الكهنة أدعية وصلوات وصيغاً وتعاويذ من شأنها أن تهدئ من غضب أوزير، بل أن تخدعه. فإذا ما وصلت روح الميت إلى أوزير بعد أن تجتاز العدد الكبير من الصعاب والأخطار، خاطبت القاضي الأكبر بما يشبه هذه الأقوال:
أيا من يعجل سير جناح الزمان،
يا من يسكن في كل خفايا الحياة،
يا من يحصى كل كلمة أنطق بها -
انظر إنك تستحي مني، وأنا ولدك؛
وقلبك مفعم بالحزن والخجل،
لأني ارتكبت في العالم من الذنوب ما يفعم القلب حزناً،
وقد تماديت في شروري واعتدائي.
ألا فسالمني، ألا فسالمني،
وحطم الحواجز القائمة بينك وبيني!
ومر بأن تُمحى كل ذنوبي وتسقط
منسية عن يمينك وشمالك!
أجل امح كل شروري
وامح العار الذي يملأ قلبي
حتى نكون أنت وأنا من هذه اللحظة في سلام
ومن الطرق الأخرى أن تعلن الروح براءتها من الذنوب الكبرى في صورة "اعتراف سلبي". وهذا الاعتراف من أقدم وأنبل ما عبر به الإنسان عن مبادئه الأخلاقية:
"سلام عليك، أيها الإله الأعظم، رب الصدق والعدالة! لقد وقفت أمامك، يا رب؛ وجيء بي لكي أشاهد ما لديك من جمال … أحمل إليك
стр. 352
الصدق … إني لم أظلم الناس … لم أظلم الفقراء … لم أفرض على رجل حر عملاً أكثر مما فرضه هو على نفسه … لم أهمل، ولم أرتكب ما تبغضه الآلهة … ولم أكن سببا في أن يسيء السيد معاملة عبده؛ ولم ُأمِت إنساناً من الجوع؛ ولم أُبكِ أحداً ولم أقتل إنساناً … ولم أخن أحداً … ولم ُأنقِص شيئاً من مؤونة الهيكل، ولم أتلف خبز الآلهة … ولم أرتكب عملاً شهوانيا داخل أسوار المعبد المقدسة … ولم أكفر بالآلهة … ولم أغش في الميزان … ولم أنتزع اللبن من أفواه الرضع … ولم أصطد بالشباك طيور الآلهة … أنا طاهر، أنا طاهر، أنا طاه" (٢٥٢).
على أن الدين المصري لم يكن فيه ما يقوله عن الأخلاق إلا الشيء القليل؛ ذلك أن الكهنة قد صرفوا كل همهم إلى بيع الرقى، وغمغمة العزائم، وأداء المراسيم والطقوس السحرية، فلم يجدوا متسعاً من الوقت لتعليم الناس المبادئ الخلقية. بل إن كتاب قصة الموتى نفسه ليعلم المؤمنين أن الرقى التي باركها الكهنة تتغلب على جميع ما عساه أن يعترض روح الميت من صعاب في طريقها إلى دار السلام؛ وأهم ما يؤكده هذا الكتاب هو تلاوة الأدعية لا الحياة الطيبة الصالحة. وقد جاء في أحد هذه الملفات: "إذا ما عرف الميت هذا خرج في النهار" أي حيى الحياة الخالدة. ووضعت صيغ التمائم والرقى وبيعت لتخلص الناس من كثير من الذنوب، وتضمن للشيطان نفسه دخول الجنة. وكان من واجب المصري التقي أن يتلو في كل خطوة من خطواته صيغاً عجيبة يتقي بها الشر ويستنزل بها الخير. استمع مثلا إلى ما تقوله أم وآلهة تريد أن تبعد "الشياطين" عن طفلها:
"أخرج يا من تأتي في الظلام، وتدخل خلسة … هل أتيت لتقبل هذا الطفل؟ لن أسمح لك بتقبيله … هل أتيت لتأخذه؟ لن أسمح لك بأخذه مني. لقد حصنته منك بعشب- إفيت الذي يؤلمك؛ وبالبصل الذي يؤذيك؛ وبالشهد الذي هو حلو المذاق للأحياء ومر في فم الأموات؛ وبالأجزاء الخبيثة من سمك الإبدو، وبالسلسلة الفقرية من سمك النهر (٢٥٣).
стр. 353
وكانت الآلهة نفسها تستخدم السحر والرقى ليؤذي بعضها بعضاً. وأدب مصر القديم نفسه يفيض بذكر السحرة، السحرة الذين يجففون البحيرات بكلمة ينطقون بها، أو يجعلون الأطراف المقطوعة تقفز إلى أماكنها، أو يحيون الموتى (٢٥٤). وكان للملك سحرة يعينونه ويرشدونه؛ وكان الاعتقاد السائد أن له هو نفسه قوة سحرية ينزل بها المطر، أو يرفع بها الماء في النهر (٢٥٥). وكانت الحياة مملوءة بالطلاسم والعزائم، والرجم بالغيب؛ وكان لابد لكل باب من إله يخيف الأرواح الخبيثة، أو يطرد ما عساه يقترب منه من أسباب الشؤم؛ وكانوا يعتقدون اعتقادا ثابتاً أن الأطفال الذين يولدون في اليوم الثالث والعشرين من شهر توت سيموتون لا محالة وهم صغار، وأن الذين يولدون في اليوم العشرين من شهر شرباخ سيفقدون أبصارهم في مستقبل أيامهم (٢٥٦). ويقول هيرودوت أن كل يوم وكل شهر مخصص لإله من الآلهة، وأن المصريين كانوا يعينون ما سوف يقع لكل شخص منهم في حياته حسب اليوم الذي ولد فيه، فيعرفون كيف يموت، وماذا سيكون في مستقبل أيامه (٢٥٧). ونسي الناس على مر الزمان ما بين الدين والأخلاق من صلات فلم تكن الحياة الصالحة هي السبيل إلى السعادة الأبدية، بل كان السبيل إليها هو السحر والطقوس وإكرام الكهنة. وإلى القارئ ما يقوله في هذا عالم كبير من علماء الآثار المصرية:
"ومن ثم تضاعفت الأخطار التي تكتنف الدار الآخرة، وكان في وسع الكاهن أن يمد الموتى في كل موقف من المواقف الخطرة برقية قوية تنقذه منه لا محالة. وكان لديهم، فضلا عن الرقى الكثيرة التي يستطيع بها الموتى أن يصلوا إلى الدار الآخرة، رقى أخرى تمنع الميت أن يفقد فمه أو قلبه، ورقى غيرها يستطيع بها أن يذكر اسمه، وأن يتنفس، ويأكل ويشرب ويتَّقي أكل فضلاته، ومنها ما يمنع الماء الذي يشربه أن يستحيل لهبا، ومنها ما يحيل الظلام نوراً، ومنها ما يرد عنه الأفاعي وغيرها من الهولات المعادية؛ وما إلى ذلك …
стр. 354
وهكذا فوجئنا بانقطاع أسباب التدرج في نمو المبادئ الأخلاقية التي نستطيع تبينها في الشرق القديم أو على الأقل بوقف هذا النمو إلى حين. ويرجع هذا إلى الأساليب البغيضة التي لجأت إليها طائفة فاسدة من الكهنة حريصة كل الحرص على الكسب من أهون سبيل" (٢٥٨).
تلك كانت حالة الدين في مصر حين ارتقى العرش إخناتون الشاعر المارق وأجج نار الثورة الدينية التي قضت على الإمبراطورية المصرية.
стр. 355
الفصل الرابع
الملك المارق
أخلاق إخناتون - الدين الجديد - ترنيمة الشمس - التوحيد -
العقيدة الجديدة - الفن الجديد - الارتكاس - نفرتيتي -
تفكك الإمبراطورية - موت إخناتون
في عام ١٣٨٠ ق. م مات أمنحوتب الثالث الذي خلف تحتمس الثالث على عرش مصر بعد حياة حافلة بالعظمة والنعيم الدنيوي، وخلفه ابنه أمنحوتب الرابع الذي شاءت الأقدار أن يعرف باسم إخناتون. ولدينا تمثال نصفي لهذا الملك واضح المعارف، عثر عليه في تل العمارنة، ومنه نحكم بأنه كان شخصاً نحيل الجسم إلى حد لا يكاد يصدقه العقل، ذا وجه نسائي في رقته، شاعري في أحاسيسه. وكانت له جفون كبيرة كجفون الحالمين الخياليين، وجمجمة طويلة شوهاء، وجسم نحيل ضعيف. وملاك القول أنه كان شاعراً شاءت الأقدار أن تجعل منه ملكاً.
ولم يكد يتولى الملك حتى ثار على دين آمون وعلى الأساليب التي يتبعها كهنته. فقد كان الهيكل العظيم بالكرنك طائفة كبيرة من النساء يتخذن سراري لآمون في الظاهر، وليستمتع بهن الكهنة في الحقيقة (٢٥٨).
وكان الملك الشاب في حياته الخاصة مثالاً للطهر والأمانة، فلم يرضه هذا العهر المقدس؛ وكانت رائحة دم الكبش الذي يقدم قرباناً لآمون كريهة نتنة في خياشيمه كما كان اتجار الكهنة في السحر والرقى، واستخدامهم نبوءات آمون للضغط على الأفكار باسم الدين، ولنشر الفساد السياسي (٢٥٩)، مما تعافه نفسه، فثار على ذلك كله ثورة عنيفة، وقال في هذا: "إن أقوال الكهنة لأشد إثماً من
стр. 356
كل ما سمعت حتى السنة الرابعة (من حكمه)؛ وهي أشد إثماً مما سمعه الملك أمنحوتب الثالث" (٢٦٠)، وثارت روحه الفتية على الفساد الذي تدهور إليه دين شعبه، وكره المال الحرام والمراسم المترفة التي كانت تملأ الهياكل، وأحفظه ما كان لطائفة الكهنة المرتزقة من سيطرة على حياة الأمة. ثار الرجل على هذا كله ثورة الشعراء، فلم يقبل تراضياً ولم يقنع بأنصاف الحلول، وأعلن في شجاعة أن هاتيك الآلهة وجميع ما في الدين من احتفالات وطقوس كلها وثنية منحطة، وأن ليس للعالم إلا إله واحد هو- آتون.
ورأى إخناتون- كما رأى أكبر في الهند من بعده بثلاثين قرناً- أن الألوهية أكبر ما تكون في الشمس مصدر الضوء وكل ما على الأرض من حياة.
ولسنا نعلم هل أخذ نظريته هذه عن بلاد الشام، أو ابتدعها من عنده وهل كان آتون مجرد صورة أخرى لأدنيس. وأياً كان أصل هذا الإله فقد ملأ نفس الملك بهجة وسروراً، فاستبدل باسمه الأول أمنحوتب المحتوي على لفظ آمون اسم إخناتون ومعناه "آتون راض"، واستعان ببعض الترانيم القديمة، وبعض قصائد في التوحيد- نشرت في أيام سلفه (١) - فألف أغاني حماسية في مدح آتون، أحسنها وأطولها جميعاً القصيدة الآتية. وهي أجمل ما بقى لدينا من الأدب المصري القديم:
ما أجمل مطلعك في أفق السماء!
أي آتون الحي، مبدأ الحياة؛
فإذا ما أشرقت في الأفق الشرقي
ملأت الأرض كلها بجمالك.
стр. 357
إنك جميل، عظيم، براق، عال فوق كل الرؤوس،
أشعتك تحيط بالأرض، بل بكل ما صنعت،
إنك أنت رِى، وأنت تسوقها كلها أسيرة؛
وإنك لتربطها جميعاً برباط حبك.
ومهما بعدت فإن أشعتك تغمر الأرض؛
ومهما علوت، فإن آثار قدميك هي النهار،
وإذا ما غربت في أفق السماء الغربي
خيم على الأرض ظلام كالموت،
ونام الناس في حجراتهم،
وعصبت رؤوسهم،
وسدت خياشيمهم،
ولم ير واحد منهم الآخر،
وسرق كل متاعهم،
الذي تحت رؤوسهم،
ولم يعرفوا هم هذا.
وخرج كل أسد من عرينه
ولدغت الأفاعي كلها …
وسكن العالم بأجمعه
لأن الذي صنعها يستريح في أفق سمائه.
ما أبهى الأرض حيت تشرق في الأفق،
وحين تضيء يا آتون بالنهار
تدفع أمامك الظلام.
وإذا ما أرسلت أشعتك
стр. 358
أضحت الأرضان في أعياد يومية،
واستيقظ كل من عليهما ووقفوا على أقدامهم
حين رفعتهم.
فإذا غسلوا أجسامهم، لبسوا ملابسهم،
ورفعوا أيديهم يمجدون طلوعك،
وأخذوا في جميع أنحاء العالم يؤدون أعمالهم،
واستراحت الأنعام كلها في مراعيها،
وازدهر الشجر والنبات،
ورفرفت الطيور في مناطقها،
وأجنحتها مرفوعة تسبح بحمدك.
ورقصت كل الأغنام وهي واقفة على أرجلك،
وطار كل ذي جناحين،
كلها تحيا إذا ما أشرقت عليها،
وأقلعت السفائن صاعدة ونازلة،
وتفتحت كل الطرق لأنك قد طلعت.
وإن المسك في النهر ليقفز أمامك،
وإن أشعتك لفي وسط البحر العظيم الأخضر،
يا خالق الجرثومة في المرأة،
ويا صانع النطفة في الرجل،
ويا واهب الحياة للابن في جسم أمه،
ويا من يهدئه فلا يبكي،
يا من يغذيه حتى وهو في الرحم،
يا واهب الأنفاس يا من ينعش كل من يصنعه!
стр. 359
وحين يخرج من الجسم … في يوم مولده
تفتح أنت فاه لينطق،
وتمده بحاجاته،
والفرخ حين يزقزق في البيضة
تهبه النفس فيها لتحفظ له حياته
فإذا ما وصلت به،
إلى النقطة التي عندها تكسر البيضة
خرج من البيضة، ليغرد بكل ما فيه من قوة
ويمشي على قدميه
ساعة يخرج منها.
ألا ما أكثر أعمالك
الخافية عليا.
أيها الإله الأوحد الذي ليس لغيره سلطان كسلطانه،
يا من خلقت الأرض كما يهوى قلبك
حين كنت وحيداً.
إن الناس والأنعام كبيرها وصغيرها،
وكل ما على الأرض من دابة،
وكل ما يمشي على قدمين،
وكل ما هو في العلا
ويطير بجناحيه،
والبلاد الأجنبية من سوريا إلى كوش
وأرض مصر،
إنك تضع كل إنسان في موضعه
стр. 360
وتمدهم بحاجاتهم …
أنت موجد النيل في العالم السفلي،
وأنت تأتي به كما تحب
لتحفظ حياة الناس …
ألا ما أعظم تدبيرك
يا رب الأبدية!
إن في السماء نيلاً للغرباء
ولما يمشي على قدميه من أنعام كل البلاد.
إن أشعتك تغذي كل الحدائق،
فإذا ما أشرقت سرت فيها الحياة،
فأنت الذي تنميها.
أنت موجد الفصول
لكي تخلق كل أعمالك
خلقت الشتاء لتأتي إليها بالبرد،
وخلقت الحرارة لكي تتذوقك.
وأنشأت السماء البعيدة، وأشرقت فيها
لتبصر كل ما صنعت،
أنت وحدك تسطع في صورة آتون الحي.
تطلع، وتسطع، وتبتعد، وتعود،
إنك تصنع آلاف الأشكال
منك أنت وحدك؛
من مدائن، وبلاد، وقبائل؛
وطرق كبرى وأنهار،
стр. 361
كل الأعين تراك أمامها،
لأنك أنت آتون النهار فوق الأرض …
* * *
إنك في قلبي
وما من أحد يعرفك
إلا ابنك إخناتون.
لقد جعلته حكيماً
بتدبيرك وقوتك.
إن العالم في يدك
بالصور التي خلقته عليها،
فإذا أشرقت دبت فيه الحياة
وإذا غربت مات؛
لأنك أنت نفسك طول الحياة
والناس يستمدون الحياة منك
مادامت عيونهم تتطلع إلى سناك
حتى تغيب.
فتقف كل الأعمال
حين تتوارى في المغرب …
* * *
أنت أوجدت العالم،
وأقمت كل ما فيه لابنك …
إخناتون، ذي العمر المديد؛
ولزوجه الملكية الكبرى محبوبته،
стр. 362
سيدة القطرين
نفر- نفر- آتون، نفرتيتي،
الباقية المزدهرة أبد الآبدين.
وليست هذه القصيدة من أولى قصائد التاريخ الكبرى فحسب، بل هي فوق ذلك أول شرح بليغ لعقيدة التوحيد، فقد قيلت قبل أن يجيء إشعيا بسبعمائة عام (١) كاملة. ولعل عقيدة التوحيد هذه كانت صدى لوحدة عالم البحر الأبيض المتوسط تحت حكم مصر في عهد تحتمس الثالث، كما يقول برستد (٢٦٥). ويرى إخناتون أن إلهه رب الأمم كلها، بل إنه في مديحه ليذكر قبل مصر غيرها من البلاد التي يوليها الإله عنايته. ألا ما أعظم الفرق بين هذا وبين العهد القديم عهد آلهة القبائل! ثم ناظر إلى ما في القصيدة من مذهب حيوي: إن آتون لا يوجد في الوقائع والانتصارات الحربية، بل يوجد في الأزهار والأشجار وفي جميع صور الحياة والنماء؛ وآتون هو الفرحة التي تجعل الخراف الصغرى "ترقص فوق أرجلها" والطير "ترفرف في مناقعها".
وليس الإله إنساناً في صورة البشر دون غيرها من الصور، بل إن هذا الإله الحق هو خالق حرارة الشمس ومغذيها؛ وليس ما في الكرة المشرقة والآفلة من مجد ملتهب إلا رمزاً للقدرة الغائبة. على أن هذه الشمس نفسها تصبح في نظر إخناتون "رب الحب" لما لها من قدرة شاملة مخصبة مباركة؛ وهي فوق ذلك المرضع الحنون التي "تخلق في المرأة الطفل- الرجل" والتي "تملأ قطري مصر بالحَب". وهكذا يصبح آتون آخر الأمر رمزاً للأبوة الجزعة القلقة الرحيمة الرقيقة القلب؛ ولم يكن كيهوه، رب الجيوش، بل كان رب الرحمة والسلام (٢٦٦).
стр. 363
ومن مآسي التاريخ أن إخناتون بعد أن حقق حلمه العظيم حلم الوحدانية العامة التي سمت بالبشرية إلى الدرجات العُلى لم يترك ما في دينه الجديد من صفات نبيلة يسري في قلوب الناس ويستميلها إليه على مهل، بل عجز عن أن يفكر في الحقائق التي جاء بها تفكيراً يتناسب مع الواقع. لقد خال أن كل دين وكل عبادة عدا عقيدته وعبادته فحش وضلال لا يطاق. فأصدر أمره على حين غفلة بأن تمحى من جميع النقوش العامة أسماء الآلهة كلها إلا اسم آتون، وشوه اسم أبيه بأن محا كلمة آمون من مئات الآثار، وحرم كل دين غير دينه، وأمر أن تغلق جميع الهياكل القديمة. وغادر طيبة لأنها مدينة نجسة، وأنشأ له عاصمة جديدة جميلة في إخناتون "مدينة أفق آتون". وما لبثت طيبة أن تدهورت بعد أن أخرجت منها دور الحكومة- وخسرت رواتب الموظفين، وأضحت إخناتون حاضرة غنية أقيمت فيها المباني الجديدة- ونهض الفن بعد أن تحرر من أغلال الكهنة والتقاليد. ولقد كشف السير وليم فلندرز بيتري في تل العمارنة- وهي قرية حديثة أنشئت في موقع إخناتون القديمة- طواراً جميلاً تزينه صور الطيور، والسمك وغيرهما من الحيوانات، رسمت كلها أدق رسم وأجمله (٢٦٧). ولم يفرض إخناتون على الفن قيوداً بل كل ما فعله من هذا القبيل أن حرم على الفنانين أن يرسموا صوراً لآتون، لأن الإله الحق في اعتقاده لا صورة له، وما أسمى هذه من عقيدة (٢٦٨). ثم ترك الفن بعدئذ حراً طليقاً، عدا شيئا واحداً آخر، وهو أنه طلب إلى فنانيه: بِك، وأوتا، ونتموز، أن يمثلوا الأشياء كما يرونها، وأن يغفلوا العرف الذي جرى عليه الكهنة. وصدع هؤلاء بأمره، وصوروه هو نفسه في صورة شاب ذي وجه ظريف رقيق رقة تكاد تبلغ حد الوجل، ورأس مستطيل مسرف في الطول، واسترشدوا في تصويرهم بعقيدته الحيوية في إلهه، فصوروا كل الكائنات الحية نباتية كانت أو حيوانية في تفصيل ينم عن حب وعطف عظيمين، ودقة لا تسمو عليها دقة
стр. 364
في أي مكان أو زمان (٢٦٩). وكان من أثر هذا أن ازدهر الفن أعظم ازدهار لأن الفن في جميع العصور يحس بآلام المسغبة والقتام.
ولو أن إخناتون كان ذا عقل ناضج لأدرك أن ما يريده من خروج على تعدد الآلهة القديم المتأصل في عادات الناس وحاجاتهم، إلى وحدانية فطرية تخضع الخيال للعقل، لأدرك أن هذا تغيير أكثر من أن يتم في زمن قصيرة؛ وإذن لسار في عمله على مهل وخفف من حدة الانتقال بأن جعله على مراحل تدريجية. ولكنه كان شاعراً لا فيلسوفاً، فاستمسك بالحقيقة المطلقة فتصدع بذلك جميع بناء مصر وانهار على أم رأسه.
ذلك أنه ضرب ضربة واحدة جرد بها طائفة غنية قوية من ثرائها فأغضبها عليه، وحرم عبادة الآلهة التي جعلتها العقيدة والتقاليد عزيزة على الناس. ولما أن محا لفظ آمون من اسم أبيه خيل إلى الناس أن هذا العمل زيغ وضلال، إذ لم يكن شيء أعز عليهم من تعظيم الموتى من أسلافهم. وما من شك في أن إخناتون قد استخف بقوة الكهنة وعنادهم، وتغالي في قدرة الشعب على فهم الدين الفطري. وقام الكهنة من وراء الستار يأتمرون ويتأهبون، وظل الناس في دورهم وعزلتهم يعبدون آلهتهم القديمة المتعددة. وزاد الطين بلة أن مئات الحرف التي لم تكن لها حياة إلا على حساب الهياكل أخذت تزمجر في السر غضباً على الملك الزنديق، بل إن وزرائه وقواده بين جدران قصوره كانوا يحقدون عليه ويتمنون موته. ألم يكن هو الرجل الذي ترك الدولة تنهار وتتقطع أوصالها بين يديه؟.
وكان الشاعر الفتى في هذه الأثناء يعيش عيشة البساطة والاطمئنان. وكانت له سبع بنات ولكنه لم يكن له ولد ذكر. مع أن القانون كان يجيز له أن
стр. 365
يطلب وارثاً ذكراً من زوجة ثانية، فإنه لم يقدم على هذا الحل، وآثر على أن يظل وفياً لنفرتيتي. ولقد وصلت إلينا تحفة صغيرة من عهده تظهره يحتضن الملكة؛ كما أجاز لمصوريه أن يرسموه في عربة يسير بها في الشوارع يلهو ويطرب مع زوجته وبناته. وكانت الملكة تجلس إلى جانبه في الاحتفالات وتمسك بيده كما كانت بناته يلعبن إلى جانب عرشه. وكان يصف زوجته بأنها: "سيدة سعادته" ويقول "إن الملك يبتهج قلبه حين يسمع صوتها"؛ وكان في قسمه يقسم بهذه الصيغة: "بقدر ما تسعد قلبي الملكة وأطفالها" (٢٧٠). لقد كان حكم هذا الملك فترة من الحنو والعطف وسط ملحمة القوة والسلطان في تاريخ مصر.
وجاءت الرسائل المروعة من الشام (١) تنغص على الملك هذه السعادة الساذجة البريئة، فقد غزا الحيثيون وغيرهم من القبائل المجاورة لهم البلاد التابعة لمصر في الشرق الأدنى. وأخذ الحكام المعيَّنون من قِبَل مصر يلحون في طلب النجدة العاجلة. وتردد إخناتون في الأمر؛ ذلك أنه لم يكن على ثقة من أن حق الفتح يبرر إخضاع هذه الولايات لحكم مصر؛ وكان يكره أن يرسل المصريين ليهلكوا في ميادين القتال البعيدة دفاعاً عن قضية لا يثق بعدالتها. ولما رأت الولايات أنها لا تطلب النجدة من ملك حاكم بل تطلبها من ولي صالح، خلعت حكامها المصريين، وامتنعت في غير جلبة عن أداء شيء من الخراج، وأصبحت حرة مستقلة في جميع شؤونها. ولم يمض من الزمن إلا أقصاه حتى خسرت مصر إمبراطوريتها الواسعة، وانكمشت حتى عادت دولة صغيرة ضيقة الرقعة. وسرعان ما أقفرت الخزانة المصرية التي ظلت قرناً كاملاً تعتمد أكثر ما تعتمد على ما يأتيها من
стр. 366
الجزية الخارجية. ونقصت الضرائب المحلية إلى أقصى حد، ووقف العمل في مناجم الذهب، وعمت الفوضى في جميع فروع الإدارة الداخلية. وألفا إخناتون نفسه فقيراً لا صديق له ولا معين في عالم كان يخيل إليه من قبل أنه كله ملك له. واندلع لهيب الثورة في جميع الولايات التي كانت تابعة لمصر وقامت جميع القوى الداخلية في وجهه تناوئه وتترقب سقوطه.
ولم يكد يتم الثلاثين من عمره حتى توفي في عام ١٣٦٢ ق. م محطم القلب بعد أن أدرك عجزه عن أن يكون مَلِكاً وأيقن أن شعبه غير جدير به.
стр. 367
الفصل الخامس
اضمحلال مصر وسقوطها
توت عنخ آمون - جهود رمسيس الثاني - ثروة الكهنة -
فقر الشعب - فتح مصر - خلاصة في فضل مصر على الحضارة
وبعد عامين من وفاته جلس على العرش توت عنخ آمون زوج ابنته وحبيب الكهنة. وما لبث أن بدل اسمه توت عنخ آتون الذي سماه به حماه، وأعاد عاصمة الملك إلى طيبة، وتصالح مع السلطات الكنسية، وأعلن إلى الشعب المبتهج عودته إلى عبادة الآلهة القديمة. وأزيلت من جميع الآثار القديمة كلمتا آتون وإخناتون، وحرم الكهنة على الشعب أن ينطقوا باسم الملك المارق. وكان الناس إذا تحدثوا عنه سموه: "المجرم الأكبر". ونقشت على الآثار الأسماء التي محاها إخناتون، وأعيدت أيام الأعياد التي ألغاها. وهكذا عاد كل شيء إلى ما كان عليه من قبل.
وفيما عدا هذا حكم توت عنخ آمون حكماً لا ميزة له ولا فضل، ولولا ما كشف في قبره من كنوز لا عهد للناس بها من قبل لما سمع العالم به. وجاء من بعده قائد باسل يدعى حارمحب سير جيوشه على طول الشاطئ وأعاد إلى مصر أملاكها الخارجية وسلمها الداخلي. وجنى سيتي الأول بحكمته ثمار عودة النظام والثروة، وشيد بهو الأعمدة في الكرنك (٢٧٢)، وشرع في نحت هيكل عظيم في صخور أبي سنبل، وخلد عظمته في الأعقاب بالنقوش الفخمة، وكان له الحظ الأكبر في أن رقد في قبر من أحسن قبور مصر زخرفاً وتنميقاً.
ثم ارتقى العرش رمسيس الثاني صاحب الشخصية الروائية العجيبة وآخر الفراعنة العظام. وقلما عرف التاريخ ملكاً أبهى منه منظراً، فقد كان وسيماً
стр. 368
شجاعاً، أضاف إلى محاسنه إحساسه في شبابه بهذه المحاسن ولم تكن جهوده الموفقة في الحرب ليضارعها غير مغامراته في الحب. وبعد أن نحى رمسيس عن العرش أخاً له ذا مطالب جاءت في غير وقتها المناسب، سير حملة إلى بلاد النوبة ليفتح ما فيها من مناجم الذهب، ويملأ به خزانة مصر، واستخدم ما جاءته به هذه الحملة من أموال لإخضاع الولايات الآسيوية التي خرجت على مصر وقضى ثلاث سنين في إخضاع فلسطين؛ ثم وصل زحفه والتقى عند قادش (١٢٨٨ ق. م) بجيش عظيم جمعه الأحلاف الآسيويون. بدل بشجاعته وبراعة قيادته هزيمة محدقة به نصراً مؤزراً. ولربما كان من نتائج هذه الحملات أن جيء إلى مصر بعدد كبير من اليهود عبيداً أو مهاجرين؛ ويعتقد بعضهم أن رمسيس الثاني هو بعينه فرعون موسى الذي ورد ذكره في سفر الخروج (٢٧٣). وأمر أن تخلد انتصاراته بغير قليل من المبالغة والتحيز على خمسين جداراً أو نحوها، وكلف أحد الشعراء بأن يشيد بذكره في ملحمة شعرية، وكافأ نفسه على أعماله ببضع مئات من الزوجات. وخلف بعد وفاته مائة ولد وخمسين بنتاً ليبرهن على رجولته بعدد هؤلاء الأبناء وبنسبة الذكور منهم إلى الإناث. وتزوج عدداً من بناته حتى يكن لهن أيضاً أبناء عظماء. وكان أبنائه ومن تناسل منهم من الكثرة بحيث تألفت منهم طبقة خاصة في مصر بقيت على هذه الحال أربعة قرون، وظل حكام مصر يختارون من هذه الطبقة أكثر من مائة عام.
والحق أنه كان جديراً بهذا كله، فقد حكم مصر كما يلوح حكماً موفقاً. ولقد أسرف في البناء إسرافاً كان من نتائجه أن نصف ما بقي من العمائر المصرية يعزى إلى أيام حكمه. وأتم بناء البهو الرئيسي في الكرنك، وأضاف أبنية جديدة إلى معبد الأقصر وشاد ضريحه الكبير المعروف بالرمسيوم في غرب النهر، وأتم الهيكل العظيم المنقور في الجبل عند أبي سنبل، ونثر تماثيل له ضخمة في طول البلاد وعرضها. وراجت التجارة في عهده عن طريق
стр. 369
برزخ السويس والبحر الأبيض المتوسط، واحتفر ترعة أخرى توصل النيل بالبحر الأحمر، ولكن الرمال السافية طمرته بعد وفاته بزمن قليل. وأسلم رمسيس الروح في عام ١٢٢٥ ق. م وهو في التسعين من عمره، بعد عهد يعد من أشهر العهود في التاريخ.
ولم يكن في البلاد سلطة بشرية تعلو فوق سلطته إلا سلطة الكهنة. ثم قام النزاع في مصر كما قام في غيرها من البلاد خلال جميع العهود بين الدولة والكنيسة. فقد كانت أسلاب كل حرب والجزء الأكبر من خراج البلاد المفتوحة تتدفق في أثناء حكمه وحكم خلفائه الذين تولوا الملك بعده مباشرة في خزائن الهياكل والكهنة. وبلغت هذه الثروة غايتها في عهد رمسيس الثالث. فكان للمعابد من العبيد ٠٠٠ ر ١٠٧ وهم جزء من ثلاثين جزءاً من سكان مصر. وكان لها من أرض مصر ٠٠٠ ر ٧٥٠ فدان أي سبع أرض مصر الصالحة للزراعة. وكانت تمتلك ٠٠٠ ر ٥٠٠ رأس من الماشية، وتستحوذ على إيراد ١٦٩ مدينة من مدن مصر والشام. وكانت هذه الثروة الضخمة كلها معفاة من الضرائب (٢٧٤). وأغدق رمسيس الثالث الكريم، وإن شئت فقل الوهاب، من الهدايا على كهنة آمون ما لم يسبق له في كثرته مثيل. وكان من هذه الهدايا ٠٠٠ ر ٣٢ كيلو جرام من الذهب، ومليون كيلو جرام من الفضة (٢٧٥). وكان يهبهم كل سنة ٠٠٠ ر ١٨٥ كيس من الحبوب. ولما حان الوقت لأداء أجور العمال الذين تستخدمهم الدولة في مرافقها وجد الخزانة مقفرة (٢٧٦). وجاء الشعب واشتد جوعه يوماً بعد يوم لكي يتخم الآلهة.
وكان من شأن هذه السياسة أن يصبح الملوك خدام الآلهة عاجلا كان ذلك أو آجلا. فلما أن جلس على العرش آخر الملوك الذين تسموا باسم رمسيس اغتصب المُلكَ الكاهن الأكبر للإله آمون، وحكم حكماً كان له فيه السلطان الأعلى. وأمست الإمبراطورية المصرية حكومة دينية راكدة ازدهر فيها البناء
стр. 370
والتخريف، واضمحل فيها كل ما عدا هذين من مقومات الحياة القومية، ووضعت الرقى لتصبغ كل قرار يصدره الكهنة بالصبغة المقدسة الإلهية. وامتص الآلهة كل ما في مصر من مصادر الحياة حتى نضب معينها في الوقت الذي كان فيه الغزاة الأجانب يعدون العدة للانقضاض على كل هذه الثروة المتجمعة.
وثار نقع الفتنة في جميع أطراف البلاد. وكان من أهم موارد مصر موقعها الهام على الطريق الرئيسي لتجارة البحر الأبيض المتوسط، وكانت معادنها وثرواتها قد جعلت لها السيادة على بلاد لوبيا في الغرب وعلى بلاد فينيقية وسوريا وفلسطين في الشمال والشرق. لكن أمماً جديدة في بلاد أشور وبابل وفارس كانت آنئذ تتمرد وتشتد ويقوى سلطانها في الطرف الآخر من طرفي هذا الطريق التجاري، وكانت تدعم قوتها بالمخترعات والمغامرات وتجرؤ على منافسة المصريين الأتقياء الراضين عن أنفسهم في ميادين التجارة والصناعة. وكان الفينيقيون وقتئذ يتمون صنع السفائن ذات الثلاثة صفوف من المجاديف لكي يصلوا بها إلى ما يبغون من كمال، وأخذوا بفضل هذه السفائن ينتزعون من مصر السيطرة على البحر شيئاً فشيئاً. وكان الدوريون والآخيون قد استولوا على كريت وجزائر بحر إيجه (حوالي ١٤٠٠ ق. م) وكانوا ينشئون لهم إمبراطورية تجارية. وأخذت التجارة يقل سيرها شيئاً فشيئاً في قوافل بطيئة في طرق الشرق الأدنى الجبلية والصحراوية المعرضة لهجمات اللصوص، وبدأت تنقل بوسيلة أقل من هذه كلفة على ظهر سفن تخترق البحر الأسود وبحر إيجه إلى طروادة وكريت وبلاد اليونان، وأخيراً إلى قرطاجنة وإيطاليا وأسبانيا. وعلا نجم الأمم الواقعة على شواطئ البحر الأبيض المتوسط الشمالية وازدهرت، أما الأمم المقيمة على شواطئه الجنوبية فضعفت واضمحلت. وفقدت مصر تجارتها وذهبها وسلطانها وفنونها، ثم فقدت آخر الأمر كبرياءها نفسه، وزحفت على أرضها الأمم المنافسة لها واحدة بعد واحدة وعدت عليها واجتاحت أرضها وخربتها.
стр. 371
فانقض عليها اللوبيون من الغرب في عام ٩٤٥ ق. م وعاثوا فيها فساداً يخربون ويدمرون، وفي عام ٧٢٢ ق. م غزاها الأحباش من الجنوب وثاروا لعبوديتهم القديمة؛ وفي عام ٦٧٣ اجتاحها الآشوريون من الشمال وأخضعوا لسلطانهم مصر التي كان يستبد بها الكهنة، وألزموها بأداء الجزية لهم. واستطاع أبسماتيك أمير شاو أن يرد الغزاة وقتا ما ويضم أجزاء مصر كلها تحت زعامته. وحدث في أثناء حكمه وحكم خلفائه نهضة في الفن، وشرع مهندسو مصر ومثالوها وشعراؤها يجمعون ما كان لمدارسهم من تقاليد في الفن والذوق، ويعدونها ليلقوها فيما بعد تحت أقدام اليونان. لكن الفرس بقيادة قمبيز عبروا برزخ السويس في عام ٥٢٥ ق. م وقضوا مرة أخرى على استقلال مصر. وفي عام ٣٣٢ ق. م اجتاحها الإسكندر من آسية وأخضعها لحكم مقدونية (١). وأقبل قيصر في عام ٤٨ ق. م ليستولي على الإسكندرية عاصمة مصر الجديدة، وليستولد كليوباترا ابناً ووارثاً كانا يأملان أملاً لم يتحقق أن يتوجاه ملكاً تخضع لسلطانه أكبر الإمبراطوريات القديمة. وفي عام ٣٠ ق. م أمست مصر ولاية تابعة لرومة واختفت من التاريخ القديم.
ونهضت البلاد مرة أخرى نهضة قصيرة الأجل حين عمر القديسون الصحراء وجر سير ل هيباشيا لتلقى حتفها في الشوارع (٤١٥ ب. م)، وحين فتحها المسلمون (حوالي ٦٥٠ ب. م) وبنوا القاهرة من أنقاض منفيس وملئوها بالقلاع والقباب الزاهية الألوان. ولكن هذه الثقافة وتلك كانتا في واقع الأمر ثقافتين أجنبيتين غير مصريتين ولم تلبثا أن زالتا.
стр. 372
واليوم يوجد مكان يسمى مصر، ولكن المصريين ليسوا سادته؛ فلقد حطمتهم الفتوح من زمن بعيد، واندمجوا عن طريق اللغة والزواج في الفاتحين العرب، وأضحت مدنهم لا تعرف إلا المسلمين والإنجليز، وأقدام السياح المتعبين، الذين يأتون من أقاصي الأرض ليروا أهرامها فلا يجدونها إلا أكواماً من الحجارة، ولربما رجعت إلى مصر عظمتها إذا ما أثرت آسية مرة أخرى فأصبحت مصر مركز التجارة العالمية ومستودعها. ولكن أحداً لا يستطيع أن يتنبأ بما سيكون وهو واثق مما يتنبأ به، وكل ما نعلمه علم اليقين أن آثار مصر القديمة قد خربت وتهدمت؛ فالسائح أينما سار يجد خربات ضخمة، وآثاراً وقبوراً تذكره بجهود عظيمة جبارة، ومن حولها قفر ودمار، ونضوب للدم القديم. ويحيط بهذا كله رمال سافية لا تنفك الرياح الحارة تحملها من كل جانب، كأنها قد اعتزمت أن تغطي بها آخر الأمر كل شيء (١).
لكن هذه الرمال لم تخرب من مصر القديمة إلا الجسد، أما روحها فما تزال باقية فيما ورثه الجنس البشري من علم ومن ذكريات مجيدة.
وحسبنا أن نذكر من معالم حضارتها نهوضها بالزراعة والتعدين والصناعة والهندسة العلمية، وأنها في أغلب الظن هي التي اخترعت الزجاج، ونسيج
стр. 373
الكتان، وأنها هي التي أحسنت صنع الملابس والحلي والأثاث والمساكن، وأصلحت أحوال المجتمع وشئون الحياة؛ وأن المصريين أول من أقام حكومة منظمة نشرت لواء السلام والأمن في البلاد، وأنهم أول من أنشأ نظام البريد والتعداد والتعليم الابتدائي والثانوي؛ بل إنهم هم أول من أوجد نظام التعليم الفني لإعداد الموظفين ورجال الإدارة.
وهم الذين ارتقوا بالكتابة، ونهضوا بالآداب والعلوم والطب؛ والمصريون على ما نعرف أول من وضع دستوراً واضحاً للضمير الفردي، والضمير العام، وهم أول من نادى بالعدالة الاجتماعية، وبالاقتصار على زوجة واحدة، وأول من دعا إلى التوحيد في الدين، وأول من كتب في الفلسفة، وأول من نهض بفن العمارة والنحت، وارتقى بالفنون الصغرى إلى درجة من الإتقان والقوة لم يصل إليها (على ما نعرف) أحد من قبلهم، وقلما باراهم فيها من جاء بعدهم. وهذا الفضل كله لم يذهب هباء حتى في الوقت الذي كان خير ما فيه مطموراً تحت رمال الصحراء أو ملقى على الأرض بفعل الاضطرابات الأرضية (١)، فقد انتقلت الحضارة المصرية على أيدي الفينيقيين والسوريين واليهود وأهل كريت واليونان والرومان، حتى أضحت من التراث الثقافي للجنس البشري. وإن ما قامت به مصر من الأعمال في فجر التاريخ لا تزال آثاره أو ذكرياته مخلدة عند كل أمة وفي كل جيل، "ولعل مصر" كما يقول فور "بفضل تماسكها ووحدتها، وتنوع منتجاتها الفنية تنوعا أساسه دقة التنسيق والتنظيم، وبفضل ما بذلت من جهود جبارة دامت أطول العهود، لعل مصر بهذا كله تعرض على العالم أعظم ما ظهر على الأرض من حضارات إلى يومنا هذا" (٢٧٧). وإن من الخير لنا أن نعمل نحن لكي نبلغ ما بلغت.
стр. 374
الباب التاسع
بابل
الفصل الأول
من حمورابي إلى نبو خد نصر
فضل بابل على المدنية الحديثة - أرض ما بين
النهرين - حمورابي - عاصمة ملكه - سيطرة
الكاشيين - رسائل تل العمارنة - فتح الآشوريين
لبابل - نبوخد نصر - بابل في أيام مجدها
الحضارة كالحياة صراع دائم مع الموت؛ وكما أن الحياة لا يتسنى لها أن تحتفظ بنفسها إلا إذا خرجت عن صورها البالية القديمة واتخذت لها صوراً أخرى فتية جديدة، فكذلك الحضارة تستطيع البقاء مزعزعة الأركان بتغيير موطنها ودمها. ولقد انتقلت الحضارة من أوربا إلى بابل ويهوذا، ومن بابل إلى نينوى، ومن هذه كلها إلى برسيبوليس وسارديس وميليتس، ومن هذه الثلاثة الأخيرة ومصر وكريت، إلى بلاد اليونان ورومة.
وما من أحد ينظر الآن إلى موقع مدينة بابل القديمة ثم يحظر بباله أن هذه البطاح الموحشة ذات الحر اللافح الممتدة على نهر الفرات كانت من قبل موطن حضارة غنية قوية كادت أن تكون هي الخالقة لعلم الفلك، وكان لها فضل كبير في تقدم الطب، وأنشأت علم اللغة وأعدت أول كتب القانون الكبرى، وعلمت اليونان مبادئ الحساب، وعلم الطبيعة والفلسفة، وأمدت اليهود بالأساطير القديمة التي أورثها العالم، ونقلت إلى العرب بعض المعارف العلمية والمعمارية التي
стр. 375
أيقظوا بها روح أوربا من سباتها في العصر الوسيط. وإذا ما وقف الإنسان أمام دجلة والفرات الساكنين فإنه يتعذر عليه أن يعتقد أنهما النهران اللذان أرويا سومر وأكد وغذيا حدائق بابل المعلقة.
والحق أنهما إلى حد ما ليسا هما النهرين القديمين؛ وذلك لأن النهرين القديمين قد اختطا لهما من زمن بعيد مجريين جديدين (٢) "وقطعا بمناجلهما البيض شطآنا أخرى". وكان نهرا دجلة والفرات كما كان نهر النيل في مصر طريقاً تجارياً عظيماً يمتد آلاف الأميال، وكانا في مجرييهما الأدنيين يفيضان كما يفيض نهر النيل في فصل الربيع ويساعدان الزراع على إخصاب الأرض. ذلك أن المطر لا يسقط في بلاد بابل إلا في أشهر الشتاء؛ أما فيما بين مايو ونوفمبر فإنه لا يسقط أبداً؛ ولولا فيضان النهرين لكانت أرضهما جرداء كما كان الجزء الشمالي من أرض الجزيرة في الأيام القديمة وكما هو في مثل هذه الأيام. ولكن بلاد بابل قد أضحت بفضل ماء النهرين الغزير، وكد الأهلين أجيالاً طوالاً، جنة الساميين وحديقة بلاد آسية القديمة وهُريها (١).
وكانت بابل من حيث تاريخها وجنس أهلها نتيجة امتزاج الأكديين والسومريين. فقد نشأ الجنس البابلي من تزاوج هاتين السلالتين؛ وكانت الغلبة في السلالة الجديدة للأصل السامي الأكدي، فقد انتهت الحروب التي شبت بينهما بانتصار أكد وتأسيس مدينة بابل لتكون حاضرة أرض الجزيرة السفلى بأجمعها. وتطل علينا من بداية هذا التاريخ شخصية قوية هي شخصية حمورابي (٢١٢٣ - ٢٠٨١ ق. م) الفاتح المشرع الذي دام حكمه ثلاثاً وأربعين سنة. وتصوره الأختام والنقوش البدائية بعض التصوير، فنستطيع في ضوئها أن نتخيله شاباً يفيض حماسة وعبقرية، ذو عاصفة هوجاء في الحرب، يقلم أظافر الفتن ويقطع أوصال
стр. 376
الأعداء، ويسير في شعاب الجبال الوعرة، ولا يخسر في حياته واقعة؛ وحد الدويلات المتحاربة المنتشرة في الوادي الأدنى، ونشر لواء السلام على ربوعها وأقام فيها منار الأمن والنظام بفضل كتاب قوانينه التاريخي العظيم.
وقد كُشف قانون حمورابي في أنقاض مدينة السوس في عام ١٩٠٢ م. ووجد هنا القانون منقوشاً نقشاً جميلاً على اسطوانة من حجر الديوريت نقلت من بابل إلى عيلام (حوالي عام ١١٠٠ ق. م) فيما نقل من مغانم الحرب (١)، وقيل عن هذه الشرائع أنها منزلة من السماء. فترى الملك على أحد أوجه الأسطوانة يتلقى القوانين من شمش إله الشمس نفسه. وتقول مقدمة القوانين:
ولما أن عهد أنو الأعلى ملك الأنونا كي وبِلْ رب السماء والأرض الذي يقرر مصير العالم، لما أن عهد حكم بني الإنسان كلهم إلى مردوك؛ … ولما أن نطقا باسم بابل الأعلى، وأذاعا شهرتها في جميع أنحاء العالم، وأقاما في وسطه مملكة خالدة أبد الدهر قواعدها ثابتة ثبات السماء والأرض - وفي ذلك الوقت ناداني أنو وبِل، أنا حمورابي الأمير الأعلى، عابد الآلهة، لكي أنشر العدالة في العالم، وأقضي على الأشرار والآثمين؛ وأمنع الأقوياء أن يظلموا الضعفاء … وأنشر النور في الأرض وأرعى مصالح الخلق. أنا حمورابي، أنا الذي اختاره ِبل حاكماً، والذي جاء بالخير والوفرة، والذي أتم كل شيء لنبور ودُريلو، … والذي وهب الحياة لمدينة أرك؛ والذي أمد سكانها بالماء الكثير؛ … والذي جمل مدينة بارسيا؛ … والذي خزن الحب لأوراش العظيم؛ … والذي أعان شعبه في وقت المحنة، وأمن الناس على أملاكهم في بابل؛ حاكم الشعب، الخادم الذي تسر أعماله أنونيت (٤).
إن الألفاظ التي أكدناها نحن في هذه العبارة لذات نغمة حديثة؛ وإن المرء ليتردد قبل أن يصدق أن قائلها حاكم شرقي "مستبد" عاش في عام ٢١٠٠
стр. 377
ق. م، أو أن يتوهم أن القوانين التي تمهد لها استمدت أصولها من قوانين سومرية مضى عليها ستة آلاف عام. وهذا الأصل القديم مضافاً إلى الظروف التي كانت تسود بابل وقتئذ هي التي جعلت قانون حمورابي شريعة مركبة غير متجانسة. فهي تفتتح بتحية الآلهة، ولكنها لا تحفل بها بعدئذ في ذلك التشريع الدستوري البعيد كل البعد عن الصبغة الدينية. وهي تمزج أرقى القوانين وأعظمها استنارة بأقسى العقوبات وأشدها وحشية، وتضع قانون النفس بالنفس والتحكيم الإلهي (١) إلى جانب الإجراءات القضائية المحكمة والعمل الحصيف على الحد من استبداد الأزواج بزوجاتهم. على أن هذه القوانين البالغة عدتها ٢٨٥ قانوناً، والتي رتبت ترتيباً يكاد يكون هو الترتيب العلمي الحديث، فقسمت إلى قوانين خاصة بالأملاك المنقولة، وبالأملاك العقارية، وبالتجارة، والصناعة، وبالأسرة، وبالأضرار الجسمية، وبالعمل؛ نقول إن هذه القوانين تكون في مجموعها شريعة أكثر رقياً وأكثر تمديناً من شرعية أشور التي وضعت بعد أكثر من ألف عام من ذلك الوقت، وهي من وجوه عدة " لا تقل رقياً عن شريعة أية دولة أوربية حديثة " (٥)؛ وقلّ أن يجد الإنسان في تاريخ الشرائع كلها ألفاظاً أرق وأجمل من الألفاظ التي يختتم بها البابلي العظيم شريعته:
"إن الشرائع العادلة التي رفع منارها الملك الحكيم حمورابي والتي أقام بها في الأرض دعائم ثابتة وحكومة طاهرة صالحة … أنا الحاكم الحفيظ الأمين عليها، في قلبي حملت أهل أرض سومر وأكد … وبحكمتي قيدتهم، حتى لا يظلم الأقوياء الضعفاء، وحتى ينال العدالة اليتيم والأرملة … فليأت أي إنسان مظلوم له قضية أمام صورتي أنا ملك العدالة، ليقرأ النقش الذي على أثري، وليلق
стр. 378
باله إلى كلماتي الخطيرة! ولعل أثرى هذا يكون هادياً له في قضيته، ولعله يفهم منه حالته! ولعله يريح قلبه (فينادي): "حقا إن حمورابي حاكم كالوالد الحق لشعبه … لقد جاء بالرخاء إلى شعبه مدى الدهر كله، وأقام في الأرض حكومة طاهرة صالحة (١) …
ولعل الملك الذي يكون في الأرض فيما بعد وفي المستقبل يرعى ألفاظ العدالة التي نقشتها على أثرى"! (٨).
ولم يكن هذا التشريع الجامع إلا عملاً واحداً من أعمال حمورابي الكثيرة. فلقد أمر بحفر قناة كبيرة بين كش والخليج الفارسي أروَت مساحات واسعة من الأراضي، ووَقَتْ المدن الجنوبية ما كان ينتابها بسبب فيضانات نهر دجلة المخربة. ولقد وصل إلينا من عهده نقش آخر يفخر فيه بأنه أجرى في البلاد الماء (تلك المادة القيمة التي لا نقدرها اليوم والتي كانت في الأيام الماضية إحدى مواد الترف)، ونشر الأمن والحكم الصالح بين كثير من القبائل. وأنا لنستمع من ثنايا هذا النقش ومن بين عبارات الفخر (وهو خلة شريفة من خلال الشرقيين) صوت الحاكم الماهر والسياسي القدير.
"لما وهب لي أنو ونليل (إلها أرك ونبور) بلاد سومر وأكد لأحكمها، ووضعا في يدي هذا الصولجان، حفرت قناة حمورابي- نخوش- ميشى (حمورابي المفيض- على- الشعب) التي تحمل الماء الغزير لأرض سومر وأكد. وحولت شاطئيها الممتدين على كلا الجانبين إلى أراضي زراعية؛ وجمعت أكداسا من الحب، وسيرت الماء الذي لا ينضب إلى الأرضين، وجمعت الأهلين المشتتين، وهيأت لهم المرعى والماء وأمددتهم بالمراعي الموفورة وأسكنتهم مساكن آمنة (٩).
стр. 379
وبلغ من حذق حمورابي أن خلع على سلطانه خلعة من رضاء الآلهة بالرغم من أن قوانينها كانت تمتاز بصبغتها الدنيوية غير الدينية. من ذلك أنه شاد المعابد كما شاد القلاع، واسترضى الكهنة بأن أقام لمردوك وزوجته (إلهي البلد القوميين) في مدينة بابل هيكلاً ضخماً ومخزناً واسعاً ليخزن فيه القمح للإلهين وللكهنة. وكانت هاتان الهديتان وأمثالهما في واقع الأمر بمثابة مال يستثمر أبرع استثمار، جنى منه ربحاً وفيراً هو الطاعة الممتزجة بالرهبة التي يقدمها إليه الشعب. واستخدم ما حصل عليه من الضرائب في تدعيم سلطان القانون والنظام، واستخدم ما تبقى بعد ذلك في تجميل عاصمة ملكه، فأنشأت القصور والهياكل في جميع نواحيها، وأقيم جسر على نهر الفرات حتى تمتد المدينة على كلتا ضفتيه، وأخذت السفن التي لا يقل بحارتها عن تسعين رجلاً تمخر عباب النهر صاعدة فيه ونازلة، وأضحت بابل قبل ميلاد المسيح بألفي عام من أغنى البلاد التي شهدها تاريخ العالم قديمه وحديثة (١).
وكان البابليون ساميين في مظهرهم سود الشعر سمر البشرة، رجالهم ملتحون، ويضعون على رؤوسهم أحياناً شعراً مستعاراً وكانوا رجالاً ونساء على السواء يطيلون شعر رؤوسهم، وحتى الرجال كانوا أحيانا يرسلون شعرهم في ضفائر تنوس على أكتافهم، وكثيراً ما كان رجالهم ونساؤهم يتعطرون. وكان ثياب الجنسين المألوف مئزراً من نسيج الكتان الأبيض يغطي الجسم حتى القدمين، ويترك إحدى كتفي المرأة عارياً، ويزيد عليه الرجال دثاراً وعباءة، ولما زادت ثروة السكان تذوقوا حب الألوان،
стр. 380
فصبغوا أثوابهم باللون الأزرق فوق الأحمر أو بالأحمر فوق الأزرق، في صورة خطوط أو دوائر أو مربعات أو نقط. ولم يكونوا كالسومريين حفاة الأقدام بل اتخذوا لهم أخفافاً ذات أشكال حسنة، وكان الذكور في عصر حمورابي يتعممون، وكان النساء يتزين بالقلائد والأساور والتمائم، ويحلين شعرهن المصفف بعقود من الخرز. وكان الرجال يمسكون في أيديهم عصياً ذوات رؤوس منحوتة منقوشة، ويحملون في مناطقهم الأختام الجميلة الشكل التي كانوا يبصمون بها رسائلهم ووثائقهم. وكان كهنتهم يلبسون فوق رؤوسهم قلانس طويلة مخروطية الشكل ليخفوا بها صفتهم الآدمية (١٠).
وزادت الثروة فأنتجت في بابل ما تنتجه في سائر بلاد العالم. ذلك أن من السنن التاريخية التي تكاد تنطبق على جميع العصور أن الثراء الذي يخلق المدنية هو نفسه الذي ينذر بانحلالها وسقوطها. فالثراء يبعث الفن كما يبعث الخمول؛ وهو يرقق أجسام الناس وطباعهم، ويمهد لهم طريق الدعة والنعيم والترف، ويغري أصحاب السواعد القوية والبطون الجائعة بغزو البلاد ذات الثراء (١). وكان على الحدود الشرقية لهذه الدولة الجديدة قبيلة قوية من أهل الجبال هي قبيلة الكاشيين تحسد البابليين على ما أوتوا من ثروة ونعيم. فلم يمض على موت حمورابي إلا ثمان سنين حتى اجتاحت رجالها دولته، وعاثوا في أرضها فساداً يسلبون وينهبون، ثم ارتدوا عنها، ثم شنوا عليها الغارة تلو الغارة، واستقروا آخر الأمر فيها فاتحين حاكمين، وهذه هي الطريقة التي تنشأ بها عادة طبقة السراة في البلاد. ولم يكن هؤلاء الفاتحون من نسل الساميين ولعلهم كانوا من نسل جماعة المهاجرين الأوربيين جاءوا إلى موطنهم الأول في العصر الحجري الحديث، ولم تكن غلبتهم على أهل بابل الساميين إلا حركة أخرى من حركات الهجوم والارتداد التي طالما حدثت في غرب آسية. وظلت بلاد بابل بعد هذا الغزو عدة قرون
стр. 381
مسرحاً للاضطراب العنصري والفوضى السياسية اللذين وقفا في سبيل كل تقدم في العلوم والفنون (١١). ولدينا صورة واضحة من هذا الاضطراب الخانق في رسائل تل العمارنة التي يستغيث فيها أقيال بابل وسوريا بمصر التي كانوا يؤدون إليها خراجا متواضعاً بعد انتصارات تحتمس الثالث، ويتوسلون إليها أن تمد إليهم يدها لتعينهم على الثوار والغزاة. وفيها أيضاً يتجادلون في قيمة ما يتبادلونه من الهدايا مع أمنحوتب الثالث الذي يترفع عليهم، ومع إخناتون الذي أهملهم وانهمك في غير شؤون الحكم (١).
وأُخرج الكاشيون من أرض بابل بعد أن حكموها ما يقرب من ستة قرون اضطربت فيها أحوال البلاد وتمزقت، كما اضطربت أحوال مصر وتمزقت في عهد الهكسوس. ودام الاضطراب بعد خروجهم أربعمائة عام أخرى حكم بابل في أثنائها حكام خاملون ليس في أسمائهم الطويلة اسم واحد جدير بالذكر (٢). ودام عهدهم حتى قامت دولة أشور في الشمال فبسطت سيادتها على بابل وأخضعتها لملوك نينوى. ولما ثارت بابل على هذا الحكم دمرها سنحريب تدميراً لم يكد يبقى منها على شيء. ولكن عصر هدون، المستبد الرحيم أعاد إليها رخائها وثقافتها. ولما قامت دولة الميديين (٣) وضعف الآشوريون استعان نبوبولصر بالدولة الناشئة على تحرير
стр. 382
بابل من حكم الآشوريين، وأقام فيها أسرة حاكمة مستقلة. ولما مات خلفه في حكم الدولة البابلية الثانية ابنه نبوخد نصر الثاني الذي يسميه كتاب دانيال (١٣) بالرجل الوغد حقداً عليه وانتقاماً منه. وفي وسع المرء أن يستشف من خطبة نبوخد نصر الافتتاحية لمردك كبير آلهة بابل مرامي الملك الشرقي وأخلاقه:
"إني أحب طلعتك السامية كما أحب حياتي الثمينة! إني لم أختر لنفسي بيتا في المواطن كلها الواقعة خارج مدينة بابل … ليت البيت الذي شدته يدوم إلى الأبد بأمرك أيها الإله الرحيم. ولعلي أشبع ببهائه وجلاله، وأبلغ فيه الشيخوخة، ويكثر ولدي، وتأتي إليَّ فيه الجزية من ملوك الأرض كلها ومن بني الإنسان أجمعين" (١٤).
وعاش هذا الملك حتى كاد يبلغ السن التي يطمع فيها؛ وكان أقوى ملوك الشرق الأدنى في زمانه وأعظم المحاربين والبنائين والحكام السياسيين من ملوك بابل كلهم لا نستثني منهم إلا حمورابي نفسه. هذا مع أنه كان أمياً، ومع أن عقله لم يكن يخلو من خبال. ولما تآمرت مصر مع أشور لكي تخضع الثانية بابل إلى حكمها مرة أخرى، التقى نبوخد نصر بالجيوش المصرية عند قرقميش (على نهر الفرات الأعلى) وكاد يبيدها عن آخرها. وسرعان ما وقعت فلسطين وسوريا في قبضته، وسيطر التجار البابليون على جميع مسالك التجارة التي كانت تعبر غرب آسية من الخليج الفارسي إلى البحر الأبيض المتوسط.
وأنفق نبوخد نصر ما كان يفرضه على هذه التجارة من مكوس وما كان يجبيه من خراج البلاد الخاضعة لحكمه، وما كان يدخل خزائنه من الضرائب المفروضة على شعبه- أنفق هذا كله في تجميل عاصمته وفي تخفيف نهم الكهنة: "أليست هذه بابل العظيمة التي بنيتها؟ " (١٥) وقاوم ما كان عساه أن تنزع إليه نفسه من أن يكون فاتحاً عظيماً فحسب. نعم إنه كان يخرج بين الفينة والفينة ليلقي على رعاياه درساً في فضائل الطاعة والخضوع، ولكنه كان يصرف جل وقته في
стр. 383
قصبة ملكه حتى جعل بابل عاصمة الشرق الأدنى كله بلا منازع، وأكبر عواصم العالم القديم وأعظمها أبهة وفخامة (١٦). وكان نبوبولصر قد وضع الخطط لإعادة بناء المدينة، فلما جاء نبوخد نصر صرف سني حكمه الطويل التي بلغت ثلاثاً وأربعين في إتمام ما شرع فيه سلفه. وقد وصف هيرودوت بابل، وكان قد زارها بعد قرن ونصف من ذلك الوقت، بأنها "مقامة في سهل فسيح، يحيط بها سور طوله ستة وخمسون ميلاً (١٧) ويبلغ عرضه حداً تستطيع معه عربة تجرها أربعة جياد أن تجري في أعلاه، ويضم مساحة تقرب من مائتي ميل مربع" (١). وكان يجري في وسط المدينة نهر الفرات يحف بشاطئيه النخيل وتنتقل فيه المتاجر رائحة غادية بلا انقطاع، ويصل شطريها جسر جميل (٢). وكانت المباني الكبيرة كلها تقريبا من الآجر، وذلك لندرة الحجر في أرض الجزيرة، ولكن هذا الآجر كان يغطى في كثير من الأحيان بالقرميد المنقوش البرَّاق ذي اللون الأزرق أو الأصفر أو الأبيض المزيّن بصور الحيوان أو غيره من الصور البارزة المصقولة اللامعة، ولا تزال تلك الصور حتى هذه الأيام من أحسن ما أخرجته الصناعة من نوعها. وكل آجرة من الآجر الذي استخرج من موقع بابل القديم تحمل هذا النقش الذي يتباهى به الملك الفخور: "أنا نبوخد نصر ملك بابل" (٢١).
وكان أولَ ما يشاهده القادم إلى المدينة- صرح شامخ كالجبل يعلوه برج عظيم مدرج من سبع طبقات، جدرانه من القرميد المنقوش البرَّاق، يبلغ ارتفاعه ٦٥٠ قدماً، فوق ضريح يحتوي على مائدة كبيرة من الذهب المصمت
стр. 384
وعلى سرير مزخرف تنام عليه كل ليلة إحدى النساء في انتظار مشيئة الإله (٢٢). وأكبر الظن أن هذا الصرح الشامخ الذي كان أعلى من أهرام مصر، وأعلى من جميع مباني العالم في كل العصور إلا أحدثها عهداً، هو "برج بابل" الذي ورد ذكره في القصص العبري، والذي أراد به أهل الأرض ممن لا يعرفون يهوه أن يظهروا به كبرياءهم، فبلبل رب الجيوش ألسنتهم (١). وكان في أسفل الصرح هيكل عظيم لمردُك رب بابل وحاميها. ومن أسفل هذا المعبد تمتد المدينة نفسها من حوله يخترقها عدد قليل من الطرق الواسعة النيرة، وكثير من القنوات والشوارع الضيقة الملتوية التي كانت بلا ريب تعج بالأسواق والحركة التجارية وبالغادين والرائحين. وكان يمتد بين الهياكل القائمة في المدينة طريق واسع مرصوف بالآجر المغطى بالأسفلت يعلوه بلاط من حجر الجير ومجمعات من الحجارة الحمراء تستطيع الآلهة أن تسير فيه دون أن تتلوث أقدامها. وكان على جانبي هذا الطريق الواسع جدران من القرميد الملوّن تبرز منها تماثيل لمائة وعشرين أسداً مطلية بالألوان الزاهية تزمجر لترهب الكفرة فلا يقتربوا من هذا الطريق. وكان في أحد طرفيه مدخل فخم هو باب إستير، ذو فتحتين من القرميد الزاهي المتألق، وتزينه نقوش تمثل أزهارا وحيوانات جميلة الشكل زاهية اللون، يخيل إلى الناظر أنها تسري فيها الحياة (٢).
وكان على بعد ستمائة ياردة من برج بابل وإلى شماله ربوة تسمى القصر شاد عليها نبوخد نصر أروع بيت من بيوته. ويقوم في وسط هذا البناء مسكنه الرئيسي ذو الجدران الجميلة المشيدة من الآجر الأصفر، والأرض المفروشة بالخرسان الأبيض والمبرقش، تزين سطوحها نقوش بارزة واضحة زرقاء
стр. 385
اللون، مصقولة براقة، وتحرس مدخله آساد ضخمة من حجر البازلت. وكان بالقرب من هذه الربوة حدائق بابل المعلقة الذائعة الصيت التي كان يعدها اليونان إحدى عجائب العالم السبع، مقامة على أساطين مستديرة متتالية كل طبقة منها فوق طبقة. وكان سبب إنشائها أن نبوخد نصر تزوج بابنة سياخر (سيكسارس) ملك الميديين، ولم تكن هذه الأميرة قد اعتادت على شمس بابل الحارة وثراها، فعاودها الحنين إلى خضرة بلادها الجبلية، ودفعت الشهامة والمروءة نبوخد نصر فأنشأ لها هذه الحدائق العجيبة، وغطى سطحها الأعلى بطبقة من الغرين الخصيب يبلغ سمكها جملة أقدام، لا تتسع للأزهار والنباتات المختلفة ولا تسمح بتغذيتها فحسب، بل تتسع أيضاً لأكبر الأشجار وأطولها جذوراً وتكفي تربتها لغذائها. وكانت المياه ترفع من نهر الفرات إلى أعلى طبقة في الحديقة بآلات مائية مخبأة في الأساطين تتناوب إدارتها طوائف من الرقيق (٢٤). وفوق هذا السطح الأعلى الذي يرتفع عن الأرض خمساً وسبعين قدماً كان نساء القصر يمشين غير محجبات آمنات من أعين السوقة، تحيط بهن النباتات الغريبة والأزهار العطرة، ومن تحتهن في السهول وفي الشوارع كان السوقة من رجال ونساء يحرثون وينسجون، ويبنون، ويحملون الأثقال، ويلدون أبناء وبنات يخلفونهم في عملهم بعدم موتهم.
стр. 386
الفصل الثاني
الكادحون
الصيد - الحرث - الطعام - الصناعة -
النقل - أخطار التجارة - المرابون - الرقيق
كان بعض أجزاء البلاد لا يزال على حاله البرية الموحشة الخطرة؛ فكانت الأفاعي تهيم في العشب الكثيف، وكان ملوك بابل وأشور يلهون بصيد الآساد التي تجول في الغابات والتي تقف هادئة للمصورين، ولكنها تفر إذا اقترب منها الصائدون. حقاً إن المدنية ليست إلا فترة عارضة موقوتة تتخلل وحشية الغابات.
وكانت أكثر الأراضي الزراعية يفلحها المستأجرون أو الرقيق وأقلها يحرثها ملاكها الفلاحون (٢٥). وكانت كلها في العهود الأولى تفتتها معازق من الحجر كما كان يفعل المزارعون في العصر الحجري الحديث. وأقدم صورة لدينا تمثل المحراث في بابل هي الصورة المنقوشة على خاتم يرجع عهده إلى حوالي عام ١٤٠٠ ق. م؛ ولعل هذه الآلة الكريمة النافعة كان وراءها في ذلك الوقت تاريخ طويل في أرض النهرين، ومع هذا فإنها كانت من طراز حديث إلى حد ما. فقد كانت تجرها الثيران كما كان يفعل آباؤنا، ولكنها كانت كمحراث السومريين ذات أنبوبة متصلة بها يخرج منها الحب إلى الأرض كمحاريث أبنائنا (٢٦). ولم يكن أهل بابل يتركون الماء يفيض على الأرض كما كان يتركه أهل مصر، بل كانت كل مزرعة تحميها من الفيضان جسور من التراب لا يزال بعضها باقياً إلى اليوم. وكان الماء الزائد على حاجة الأرض ينصرف إلى شبكة من المصارف أو يخزن في خزانات لها فتحات يخرج منها إلى الحقول وقت الحاجة أو يرفع فوق الحواجز بشواديف. وقد امتاز حكم نبوخد نصر بحفر عدد كبير من
стр. 387
قنوات الري وبتخزين الزائد من الماء في خزان كبير يبلغ محيطه مائة وأربعين ميلاً، تخرج منه قنوات تروى مساحات واسعة من الأرض (٢٧). ولا تزال بقايا هذه القنوات في أرض الجزيرة إلى اليوم. وكأنما أرادت الأقدار أن تربط الأحياء والأموات برباط آخر، فأبقت إلى الآن على الشادوف البدائي في وادي نهري الفرات واللوار (٢٨).
وكانت الأرض التي تروى على هذا النحو تنبت أنواعاً مختلفة من الحبوب والبقول، كما كانت بها بساتين واسعة تنتج الفاكهة والنُّقل، وكانت أكثر ما تنتجه البلح. وكان البابليون يستثمرون ما أنعمت عليهم به الطبيعة من شمس ساطعة وأرض خصبة في صنع الخبز وجمع العسل وعمل الكعك وغيره من أطايب الطعام. وكانوا يصنعون من مزيج العسل والدقيق كثيراً من أشهى الأطعمة وكانوا يلقحون النخل بحمل الطلع من ذكورها إلى إناثها (٢٩). وانتقل الكرم والزيتون من أرض الجزيرة إلى بلاد اليونان والرومان، ثم انتقل منهما إلى غرب أوربا. أما الخوخ فقد انتقل إلى أوربا من بلاد الفرس القريبة من أرض الجزيرة؛ وجاء لوكلس بشجر الكرز من شواطئ البحر الأسود إلى رومة، وأصبح اللبن، وهو الذي كان نادراً في بلاد الشرق، من الأطعمة الرئيسية في بلاد الشرق الأدنى. وكان اللحم قليلاً غالي الثمن، ولكن السمك كان يصاد من المجاري المائية العظيمة، ويصل إلى بطون أفقر الطبقات. فإذا أقبل المساء وخشي الفلاح أن يقلق باله التفكير في الحياة والموت، عمد إلى تهدئة هذه الأفكار بالنبيذ المعصور من البلح أو بالجعة المتخذة من الحَبْ.
وكان غير الفلاحين من الأهلين يحفرون الأرض، ويعثرون فيها على الزيت، ويستخرجون من باطنها النحاس والرصاص والحديد والفضة والذهب. ويصف لنا استرابون كيف كان ما يسميه "النفط أو الأسفلت السائل" يستخرج من
стр. 388
أرض الجزيرة كما كان يستخرج منها اليوم، ويقولون إن الإسكندر حين سمع بأن السائل العجيب ماء يحترق أراد أن يتثبت من هذا القول الذي لم يكد يصدقه، فطلى به جسد غلام وأوقد فيه النار بمشعل (٣٠). وفي مستهل الألف السنة الأولى قبل ميلاد المسيح بدأ الأهلون يصنعون الآلات من البرنز ثم من الحديد، وكانت لا تزال تصنع من الحجر في أيام حمورابي، كما بدأت أيضاً صناعة صهر المعادن وسبكها. وكانوا ينسجون القطن والصوف، وكانت الأقمشة تصبغ وتطرز بمهارة جعلتها من أثمن السلع التي تصدرها بابل إلى خارج بلادها. والتي وصفها كتاب اليونان والرومان أحسن وصف وأثنوا عليها أجمل الثناء (٣١). كذلك نجد نول النّساج وعجلة الفخراني في أقدم عهود التاريخ البابلي، ويكاد النول والعجلة أن يكونا الآلتين الوحيدتين عند البابليين. وكانت مبانيهم تقام من الطين المخلوط بالقش أو من اللبنات التي كانت توضع بعضها فوق بعض وهي طريقة رطبة تترك حتى تجف وتتماسك بفعل الشمس. ولما رأى القوم أن اللبنات إذا جففت في النار كانت أصلب وأبقى على الزمن منها إذا جففت في الشمس عمدوا إلى حرقها في قماش، ومن ثم انتشرت صناعة الآجر بفضل هذا التطور الطبيعي انتشاراً سريعاً. وكانت الصناعات والحرف كثيرة متباينة، وكثر المهرة من الصناع، وتألفت منهم من عهد حمورابي نقابات كانت (تسمى القبائل) يشترك فيها الصبيان والمعلمون (٣٢).
وكانت تستخدم في النقل عربات تجري على عجل تجرها الحمير (٣٣)، وأول ما ذكر الحصان في السجلات البابلية كان في عام ٢١٠٠ ق. م، وورد ذكره باسم "الحمار القادم من الشرق"، ويظهر أنه جاء من هضاب آسية الوسطى وأنه غزا بابل مع الكاشيين، كما وصل إلى مصر من الهكسوس (٣٤). ولما استخدمت هذه الوسيلة من وسائل الانتقال والحمل انتشرت التجارة وامتدت من داخل البلاد إلى خارجها، وأثرت بفضلها بابل وأضحت مركز تجارة الشرق الأدنى، وكان انتشارها سبباً في ارتباط أمم البحر المتوسط القديمة ارتباطا
стр. 389
جنت من وراءه الخير والشر على السواء. وسهل نبوخد نصر التجارة بإصلاح الطرق الرئيسية؛ وقال في هذا يُذَكّر المؤرخين بأعماله:
" لقد جعلت من الممرات الوعرة غير المطروقة طرقاً ممهدة صالحة (٣٥). وكانت القوافل التجارية الكثيرة تحمل إلى أسواق بابل وحوانيتها غلات نصف العالم المعروف، فكانت تأتيها من الهند مارة بكابول وهيرات وإكبتانا؛ ومن مصر مارة ببلوزيم وفلسطين؛ ومن آسية الصغرى عن طريق صور وصيدا وسارديس إلى قرقميش، ثم تنحدر جنوباً مع نهر الفرات. وكان لهذه التجارة كلها أثر كبير في عظمة مدينة بابل، فأضحت في أيام نبوخد نصر سوقاً عظيماً يعج بالبضائع والتجار، فخرج منها الأثرياء ينشدون الراحة في مساكن أقاموها في الضواحي. وجدير بالقارئ أن يلاحظ تلك النغمة الحديثة المكتوبة بها الرسالة التي بعث بها أحد سكان الضواحي إلى قورش ملك الفرس (حوالي عام ٥٣٩ ق. م): "لقد بدت لي ضيعتنا أجمل ضياع العالم؛ ذلك أنها كانت قريبة من بابل قرباً يمكننا أن نستمتع بمزايا المدن العظمى، وكان في وسعنا مع هذا أن نعود إلى بيتنا وننجو مما فيها من تزاحم وقلق" (٣٦).
ولم تفلح الحكومة في إقامة نظام اقتصادي في أرض الجزيرة كالذي أقامه الفراعنة في مصر. فقد كانت التجارة تصادف كثيراً من الأخطار وتفرض عليها شتى الإتاوات. ولم يكن التجار يعرفون أي الأمرين يخشونه أشد من الآخر _ أيخشون اللصوص الذين قد يهاجمونهم في طريقهم، أم يخشون المدن والإقطاعيات التي تفرض عليهم الإتاوات نظير السماح لهم باستخدام طرقها. وكان آمن لهم أن يسيروا كلما استطاعوا في الطريق القومي العام، طريق نهر الفرات نفسه، وقد جعله نبوخد نصر صالحا للملاحة من مصبه في الخليج الفارسي إلى ثبساكس (٣٧ (. وفتحت حروبه في بلاد العرب وغلبته على صور بحار الهند والبحر الأبيض المتوسط إلى التجارة البابلية، ولكن التجار البابليين لم ينتهزوا هذه الفرص السانحة
стр. 390
لارتياد هذه البحار إلا ارتياداً جزئياً، لأن التاجر كانت تكتنفه الأخطاء في كل ساعة من ساعات النهار والليل أينما سار في البحار الواسعة وفي ممرات الجبال وفيافي الصحراء. نعم إن السفائن كانت كبيرة تغالب الأمواج، ولكن الحواجز والصخور كانت كثيرة في البحار، ولم يكن فن الملاحة قد أصبح بعد علماً ذا قواعد وأصول؛ هذا إلى أن لصوص البحار، وسكان الشواطئ الطامعين قد َيغِيُرون على السفن في أية ساعة، وينهبون المتاجر ويأسرون بحارتها أو يقتلونهم (٣٨). وكان التجار يستعيضون عن هذه الخسائر بأن يقصروا أمانتهم على ما تفرضه عليهم الضرورات في كل حالة من الحالات.
لكن هذه الصعاب التجارية قد يسرها بعض التيسير ما كان في البلاد من نظام مالي راق محكم. نعم إن البابليين لم يسكوا النقود، ولكنهم حتى قبل أيام حمورابي كانوا يستخدمون في المقايضة- فضلا عن الشعير والقمح- سبائك الذهب والفضة وسيلة للتبادل ومعياراً لتقدير قيم الأشياء. ولم تكن السبائك المعدنية مختومة أو مطبوعة بل كانت توزن في كل مرة. وكانت أصغر وحدة في العملة هي الشاقل وهو نصف أوقية من الفضة تترواح قيمته بين ريالين ونصف وخمسة ريالات من نقود هذه الأيام. وكانت ستون شاقلاً تكون ميناً وستون ميناً تكون تالنتا وقيمته من ٠٠٠ ر ١٠ إلى ٠٠٠ ر ٢٠ ريال (٣٨). وكانت القروض تتخذ صورة بضائع أو عملة، وكانت فوائدها عالية تحددها الحكومة بعشرين في المائة سنوياً إذا كانت نقوداً، وبثلاثة وثلاثين في المائة إن كانت بضاعة. على أن التجار كانوا يتجاوزن هذين السعرين الرسميين، ويستأجرون مهرة الكتاب ليخادعوا الموكلين بتنفيذ القانون (٣٩)(١). ولم يكن في البلاد مصارف مالية،