مولعين بالحروب ولعهم بالمواعظ. ولقد قتل ثمانية من ملوك إسرائيل التسعة عشر (١٧٧). وكانت العادة المتبعة أن تدمر المدن التي يستولون عليها في حروبهم، وأن تقطع بحد السيف رقاب جميع الذكور من سكانها، وأن تتلف الأرض حتى لا تصلح للزرع إلا بعد زمن طويل، شأنهم في هذا شأن الناس في تلك الأيام (١٧٨). ولعل أعداد القتلى الواردة في أقوالهم كان يبالغ فيها كثيراً. فليس من المعقول مثلا أن "يقتل بنو إسرائيل من الآراميين (١) مائة ألف رجل في يوم واحد" (١٧٩) بغير آلات الحرب الحديثة. وكان اعتقادهم أنهم شعب الله المختار (١٨٠) سبباً في ازدياد الكبرياء الطبيعي في أمة تشعر بما لها من مواهب متفوقة، كما كان سبباً في تقوية ما لديهم من نزعة إلى اعتزال غيرهم من الشعوب من الوجهتين العقلية والروحية، وفي حرمانهم من أن ينظروا إلى الأمور نظرة أممية كان أبناؤهم جديرين بأن يصلوا إليها. لكنهم مع ذلك بلغوا درجة عظيمة من الفضائل المتصلة بصفاتهم هم أنفسهم، وكان منشأ عنفهم هو ما كانوا يتصفون به من حيوية عارمة جامحة؛ وكانت عزلتهم ناشئة من تقواهم، كما كان ميلهم إلى الخصام والتذمر ناشئاً من حساسيتهم القوية التي أمكنتهم من إنتاج أعظم آداب الشرق الأدنى؛ وكان كبرياؤهم العنصري أقوى سند لشجاعتهم في خلال قرون التعذيب الطوال. ذلك أن الناس يكونون كما تضطرهم الظروف أن يكونوا.
والوصية السابعة تعترف بأن الزواج هو الأساس الذي تقوم عليه الأسرة، كما تعترف الخامسة بأن الأسرة هي أساس المجتمع، وهي تضفي على الزواج كل ما يستطيع الدين أن يضفي عليه من عون. ولا تذكر شيئاً عن العلاقات الجنسية قبل الزواج، ولكن ثمة أنظمة أخري تحتم على الفتاة أن تثبت أنها عذراء
стр. 562
في يوم زواجها وإلا رجمت حتى تموت (١٨١). ولكن الزنا كان رغم هذا منتشراً بين اليهود، ويلوح أن اللواط لم ينقطع بعد تدمير سدوم وعمورة (١٨٢). ولما كان القانون فيما يلوح لم يحرم الاتصال بالعاهرات الأجنبيات، فإن السوريات، والموآبيات والمَدْينيات وغيرهن من "النساء العازبات" انتشرن في الطرق العامة، حيث كن يعشن في مواخير وخيام، ويجمعن بين الدعارة وبيع مختلف السلع الصغيرة. ولما كان سليمان لا يتشدد كثيراً في هذه الأمور، فإنه قد تساهل في تطبيق القانون الذي كان يحرم على تلك النساء السكنى في أورشليم؛ وسرعان ما تضاعف عددهن حتى كان الهيكل نفسه في أيام المكابيين ماخوراً للزنا والفجور كما وصفه مصلح غضوب (١٨٣).
ويلوح أن الحب كان له عندهم نصيب، فقد "خدم يعقوب براحيل سبع سنين، وكانت في عينيه كأيام قليلة بسبب محبته لها" (١٨٣)، ولكن الحب لم يكن له إلا شأن قليل في اختيار الأزواج. وكان هذا الزواج قبل نفي بني إسرائيل من الأمور المدنية المحضة، يعقده أبوا الزوجين أو يعقده الخطيب وأبو العروس. وفي أسفار العهد القديم شواهد على زواج السبايا؛ ويجيز يهوه الزواج من سبايا الحروب (١٨٥)، ولما نقص عدد النساء أوصى الكبار "بني بنيامين قائلين امضوا واكمنوا في الكروم، وانظروا فإذا خرجت بنات شيلوه ليدرن في الرقص فاخرجوا أنتم من الكروم واخطفوا لأنفسكم كل واحد امرأته من بنات شيلوه واذهبوا إلى أرض بنيامين" (١٨٦). ولكن هذه الخطة كانت من الخطط النادرة، أما السنة المألوفة فكانت سنة الزواج بطريق الشراء، فقد ابتاع يعقوب ليئة وراحيل بعمله. واشترى بوعز راعوثَ اللطيفة شراء سافراً. وكان ممن أشد ما ندم عليه النبي هوشع أنه ابتاع زوجته بخمسين شاقلاً (١٨٧). وكان الاسم الذي يطلقه العبرانيون على الزوجة وهو "بولة" (١) يعني "المملوكة" (١٨٨). وكان
стр. 563
والد الزوجة يعطيها في مقابل ما يتقاضاه ثمناً لها بائنة- وهو نظام يفيد أعظم فائدة في تضييق الثغرة الفاصلة بين نضج الأبناء الجنسي ونضجهم الاقتصادي في حضارة المدن، وهي ثغرة مفككة للمجتمع.
وإذا كان الرجل ثرياً أبيح له أن يتزوج بأكثر من واحدة؛ وإذا كانت الزوجة عاقراً، مثل سارة، أشارت على زوجها بأن يتخذ له خليلة. وكان الهدف الذي ترمي إليه هذه السنن هو تكثير النسل. وكان طبيعياً لديهم أن تقدم راحيل وليئة خادماتهما إلى يعقوب بعد أن ولدتا له كل ما تستطيعان أن تلدا من الأبناء، لكي يلدن له هن أيضاً أبناء (١٨٨). ولم يكن يسمح للمرأة بأن تظل عقيماً؛ ومن أجل ذلك فإن الأخ إذا مات أخوه كان يحتم عليه أن يتزوج أرملته مهما كان عدد زوجاته؛ فإذا لم يكن للميت أخ فرض هذا الواجب على أقرب الأحياء من أسرته (١٨٩). ولما كانت الملكية الفردية أساس النظام الاقتصادي اليهودي فقد كان لكل من الرجل والمرأة معيار خلقي خاص. فللرجل أن يتزوج بأكثر من واحدة، أما المرأة فكانت تختص برجل واحد. وكان معنى الزنى عندهم اتصال رجل بامرأة ابتاعها رجل آخر بماله؛ ومن أجل ذلك كان اتصاله بها اعتداء على قانون الملكية تعاقب عليه المرأة والرجل بالإعدام (١٩٠). وكان الفسق محرماً على المرأة غير المتزوجة، أما الرجل غير المتزوج فقد كان عمله هذا ذنباً يغتفر له (١٩١). وكان الطلاق مباحاً للرجل، ولكنه كان قبل أيام التلمود من أشق الأمور على المرأة (١٩٢). ويلوح أن الزوج لم يسرف في إساءة استعمال ماله من ميزة على المرأة في هذه الناحية، فهو يصور لنا على أنه في الجملة إنسان مخلص لزوجته وأبنائه، غيور عليهم، وكثيرا ما كان الزواج يثمر حبَّاً وإن لم يكن الحب هو الذي يقرر الزواج. "وأخذ إسحق رفقة فصارت له زوجة وأحبها، فتعزى إسحق بعد موت أمه" (١٩٣). ولعل الحياة في الأسرة لم تصل في أي شعب آخر- إذا استثنينا شعوب الشرق الأدنى- إلى ذلك المستوى الراقي الذي وصلت إليه عند اليهود.
стр. 564
والوصية العاشرة تقدس الملكية الفردية (١)، وكانت هي والدين والأسرة الأسس الثلاثة التي قام عليها المجتمع العبري. وتكاد الملكية كلها تنحصر في ملكية الأرض، ذلك أن اليهود قبل أيام سليمان قلما كان لديهم شيء من الصناعات غير صناعتي الخزف والحديد. وحتى الزراعة نفسها لم ترق رقياً كبيراً، وكانت الكثرة العظمى من الشعب منصرفة إلى تربية الضأن والماشية، وزراعة الكروم والزيتون والتين. وكانت أغلب معيشتهم في الخيام لا في البيوت المبنية، حتى لا يجدوا صعوبة في انتجاع مراعي جديدة. ولما نمت ثروتهم وزاد ما ينتجونه على حاجتهم بدءوا يتجرون، وأخذت السلع اليهودية تروج في دمشق وصور وصيدا وحول الهيكل نفسه بفضل ما اتصف به التجار اليهود من مهارة وصبر على المشاق. وظلوا إلى ما قبل أيام الأسر لا يستخدمون نقوداً، وكان الذهب والفضة أساس التبادل عندهم وكانا يوزنان في كل عملية تجارية. وقامت بينهم مصارف كثيرة العدد لتمويل التجارة والمشروعات الاقتصادية. ولم يكن غريبا أن يتخذ هؤلاء "المقرضون" ساحات الهيكل موضعاً لعملهم، فقد كانت هذه عادة شائعة في الشرق الأدنى، ولا تزال باقية في كثير من أقطاره إلى هذا اليوم (١٩٦). وكان يهوه يطل من عليائه مغتبطا بسلطان رجال المال المتزائد، ومن أقواله في هذا المعنى: " فتقرض أمماً كثيرة وأنت لا تقترض" (١٩٧) وهي فلسفة كريمة جمعت لليهود ثروة طائلة، وإن لم يبد في هذا القرن أنها من وحي الدين. وكان اليهود يتخذون أسرى الحروب والمذنبين عبيداً لهم، وشأنهم في هذا شأن غيرهم من أمم الشرق الأدنى: ويستخدمون مئات الآلاف منهم في قطع الأخشاب ونقل مواد البناء للمنشآت العامة كهيكل سليمان وقصره. ولكن السيد
стр. 565
لم يكن له على عبيده حق الحياة والموت، كما كان من حق العبد أن يمتلك المال ويبتاع به حريته (١٩٨). وكان يباح بيع الرجال المدينين ليكونوا خدماً أرقّاء إذا عجزوا عن أداء ديونهم، وكان في وسعهم أن يبيعوا أبناءهم بدلا منهم. وقد بقيت هذه العادة إلى أيام المسيح (١٩٩)، غير أن الصدقات السخية وما كان يقوم به الكهنة والأنبياء من حملات عنيفة على استغلال هؤلاء الأرقاء قد خففت في بلاد اليهود من آثار هذه النظم التي كانت منتشرة في بلاد الشرق الأدنى. وكان من القواعد الواردة في شريعة موسى: "ألا يغبن أحدكم أخاه" (٢٠٠)، كما أنها كانت تطلب إليهم أن يطلقوا سراح الأرقاء من العبرانيين وأن يلغوا ما عليهم من الديون كل سبع سنين (٢١١). ولما تبين أن هذا الأمر أكثر مما يطيقه سادة هؤلاء الأرقاء جاء القانون بسنة العيد الخمسيني، فكان كل العبيد والمدينين يعتقون كل خمسين سنة: "وتقدسون السنة الخمسين وتنادون بالعتق في الأرض لجميع سكانها. تكون لهم يوبيلاً وترجعون كل إلى مالكه وتعودون كلّ إلى عشيرته (٢٠٢).
وليس لدينا ما يدل على أن هذه الوصية الجميلة قد أطيعت، وسواء كان ذلك أو لم يكن فإننا يجب أن نقر بالفضل للكهنة الذين لم يتركوا درساً في الإحسان إلا علموه: "إن كان فيك فقير أحد من أخوتك .. فلا تقس قلبك ولا تقبض يدك عن أخيك الفقير، بل افتح يدك له، واقرضه مقدار ما يحتاج إليه"، "لا تأخذ منه ربا ولا مرابحة" (٢٠٣). ويجب أن تشمل عطلة السبت كل العاملين، بل يجب أن تشمل الحيوانات نفسها فتترك ما عساه أن يكون على الأرض من النبات المقطوع والفاكهة الساقطة من الأشجار في الحقول والبساتين يجمعها الفقراء لأنفسهم (٢٠٤). ومع أن اليهود هم الذين كانوا مقصودين بهذه الصدقات فإن الفقير الذي عند الأبواب يجب أن يعامل هو
стр. 566
الآخر معاملة طيبة رحيمة، وأن يؤوى الغريب ويطعم ويعامل معاملة كريمة. وكان اليهود يؤمرون في كل حين بأن يذكروا أنهم هم أيضاً كانوا في وقت من الأوقات لا مأوى لهم بل أنهم كانوا عبيداً أرقاء في أرض غير أرضهم.
وكانت الوصية التاسعة تطلب أن يكون الشهود شرفاء أمناء إلى أقصى حد، وبذلك جعلت الدين عماداً للشريعة اليهودية بقضها وقضيضها. لقد كان الشاهد يقسم اليمين في حفل ديني، ولم يكن يكتفي بأن يضع المقسم يده على عورة من يقسم له كما كانت العادة قديماً (٢٠٥)، بل كان يطلب إليه الآن أن يشهد الله نفسه على صدقه، وأن يُحَكّمه في أمره. وكان القانون ينص على أن يعاقب شاهد الزور بنفس العقاب الذي كان يراد توقيعه على المتهم بالاستناد إلى شهادته (٢٠٦). لقد كانت شريعة إسرائيل كلها هي الشريعة الدينية وحدها، وكان الكهنة هم القضاة والهياكل هي المحاكم، وكان يحكم بالإعدام على من لا يخضعون لأحكام الكهنة (٢٠٧). وكانت هناك حالات خاصة يترك الحكم فيها لله، وذلك بأن يشرب المتهم ماء ساماً إذا كانت جريمته مشكوكاً فيها (٢٠٨). ولم تكن لديهم أداة لتنفيذ القانون سوى الأداة الدينية وحدها؛ فكان تنفيذه يترك إلى ضمير المتهم وإلى سلطان الرأي العام، وكانت بعض الجرائم الصغرى يكفر عنها بالاعتراف والفداء (٢٠٩). وكانت جرائم القتل وخطف الآدميين؛ وعبادة الأوثان، والزنا، وضرب أحد الوالدين أو سبهما، وسرقة العبيد، أو "مضاجعة بهيمة" يحكم فيها بالإعدام بأمر يهوه، وأما قتل الخادم فلا يعاقب عليه بالإعدام (٢١٠)؛ كذلك كان الإعدام عقاباً على السحر: "لا تدع ساحرة تعيش" (٢١١). وكان يرضى يهوه أن يقوم الأفراد أنفسهم في تنفيذ القانون في حالة القتل: "ولي الدم يقتل القاتل، حين يصادفه يقتله" (٢١٢). على أنهم كانوا يفردون بعض المدن يستطيع
стр. 567
المجرم أن يفر إليها، فإذا فعل كان على ولي الدم أن يؤجل ثأره (٢١٣).
وفي وسعنا أن نقول بوجه عام أن المبدأ الذي كان يقوم عليه العقاب هو قانون القصاص: "وإن حصلت أذية تُعطى نفساً بنفس، وعيناً بعين، وسناً بسن، ويداً بيد، ورجلاً برجل، وكيَّاً بكي، وجرحاً بجرح، ورضَّاً برض (٢١٤). وما من شك في أن هذه المبادئ كانت ُمثلاً ُعليا لم تتحقق كلها على الوجه الأكمل، وإذا شئنا أن نقول كلمة عامة عن قانون اليهود الجنائي، قلنا إن هذا الجزء من القانون لا يفضل قانون حمورابي، وإن كان قد كُتب بعده بألف وخمسمائة سنة على الأقل. أما من حيث تنظيم القضاء نفسه فإن فيه رجوعاً كثيراً إلى الوراء، لأنه يعود بهذا التنظيم إلى السيطرة الكهنوتية البدائية.
ويتضح لنا من الوصية العاشرة كيف كانوا ينظرون إلى المرأة على أنها جزء من متاع الرجل: "لا تشته امرأة قريبك، ولا عبده ولا أمته، ولا ثوره ولا حماره، ولا شيئاً مما لقريبك" (٢١٥). ولكنها مع هذا كانت تحوي مبادئ قيمة عظيمة، لو تقيد الناس بها لنجا العالم من نصف ما فيه من قلق واضطراب. ومن أعجب الأمور أن أفضل الوصايا كلها لم تكن بين هذه الوصايا العشر، وإن كانت جزءاً من "الشريعة" الموسوية. ونقصد بذلك ما ورد في الآية الثامنة عشرة من الأصحاح التاسع عشر من سفر اللاويين تائهاً بين "طائفة من القوانين المتكررة المختلفة الأنواع" ولا يزيد نصها على هذه العبارة: "تحب قريبك كنفسك".
وقصارى القول أن الوصايا العشر شريعة سامية، فيها من العيوب ما لا يزيد على عيوب العصر الذي وضعت فيه، ولكن فيها من الفضائل ما لا يوجد في غيرها من الشرائع. ومن واجبنا أن نذكر على الدوام أنها كانت قانوناً لا أكثر، بل أن نذكر فوق هذا أنها كانت: "طوبى كهنوتية" (٢١٦)، ولم تكن وصفاً صادقاً للحياة اليهودية. وكانت ككل
стр. 568
القوانين تعظم في عين أصحابها حين يخرقونها، ويمتدحونها كلما اعتدوا عليها، ولكن أثرها في سلوك أصحابها لم يكن يقل عن أثر معظم الشرائع القضائية أو الأخلاقية. وكان من أهم آثارها أنها جعلت لليهود في خلال تجوالهم الذي بدأ عقب وضعها بزمن قليل، والذي دام ألفي عام، "وطنا يحملونه معهم" كما سماه هين Heine فيما بعد، ودولة روحية لا تراها العين ولا تلمسها اليد، وضمت شملهم رغم تشتتهم وأبقت لهم كبرياءهم رغم هزائمهم، وأوصلتهم خلال القرون الطوال إلى وقتنا هذا وهم شعب قوي يبدو لنا أنه لن يبيد أبداً.
стр. 569
الفصل السابع
أدب التوراة وفلسفتها
التاريخ - القصص - الشعر - المزامير - نشيد الأنشاد - الأمثال-
أيوب - فكرة الخلود - تشاؤم سفر الجامعة - مجيء الإسكندر
ليس العهد القديم شريعة فحسب، بل هو فوق ذلك تاريخ، وشعر، وفلسفة من الطراز الأول. وإذا ما أنقصنا من قيمة الكتاب ما فيه من أساطير بدائية، ومن أغلاط مبعثها صلاح الكاتبين وتقواهم، وأقررنا أن ما فيه من أسفار تاريخية لا تبلغ من الدقة أو من القدم ما كان أجدادنا السابقون يفترضونه فيها، إذا ما فعلنا هذا كله فإنا لا نجد في الكتاب طائفة من أقدم الكتابات التاريخية فحسب، بل نجد فيه كذلك طائفة من أجمل تلك الكتابات. ولربما كانت أسفار القضاة وصموئيل والملوك قد وضعت على عجل، كما يعتقد بعض العلماء (٢١٧)، وفي أثناء السبي أو بعده بقليل ليجمع فيها واضعوها التقاليد القومية لشعب مشتت كسير، ويحتفظوا بها على مدى القرون؛ ولكن قصة شاؤل وداود وسليمان تفوق في جمال مبناها وأسلوبها غيرها من الكتابات التاريخية في الشرق الأدنى القديم. بل إن سفر التكوين نفسه- إذا استثنينا منه ما فيه من سلاسل الأنساب، وقرأناه ونحن ندرك الهدف الذي ترمي إليه الأقاصيص- إن هذا السفر نفسه لهو قصة ممتعة عظيمة، قُصَّت علينا من غير حواش ولا زينة في بساطة ووضوح وقوة. ولسنا نجد فيها تاريخاً فحسب، بل نجد فيها نوعاً من فلسفة التاريخ. ذلك أنها أول ما دوّن من الجهود التي بذلها الإنسان ليؤلف من الحوادث الماضية التي لا عداد لها وحدة متناسقة بالبحث عما يسري فيها من وحدة في الغرض، ومن مغزى، ومن تتابع العلة والمعلول على نحو ما، ومن إيضاح لحاضر
стр. 570
الأشياء ومستقبلها. ولقد بقيت فكرة التاريخ- كما تصورها الأنبياء والكهنة واضعو أسفار موسى الخمسة- ألف عام بعد اليونان والرومان، وأصبحت آراء عالمية يعتنقها المفكرون الأوربيون من بوثيوس Boethius إلى بوسويه Bossuet.
والقصص الغرامية الساحرة الواردة في التوراة وسط بين التاريخ والشعر. وليس في المنثور من الكتابة ما هو أدنى إلى الكمال من قصة راعوث؛ ولا تقل عنها كثيراً قصة إسحق ورفقة، ويعقوب وراحيل، ويوسف وبنيامين، وشمشون ودليلة، وإستر، ويهوديت ودانيال. ويبدأ الأدب الشعري "بنشيد موسى" (سفر الخروج الفصل الخامس عشر) و "نشيد دبورة" (القضاة الفصل الخامس عشر) ويبلغ ذروته في المزامير. وكانت ترانيم "التوبة" البابلية هي التي مهدت السبيل إلى هذه الأناشيد، ولعل أناشيد اليهود قد أخذت منها مادتها كما أخذت عنها صورتها. ويخيل إلينا أن قصيدة إخناتون في الشمس كانت ذات أثر في المزمور الخامس والخمسين بعد المائة. وأكبر الظن أن المزامير ليست كلها من وضع داود وحده بل من وضع طائفة من الشعراء كتبوها بعد الأسر اليهودي بزمن طويل، ويغلب أن يكون ذلك في القرن الثالث قبل المسيح (٢١٨). على أن هذا البحث التاريخي كله لا يعنينا كما لا يعنينا اشتقاق اسم شكسبير أو المصادر التي استمد منها مسرحياته؛ إنما الذي يعنينا هو أن المزامير تحتل المكان الأول في شعر العالم الغنائي. ولم يكن يقصد بها أن يطالعها الإنسان في جلسة واحدة، أو أن يطالعها مطالعة الناقد المدقق؛ بل إن أجمل ما فيها أنها تصف لحظات من نشوة التقى والهيام الروحي والإيمان القوي المحرك للعواطف. ولكنها يفسدها علينا ما فيها من لعنات مريرة، و "تأوهات" وشكايات مملة، وملق لا ينتهي ليهوه الذي يصب الدخان صباً من خياشيمه والنار من فمه (المزمور الثامن)، ويتوعد الأشرار بالحرق في نار الجحيم (المزمور التاسع). يتقبل الملق ويهدد "بقطع جميع الشفاه الملقة" (المزمور الثاني عشر). والمزامير مليئة بالحماسة
стр. 571
الحربية البعيدة كل البعد عن الروح المسيحية، ولكنها مع ذلك تسري فيها روح الحجيج المجاهدين. على أن من المزامير ما يفيض رحمة وحناناً وما يعد مثلا في الخضوع والتذلل: "إننا تراب نحن … الإنسان مثل العشب أيامه، كزهر الحقل كذلك يزهر، لأن ريحاً تعبر عليه فلا يكون ولا يعرفه موضعه بعد" (المزموران ٣٩، ١٠٣). ونحس في هذه الأناشيد بأوزان الشعر الشرقي القديم ونكاد نسمع فيها أصوات المرنمين وهم يردون على المنشدين. وليس في الشعر كله ما يفوقه في تشبيهاته وتصويره، وليس ثمة ما يضارعه في قوة تعبيراته ووضوحها. ولهذه القصائد في نفوسنا من الأثر ما يفوق أثر أية أغنية من أغاني الحب، فهي تحرك أقسى العواطف وأكثر النفوس شكاً، لأنها تعبر في صورة عاطفية قوية عما في العقل الناضج من شوق إلى نوع من الكمال يهب له كل جهوده. وتقابلنا في أماكن متفرقة من الترجمة الإنجليزية التي صدرت في عهد الملك جيمس عبارات بليغة جرت على لسان جميع الناطقين باللغة الإنجليزية كقولهم: Out of the Mouths of babes (من أفواه الأطفال والرُّضَّع في المزمور الثامن)، The apple of the eye (حدقة العين في المزمور السابع عشر)، Trust not in princes (لا تتكلوا على الرؤساء- المزمور السادس والأربعون بعد المائة). وفي الأصل العبراني تشبيهات واستعارات لم تفقها تشبيهات واستعارات في أية لغة من اللغات. انظر إلى قوله في المزمور التاسع عشر، إن الشمس المشرقة: "مثل العروس الخارج من حجلته يبتهج مثل الجبار للسباق". ولا يسعنا إلا أن نتصور ما لهذه الأناشيد من جلال وجمال في لغتها الأصلية الطنانة الرنانة (١).
وإذا ما وضعنا إلى جانب هذه المزامير "نشيد سليمان" لاح لنا ما في الحياة
стр. 572
اليهودية من عنصر شهواني دنيوي، لعل ُكتَّاب العهد القديم- وهم الذين يكادون كلهم أن يكونوا من الأنبياء والكهنة- قد أخفوه عنا، كما يكشف سفر الجامعة عن تشكك لا نتبينه فيما عنى الكتاب باختياره ونشره من أدب اليهود الأقدمين. وفي هذه الكتابات الغرامية العجيبة مجال واسع للحدس والتخمين. فقد تكون مجموعة من الأغاني البابلية الأصل، تشيد بذكر إشتار وتموز، وقد تكون من وضع جماعة من شعراء الغزل العبرانيين تأثروا بالروح الهيلينية التي دخلت إلى بلاد اليهود مع الإسكندر الأكبر (لأن في هذه الأغاني ألفاظاً مأخوذة من اللغة اليونانية)، أو قد تكون زهرة يهودية ترعرعت في الإسكندرية وقطفتها نفس محررة من ضفاف النيل (وذلك لأن العاشقَين يخاطب أحدهما الآخر بقوله أخي أو أختي كما يفعل المصريون الأقدمون). ومهما يكن أصلها فإن وجودها في التوراة سر خفي ولكنه سر ساحر جميل. ولسنا ندري كيف غفل- أو تغافل- رجال الدين عما في هذه الأغاني من عواطف شهوانية فأجازوا وضعها بين أقوال إشعيا والخطباء:
صرة المر حبيبي لي، بين ثديي يبيت
طاقة فاغبة حبيبي لي في كروم عين جدي (Engadi)
ها أنت جميلة يا حبيبتي، ها أنت جميلة، عيناك حمامتان
ها أنت جميل يا حبيبي وحلو وسريرنا أخضر …
أنا نرجس شارون سوسنة الأودية …
أسندوني بأقراص الزبيب، أنعشوني بالتفاح فإني مريضة جداً.
أحلفكن يا بنات أورشليم بالظباء وبأيائل الحقول إلا تيقظنّ
ولا تنبهن الحبيب حتى يشاء …
حبيبي لي وأنا له الراعي له بين السوسن
стр. 573
إلى أن يفيح النهار وتنهزم الظلال. ارجع وأشبه يا حبيبي الظبي
أو غُفر الأيائل على الجبال المشعبة …
تعال يا حبيبي لنخرج إلى الحقل ولنبت في القرى
لنبكرنّ إلى الكروم لننظر هل أزهر الكرم؟ هل تفتح القعال؟ هل
نوّر الرمان؟ هنالك أعطيك حبي.
هذا هو صوت الشباب أما الأمثال فصوت الشيوخ. إن الناس يتطلبون كل شيء من الحب والحياة؛ وهم ينالون ما يتطلبون إلا قليلاً، ولكنهم يظنون أنهم لم ينالوا شيئا؛ وتلك هي المراحل الثلاث التي يتنقل فيها الإنسان المتشائم. وهكذا ترى هذا السليمان الأسطوري (١) يحذر الشباب من شر المرأة. "لأنها طرحت كثيرين جرحى، وكل قتلاها أقوياء … أما الزاني بامرأة فعديم العقل … ثلاثة عجيبة فوقي وأربعة لا أعرفها: طريق نسر في السموات، وطريق حية على صخر، وطريق سفينة في قلب البحر، وطريق رجل بفتاة" (٢٢١). وهو يتفق مع القديس بولص في أن أفضل للإنسان أن يتزوج من أن يحترق! "افرح بامرأة شبابك، الظبية المحبوبة، والوعلة الزهية، ليروك ثدياها في كل وقت، وبمحبتها اسكر دائماً … أكلة من البقول حيث تكون المحبة خير من ثور معلوف ومعه بغضة" (٢٢٢). بحقك هل هذه ألفاظ من كانت له سبعمائة زوجة؟
ويلي الكسلُ الدنسَ في البعد عن الحكمة: "اذهب إلى النملة أيها الكسلان … إلى متى تنام أيها الكسلان؟ " (٢٢٣).
"أرأيت رجلاً مجتهداً في عمله؟ - أمام الملوك يقف" (٢٢٤). ولكن
стр. 574
هذا الفيلسوف لا يطيق الإسراف في الطمع: "المستعجل إلى الغنى لا يبرأ"، و "راحة الجهّال (٢٢٥) تبيدهم" والعمل هو الحكمة، أما الكلام فحمق وسخف: "في كل تعب منفعة، وكلام الشفتين إنما هو إلى الفقر" … "الجاهل يظهر كل عبطه، والحكيم يسكنه أخيراً"، "ذو المعرفة يبقى كلامه وذو الفهم وقور الروح، بل الأحمق إذا سكت يحسب حكيماً ومن ضمّ شفتيه فهيماً" (٢٢٦).
ومن النصائح التي لا ينفك ذلك الحكيم يرددها حكمة تكاد تنطبق ألفاظها على وصف سقراط للفضيلة والحكمة، تفوح بعطر مدارس الإسكندرية حيث كان علم اللاهوت العبري يمتزج بالفلسفة اليونانية لتخرج لنا من مزيجهما العقلية الأوربية: "الفطنة ينبوع حياة لصاحبها، وتأديب الحمقى حماقة … طوبى للإنسان الذي يجد الحكمة وللرجل الذي ينال الفهم، لأن تجارتها خير من تجارة الفضة، وربحها خير من الذهب الخالص، هي أثمن من اللآلئ وكل جواهرك لا تساويها، في يمينها طول أيامك وفي يسارها الغنى والمجد، طرقها طرق نعم، وكل مسالكها سلام" (٢٢٧).
وسِفر أيوب أسهل من سِفر الأمثال؛ ولعل ذلك السِفر قد كتب في أيام السبي، ولعله يصف بطريق القياس الأَسْر البابلي (١) ويقول فيه كارليل وهو
стр. 575
من أشد الناس تحمسا له: "وأنا أقول عنه أنه من أعظم ما خط بالقلم … فهو كتاب نبيل؛ وهو كتاب الناس أجمعين! وهو أول وأقدم شرح لتلك المشكلة التي لا آخر لها- مشكلة مصير الإنسان وتصرف الله معه على ظهر هذه الأرض … واعتقادي أن لا شيء في التوراة أو في غير التورات يضارعه في قيمته الأدبية" (٢٣٠ أ) وقد قامت هذه المشكلة بسبب اهتمام العبرانيين بأمور هذه الدنيا. ذلك أنه لما كانت الجنة لا وجود لها في الديانة اليهودية القديمة (٢٣١) فقد كان من الواجب المحتم أن تنال الفضيلة ثوابها في هذا العالم، وإلا لم يكن لها ثواب على الإطلاق. ولكنهم كثيراً ما كان يبدو لهم أن الأشرار ينجحون ويفوزون، وأن أشد الآلام قد اختص بها خيار الناس، فَلِمَ إذن كما يقول كاتب المزامير: "هؤلاء هم الأشرار يكثرون ثروة" (٢٣٢)؟ ولِمَ يخفي الله نفسه ولا يعاقب الأشرار ويثيب الأخيار؟ (٢٣٣)، وها هو ذا مؤلف سفر أيوب يسأل هذه الأسئلة وهو أكثر ممن سبقه عزماً وثباتاً ولعله يعرض بطله أمام الناس رمزاً لعقيدته. ولقد كان بنو إسرائيل كلهم يعبدون يهوه (في فترات متقطعة) كما كان يعبده أيوب، وكانت بابل تجحده وتكفر به؛ ومع ذلك فقد ازدهرت بابل، وتمرغ بنو إسرائيل في الوحل، ولبسوا الخيش حين أسروا وشردوا. فماذا يقول الإنسان في هذا الإله؟
وجاء في مقدمة لهذا السفر، لعل كاتباً أريباً قد دسها فيه ليمحو منه تلك الوصمة، أن الشيطان قال ليهوه أن أيوب إنسان "كامل مستقيم" لأنه رجل محظوظ، فهل يستمسك بتقواه إذا أصابه الضر؟ فيسمح يهوه للشيطان بأن يصب ألوانا من المصائب على رأس أيوب. ويظل البطل وقتاً ما صابراً "صبر أيوب" ولكن صبره هذا يفارقه في آخر الأمر، ويفكر في الانتحار، ويلوم ربه أشد اللوم لأنه نبذه وتخلى عنه. ويصر صوفَر- وقد خرج ليستمتع بآلام صديقه- على أن الله عادل وأنه سيثيب الإنسان الصالح في هذه الدنيا نفسها؛ ولكن أيوب يقطع عليه حديثه محتداً:
стр. 576
"إنكم أنتم شعب ومعكم تموت الحكمة، غير أنه لي فهم مثلكم، لست أنا دونكم، ومن ليس عنه مثل هذه! … خيام المُخَرّبين مستريحة والذين يغيظون الله مطمئنون؛ الذين يأتون بإلههم في يدهم … هذا كله رأته عيني، سمعته أذني وفطنت به … أما أنتم فملفقو كذب أطباء بطالون كلكم. ليتكم تصمتون صمتاً، يكون ذلك لكم حكمة" (٢٣٤).
ثم يفكر في قصر الحياة وطول الموت فيقول:
"الإنسان مولود المرأة قليل الأيام وشبعان تعباً، يخرج كالزهر ثم ينحسم، ويبرح كالظل ولا يقف، … لأن للشجرة رجاء أن قطعت تخلف ولا تعدم حراً عيبها … أما الرجل فيموت ويبلى؛ الإنسان يسلم الروح فأين هو؟ قد تنفد المياه من البحر، والنهر ينشف ويجف، والإنسان يضطجع ولا يقوم .. أن مات رجل أفيحيا؟ " (٢٣٥).
ويظل الجدل قائماً بشدة، ويزداد شك أيوب بربه، حتى يدعوه خصيمه، ويتمنى أن يهلك خصمه هذا نفسه بكتاب يكتبه- على نمط فسلفة ليبنتز Leibnitz وأقواله في العدالة الإلهية. وتوحي العبارة التي جاءت في ختام هذا الفصل"تمت أقوال أيوب"- بأن هذا كان في الأصل ختام حديث يمثل كما يمثل سفر الجامعة آراء أقلية جاحدة بين اليهود (١). ولكن فيلسوفاً آخر- إليهو- يبدأ الكلام من هذه النقطة ويشرح في مائة وخمس وستين آية عدالة الله في خلقه. وأخيراً يُسمع صوت من بين السحاب يتحدث حديثاً هو أجل ما في التوراة كلها.
стр. 577
فأجاب الرب أيوب من العاصفة وقال:
"من هذا الذي يظلم القضاء بكلام بلا معرفة. اشدد الآن حقويك كرجل فإني أسألك فتعلمني. أين كنت حين أسستُ الأرض. أخبر إن كان عندك فهم من وضع قياسها، لأنك تعلم؟ أو من مد عليها مطماراً؟ على أي شيء قرت قواعدها؟ أو من وضع حجر زاويتها، عندما ترنمت كواكب الصبح معاً وهتف جميع بنى الله؟ ومن حجز البحر بمصاريع حين اندفق فخرج من الرحم، إذ جعلت السحاب لباسه والضباب قماطه وضرمتُ عليه حدى، وأقمت له مغاليق ومصاريع وقلت إلى هنا تأتي ولا تتعد وهنا تتخم كبرياء لججك؟ هل في أيامك أمرت الصبح؟ هل عرفت الفجر موضعه؟ … هل انتهيت إلى ينابيع البحر أو في مقصورة القمر تمشيت؟ هل انكشفت لك أبواب الموت أو عاينت أبواب ظل الموت؟ هل أدركت عرض الأرض؟ أخبر إن عرفته كله؟ … أدخلت إلى خزائن الثلج أم أبصرت مخازن البرد؟ … هل تربط أنت عقد الثريا أو تفك ُربُط الجبار؟ هل عرفت سنن السموات أو جعلت تسلطها على الأرض؟ … من وضع في الضحاء حكمة أو من أظهر في الشهب فطنة؟
"هل يخاصم القديرَ موبخهُ، أم المحاج الله يجاوبه؟ أسألك فتعلمني" (٢٣٧).
ويذل أيوب نفسه لهول ما يرى؛ ويرضى يهوه بهذا فيعفو عنه، ويقبل تضحيته، ويتوعد أصدقاء أيوب لما نطقوا به من حجج واهية (٢٣٨)، ويهب أيوب نفسه أربعة عشر ألفاً من الغنم، وستة آلاف من الإبل، وألف فدان من الثيران، وألف أتان، وسبعة بنين، وثلاث بنات، وعاش بعد هذا مائة وأربعين سنة. وتلك خاتمة عرجاء ولكنها خاتمة سعيدة؛ لأن أيوب يحصل على كل شيء إلا جواب أسئلته؛ فالمشكلة تظل باقية؛ وسوف تكون لها آثار بعيدة في تفكير اليهود فيما بعد. ففي أيام دانيال (حوالي ١٦٧ ق. م) سكت اليهود عن هذه المشكلة وعدوها من المشاكل التي شرحها
стр. 578
بعبارات تدركها العقول في هذه الحياة الدنيوية، ولا يستطاع الإجابة عنها- كما يقول دانيال وأخنوخ و (كانت Kant) إلا إذا آمن الإنسان بحياة بعد الممات، ترفع فيها كل المظالم وتصحح كل الأخطاء، يعاقب فيها المسيء، ويثاب المحسن أجزل الثواب. وكانت هذه إحدى الأفكار المختلفة التي سرت في المسيحية، وكانت من اكبر أسباب انتصارها على غيرها من الأديان المعاصرة لها.
ويجيب سفر الجامعة عن هذه المسألة جواباً متشائماً، فيقول إن الهناءة والشقاء في هذا العالم لا شأن لها بالفضيلة والرذيلة (١):
"قد رأيت الكل في أيام بُطْلى، قد يكون بارٌّ يبيد في برّه، وقد يكون شرير يطول في شره … ثم رجعت ورأيت كل المظالم التي تجرى تحت الشمس: فهو ذا دموع المظلومين ولا مقر لهم، ومن يد ظالميهم قهر … إن رأيت ظلم الفقير ونزع الحق والعدل في البلاد فلا ترتع من الأمر … لأن فوق العالي عالياً" (٢٤١).
وليست الفضيلة والرذيلة هما اللتين تقوم عليهما سعادة الإنسان وشقاؤه، وإنما تقوم السعادة والشقاء على المصادفة العمياء: "فعدت ورأيت تحت الشمس أن السعي ليس للخفيف، ولا الحرب للأقوياء، ولا الخبز للحكماء، ولا الغني للفهماء، ولا النعمة لذوي المعرفة، لأن الوقت والفُرَصْ يلاقيانهم كافة" (٢٤٢). وحتى الثروة نفسها لا بقاء لها ولا تسعد صاحبها طويلا: "من يحب الفضة لا يشبع من الفضة، ومن يحب الثروة لا يشبع من دخل. هذا أيضا باطل … نوم المشتغل حلو إن أكل قليلاً أو كثيراً. ووفر الغني لا يربحه حتى ينام" (٢٤٣). ويذكر الكاتب أهله فيجمع مبادئ مالتس Maltus في سطر واحد: "إذا كثرت الخيرات كثر الذين يأكلونها" (٢٤٤). كذلك لا يخفف من آلامه ما يقال
стр. 579
له عن ماض ذهبي أو مستقبل هنيء، فهو يرى أن الأمور جميعها كانت في ماضيها كما هي في حاضرها وكما ستكون في مستقبلها على الدوام: "لا تقل لماذا كانت الأيام الأولى خيراً من هذه؟ لأنه ليس عن حكمة تسأل عن هذا" (٢٤٥). ومن واجب الإنسان أن يعنى باختيار مؤرخيه: "ما كان فهو ما يكون، والذي صُنع فهو الذي يُصنع فليس تحت الشمس جديد. إن وجد شيء يقال له انظر: هذا جديد، فهو منذ زمان كان في الدهور التي قبلنا" (٢٤٦). وهو يظن أن الرقي وهم باطل فالمدنيات القديمة قد نسيت وستنسى أيضاً المدنيات القائمة (٢٤٧).
وهو يرى أن الحياة بوجه عام عمل محزن، وأن لا ضير من التخلص منها، فهي حركة دائرية لا غاية لها ولا هدف ولا نتيجة باقية، تنتهي حيث تبدأ؛ وهي صراع عقيم باطل ليس فيه شيء محقق إلا الهزيمة:
"باطل الأباطيل قال الجامعة؛ باطل الأباطيل الكل باطل. ما الفائدة للإنسان من كل تعبه الذي يتعبه تحت الشمس، دور يمضي ودور يجيء، والأرض قائمة إلى الأبد، والشمس تشرق، والشمس تغرب، وتسرع إلى موضعها حيث تشرق. الريح تذهب إلى الجنوب وتدور إلى الشمال، تذهب دائرة دورانا، وإلى مداراتها ترجع الريح. كل الأنهار تجري إلى البحر، والبحر ليس بملآن. إلى المكان الذي جرت منه الأنهار، إلى هناك تذهب راجعة … فغبطت أنا الأموات الذين قد ماتوا منذ زمان أكثر من الأحياء الذين هم عائشون بعد. وخير من كليهما الذي لم يولد بعد، الذي لم ير العمل الرديء الذي عمل تحت الشمس … الصيت خير من الدهن الطيب، ويم الممات خير من يوم الولادة" (٢٤٨).
وهو يقضي بعض الوقت يبحث عن حل للغز الحياة في الانغماس في الملذات. "فمدحت الفرح لأنه ليس للإنسان خير تحت الشمس إلا أن يأكل ويشرب ويفرح". ولكن "هذا أيضا باطل". والصعوبة التي تواجهنا في مسراتنا هي المرأة، ويلوح أن الواعظ قد لاقى منها شراً لم يستطع نسيانه. "رجلاً واحداً
стр. 580
بين ألف وجدت، أما امرأة فبين كل أولئك لم أجد … فوجدت أمرّ من الموت المرأة التي هي شباك، وقلبها أشراك ويداها قيود، الصالح قُدّام الله ينجو منها" (٢٥١). وهو يختم استطراده في دنيا الفلسفة الغامضة بالعودة إلى نصيحة سليمان وفلتير، وهي النصيحة التي لم يعمل بها كلاهما: "ألتذ عيشاً مع المرأة التي أحببتها كل أيام حياة باطلك التي أعطاك إياها تحت الشمس" (٢٥٢).
وحتى الحكمة نفسها مسألة مشكوك فيها؛ فهو يكيل لها المدح جزافاً، ولكنه يظن أن العلم إذا لم يكن بالقدر القليل كان بالغ الخطورة، فهو يقول في غير حذر: "لعمل كتب كثيرة لا نهاية، والدرس الكثير تعب للجسد" (٢٥٣). وفي رأيه أنه قد يكون من الحكمة أن يسعى الإنسان للحكمة لو أن الله قد جعلها تثمر مالاً أكثر مما تثمره فعلاً: "الحكمة صالحة مثل الميراث بل أفضل لناظري الشمس" (١). فإذا لم يصحبها المال كانت شريكاً يقضي على طلابها (٢٥٤). (إن الحكمة شبيهة بيهوه الذي قال لموسى: "لا تقدر أن ترى وجهي لأن الإنسان لا يراني ويعيش" (٢)). والحكيم يموت آخر الأمر كما يموت الأبله وكلاهما ينتهي إلى جيفة نتنة.
"ووجهت قلبي للسؤال والتفتيش بالحكمة عن كل ما عمل تحت الشمس. هو عناء رديء جعلها الله لبني البشر ليعنوا فيه. رأيت كل الأعمال التي عملت تحت الشمس فإذا الكل باطل وقبض الريح … أنا ناجيت قلبي قائلاً هأنذا قد عظمت وازددت حكمة أكثر من كل من كان قبلي على أورشليم؛ وقد رأى قلبي كثيراً من الحكمة والمعرفة؛ ووجهت قلبي لمعرفة الحكمة ولمعرفة الحماقة والجهل،
стр. 581
فعرفت أن هذا أيضاً قبض الريح، لأن في كثرة الحكمة كثرة الغم، والذي يزيد علماً يزيد حزناً" (٢٥٦).
ولو أنه كان من مبادئ هذا الدين أن الرجل العادل يستطيع أن يتطلع إلى شيء من السعادة بعد الموت لكان في مقدوره أن يتحمل سهام مصائب الدهر وقلبه عامر بالأمل والشجاعة؛ ولكن كاتب سفر الجامعة "يحس" بأن هذا أيضاً وهم باطل، فالإنسان حيوان يموت كما يموت غيره من الحيوانات:
"لأن ما يحدث لبني البشر يحدث للبهيمة، وحادثة واحدة لهم، موت هذا كموت ذاك، ونسمة واحدة للكل، فليس للإنسان مزية على البهيمة لأن كليهما باطل. يذهب كلاهما إلى مكان واحد. كان كلاهما من التراب وإلى التراب يعود كلاهما … فرأيت أنه لا شيء خير من أن يفرح الإنسان بأعماله لأن ذلك نصيبه، لأنه من يأتي به ليرى ما سيكون بعده؟ … كل ما تجده يدك لتفعله فافعله بقوتك لأنه ليس من عمل ولا اختراع ولا معرفة ولا حكمة في الهاوية التي أنت ذاهب إليها" (٢٥٧).
إلا ما أغرب هذا تعليقاً على الحكمة التي يسبّح بحمدها سفر الأمثال! ولا شك في أن هذه الأقوال إنما تعبر عن الحضارة التي بلغت آخر مراحلها، فلقد نضب معين شباب إسرائيل في الكفاح المرير الذي قام بينها وبين الإمبراطوريات المحيطة بها، والتي لم ينقذها منها يهوه الذي كانت تعتمد على معونته، فلما تأزمت أمورها وافتقرت وتشتت رفعت إلى السماء في آدابها هذا الصوت وهو أشد الأصوات مرارة لتعبر به عن أعمق الشكوك التي طافت في يوم من الأيام بالنفس البشرية.
نعم إن أورشليم قد أعيد بناؤها، ولكنها لم تعد لتكون حصنا لإله لا يقهر، بل عادت لتكون مدينة تخضع للفرس حيناً ولليونان حيناً آخر. فقد وقف الإسكندر الشاب على أبوابها في عام ٣٣٤ ق. م، وطلب إلى تلك العاصمة أن
стр. 582
تستسلم له. وأبى الكاهن الأكبر في أول الأمر أن يجيبه إلى ما طلب، ولكنه صدع بالأمر في صباح اليوم الثاني على أثر حلم رآه في نومه، فأمر الكهنة أن يرتدوا من ملابسهم أعظمها روعة وأشدها وقعاً في النفوس، كما أمر الأهلين أن يلبسوا ثياباً بيضاً لا شية فيها، ثم سار على رأس الشعب إلى خارج أبواب المدينة في هدوء وسلام ليعرضوا الصلح على الغازين. وانحنى الإسكندر تعظيماً للكاهن الأكبر وأظهر له إعجابه ببني إسرائيل وبإلههم وتقبل منهم أورشليم (٢٥٨).
على أن هذا لم يكن آخر حياة اليهود، بل كان هو الفصل الأول من هذه المسرحية العجيبة التي تمتد فصولها المختلفة طوال أربعين قرناً من الزمان، والتي تدور حوادث فصلها الثاني حول المسيح، وحوادث الفصل الثالث حول أحاسوروس. واليوم يمثل من هذه المسرحية فصل آخر ولكنه ليس آخر فصولها. لقد خربت أورشليم وأعيد بناؤها، ثم خربت وأعيد بناؤها من جديد.
стр. 583
الباب الثالث عشر
فارس
الفصل الأول
قيام دولة الميديين وسقوطها (١)
أصولهم - حكامهم - معاهدة سرديس الدموية - انحطاطهم
ترى من هم الميديون الذين كان لهم شأن أيما شأن في تحطيم دولة أشور؟ أما معرفة أصلهم فأمر معجز الدرك عزيز المطلب، ذلك أن التاريخ كتاب يجب أن يبدأه الإنسان من وسطه. وأول ما وصل إلينا من أخبارهم في لوحة تسجل حملة بعث بها شلما نصّر الثالث إلى بلد يسمى بارسوا في جبال كردستان (٨٣٧ ق. م). ويلوح أنه كان في ذلك البلد سبعة وعشرون من الرؤساء- الملوك، يحكمون سبعاً وعشرين ولاية قليلة السكان يسمى أهلها أماداي أو ماداي أو ميديين. وهم أقوام من الجنس الهندوربّي يرجح أنهم جاءوا من شواطئ بحر الخزر إلى غرب آسية قبل المسيح بنحو ألف عام، ويشيد الزند- أبستاق وهو كتاب الفرس المقدس بذكر هذا الموطن القديم ويصفه بأنه جنة من الجنان.
ذلك أن الأرض التي نقضي فيها شبابنا، وأيام هذا الشباب نفسه، جميلة على الدوام على شريطة ألا نضطر إلى الحياة من جديد في تلك الأرض أو في تلك الأيام.
стр. 584
ويلوح أن الميديين كانوا يضربون في إقليم بخارى وسمرقند، وأنهم توغلوا منه نحو الجنوب شيئاً فشيئاً، حتى وصلوا آخر الأمر إلى بلاد فارس (١)، فوجدوا النحاس والحديد والرصاص والذهب والفضة والرخام والحجارة الكريمة في الجبال التي اتخذوها موطناً لهم جديداً (٢)، ولما كانوا قوماً أشداء بسطاء في معيشتهم، فقد أخذوا يفلحون أرض السيول وسفوح التلال وعاشوا عيشة رخية.
وفي إكباتانا (١) أي "ملتقى الطرق الكثيرة" الواقعة في واد جميل المنظر أخصبته المياه الذائبة من الثلوج المغطية لقمم الجبال أنشأ ديوسيس أول ملوكهم عاصمته الأولى، وزينها بقصر ملكي يشرف عليها ويغطي ثلثي ميل مربع من الأرض. ويقول هيرودوت في فقرة من كتابه لم تجد ما يؤيدها: إن ديوسيس هذا قد وصل إلى ما وصل إليه من القوة بما اشتهر به من العدالة. فلما أن بلغ ما بلغ طغى وتجبر وأصدر أوامر تقضي "بأن لا يسمح لإنسان بالمثول بين يديه، بل عليه أن بعرض أمره على يد رسله، وأن يعد من سوء الأدب أن يضحك إنسان أو يبصق أمامه. وقد أراد بهذه المراسم التي فرضها حوله … أن يبدو لمن لا يرونه أنه من طبيعة غير طبيعتهم" (٣). واشتد ساعد الميديين في أيامه بفضل حياتهم الطبيعية الاقتصادية، وأصبحوا بتأثير عاداتهم وبيئتهم ذوي جلد وصبر على ضرورات الحروب، فكانوا بزعامته خطراً يهدد أشور، فأغارت هذه على بلاد ميديا مرة بعد مرة. وظنت أنها قد هزمتها هزيمة منكرة لا تجرؤ معها على مناوئتها ولكنها وجدتها لا تمل الكفاح لنيل حريتها. واستطاع سياخار (سيساكزارس) أعظم ملوك الميديين أن يحسم هذا النزاع بتدمير نينوى. وأوحى هذا النصر آمالاً كباراً فاجتاحت جيوشه بلاد آسية الغربية حتى وصلت إلى أبواب سرديس، ولم يَرُدّ هذه الجيوش عنها إلا كسوف الشمس. فقد ارتاع القائدان المتقاتلان لهذا الذي ظناه نذيراً لهما من السماء، فوقّعا معاهدة للصلح أبرماها بأن شرب كل
стр. 585
منهما جرعة من دماء عدوه (٤). ومات كيخسرو في السنة التالية بعد أن وسع رقعة دولته في خلال حكمه وحده فأصبحت إمبراطورية تشمل أشور وميديا وفارس بعد أن كانت خاضعة لسلطان غيرها. لكن هذه الإمبراطورية قضي عليها ولم يمض على وفاة هذا الملك جيل واحد.
وقد كانت هذه الدولة قصيرة الأجل، فلم تستطع لهذا السبب أن تسهم في الحضارة بقسط كبير، إذا ما استثنينا ما قامت به من تمهيد السبيل إلى ثقافة بلاد الفرس. فقد أخذ الفرس عن الميديين لغتهم الآرية، وحروفهم الهجائية التي تبلغ عدتها ستة وثلاثين، وهم الذين جعلوا الفرس يستبدلون في الكتابة الرق والأقلام بألواح الطين (٥)، ويستخدمون في العمارة العمد على نطاق واسع. وعنهم أخذوا قانونهم الأخلاقي الذي يوصيهم بالاقتصاد وحسن التدبير ما أمكنهم في وقت السلم، وبالشجاعة التي لا حد لها في زمن الحرب؛ ودين زردشت وإلهيه أهورا- مزدا، وأهرمان، ونظام الأسرة الأبوي، وتعدد الزوجات، وطائفة من القوانين بينها وبين قوانينهم في عهد إمبراطوريتهم المتأخر من تماثل ما جعل دانيال يجمع بينهما في قوله المأثور عن "شريعة ميدي وفارس التي لا تنسخ" (٦). أما أدبهم وفنهم فلم يبق منهما لا حرف ولا حجر.
على أن انحطاط الميديين كان أسرع من نهضتهم نفسياً. فقد أثبت استياجس، الذي خلف أباه سياخار، ما أثبته التاريخ من قبل، وهو أن الملكية مغامرة لا تؤمن مغبتها، وأن الذكاء المفرط والجنون يتقاربان كل القرب في وراثة المُلك.
لقد ورث المُلك مطمئن القلب هادئ البال، وأخذ يستمتع بما ورث، وحذت الأمة حذو مليكها فنسيت أخلاقها الجافة الشديدة وأساليب حياتها الخشنة الصارمة، ذلك أن الثروة قد أسرعت إليها إسراعاً لم يستطع أهلها معه أن يحسنوا استخدامها، وأصبحت الطبقات العليا أسيرة الأنماط الحديثة والحياة المترفة،
стр. 586
فلبس الرجال السراويل المطرزة الموشاة، وتجملت النساء بالأصباغ والحلي، بل إن الخيل نفسها كثيراً ما كانت تزين بالذهب (٧). وبعد أن كان هؤلاء الرعاة البسطاء يجدون السرور كل السرور في أن تحملهم مركبات بدائية ذات دواليب خشنة غليظة قطعت من سوق الأشجار (٨)، أصبحوا الآن يركبون عربات فاخرة عظيمة الكلفة ينتقلون بها من وليمة إلى وليمة.
وبعد أن كان الملوك الأولون يفخرون بعدالتهم جاء استياجس فغضب يوماً على هرباجس فقدم له أشلاء ابنه بعد أن قطع رأسه وأرغمه على أن يأكل لحمه (٩)، فأكله هرباجس وهو يقول إن كل ما يفعله المليك يسره، ولكنه انتقم لنفسه بأن أعان قورش على خلع استياجس؛ ذلك أن قورش الشاب النابه حاكم ولاية أنشان الفارسية التي كانت تابعة للميديين خرج على طاغية إكتابانا المخنث، وابتهج الميديون أنفسهم بانتصاره على ذلك الطاغية وارتضوه ملكاً عليهم، ولم يكد يرتفع من بينهم صوت واحد للاحتجاج عليه. وما هي إلا واقعة واحدة حتى انقلبت الآية فلم تعد ميديا سيدة فارس بل أصبحت فارس سيدة ميديا وأخذت تعد العدة لتكون سيدة عالم الشرق الأدنى كله.
стр. 587
الفصل الثاني
عظماء الملوك
قورش صاحب الشخصية الروائية - خططه السياسية
المستنيرة - قمبيز - دار الأكبر - غزو بلاد اليونان
وكان قورش من الحكام الذين خُلقوا ليكونوا حكاما والذين يقول فيهم إمرسن أن الناس كلهم يبتهجون حين يتوجون. فلقد كان ملكاً بحق في روحه وأعماله، قديراً في الأعمال الإدارية والفتوح الخاطفة المسرحية، كريماً في معاملة المغلوبين، محبوباً من أعدائه السابقين- فلا عجب والحالة هذه أن يتخذ اليونان منه موضوعاً لعدة روايات، وأن يصفوه بأنه أكبر أبطال العالم قبل الإسكندر.
ومما يؤسفنا أننا لا نستطيع أن نرسم له صورة موثوقاً بصحتها مما نقرئه عنه في هيرودوت أو زينوفون. ذلك بأن أول الرجلين قد خلط تاريخه بكثير من القصص الخرافية (١٠)، وأن الثاني قد جعل السيروبيديا (سيرته) مقالة عن فنون الحرب تتخللها في بعض المواضيع محاضرات في التربية والفلسفة؛ ونرى زينوفون أحياناً يخلط بين قورش وسقراط. فإذا ما أخرجنا هذه الأقاصيص لم يبق لنا من شخصية قورش إلا أنه طيف خيال ممتع جذاب. وكل ما نستطيع أن نقوله عنه واثقين أنه كان وسيماً بهي الطلعة- لأن الفرس اتخذوه نموذجاً لجمال الجسم حتى آخر أيام فنهم القديم (١١)؛ وأنه أسس الأسرة الأكمينية أسرة "الملوك العظام" التي حكمت بلاد الفرس في أزهى أيامها وأعظمها شهرة، وأنه نظم قوات ليديا وفارس الحربية فجعل منها جيشاً قوياً لا يقهر، وأنه استولى على سرديس وبابل، وقضى على حكم الساميين في غرب آسية فلم تقم له بعدئذ قائمة،
стр. 588
مدى ألف عام كاملة، وضم إلى الدولة كل البلاد التي كانت من قبل تحت سلطان أشور، وبابل، وليديا، وآسية الصغرى، حتى أصبحت تلك الإمبراطورية أوسع المنظمات السياسية في العالم القديم قبل الدولة الرومانية، ومن أحسنها حكماً في جميع عصور التاريخ.
ويبدو- على ما نستطيع أن نتصوره فيما يحيط به من سُدُم الأساطير والأوهام- أنه كان أحب الفاتحين إلى النفوس، وأنه أقام دولته على قواعد من النبل وكريم السجايا؛ وأن أعداءه كانوا يعرفون عنه لين الجانب فلم يحاربوه بتلك القوة المستيئسة التي يحارب بها الرجال حين لا يجدون بداً من أن يَقتلوا أو يُقتلوا. ولقد مر بنا من قبل- على ما يرويه هيرودوت- كيف أنجى كروسس من الحطب المحروق الذي وضع عليه في سرديس، وكيف أكرمه وجعله من أعظم مستشاريه، ومر بنا كذلك كرمه وحسن معاملته اليهود. وكانت أولى القواعد السياسية التي تقوم عليها دولته أن يترك للشعوب المختلفة التي تتألف منها حرية العبادة والعقيدة الدينية، لأنه كان عليماً كل العلم بالمبدأ الأول الذي يبني عليه حكم الشعوب، وهو أن الدين أقوى من الدولة؛ ومن أجل ذلك لا نراه ينهب المدن ويخرب المعابد، بل نراه يبدي كثيراً من الإكبار والمجاملة لآلهة الشعوب المغلوبة، ويساهم بماله في المحافظة على أضرحتها؛ بل إن البابليين أنفسهم، وهم الذين قاوموا طويلاً، قد التفوا حوله وتحمسوا له حين رأوه يحافظ على هياكلهم ويعظم آلهتهم. وكان أينما سار في فتوحه التي لم يسبقه إليها فاتح من قبله قرب القرابين إلى الآلهة المحلية في تقى وورع. وكان كنابليون يعترف بالأديان كلها على السواء، ويفوقه فيما يظهره من بشاشة وكياسة وهو يكرم جميع الآلهة.
وهو يشبه نابليون من ناحية أخرى، وهو أنه مات ضحية الإسراف في المطامع. ذلك أنه لما فرغ من فتح الشرق الأدنى بأجمعه وضمه إلى ملكه،
стр. 589
أراد أن يحرر ميديا وفارس من غزو البدو الهمج الضاربين في أواسط آسية. ويلوح أنه أوغل في حملاته حتى وصل إلى ضفاف نهر جيحون شمالاً وإلى الهند شرقاً؛ فلما وصل إلى ذروة مجده قتل فجأة وهو يحارب المسجيتة إحدى القبائل المجهولة التي كانت نازلة على السواحل الجنوبية لبحر الخزر، فكان كالإسكندر افتتح إمبراطورية متسعة الرقعة ولكن المنية عاجلته قبل أن ينظمها. لكن أخلاق قورش قد شابتها شائبة كبيرة، تلك هي قسوته المفرطة في بعض الأحيان.
وجاء بعده ابنه قمبيز وكان به شِبْهُ جِنّة، فورث عن أبيه قوته وإن لم يرث عنه شيئاً من كرمه. وبدأ قمبيز حكمه بأن قتل أخاه سمرديس منافسه في المُلك، ثم أغوته ثروة مصر الطائلة فزحف عليها ليمد حدود الإمبراطورية الفارسية إلى نهر النيل. وأفلح فيما كان يبتغيه، ولكنه على ما يظهر أضاع في سبيل ذلك رشده. ولم يكلفه الاستيلاء على منف كبير مشقة، ولكن الجيش الذي أرسله للاستيلاء على واحة أمون هلك في الصحراء، كما أخفقت حملة سيرها إلى قرطاجنة لأن بحارة الأسطول الفارسي الفينيقيين أبوا أن يهاجموا مستعمرة فينيقية؛ وجن جنون قمبيز، فذهبت عنه حكمة أبيه، وما كان يتصف به من رحمة وتسامح، فأخذ يسخر من دين المصريين، وطعن بخنجره العجل أبيس معبودهم وموضع إجلالهم وتقديسهم وهو يستهزئ به. ولم يكفه هذا، بل أخرج الجثث المحنطة من مدافنها ونبش قبور الملوك ولم يبال في ذلك بما كان عليها من لعنات قديمة، ودنس الهياكل وأمر بإحراق ما فيها من الأصنام، ظناً منه أن عمله هذا سوف يشفي المصريين من خرافاتهم وأوهامهم، فلما انتابه المرض- ويلوح أن مرضه كان نوبات مرض تشنجية- لم يبق لدى المصريين شك في أن مرضه إنما هو عقاب حل به من قبل آلهتهم وأن دينهم لم يبق فيه بعدئذ ريبة لمرتاب. وكأن قمبيز قد أراد أن يبرهن مرة أخرى على مساوئ الملكية المطلقة، ففعل ما فعله
стр. 590
نابليون في بعض ساعات امتعاضه، إذ أعدم ركسانا أخته وزوجته، وقتل ابنه بركسبيس بسهم من قوسه، ودفن اثني عشر من أعيان الفرس أحياء، وقضى بإعدام كروسس، ثم ندم على ما فعل، وسر حين علم أن حكمه لم ينفذ، ثم عاقب الموظفين الذين تأخروا عن تنفيذه (١٢). وعلم وهو عائد إلى بلاده أن مغتصباً قد استولى على عرش فارس وأن ثورة صماء اندلع لهيبها في طول البلاد وعرضها لتأييده. ومن هذه اللحظة يختفي قمبيز من التاريخ، وفي بعض الروايات أنه انتحر (١٣).
وكان المغتصب قد ادعى أنه سمرديس وأنه نجا بإحدى المعجزات من حسد أخيه قمبيز واعتزامه قتله. أما الحقيقة فإنه كان أحد رجال الدين المتعصبين من أتباع المذهب المجوسي القديم، وكان يعمل جاهداً للقضاء على الزردشتية دين الدولة الفارسية الرسمي. ثم شبت في البلاد ثورة أخرى أطاحت بعرشه، وكان الذين نظموها سبعة من أشراف البلاد اختاروا بعدئذ واحداً منهم هو دارا بن هشتسبش ورفعوه على العرش. وبهذه الوسيلة الدموية بدأ أعظم ملوك الفرس حكمه.
وكانت وراثة العرش في الممالك الشرقية تقترن بالفتن في القصور الملكية تقوم بين المتنازعين على أزمة الحكم، كما تقترن بالثورات في المستعمرات الخاضعة لحكمها، فقد كانت هذه المستعمرات تنتهز فرصة ما ينشأ عن الفتن الداخلية من فوضى واضطراب، أو عن تولي المُلك حاكم غير مجرب فتعمل لاسترداد حريتها. وكان اغتصاب المُلك في هذه المرة واغتيال سمرديس فرصة ثمينة انتهزتها الولايات الخاضعة لفارس، فخرج عليها حكام مصر وليديا، وثارت عليها في وقت واحد سوزانه، وبابل وميديا، وأشور، وأرمينية، وساكيا، وغيرها من الولايات. ولكن دارا أخضعها جميعا واستخدم في إخضاعها منتهى القسوة. من ذلك أنه لما استولى على مدينة بابل بعد حصار طويل أمر بصلب ثلاثة آلاف من أعيانها ليرهب بذلك بقية الأهلين ويرغمهم على طاعته، ثم أتبع
стр. 591
ذلك بسلسلة من الوقائع الحربية السريعة "هدأ" بها الولايات الثائرة واحدة بعد واحدة.
ولما رأى أن هذه الإمبراطورية الواسعة قد تتقطع أوصالها إذا حلت بها أزمة من الأزمات، خلع دروع الحرب وأصبح من أعظم الحكام الإداريين وأعلمهم كعباً في التاريخ كله، وأخذ يعيد تنظيم ملكه على نسق أصبح مثالاً يحتذى في جميع الإمبراطوريات القديمة إلى سقوط الدولة الرومانية. وبفضل هذا النظام نعمت بلاد غربي آسية بفترة من الطمأنينة والرخاء لم ينعم هذا الصفح المضطرب بمثلها من قبل.
وكان يرجو بعدئذ أن يحكم بلاده في ظل السلام، ولكن سنة الأقدار قد جرت على ألا تنقطع الحروب في الإمبراطوريات، ذلك بأن الشعوب المقهورة يجب أن يعاد قهرها من آن إلى آن، وأن الغالبين يجب أن يحافظوا في شعوبهم على فنون الحرب وعادات المعسكرات وميادين القتال، وأن الأقدار التي لا تترك شيئاً على حاله قد تتمخض عن إمبراطورية جديدة تتحدى الإمبراطورية القديمة؛ وتلك ظروف تحتم خلق الحروب إن لم تشتعل نارها من تلقاء نفسها؛ ولابد إذن من أن يعود كل جيل على احتمال مشاق القتال، وأن يعلم بالمران كيف يستسيغ الموت في سبيل الأوطان.
ولعل هذا كان من الأسباب التي حدت بدارا إلى أن يزحف بجيوشه إلى جنوب الروسيا مجتازاً مضيق البسفور ونهر الدانوب إلى الفلجا ليؤدب السكوذيين الذين كانوا لا ينفكون يغيرون على أطراف الإمبراطورية الفارسية، وأن يقودها مرة أخري مخترقاً أفغانستان، ويجتاز العشرات من سلاسل الجبال حتى يصل إلى وادي نهر السند، وأن يضم بذلك إلى مملكته أقاليم واسعة الرقعة وآلاف من الأنفس والكثير من الأموال. أما حملته على بلاد اليونان فيجب أن نبحث لها عن سبب أقوى من هذا. ويريد هيرودوت أن يحملنا على الاعتقاد بأنه خطا هذه الخطوة
стр. 592
التاريخية الموفقة لأن أتوسا إحدى زوجاته كايدته بها في فراشه (١٤). لكن أكرم من هذا أن نعتقد أن الملك أدرك ما تتمخض عنه دويلات المدن اليونانية ومستعمراتها من إمبراطورية أو من حلف يهدد سيادة الفرس على غربي آسية. فلما ثارت أيونا وتلقت العون من إسبارطة وأثينا رضي دارا أن يخوض غمار الحرب وهو كاره لها. والعالم كله يعرف قصة اجتيازه بحر إيجه، وهزيمة جيشه في سهل مراثون، وعودته كسير القلب إلى فارس. وهناك أخذ يستعد استعداداً عظيماً ليحاول ضرب اليونان ضربة أخرى، ولكنه أصيب في هذه الأثناء بمرض مفاجئ أضعفه وقضى على حياته.
стр. 593
الفصل الثالث
الحياة الفارسية والصناعات
الإمبراطورية - الشعب - اللغة - الزراع -
الطرق الإمبراطورية - التجارة والشئون المالية
كانت الدولة الفارسية حين بلغت أعظم اتساعها في أيام دارا تشمل عشرين ولاية أو "إمارة" (ستربية) تضم: مصر، وفلسطين، وسوريا، وفينيقية، وليديا، وفريجية، وأيونيا، وقبادوش، وقليقية، وأرمينية، وأشور، وقفقاسية، وبابل، وميديا، وفارس، والبلاد المعروفة في هذه الأيام باسم أفغانستان، وبلوخستان، والقسم الممتد من الهند غرب نهر السند، وسيمديانا، وبكتريا (بلخ)، وأقاليم المسجينة وغيرهم من قبائل آسية الوسطى. ولم يسجل التاريخ قبل هذه الإمبراطورية أن حكومة واحدة حكمت مثل هذه الرقعة الواسعة من البلاد.
ولم تكن بلاد الفرس في تلك الأيام، وهي البلاد التي قدر لها أن تحكم هذه الأربعين مليوناً من الأنفس مدى مائتي عام، هي بعينها البلاد المعروفة الآن باسم بلاد فارس، والتي يسميها بلاد إيران، بل كانت هي الإقليم الأصغر المصاحب للخليج الفارسي مباشرة من جهة الشرق، والمعروفة لدى الفرس الأقدمين باسم بارش والفرس المحدثين باسم فارس أو فارستان (١٥). وهذا الإقليم يكاد يكون كله صحراوات وجبالاً، أنهاره قليلة، معرضة للبرد القارس والحر الجاف اللافح (١)، ولذلك فإنه لم يكن فيه من الخيرات ما يكفي سكانه البالغ عددهم مليونين من الأنفس (١٧)، إلا إذا استعانوا بما قد يأتيهم من خارج بلادهم عن طريق
стр. 594
التجارة والفتح. وأهل البلاد الجبليون الأشداء ينتمون كما ينتمي الميديون إلى الجنس الهندوربي، ولعلهم جاءوا إلى تلك البلاد من جنوب الروسيا؛ وتكشف لغتهم وديانتهم المبكرة عن صلة نسب وثيقة بينهم وبين الآريين الذين عبروا أفغانستان، وأصبحوا الطبقة الحاكمة في شمال الهند. ولقد وصف دارا الأول نفسه في نقش- رستم بأنه: "فارسي ابن فارسي، آرى من سلالة آرية". ويسمي الزردشتيون وطنهم الأول: إيريانا فيجو أي "موطن الآريين" (١)، ويطلق استرابون لفظ أريانا على البلاد التي يطلق عليها الآن هذا اللفظ الذي لا يكاد يختلف عن اللفظ الأول وهو إيران (١٨).
ويلوح أن الفرس كانوا أجمل شعوب الشرق الأدنى في الزمن القديم. فالآثار الباقية في عهدهم تصورهم شعباً معتدل القامات، قوي الأجسام، قد وهبته حياة الجبال شدة وصلابة، ولكن ثروتهم الطائلة رققت طباعهم، وهم ذوو ملامح متناسبة متناسقة، شم الأنوف لا يكادون يفترقون في ذلك عن اليونان، تبدو على وجوههم سمات النبل والروعة؛ ولبس معظمهم الملابس الميدية ثم تحلوا فيما بعد بالحلي الميدية. وكانوا يعدون من سوء الأدب كشف أي جزء من أجزاء الجسم خلا الوجه، ولذلك كان كل جسمهم مغطى من عمامة الرأس أو عصابته أو قلنسوته إلى خفي القدمين أو حذاءيهما. فكان لباسهم سروالاً مثلث الطيات، وقميصاً أبيض من التيل، ومئزراً من طبقتين، ذا كُمّين يغطيان اليدين، ومنطقة في وسط الجسم. وكانت هذه الملابس تحفظ أجسامهم، دفئة في الشتاء، حارة في الصيف. أما الملك فكان يمتاز بلبس سروال مطرز قرمزي، وحذاءين ذوي أزرار زعفرانية اللون. ولم تكن ملابس النساء تختلف عن ملابس الرجال إلا بفتحة عند الصدر. وكان الرجال يطيلون لحاهم ويتركون شعر رأسهم ينساب في غدائر، ثم استبدلوا بهما فيما بعد شعراً مستعاراً (١٩). ولما زادت الثروة
стр. 595
في عهد الإمبراطورية أكثر الأهلون رجالهم ونساؤهم من استعمال أدوات التجميل، فاستعملوا الأدهان لتجميل الوجه، والأصباغ الملونة لدهن الجفون، لكي يزيدوا بذلك من سعة العينين وبريقهما الظاهر. ومن ثم نشأت عندهم طبقة من"المزينين" سماهم اليونان "الكزمتاي" كانوا خبراء في فن التجميل، وعملهم تجميل الأثرياء. وكان الفرس خبراء في عمل الروائح العطرية، وكان القدماء يعتقدون أنهم هم الذين اخترعوا أدهان التجميل. ولم يكن مليكهم يخرج إلى الحرب إلا ومعه علبة ثمينة من الزيوت العطرية، يتعطر بها في حالتي النصر والهزيمة (٢٠).
وتكلم الفرس عدة لغات في أثناء تاريخهم الطويل. فكانت الفارسية القديمة لغة البلاط وأعيان البلاد في عهد دارا الأول، وهذه اللغة وثيقة الارتباط باللغة السنسكريتية حتى ليبدو لنا جلياً أن اللغتين كانتا في وقت من الأوقات لهجتين من لغة أقدم منهما عهداً، وأنهما هما واللغة الإنكليزية فروع من أصل واحد (١). وتطورت اللغة الفارسية القديمة وتفرعت إلى فرعين هما الزندية- لغة الزند- أبستاق. والبهلوية وهي لغة هندية اشتقت منها اللغة الفارسية الحالية (٢٢). ولما مارس الفرس الكتابة استخدموا في نقوشهم الخط المسماري واستخدموا الحروف الهجائية الآرامية لكتابة وثائقهم (٢٣). وبسطوا مقاطع اللغة البابلية الثقيلة الصعبة، فأنقصوها من ثلاثمائة رمز إلى ست وثلاثين
стр. 596
علامة، تبدلت شيئاً فشيئاً من مقاطع إلى حروف حتى صارت حروفاً هجائية مسمارية (٢٤). على أن الكتابة كانت تبدو للفرس لهواً خليقاً بالنساء لا يكادون يقتطعون له وقتاً من بين مشاغلهم الكثيرة في الحب والحرب والصيد، ولم ينزلوا من عليائهم فينشئوا أدباً.
وكان الرجل العادي أمياً راضياً عن أميته، يبذل جهده كله في فلاحة الأرض. ومجدت الزند- أبستاق الأعمال الزراعية وعدتها أهم أعمال الجنس البشري وأشرفها، يبتهج لها أهور- مزدا الإله الأعلى أكثر مما يبتهج بغيرها من الأعمال. وكانت بعض الأراضي يزرعها ملاكها المزارعون. وكان هؤلاء الملاك في بعض الأحيان يؤلفون جماعات زراعية تعاونية مكونة من عدة أسر لتزرع مجتمعة مساحات واسعة من الأراضي (٢٥). والبعض يمتلكه الأشراف الإقطاعيون ويزرعه مستأجروه نظير جزء من غلته؛ وبعضها الآخر يزرعه الأرقاء الأجانب (ولم يكونوا قط فرساً). وكانوا يستخدمون محاريث من الخشب ذات أطراف من حديد تجرها الثيران. وكانوا يجرون الماء من الجبال إلى الحقول بطرق الري الصناعية. وكان الشعير والقمح أهم محاصيل الأرض وأهم مواد الغذاء، ولكنهم كانوا يأكلون كثيراً من اللحم ويتجرعون كثيراً من الخمر. وقد أمر قورش بتقديم الخمر لجيوشه (٢٦). ولم تكن مناقشة جدية في الشئون السياسية تدور في مجالس الفرس إلا وهم سكارى (١) وإن كانوا يحرصون على أن يعيدوا النظر في قراراتهم في صباح اليوم التالي. وكان من مشروباتهم مشروب مسكر يسمى الهوما يقدمونه قرباناً محبباً لآلهتهم؛ وكانوا يعتقدون أنه لا يبعث في مدمنه الهياج والغضب، بل يبعث فيه التقى والاستقامة (٢٨).
стр. 597
ولم يكن للصناعة شأن في فارس؛ فقد رضيت أن تترك لأمم الشرق الأدنى ممارسة الحرف والصناعات اليدوية، واكتفت بأن تحمل هذه الأمم إليها منتجاتها مع ما يأتيها من الخراج. أما في شئون النقل والاتصال فكانت أكثر ابتكاراً منها في شئون الصناعة. فقد انشأ المهندسون إطاعة لأمر دارا الأول طرقاً عظيمة تربط حواضر الدولة بعضها ببعض. وكان طول إحدى هذه الطرق وهي الممتدة من السوس إلى سرديس ألفاً وخمسمائة ميل. وكان طولها يقدر تقديراً دقيقاً بالفراسخ (وكان الفرسخ ٣. ٤ ميل) ويقول هيرودوت: "إنه كان عند نهاية كل أربعة فراسخ محاط ملكية ونُزل فخمة، وكان الطريق كله يخترق أقاليم آمنة عامرة بالسكان" (٢٩). وكان في كل محطة خيول بديلة متأهبة لمواصلة السير بالبريد، ولهذا فإن البريد الملكي كان يجتاز المسافة من السوس إلى سرديس بالسرعة التي يجتازها بها الآن رتل من السيارات الحديثة، أي في أقل قليلاً من أسبوع، مع أن المسافر العادي في تلك الأيام الغابرة كان يجتاز تلك المسافة في تسعين يوماً. وكانوا يعبرون الأنهار الكبيرة في قوارب، ولكن المهندسين كانوا يستطيعون متى شاءوا أن يقيموا على الفرات أو على الدردنيل نفسه قناطر متينة تمر عليها مئات الفيلة الوجلة وهي آمنة. وكان ثمة طرق تصل فارس بالهند مجتازة ممرات جبال أف انستان، وقد جعلت هذه الطرق مدينة السوس مستودعاً وسطاً لثروة الشرق التي كانت حتى في ذلك العهد البعيد ثروة عظيمة لا يكاد يصدقها العقل. وقد أنشأت هذه الطرق في الأصل لأغراض حربية وحكومية، وذلك لتسيير سيطرة الحكومة المركزية وأعمالها الإدارية؛ ولكنها أفادت أيضاً في تنشيط التجارة وانتقال العادات والأفكار، كما أفادت في تبادل خرافات الجنس البشري وهي من مستلزماته التي لا غنى له عنها. من ذلك أن الملائكة والشياطين قد انتقلت على هذه الطرق من الأساطير الفارسية إلى الأساطير اليهودية والمسيحية.
стр. 598
ولم تبلغ الملاحة في فارس ما بلغه النقل البري من رقي عظيم. فلم يكن للفرس أسطول خاص بهم، بل كانوا يكتفون باستئجار سفن الفينيقيين أو الاستيلاء عليها لاستخدامها في الأغراض الحربية، وقد احتفر دارا الأول قناة عظيمة تصل فارس بالبحر الأبيض المتوسط عن طريق البحر الأحمر والنيل، ولكن إهمال خلفائه ترك هذا العمل العظيم تبعث به الرمال السافية.
وأصدر خشيارشاي أمره الملكي إلى قسم من قواته البحرية بأن يطوف حول إفريقية، ولكنه لم يكد يجتاز أعمدة هرقل (مضيق جبل طارق الحالي) حتى عاد من رحلته يجلله الخزي والعار (٣٠). وكانت الأعمال التجارية تترك في الغالب لغير أبناء البلاد- للبابليين والفينيقيين واليهود؛ ذلك أن الفرس كانوا يحتقرون التجارة ويرون أن الأسواق بؤرة للكذب والخداع. وكانت الطبقات الموسرة تفخر باستطاعتها الحصول على معظم حاجاتها من حقولها وحوانيتها بغير واسطة، دون أن تدنس أصابعها بأعمال البيع والشراء (٣١). وكانت الأجور والقروض وفوائد الأموال تؤدى في بادئ الأمر سلعاً، وأكثر ما كانت تؤدى به الماشية والحبوب؛ ثم جاءتهم النقود من ليديا، وسكّ دارا "الداريق" من الذهب والفضة وطبع عليه صورته (١).، وكانت نسبة قيمة الدريق الذهبي إلى الدريق الفضي كنسبة ١٣. ٥ إلى ١. وكان هذا بداية وضع نسبة بين النقدين في الوقت الحاضر (٣٣).
стр. 599
الفصل الرابع
تجربة في نظام الحكم
الملك - الأشراف - الجيش - القانون - عقاب
وحشي - الحواضر - الولايات - عمل جليل في الإدارة
كانت حياة فارس حياة سياسية وحربية أكثر منها اقتصادية؛ عماد ثروتها القوة لا الصناعة؛ ومن أجل ذلك كانت مزعزعة الكيان أشبه ما تكون بجزيرة حاكمة وسط بحر واسع خاضع لسلطانها خضوعاً غير قائم على أساس طبيعي. وكان النظام الإمبراطوري الذي يمسك هذا الكيان المصطنع من أقدر الأنظمة ولا يكاد يوجد له شبيه؛ فقد كان على رأسه الملك أوخشترا أي المحارب (١)، وهو لقب يدل على منشأ الملكية الفارسية العسكري وصبغتها العسكرية. وإذا كان تحت سلطانه ملوك يأتمرون بأمره فقد كان الفرس يلقبونه "ملك الملوك" ولم يعترض العالم القديم على هذه الدعوة، غير أن اليونان لم يكونوا يسمونه بأكثر من باسليوس أي الملك (٣٤).
وكان له من الوجهة النظرية سلطة مطلقة؛ فكانت كلمة تصدر من فمه تكفي لإعدام من يشاء من غير محاكمة ولا بيان للأسباب، على الطريقة التي يتبعها أحد الحكام الطغاة في هذه الأيام. وكان في بعض الأحيان يمنح أمه أو كبيرة زوجاته حق القتل القائم على النزعات والأهواء (٣٥). وقلما كان أحد من الأهلين، ومن بينهم كبار الأعيان، يجرؤ على انتقاد الملك أو لومه، كما كان
стр. 600
الرأي العام عاجزاً عجزاً مصدره الحيطة والحذر، فكان ما يفعله الذي يرى الملك يقتل ابنه البريء أمام عينيه رمياً بالسهام أن يثني على مهارة الملك العظيمة في الرماية، وكان المذنبون الذين يلهب السياط أجسادهم بأمر الملك يشكرون له تفضله بأنه لم يغفل عن ذكرهم (٣٦). ولو أن ملوك الفرس كان لهم من النشاط ما لقورش ودارا الأول لكان لهم أن يملكوا ويحكموا؛ ولكن الملوك المتأخرين كانوا يعهدون بأكثر شئون الحكم إلى الأشراف الخاضعين لسلطانهم، أو إلى خصيان قصورهم. أما هم فكانوا يقضون أوقاتهم في الحب أو لعب النرد أو الصيد (٣٧). وكان القصر يموج بالخصيان يسرحون فيه ويمرحون، يحرسون النساء ويعلمون الأمراء، وقد استخدموا ما تخولهم هذه الأعمال من ميزة وسلطان في حبك الدسائس وتدبير المؤامرات في عهد كل ملك من الملوك (١). وكان من حق الملك أن يختار خلفه من بين أبنائه، ولكن وراثة العرش كانت تقرر في العادة بالاغتيال والثورة.
غير أن سلطة الملك كانت تقيدها من الوجهة العملية قوة الأعيان، وكانوا هم الواسطة بين الشعب والعرش. وقد جرت العادة أن يكون لأسر الرجال الستة الذين تعرضوا مع دارا الأول لأخطار الثورة التي قامت على سمرديس الزائف ميزات استثنائية. وأن يستشاروا في مهام الدولة الحيوية، وكان كثير من الأشراف يحضرون إلى القصر ويؤلفون مجلساً يولي الملك مشورته في أكثر الأحيان أعظم رعاية. وكان يربط معظم أفراد الطبقة الموسرة بالعرش أن الملك هو الذي يهبهم ضياعهم؛ وكانوا في مقابل هذا يمدونه بالرجال والعتاد إذا نفر إلى القتال. وكان لهؤلاء الأشراف في إقطاعاتهم سلطان لا يكاد يحده شيء- فكانوا يجبون الضرائب، ويسنون القوانين، وينفذون أحكام القضاء ويحتفظون بقواتهم المسلحة.