← История

История · id 35104

قصة الحضارة

ول ديورانت

Полный текст (15 136 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

الفصل الثاني الكادحون الصيد - الحرث - الطعام - الصناعة - النقل - أخطار التجارة - المرابون - الرقيق كان بعض أجزاء البلاد لا يزال على حاله البرية الموحشة الخطرة؛ فكانت الأفاعي تهيم في العشب الكثيف، وكان ملوك بابل وأشور يلهون بصيد الآساد التي تجول في الغابات والتي تقف هادئة للمصورين، ولكنها تفر إذا اقترب منها الصائدون. حقاً إن المدنية ليست إلا فترة عارضة موقوتة تتخلل وحشية الغابات. وكانت أكثر الأراضي الزراعية يفلحها المستأجرون أو الرقيق وأقلها يحرثها ملاكها الفلاحون (٢٥). وكانت كلها في العهود الأولى تفتتها معازق من الحجر كما كان يفعل المزارعون في العصر الحجري الحديث. وأقدم صورة لدينا تمثل المحراث في بابل هي الصورة المنقوشة على خاتم يرجع عهده إلى حوالي عام ١٤٠٠ ق. م؛ ولعل هذه الآلة الكريمة النافعة كان وراءها في ذلك الوقت تاريخ طويل في أرض النهرين، ومع هذا فإنها كانت من طراز حديث إلى حد ما. فقد كانت تجرها الثيران كما كان يفعل آباؤنا، ولكنها كانت كمحراث السومريين ذات أنبوبة متصلة بها يخرج منها الحب إلى الأرض كمحاريث أبنائنا (٢٦). ولم يكن أهل بابل يتركون الماء يفيض على الأرض كما كان يتركه أهل مصر، بل كانت كل مزرعة تحميها من الفيضان جسور من التراب لا يزال بعضها باقياً إلى اليوم. وكان الماء الزائد على حاجة الأرض ينصرف إلى شبكة من المصارف أو يخزن في خزانات لها فتحات يخرج منها إلى الحقول وقت الحاجة أو يرفع فوق الحواجز بشواديف. وقد امتاز حكم نبوخد نصر بحفر عدد كبير من

стр. 387

قنوات الري وبتخزين الزائد من الماء في خزان كبير يبلغ محيطه مائة وأربعين ميلاً، تخرج منه قنوات تروى مساحات واسعة من الأرض (٢٧). ولا تزال بقايا هذه القنوات في أرض الجزيرة إلى اليوم. وكأنما أرادت الأقدار أن تربط الأحياء والأموات برباط آخر، فأبقت إلى الآن على الشادوف البدائي في وادي نهري الفرات واللوار (٢٨). وكانت الأرض التي تروى على هذا النحو تنبت أنواعاً مختلفة من الحبوب والبقول، كما كانت بها بساتين واسعة تنتج الفاكهة والنُّقل، وكانت أكثر ما تنتجه البلح. وكان البابليون يستثمرون ما أنعمت عليهم به الطبيعة من شمس ساطعة وأرض خصبة في صنع الخبز وجمع العسل وعمل الكعك وغيره من أطايب الطعام. وكانوا يصنعون من مزيج العسل والدقيق كثيراً من أشهى الأطعمة وكانوا يلقحون النخل بحمل الطلع من ذكورها إلى إناثها (٢٩). وانتقل الكرم والزيتون من أرض الجزيرة إلى بلاد اليونان والرومان، ثم انتقل منهما إلى غرب أوربا. أما الخوخ فقد انتقل إلى أوربا من بلاد الفرس القريبة من أرض الجزيرة؛ وجاء لوكلس بشجر الكرز من شواطئ البحر الأسود إلى رومة، وأصبح اللبن، وهو الذي كان نادراً في بلاد الشرق، من الأطعمة الرئيسية في بلاد الشرق الأدنى. وكان اللحم قليلاً غالي الثمن، ولكن السمك كان يصاد من المجاري المائية العظيمة، ويصل إلى بطون أفقر الطبقات. فإذا أقبل المساء وخشي الفلاح أن يقلق باله التفكير في الحياة والموت، عمد إلى تهدئة هذه الأفكار بالنبيذ المعصور من البلح أو بالجعة المتخذة من الحَبْ. وكان غير الفلاحين من الأهلين يحفرون الأرض، ويعثرون فيها على الزيت، ويستخرجون من باطنها النحاس والرصاص والحديد والفضة والذهب. ويصف لنا استرابون كيف كان ما يسميه "النفط أو الأسفلت السائل" يستخرج من

стр. 388

أرض الجزيرة كما كان يستخرج منها اليوم، ويقولون إن الإسكندر حين سمع بأن السائل العجيب ماء يحترق أراد أن يتثبت من هذا القول الذي لم يكد يصدقه، فطلى به جسد غلام وأوقد فيه النار بمشعل (٣٠). وفي مستهل الألف السنة الأولى قبل ميلاد المسيح بدأ الأهلون يصنعون الآلات من البرنز ثم من الحديد، وكانت لا تزال تصنع من الحجر في أيام حمورابي، كما بدأت أيضاً صناعة صهر المعادن وسبكها. وكانوا ينسجون القطن والصوف، وكانت الأقمشة تصبغ وتطرز بمهارة جعلتها من أثمن السلع التي تصدرها بابل إلى خارج بلادها. والتي وصفها كتاب اليونان والرومان أحسن وصف وأثنوا عليها أجمل الثناء (٣١). كذلك نجد نول النّساج وعجلة الفخراني في أقدم عهود التاريخ البابلي، ويكاد النول والعجلة أن يكونا الآلتين الوحيدتين عند البابليين. وكانت مبانيهم تقام من الطين المخلوط بالقش أو من اللبنات التي كانت توضع بعضها فوق بعض وهي طريقة رطبة تترك حتى تجف وتتماسك بفعل الشمس. ولما رأى القوم أن اللبنات إذا جففت في النار كانت أصلب وأبقى على الزمن منها إذا جففت في الشمس عمدوا إلى حرقها في قماش، ومن ثم انتشرت صناعة الآجر بفضل هذا التطور الطبيعي انتشاراً سريعاً. وكانت الصناعات والحرف كثيرة متباينة، وكثر المهرة من الصناع، وتألفت منهم من عهد حمورابي نقابات كانت (تسمى القبائل) يشترك فيها الصبيان والمعلمون (٣٢). وكانت تستخدم في النقل عربات تجري على عجل تجرها الحمير (٣٣)، وأول ما ذكر الحصان في السجلات البابلية كان في عام ٢١٠٠ ق. م، وورد ذكره باسم "الحمار القادم من الشرق"، ويظهر أنه جاء من هضاب آسية الوسطى وأنه غزا بابل مع الكاشيين، كما وصل إلى مصر من الهكسوس (٣٤). ولما استخدمت هذه الوسيلة من وسائل الانتقال والحمل انتشرت التجارة وامتدت من داخل البلاد إلى خارجها، وأثرت بفضلها بابل وأضحت مركز تجارة الشرق الأدنى، وكان انتشارها سبباً في ارتباط أمم البحر المتوسط القديمة ارتباطا

стр. 389

جنت من وراءه الخير والشر على السواء. وسهل نبوخد نصر التجارة بإصلاح الطرق الرئيسية؛ وقال في هذا يُذَكّر المؤرخين بأعماله: " لقد جعلت من الممرات الوعرة غير المطروقة طرقاً ممهدة صالحة (٣٥). وكانت القوافل التجارية الكثيرة تحمل إلى أسواق بابل وحوانيتها غلات نصف العالم المعروف، فكانت تأتيها من الهند مارة بكابول وهيرات وإكبتانا؛ ومن مصر مارة ببلوزيم وفلسطين؛ ومن آسية الصغرى عن طريق صور وصيدا وسارديس إلى قرقميش، ثم تنحدر جنوباً مع نهر الفرات. وكان لهذه التجارة كلها أثر كبير في عظمة مدينة بابل، فأضحت في أيام نبوخد نصر سوقاً عظيماً يعج بالبضائع والتجار، فخرج منها الأثرياء ينشدون الراحة في مساكن أقاموها في الضواحي. وجدير بالقارئ أن يلاحظ تلك النغمة الحديثة المكتوبة بها الرسالة التي بعث بها أحد سكان الضواحي إلى قورش ملك الفرس (حوالي عام ٥٣٩ ق. م): "لقد بدت لي ضيعتنا أجمل ضياع العالم؛ ذلك أنها كانت قريبة من بابل قرباً يمكننا أن نستمتع بمزايا المدن العظمى، وكان في وسعنا مع هذا أن نعود إلى بيتنا وننجو مما فيها من تزاحم وقلق" (٣٦). ولم تفلح الحكومة في إقامة نظام اقتصادي في أرض الجزيرة كالذي أقامه الفراعنة في مصر. فقد كانت التجارة تصادف كثيراً من الأخطار وتفرض عليها شتى الإتاوات. ولم يكن التجار يعرفون أي الأمرين يخشونه أشد من الآخر _ أيخشون اللصوص الذين قد يهاجمونهم في طريقهم، أم يخشون المدن والإقطاعيات التي تفرض عليهم الإتاوات نظير السماح لهم باستخدام طرقها. وكان آمن لهم أن يسيروا كلما استطاعوا في الطريق القومي العام، طريق نهر الفرات نفسه، وقد جعله نبوخد نصر صالحا للملاحة من مصبه في الخليج الفارسي إلى ثبساكس (٣٧ (. وفتحت حروبه في بلاد العرب وغلبته على صور بحار الهند والبحر الأبيض المتوسط إلى التجارة البابلية، ولكن التجار البابليين لم ينتهزوا هذه الفرص السانحة

стр. 390

لارتياد هذه البحار إلا ارتياداً جزئياً، لأن التاجر كانت تكتنفه الأخطاء في كل ساعة من ساعات النهار والليل أينما سار في البحار الواسعة وفي ممرات الجبال وفيافي الصحراء. نعم إن السفائن كانت كبيرة تغالب الأمواج، ولكن الحواجز والصخور كانت كثيرة في البحار، ولم يكن فن الملاحة قد أصبح بعد علماً ذا قواعد وأصول؛ هذا إلى أن لصوص البحار، وسكان الشواطئ الطامعين قد َيغِيُرون على السفن في أية ساعة، وينهبون المتاجر ويأسرون بحارتها أو يقتلونهم (٣٨). وكان التجار يستعيضون عن هذه الخسائر بأن يقصروا أمانتهم على ما تفرضه عليهم الضرورات في كل حالة من الحالات. لكن هذه الصعاب التجارية قد يسرها بعض التيسير ما كان في البلاد من نظام مالي راق محكم. نعم إن البابليين لم يسكوا النقود، ولكنهم حتى قبل أيام حمورابي كانوا يستخدمون في المقايضة- فضلا عن الشعير والقمح- سبائك الذهب والفضة وسيلة للتبادل ومعياراً لتقدير قيم الأشياء. ولم تكن السبائك المعدنية مختومة أو مطبوعة بل كانت توزن في كل مرة. وكانت أصغر وحدة في العملة هي الشاقل وهو نصف أوقية من الفضة تترواح قيمته بين ريالين ونصف وخمسة ريالات من نقود هذه الأيام. وكانت ستون شاقلاً تكون ميناً وستون ميناً تكون تالنتا وقيمته من ٠٠٠ ر ١٠ إلى ٠٠٠ ر ٢٠ ريال (٣٨). وكانت القروض تتخذ صورة بضائع أو عملة، وكانت فوائدها عالية تحددها الحكومة بعشرين في المائة سنوياً إذا كانت نقوداً، وبثلاثة وثلاثين في المائة إن كانت بضاعة. على أن التجار كانوا يتجاوزن هذين السعرين الرسميين، ويستأجرون مهرة الكتاب ليخادعوا الموكلين بتنفيذ القانون (٣٩) (١). ولم يكن في البلاد مصارف مالية،

стр. 391

ولكن بعض الأسر القوية كانت تقوم طيلة أجيال متعددة بعملية إقراض النقود، كما كانت تتجر في العقارات وتمول المشروعات الصناعية (٤٠). وكان في وسع من لهم أموال مودعة بين هؤلاء أن يؤدوا التزاماتهم بتحاويل مالية مكتوبة (٤١). وكان الكهنة أيضاً يقرضون، وأخص ما كانوا يقرضون له من الأغراض هو الزرع والحصاد. وكانت الشرائع في بعض الأحيان تنصر المدين على الدائن. من ذلك أنه إذا رهن فلاح مزرعته، ولم يجن من كدحه محصولاً بسبب العواصف أو الشرَق أو غيرهما من "أفعال الله"، فانه لا يؤدي فوائد على دينه في السنة التي يعجز فيها المحصول (٤٢). ولكن القانون كان في معظم الأحيان يحرص على حماية الملك وتجنيب صاحبه الخسائر، وكان من المبادئ التي تقوم عليها الشرائع البابلية أن ليس من حق إنسان ما أن يقترض مالا إلا إذا رغب في أن يكون مسئولاً مسئولية كاملة عن رده إلى صاحبه؛ ومن أجل هذا كان في وسع الدائن أن يقبض على عبد المدين أو ابنه يتخذه رهينة للدَّين الذي لم يؤده، على ألا يبقى في حوزته أكثر من ثلاث سنين. وكان الربا هو الكارثة التي رزئت بها بلاد بابل والثمن الذي أدته تجارتها، كما تؤديه الآن تجارتنا نحن، نظير ما كان يبعثه نظام الائتمان الواسع من نشاط تجاري عظيم (٤٣). لقد كانت حضارة البابليين حضارة تجارية بجوهرها، وأكثر ما وصل إلينا من وثائقهم ذو صبغة تجارية- تتصل بالبيوع، والقروض، والعقود، والمشاركة، والسمسرة، والتبادل، والوصايا، والاتفاقات والسفاتج، وما إليها. ونجد في هذه الألواح شواهد كثيرة تنطق بما كان عليه القوم من ثراء عظيم، وبما كان يسري في نفوسهم من روح مادية استطاعت كما استطاعت في حضارات أخرى غير حضارتهم أن تفوق بين التقوى والشره. فنحن نرى في آدابهم دلائل كثيرة على الحياة النشيطة الراضية المرضية، ولكننا نجد أيضاً في كل ناحية من نواحيها ما يذكرنا بما كان يسري في الثقافات جميعها من استرقاق. وأكثر ما تلذ

стр. 392

لنا قراءته من عقود البيع التي وصلت إلينا من عهد نبوخد نصر، العقود المتصلة بالعبيد (٤٤). وكان مصدر هؤلاء العبيد أسرى الحروب، والغارات التي يشنها البدو الرُّحّل على الولايات الأجنبية، ونشاط العبيد أنفسهم في التناسل. وكان ثمن الأرقاء يختلف من عشرين ريالا إلى خمسة وستين للمرأة، ومن خمسين ريالاً إلى مائة ريال للرجل (٤٥). وكان هؤلاء العبيد هم الذين يؤدون معظم الأعمال العضلية في المدن، وتدخل في هذه الأعمال الخدمات الشخصية. وكانت الجواري ملكا خالصاً لمن يبتاعهن، وكان ينتظر منهن أن يمهدن له فراشه ويهيئن له طعامه، وكان المعروف أنه سيستولدهن عدداً كبيراً من الأبناء، فإذا رأت بعضهن أنهن لم يعاملن هذه المعاملة يشعرن بالإهمال والإهانة (٤٦). وكان العبد وكل ما ملكت يداه ملكاً لسيدة: من حقه أن يبيعه أو يرهنه وفاء لدين؛ ومن حقه أن يقتله إذا ظن أن موته أعود عليه بالفائدة من حياته. وإذا أبق العبد فان القانون لا يبيح لأحد أن يحميه، وكانت تقدّر جائزة لمن يقبض عليه. وكان من حق الدولة أن تجنده كما تجند الفلاح الحر للخدمة العسكرية أو تسخره للقيام ببعض الأعمال العامة كشق الطرق، وحفر القنوات. لكنه كان له على سيده أن يؤدي عنه أجر الطبيب، وأن يقدم له كفايته من الطعام إذا مرض أو تعطل عن العمل أو بلغ سن الشيخوخة. وكان من حقه أن يتزوج بحرّة فإذا رزق منها أبناء كانوا أحراراً، فإذا مات مَن هذا شأنه كان نصف أملاكه من حق أسرته. وكان سيده أحياناً يكل إليه أعمالاً من الأعمال التجارية، وكان من حقه في هذه الحال أن يحتفظ ببعض أرباح العمل وأن يبتاع بها حريته، وكان سيده يعتقه أحيانا إذا أدى له خدمة ممتازة، أو خدمه زمناً طويلاً بأمانة وإخلاص. ولكن هذا النوع الأخير من الحرية لم ينله إلا القليلون من العبيد. أما كثرتهم فكانوا يقنعون من حياتهم بكثرة الأبناء، حتى صاروا أكثر عدداً من الأحرار. فكانت طبقة الأرقاء الكبيرة تتحرك كأنها نهر تحتي جيّاش يجري تحت قواعد الدولة البابلية.

стр. 393

الفصل الثالث القانون قانون حمورابي - سلطة الملك - تحكيم الآلهة - القصاص - أنواع العقاب - قوانين الأجور والأثمان - رد البضائع المسروقة عن طريق الدولة وطبيعي أن مجتمعاً كهذا لا تدور بخلده فكرة الديمقراطية؛ ذلك أن نزعته الاقتصادية تتطلب أن تكون له حكومة ملكية مطلقة تسندها الثروة التجارية أو الامتيازات الإقطاعية، ويحميها توزيع حكيم للعنف القانوني. وكان كبار الملاك، ومن حل محلهم بالتدريج من التجار الأثرياء، هم الذين أعانوا الدولة على الاحتفاظ بنظامها الاجتماعي، كما كانوا هم الواسطة بين الشعب ومليكه. وكان الملك يورث عرشه لمن يختاره من أبنائه بلا تفريق بينهم، ومن ثم كان كل واحد من هؤلاء الأبناء يعد نفسه ولياً للعهد ويجمع حوله عصبة تناصره، وكثيراً ما كان يشن الحرب على أخوته إذا لم تحقق آماله (٤٧). وكان يدير دولاب الحكومة في نطاق هذه القواعد التعسفية عدد من كبار الموظفين الإداريين في العاصمة وفي الأقاليم، يعينهم الملك. وكان إلى جانبهم جمعيات إقليمية أو بلدية مؤلفة من أعيان البلاد أو شيوخها يسدون النصيحة إلى هؤلاء الحكام، ويقفونهم عند حدودهم إذا تجاوزها. وقد استطاع هؤلاء أن يحتفظوا للولايات بقسط موفور من الحكم حتى في أيام سيطرة الآشوريين (٤٨). وكان كل موظف إداري، كما كان الملك نفسه في معظم الأحوال، يعترف بسلطان كتاب القانون العظيم الذي تحدد وضعه وصيغته في عهد حمورابي، ويسترشد به. وقد ظل هذا القانون العظيم محتفظاً بجوهره خمسة عشر قرناً كاملاً رغم ما طرأ على أحوال البلاد من تغيير، ورغم ما أدخل

стр. 394

عليه من تفاصيل. وكان تطوره يهدف إلى استبدال العقوبات الدنيوية بما كان فيه من عقوبات دينية، كان يهدف إلى استبدال الرحمة بالقسوة والغرامات المالية بالعقوبات البدنية. مثال ذلك أن محاكمة المتهمين كانت في الأيام الأولى توكل إلى الآلهة. فإذا اتهم رجل بممارسة السحر، أو اتهمت امرأة بالزنا، طلب إليهما أن يقفزا على نهر الفرات، وكانت الآلهة على الدوام في جانب أقدر المتهمين على السباحة، فإذا نجت المرأة من الغرق كانت نجاتها برهانا على براءتها؛ وإذا غرق "الساحر" آلت أملاكه إلى من اتهمه، أما إذا نجا من الغرق فإنه يستولي على أملاك متهمه (٤٩). وكان القضاة الأولون من الكهنة، وظلت الهياكل (٥٠) مقر معظم المحاكم إلى آخر تاريخ البابليين، لكن محاكم غير دينية لا تسأل عن أحكامها إلا أمام الحكومة أخذت من أيام حمورابي نفسه تحل محل المراكز القضائية التي كان يرأسها الكهنة. وقام العقاب في أول الأمر على مبدأ قانون القصاص "النفس بالنفس والعين بالعين". فإذا كسر إنسان لرجل شريف سناً، أو فقأ له عيناً، أو هشم له طرفاً من أطرافه، حل به نفس الأذى الذي سببه لغيره (٥١). وإذا انهار بيت وقتل من اشتراه حكم بالموت على مهندسه أو بانيه؛ وإذا تسبب عن سقوطه موت ابن الشاري حكم بالموت على ابن البائع أو الباني؛ وإذا ضرب إنسان بنتاً وماتت لم يحكم بالموت على الضارب بل حكم به على ابنته (٥٢). ثم استبدل بهذه العقوبات النوعية شيئاً فشيئاً غرامات مالية، وبدأ ذلك بأن أجيز دفع فدية مالية بدل العقوبة البدنية (٥٣) ثم أصبحت الفدية بعدئذ العقوبة الوحيدة التي يجيزها القانون. فكانت جزاء فقء عين السوقي ستين شاقلا من الفضة، فإذا فقئت عين عبد كان جزاء فقئها ثلاثين (٥٤). ذلك أن العقوبة لم تكن تختلف باختلاف خطورة الجريمة وحسب، بل كانت تختلف أيضاً باختلاف مركز الجاني والمجني عليه. فإذا ارتكب أحد السراة جريمة كان عاقبه أشد من عقاب السوقي إذا ارتكب الجريمة نفسها، أما الجريمة التي ترتكب ضد أحد الأشراف فقد كانت غالية

стр. 395

الثمن. وإذا ضرب أحد السوقة آخر من طبقته غرم عشرة شواقل أو ما يقرب من خمسين ريالاً، فإذا ما ضرب شخصاً ذا لقب أو ذا مال غرم سبعة أضعاف هذا المبلغ (٥٥). وإلى هذه العقوبات الرادعة كانت هناك عقوبات همجية هي بتر الأعضاء والإعدام. فإذا ضرب رجل أباه ُجوزِي بقطع يده (٥٦). وإذا تسبب طبيب أثناء عملية جراحية في موت المريض أو في فقد عين من عينيه قطعت أصابع الطبيب (٥٧). وإذا استبدلت قابلة طفلاً بآخر عن علم بفعلتها قطع ثدياها (٥٨). وكانت جرائم كثيرة يعاقب عليها بالموت، منها هتك العرض، وخطف الأطفال، وقطع الطرق، والسطو، والفسق بالأهل، وتسبب المرأة في قتل زوجها لتتزوج بغيره، ودخول كاهنة خمارة أو فتحها إياها، وإيواء عبد آبق، والجبن في ميدان القتال، وسوء استعمال الوظيفة، وإهمال الزوجة شئون بيتها أو سوء تدبيرها إياها (٥٩)، وغش الخمور (٦٠). بهذه الوسائل التي دامت آلاف السنين استقرت التقاليد والعادات التي أدت إلى حفظ النظام وضبط النفس، والتي أضحت فيما بعد عن غير قصد جزءاً من الأسس التي قامت عليها الحضارة. وكانت الدولة تحدد أثمان السلع والأجور والأتعاب داخل نطاق بعض الحدود. فأجر الجراح مثلاً كان يقرره القانون، وحدّد قانون حمورابي أجور البنّائين، وضاربي الطوب، والخياطين، والبنائين بالحجارة، والنجارين، والبحارة، والرعاة، والفعلة (٦١). وخص قانون الوراثة أبناء الرجل بتركته دون زوجته، فجعلهم ورثته الطبيعيين الأقربين؛ فإذا مات رجل عن زوجته كان لها الحق في مهرها وفي هدية عرسها وظلت ربة البيت مادامت على قيد الحياة. ولم يكن حق الميراث محصوراً في الابن الأكبر بل كان الأبناء كلهم سواسية في الميراث، ومن ثم لم تلبث الثروات الكبرى أن تقسمت وتقسمت، فامتنع بذلك تركزها في أيدي قلائل (٦٢). وكان القانون يعد الملكية الفردية للعقار والمنقولات أمراًِ مسلماً به لا جدال فيه.

стр. 396

ولم نجد في الوثائق ما يستدل منه على وجود المحامين في بابل إلا إذا اعتبرنا من المحامين القسيسين الذين كانوا يعملون موثقين للعقود، والكتبة الذين كانوا يكتبون كل ما يطلب إليهم كتابته من الوصية إلى الأرجوزة نظير أجر يتقاضونه. ولم يكن الناس يشجعون على التقاضي، فقد كانت أول مادة في القانون تنص في بساطة تكاد تكون غير (قانونية!). على أنه "إذا اتهم رجل آخر بجريمة (يعاقب عليها بالإعدام) ثم عجز عن إثباتها حكم على المدعي نفسه بالإعدام" (٦٣). وثمة شواهد دالة على وجود الرشوة وإفساد الشهود (٦٤)، وكانت في مدينة بابل محكمة استئناف يحكم فيها (قضاة الملك)، وكان في وسع المتقاضين أن يرفعوا استئنافاً نهائياً إلى الملك نفسه. وليس في شرائع بابل ما يفيد وجود حق للفرد قِبَل الدولة؛ بل كان الفضل في وضع النص على هذا الحق فضل الأوربيين. غير أنه إذا لم يوفر القانون للأهلين الحماية السياسية فلا أقل من أنه قد وفر لهم في المواد ٢٢، ٢٣، ٢٤ الحماية الاقتصادية: "إذا ارتكب رجل جريمة السطو وقبض عليه، حكم على ذلك الرجل بالإعدام. فإذا لم يقبض عليه كان على المسروق منه أن يدلي، في مواجهة الإله، ببيان مفصل عن خسائره؛ وعلى المدينة التي ارتكبت السرقة في داخل حدودها والحاكم الذي ارتكبت في دائرة اختصاصه أن يعوضاه عن كل ما فقده. فإذا أدى السطو إلى خسارة في الأرواح دفعت المدينة ودفع الحاكم مينا (٣٠٠ ريال) إلى ورثة القتيل". فهل ثمة في هذه الأيام مدينة بلغ صلاح الحاكم فيها درجة تجرؤ معها على أن تعرض على من تقع عليه جريمة بسبب إهمالها مثل هذا التعويض؟ وهل ارتقت الشرائع حقا عما كانت عليه أيام حمورابي، أو أن كل الذي حدث لها أن تعقدت وتضخمت؟

стр. 397

الفصل الرابع آلهة بابل الدين والدولة - واجبات الكهنة وسلطانهم - الآلهة الصغار - مردك - إشتار - القصص البابلية عن خلق العالم والطوفان - حب إشتار وتموز - نزول إشتار إلى الجحيم - موت تموز وبعثه - الطقوس الدينية والصلوات تسابيح التوبة - الخطيئة - السحر - الخرافات لم تكن سلطة الملك يقيدها القانون وحده ولا الأعيان وحدهم، بل كان يقيدها أيضاً الكهنة. ذلك أن الملك لم يكن من الوجهة القانونية إلا وكيلاً لإله المدينة، ومن أجل هذا كانت الضرائب تفرض باسم الإله، وكانت تتخذ سبيلها إلى خزائن الهياكل إما مباشرة أو بشتى الأساليب والحيل. ولم يكن الملك يعد ملكاً بحق في أعين الشعب إلا إذا خلع عليه الكهنة سلطته الملكية، و "أخذ بيد بِل"، واخترق شوارع المدينة في موكب مهيب ممسكاً صورة مردك. وكان الملك في هذه الاحتفالات يلبس زي الكاهن، وكان هذا رمزاً إلى اتحاد الدين والدولة، ولعله كان أيضاً يرمز إلى أصل الملكية الكهنوتي. وكانت تحيط بعرشه جميع مظاهر خوارق الطبيعة، ومن شأن هذه كلها أن تجعل الخروج عليه كفراً ليس كمثله كفر، لا يجزى من يجرؤ عليه بضياع رقبته فحسب، بل يجزى أيضاً بخسران روحه. وحتى حمورابي العظيم نفسه تلقى قوانينه من الإله. ولقد ظلت بلاد بابل في واقع الأمر دولة دينية "خاضعة لأمر الكهنة" على الدوام (٦٥) من أيام الباتسيين أو القساوسة- الملوك السومريين إلى يوم تتويج نبوخد نصر. وزادت ثروة الهياكل جيلاً بعد جيل كلما اقتسم الأثرياء المذنبون أرباحهم من الآلهة. وكان الملوك يشعرون بشدة حاجتهم إلى غفران الآلهة فشادوا لهم الهياكل، وأمدوها بالأثاث والطعام والعبيد، ووقفوا عليها

стр. 398

مساحات واسعة من الأرض، وخصوها بقسط من إيراد الدولة يؤدونه إليها في كل عام. فإذا ما غنم الجيش واقعة حربية كان أول سهم من الغنائم ومن الأسرى من نصيب الهياكل، وإذا أصاب الملك مغنماً قدمت الهدايا العظيمة للآلهة. وكان يفرض على بعض الأراضي أن تؤدي للهياكل ضريبة سنوية من التمر والحب والفاكهة؛ فإذا لم تؤدها نزعت الهياكل ملكيتها، وانتقلت هذه الملكية للكهنة أنفسهم في أغلب الأحوال. وكان الفقراء والأغنياء على السواء يخصصون للهياكل من مكاسبهم الدنيوية القدر الذي يظنون أنه يتفق ومصلحتهم الخاصة، وبذلك تكدس في خزائن الهياكل الذهب، والفضة، والنحاس، واللازورد، والجواهر، والأخشاب النفيسة. وإذ لم يكن في مقدور الكهنة أن يستخدموا هذه الثروة كلها أو يستنفذوها فقد حولوها إلى رأس مال منتج أو مستثمر، وأصبحوا بذلك أعظم القوامين على الشئون الزراعية والصناعية والمالية في الأمة بأسرها. ولم يكونوا يملكون مساحات واسعة من الأرض فحسب، بل كانوا يملكون فوق ذلك عدداً عظيمة من العبيد، ويسيطرون على مئات من العمال، يؤجرونهم بغيرهم من أصحاب الأعمال، أو يسخرونهم لخدمة الهياكل بالعمل في حرف لا حصر لها، تختلف ما بين عزف على الآلات الموسيقية إلى عصر الخمور (٦٦). كذلك كان الكهنة أعظم تجار بابل ورجال المال فيها، وكانوا يبيعون ما في حوانيت المعابد من سلع مختلفة، ويساهمون بقسط موفور في تجارة البلاد. وقد عرف عنهم أنهم من أحكم الأهلين في استثمار الأموال، ولهذا عهد إليهم الكثيرون استثمار أموالهم المدخرة لوثوقهم من أنهم سيحصلون منها على أرباح مضمونة وإن لم تكن موفورة. وكانوا يقرضون المال بشروط أرحم من الشروط التي يقرضها بها غيرهم من الأفراد؛ وكانوا في بعض الأحيان يقرضون المرضى والفقراء بغير فائدة، لا يطلبون إلا رؤوس أموالهم حين يبسم مردك للمقترض من جديد (٦٧). وكانوا

стр. 399

إلى هذا كله يؤدون بعض الأعمال العامة، فكانوا يعملون في توثيق العقود، ويشهدون عليها، ويوقعونها بأسمائهم، ويكتبون الوصايا، ويستمعون إلى القضايا والمحاكمات ويفصلون فيها، ويحفظون السجلات الرسمية، ويسجلون الأعمال التجارية. وكان الملك أحياناً يصادر بعض أموال الهياكل إذا واجه أزمة تتطلب المال الكثير. ولكن هذا كان عملاً نادراً شديد الخطورة، لأن الكهنة كانوا يصبون أشد اللعنات على كل من يمس أقل شيء من الأملاك الدينية بغير إذن منهم. هذا إلى أن نفوذهم لدى الأهلين كان أعظم من نفوذ الملك نفسه، وكان في وسعهم في بعض الأحيان أن يخلعوه عن عرشه إذا راجعوا أمرهم وسخروا ذكائهم وقواهم لهذه الغاية. يضاف إلى هذا أنهم يمتازون بالدوام والخلود؛ ذلك أن الملك يموت أما الإله فمخلد، ومن أجل هذا كان مجمع الكهنة الآمن من تقلبات الانتخاب، وأخطار المرض، والاغتيال والحرب، هيئة دائمة في مقدورها أن تضع الخطط الطويلة الأجل، وهي ميزة لا تزال تتمتع بها الهيئات الدينية الكبرى إلى هذا اليوم. كل هذه ظروف جعلت للكهنة سلطاناً فوق كل سلطان وكأن الأقدار قد شاءت أن تقوم بابل على جهود التجار، وأن يستمتع بخيراتها الكهنة. ترى ما هي تلك الآلهة التي كانت الشرطة الخفية للدولة البابلية؟ لقد كانت هذه الآلهة كثيرة العدد، لأن الأهلين كان لهم في خلقها خيال واسع لا ينضب معينه، ولم يكن ثمة حد للخدمات التي يمكن أن تؤديها لهم آلهتهم. وقد أحصي عدد الآلهة إحصاء رسمياً في القرن التاسع قبل الميلاد فكانوا حوالي ٠٠٥ ر ٦٥ (٦٨). ذلك أن كل مدينة كان لها رب يحميها، وكان يحدث في بابل ودينها ما يحدث عندنا اليوم في ديننا نحن. فقد كانت للمقاطعات والقرى آلهة صغرى تعبدها وتخلص لها، وإن كانت تخضع رسمياً

стр. 400

للإله الأعظم. فقد أقيمت في لارسا الهياكل الكثيرة لشمش، ولإشتار في أورك، ولننار في أور- ذلك أن الآلهة السومرية لم ينقض عهدها بانقضاء عهد دولة السومريين. ولم يكن الآلهة بمنأى عن الأهلين، فقد كان معظمهم يعيشون على الأرض في الهياكل، يأكلون الطعام بشهية قوية، ويزورون الصالحات من النساء في أثناء الليل فيستولدونهن أطفالاً لم يكن أهل بابل العاملون المجدون يتوقعون أن يولدوا لهم (٦٩). وأقدم الآلهة كلهم آلهة السماء وما فيها: أنو السماء الثابتة، وشمش الشمس، وننار القمر، وبل أو بعل الأرض التي يعود كل البابليين إلى صدرها بعد مماتهم (٧٠). وكان لكل أسرة آلهتها المنزلية تقام إليها الصلاة، وتصب إليها الخمور في كل صباح ومساء، وكان لكل فرد رب يحميه (أو ملك يحرسه كما نقول نحن بلغة هذه الأيام)، يرد عنه الأذى والسرور؛ وكان جن الخصب يحومون فوق الحقول ليباركوها. ولعل اليهود قد صاغوا ملائكتهم من هذا الحشد العظيم من الأرواح. ولسنا نجد عند البابليين شواهد على التوحيد كالتي ظهرت في عهد إخناتون وعهد إشعيا الثاني؛ على أن قوتين من القوى قد قربتاهم من هذا التوحيد، أولهما اتساع رقعة دولتهم عقب الحروب، وهذا الاتساع أخضع آلهتهم المحلية لسلطان إله واحد؛ والقوة الثانية أن كثيراً من المدن كانت تخلع على إلهها الخاص المحبب لها السلطان الأعلى والقدرة على كل شيء. من ذلك قول نبو مثلاً: "آمن بنبو، ولا تؤمن بغيره من الآلهة" (٧١). ولا يختلف هذا القول كثيراً عن الوصية الأولى من وصايا اليهود. وقل عدد الآلهة شيئاً فشيئاً بعد أن فسرت الآلهة الصغرى بأنها صور أو صفات للآلهة الكبرى. وعلى هذا النحو أصبح مردك إله بابل- وكان في بادئ الأمر من آلهة الشمس- كبير الآلهة البابلية (٧٢). ومن ثم لقب ِبل- مردك أي مردك الإله وإليه وإلى إشتار كان البابليون يوجهون أحر صلواتهم وأبلغ دعواتهم.

стр. 401

وليست أهمية عشتار (وهي إستارثي عند اليونان وعشتورت عند اليهود) لدينا مقصورة على أنها شبيهة بإيزيس إلهة المصريين، وعلى أنها النموذج الذي صاغ اليونان على مثاله آلهتهم أفرديتي والرومان فينوس، بل إنها تهمنا فوق ذلك لأنها تبارك عادة من أغرب العادات البابلية، فقد كانت هي دمتر وأفرتيتي معاً- أي أنها لم تكن إلهة جمال الجسم والحب وحسب، بل كانت فوق هذه الإلهة الرحيمة التي تعطف على الأمومة الولود، والموحية الخفية بخصب الأرض، والعنصر الخلاب في كل مكان، ويستحيل علينا، إذا نظرنا إلى صفات إشتار ووظائفها بمنظار هذه الأيام، أن نجد بينها كثيراً من التناسق؛ فقد كانت مثلاً إلهة الحرب والحب، وإلهة العاهرات والأمهات؛ وكانت تسمي نفسها "المحظية الرحيمة" (٧٣). وكانت تصور أحيانا في صورة إلهة ملتحية تجمع بين صفات الذكران والإناث؛ وأحياناً في صورة امرأة عارية تقدم ثدييها للرضاعة (٧٤). ومع أن عبادها كثيرون ما يخاطبونها بقولهم "العذراء" و "العذراء المقدسة" و "الأم العذراء"، فان كل ما تعنيه هذه الأقوال أن حبها كان مبرأ من دنس الزواج. وقد رفض جلجميش أن يتزوج بها حين عرضت عليه الزواج، وحجته في ذلك أنه لا يوثق بها، ألم تحب في يوم من الأيام أسداً وأغوته، ثم قتلته (٧٥)؟ وجلي أننا يجب أن نتغاضى عن قانوننا الأخلاقي إذا شئنا أن نفهم مقام هذه الألهة على حقيقتها. فليتأمل القارئ تلك الحماسة القوية التي يرفع بها البابليون إلى مقامها العظيم تسابيح الحمد التي لا يكاد يفوقها في روعتها إلا تلك التسابيح التي كان الأتقياء من المسيحيين يرفعونها فيما مضى لمريم أم المسيح: أتوسل إليكِ يا سيدة السيدات، يا ربة الربات، يا إشتار، يا ملكة المدائن كلها، ويا هادية كل الرجال. أنتِ نور الدنيا، أنتِ نور السماء، يا ابنة سن العظيم (إله القمر) … ألا ما أعظم قدرتك، وما أعظم مقامك فوق الآلهة أجمعين.

стр. 402

أنت تحكمين وحكمك عدل. وإليك تخضع قوانين الأرض وقوانين السماء. وقوانين الهياكل والأضرحة، وقوانين المساكن الخاصة والغرف الخفية. أين المكان الذي لا يذكر فيه اسمك، وأين البقعة التي لا تعرف فيها أوامرك؟ إذا ذكر اسمك اهتزت لذكراه الأرض والسماوات، وارتجفت له الآلهة إنك تنظرين إلى المظلومين، وتنصفين في كل يوم المهانين المحتقرين إلى متى يا ملكة السماء والأرض، إلى متى؟ إلى متى يا راعية الرجال الشاحبي الوجوه تتمهلين؟ إلى متى، أيتها الملكة التي لا تكل قدماها، والتي تسرع ركبتاها؟ إلى متى يا سيدة الجيوش، يا سيدة الوقائع الحربية؟ يا عظيمة، يا من تهابك كل أرواح السماء ويا من تخضعين كل الآلهة الغضاب، ويا قوية فوق كل الحكام، ويا من تمسكين بأعنة الملوك؟ يا فاتحة أرحام جميع الأمهات، ما أجل سناك! يا نور السماء البراق، يا نور العالم، يا من تضيئين كل الأماكن التي يسكنها بنو الإنسان، يا من تجمعين جيوش الأمم يا إلهة الرجال، ويا ربة النساء، إن مشورتك فوق متناول العقول. حيث تتطلعين تعود الحياة إلى الموتى، ويقوم المرضى ويمشون، ويشفى عقل المريض إذا نظر إلى وجهك إلى متى، أيتها السيدة، ينتصر عليّ عدوي؟ فمُري، فمتى أمرت ارتد الإله الغضوب إن إشتار عظيمة! إشتار ملكة! سيدتي، جليلة القدر، سيدتي ملكة، إنينى، ابنة سِنْ القوية. ليس لها مثيل (٧٦).

стр. 403

واتخذ البابليون هذه الآلهة شخصيات نسجوا حولها أساطيرهم التي وصل إلينا معظمها عن طريق اليهود، وأضحت جزءاً من قصصنا الديني. وأول ما نذكره من قصصهم قصة الخلق. فقد كان في أول الأمر عماء "ففي الوقت الذي لم يكن فيه شيء عال يسمى السماء، ولم يكن شيء وطئ يسمى الأرض، جاء أبو المحيط، وكان أبا الأشياء أول الأمر، وتيامات العماء، التي ولدتها كلها، وخلطا ماءهما معا"، وبدأت الأشياء تنمو على مهل وتتخذ لها أشكالاً، ولكن تيامات الآلهة المهولة شرعت تبيد كل الآلهة الآخرين، لتجعل نفسها- العماء- صاحبة المقام الأعلى. وأعقبت هذا ثورة عنيفة اضطرب منها كل نظام. ثم جاء إله آخر هو مردك وقتل تيامات بدوائها هي. وذلك بأن دفع في فمها ريحاً عاصفة حين فتحته لتبتلعه. ثم طعنها برمح في بطنها الذي انتفخ بما دخله من الريح، فانفجرت إلهة العماء. وتقول القصص بعدئذ أن مردك "عاد إلى هدوئه" فقسم تيامات ميتة قسمين مستطيلين، كما يقسم الإنسان السمكة ليجففها، "ورفع أحد النصفين إلى الأعلى فكان هو السماء، وبسط النصف الآخر تحت قدميه فكان الأرض" (٧٧). هذا كل ما وصل إلى علمنا حتى الآن عن قصة الخلق عند البابليين. ولعل الشاعر القديم أراد أن يوحي إلينا بهذه القصة أننا لا نعرف عن بداية الخلق إلا أن النظام قد استبدل بالفوضى والعماء، لأن هذا في آخر الأمر هو جوهر الفن والحضارة. على أننا يجب ألا يغرب عن بالنا أن هزيمة العماء ليست إلا أسطورة من الأساطير (١). ولما أن فتق مردك السماء والأرض ووضعهما في مكانيهما، شرع يعجن الأرض بدمائه ويصنع الناس لخدمة الآلهة. وتختلف القصص البابلية في وصف الطريقة

стр. 404

الدقيقة التي تم بها صنع الإنسان، ولكنها تتفق كلها بوجه عام في أن القول بأن الإله صنع الإنسان من قطعة من الطين، وهي لا تصفه بأنه كان يعيش في بادئ الأمر في جنة بل تقول إنه كان يعيش عيشة حيوانية في جهل وبساطة حتى جاءه وحش مهول يدعى أونس نصف سمكة ونصف فيلسوف، وعلمه الفنون والعلوم وتخطيط المدن ومبادئ القانون؛ ولما علمه إياها نزل إلى البحر وكتب كتاباً في تاريخ الحضارة (٧٩). غير أن الآلهة لم تلبث أن غضبت على الناس الذين خلقتهم، فأرسلت عليهم طوفاناً عارماً لتهلكهم وتمحو به سيئ أعمالهم. وأشفق إي إله الحكمة على البشر واعتزم أن ينجي منهم على الأقل رجلاً واحداً هو شمش- نيشتين وزوجته. "وظل الطوفان مهتاجاً؛ وغص البحر بالخلق كأنهم سرء السمك". ثم بكت الآلهة على حين غفلة وعضت بنان الندم على غفلتها وسوء تدبيرها وتساءلت "عمن سيقرب لها القربان المعتاد؟ "، ولكن شمش- نيشتين كان قد بنى فلكاً ونجا من الطوفان وحط على جبل نزير، وأرسل يمامة تستطلع؛ ثم قرر أن يقرب القربان للآلهة، وقبلت الآلهة قربانه وهي مندهشة شاكرة. "وشمت الآلهة الرائحة، شمت الآلهة الرائحة الزكية، واجتمعت كالذباب فوق القربان" (٨٠). وأجمل من هذه الذكرى الغامضة، ذكرى الطوفان المخرب، أسطورة إشتار وتموز. وكان تموز حسب نص القصة السومري أخاً أصغر لإشتار، أما في النص البابلي فهو أحياناً حبيبها وأحيانا ابنها. ويلوح أن كلا النصين قد سرى إلى أسطورة فينوس (الزهرة) وأدنيس، وأسطورة دمتر وبرستون، وإلى عشرات العشرات من القصص الأخرى التي تتحدث عن الموت والبعث. وتموز هذا، ابن الإله العظيم إي، راع يرعى غنمه تحت أريد الشجرة العظيمة (التي تغطي الأرض كلها بظلها)، وبينما هو يرعاها إذا شغفت بحبه إشتار، وهي دوماً ظمأى إلى الحب، واختارته زوجاً لها في شبابها. ولكن خنزيراً برياً يطعن تموز طعنة

стр. 405

قاتلة فيهوى كما يهوى جميع الموتى إلى الجحيم المظلم تحت الأرض، واسمه أرالو عند البابليين، وكانت تحكمه إرشكجال أخت إشتار التي كانت تغار منها وتحسدها. وتحزن إشتار ويبرح بها الحزن، فتعتزم النزول إلى أرالو لتعيد الحياة إلى تموز وذلك بأن تغسل جروحه في مياه إحدى العيون الشافية. وسرعان ما تظهر عند باب الجحيم في جمالها الرائع وتطلب أن يؤذن لها بالدخول. وتقص الألواح قصتها في صورة واضحة قوية: فلما سمعت إرشكجال هذا كانت كمن يقطع الطرفاء (ارتجفت؟) وكما يقطع الإنسان قصبة (اضطربت؟) أي شيء حرك قلبها، أي شيء (خفقت له) كبدها؟ يا من هناك، (هل) هذه (تريد أن تقيم) معي؟ وأن تتخذ من الطين طعاماً، وأن تشرب (التراب) خمراً؛ إنني أبكي الرجال الذين فارقوا أزواجهم، وأبكي النساء اللاتي انتزعن من أحضان أزواجهن؛ والصغار الذين (احتضروا فبل الأوان)، اذهب أيها الخازن وافتح لها الباب، وعاملها بمقتضى القرار القديم". وهذا القرار القديم يقضي بألا يُدخل أرالو إلا العراة. وعلى هذا فإن الخازن يخلع عن عشتار ثوباً من ثيابها أو حلية من حليها عن كل باب يتحتم عليها أن تجتازه: فيخلع عنها أولاً تاجها، ثم قرطيها، ثم عقدها، ثم حلية صدرها، ثم منطقتها ذات الجواهر الكثيرة، ثم الزركشة البراقة التي في يديها وقدميها، ثم يخلع عنها آخر الأمر منطقة حقويها؛ وتمانع إشتار في رقة، ثم تخضع: فلما نزلت إشتار إلى الأرض التي لا يعود منها من يدخلها

стр. 406

أبصرتها إرشكجال وأغضبها مجيئها. وألقت إشتار بنفسها عليها من غير تفكير، وفتحت إرشكجال فاها وتحدثت إلى نمتار رسولها … اذهب، يا نمتار، (واسجنها؟) في قصري، وسلط عليها ستين مرضاً، مرض العيون على عينها، ومرض الجنب على جنبيها، ومرض الأقدام على قدميها، ومرض القلوب على قلبها، ومرض الرأس على رأسها، على جميع جسدها. وبينما كانت إشتار حبيسة في الجحيم بما أرسلته عليها أختها، شعرت الأرض بأنها فقدت ما كان يوحي به إليها وجودها على ظهرها، فنسيت جميع الفنون وطرائق الحب، فلم يعد النبت يلقح النبت، وذبلت الخضر، ولم تشعر الحيوانات بحرارة، وامتنع الرجال عن الحنين: ولما نزلت السيدة إشتار إلى الأرض التي لا يعود منها من يدخلها لم يعل الثور البقرة، ولم يقرب الحمار الأتان والفتاة في الطريق لم يقترب منها رجل؛ ونام الرجل في حجرته، ونامت الفتاة وحدها. وأخذ السكان يتناقصون، وارتاعت الآلهة حين رأت نقص ما ترسله إليها الأرض من القرابين، واستولى عليها الذعر فأمرت إرشكجال أن تطلق

стр. 407

سراح إشتار، وتصدع إرشكجال بأمر الآلهة، ولكن إشتار تأبى أن تعود إلى ظهر الأرض إلا إذا سمح لها أن تأخذ معها تموز. وتجاب إلى طلبها، وتجتاز وهي ظافرة الأبواب السبعة، وتتسلم منطقة حقويها ثم الزركشة البراقة التي كانت على يديها وقدميها، ثم منطقتها، ثم حلي صدرها، وعقدها، وقرطيها، وتاجها. فلما ظهرت على الأرض نما النبات وأينع من جديد، وامتلأت الأرض طعاماً، وعاد كل حيوان يعمل للإكثار من نسله (٨١)، وعاد الحب- وهو أقوى من الموت- إلى مكانه الحق سيد الآلهة والأناسي. تلك قصة كل ما يراه فيها عالم اليوم أنها قصة رائعة خليقة بالإعجاب، ترمز في صورة جميلة ممتعة إلى موات التربة وعودتها إلى الحياة في كل عام، إلى ما للحب من قدرة دونها كل قدرة، وصفها لكريتس في شعره القوي حين تحدث عن الزهرة (فينوس). أم البابليون فكانت لهم تاريخاً مقدساً يؤمنون به أقوى إيمان، ويحتفلون بذكرى وقائعه في يوم يحزنون فيه وينتحبون ويبكون تموز الميت، يتلوه يوم يبتهجون فيه ويمرحون وهو يوم بعثه (٨٢). بيد أن عقيدة الخلود لم يكن فيها ما تبتهج له نفس البابلي. ذلك أن دينه كان ديناً أرضياً عميقاً. فإذا صلى لم يكن يطلب في صلاته ثواباً في الجنة بل كان يطلب متسعاً في الأرض (٨٣)، ولم يكن يثق بآلهته بعد أن يوارى في قبره. نعم إن نصاً من نصوصهم يصف مردك بأنه "الذي يحيي الموتى" (٨٤)، وأن قصة الطوفان تقول أن من نجوا منه قد عاشا أبد الدهر. ولكن فكرة البابليين عن الحياة الآخرة كانت في جملتها شبيهة بفكرة اليونان: فكرة أموات- فيهم قديسون وأنذال، وفيهم عباقرة وبلهاء؛ يذهبون كلهم إلى مكان مظلم في جوف الأرض ولا يرى الضوء من بعد ذلك أحد منهم. وكانت هناك جنة ولكنها اختصت بالإلهة، أما أرالو التي يهبط إليها جميع الناس فكانت داراً للعقاب في معظم الأحوال ولم تكن قط دار نعيم، تقيد فيها أيدي الموتى وأرجلهم أبد الدهر، وترتجف فيها أجسامهم من البرد،

стр. 408

يجوعون فيها ويظمئون إلا إذا وضع أبناءهم لهم الطعام في قبورهم في أوقات معينة (٨٥). ومن كان منهم كثير الذنوب على ظهر الأرض لقي فيها أشد العذاب؛ فسلط عيه الجذام يأكل جسمه أو غيره من الأمراض التي أعدها له ترجال وآلات سيد أرالو وسيدتها ليتطهر بها من ذنوبه. وكانت أكثر أجسام الموتى تدفن في قباب؛ ومنها ما كان يحرق وهو قليل ثم تحفظ بقاياه في قوارير (٨٦)، ولم تكن الجثث تحنط، ولكن نادبين محترفين كانوا يغسلون الجثة، ويلبسونها ثياباً حسنة، ويصبغون خديها، ويسودون جفونها، ويلبسونها خواتم في أصابعها، ويضعون معها بديلاً من الملابس الداخلية التي تلبسها. وإذا كانت الجثة لامرأة وضعت معها قوارير العطور، والأمشاط، وأقلام الأدهان، وكحل العينين، وذلك لكي تحتفظ بطيب رائحتها وجمال وجهها في الدار الآخرة (٨٧). وكانوا يعتقدون أن الميت إذا لم يدفن على خير وجه عذّب الأحياء؛ وإذا لم يدفن قط حامت روحه حول البالوعات والميازيب تطلب فيها الطعام، وقد تصيب مدينة برمتها بالأوبئة الفتاكة (٨٨). وهذا كله خليط من الأفكار ليست كلها منطقية متماسكة تماسك الهندسة الإقليدية، ولكن فيها ما يكفي لحفز البابلي الساذج على أن يقدم لآلهته وقساوسته كفايتهم من الطعام والشراب. وكان الطعام والشراب أكثر ما ُيقرّب من القرابين؛ وذلك لأن ما يتبقى منها لا يُتلف حتماً إذا لم يطعمه الآلهة. وكثيراً ما كان الضأن يضحى به على المذابح البابلية، وقد وصلت إلينا رقبة بابلية هي سابقة عجيبة لكبش الفداء عند اليهود والمسيحيين: "الكبش فداء للإنسان، الكبش الذي يفتدي به حياته" (٨٩). وكان تقريب القربان من الطقوس المعقدة التي تتطلب كاهن خبير بشئونها. وكانت التقاليد المتوارثة تقرر كل عمل يعمل، وكل لفظ يقال، فإذا أقدم على هذا العمل شخص هاو غير أخصائي فيه، ثم حاد قيد شعره عن المراسم المقررة، قد يكون معنى هذا أن تأكل الآلهة

стр. 409

الطعام ولا تصغي للدعاء. وكان الدين عند البابليين يُعنى بالمراسم الصحيحة أكثر مما ُيعنى بالحياة الصالحة. فإذا شاء الإنسان أن يؤدي ما يجب عليه نحو الآلهة كان عليه أن يقرب القربان اللائق للهياكل، ويتلو الصلوات والأدعية المناسبة (٩٠). أما فيما عدا هذا فقد كان في وسعه أن يفقأ عين عدوه المهزوم، ويقطع أيادي الأسرى وأرجلهم، ويشوي ما بقى من أجسامهم وهم أحياء (٩١)، دون أن يؤذي بذلك آلهة السماء. وكان أهم ما يجب أن يعمله البابلي التقي المستمسك بدينه أو يشترك في المواكب الطويلة المهيبة كالمواكب التي كان الكهنة ينقلون فيها صورة مردك من هيكل إلى هيكل، ويمثلون فيها مسرحية موته وبعثه المقدسة، أو أن يحضر هذه الاحتفالات وهو خاشع، وأن يطلي الأصنام بالزيوت المعطرة (١)، ويحرق البخور بين يديها، ويلبسها أحسن الثياب وأغلاها، أو يزينها بالجواهر؛ وأن يقدم عرض ابنته العذراء في احتفال إشتار العظيم وأن يقدم الطعام والشراب للآلهة، وأن يكون كريماً مضيفاً للكهنة (٩٣). أو لعلنا نظلمه كما سيظلمنا المستقبل بلا ريب حين يحكم علينا بالقليل الذي سوف تبقيه المصادفات المحضة من آثارنا، وتنجيه من عبث الزمان. استمع مثلا إلى ما يقوله نبوخد نصر الفخور مخاطباً مردك في تذلل وخضوع: إذ لم تكن أنت يا ربي فماذا يكون للملك الذي تحبه وتنادي باسمه؟ وستبارك لقبه حسب مشيئتك، وتهديه صراطاً مستقيماً. أنا الأمير الطائع لك، باق كما صنعتني يداك؛

стр. 410

إنك أنت خالقي، وأنت الذي حَكَّمتني في جيوش العباد وبمقتضى رحمتك، يا مولاي، … بدِّل قوتك الرهيبة حباً ورحمة، وابعث في قلبي الاحترام لربوبيتك وهبني ما ترى فيه الخير لي. هذا وإن الآداب الباقية لنا من عهد البابليين لتكثر فيها الترانيم التي تفيض بالتذلل الحار التي يحاول السامي أن يسيطر به على كبريائه ويخفيه عن الأنظار. وأكثر هذه الترانيم في صورة "أناشيد التوبة" وهي تهيئنا لتلك المشاعر العاطفية والصور الرائعة التي نراها في "مزامير" داود. ومن يدري لعل هذه كانت مثالاً احتذته تلك المزامير المتعددة النغمات. أنا خادمك أضرع إليك وقلبي مفعم بالحسرات، إنك لتقبل الدعاء الحار الصادر ممن أثقلته الذنوب، إنك لتنظر إلى الرجل، فيعيش ذلك الرجل … فانظر إليَّ بعطف حق وتقبل دعائي … ... ثم يقول بعد ذلك وكأنه لا يعرف أذكر ذلك أم أنثى: متى يا إلهي؛ متى يا إلهتي، يتجه وجهك إليَّ؟ متى يا إلهي، يا من أعرفه، ولا أعرفه، يهدأ غضب قلبك؟ متى يا إلهتي، يا من أعرفها ولا أعرفها، يهدأ قلبك الغضوب؟ لقد فسد الإنسان، وساء حكمه؛ ومَن مِن الأحياء كلهم يعرف شيئا؟

стр. 411

إنهم لا يعرفون أخيراً يفعلون أم شراً، أي إلهي لا تنبذ خادمك، لقد ألقى في الوحل فخُذ بيده! والذنب الذي أذنبته بدله رحمة! والظلم الذي ارتكبته، مر الريح أن تحمله! واخلع عني ذنوبي الكثيرة كما يخلع المرء الثياب! أي إلهي إن ذنوبي سبعة في سبعة؛ فاصفح عن ذنوبي! أي إلهتي إن ذنوبي سبعة في سبعة؛ فاصفحي عن ذنوبي! اصفحي عن ذنوبي تريني ذليلاً أمامك لعل قلبك يبتهج كما تبتهج الأم التي ولدت الأبناء؛ لعله يبتهج كما تبتهج الأم التي ولدت الأبناء، والأب الذي أنجب! وهذه الأناشيد والمزامير كان ينشدها الكهنة تارة، والمصلون تارة، وتارة ينشدها هؤلاء وأولئك معاً، وهم يتمايلون ذات الشمال وذات اليمين. ولعل أغرب ما في هذه الترانيم والأناشيد أنها- ككل آداب بابل الدينية- كتبت باللغة السومرية القديمة. وكان شأن هذه اللغة في الكنيستين البابلية والآشورية كشأن اللغة اللاتينية في الكنيسة الكاثوليكية لا تفترق عنها في شيء. وكما أن الترنيمة الكاثوليكية قد تحتوي بين سطورها اللاتينية ترجمتها بإحدى اللغات الحديثة، فكذلك نجد لبعض الترانيم التي وصلت إلينا من أرض الجزيرة ترجمة لها باللغة البابلية أو الآشورية بين سطور اللغة السومرية الأصلية "الفصحى"، على النحو الذي نشاهده في كتب بعض تلاميذ المدارس في هذه الأيام. وكما أن صيغة الترانيم وطقوسها هي التي مهدت لمزامير اليهود وطقوس الكنيسة الكاثوليكية، فإن موضوعاتها تنذر بالترانيم اليهودية والمسيحية الأولى، وترانيم المتطهرة المحدثين، تلك الترانيم المتشائمة التي يسري فيها شعور بالذنب والخطيئة. ذلك أن الشعور بالذنب، وإن لم

стр. 412

يكن له شأن كبير في حياة البابليين، تفيض به ترانيمهم، وتسري فيها كلها نغمة لا تزال باقية في الطقوس السامية وما اشتق منها من ترانيم غير الساميين. وإلى القارئ مثلاً من هذه الترانيم: " رب إن ذنوبي عظيمة، وأفعالي السيئة كثيرة! … إني أرزح تحت أثقال العذاب، ولم يعد في وسعي أن أرفع رأسي، إني أتوجه إلى إلهي الرحيم أناديه، وأنا أتوجع وأتألم! … رب لا ترد عنك خادمك! " (٩٦). وكانت فكرة الخطيئة عند البابليين مما جعل هذه التضرعات تصدر عن إخلاص حق شديد. ذلك أن الخطيئة لم تكن مجرد حالة معنوية من حالات النفس؛ بل كانت كالمرض تنشأ من سيطرة شيطان على الجسم في مقدوره أن يهلكه. وكانت الصلاة عندهم بمثابة رقية تخرج العفريت الذي أقبل عليه من طوائف القوى السحرية التي كان الشرق القديم يعيش فيها ويخوض عبابها. وكان البابليون يعتقدون أن هذه الشياطين المعادية للناس تترصده في كل مكان. فقد كانت تعيش في شقوق عجيبة وتتسلل إلى البيوت من خلال أبوابها، أو من فتحات مزالجها أو أوقابها، وتنقض على فريستها في صورة مرض أو جنة إذا ما ارتكب خطيئة أبعدت عنه إلى حين حماية الآلهة الخيرين. وكان للمردة، والأقزام، والمقعدين، وللنساء بنوع خاص، كان لهؤلاء كلهم في بعض الأحيان القدرة على إدخال الشياطين في أجسام من لا يحبون وذلك بنظرة من "عين حاسدة". وكان من المستطاع اتقاء شر هؤلاء الشياطين إلى حد ما باستعمال التمائم والطلاسم وما إليها من الرقى والأحاجي. وكانت صور الآلهة إذا حملها الشخص معه تكفي في الغالب لإخافة الشيطان وإبعاده. وكان من أقوى التمائم أثراً قلادة من حجارة صغيرة تسلك في خيط أو سلك وتعلق في العنق؛ على أن يراعى في الحجارة أن تكون من النوع الذي تربط الأقوال المأثورة بينه وبين الحظ الحسن، وفي الخيط أن يكون أسود أو أبيض أو أحمر حسب الغرض الذي يريده منه صاحبه. وكان

стр. 413

من أشد الخيوط أثراً الخيط الذي يغزل من عنزة لم يقربها تيس (٩٧). وكان من الحكمة أن يستعان فضلاً عن هذه الوسائل بالرقى الحارة والطقوس السحرية لإخراج الشيطان من الجسم، كرشه بالماء المحمول من أحد المجاري المقدسة كدجلة والفرات. وكان من المستطاع عمل صورة للشيطان، ووضعها في قارب، وإلقاؤها في الماء بعد أن تتلى عليها صيغة خاصة. وإذا أمكن صنع القارب بحيث ينكفئ كان ذلك أفضل. وكان من المستطاع إقناع الشيطان بالرقية الصحيحة بترك ضحيته البشرية وتقمص جسم الحيوان- كجسم طير أو خنزير أو حمل، والأخير أكثر شيوعاً (٩٨). وكانت أكثر الكتابات البابلية التي وجدت في مكتبة أشور بانيبال هي الكتابات المحتوية على صيغ سحرية لطرد الشياطين واتقاء أذاها، والتنبؤ بالغيب. ومن الألواح التي وجدت كتب في التنجيم، ومنها ما هو قوائم في الفأل السماوي منه والأرضي، وإلى جانبها إرشادات عديدة تهدي إلى طريقة قراءتها؛ ومنها بحوث في تفسير الأحلام لا تقل براعة وبعداً عن المعقول عن أرقى ما أخرجته بحوث علم النفس الحديث. ومنها إرشادات في التنبؤ بالغيب ببحث أحشاء الحيوانات أو بملاحظة مكان نقطة من الزيت وشكلها إذا سقطت في إبريق ما (٩٩). وكان من أساليب التنبؤ الشائعة عند البابليين ملاحظة كبد الحيوان، وقد أخذ ذلك عنهم ما جاء بعدهم من الأمم القديمة. ذلك أن الاعتقاد السائد عند هذه الأمم هو أن الكبد مركز العقل في الحيوان والإنسان على السواء. ولم يكن ملك يجرؤ على شن حرب أو الاشتباك في واقعة، ولم يكن بابلي يجرؤ على البت في أمر من الأمور، أو الإقدام على مشروع خطير، إلا إذا استعان بكاهن أو عراف ليقرأ له طالعه بطريقة من الطرق الخفية السالفة الذكر. وليس في الحضارات كلها حضارة أغنى في الخرافات من الحضارة البابلية، فكل حالة من الحالات وفاة كانت أو مولوداً، كان لها عند الشعب

стр. 414

شرح وتأويل. وكثيراً ما كان لها تفسير رسمي وديني يصاغ في عبارات سحرية أو خارجة عن السنن الطبيعية. وكان في كل حركة من حركات النهرين، وكل منظر من مناظر الهجوم، وكل حلم، وكل عمل غير مألوف يأتيه إنسان أو حيوان، شاهد يكشف عن المستقبل البابلي الخبير العارف ببواطن الأمور. فمصير الملك يمكن التنبؤ به بملاحظة حركات كلب (١٠٠)، كما نتنبأ نحن بطول الشتاء بالتجسس على المرموط (١). وقد تبدو خرافات البابليين سخيفة في نظرنا، لأنها تختلف في ظاهرها عن خرافاتنا نحن؛ والحق أنه لا توجد سخافة في الماضي إلا وهي منتشرة في مكان ما في الوقت الحاضر. وما من شك في أن تحت كل حضارة بحراً من السحر والتخريف والشعوذة، ولعل هذه كلها ستظل باقية بعد أن يزول من العالم نتاج عقولنا وتفكيرنا.

стр. 415

الفصل الخامس أخلاق البابليين انفصال الدين عن الأخلاق - العهر المقدس - الحب الحر - الزواج - الزنا - الطلاق - مركز المرأة - انحلال الأخلاق لعل هذا الدين رغم ما فيه من عيوب، قد رقق من طباع البابلي العادي وجعله إنساناً مؤدباً سلس القياد إلى حد ما؛ وإلا فكيف تفسر إكرام الملوك للكهنة. ولكن يلوح أنه لم يكن له في تاريخ البلاد المتأخر أثر ما في الطبقات العليا من الشعبين وذلك لأن "بابل العاهرة" كما كان يراها ويصفها أعداؤها غير العدول كانت "مباءة للظلم"، ومثلاً سيئاً في الانحراف والترف للعالم القديم بأجمعه. وحتى الإسكندر نفسه وهو الذي لم يكن يتورع عن الشراب حتى الموت قد هاله ما رأى من أخلاق البابليين (١٠١). وأهم ما يلفت نظر المراقب الأجنبي في حياة البابليين تلك العادة التي تعرفها من وصف لها في إحدى صفحات هيرودوت الذائعة الصيت: "ينبغي لكل امرأة بابلية أن تجلس في هيكل الزهرة مرة في حياتها، وأن تضاجع رجلاً غريباً. ومنهن كثيرات يرتفعن عن الاختلاط بسائر النساء، لكبريائهن الناشئ من ثرائهن، وهؤلاء يأتين في عربات مقفلة ويجلسن في الهيكل ومن حولهن عدد كبير من الحاشية والخدم. أما الكثرة الغالبة منهن فيتبعن الطريقة الآتية: تجلس الكثيرات منهن في هيكل الزهرة وعلى رؤوسهن تيجان من الحبال، بين الغاديات والرائحات اللاتي لا ينقطع دخولهن وخروجهن. وتخترق جميع النساء ممرات مستقيمة متجهة في كل الجهات، ثم يمر فيها الغرباء ليختاروا من النساء ممن يرتضون. فإذا جلست امرأة هذه الجلسة كان عليها ألا تعود إلى منزلها حتى يلقي أحد الغرباء قطعة من الفضة

стр. 416

في حجرها ويضاجعها في خارج المعبد. وعلى من يلقي القطعة الفضية أن يقول: أضرع إلى الإلهة ميلتا أن ترعاك؛ ذلك بأن الآشوريين يطلقون على الزهرة اسم ميلتا (١). ومهما يكن من صغر القطعة الفضية فإن المرأة لا يجوز لها أن ترفضها، فهذا الرفض يحرمه القانون لما لها في نظرهم من قداسة. وتسير المرأة وراء أول رجل يلقيها إليها، وليس من حقها أن ترفضه أيا كان. فإذا ما ضاجعته وتحللت مما عليها من واجب للآلهة، عادت إلى منزلها. ومهما بذلت لها من المال بعدئذ لم يكن في وسعك أن تنالها. ومن كانت من النساء ذات جمال وتناسب في الأعضاء، لا تلبث أن تعود إلى دارها، أما المشوهات فيبقين في الهيكل زمناً طويلاً، وذلك لعجزهن عن الوفاء بما يفرضه القانون عليهن؛ ومنهن من ينتظرن ثلاث سنين أو أربعاً" (١٠٢). ترى ماذا كان منشأ هذه السنة العجيبة؟ فهل كانت بقية من بقايا الشيوعية الجنسية، أي رخصة يمنح بها عريس المستقبل "حق الليلة الأولى" للمجتمع الممثل في المواطن العارض غير المعروف (١٠٣)؟ أو هل كان منشؤها خوف العريس من ارتكاب جريمة سفك الدماء التي تحرمها الشرائع (١٠٤)؟ أو هل كانت استعداداً ضمنياً للزواج شبيهاً بالسُنَّة التي لا يزال يسير عليها بعض القبائل في استراليا إلى هذه الأيام (١٠٥)؟ أو أنها لم تكن أكثر من قربان يقرب للآلهة- فتقدم لها باكورة الفاكهة (١٠٦)؟ من يدري؟ ولم تكن هذه النساء عاهرات بطبيعة الحال. لكن عاهرات من أصناف مختلفة كن يسكن في أرباض الهيكل ويمارسن حرفتهن فيها، ومنهن من كن يجمعن من عملهن الأموال الطائلة. وكانت عاهرات الهياكل كثيرات في غرب آسية: نجدهن عند بني إسرائيل (١٠٧)، وفي فريجيا، وفينيقية، وسوريا

стр. 417

وغيرها من الأقطار. وكانت البنات في ليديا وقبرص يحصلن على بائنة زواجهن بهذه الطريقة نفسها ١٠٩). وظلت "الدعارة المقدسة" عادة متبعة في بلاد بابل حتى ألغاها قسطنطين (حوالي عام ٣٢٥ ق. م) (١٠٩). وكان إلى جانبها عهر مدني منتشر في حانات الشراب التي تديرها النساء (١١٠). وكان يسمح للبابليين في العادة بقسط كبير من العلاقات الجنسية قبل الزواج، ولم يكن يظن على الرجال والنساء أن يتصلوا اتصالاً غير مرخص به "بزيجات تجريبية" تنتهي متى شاء أحد الطرفين أن ينهيها؛ ولكن المرأة في هذه الحالات كان من واجبها أن تلبس زيتونة ـ من حجر أو طين محروق ـ دلالة على أنها محظية (١١١). وتدل بعض الألواح على أن البابليين كانوا ينشئون القصائد الغزلية ويغنون الأغاني الغرامية؛ ولكن هذه القصائد والأغاني لم يبق منها إلا سطر هنا وسطر هناك، كانت تستهل به القصيدة أو الأغنية كقولهم: "إن حبيبي من نور" أو "إن قلبي مليء بالمرح والغناء" (١١٢). ولدينا خطاب يرجع تاريخه إلى عام ٢١٠٠ ق. م، وتشبه نغمته رسائل نابليون الأولى إلى جوزفين (١): "إلى بيبيا … لعل شمش ومردك يهبانك صحة أبدية … لقد أرسلت (أستفسر) عن صحتك، فخبريني كيف حالك؛ لقد وصلت إلى بابل، ولكني لا أراك؛ إني في أشد الحزن" (١١٣). وكان الآباء هم الذين يهيئون الزواج الشرعي لأبنائهم، وكان الطرفان يقرانه بتبادل الهدايا، ولعل هذه العادة كانت أثراً من نظام قديم هو نظام الزواج بالبيع والشراء. فكان الخطيب يتقدم إلى والد العروس بهدية قيمة؛ ولكن الوالد كان ينتظر منه أن يهب ابنته بائنة أعظم قدراً من الهدية (١١٤)، حتى لقد كان يصعب على المرء أن يقول أيهما المشترى المرأة أم الرجل؟ على أن بعض

стр. 418

الزيجات كانت بيعاً صريحاً، من ذلك إن شمشتريز حصل على عشرة شواقل (٥٠ ريالا) ثمناً لابنته (١١٥). وإذا جاز لنا أن نصدق أبا التاريخ "فإن من كانت لهم بنات في سن الزواج يأتون بهن مرة في كل عام إلى مكان يجتمع فيه حولهن عدد كبير من الرجال، ثم يصفهن دلاّل عام ويبيعهن جميعاً واحدة في إثر واحدة، فينادي أولاً على أجملهن، وبعد أن يقبض فيها ثمناً عالياً ينادي على من تليها في الجمال. ولكنه لم يكن يبيعهن إلا بشرط أن يتزوجهن المشترون … وهذه العادة المستحبة لم يعد لها الآن بقاء" (١١٦). ويلوح أن الزواج في بابل، رغم هذه الأساليب الغريبة، لم يكن يقل إخلاصاً واقتصارا على واحدة عنه في العالم المسيحي في هذه الأيام. وكانت الحرية المباحة للأفراد قبل الزواج يتبعها إرغام شديد على الاستمساك بالوفاء الزوجي بعده، وكان القانون ينص على إغراق الزوج الزاني ومن زنت معه إلا إذا أشفق الزوج على زوجته فآثر أن يستبدل بهذه العقوبة إخراجها إلى الطريق عارية إلا من القليل الذي لا يكاد يستر شيئا من جسمها (١١٧). وقد بز حمورابي قيصر من هذه الناحية فقال في إحدى مواد قانونه: "إذا أشار الناس بإصبعهم إلى زوجة رحل لعلاقتها برجل غيره، ولم تضبط وهي تضاجعه، وجب أن تلقي بنفسها في النهر لشرف زوجها (١١٨). ولعل الذي كان يهدف إليه القانون بهذه العقوبة هو منع أحاديث الإفك. وكان في وسع الرجل أن يطلق زوجته، ولا يتطلب منه هذا أكثر من رد بائنتها إليها وقوله لها: "لستِ زوجتي"، أما إذا قالت هي له: "لستَ زوجي"، فقد وجب قتلها غرقاً (١١٩). وكان عقم الزوجة، وزناها، وعدم اتفاقها مع زوجها، وسوء تدبيرها لمنزلها، كانت هذه في حكم القانون مما يجيز طلاقها (١٢٠). وفي ذلك يقول القانون: "إذا لم تكن سيدة حريصة على أداء واجبها، بل كانت دوارة غير مستقلة في منزلها، مهملة لشئون بيتها، مستخفة بأطفالها، وجب أن تلقى في الماء (١٢١). وفي مقابل هذه

стр. 419

القسوة غير المعقولة المنصوص عليها في القانون، كان للمرأة من الوجهة العملية أن تفارق زوجها، وإن لم يكن من حقها أن تطلقه، إذا أثبتت قسوته عليها مع إخلاصها له؛ وكان في وسعها في هذه الحال وأمثالها أن تعود إلى أهلها وأن تأخذ معها بائنتها وما عسى أن تكون قد حصلت عليه بعدئذ من المتاع (١٢٢). (ولم تستمتع نساء إنجلترا نفسها بهذه الحقوق إلا في أواخر القرن التاسع عشر). وإذا غاب الزوج عن زوجته في عمل أو حرب زمناً ما، ولم يترك لها ما تعيش منه كان لها أن تعيش مع رجل آخر، دون أن يحول ذلك من الوجهة القانونية بينها وبين انضمامها مرة أخرى إلى زوجها بعد عودته من غيبته (١٢٣). وفي وسعنا أن نقول بوجه عام إن مركز المرأة في بابل كان أقل منه في مصر وفي روما، ولكنه مع ذلك لم يكن أقل من مركزها عند اليونان الأقدمين أو عند الأوربيين في العصور الوسطى. وكان لابد لها لكي تؤدي أعمالها الكثيرة- من ولادة الأبناء وتربيتهم، ونقل الماء من النهر أو الآبار العامة، وطحن الحبوب، والطهي، وغزل الخيوط ونسجها، وتنظيف دارها- كان لابد لها لكي تؤدي هذه الأعمال أن تكون حرة في غدوها ورواحها بين الناس لا تكاد تفترق من هذه الناحية عن الرجل في شيء (١٢٤). وكان من حقها أن تمتلك الثروة وتستمتع بدخلها وتتصرف فيها بالبيع والشراء، وأن ترث وتُوَرّثْ (١٢٥). ومن النساء من كانت لهن حوانيت، يتجرن فيها، بل إن منهن من كن كاتبات، وفي هذا دليل على أن البنات كن يتعلمن كالصبيان (١٢٦). غير أن التقاليد السامية التي تمنح أكبر ذكور الأسرة سلطة لا تكاد تقف عند حد كانت تحول دون ما عساه أن يكون باقياً في أرض الجزيرة من أزمنة ما قبل التاريخ من نزعة لتغليب سلطان الأم. وكان من العادات المتبعة عند الطبقات العليا عادة- ولعلها هي التي أدت إلى عادة الحجاب عند المسلمين والهنود- أن يكون للنساء جناح خاص أو أجنحة خاصة في المنزل؛ وكن إذا

стр. 420

خرجن صحبهن رقباء من الخصيان والخدم (١٢٧). أما الطبقات السفلى فلم تكن نساؤها أكثر من آلات لصنع الأطفال، وإذا لم تكن لهن بائنات كانت مكانتهن لا تكاد تفترق عن مكانة الإماء (١٢٨). وتشير عبادة عشتار إلى أن المرأة والأمومة كان لهما قسط من التبجيل في بلاد بابل، كانت تشير عبادة مريم العذراء في العصور الوسطى إلى ما كان لها من التبجيل وقتذاك؛ ولكننا إذا أخذنا بقول هيرودوت إن البابليين إذا حوصروا " كانوا يخنقون زوجاتهم لكيلا يستهلكن ما عندهم من الطعام " (١٢٩)، لا نرى أن البابليين كانت لديهم كثير من صفات الشهامة والفروسية التي كانت لدى الأوربيين في تلك العصور. لذلك ترانا نجد بعض العذر للمصريين إذا وصفوا البابليين بأنهم قوم لم يصلوا إلى درجة كبيرة في الحضارة. والحق أننا لا نجد عندهم ما تشهد به آداب المصريين وفنونهم من رقة أخلاقهم ومشاعرهم. ولما أن وصلت هذه الرقة إلى البابليين وصلت إليهم تحت ستار الانحلال المخنث .. فكان الشبان يصبغون شعرهم ويقصونه، ويعطرون أجسامهم، ويحمرون خدودهم، ويزينون أنفسهم بالعقود والأساور، والأقراط، والقلائد. ولما فتح الفرس بلادهم وقضوا بذلك على عزتهم النفسية، تحرروا أيضاً من جميع القيود الخلقية، وسرت عادات العاهرات إلى جميع الأوساط وأضحت نساء الأسر الكبيرة يرين أن إظهار محاسنهن أياً كانت ليستمتع بها أعظم استمتاع أكبر عدد مستطاع، أصبحن لا يرين في هذا شيء أكثر من مجاملة عادية (١٣٠). وإذا جاز لنا أن نصدق هيرودوت فإن "كل رجل من عامة الشعب إذا عضه الفقر، عرض بناته للدعارة طلباً للمال" (١٣١). وكتب كوتنس كورتيس عام ٤٢ ب. م يقول: "ليس ثمة أغرب من أخلاق هذه المدينة. فلسنا نجد في أي مكان آخر ما نجده فيها من تهيئة كل شيء على خير وجه لإشباع الملذات الشهوانية". لقد فسدت الأخلاق وانحلت حين أثرت الهياكل، وانهمك أهل بابل في ملذاتهم فرضوا أن تخضع مدينتهم للكاشيين والأشوريين والفرس واليونان.

стр. 421

الفصل السادس الكتابة والأدب الكتابة المسمارية - حل رموزها - اللغة - الأدب - ملحمة جلجميش ترى هل خلدت هذه الحياة، حياة الشهوات والتقوى والتجارة، في الأدب أو الفن، تخليداً رائعاً نبيلاً؟ لعل هذا قد كان لأننا لا نستطيع أن نحكم على مدينة ما من شذرات متفرقة من حطام بابل قذف بها بحر الزمان. إن هذه الشذرات تتصل معظمها بشئون الصلات والسحر والتجار؛ وليس ما خلفته من تراث أدبي بالشيء الكثير إذا قيس إلى ما تركته مصر وفلسطين، كانت هذه القلة شبيهة بأشور وفارس، ولسنا ندري أكان هذا من أثر الظروف والمصادفات أم كان من أثر فقرها الثقافي. أما فضلها على العالم في ميدان التجارة وفي القانون. لكن الكتبة رغم هذا كانوا في مدينة بابل التي كان يسكنها خليط من جميع الأجناس لا يقلون عنهم في منف أو طيبة. ذلك أن فن الكتابة كان لا يزال في بداية عهده فناً ينال به من يجيده مركزاً عظيماً في المجتمع، فقد كان الطريق الموصل إلى المناصب الحكومية والكهنوتية؛ ولم يكن صاحبه يغفل قط عن الإشادة بفضله فيما يرويه من أعماله، وكان من عادة الكاتب أن ينقش ما يفيد هذا على خاتمه الأسطواني (١٣٣) كما كان العلماء والمتعلمون في العالم المسيحي من وقت قريب يذكرون مؤهلاتهم العلمية على بطاقاتهم. وكان البابليون يكتبون بالخط المسماري على ألواح من الطين الرطب بقلم ذي طرف شبيه بالمنشور الثلاثي أو الإسفين. فإذا امتلأ اللوح كتابة جففوه أو حرقوه، فكان بذلك مخطوطاً غريباً طويل البقاء. وإذا كان المكتوب رسالة نثر عليها التراب الناعم، ووضعت في مظروف

стр. 422

من الطين، وبصمت بخاتم مرسلها الأسطواني، وكانت الألواح الطينية المحفوظة في جرار مصنفة ومرتبة على رفوف تملأ عدداً كبيراً من المكتبات في هياكل الدولة البابلية وقصورها. وقد ضاعت هذه المكتبات، ولكن واحدة من أعظمها وهي مكتبة بورسبا قد نسخت وحفظت في مكتبة أشور بانيبال. كان ألواحها البالغ عددها ٣٠ ألف لوح أهم مصدر استقينا منه معلوماتنا عن الحياة البابلية. ولقد حيرت الكتابة البابلية العلماء فضلوا مئات السنين عاجزين عن حل رموزها، وكان نجاحهم في حلها آخر الأمر عملا من أجلّ الأعمال في تاريخ العلم. وتفصيل ذلك أن جورج جروتفند أستاذ اللغة اليونانية في جامعة جوتنجن أبلغ المجمع العلمي في تلك المدينة عام ١٨٠٢ م أنه ظل عدة سنين يواصل البحث في بعض مخطوطات مسمارية وصلت إليه من بلاد الفرس القديمة، وأنه استطاع آخر الأمر أن يتعرف على ثمانية من الاثنين والأربعين حرفاً المستعملة في هذه النقوش، وأنه ميز ثلاثة من أسماء الملوك المدونة فيها. وبقيت الحال كذلك، أو ما يقارب من ذلك، حتى عام ١٨٣٥ حين استطاع هنري رولنسن أحد موظفي السلك السياسي البريطاني في إيران، على غير علم منه بما توصل إليه جروتفند، أن يقرأ ثلاثة أسماء هي هستسبس، ودارا، وخشيارشاي (إكزركس) في نقش مكتوب بالخط الفارسي القديم وهو خط مسماري مشتق من الكتابة البابلية، وأمكنه بفضل هذه الأسماء أن يقرأ الوثيقة كلها في آخر الأمر. ولكن هذه الكتابة وان كانت مشتقة من الكتابة البابلية لم تكن هي البابلية نفسها، وقد بقى على رولنسن أن يعثر على حجر رشيد بابلي كما عثر شامبليون على حجر رشيد مصر، أي على نص واحد باللغتين الفارسية القديمة والبابلية. وهذا ما عثر عليه في مكان يعلو عن سطح الأرض نحو ثلاثمائة قدم. وكان هذا النقش على صخرة يتعذر الوصول إليها عند بهستون في جبال ميديا، حيث أمر دارا الأول الحفارين أن يسجلوا حروبه وانتصاراته بثلاث لغات: الفارسية القديمة، والآشورية، والبابلية. وظل

стр. 423

رولنسن يوماً بعد يوم يرقى هذه الصخرة معرضاً بذلك حياته لأشد الأخطار، وكثيراً ما كان يشد نفسه بحبل وهو ينسخ كل حرف من حروفها بعناية بالغة، حتى لقد كان أحيانا يطبع النقش كله على عجينة لينة. وبعد جهد دام اثنتي عشرة سنة كاملة نجح في ترجمة النصين البابلي والآشوري (١٨٤٧ م). وأرادت الجمعية الآسيوية الملكية أن تتثبت مما وصل إليه رولنسن وغيره من العلماء في هذه الوثيقة وفي غيرها من الوثائق فأرسلت إلى أربعة من علماء الآثار الآشورية أربعة صور من وثيقة مسمارية لم تكن قد نشرت وقتذاك وطلبت إلى كل منهم على انفراد أن يترجمها مستقلا عن الثلاثة الآخرين دون أن يتصل بهم أو يراسلهم. فلما جاءت الردود وجدت كلها متفقة بعضها مع بعض اتفاقا يكاد يكون تاماً. وبفضل هذا الكفاح العلمي المنقطع النظير اتسعت دائرة البحوث التاريخية بما دخل فيها من علم بهذه الحضارة (١٣٤) الجديدة. واللغة البابلية القديمة لغة سامية نشأت من تطور لغتي سومر وأكد. وكانت تكتب بحروف سومرية الأصل، ولكن مفرداتها اختلفت عنها على مر الأيام (كما اختلفت اللغة الفرنسية عن اللاتينية)، حتى استلزم هذا الاختلاف بين اللغتين السومرية والبابلية وضع معاجم وقواعد في النحو والصرف يستعين بها العلماء والكهنة من الشبان على تفهم اللغة السومرية "الفصحى" والكتابات السومرية الكهنوتية. ومن أجل هذا نرى نحو ربع الألواح التي عثر عليها المنقبون في المكتبة الملكية بنينوى معاجم في اللغات السومرية والبابلية والآشورية وكتباً في نحوها وصرفها. وتقول الروايات التاريخية إن هذه المعاجم قد وضعت من عهد موغل في القدم وهو عهد سرجون ملك أكد. ألا ما أقدم عهد الدراسات العلمية! والعلامات في اللغة البابلية كعلامات في اللغة السومرية لا تدل على حروف وإنما تدل على مقاطع. ذلك أن البابليين لم يضعوا لهم حروفاً هجائية مستقلة بل ظلوا

стр. 424

طول عهدهم قانعين بطائفة من المقاطع يرمزون لها بنحو ثلاثمائة علامة من العلامات. وقد كان حفظ هذه الرموز المقطعية عن ظهر قلب ودراسة قواعد الحساب والتعاليم الدينية المنهج المقرر في مدارس الهياكل، حيث كان الكهنة يلقنون الشبان ما هو خليق بالدرس والمعرفة. وقد كشفت بعض أعمال الحفر عن حجرة دراسية قديمة وجدت على أرضها ألواح طينية لبنين وبنات كتبت فيها حكم أخلاقية تحث على الفضيلة قبل مولد المسيح بنحو ألفي عام، كانت كارثة مفاجئة نكاد نحن أن نحمد الله على وقوعها دهمت التلاميذ، فقطعت عليهم درسهم وحفظت لنا ألواحهم، ومصائب قوم عند قوم فوائد (١٣٥). وكان البابليون كالفينيقيين، ينظرون إلى الكتابة على أنها مجرد وسيلة لتيسير بعض الأعمال التجارية، ولذا لم يضيعوا كثيراً من طينهم في كتابة الأدب. ونجد في ألواحهم قصصاً منظومة على لسان الحيوان- وهي نوع من أنواع لا حصر لها من القصص الخرافية- كما نجد فيها ترانيم دقيقة الوزن، مقسمة إلى سطور وإلى مقطوعات مفصولة بعضها عن بعض؛ لكن لا نجد من الشعر غير الديني الذي يصف شئون الناس العادية إلا القليل الذي لا يستحق الذكر؛ ونرى في المراسم الدينية ما يبشر بنشأة المسرحيات، وان لم تصل إلى مسرحيات بالفعل، ونجد عندهم قناطير مقنطرة من كتب التاريخ. ذلك أن المؤرخين الرسميين كانوا يسجلون تقى الملوك وفتوحهم، وما يصيب كل هيكل من الهياكل من عوادي الدهر، وما يقع في كل مدينة من أحداث هامة. ويقص علينا بروسس أشهر المؤرخين البابليين وأنبههم ذكراً في اطمئنان العالم الواثق من علمه، تفاصيل وافية عن خلق العالم وتاريخ الإنسان في عهده الأول. ويقول إن الله قد اختار أول ملك من ملوك بابل ليتولى حكمها، وأنه حكمها ستة وثلاثين ألف عام، كما يقدر في الدقة، جديرة في حد ذاتها بالثناء، وباعتدال ليس فيه ما في تقدير غيره من إسراف الزمن الذي مضى من خلق الأرض إلى أيام الطوفان

стр. 425

الأعظم بستمائة وواحد وتسعين ألفاً ومائتين من السنين (١٣٧). ومن أروع الآثار الأدبية التي خلفتها أرض الجزيرة اثنا عشر لوحاً محطماً وجدت في مكتبة أشور بانيبال، وهي الآن في المتحف البريطاني. وقد كتبت على هذه الألواح ملحمة جلجميش الذائعة الصيت، وتتألف من طائفة من القصص غير الوثيقة الاتصال ضمت بعضها إلى بعض في عهود مختلفة يرجع بعضها إلى أيام السومريين أي إلى ما قبل المسيح بثلاثة آلاف عام. ومن هذه القصص النص البابلي لقصة الطوفان. وكان جلجميش بطل القصة السالفة الذكر حاكماً أسطورياً لأروك أو إرك وهو من نسل شمش- نيشتين الذي نجا من الطوفان ولم يمت قط. ويدخل جلجميش في القصة في صورة مركبة من صورتي أونيس وشمشون، فهو طويل القامة ضخم الجسم، ومفتول العضلات، جرئ مقدام، جميل يفتن الناس بجماله. ثلثاه إله، وثلثه آدمي، لا يماثله أحد في صورة جسمه … ، يرى جميع الأشياء، ولو كانت في أطراف العالم، كابد كل شيء، وعرف كل شيء، واطلع على جميع الأسرار، واخترق ستار الحكمة الذي يحجب كل شيء، ورأى ما كان خافياً، وكشف الغطاء عما كان مغطى، وجاء بأخبار الأيام التي كانت قبل الطوفان، وسار في طريق بعيد طويل، كابد فيه المشاق والآلام،
следующие страницы →