بها في مصر القديمة. والتاريخ يضمهم جميعا في أسر، تشمل كل أسرة ملوكاً من بيت واحد أو ذرية واحدة؛ ولكن عدد هذه الأسر نفسها يثقل الذاكرة التي لا تطيق كثرتها (٣).
стр. 263
وحكم مصر بيبى الثاني أحد هؤلاء الفراعنة أربعاً وتسعين سنة "٢٧٣٨ - ٢٦٤٤ ق. م" وحكمه هذا أطول حكم في التاريخ كله. فلما مات عمت الفوضى البلاد وأدت إلى الانحلال وخسر خلفه عرشه. وحكم أمراء الإقطاع المقاطعات حكماً مستقلاً. وهذا التعاقب بين السلطة المركزية وغير المركزية من الظواهر التاريخية التي تتوالى بانتظام، كأن الناس يملون الحرية المفرطة تارة والنظام المسرف تارة أخرى. وطغى على البلاد "عصر مظلم" سادته الفوضى أربعة قرون، ثم قام بعدها رجل قوي الإرادة شبيه بشارلمان في عصور أوربا المظلمة، فقبض بيد من حديد على زمام الأمور، وأعاد النظام إلى البلاد، ونقل العاصمة من منف إلى طيبة، وتسمى باسم أمينمحيت الأول، وأسس الأسرة الثانية عشرة. وفي عهد هذه الأسرة ازدهرت الفنون جميعها- مع جواز استثناء فن العمارة- وبلغت من الإتقان درجة لم تبلغها فيما نعرفه من تاريخ مصر قبل هذه الأسرة أو بعدها. ويتحدث إلينا أمينمحيت في أحد النقوش القديمة بقوله:
كنت رجلاً زرع البذور وأحب إله الحصاد؛
وحياتي في النيل وكل وديانه؛
ولم يكن في أيامي جائع ولا ظمآن؛
وعاش الناس في سلام بفضل ما عملت وتحدثوا عني.
وكان جزاؤه أن ائتمر عليه من أعلا شأنهم ووضعهم في المراكز السامية من الوزراء والمستشارين. وقضى أمينمحيت على هذه المؤامرة، وبطش بالمتآمرين ولكنه خلف لابنه- كما فعل بولونيوس من بعده- ملفاً من الأوراق يحوي نصيحة مرة، هي في واقع أمرها قاعدة عجيبة للحكم المطلق ولكنها ثمن باهظ يبتاع به الملك عرشه:
стр. 264
استمع إلى ما سأقوله لك،
حتى تكون ملك الأرض … ،
وتزيد فيها الخير
أقسى على جميع من هم دونك
فإن الناس لا يعنون إلا بمن يرهبهم؛
ولا تقترب منهم بمفردك،
ولا تملأ قلبك بالمودة لأخ،
ولا تعرف صديقاً … ،
وإذا نمت فاحرس بنفسك قلبك
لأن الإنسان لا صديق له في أيام الشر.
ولقد أقام هذا الملك الصارم الذي يبدو لنا من خلال أربعة آلاف من السنين حاكماً رحيماً، نظاماً من الحكم والإدارة دام خمسمائة عام، أثرت فيه البلاد مرة أخرى، وعاد فيه الفن إلى سابق عهوده الزاهرة. واحتفر سنوسريت الأول قناة تصل النيل بالبحر الأحمر، وصد الغزاة النوبيين وشاد الهياكل العظيمة في عين شمس والعرابة والكرنك. ولقد نجت من عبث الدهر عشرة تماثيل ضخمة تمثله جالساً، وهي الآن في متحف القاهرة. وبدأ سنوسريت آخر هو سنوسريت الثالث يخضع فلسطين لحكم مصر، ورد النوبيين الذين كانوا لا ينقطعون عن الإغارة على حدودها الجنوبية، ووضع لوحة عند تلك الحدود كتب عليها أنه لم يضعها "رغبة في أن تعبدوها، بل طمعاً في أن تحاربوا من أجلها" (٣٧). وكان أمينمحيت الثالث إدارياً حازما عني بحفر الترع والتنظيم وسائل الري، وقضى "ولعله قد أسرف في هذا القضاء" على أمراء الإقطاع، وأحل محله موظفين معينين من قبل الملك. وبعد ثلاثة عشر عاماً من موته عاد الاضطراب إلى مصر على أثر النزاع الذي قام بين المتنافسين المطالبين بالعرش، وانقضى عهد الدولة الوسطى في حال من الفوضى
стр. 265
والتفكك دامت مائتي عام. ثم غزا الهكسوس، وهم بدو من آسية، مصر المتقطعة الأوصال، فأحرقوا مدنها وهدموا هياكلها وبددوا ما تجمع من ثروتها، وقضوا على كثير من معالم فنونها، وأخضعوا وادي النيل مدى قرنين لحكم "ملوك الرعاة" (١). لقد كانت المدنيات القديمة جزائر صغرى في بحار من الهمجية، أو محلات رخية يحيط بها الجياع والحساد من الصيادين والرعاة ذوي النزعة الحربية. وكانت حصونها عرضة للتصدع والانهيار من حين إلى حين. بهذه الطريقة أغار الكاشيون على دولة بابل، وهاجم الغاليون بلاد اليونان والرومان، واجتاح الهون إيطاليا، وهاجم المغول بيجنج.
لكن الفاتحين لم يلبثوا هم أيضا أن سمنوا وأترفوا وفقدوا سلطانهم؛ وجمع المصريون شملهم وشنوا حرباً عوانا يبغون بها تحرير بلادهم، فطردوا الهكسوس، وأسسوا الأسرة الثامنة عشرة التي بلغت البلاد في أيامها درجة من القوة والمجد لم تبلغها من قبل.
٥ - الإمبراطورية
الملكة العظيمة - تحتمس الثالث - ذروة المجد
لعل هذا الفتح قد جدد شباب مصر بما أدخله فيها من دم جديد؛ ولكنه كان إيذاناً بابتداء كفاح طويل مرير بين مصر وغرب آسية دام ألف عام. ذلك أن تحتمس الأول لم يعزز قوى الدولة الجديدة فحسب ولكنه غزا سوريا أيضاً بحجة أن مصر يجب أن تسيطر على غرب آسية لكي تمنع الاعتداء على أراضيها فيما بعد، وأخضع كل البلاد الواقعة بين ساحل البحر وقرقميش في الداخل، ووضع فيها حاميات من عنده، وفرض عليها الجزية، ثم عاد إلى طيبة مثقلاً بالغنائم ومكللاً بالمجد الذي يكلل على الدوام هامة من يقتل بني الإنسان. وفي آخر العام الثلاثين
стр. 266
من حكمه رفع ابنته حتشبسوت إلى العرش لتكون شريكة له في الملك. وحكم من بعده زوجها وأخوها لأبيها باسم تحتمس الثاني، وأوصى وهو على فراش الموت أن يخلفه تحتمس الثالث ابن تحتمس الأول من إحدى سراريه (٣٨). ولكن حتشبسوت نحَّتْ هذا الشاب الذي علا نجمه فيما بعد واستأثرت دونه بالملك، وأثبتت أنها لا تختلف عن الملوك في شيء إلا في أنها أنثى.
على أنها لم تعترف حتى بهذا الفرق. ذلك أن التقاليد المقدسة كانت تطلب من كل مصري أن يكون ابن الإله العظيم آمون، ومن أجل هذا أعدت حتشبسوت العدة لأن تكون ذكراً وأن تكون مقدسة، فاخترعت لها سيرة نصت على أن آمون نزل على أحْمَسى أم حتشبسوت في فيض من العطر والنور، فأحسنت هذه استقبالاً؛ ولما خرج من عندها أعلن أن أحمسى ستلد ابنة تشع على الأرض كل ما يتصف به الإله من قوة وبسالة (٣٩). وأرادت الملكة العظيمة بعد إذ أن تُرضي أهواء شعبها ولعلها أرادت أيضا أن تشبع رغبة كامنة في صدرها، فعملت على أن ترسم على الآثار في صورة محارب ملتح من غير ثديين؛ ومع أن النقوش الباقية من عهدها تتحدث عنها بضمير المؤنث، فإنها تسميها "ابن الشمس" و "سيد القطرين". وكانت حين تظهر أمام شعبها تلبس ملابس الرجال، وتلتحي لحية مستعارة (٤٠).
ولعلها كان من حقها أن تقرر بنفسها أن تكون رجلاً أم إمرأة، وذلك لأنها أضحت من خير الحكام الذين جلسوا على عرش مصر- وهم كثيرون- ومن أعظمهم نجاحاً. فقد وطدت دعائم الأمن والنظام في داخل البلاد من غير أن تسرف في الاستبداد، وحافظت على السلم في خارج مصر من غير خسارة وأرسلت بعثة عظيمة إلى بونت "ويرجح أن بونت هذه هي شاطئ إفريقية الشرقي"، وافتتحت سوقا جديدة لتجارة مصر، وجاءت بكثير من الطيبات لشعبها. وعملت على تجميل الكرنك بأن أقامت فيها مسلتين كبيرتين جميلتين، وشيدت في الدير
стр. 267
البحري الهيكل الفخم الذي اختطه أبوها، وأصلحت بعض ما خربه ملوك الهكسوس من الهياكل القديمة، وقالت في أحد نقوشها تفخر بأعمالها: "لقد أصلحت ما كان من قبل مخرباً؛ وأكملت ما لم يكن قد تم تشييده حين كان الآسيويون في وسط الأرض الشمالية يهدمون فيها ما كان قائماً قبلهم" (٤١). ثم أنشأت لنفسها آخر الأمر قبراً سرياً مزخرفاً بجوار الجبال التي تطغى عليها الرمال على الضفة الغربية للنيل في المكان الذي سمي فيما بعد "وادي مقابر الملوك". وحذا خلفاؤها في ذلك حذوها، حتى كان عدد القبور المنحوتة في التلال قرابة الستين قبراً ملكياً، وحتى أخذت مدينة الموتى تنافس في عدد سكانها طيبة مدينة الأحياء، وكانت "الحافة الغربية" في المدن المصرية القديمة موطن الموتى من الطبقة العليا؛ وكانوا إذا قالوا أن فلاناً "ذهب غرباً" قصدوا بقولهم هذا أنه مات.
стр. 268
ودام حكم هذه الملكة اثنتين وعشرين سنة كان فيها حكما سلمياً حكيماً، ثم خلفها تحتمس الثالث وكان حكمه مليئاً بالحروب، فقد انتهزت بلاد سوريا فرصة موت حتشبسوت فثارت على مصر، وظن أهلها أن تحتمس الثالث، وهو شاب في الثانية والعشرين من عمره، لن يستطيع الاحتفاظ بالدولة التي أقامها أبوه. ولكن تحتمس لم يقعد عن العمل فسار على رأس جيشه في السنة الأولى من حكمه عن طريق القنطرة وغزة بسرعة عشرين ميلاً في كل يوم، والتحم بالقوات الثائرة عند هار مجدو "أي جبل مجدو"، وهي بلدة صغيرة ذات موقع حربي منيع بين سلسلتي جبال لبنان على الطريق الممتد بين مصر ونهر الفرات. وهي بعينها مجداً التي وقعت فيها عدة وقائع حربية من ذلك اليوم إلى أيام ألِنْبِي. وفي نفس الممر الذي هزم فيه الإنكليز الأتراك في عام ١٩١٨ م أثناء الحرب العالمية الأولى هزم تحتمس الثالث السوريين وحلفائهم قبل ذلك بثلاثة آلاف وثلاثمائة وسبعة وتسعين عاماً. ثم سار تحتمس مظفراً مخترقاً غرب آسية يخضع أهلها ويفرض عليهم الضرائب ويجمع منهم الخراج، وعاد بعد إذ إلى طيبة منتصراً بعد ستة أشهر من بداية زحفه (١).
وكانت هذه الحملة أول حملات بلغت عدتها خمس عشرة أخضع فيها تحتمس الباسل بلاد البحر الأبيض المتوسط الشرقي لحكم مصر. ولم يكن عمله عمل الفاتح فحسب، بل إنه عمل أيضا على تنظيم فتوحه، فأقام في جميع البلاد المفتوحة حاميات قوية، وأنشأ فيها حكماً منظماً قديراً. وكان تحتمس أول رجل في التاريخ أدرك ما للقوة البحرية من شأن عظيم، فأنشأ أسطولاً أخضع لسلطانه بلاد الشرق الأدنى. وكان ما ظفر به من غنائم عماد الفن المصري في عهد الإمبراطورية، كما كان الخراج الذي أخذ ينصب في مصر من بلاد الشام منشأ حياة الدعة والنعيم التي تمتع بها شعبه، فوجدت في مصر طبقة جديدة من الفنانين غمرتها بروائع الفن. وفي وسعنا أن نتصور إلى حد ما ثروة الحكومة الإمبراطورية الجديدة إذا عرفنا
стр. 269
أن خزانة الدولة استطاعت في يوم من الأيام أن تخرج منها ما زنته تسعة آلاف رطل من سبائك الذهب والفضة (٤٣). وراجت التجارة في طيبة رواجاً لم تعهده من قبل، وناءت الهياكل بالقربان، وارتفع صرح بهو الاحتفالات الملكية في الكرنك، وأنشأ فيها المتنزه العظيم بما يتفق مع عظمة الإله والملك. ثم عاد الملك من ميدان القتال ووجه عنايته للفن وإدارة شئون البلاد. ومن أجمل آثار ذلك العهد المزهريات البديعة النقش. وقال عنه وزيره ما كان أمناء سر نابليون المتعبون المنفيون يقولون عنه "أن جلالته كان يعرف كل ما يحدث؛ فما من شيء كان يجهله؛ فقد كان إله المعرفة في كل شيء؛ ولم تكن هناك مسألة لا يفصل فيها بنفسه (٤٣) ". وتوفى الملك بعد أن حكم اثنتين وثلاثين سنة "ويقول بعضهم أنها خمسا وأربعين"، وبعد أن أتم لمصر زعامتها في عالم البحر الأبيض المتوسط.
وجاء من بعده فاتح آخر هو أمنحوتب الثاني فأخضع مرة أخرى بعض عشاق الحرية في سوريا، وعاد إلى طيبة وفي ركابه سبعة ملوك أسرى أحياء مطأطئي الرءوس في مقدمة السفينة الإمبراطورية. وقدم الملك ستة منهم قربانا لآمون ضحى بهم بيده (٤٤). ثم خلفه تحتمس آخر خامل الذكر، جلس بعده على العرش في عام ١٤١٢ أمنحوتب الثالث فحكم البلاد حكما طويلا ارتفعت مصر في خلاله إلى ذروة المجد بفضل ما تجمع فيها من الثروة خلال سيادتها التي دامت قرناً كاملاً. وفي المتحف البريطاني تمثال نصفي لهذا الملك يمثله في صورة رجل يجمع بين الرقة والقوة، في وسعه أن يقبض بيد من حديد على زمام الأمور في إمبراطوريته التي ورثها، وأن يعيش مع هذا في جو من الدعة والنعيم لعل بترونيس أول آل مديشى كانوا يحسدونه عليه. ولولا ما كشف من مخالفات توت عنخ آمون لما صدقنا ما تقصده الروايات وما تدونه السجلات من ثراء أمنحوتب ومظاهر ترفه. وقد بلغت طيبة في عهده من العظمة والفخامة ما بلغته أية مدينة أخرى في عهود التاريخ كلها، فكانت شوارعها غاصة بالتجار، وأسواقها مملوءة بالبضائع الواردة من جميع أنحاء العالم المعروف وقتئذ، ومبانيها " تفوق في فخامتها جميع
стр. 270
مباني العواصم القديمة والحديثة" (٤٥)، وقصورها الرائعة تستقبل الخراج من طائفة لا حصر لها من الولايات الخاضعة لسلطانها، وهياكلها الضخمة "محلاة كلها بالذهب" (٤٦) ومزينة بروائع الفنون على اختلاف أنواعها، وبيوتها ذات الحدائق وقصورها الفخمة ومتنزهاتها المظللة وبحيراتها الصناعية التي كانت مسرحاً لكل ما هو جديد من الأزياء والأنماط، كما كانت رومة في عهد الإمبراطورية (٤٧). هذه هي عاصمة مصر في أيام مجدها وفي أيام مليكها الذي بدأ من بعده اضمحلالها وسقوطها.
стр. 271
الفصل الثالث
حضارة مصر
١ - الزراعة
كان من وراء هؤلاء الملوك والملكات بيادق مجهولون، ومن وراء تلك الهياكل والقصور والأهرام عمال المدن وزراع الحقول (١). ويصفهم هيرودوت كما وجدهم حوالي عام ٤٥٠ ق. م وصفاً تسوده روح التفاؤل فيقول:
"إنهم يجنون ثمار الأرض بجهد أقل مما يبذله غيرهم من الشعوب، … لأنهم لا يضطرون إلى تحطيم أخاديد الأرض بالمحراث أو إلى عزقها أو القيام بعمل كالذي يضطر غيرهم من الناس إلى القيام به لكي يجنوا من ورائه محصولاً من الحَبّ؛ ذلك بأن النهر إذا فاض من نفسه وأروى حقولهم، ثم انحسر مأواه عنها بعد إروائها، زرع كل رجل أرضه وأطلق عليها خنازيره؛ فإذا ما دفنت هذه الخنازير الحَبّ في الأرض بأرجلها انتظر حتى يحين موعد الحصاد، ثم … جمع المحصول" (٤٩).
وكما كانت الخنازير تدوس الحب بأرجلها، كذلك أُنّست القرود ودربت على قطف الثمار من الأشجار (٥٠)؛ وكان النيل الذي يروي الأرض يحمل لها في أثناء فيضانه مقادير كبيرة من السمك يتركها في المناقع الضحلة؛ وكانت الشبكة التي يصطاد بها السمك هي بعينها التي يحيط بها رأسه أثناء الليل ليتقي بها شر لدغ البعوض (٥١). على أنه لم يكن هو الذي يفيد من سخاء النهر، ذلك بأن كل فدان من الأرض كان ملكاً لفرعون لا يستطيع غيره من الناس أن يفعلوا به إلا بإذن
стр. 272
منه، وكان على كل زارع أن يؤدي له ضريبة سنوية عينية تتراوح ما بين عُشر (٥٢) المحصول وخُمسه (٥٣). وكان أمراء الإقطاع وغيرهم من الأثرياء يملكون مساحات واسعة من الأرض. وفي وسعنا أن نتصور ما كانت عليه أملاكهم من الاتساع إذا علمنا أن واحداً منهم كان يملك ألفاً وخمسمائة بقرة (٥٤). وكانت الحبوب والسمك واللحوم أهم الأطعمة. وقد عثر على بقية من نقش يحدد ما يسمح للتلميذ أن يأكله ويشربه، وقد ذكر فيه ثلاثة وثلاثون نوعاً من لحم الحيوان وطير، وثمانية وأربعون صنفاً من الشواء، وأربعة وعشرون نوعاً من الشراب (٥٥). وكان الأغنياء يبلعون طعامهم بالنبيذ والفقراء بشراب الشعير المخمر (٥٦).
وكانت معيشة الفلاحين معيشة ضنكاً. فأما من كان منهم مزارعاً "حراً " فلم يكن يخضع إلا للوسيط والجابي، وكان هذان الرجلان يعاملانه على أساس المبادئ الاقتصادية التي ثبتت تقاليدها على مدى الأيام، فكانوا يأخذون من محصول الأرض "كل ما تتحمله وسائل النقل". وإلى القارئ رأْي أحد الكتبة الظرفاء في حياة معاصريه من الرجال الذين كانوا يطعمون مصر القديمة:
"هلا استعدْت في خيالك صورة الزارع حين ُيجبى منه عُشر حَبّه؟ لقد أتلفَتْ الديدان نصف القمح، وأكَلَتْ أفراس البحر ما بقى له منه، وهاجمتها في الحقول جماعات كبيرة من الجرذان، ونزلَت بها الصراصير؛ والماشية النهمة، والطيور الصغيرة تختلس منها الشيء الكثير؛ وإذا غفل الفلاح لحظة عما بقي له في الأرض، عدا عليه اللصوص. يضاف إلى هذا أن السيور التي تربط الحديد والمعزقة فقد بليت، وأن الثورين قد ماتا من جرّ المحراث. وفي هذه اللحظة يخرج الجابي من القارب عند المرسى ليطلب العشور، ثم يأتي حُرّاس أبواب مخازن "الملك" بعصيّهم، والزنوج بجريد النخل، يصيحون: تعالوا الآن، تعالوا! فإذا لم يأتهم أحد طرحوا الزارع أرضاً، وربطوه، وجرّوه إلى القناة وألقوه فيها
стр. 273
مبتدئين برأسه، وزوجته مربوطة معه، ثم يسلك أطفاله في السلاسل، ويفرّ جيرانه من حوله لينقذوا حبوبهم" (٥٧).
تلك بطبيعة الحال قطعة أدبية فيها كثير من المبالغة، ولكن كاتبها كان في وسعه أن يضيف إليها أن الفلاح كان معرضاً في كل وقت إلى أن يسخر في العمل لخدمة الملك، يطهر قنوات الري، وينشئ الطرق، ويحرث الأراضي الملكية، ويجرّ الحجارة الضخمة لإقامة المسلات وتشييد الأهرام والهياكل والقصور. وأكبر ظننا أن كثرة العاملين في الحقول كانت قانعة راضية بفقرها صابرة عليه. وكان كثيرون منهم عبيدا من أسرى الحرب أو المدنيين؛ وكانت الغارات تنظم أحياناً للقبض على العبيد، وكان يؤتى بالنساء والأطفال من خارج البلاد ليبعن في البلاد لمن يدفع فيهن أغلى الأثمان. وفي متحف ليدن نقش بارز قديم يصور موكباً طويلا من الأسرى الآسيويين يسيرون مكتئبين إلى أرض الأسر، ويراهم الإنسان أحياء على هذا الحجر الناطق وأياديهم موثوقة خلف ظهورهم أو رؤوسهم، أو موضوعة في أصفاد قوية من الخشب، وعلى وجوههم إمارات الحقد المنبعثة من اليأس.
٢ - الصناعة
المعدنون - الصناع - العمال - المهندسون -
النقل - البريد - التجارة وشئون المال - الكتبة
وازداد الفائض من الثروة شيئاً فشيئاً نتيجة عمل الزراع، وادخر الطعام لمن يعملونه في التجارة والصناعة. وكانت مصر تستورد المعادن من بلاد العرب والنوبة لقلتها فيها. وكان بُعد مراكز التعدين مما لا يغري الأهالي باستغلالها لحسابهم الخاص، ولذلك ظلت صناعة التعدين قروناً كثيرة محتكرة للحكومة (٥٨). وكانت مناجم النحاس تغل مقادير قليلة منه (٥٩)، أما الحديد فكان يستورد من بلاد الحيثيين، وكانت مناجم الذهب منتشرة على طول الضفة الشرقية للنيل وفي
стр. 274
بلاد النوبة، كما كان يؤتى به من خزائن جميع الولايات الخاضعة لسلطان مصر. ويصف ديودور الصقلي (٥٦ ق. م) المعدنين المصريين وهم يتبعون بالمصباح والمعول عروق الذهب في الأرض، والأطفال وهم يحملون المعدن الخام، والمهارس الحجرية وهي تطحنه، والشيوخ والعجائز وهم يغسلونه. ولسنا نعرف بالضبط ما في هذه الفقرة الشهيرة من تزييف مبعثه النعرة القومية العارمة:
"إن ملوك مصر يجمعون السجناء الذين أدانهم القضاء، وأسرى الحرب وغيرهم ممن وجهت إليهم التهم الباطلة وزجوا في السجون في سورة من الغضب، وهؤلاء كلهم يرسلون إلى مناجم الذهب تارة وحدهم وتارة مع جميع أسرهم، ليقتص منهم عن جرائم ارتكبها المجرمون منهم، أو ليستخدموا في الحصول على دخل كبير نتيجة كدهم … وإذا كان هؤلاء العمال عاجزين عن العناية بأجسامهم، ليس لهم ثياب تستر عريهم، فإن كل من يرى هؤلاء البائسين المنكودي الحظ تأخذه الرحمة بهم لفرط شقائهم. ذلك أنه لا يرى أحداً يرحم المرضى والمشوهين والعجزة والضعاف من النساء، أو يخفف العمل عنهم. ولكن هؤلاء كلهم يُلزمون بالدأب على العمل حتى تخور قواهم، فيموتوا في ذل الأسر. ولهذا فإن هؤلاء البائسين المساكين يرون مستقبلهم أتعس من ماضيهم لقسوة العقاب الذي يوقع عليهم، وهم من أجل ذلك يفضلون الموت على الحياة" (٦٠).
وعرفت مصر في عهد الأسرات الأولى كيف تصنع البرنز بمزج النحاس بالقصدير، وصنعت منه أو الأمر أسلحة برنزية كالسيوف، والخوذات والدروع؛ ثم صنعت منه بعدئذ أدوات برنزية كالعجلات، والهراسات، والرافعات، والبكرات، وآلات رفع الأثقال، والأوتاد، والمخارط، واللوالب، والمثاقب التي تثقب أقسى أحجار الديوريت، والمناشر التي تقطع ألواح الحجارة الضخمة لصنع التوابيت. وكان العمال المصريون يصنعون الآجر والأسمنت والمصيص، ويطلون الفخار بطبقة زجاجية، ويصنعون الزجاج وينقشونه هو والفخار بمختلف
стр. 275
الألوان. وقد برعوا في حفر الخشب يصنعون منه كل ما يصلح لصنعه من قوارب وعربات وكراسي، وأسرة، وتوابيت جميلة تكاد تغري الأحياء بالموت. واتخذوا من جلود الأنعام ملابس وكنانات، ودروعاً، ومقاعد. وقد صورت على جدران المقابر كل الفنون المتصلة بدبغ الجلود، ولا يزال الأساكفة إلى الآن يستخدمون السكاكين المقوسة المصقولة على تلك الجدران في أيدي دابغي الجلود (٦١). وصنع المصريون من نبات البردي الحبال والحصر والأخفاف والورق. وابتدعوا فن الطلاء بالميناء والورنيش واستخدموا الكيمياء في الصناعة. ومن الصناع من كان يعمل في نسج القماش من أدق الخيوط المعروفة في تاريخ النسج كله. وقد عثر المنقبون على نماذج من الكتان منسوجة من أربعة آلاف عام، وعلى الرغم من عوادي الأيام فإن " خيوطها قد بلغت من الدقة حداً لا يستطيع الإنسان معه أن يميزها من خيوط الحرير إلا بمجهر. وإن أحسن ما أخرجته المناسج الآلية في هذه الأيام ليعد خشنا إذا قيس إلى هذا النسيج الذي كان يصنعه المصريون الأقدمون بأنوالهم اليدوية (٦٢). وفي هذا يقول بسكل: "إذا فاضلنا بين قدرة المصريين الفنية وقدرتنا نحن، تبين لنا أننا كنا قبل اختراع الآلة البخارية لا نكاد نفوقهم في شيء" (٦٣).
وكانت الكثرة الغالبة من الصناع من الأحرار، وقلتهم من الرقيق. وكان العاملون في كل صناعة من الصناعات يؤلفون طبقة خاصة كما هو الحال في الهند اليوم. وكان يطلب إلى الأبناء أن يتخذوا صناعات آبائهم (١). وقد جاءتهم الحروب بآلاف من الأسرى فكانوا عونا على إنشاء الضياع الواسعة وعلى رقي فن الهندسة. وقد أهدى رمسيس الثالث في أثناء حكمه ٠٠٠ ر ١١٣ أسير إلى الهياكل". وكان النظام المألوف للصناع الأحرار أن تؤلف منهم فرق تتبع
стр. 276
رئيساً منهم أو مشرفاً عليهم يؤجر على عملها جملة ويؤدي هو لأفرادها أجورهم. وفي المتحف البريطاني لوحة طباشيرية سجل فيها أحد رؤساء العمال أسماء ثلاثة وأربعين عاملا ودّون أمام أسمائهم أيام غيابهم وأسباب هذا الغياب من "مرض" أو "تضحية للإله" أو مجرد "الكسل". وكان الإضراب كثير الحدوث؛ وقد حدث مرة أن تأخر صرف الأجور للعمال زمناً طويلاً فحاصروا رئيسهم وأنذروه بقولهم له: "لقد ساقنا إلى هذا المكان الجوع والعطش، وليست لنا ثياب، وليس عندنا زيت ولا طعام؛ فاكتب إلى سيدنا الملك في هذا الأمر، واكتب إلى الحاكم (حاكم المقاطعة) الذي يشرف على شؤوننا حتى يعطيانا ما نقتات به" (٦٧). وتروي إحدى القصص اليونانية المتواترة خبر فتنة صماء اندلع لهيبها في مصر واستولى فيها العبيد على إحدى المديريات، وظلت في أيديهم زمنا طويلاً كانت نتيجته أن الزمن، الذي يجيز كل شيء، أقر امتلاكهم إياها. لكن النقوش المصرية لا تذكر شيئاً قط عن هذه الفتنة (٦٨). ومن أغرب الأشياء أن حضارة كانت تستغل العمال هذا الاستغلال القاسي لم تعرف أو لم تسجل إلا عددا ضئيلاً من الثورات.
وكان فن الهندسة عند المصريين أرقى من كل ما عرفه منه اليونان أو الرومان، أو عرفته أوربا قبل الانقلاب الصناعي؛ ولم يتفوق عليهم فيه إلا عصرنا الحاضر، وحتى في هذا القول الأخير قد نكون مخطئين. مثال ذلك أن سنوسريت الثالث شاد (١) سوراً حول بحيرة موريس طوله سبعة وعشرين ميلاً ليجمع فيها ماء منخفض الفيوم، وأصلح بعمله هذا ٠٠٠ ر ٢٥ فدان كانت من قبل مناقع، فأصبحت صالحة للزراعة، هذا إلى أنه اتخذ من هذه البحيرة خزاناً واسعاً لماء الري (٦٩). واحتفرت قنوات عظيمة منها ما يصل إلى النيل بالبحر الأحمر، واستخدمت الصناديق الغاطسة للحفر تحت الماء (٧٠)، ونقلت المسلات التي تزن ألف طن من
стр. 277
أماكن قاصية. وإذا جاز لنا أن نصدق ما ينقله لنا هيرودوت، أو نحكم على أعمال السابقين بما نشاهده من صورها في النقوش البارزة التي خلفتها الأسرة الثامنة عشرة، قلنا أن هذه الحجارة الضخمة كان يجرها آلاف من العبيد على عروق من الخشب مطلية بالشحم، ثم ترفع إلى أماكنها في البناء على طرق طويلة تبدأ من أماكن بعيدة (٧١). ولقد كانت الآلات نادرة لأن الجهد العضلي كان رخيصاً، وليس أدل على هذا الرخص من نقش بارز صور فيه ثمانمائة من المجدفين يدفعون سبعة وعشرين قارباً تجر وراءها صندلاً للنقل يحمل مسلتين (٧٢). هذا هو العصر الذهبي الذي يريد من ينادون بتحطيم الآلات أن يعودوا إليه. وكانت سفن يبلغ طول الواحدة منها مائة قدم وعرضها خمسين قدماً تمخر عباب النيل والبحر الأحمر، ثم انتقلت آخر الأمر إلى البحر الأبيض المتوسط. أما في البر فقد كانت البضائع ينقلها الحمالون، ثم استخدمت في نقلها الحمير ثم الخيل، وأكبر الظن أن الهكسوس هم الذين جاءوا بالخيل إلى مصر. ولم يظهر الجمل في مصر إلا في عهد البطالمة (٧٣). وكان الفقراء من أهل البلاد يتنقلون مشياً على الأقدام أو يستخدمون قواربهم البسيطة، أما الأغنياء فكانوا يركبون رجازات (١) يحملها العبيد ثم صاروا فيما بعد يركبون عربات غير أنيقة الصنع يقع ثقلها كله أمام محور العجل (٧٤).
وكان لدى المصريين بريد منتظم؛ فقد جاء في بردية قديمة: "اكتب إلىّ مع حامل الرسائل" (٧٥). إلا أن وسائل الاتصال لم تكن مع ذلك ميسرة، فقد كانت الطرق قليلة غير معبدة ما عدا الطريق الحربي الممتد من نهر الفرات ماراً بغزة (٧٦). وكان التواء النيل- وهو أهم وسائل الانتقال وقتئذ- مما ضاعف البعد بين المدن المختلفة. وكانت التجارة الداخلية بدائية نسبياً، يتم معظمها بطريق المقايضة في أسواق القرى، ونمت التجارة الخارجية نمواً بطيئاً،
стр. 278
وعاقها ما كان يفرض عليها من قيود شديدة أشبه ما تكون بأحدث الحواجز الجمركية المفروضة على التجارة الخارجية في هذه الأيام. ذلك أن ممالك الشرق الأدنى كانت قوية الإيمان بمبدأ " الحماية التجارية " لأن الضرائب الجمركية كانت مورداً للخزائن الملكية. على أن مصر مع هذا قد أثرت بما كانت تستورده من المواد الغفل وتصدره من المصنوعات. وكانت أسواق مصر غاصة بالتجار السوريين والكريتيين والقبرصيين، كما كانت السفن الفينيقية تجري في النيل من مصبه في الشمال إلى أرصفة طيبة الكثيرة الحركة في الجنوب (٧٧).
ولم تكن النقود قد بدأت تستعمل في البيع والشراء، ولذلك كان كل شيء، حتى مرتبات أكبر الموظفين، يؤدى، سلعاً، حَّبا أو خبزاً، أو خميرة، أو بيرة أو نحوها. وكانت الضرائب تجبى عيناً، ولم تكن خزائن الملك غاصة بالنقد بل كانت مخازن تكدس فيها آلاف السلع من منتجات الحقول وبضائع الحوانيت. ولما أخذت المعادن الثمينة تتدفق على مصر بعد فتوح تحتمس الثالث شرع التجار يؤدون ثمن ما يبتاعونه من البضائع حلقات أو سبائك من الذهب، تقدر قيمتها بالوزن في كل عملية تجارية؛ ولم تضرب نقود ذات قيمة محددة تضمنها الدولة لتسهيل هذه العمليات. على أن نظام الائتمان قد نشأ بينهم وارتقى، وكثيرا ما كانت التحاويل والصكوك المكتوبة تحل محل المقايضة أو الدفع فورا؛ ووجد الكتبة في كل مكان يعجلون الأعمال بوثائق المبادلة القانونية، وأعمال المحاسبة والأعمال المالية.
وما من أحد زار متحف اللوفر إلا شاهد تمثال الكاتب المصري الجالس مطوي الساقين، وجسمه كله يكاد يكون عارياً، ومن خلف أذنه قلم احتياطي غير القلم الذي يمسكه بيده، وهو يدون ما يقوم به ويسجل ما يؤدى من العمل، وما يسلم من البضائع، وأثمانها وأكلافها، ومكسبها وخسارتها. يحصي الماشية الذاهبة إلى المذبح، والحبوب وهي تكال للبيع، ويكتب العقود والوصايا، ويقدر ما يجب على سيده أن يؤديه من ضريبة الدخل. والحق أنه لا جديد تحت الشمس.
стр. 279
وهو حريص معني بعمله مجد فيه نشيط نشاطا آلياً؛ وأوتي قسطاً من الذكاء ولكنه ذكاء يقف عند الحد الذي يمنعه أن يكون خطراً؛ حياته رتيبة مملة، ولكنه يواسي نفسه بكتابة المقالات عما يكتنف حياة العامل اليدوي من صعاب،
стр. 280
وما يحيط بأولئك الذين طعامهم الورق ودمائهم المداد من عزة وكرامة لا تقلان عن عزة الأمراء وكرامتهم.
٣ - نظام الحكم
الموظفون - الشرائع - الوزير - الملك
وكان الملك وأعيان الأقاليم يستعينون بهؤلاء الكتبة للمحافظة على نظام وسلطان القانون في الدولة. وتصور بعض الألواح القديمة الكتبة يقومون بعملية الإحصاء، ويحسبون ما دخل الخزانة من ضريبة الدخل. ويستعينون بالمقاييس النيلية التي تسجل ارتفاع ماء النهر على معرفة ما سيكون عليه موسم الحصاد، فيقدرون منه إيراد الحكومة في العام المقبل، ويخصصون لكل مصلحة من المصالح ما سيكون لها من نصيب في هذا الإيراد؛ وكان عليهم فوق ذلك أن يشرفوا على شئون الصناعة والتجارة. ولقد أفلحوا من بداية التاريخ تقريباً في وضع نظام اقتصادي تشرف الدولة عليه (٧٨).
وكانت القوانين المدنية والجنائية غاية في الرقي، كما كانت القوانين الملكية والميراث من أيام الأسرة الخامسة قوانين مفصلة دقيقة (٧٩). وكان الناس جميعاً متساوين مساواة تامة أمام القانون كما هم متساوون أمامه في هذه الأيام- أي متى كان الطرفان المتنازعان متساوين في الموارد وفي النقود. وأقدم وثيقة قانونية في العالم كله عريضة دعوى محفوظة الآن في المتحف البريطاني تعرض على المحكمة قضية من قضايا الميراث المعقدة. وكان القضاة يطلبون أن يُترافع في القضايا، وأن يرد على حجج المترافعين، وأن يناقش أصحابها ويحاجون، على ألا يكون ذلك كله خطبا تلقى بل مذكرات مكتوبة تقدم للقضاة- وهو نظام لا يقل في شأنه عن نظام التقاضي المعقد في هذه الأيام. وكان الحانث في يمينه يعاقب بالإعدام (٨٠). وكان للمصريين محاكم منظمة مختلفة الدرجات تبدأ من
стр. 281
مجالس الحكم المحلية في المقاطعات وتنتهي بالمحاكم العليا في منف أو طيبة أو عين شمس (٨١). وكانوا يلجئون إلى التعذيب في بعض الأحيان لحمل المجرم على الاعتراف بالحق (٨٢). وكان الضرب بالعصا من أنواع العقاب الشائعة، وكانوا يلجئون في بعض الأحيان إلى عقاب المذنب بجدع أنفه أو قطع يده أو لسانه (٨٣)، أو نفيه إلى أقاليم المناجم، أو إعدامه بالشنق أو بالمخزق، أو بقطع رأسه أو بإحراقه مصلوباً. وكان أشد ضروب العقاب هو تحنيط المعاقب حياً، أو إحاطته بطبقة من النطرون القارض تأكل جسمه أكلاً بطيئاً (٨٤). وكان المجرمون من علية القوم يجنبون عار الإعدام علنا بأن يسمح لهم بقتل أنفسهم بأيديهم كما تفعل طبقة الساموراي في اليابان (٨٥). ولم يُعثر على شواهد يستدل منها على وجود نظام للشرطة، وحتى الجيش العامل- وقد كان على الدوام صغير الحجم لأن في عزلة مصر وموقعها بين الصحراء والبحر ما يرد عنها المغيرين- قلما كان يستخدم لحفظ النظام في داخل البلاد.
ذلك أن الحياة والملكية، والاطمئنان إلى سلطان القانون والحكومة تكاد تعتمد كل الاعتماد على هيبة الملك، وكانت المدارس والهياكل دعامة هذه الهيبة وليس في العالم كله أمة غير مصر- إذا استثنينا الأمة الصينية- جرؤت على أن تعتمد كل هذا الاعتماد على العوامل النفسية لحفظ الأمن في البلاد.
لقد كانت الحكومة المصرية من أحسن الحكومات نظاماً، وكانت أطول حياة من أية حكومة أخرى في التاريخ. وكان الوزير على رأس الإدارة كلها، يشغل منصب رئيس الوزراء، وقاضي القضاة، ورئيس بيت المال، وكان الملجأ الأخير للمتقاضين لا يعلو عليه في هذا إلا الملك نفسه. وترى الوزير في نقش على أحد القبور يخرج من بيته في الصباح الباكر "ليستمع إلى مظالم الفقراء ويصغي " كما هو وارد في النقش " إلى ما يقول الناس في مطالبهم، لا يميز فيها بين الحقير والعظيم" (٨٦). وقد وصلت إلينا بردية مدهشة من عهد الإمبراطورية
стр. 282
تحتوى كما تقول هي نفسها على صورة الخطاب الذي كان يلقيه الملك حين يعين الوزير في منصبه (ولربما كان هذا الخطاب قطعة أدبية من وضع كاتبها نفسه):
"اجعل عينك على مكتب الوزير؛ وراقب كل ما يحدث فيه. واعلم أنه هو الدعامة التي تستند إليها جميع البلاد … ليست الوزارة حلوة، بل هي مرة. واعلم أنها ليست إظهار الاحترام الشخصي للأمراء والمستشارين؛ وليست وسيلة لاتخاذ الناس أيا كانوا عبيدا. انظر، إذا جاءك مستنصف من مصر العليا أو السفلى، فاحرص على أن يجري القانون مجراه في كل شيء، وأن يتبع في كل شيء العرف السائد في بلده، وأن (يعطي كل إنسان) حقه … واعلم أن المحاباة بغيضة إلى الإله … فانظر إلى من تعرفه نظرتك إلى من لا تعرفه، وإلى المقربين إلى الملك نظرتك إلى البعيدين عن (بيته). انظر، إن الأمير الذي يفعل هذا سيبقى هنا في هذا المكان. وليكن ما يخافه الناس من الأمير أنه يعدل في حكمه. ارع القواعد المفروضة عليك" (٨٧).
وكان الملك نفسه هو المحكمة العليا، يستطاع رفع كل قضية إليه في أحوال معينة، إذا لم يعبأ المدعى بما يطلبه رفعها إليه من النفقات. وتمثل بعض النقوش القديمة " البيت الأعظم " الذي يجلس فيه للحكم والذي تتجمع فيه دواوين الحكومة. وقد اشتقت من اسم هذا البيت الأعظم الذي كان المصريون يطلقون عليه لفظ "بيرو" والذي ترجمه اليهود إلى فرعوه، اشتق من اسمه هذا لقب الملك نفسه. وفي هذا البيت كان الملك يضطلع بواجبة الشاق الرتيب من الأعمال التنفيذية، التي كانت في بعض الأحيان لا تقل في كثرتها وفيما تتطلبه من جهود عن أعمال شندرا جويتا (١) أو لويس الرابع عشر أو نابليون (٨٨). وكان الملك إذا سافر قابله أمراء الإقطاع عند حدود إقطاعاتهم، وساورا في ركابه، وأولموا له
стр. 283
الولائم، وقدموا له من الهدايا ما يتناسب مع ما ينتظرونه منه. وقد جاء في أحد النقوش أن نبيلا من النبلاء أهدى أمنحوتب الثاني " عربات من الفضة والذهب وتماثيل من العاج والأبنوس، وجواهر، وأسلحة وتحفا فنية " و ٦٨٠ درعاً، و ١٤٠ خنجراً من البرنز ومزهريات كثيرة من المعادن الثمينة (٨٩). وجازاه الملك على هذا بأن أخذ ابنه معه ليعيش في قصره- وهي طريقة ماكرة لاتخاذه رهينة يضمن بها ولاء هذا الشريف. وكان يتألف من أكبر رجال البلاط سناً مجلس شيوخ يسمى سارو أي مجلس العظماء مهمته أن يكون مجلساً استشارياً للملك (٩٠). على أن هذه الاستشارة لم تكن في الواقع ضرورية لأن الملك ومن ورائه الكهنة كان يدعى أنه من سلالة الآلهة وأن الآلهة نفسها قد وهبته السلطة والحكمة. وكان اتصاله بالآلهة على هذا النحو مصدر نفوذه وهيبته. ومن أجل هذا كانت تخلع عليه إذا خوطب صفات من الإجلال يدهش لها الإنسان أحيانا. من ذلك ما جاء في قصة سنوحى إذ يحييه مواطن صالح بقوله: "أيها الملك الطويل العمر أرجو أن تهب الواحدة الذهبية (أي الإلهة حتحور) الحياة لأنفك" (٩١).
وكان يقف على خدمة الملك- كما يليق بشخص هذه عظمته- عدد كبير من مختلف الأعوان منهم القوّاد، وغاسِلو الملابس، وقُصّارها، وحراس خزائنها، وغيرهم من ذوي المراتب الرفيعة. وكان عشرون من الموظفين يشتركون في تزيينه، منهم حلّاقون لا يسمح لهم إلا بقص شعره وحلْق لحيته، وآخرون لإلباسه قلنسوته وتاج رأسه، ومدرمون يقصون أظافره ويدرمونها، ومعطرون يعطرون جسمه ويكحلون جفون عينيه، ويحمرون خديه وشفتيه بالصبغة الحمراء (٩٢). وجاء في نقش على أحد القبور أن صاحب القبر كان "المشرف على صندوق دهان الشعر والوجه، المسيطر على الدهان، حامل ُخفي الملك، والذي يعني بخفيه العناية التي يرضاها القانون" (٩٣). وكان الانحلال والضعف عاقبة هذا التنعم المفرط، وكان الملك يلجأ في بعض الأحيان إلى الترويح عن نفسه وإزالة ما يعتريه من ملل
стр. 284
وسآمة بحشد طائفة من الفتيات في قاربه الملكي وليس عليهن من الثياب إلا نوع من الشباك ذات الثقوب الواسعة. وكان الترف الذي انغمس فيه أمنحوتب الثالث هو الذي مهد السبيل لثورة إخناتون.
٤ - القانون الأخلاقي
مضاجعة الملك لأقاربه - الحريم - الزواج - مركز المرأة - سلطان
الأم في مصر - القوانين الأخلاقية الخاصة بعلاقة الرجال والنساء
لقد كانت حكومة مصر شبيهة بحكومة نابليون حتى في مضاجعة الملك لأقاربه، وكثيراً ما كان الملك يتزوج أخته، بل كان يحدث أحيانا أن يتزوج ابنته، ليحتفظ بالدم الملكي نقيا خالصا من الشوائب. وليس من اليسير أن نحكم هل أضعفت هذه العادة قوة نسل الملوك أو لم تضعفه؟ لكننا لا نشك في أن مصر لم تكن تعتقد هذا بعد أن ظلت تسير عليه عدة آلاف من السنين، وانتقلت عادة الزواج بالأخوات من الملوك إلى عامة الشعب حتى وجد في القرن الثاني بعد الميلاد أن ثلثي سكان أرسينوئي يسيرون على هذه السُنّة (٩٤). وكان معنى لفظي أخ وأخت في الشعر المصري القديم كمعنى حبيب وحبيبة في أيامنا هذه (٩٥). وكان للملك فضلا عن أخواته عدد كبير من النساء من أسيرات الحروب وبعضهن من بنات الأعيان أو ممن أهداهن إليه الأقيال الأجانب. من ذلك أن أحد أمراء بلاد "نهرينا" أهدى إلى أمنحوتب الثالث ابنته الكبرى وثلاثمائة من صفوة الفتيات (٩٦). وقد حذا بعض النبلاء حذو الملوك في هذا الإسراف وإن لم يبلغوا فيه مبلغهم، فقد كان عليهم أن يوفقوا في هذه الناحية بين مبادئهم الخلقية ومواردهم المالية.
أما عامة الشعب فكان شأنهم شأن ذوي الدخل المتوسط في سائر الأمم، يقنعون بزوجة واحدة. ويلوح أن الحياة العائلية كانت منظمة، ذات مستوى
стр. 285
رفيع من الوجهة الأخلاقية ومن حيث سلطان الأبوين، ولا تقلّ في هذا عنها في أرقى الحضارات في هذه الأيام. وكان الطلاق نادراً إلا في عهد الاضمحلال. وكان في مقدور الزوج أن يخرج زوجته من داره دون أن يعوضها بشيء إذا زَنَت؛ أما إذا طلقها لغير هذا السبب فكان عليه أن يخصص لها جزءاً كبيرا من أملاك الأسرة.
كذلك كان الأزواج يبذلون قصارى جهدهم في الإخلاص لزوجاتهم- على قدر ما يستطيع الإنسان أن يحكم في هذه الأمور الخفية. ولم يكن مستواهم في هذا أقل منه في المدنيات اللاحقة، وكان مركز المرأة عندهم أرقى من مركزها عند كثير من الأمم في هذه الأيام. وفي ذلك يقول ماكس ملر: "ليس ثمة شعب قديم أو حديث قد رفع منزلة المرأة مثل ما رفعها سكان وادي النيل" (٩٧). فالنقوش تصور النساء يأكلن ويشربن بين الناس، ويقضين ما يحتجنه من المهام في الشوارع من غير رقيب عليهن ولا سلاح بأيديهن، ويمارسن الأعمال الصناعية والتجارية بكامل حريتهن. ولشد ما دهش الرحالة اليوناني- وقد اعتادوا أن يضيقوا على نسائهم السليطات- من هذه الحرية، وأخذوا يسخرون من الأزواج المصريين الذين تتحكم فيهم زوجاتهم. ويقول ديودور الصقلي- ولعله يهدف بقوله هذا إلى السخرية من المصريين- إن طاعة الزوج لزوجته في وادي النيل كانت من الشروط التي تنص عليها عقود الزواج (٩٨)، وهو شرط لا ضرورة للنص عليه في أمريكا! وكان النساء يمتلكن ويورثن، كما تشهد بذلك وثيقة من أقدم الوثائق في التاريخ، وهي وصية من عهد الأسرة الثالثة توصي فيها السيدة نب- سنت بأرضها لأبنائها (٩٩). وقد ارتقت حتشبسوت وكليوبطرة عرش مصر، وحكمتا وخربتا كما يحكم الملوك ويخربون.
على أننا نجد أحيانا نغمة ساخرة في الآداب المصرية. من ذلك ما كتبه رجل من رجال الأخلاق الأقدمين يحذر قراءه منهن: