← История

История · id 35104

قصة الحضارة

ول ديورانت

Полный текст (15 136 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

بشعبه"%=@هكذا تصور التوراة إله إسرائيل. @. ثم يريد يهوه أن يفني اليهود أصلاً وفرعاً لأنهم عصوا موسى، ولكن موسى يستثير فيه عواطفه الطيبة، ويأمره أن يفكر فيما يقوله الناس عنه إذا سمعوا بفعلته (٧٤)، وهو يختبر قومه اختباراً قاسياً فيطلب إلى إبراهيم تضحية يالها من تضحية. ويعلم إبراهيم يهوه، كما يعلمه موسى، مبادئ الأخلاق السامية وينصحه إلا يهلك سدوم وعمورة، إذا وجد فيهما من الرجال خمسون، أو أربعون، أو ثلاثون، أو عشرون، أو عشرة صالحون (٧٥). ولا يزال يغري إلهه بالرحمة، ويشرح له كيف يضطر الإنسان إلى أن يعيد تصوير أربابه لتتفق مع تطورات أخلاقه. وأن اللعنات التي يهدد بها يهوه شعبه المختار إذا ما عصاه لجديرة بأن تكون نماذج في القدح والسب، ولعلها هي التي أوحت إلى الذين حرقوا الكفرة في محاكم التفتيش الأسبانية أو حكموا على إسبنوزا بالحرمان أن يفعلوا ما فعلوا: "ملعوناً تكون في المدينة وملعوناً تكون في الحقل … ملعونة تكون ثمرة بطنك وثمرة أرضك … ملعوناً تكون في دخولك وملعوناً تكون في خروجك، يرسل الرب عليك اللعن والاضطراب والزجر في كل ما تمتد إليه يدك لتعمله حتى تهلك وتفنى سريعاً من أجل سوء أفعالك إذ تركتني؛ يلصق بك الرب الوباء حتى يبيدك عن الأرض التي أنت داخل إليها لكي تمتلكها. يضربك الرب بالسل والحما والبرداء والالتهاب والجفاف واللفح والذبول فتتبعك حتى تفنيك … الخ يضربك الرب بقرحة مصر وبالبواسير والجرب والحكة حتى لا تستطيع الشفاء، يضربك الرب بجنون وعمى وحيرة قلب … أيضا كل مرض وكل ضربة لم تكتب في سفر الناموس هذا بسلطة الرب عليك حتى تهلك" (٧٦). ولم يكن يهوه الإله الوحيد الذي يعترف اليهود بوجوده، أو يعترف هو نفسه بوجوده، وشاهد ذلك أن كل ما يطلبه في الوصية الأولى من الوصايا العشر

стр. 527

هو أن يكون مقامه فوق مقام سائر الأرباب: وهو يقر بأنه "إله غيور"، ويأمر أتباعه بهدم مذابحهم، وتكسير أصنامهم (٧٧) وإبادتهم. وقلما كان اليهود قبل إشعيا يفكرون في أن يهوه إله الأسباط جميعاً، أو حتى إله العبرانيين جميعاً، فقد كان للموآبيين إلههم شمش، وكان نعومي يظن أن لا ضير من أن يظل راعوث على ولائه له (٧٨). وكان بلزبوب إله عكرون، وملكرم إله عمون: ذلك أن النزعة الانفصالية التي كانت تتملك نفوس أولئك القوم من الناحيتين الاقتصادية والسياسية قد أدت بطبيعة الحال إلى ما تستطيع أن تسميه استقلالاً دينياً. ويقول موسى في أغنيته الشهير: "من مثلك بين الآلهة يا رب" (٧٩). ويقول سليمان! " إلهنا أعظم من جميع الآلهة ". ولم يكن جميع اليهود، اللهم إلا أعظمهم علماً، يعدون تموز إلهاً حقاً فحسب، بل إن عبادته فضلاً عن هذا كانت في وقت من الأوقات منتشرة في بلاد اليهود حتى لقد شكا حزقيال من أن البكاء حزناً على تموز كان يسمع في الهيكل (٨١). لقد كان ما بين اليهود من فوارق وما كان لهم من استقلال كافيين لأن تبقى لطوائفهم آلهتهم الخاصة حتى في زمن إرميا: "على عدد مدنك صارت إلهتكِ يا يهوذا"، ثم يظهر النبي الحزين غضبه على بني وطنه لأنهم يعبدون بعلاً ومولك (٨٢). فلما أن نشأت الوحدة السياسية في أيام داود وسليمان، وتركزت العبادة في الهيكل بأورشليم، أخذ الدين يردد أصداء التاريخ والسياسة، وأمسى يهوه إله اليهود الأوحد. ولم يخط اليهود نحو التوحيد خطوة غير هذه الخطوة، وهي أن لليهود إلهاً واحداً يعلو على آلهة غيرهم من البشر، حتى كان زمن الأنبياء (١). على أن الديانة العبرانية حتى في هذه المرحلة اليهودية كانت أقرب

стр. 528

إلى التوحيد من كل دين آخر قبل عصر الأنبياء إذا استثنينا عبادة الشمس القصيرة الأجل في عهد إخناتون. لقد كانت اليهودية تسمو كثيراً على غيرها من أديان ذلك الوقت في عظمتها وسلطانها، وفي وحدتها الفلسفية، وفيما تنطوي عليه من حماسة أخلاقية ومن أثر في نفوس أهلها، وكانت تضارع في عواطفها وشعريتها شرك البابليين واليونان إن لم تفقه من هاتين الناحيتين. وهذا الدين القاسي المكتئب لم يتخذ له شيئاً من الطقوس المنمقة والاحتفالات المرحة التي كانت شائعة في عبادة الآلهة المصرية والبابلية. وكان يغشي التفكير اليهودي بأجمعه شعور بضآلة شأن الإنسان أمام رب قادر يسيره طوع أمره. وبقيت عبادة يهوه قروناً كثيرة ديناً قوامه الخوف لا الحب، والرهبة لا الرغبة، رغم ما بذله سليمان من جهود لكي يجمل باللون والنغم عبادة هذا الإله الرهيب. ولسنا ندري، إذا رجعنا بذاكرتنا إلى هذا الدين وأمثاله، هل عادت هذه الأديان على الإنسانية بالسلوى بقدر ما عادت عليها بالفزع. إن الأديان التي تبعث في النفوس الأمل والدب لا تكون إلا متعة من متع الأمن والنظام، ولم يكن الأمن والنظام من الصفات التي سادت طويلاً بلاد اليهود. أما الحاجة إلى قذف الرعب في قلوب الشعب، أو الثائرين من الأجانب الخاضعين لسلطانه، فقد جعلت معظم الأديان البدائية عبادات قوامها الخفاء والرعب. ولقد كان تابوت العهد المحتوي على ملفات السنن والذي لم يكن يسمح لأحد أن يمسه، كان هذا التابوت رمزاً لطبيعة العقائد اليهودية. ولما مد عَزَّة الصالح يديه إلى التابوت ليمنعه أن يسقط على الأرض وأمسكه لحظة قصيرة "حمى غضب الرب على عزة وضربه الرب هناك لأجل أنه مد يده إلى التابوت فمات هناك أمام الله" (٨٤).

стр. 529

وكانت الخطيئة هي الفكرة الأساسية في الدين اليهودي. ولم ير العالم شعباً آخر أولع بالفضيلة ولع اليهود- إلا إذا استثنينا طائفة المتطهرين الذين يخيل إلينا أنهم خرجوا من بين أسفار العهد القديم دون أن تمسهم الكثلكة الطويلة العهد بسوء. ولما كانت الطبيعة البشرية ضعيفة و "السنن" معقدة صعبة فلم يكن ثمة مفر من الوقوع في الخطيئة، وكثيراً ما كانت الروح اليهودية تتلبد بالغيوم لما ينجم عن الخطيئة من سيئ العواقب، كحبس المطر أو تدمير إسرائيل بقضها وقضيضها. ولم يكن في هذا الدين جحيم يخصص لعقاب المذنبين، ولكن شيول أو "أرض الظلام" التي تحت الأرض لم تكن تقل هولاً عن هذا الجحيم. وكان يلقى فيها الموتى جميعهم الطيب منهم والخبيث، لا يستثنى منهم إلا المقربون إلى الله كموسى وأخنوخ وإيليا. على أن اليهود قلما كانوا يشيرون إلى حياة أخرى بعد الموت، ولم يرد في دينهم شيء عن الخلود؛ وكان ثوابهم وعقابهم مقصورين على الحياة الدنيا. ولم تدر فكرة البعث في خلد اليهود إلا بعد أن فقدوا الرجاء في أن يكون لهم سلطان في هذه الأرض، ولعلهم أخذوا هذه الفكرة عن الفرس، أو لعلهم أخذوا شيئاً منها عن المصريين. ومن هذه الخاتمة الروحية ولدت المسيحية. وكان يمكن اتقاء الخطيئة ونتائجها بالصلاة والتضحية. وبدأت التضحية عند الساميين كما بدأت عند "الآريين" بالضحايا البشرية (٨٥) ثم حل الحيوان محل الإنسان فصار يضحي "بأولى ثمرات القطعان" وباكورة الطعام الذي تنتجه الحقول؛ ثم انتهى الأمر أخيراً بالاكتفاء بالتسبيح والثناء على الله. وكان الاعتقاد السائد في أول الأمر ألا يؤكل لحم حيوان إلا إذا ذبحه كاهن وباركه، وعُرِض وقتاً ما على الإله (٨٦). وكانت عملية الختان نفسها من أعمال التضحية، ولربما كانت فدية لتضحية أخرى أشد منها قسوة يكتفي فيها الإله بأخذ جزء

стр. 530

من كل. وكان الحيض والولادة، كالخطيئة، يدنسان المرأة، ويتطلبان تطهيراً ذا مراسم وتقاليد، وتضحية وصلاة، على يد الكهنة. وكانت المحرمات تحيط بالمؤمنين من كل جهاتهم، كما كانت الخطيئة كامنة في كل شهوة من الشهوات، وكان لا بد من الهبات للتكفير عن هذه الخطايا، وقلما كانت هناك خطيئة لا يمكن التكفير عنها بهذه الوسيلة. ولم يكن أحد غير الكهنة يستطيع أن يقرب القرابين بالطريقة الصحيحة أو يفسر الطقوس أو الأسرار الدينية تفسيراً آمنا من الخطأ. وكان هؤلاء طبقة مغلقة لا يستطيع أحد أن ينتمي إليها إلا أبناء ليفي (١). ولم يكن من حقهم أن يرثوا مالاً (٨٧)، ولكنهم كانوا معفيين من الضرائب وفرضة الرؤوس وسائر الإتاوات على اختلاف أنواعها (٨٨). وكانوا يأخذون العشور على نتاج الضأن، وينتفعون بما يبقى في الهيكل من القرابين التي لم تستنفذها الآلهة (٨٩). ونمت ثروة الكهنة بعد نفي اليهود بنمو المجتمع اليهودي الجديد؛ وإذا كانت هذه الثروة المقدسة قد أحسن القيام عليها، فقد جعلت كهنة الهيكل الثاني في دمشق، كما كان أمثالها في طيبة وبابل، أقوى من الملوك أنفسهم. على أن نمو سلطان الكهنة وانتشار التربية الدينية لم يكفيا لتحرير عقول العبرانيين من الخرافات والأوهام ومن عبادة الأوثان، بل ظلت قلل التلال، والحراجُ مأوى للآلهة الأجنبية ومشهداً للطقوس الخفية، وظلت أقلية كبيرة من الشعب تسجد للحجارة المقدسة، أو تعبد بعل وعشتروت، أو تتنبأ بالغيب على الطريقة البابلية، أو تقيم الأنصاب وتحرق لها البخور، أو تركع أمام الحية النحاسية أو العجل الذهبي، أو تملأ الهيكل بضجيج الحفلات الوثنية (٩١)، أو ترغم أطفالها على أن " يجوزوا في النار " من قبيل التضحية (٩٢)؛ بل إن بعض الملوك أنفسهم مثل سليمان وأهاب كانوا " يتملقون " الآلهة الأجانب. وقام

стр. 531

رجال صالحون كإيليا وإليشع ينادون بإبطال هذه العادات، وإن لم يصبحوا بعد كهنة، وحاولوا أن يهدوا الناس إلى طريق الحق باستقامتهم وحثهم على الاقتداء بهم. ونشأ من هذه الأحوال والبدايات، ومن انتشار الفاقة واستغلال الأهلين في إسرائيل، عظماء الرجال في الديانة اليهودية؛ نشأت طائفة الأنبياء المتحمسين، الذين طهروا الدين اليهودي، ورفعوا مقامه، وهيأوه للغلبة على أديان العالم الغربي.

стр. 532

الفصل الرابع المتطرفون الأولون حرب الطبقات - أصل الأنبياء - عاموس وأورشليم - إشعيا - تنديده بالأغنياء - عقيدة المسيح المنقذ - أثر الأنبياء لما كان الفقر ينشأ من الغنى، ولما كان الفقراء لا يعرفون أنهم فقراء إلا حين يبصرون الأغنياء بعيونهم، فإن حرب الطبقات لم يندلع لهيبها في إسرائيل إلا بعد أن رأى الناس بأعينهم ثروة سليمان الطائلة. لقد تعجل سليمان، كما تعجل بطرس الأكبر ولينين، حينما أراد أن يحول البلاد من دولة زراعية إلى أخرى صناعية. وقد تطلبت هذه المشروعات الضخمة كثيراً من الكدح، وفرضت على الشعب أبهظ الضرائب؛ ولما أن تمت بعد عشرين عاماً من العمل المتواصل، وُجدت في أورشليم طبقة من العمال المتعطلين كانوا من عوامل الشقاق السياسي والفساد الاجتماعي في فلسطين، كما كان أمثالهم في رومة فيما بعد. وكانت الأحياء القذرة تزداد شيئاً فشيئاً كلما نمت ثروة الأفراد وزاد ترف الحاشية، وأصبح استغلال الشعب والربا عادة مألوفة بين أصحاب الضياع الكبرى والتجار والمرابين الذين أحاطوا بالهيكل حتى قال عاموس أن المُلاّك "باعوا البارَّ بالفضة والبائس لأجل نعلين" (٩٣). وكانت الثغرة الآخذة في الاتساع بين ذوي الحاجة وذوي اليسار، وكان النزاع الشديد بين المدن والريف وهو النزاع الذي يصحب على الدوام قيام المدنيات الصناعية، من العوامل التي أدت إلى انقسام فلسطين بعد موت سليمان إلى مملكتين متعاديتين مملكة إفرايم (١) الشمالية وعاصمتها السامرة، ومملكة يهوذا

стр. 533

الجنوبية وعاصمتها أورشليم. وأخذ الضعف من ذلك الحين يدب بين اليهود لما سرى في قلوبهم من أحقاد، وما قام بينهم من نزاع كانت تشتعل بينهم بسببه نيران الحرب العوان. ولم يمض على موت سليمان إلا زمن قليل حتى استولى شيشنق ملك مصر على أورشليم، وحتى سلّمت له ما جمعه سليمان من ذهب بالضرائب التي فرضها على الشعب في أثناء حكمه الطويل. وكان هذا الجو المشحون بعوامل التفكك السياسي، والحرب الاقتصادية، والانحلال الديني، هو الذي ظهر فيه الأنبياء. ولم يكن أولئك الذين أطلق عليهم هذا اللفظ العبري (نبي) أول الأمر من طبقة عاموس وإشعيا الجديرة باحترامنا؛ بل كان بعضهم من المتنبئين الذين يستطيعون قراءة قلوب الناس وماضيهم ويخبرونهم بمستقبلهم حسبما يتقاضون منهم من أجور. ومنهم متعصبون متهوسون يستثيرون مشاعرهم بالأصوات الموسيقية الغريبة، أو المشروبات القوية، أو الرقص الشبيه برقص الدراويش، وينطقون في أثناء غيبوبتهم بعبارات يراها أصحابهم وحياً أوحي إليهم: أي بثتها فيهم روح غير روحهم (٩٤). وقد سخر إرميا سخرية لاذعة من "كل رجل مجنون ومتنبئ" (٩٥). وكان منهم من هو ناسك نكد كإيليا؛ ومنهم كثيرون يعيشون في مدارس أو أديرة مجاورة للهياكل، ولكن معظمهم كانت لهم أملاك خاصة وزوجات (٩٦). ومن هذا الحشد الكبير من النساك خرج أنبياء بني إسرائيل وأصبحوا على مر الزمن نقدة لعصرهم وشعبهم ثابتين على نقدهم، عارفين بالتبعة الملقاة عليهم؛ وسياسيين ممتازين يسوسون بلادهم في الخفاء "أشد الناس معارضة للكهنة" (٩٧) و"ألدهم عداء للسامية" (٩٨) وكانوا مزيجاً من العرافين والاشتراكيين. ونخطئ أشد الخطأ إذا عددناهم أنبياء بالمعنى المألوف لهذا اللفظ؛ لقد كانت نبوءاتهم، إن صح أن نسميها نبوءات، مزيجاً من الوعد والوعيد، أو عبارات دالة على التقى والصلاح، يحشرونها في

стр. 534

أقوالهم حشراً (٩٩)، أو إشارات إلى حوادث بعد وقوعها (١٠٠). ولم يكن الأنبياء أنفسهم يدعون أنهم يعلمون من الغيب ما يستطيعون أن ينطقوا به؛ بل كانوا أشبه الناس بالمعارضين البلغاء في إحدى الحكومات الدستورية الحديثة. وكانوا من بعض نواحيهم تلستويين (١) ثائرين على الاستغلال الصناعي والخداع الكهنوتي؛ خرجوا من أحضان الريف الساذج يصبون اللعنات على ثراء الحواضر الفاسدة. وقد قال عاموس عن نفسه أنه لم يكن نبياً وإنما كان راعياً ريفياً ساذجاً. فلما أن ترك قطيعه ليشهد بيت إيل، هاله ما شاهده فيه من تعقد الحياة تعقداً غير طبيعي، ومن الفروق الواسعة بين الثروات، ومن منافسة مريرة قاتلة، وقسوة في استغلال الناس. فلما رأى هذا "وقف بالباب" وأخذ يصب غضبه على ذوي الثراء المنغمسين في الترف الذين لا يرعون في الناس عهداً ولا ذمة. "من أجل أنكم تدوسون المسكين، وتأخذون منه هدية قمح، بنيتم بيوتاً من حجارة منحوتة ولا تسكنون فيها، وغرستم كروماً شهية ولا تشربون خمرها … ويل للمستريحين في صهيون، … أنتم … المضطجعون على أسرّة من العاج والمتمددون على فرشهم والآكلون خرافاً من الغنم، وعجولاً من وسط الصيرة، الهذرون مع صوت الرباب، المخترعون لأنفسهم آلات الغناء كداود، الشاربون من كؤوس الخمر، والذين يدهّنون بأفضل الأدهان … "كرهت أعيادكم … إني إذا قد مّتم لي محرقاتكم وتقدماتكم لا أرتضي … أبعد عني ضجة أغانيك ونغمة ربابك لا أسمع، وليجر الحق كالمياه، والبر كنهر دائم" (١٠١). تلك نغمة جديدة في آداب العالم. نعم إن عاموس يثلم حد مثاليته بما ينطق به إلهه من وعيد كالتيار الجارف لا يستطيع القارئ لكثرته وشدته أن يحاجز نفسه

стр. 535

عن العطف في بعض اللحظات على شاربي الخمر ومستمعي الموسيقى. ولكنا هنا نرى الضمير الاجتماعي لأول مرة في آداب آسية يتخذ صورة محددة واضحة ويفيض على الدين بما يرفعه من دين حفلات وملق إلى دعوة للنبل وحث على مكارم الأخلاق، وما من شك في أن إنجيل المسيح يبدأ في الحقيقة بظهور عاموس (١). ويبدو أن نبوءة من أشد نبوآته إيلاماً تحققت وهو لا يزال حيا: "هكذا قال الرب. كما ينزع الراعي من فم الأسد كراعين أو قطعة أذن، هكذا ينتزع بنو إسرائيل الجالسون في السامرة في زاوية السرير وعلى دمقس الفراش … فتبيد بيوت العاج وتضمحل البيوت العظيمة" (٢). وقام نبي آخر حوالي ذلك الوقت نفسه يهدد السامرة بالخراب في عبارة من تلك العبارات الواضحة المأثورة التي صاغها المترجمون في عهد الملك جيمس من كنوز التوراة ليرددها الناس في حديثهم كل يوم. قال هوشع: "إن عجل السامرة يصير كسراء، إنهم يزرعون الريح ويحصدون الزوبعة" (١٠٤). وفي عام ٧٣٣ هددت إفرايم وحليفتها سوريا، مملكة يهوذا الناشئة، فاستغاثت هذه بأشور. فأغاثتها واستولت على دمشق، وأخضعت سوريا وصور وفلسطين وأرغمتها على دفع الجزية، وعرفت ما يبذله اليهود من جهود للحصول على معونة مصر، فغزت البلاد مرة أخرى واستولت على السامرة، ودخلت في مفاوضات سياسية مع ملك يهوذا (١٠٥)، وعجزت عن الاستيلاء على أورشليم، ثم عادت جيوشها إلى نينوى مثقلة بالغنائم ومعها ٠٠٠ ر ٢٠٠ من أسرى اليهود ليكونوا عبيداً للآشوريين (١٠٦).

стр. 536

وفي أثناء حصار أورشليم أصبح النبي إشعيا من أعظم شخصيات التاريخ العبري (١). وكان إشعيا أوسع أفقا من عاموس، ولذلك كانت آراء أولهما أبقى أثراً في السياسة من آراء الثاني. ولم يكن يشك في أن يهوذا الصغيرة لا تستطيع الوقوف في وجه أشور الجبارة ذات السلطان الواسع ولو أعانتها مصر البعيدة- تلك القصبة المرضوضة التي تدمي يد من يحاول أن يمسكها ليدفع بها عن نفسه- فأخذ يتوسل إلى الملك أهاب ثم إلى الملك حزقيا أن يظلا على الحياد في الحرب القائمة بين أشور وإفرايم. ذلك أنه لم يكن يشك- كما لم يكن عاموس وهوشع يشكان- في أن السامرة (١٠٨) لابد ساقطة، وأن المملكة الشمالية مقبلة على آخر أيامها. فلما أن حاصر الآشوريون أورشليم أشار إشعيا على حزقيا ألا يسلم المدينة. وبدا أن انسحاب جيوش سنحريب المفاجئ مبرر قوي لهذه النصيحة. ومن أجل ذلك علا شأنه زمناً ما لدى الملك والشعب على السواء. وكان ينصح على الدوام بأن يعامل الناس بالعدل، وأن يترك أمرهم بعد ذلك إلى يهوه، فيستخدم أشور أداة له يؤدبهم بها، ولكنه سيهلكها هي نفسها في آخر الأمر. وكان من أقواله أن يهوه سيقضي على جميع الأمم المعروفة له، وهو يقول في بعض فصول سفره (من الأصحاح السادس عشر إلى الثالث والعشرين) أن موآب وسوريا وأثيوبيا ومصر سيكون مصيرها الدمار و"كلها يولول" (١٠٩). وهذا الدعاء بالخراب وهذه اللعنات المتكررة تفسد ما في سفر إشعيا من جمال، كما تفسد كل ما في التوراة كلها من نبوءات، ولولاها لكانت من أجمل ما كتب في الأدب. على أن تشهيره هذا إنما ينصب على ما يجب أن ينصب عليه- على الاستغلال الاقتصادي والشراهة، فهو إذا تحدث عنهما سما في حديثه إلى أرقى

стр. 537

ما وصل إليه الأدب في أسفار العهد القديم، في فقرات تعد من أروع ما كتب من النثر في أدب العالم كله: "الرب يدخل في المحاكمة مع شيوخ شعبه ورؤسائهم، وأنتم قد أكلتم الكرم. سلبُ البائس في بيوتكم. ما لكم تسحقون شعبي وتطحنون وجوه البائسين؟ … ويل للذين يصلون بيتاً ببيت، ويقرنون حقلاً بحقل حتى لم يبق موضع، فصرتم تسكنون وحدكم في وسط الأرض! … ويل للذين يقضون أقضية البطل، وللكتبة الذين يسجلون زورا ليصدوا الضعفاء عن الحكم، ويسلبوا حق بائسي شعبي لتكون الأرامل غنيمتهم، وينهبوا الأيتام. وماذا تفعلون في يوم العقاب حين تأتي التهلكة من بعيد؟ إلى من تهربون للمعونة؟ وأين تتركون مجدكم؟ " (١١٠). وهو يزدري أشد الازدراء من يتظاهرون في العالم بالتقوى وهم يبتزون أموال الفقراء: "لماذا لي كثرة ذبائحكم؟ يقول الرب أتخمت من محرقات كباش وشحم مسمنات … رؤوس شهوركم وأعيادكم بغضتها نفسي. صارت عليَّ ثقلاً. مللت حملها. فحين تبسطون أيديكم أستر عيني عنكم، وإن كثرتم الصلاة لا أسمع. أيديكم ملآنة دماً. اغتسلوا تنقوا. اعزلوا شر أفعالكم من أمام عيني، كفوا عن فعل الشر. تعلموا فعل الخير. اطلبوا الحق. انصفوا المظلوم. اقضوا لليتيم. حاموا عن الأرملة" (١١١). وهو ممتلئ القلب حقداً، ولكنه غير يائس من شعبه؛ وكما أن عاموس قد ختم مواعظه بنبوءة، يحاول اليهود الآن تحقيقها وهي عودتهم إلى بلادهم (١١٢)، كذلك يختتم إشعيا مواعظه بترديد أمل اليهود في ظهور من يقضي على ما بينهم من انقسام سياسي، وخضوع للأجنبي، وما هم فيه من بؤس وشقاء، ومن يعيد إلى الأرض الإخاء والسلام:

стр. 538

"ها! العذراء تحبل وتلد ابناً وتدعو اسمه عمانوئيل … لأنه يولد لنا ولد ونُعطى ابناً، وتكون الرياسة على كتفه، ويدعى اسمه عجيباً مشيراً، إلهاً قديراً، أباً أبدياً، رئيس السلام … ويخرج قضيب من جذع يسى … ويحل عليه روح الرب، روح الحكمة والفهم، روح المشورة والقوة، روح المعرفة ومخافة الرب … يقضي بالعدل للمساكين، ويحكم بالإنصاف لبائسي الأرض، ويضرب الأرض بقضيب فمه، ويميت المنافق بنفخة شفتيه، ويكون البر منطقة مثنيه، والأمانة منطقة حقويه، ويسكن الذئب مع الخروف، ويربض النمر مع الجدي، والعجل والشبل والمسمن معاً، وصبي صغير يسوقها … فيطبعون سيوفهم سككا، ورماحهم مناجل، لا ترفع أمة على أمة سيفاً، ولا يتعلمون الحرب فيما بعد" (١١٣). ذلك إلهام جد عجيب؛ ولكنه إلهام لن يعبر عن مزاج اليهود حتى تمر بهم أجيال كثيرة. وكان كهنة الهيكل ينصتون بعطف مكظوم إلى هذه الدعوة النافعة التي تحث الناس على التقى والصلاح؛ وكانت شيع من اليهود تتطلع إلى هؤلاء الأنبياء تتلقى عنهم هذه الدعوة الملهمة؛ ولعل هذا الأقوال التي تدعوهم إلى نبذ الشهوات الجسمية كان لها بعض الأثر في تقوية ما أوجدته الصحراء في اليهود من نزعة إلى التزمت في الدين. غير أن حياة القصور والخيام، والأسواق والحقول، ظلت في أغلب الأحيان تجري على سننها القديم؛ فكانت الحرب تقضي على من تصطفي من كل جيل، وظل الاسترقاق مصير الغريب، وظل التاجر يطفف الكيل ويغش في الميزان، ثم يحاول التكفير عن ذنبه بالتضحية والصلاة (١١٤). وترك الأنبياء أعمق آثارهم في يهودية ما بعد التقى، ثم في العالم كله عن طريق اليهودية والمسيحية. وفي أسفار عاموس وإشعيا نرى بداية المسيحية والاشتراكية والمعين الذي فاضت منه الدعوات إلى إقامة عالم مطهر من الشرور لا يطوف به طائف الفقر أو الحرب فيكدر ما فيه من أخوة وسلام. وهذه الأسفار هي منشأ العقيدة اليهودية الأولى التي تقول بمجيء مسيح

стр. 539

يقبض على زمام الحكم، ويعيد إلى اليهود سلطانهم الدنيوي، ويجعل الصعاليك المملقين الحاكمين بأمرهم في العالم كله. وكان إشعيا وعاموس هما اللذين بدآ في عصر الحروب يمجدان فضائل البساطة والرحمة والتعاون بين الناس والإخاء، وهي الفضائل التي جعلها عيسى أساساً جوهرياً لدينه. وكانا أول من اضطلع بذلك العبء الثقيل عبء تحويل رب الجنود إلى إله حب وهما اللذان جندا يهوه واستعاناه على نشر المبادئ الإنسانية، كما جند المسيح متطرفو الاشتراكيين في القرن التاسع عشر ليستعيناه على نشر المبادئ الاشتراكية. وهما اللذين بثا في عقول الألمان- بعد أن طبعت التوراة في أوربا- الإيمان بمسيحية جديدة وأوقدا شعلة الإصلاح الديني، وكانت فضائلهم القوية غير المتسامحة هي التي أخرجت طائفة المتطهرين المسيحيين. وكانت فلسفتهم الأخلاقية تقوم على نظرية أجدر من غيرها بالتسجيل- وهي أن الطيب سوف يوفق وينجح، وأن الخبيث سوف يصرع؛ وقد تكون هذه نظرية مخادعة، ولكن ما فيها من خداع- إن كان فيها خداع- هو خداع العقل النبيل. ولئن كان هؤلاء الأنبياء لا يتصورون الحرية أو يفكرون فيها، فإنهم كانوا يحبون العدالة ويدعون إلى القضاء على ما كان يضعه الأسباط من قيود على الأخلاق الطيبة. ولقد أقاموا أمام البائسين في العالم أملاً في التآخي، كان تراثاً غالياً، ظلوا يتوارثونه على مدى الأجيال (١).

стр. 540

الفصل الخامس موت أورشليم وبعثها مولد التوراة - تدمير أورشليم - الأسر البابلي - إرميا - حزقيال - إشعيا الثاني - تحرير اليهود - الهيكل الثاني كان أهم أثر للأنبياء في معاصريهم هو كتابة التوراة. وكان سبب كتابتها أن الشعب شرع يرتد عن عبادة يهوه إلى عبادة الآلهة الأجنبية، فأخذ الكهنة يتساءلون ألم يَأْنِ لهم أن يقفوا وقفة قوية يمنعون بها تدهور العقيدة القومية. ورأوا الأنبياء يعزون إلى يهوه ما يجيش في صدورهم من عواطف يؤمنون بها ويعتقدونها، فاعتزموا أن يبلغوا الناس رسالة من الله نفسه في صورة سنن إلهية تبعث النشاط والقوة في حياة الأمة الخلقية، ويضمنون بها معونة الأنبياء، وذلك بما تتضمنه من آرائهم القليلة التطرف. وسرعان ما ضموا إلى جانبهم الملك يوشيا. فلما كانت السنة الثامنة عشرة أو نحوها من حكمه أبلغ الكاهن حلقيا الملك أنه "وجد" في سجلات الهيكل ملفاً عجيباً قضى فيه موسى نفسه في جميع المشكلات التاريخية والخلقية التي كانت مثار الجدل العنيف بين الأنبياء والكهنة. وكان لهذا الكشف أثر عظيم في نفوس القوم، فدعا يوشيا كبارهم إلى الهيكل وتلا عليهم فيه "سفر الشريعة" في حضرة آلاف من الشعب (حسبما تقول الرواية)، ثم أقسم ليطيعن من ذلك الوقت ما جاء في ذلك السفر "وأوقف كل الموجودين في أورشليم وبنيامين فعمل سكان أورشليم حسب عهد الله" (١١٥). ولسنا نعلم علم اليقين ماذا كان "سفر الشريعة" هذا. فقد يكون سفر الخروج من الأصحاح العشرين إلى الثالث والعشرين، وقد يكون سفر تثنية الاشتراع (١١٦). وليس ثمة ما يضطرنا إلى أن نفترض أنه قد وضع في تلك

стр. 541

الساعة؛ فكل ما فيه أنه يقنن ويسجل أوامر ومطالب ونصائح نطق بها خلال عدة قرون أنبياء بني إسرائيل وكهنة المعبد. ومهما يكن مصدرها فإن الذين استمعوا لها وهي تقرأ عليهم، أو سمعوا بها ولم يكونوا حاضرين وقت قراءتها، قد تأثروا بها أشد التأثر. واغتنم الملك يوشيا هذه الفرصة السانحة فاستعان هذه العواطف الجياشة على تحطيم مذابح الآلهة المنافسين ليهوه في يهوذا. وأخرج "من هيكل الرب جميع الآنية المصنوعة للبعل"، "ولا شيء كهنة الأصنام … والذين يوقدون للبعل، للشمس والقمر والمنازل ولكل أجناد السماء" و "نَجَّس تُوفة … لكيلا يُعَبّر أحد ابنه أو ابنته في التار لِمُولَك. وحطم المذابح التي بناها سليمان لكموش، ولملكوم، ولعشتورت" (١١٧). ويبدو أن هذه الإصلاحات لم ترض يهوه فتحمله على أن يقدم المعونة لشعبه. نعم إن نينوى قد سقطت كما قال الأنبياء، ولكن سقوطها لم يكن له من أثر إلا أن ترك يهوذا خاضعة لحكم مصر أولا ثم لحكم بابل فيما بعد. ولما أن حاول تخاو ملك مصر أن يمر بفلسطين في زحفه على سوريا وقف يوشيا في وجهه عند مجدو حيث كانت الواقعة القديمة الشهيرة ظناً منه أن إلهه سيعينه على خصمه، ولكنه هزم وقتل. وبعد بضع سنين من ذلك الوقت انتصر نبوخدنصر على تخاو في قرقميش واستولى على يهوذا وجعلها ولاية لبابل. وحاول خلفاء يوشيا بالوسائل الدبلوماسية السرية أن يلقوا عن كاهلهم نير بابل، وأرادوا أن يستعينوا في سعيهم هذا بمصر ولكن نبوخدنصر علم بالأمر، فزحف بجيوشه على فلسطين، واستولى على أورشليم، وأسر الملك يهوياقيم، ورفع صدقيا على عرش يهوذا، ثم عاد إلى بلاده ومعه عشرة آلاف أسير من اليهود. ولكن صدقيا كان أيضاً محباً للحرية أو للسطان فخرج إلى بابل، فعاد إليه نبوخدنصر معتزماً أن يحل المشكلة اليهودية حلاً نهائياً كما يظن، فاستولى مرة أخرى على أورشليم وحرقها عن آخرها وهدم هيكل سليمان وقتل أبناء صدقيا أمام عينيه،

стр. 542

ثم سمل عينيه هو نفسه وأسر جميع سكان المدينة تقريباً وساقهم أمامه إلى بابل (١١٨). وقد خلد أحد شعراء اليهود فيما بعد ذكرى هذه القافلة البائسة في أغنية من أروع أغاني العالم قال: على أنهار بابل جلسنا وبكينا على ذكرى صهيون وفي وسط الصفصاف علقنا أعوادنا لأن من سَبونا طلبوا إلينا أن نغنيهم، والذين عذبونا أرادوا أن نطربهم، ونادونا هلا أنشدتمونا أحد أناشيد صهيون؟ وهل نستطيع أن ننشد نشيد الله في بلد غريب؟ ولئن نسيتك يا أورشليم فلتنس يميني حذقها وليلتصق لساني بسقف حلقي إن لم أذكرك يا أورشليم وإن لم تكوني لدي خيراً من أفراحي (١١٩). وفي هذه الأزمة كلها ظل إرميا أفصح الأنبياء وأشدهم حقداً على قومه يدافع عن بابل ويعلن في الملأ أنها سوط عذاب في يد الله، ويتهم حكام يهوذا بأنهم بلهاء معاندون وينصحهم بأن يسلموا أمرهم كله إلى نبوخدنصر؛ حتى ليكاد من يقرأ أقواله في تلك الأيام أن يظن أنه من صنائع بابل المأجورين. انظر إلى قول إرميا على لسان ربه: "إني إن صنعت الأرض والإنسان والحيوان الذي على وجه الأرض بقوتي العظيمة وبذراعي الممدودة وأعطيتها لمن حسن في عيني، والآن قد وقعت كل هذه الأرض ليد نبوخدنصر ملك بابل عبدي … فتخدمه كل الشعوب … ويكون أن الأمة أو المملكة التي لا تخدم نبوخدنصر ملك بابل، والتي لا تجعل عنقها تحت نير ملك بابل أني أعاقب تلك الأمة بالسيف والجوع والوباء- يقول الرب- حتى أفنيها بيده" (١٢٠). قد يكون هذا الرجل خائناً أو لا يكون، أما من الناحية الأدبية فإن كتاب

стр. 543

نبوءاته التي يقال أنه تلقاها عند تلميذه باروخ ليعد من أبلغ ما كتب في الآداب كلها ومن أعظمها قوة؛ وذلك لما فيه من تصوير حي واضح وتأنيب شديد لا رحمة فيه ولا هوادة. وفيه فوق ذلك إخلاص يبدأ بسؤال الرجل نفسه ثم يختتم بارتياب شريف في خطته وحياته كلها من بدايتها إلى نهايتها: "ويل لي يا أمي لأنك ولدتني إنسان خصام وإنسان نزاع لكل الأرض، لم أقرض ولا أقرضوني، وكل واحد يلعنني … ملعون اليوم الذي ولدت فيه" (١٢١). واشتعلت في صدره نيران الغضب حين رأى ما عليه قومه وزعماؤهم من انحطاط في الأخلاق وحمق في السياسة. ورأى فرضاً عليه أن يدعو بني إسرائيل إلى التوبة والندم. وخيل إلى إرميا أن كل ما يشهده من انحلال قومي، وضعف سياسي، وخضوع للأجنبي، قد أنزله يهوه باليهود عقاباً لهم على ما ارتكبوا من الذنوب. "طوفوا في شوارع أورشليم، وانظروا، واعرفوا، وفتشوا في ساحاتها، هل تجدون إنسانا، أو يوجد عامل بالعدل طالب الحق فأصفح عنها" (١٢٢). لقد ساد الظلم في كل مكان وعم الفسق والفجور: "ولما أشبعتهم زنوا، وفي بيت زانية تزاحموا، صاروا حصنا ملعونة سائبة، صهلوا كل واحد على امرأة صاحبه" (١٢٣). ولما حاصر البابليون أورشليم أراد سراة المدينة أن يسترضوا يهوه فأطلقوا من كان عندهم من عبيد عبرانيين، فلما أن رفع الحصار فترة قصيرة من الوقت وخيل إليهم أن الخطر قد زال، قبض هؤلاء السراة على عبيدهم السابقين وأرغموهم على عبوديتهم القديمة. لقد كانت هذه فترة جمعت من تاريخ الإنسانية ما لم يستطع إرميا أن يقف أمامه صامتاً ساكناً لا يبدي حراكاً (١٢٤)، فأخذ كغيره من الأنبياء يتوعد المنافقين الذين يجيئون إلى الهيكل متظاهرين بالتقى والصلاح يحملون بعض ما جمعوا من كدح الفقراء وطحن عظامهم، ويذكرهم بأن الله لا يطلب إلى الناس أن يقربوا له القرابين بل يطلب إليهم أن يكونوا منصفين عادلين (١٢٥). وهو يرى أن الكهنة والأنبياء لا يكادون يقلون فساداً

стр. 544

عن التجار؛ وأنهم كالشعب نفسه في حاجة إلى أن تطهر أخلاقهم أو تصاغ من جديد، وأن يختتنوا في أرواحهم كما يختتنون في أجسامهم كما يقول إرميا بعبارته العجيبة: "اختتنوا للرب وانزعوا غُرَل قلوبكم" (١٢٦). وكان هذا النبي يخطب قومه مندداً بما كان منتشراً بينهم من فساد بألفاظ من نار لا يعادلها في شدتها إلا خطب القديسين في جنيفا واسكتلندة وإنجلترا في عهد الإصلاح الديني. فكان يسب اليهود أقذع سباب ويصور لهم وهو جذلان ما سيحل بمن لا يستمعون إليه من هلاك (١٢٧). وكم من مرة تنبأ لهم بتخريب أورشليم وسبيهم على يد البابليين، ورثى لما سيحيق بالمدينة (التي يسميها بنت صهيون) من قضاء نعتهم بعبارات ما أشبهها بعبارات المسيح: "يا ليت رأسي ماء وعيني ينبوع دموع، فأبكي ليلاً ونهاراً قتلى بنت شعبي" (١٢٨). وخيل إلى الأمراء في حاشية صدقيا أن هذا كله غدر بالوطن وخيانة له وتفريق لآراء اليهود وأرواحهم في ساعة المحنة. ولكن إرميا لم يعبأ بأقوالهم وأخذ يسخر منهم وحمل نيراً خشبياً فوق عنقه، وأخذ يقول أن يهوذا كلها يحب أن تخضع لنير البابليين، وأن من الخير لها أن يكون خضوعها هذا خضوعاً سلمياً بلا حرب ولا قتال، ولما انتزع منه ضانياً نيره صاح قائلاً أن يهوه سيصب لكل يهودي نيراً من حديد. وحاول الكهنة أن يثنوه عن عمله هذا بوضع رأسه في الدهق، ولكنه وهو في هذا الوضع ظل يشهر بهم، فما كان منهم إلا أن استدعوه إلى الهيكل وأرادوا أن يقتلوه، غير أنه استطاع أن يفلت منهم بمعونة صديق له بين الكهنة. ثم قيض عليه الأمراء وربطوه في حبال وأنزلوه بها في بئر مملوءة بالوحل، ولكن صدقيا خفف هذا العقاب بأن سجنه في فناء القصر وفيه وجده البابليون حين سقطت أورشليم في أيديهم. أمر نبوخدنصر رجاله أن يحسنوا معاملته، وأن يعفوه من قرار النفي العام. وتقول إحدى الروايات الموثوق بها أنه كتب "مراثيه" في أخر أيامه (١٢٨)! وهذه المراثي هي أبلغ أسفار العهد القديم بأجمعها

стр. 545

وفيها أخذ يندب نصره الكامل وما حل بأورشليم من دمار، ورفع إلى السماء ذلك السؤال الذي سأله أيوب ولم يجد له جواباً: "كيف جلست وحدها المدينة الكثيرة الشعب! كيف صارت كأرملة العظيمة في الأمم! السيدة في البلدان صارت تحت الجزية! … أما إليكم يا جميع عابري الطريق، تطلعوا وانظروا إن كان حزن مثل حزني … أنت يا رب أبر من أن أخاصمك، لكن أكلمك من جهة أحكامك. لماذا تنجح طريق الأشرار؟ اطمأن كل الغادرين غدراً" (١٢٩). وفي هذه الأثناء كان خطيب آخر في بابل يحتمل عن إرميا عبء التنبؤ، وهذا الخطيب هو حزقيال. وكان حزقيال هذا رجلاً من أسرة من الكهنة سيقت إلى بابل في أيام السبي الأول من أورشليم. وبدأ خطبه كما بدأها إشعيا الأول وإرميا مندداً أشد التنديد بما شاع في أورشليم من وثنية في الدين وانحلال في الأخلاق. وشبه أورشليم بالزانية وأخذ يبدي في ذلك ويعيد، لأنها باعت عبادتها للآلهة الغرباء (١٣٠)؛ وشبه السامرة وأورشليم بزانيتين توأمين. وكانت هذه الكلمة تجري على لسانه كما كانت تجري على ألسنة الكُتَّاب المسرحيين أيام عودة آل استيورت إلى عرش إنجلترا. ووضع ثبتاً طويلاً بذنوب أورشليم ثم قضى عليها بالتخريب والسقوط في أيدي الأعداء. وفعل ما فعله إشعيا، فأدان الأمم كلها من غير تمييز بينها وشهر بخطأ موآب وصور ومصر وأشور وأنذرها بالهلاك والسقوط. وحتى أمة ماجوج العجيبة لم تنج من هذا التشهير (١٣١). ولكنه لم يكن في قلبه من الحق عليها ما كان في قلب إرميا، فقد رق قلبه لها في آخر الأمر وأعلن أن الله سينجي "بقية" من اليهود، وتنبأ بأن المدينة ستبعث حية (١٣٢). وأخذ يصف ما يراه بعين الخيال من بناء المعبد الجديد فيها، وتصور قيام مدينة فاضلة للكهنة فيها الكلمة العليا والمقام الأعظم، يقيم فيها يهوه مع شعبه أبد الدهر.

стр. 546

وكان يرجو أن يُبقي بهذه الخاتمة السعيدة على نفسية بني وطنه المنفيين ويؤخر اندماجهم في الثقافة البابلية وفي الدم البابلي. فقد خيل إليه كما خيل إلى غيره في هذه الأيام أن هذا الاندماج سيقضي على مجدة اليهود وعلى كيانهم أيضا؛ ذلك أنهم قد أثروا وحسنت حالهم في أرض الجزيرة الغنية، حيث كانوا يتمتعون بقسط موفور من الحرية في عاداتهم وفي عبادتهم؛ وسرعان ما زاد عديدهم ونمت ثروتهم، وأيسروا فيما عاد به عليهم خضوعهم من هدوء ووفاق لم يتعودوهما من قبل. أخذت طائفة منهم مطردة الزيادة تعبد الآلهة البابلية، وتؤلف الأساليب الشهوانية الشائعة في العاصمة القديمة، حتى إذا كان الجيل الثاني من أبناء المنفيين كان ذكرى أورشليم قد محيت أو كادت تمحى من أذهانهم. وقد رأى المؤلف المجهول، الذي أخذ على عاتقه أن يكمل سفر إشعيا، أن يعيد ذلك الجيل المرتد إلى دين إسرائيل. وكان مما يمتاز به هذا المؤلف وهو يعمل على إعادتهم إلى دينهم القديم أن يرقى بهذا الدين إلى مستوى رفيع لم يرق إليه دين من الأديان التي ظهرت في الشرق الأدنى حتى ذلك الوقت (١)؛ فبينما كان بوذا في الهند ينادي بقمع الشهوات، وبينما كان كنفوشيوس في الصين يصوغ الحكمة لشعبه، كان "إشعيا الثاني" هذا يعلن لليهود المنفيين في نثر جزل مشرق مبادئ التوحيد، ويعرض عليهم إلهاً جديداً شفيقاً عليهم رحيماً بهم، يفوق في شفقته ورحمته ما كان عليه يهوه الغضوب كما صوره إشعيا الأول نفسه. وشرع هذا النبي العظيم يعلن في الناس رسالته بعبارات اختارها أحد الأناجيل المتأخرة ليستحث بها المسيح الشاب على أن يؤدي هو الآخر رسالته. ولم تكن هذه

стр. 547

الرسالة الجديدة هي صب اللعنات على الشعب لما ارتكب من الذنوب، بل كانت تهدف إلى بث الأمل في قلوبهم أيام استعبادهم. "روح السيد الرب علي لأن الرب مسحني لأبشر المساكين، أرسلني لأعصب مكسوري القلب، لأنادي بالمسبيين بالعتق وللمأسورين بالإطلاق" (١٣٣)؛ فقد وجد هذا الكاتب أن يهوه ليس إله حرب وانتقام بل أباً محباً؛ وملأه هذا الكشف الجديد سعادة، وأوحى إليه أناشيد فخمة. فأخذ يبشر بالإله الجديد منقذ شعبه. "صوت صارخ في البرية أعدوا طريق الرب، قوموا في القفر سبيلاً لإلهنا، كل وطاء يرتفع، وكل جبل وأكمة ينخفض، ويصير المعوج مستقيماً، والعراقيب سهلا (١)، … هو ذا الرب بقوة يأتي، وذراعه تحكم له … كراع يرعى قطيعه، بذراعه يجمع الحملان، وفي حضنه يحملها، ويقود المرضعات". ثم يبشر هذا بالمسيح المنقذ ويرفع من شأن هذا البشرى حتى تصير من الآراء السائدة بين شعبه ويصف "الخادم" الذي سينجي إسرائيل بالتضحية الأليمة: "محتقر ومخذول من الناس، رجل أوجاع ومختبر الحزن … محتقر فلم نعتد به. لكن أحزاننا حملها، وأوجاعنا تحمّلها، ونحن حسبناه مصاباً مضروباً من الله ومذلولاً. وهو مجروح لأجل معاصينا، مسحوق لأجل آثامنا، تأديب سلامنا عليه وبجبره شفينا … والرب وضع عليه إثم جميعنا" (٢). ويتنبأ إشعيا الثاني بأن بلاد الفرس ستكون أداة هذا التحرير. وينادى بأن قورش رجل لا يقهر وأنه سيفتح بابل وينقذ اليهود من الأسر فيعودون إلى أورشليم ويشيدون هيكلاً جديداً ومدينة جديدة تكون جنة بحق. "الذئب والحمل يرعيان معاً، والأسد يأكل التبن كالبقر، أما الحية فالتراب طعامها،

стр. 548

لا يؤذون ولا يُهلِكون، في كل جبل قدسي يقول الرب" (١٣٥). ولعل الذي أوحى إلى هذا النبي فكرة وجود إله واحد للكون كله هو نهضة الفرس وانتشار قوتهم، وإخضاعهم دول الشرق الأدنى كلها، وجمعها في وحدة إمبراطورية أوسع رقعة وأحسن حكماً من أي نظام اجتماعي عرفه الناس من قبل. وهذا الإله لا يقول كما كان يقول يهوه: "أنا الرب إلهك … لن تكون لك آلهة غريبة أمامي" بل يقول الآن: "أنا الرب وليس آخر لا إله سواي" (١٣٦)، ويصف النبي الشاعر هذا الإله العالمي في فقرة من أروع فقرات التوراة: "من كان بكفه المياه، وقاس السموات بالشبر، وكال بالكير تراب الأرض، ووزن الجبال بالقبان، والآكام بالميزان … هو ذا الأمم كنقطة من دلو وكغبار الميزان … هو ذا الجزائر يرفعها كَدُقّة … كل الأمم كلا شيء قدامه من العدم والباطل تحسب عنده. فبمن تشبهون الله؟ وأي شبه تعادلون به؟ … الجالس على كرة الأرض وسكانها كالجندب، والذي ينشر السموات كسرادق ويبسطها كخيمة للسكن … ارفعوا إلى العلاء عيونكم، وانظروا من خلق هذه" (١٣٧). وكانت ساعة من أروع الساعات في تاريخ إسرائيل حين دخل قورش بابل فاتحاً عالمياً بعد طول انتظار، وأباح لليهود أن يعودوا إلى أورشليم بكامل حريتهم. ولكنه خيب رجاء بعض الأنبياء أظهر ما كان في طباعه من حضارة أرقى من حضارتهم، إذ ترك بابل وشأنها ولم يمس أهلها بسوء، وأظهر خضوعه لآلهتها، وإن كان في الواقع خضوعاً مشكوكاً فيه. كذلك أعاد قورش لليهود ما كان باقياً في خزائن الدولة البابلية من الذهب والفضة اللذين اغتصبهما نبوخدنصر من الهيكل، وأمر الجماعات التي كان اليهود المنفيون يعيشون بينها أن تعينهم بالمال الذي يحتاجونه في أثناء رحلتهم الطويلة إلى وطنهم. ولم يتحمس شباب اليهود

стр. 549

لهذا التحرير لأن الكثيرين منهم قد تأقلموا في التربة البابلية وامتدت أصولهم فيها، فترددوا طويلا في ترك حقولهم الخصبة وتجارتهم الرائجة ليعودوا إلى القفار الخربة في المدينة المقدسة. ومرت سنتان بعد مجيء قورش قبل أن تبدأ الفصيلة الأولى من اليهود المتحمسين رحلتها الطويلة التي دامت ثلاثة شهور إلى الأرض التي خرج منها آباؤها قبل ذلك الوقت بمائة عام (١٣٨). ولم يجد هؤلاء العائدون ترحيباً كبيراً في وطنهم القديم، كما لا يجد العائدون إليه في هذه الأيام. ذلك أن أقواماً آخرين من الساميين قد استقروا في تلك البلاد، وتملكوا الأرض بحق احتلالها والعمل فيها، أخذت هذه القبائل تنظر بعين المقت إلى أولئك الذين خالوهم مغيرين على بلادهم وحقولهم، ولولا تلك الدولة القوية الصديقة التي كانت تحمي اليهود العائدين لما استطاعوا أن يستقروا في فلسطين. وأذن دارا الأول ملك الفرس للأمير زرَّ بابل أن يعيد بناء الهيكل، واستطاع هو وشيعته أن يتموا بناءه بعد اثنتي عشرة سنة من عودة اليهود، رغم قلة عدد أولئك المهاجرين وضآلة مواردهم، ورغم ما كانوا يصادفونه من عقبات في كل خطوة يخطونها بسبب هجمات الأهلين المعادين لهم وتآمرهم عليهم، وعادات أورشليم كما كانت مدينة يهودية شيئاً فشيئاً، وترددت في الهيكل أصداء الأناشيد التي كانت تتغنى بها بقية منهم آلت على نفسها أن تعيد اليهودية إلى سابق قوتها. وكانت عودتهم هذه نصراً عظيماً لا يفوقه إلا ذلك النصر الذي شهدناه في هذه الأيام (١).

стр. 550

الفصل السادس أهل الكتاب سفر الشريعة - تأليف الأسفار الخمسة - أساطير "التكوين" - الشريعة الموسوية - الوصايا العشر - فكرة الله - السبت - الأسرة اليهودية قيمة الشرائع الموسوية لم يكن في وسع اليهود بعد عودتهم أن يقيموا لهم دولة حربية؛ ذلك أنهم لم يكن لهم من العدد ومن الثروة ما يمكنهم من إقامة هذه الدولة. ولما كانوا في حاجة إلى نوع من الإدارة يعترفون فيه بسيادة الفرس عليهم ويهيئ لهم هذا الوقت نفسه سبيل الوحدة القومية والنظام، فقد شرع الكهنة في وضع قواعد حكم ديني يقوم حكم يوشيا على المأثور من أقوال الكهنة وتقاليدهم، وعلى أوامر الله. وفي عام ٤٤٤ ق. م دعا عزرا، وهو كاهن عالم، اليهود إلى اجتماع عام خطير، وشرع يقرأ عليهم من مطلع النهار إلى منتصفه "سفر شريعة موسى". وظل هو وزملاؤه اللاويون سبعة أيام كاملة يقرؤون عليهم ما تحتويه ملفات هذا السفر. ولما فرغوا من قراءتها أقسم الكهنة والزعماء والشعب على أن يطيعوا هذه الشرائع ويتخذوها دستوراً لهم يتبعونه ومبادئ خلقية يسيرون على هديها ويطيعونها إلى أبد الآبدين (١٣٩). وظلت هذه الشرائع من تلك الأيام النكدة إلى يومنا هذا المحور الذي تدور عليه حياة اليهود، ولا يزال تَقيُّدهم بها طوال تجوالهم ومحنهم من أهم الظواهر في تاريخ العالم. تُرى ماذا كان "كتاب شريعة موسى" هذا؟ لم يكن هذا الكتاب هو بعينه "كتاب العهد" الذي قرأه يوشيا من قبل، لأن هذا العهد قد جاء فيه بصريح العبارة أنه قُرئ على اليهود مرتين كاملتين في يوم واحد، على حين أن قراءة الكتاب الآخر قد احتاجت إلى أسبوع (١٤٠) كامل. وكل ما في وسعنا

стр. 551

أن نفعله هو أن نحزر أن الكتاب الكبير كان يحتوي على جزء هام من أسفار العهد القديم الخمسة التي يسميها اليهود "توراة" ويسميها غيرهم البنتاتوش أو الأسفار الخمسة (١). كيف كتبت هذه الأسفار؟ ومتى كتبت؟ وأين كتبت؟ ذلك سؤال بريء لا ضير منه ولكنه سؤال كتب فيه خمسون ألف مجلد، ويجب أن نفرغ منه هنا في فقرة واحدة نتركه بعدها من غير جواب. إن العلماء مجمعون على أن أقدم ما كتب من أسفار التوراة هما القصتان المتشابهتان المنفصلة كلتاهما عن الأخرى في سفر التكوين، تتحدث إحداهما عن الخالق باسم "يهوه" على حين تتحدث الأخرى عنه باسم إلوهيم. ويعتقد هؤلاء العلماء أن القصص الخاصة بيهوه كتبت في يهوذا، وأن القصص الخاصة بإلوهيم (٢) كتبت في إفرايم، وأن هذه وتلك قد امتزجتا في قصة واحدة بعد سقوط السامرة. وفي هذه الشرائع عنصر ثالث يعرف بالتثنية

стр. 552

أكبر الظن أن كاتبه أو كتابه غير كتاب الأسفار السالفة الذكر. وثمة عنصر رابع يتألف من فصول أضافها الكهنة فيما بعد. والرأي الغالب أن هذه الفصول تكون الجزء الأكبر من "سفر الشريعة" الذي أذاعه عزرا (١٤٢ أ)، ويبدو أن هذه الأجزاء الأربعة قد اتخذت صورتها الحاضرة حوالي عام ٣٠٠ ق. م (١٤٣). وكانت أساطير الجزيرة هي المعين الغزير الذي أخذت منه قصص الخلق والغواية والطوفان التي يرجع عهدها في تلك البلاد إلى ثلاثة آلاف سنة أو نحوها قبل الميلاد. ولقد رأينا صوراً قديمة من هذه القصص فيما مر بنا من صفحات من هذا الكتاب، ولعل اليهود قد أخذوا بعضها من الأدب البابلي في أثناء أسرهم (١٤٤). ولكن أرجح من هذا أنهم أخذوها قبل ذلك العهد بزمن طويل من مصادر سامية وسومرية قديمة كانت منتشرة في جميع بلاد الشرق الأدنى. وتقول القصص الفارسية وقصص التلمود الخاصة بالخلق أن الله خلق في بادئ الأمر إنساناً مكوناً من ذكر وأنثى متصلين من الخلف كالتوأمين السياميين، ثم رأى فيما بعد أن يفصل أحدهما عن الآخر. وتحضرنا في هذه المناسبة جملة غريبة وردت في سفر التكوين (الآية الثانية من الأصحاح الخامس): "يوم خلق الله الإنسان على شبه الله عمله ذكراً وأنثى، خلقة وباركه ودعا اسمه آدم"؛ ومعنى هذا أن ابنا الأول كان ذكراً وأنثى معا- ويبدو أن أحد من رجال الدين إذا استثنينا أرسطو فانيز لم يفطن إلى هذه العبارة (١). أما قصة الجنة فتظهر في جميع القصص الشعبية في العالم كله- في مصر، والهند، والتبت، وبابل، وبلاد الفرس، واليونان (٢) وبولينيزيا والمكسيك

стр. 553

وغيرها من البلاد (١٤٥). وفي معظم هذه الجنان أشجار محرمة وفيها كذلك أفاع وهولات سلبت الناس الخلود أو نفثت السم في الجنة (١٤٧). وأكبر الظن أن الحية والتينة كانتا رمزين للشهوات الجنسية. وتشير هذه القصة إلى أن الشهوة الجنسية والمعرفة تقضيان على الطُهر والسعادة، وأنهما مصدر كل الشرور. وترى هذه الفكرة بعينها في آخر "العهد القديم" في سفر الجامعة، كما تراها هنا في بدايته. والمرأة في معظم هذه القصص هي الأداة التي تتخذها الحية أو يتخذها الشيطان وسيلة لإيقاع الإنسان في الشر- الجميل، سواء كانت هذه المرأة هي حواء، أو بندورا، أو بوسي الواردة في الأساطير الصينية. فقد جاء في قصص شي جنج أن "كل الأشياء كانت في بداية الأمر خاضعة للإنسان، ولكن امرأة ألقت بنا في ذل الاستعباد فشقاؤنا إذن لم يأتنا من السماء بل جاءت به المرأة، لأنها هي التي أضاعت الجنس البشري. آه! ما أشقاكِ يا بوسي! لقد أشعلت النار التي أحرقتنا والتي تزداد كل يوم ضراماً … لقد ضاع العالم، وطغت الرذيلة على كل شيء". وقصة الطوفان أكثر انتشاراً من قصة الخلق نفسها، فلا يكاد يوجد في الأمم القديمة أمة لم تعرفها، وقلما يوجد جبل في آسية لم يرس عليه نوح أو شمش- نيشتيم بعد أن أضناه التعب من ضربات المياه (١٤٨). ولقد كانت هذه القصص في العادة هي الوسيلة الشعبية أو الطريقة المجازية التي عبر بها القدماء عن قضاء فلسفي أو موقف أخلاقي لخصوا فيه بإيجاز تجارب طويلة مرت بالجنس البشري- وهي أن الشهوة الجنسية والمعرفة تُنتجان من الآلام أكثر مما تنتجان من اللذة، وأن الحياة البشرية تتعرض من حين إلى حين لأخطار الفيضانات أي لطغيان الأنهار العظيمة التي كان ماؤها سبباً في قيام الحضارات القديمة. وإن الذين يسألون هل هذه القصص صحيحة أو غير صحيحة ليسألون في الواقع أتفه الأسئلة

стр. 554

وأبعدها عن المقصود منها، ذلك أن أهميتها ليست فيما تقصه من قصص، بل فيما تعرضه من أحكام. ومع ذلك فليس من العقل في شيء ألا يستمتع الإنسان ببساطتها التي تخلب اللب وبقصصها الواضحة وأحداثها السريعة. وكانت الأسفار التي تليت على الشعب بأمر يوشيا وعزرا هي التي صيغت منها القوانين "الموسوية" التي قامت عليها الحياة اليهودية كلها فيما بعد. ويقول سارتن Sarton، وهو المعروف بشدة حرصه فيما يكتب، معلقاً على هذه الشرائع: " إن أهميتها في تاريخ الأنظمة والقوانين تفوق كل تقدير" (١٤٩). لقد كانت أكبر محاولة في التاريخ لاتخاذ الدين قاعدة لسياسة الأمم وأداة لتنظيم كل صغيرة وكبيرة في الحياة كلها. وفي ذلك يقول رينان Renan: " لقد صارت تلك الشريعة أضيق رداء شد على جسم الحياة الإنسانية" (١٥٠)، فقد جعلت الطعام (١)، والدواء، والشئون الصحية الفردية، وشئون الحيض والولادة، والشئون الصحية العامة، والانحراف الجنسي والشهوات البهيمية (١٥٢)، كل هذه جعلتها من موضوعات الفروض والهداية الإلهية. وفيها نشهد مرة أخري كيف أخذ الطبيب يفترق افتراقاً بطيئاً عن الكاهن (١٥٣) - ليصبح فيما بعد ألد أعدائه. فترى سفر اللاويين يحرص أشد الحرص على وضع القوانين الخاصة لعلاج الأمراض التناسلية، ويعنى بها أشد العناية، فينص على عزل المصابين وما يتطلبه علاجهم من تطهير وتبخير بل وحرق المنزل الذي فشا فيه المرض عن آخره إذا دعت الحال (٢). وكان اليهود الأقدمون هم الذين وضعوا قواعد الوقاية من

стр. 555

المرض (١٥٦)، ولكن يلوح أنهم لم يكونوا يعرفون من الجراحة غير عملية الختان، ولم تكن هذه السنة الدينية- الشائعة بين المصريين الأقدمين، وبين الساميين المحدثين- مجرد تضحية لله وفريضة يفرضها الولاء للجنس (١)، بل كانت فوق هذا وقاية صحية من الأقذار التي تتعرض لها الأعضاء التناسلية (١٥٨). ولعل ما في الشريعة من قواعد خاصة بالنظافة هو الذي أبقى على اليهود خلال تجوالهم الطويل وتشتتهم ومحنتهم. أما ما بقي من شريعة موسى فيدور كله حول الوصايا العشر (سفر الخروج الآيات ١ - ١٧ من الأصحاح العشرين) التي قدر لها أن يرددها نصف سكان العالم (٢). وتضع الوصية الأولى أساس المجتمع الديني الجديد، وهو المجتمع الذي لا يقوم على أي شريعة مدنية بل على فكرة الله وهو الملك القدوس الذي لا تدركه الأبصار، والذي أنزل كل قانون، وفرض كل عقوبة، والذي سُمّي شعبُه بعدئذ شعب إسرائيل أي المدافعين عن الله. لقد قامت الدولة العبرية ولكن الهيكل ظل باقياً، وشرع كهنة يهوذا

стр. 556

يحاولون كما يحاول بابوات رومة أن يعيدوا ما عجز الكهنة عن إنقاذه. ومن ثم كان وضوح الوصية الأولى وما فيها من تكرار ونصها على أن الكفر وذكر الله بما لا يليق يعاقب عليهما بالإعدام ولو كان الكافر أقرب أقرباء الإنسان (١٦١). ذلك أن الكهنة الذين وضعوا القانون كانوا يعتقدون كما يعتقد رجال محاكم التفتيش الأتقياء أن الوحدة الدينية شرط أساسي لقيام النظام والتضامن الاجتماعيين. وكان هذا التعصب الديني منضماً إلى الكبرياء الجنسي هو الذي أبقى على اليهود وأوقعهم في كثير من المشاكل. وسمَت الوصية الثانية بفكرة الله بقدر ما حطّت من شأن الفن، إذ حرّمت أن تصور له أية صورة منحوتة. وقد افترضت هذه الوصية وجود مستوى عقلي راق لدى اليهود، لأنها نبذت كل الخرافات كما نبذت فكرة تجسد الإله، وحاولت أن تصور الله منزهاً عن جميع الأشكال والصور بالرغم من الصورة البشرية المحضة التي ترسمها ليهوه أسفار موسى الخمسة. وهي تخص الدين بكل ما تنطوي عليه قلوب العبرانيين من إخلاص وولاء، ولا تترك فيهما- في الأيام القديمة- مكاناً للعلم والفن. وحتى علم الفلك نفسه قد أهمل أمره لكيلا يزداد عدد الآلهة الزائفين أو تعبد النجوم وتتخذ آلهة من دون الله. وكان في هيكل سليمان قبل ذلك العهد عدد من الصور والتماثيل يكاد يجل عن الحصر (١٦٣)؛ أما الهيكل الجديد فلم يكن فيه شيء منها. ذلك أن التماثيل والصور القديمة قد نقلت من قبل إلى بابل، ويبدو أنها لم تعد مع ما أعيد من آنية الفضة والذهب (١٦٤). ومن أجل هذا لا نجد نحتاً ولا تصويراً ولا نقشاً بعد الأسر البابلي، كما لا نجد إلا القليل منها قبل الأسر إذا استثنينا عهد سليمان الذي يكاد أن يكون عهداً أجنبياً عن العبرانيين. وكل ما كان الكهنة يجيزونه من الفنون فنا العمارة والموسيقى؛ وكانت الأغاني والمراسم التي تقام في الهيكل هي التي تخفف من أكدار حياة الشعب وشقائه، فكانت فرقة موسيقية معها مختلف الآلات تنضم

стр. 557

إلى جوقة المغنين في ترتيل المزامير، فتبدو "صوتاً واحداً لتسبيح الرب وحمده" وتمجيد الهيكل (١٦٥): "وداود وكل بيت إسرائيل يلعبون أمام الرب بكل أنواع الآلات من خشب السرو بالعيدان، وبالرباب، وبالدفوف، وبالجنوك، وبالصنوج" (١٦٦). وتنطق الوصية الثالثة بما كان يستمسك به اليهودي من تقى وتدين. فهو لا يحرم عليه أن ينطق باسم الله عبثاً فحسب، بل يحرم عليه أن ينطق باسم الله تحريماً مطلقاً، فإذا ورد اسم يهوه في صلاته وجب عليه أن يستبدل به اسم أدنيه- الرب. ولن نجد لهذه التقوى نظيراً إلا بين الهندوس. وقدست الوصية الرابعة يوم الراحة الأسبوعي- السبت- وصار هذا التقديس سنة من أرسخ السنن البشرية. وهذه التسمية- ولعل هذه العادة نفسها- قد جاءتهم من البابليين. فقد كان هؤلاء يطلقون على الأيام "الحُرُم" أيام الصوم والدعاء اسم شيتو (١٦٧). وكان لديهم فضلاً عن هذه العطلة الأسبوعية أعياد أخري عظيمة منها مواسم كنعانية قديمة للزرع والحصاد، ومنها أعياد دورية للقمر والشمس: فكان مَزُّوث في بادئ الأمر عيد بداية حصاد الشعير، وشباؤوث الذي سمي فيما بعد بنتكست عيد ختام حصاد القمح؛ وسكوث عيد الكروم، وبساتش أو عيد الفصح عيد بداية نتاج قطعان الضأن؛ وكان رش- ها- شناه عيد رأس السنة. ولم تعدل هذه الأعياد لتخلد بها حوادث هامة في تاريخ اليهود إلا بعد ذلك الوقت (١٦٨ أ). وكانوا في أول يوم من أيام عيد الفصح اليهودي يذبحون حملاً أو جدياً ويأكلونه ويرشون دمه على الأبواب إشارة على أن هذا الدم هو نصيب الإله، ثم ربط الكهنة فيما بعد هذه العادة بعادة قتل يهوه لأبناء المصريين البكر. وكان الحمل في أول الأمر طوطماً لإحدى القبائل الكنعانية. وكان عيد الفصح عند الكنعانيين عيد تقريب حمل لأحد الآلهة

стр. 558

المحليين%=@وأصبح هذا الطوطم فيما بعد حمل بسكال في الدين المسيحي، وقيل أنه هو نفسه تخليد ذكرى موت المسيح. @ ونحن حين نقرأ الآن "في الأصحاح الثاني عشر من سفر الخروج" (١) قصة هذا العيد، ثم نرى اليهود في هذه الأيام يحتفلون به على النحو الذي كانوا يحتفلون به قديماً، ندرك قدم هذه العبادة وقوة استمساك هذا الشعب بطقوسه القديمة. والوصية الخامسة تقدس الأسرة وتضعها من حيث بناء المجتمع في منزلة لا تفوقها إلا منزلة الهيكل. وظلت المثل العليا التي طبع بها نظام الأسرة باقية في أوربا طوال تاريخها المتوسط والحديث حتى جاء الانقلاب الصناعي وأدى إلى انحلالها. لقد كانت الأسرة العبرانية الأبوية نظاماً اقتصادياً وسياسياً ضخماً يتألف من أكبر رجل متزوج فيها، ومن أزواجه، وأبنائه غير المتزوجين، وأبنائه المتزوجين وأزواجهم وأبنائهم، ومن عبيدهم إن كان لهم عبيد. وكان الأساس الاقتصادي الذي تقوم عليه هذه الجماعة هو قدرتها على زراعة الأرض؛ أما قيمتها السياسية فتنحصر في أنها كانت تهيئ للبلد نظاماً اجتماعياً بلغ من القوة حداً تكاد الدولة أن تصبح معه لا ضرورة لها إلا في زمن الحرب. وكان للأب على أفراد أسرته سلطاناً لا يكاد يُحد؛ فكانت الأرض ملكاً له، ولم يكن في وسع أبنائه أن يبقوا على قيد الحياة إلا إذا أطاعوا أمره؛ فقد كان هو الدولة، وكان في وسعه إن كان فقيراً أن يبيع ابنته قبل أن تبلغ الحلم لتكون جارية؛ كما كان له الحق المطلق في أن يزوجها بمن يشاء وإن كان في بعض الأحيان ينزل عن بعض حقه فيطلب إليها أن ترضى بهذا الزواج (١٧٠). وكانت الفكرة الشائعة أن الأولاد من نتاج الخصية اليمنى، وأن البنات من نتاج الخصية اليسرى، وكانت هذه في اعتقادهم أصغر وأضعف من اليمنى (١٧١). وكان الزواج في أول الأمر

стр. 559

يستتبع انتقال الزوج إلى دار زوجته، فقد كان عليه أن "يترك أباه وأمه وينضم إلى زوجته في عشيرتها"؛ لكن هذه العادة أخذت تزول شيئاً فشيئاً بعد تأسيس الملكية. وكانت أوامر يهوه إلى الزوجة هي: "ستكون رغبتك لزوجك، وسيكون له الحكم عليك". ومع أن المرأة كانت من الوجهة الرسمية خاضعة للزوج، فإنها كانت في الواقع ذات كرامة وذات سلطان كبير؛ وقد اشتهرت في تاريخ اليهود أسماء سيدات مثل سارة، وراحيل، ومريم، وإستر؛ وكانت دبورة إحدى قضاة إسرائيل (١٧٢). وكانت النبية خلدة هي التي استشارها يوشيا في أمر الكتاب الذي وجده الكهنة في الهيكل (١٧٣). وكانت الأم الولود تضمن لنفسها الطمأنينة والكرامة، ذلك بأن هذه الأمة الصغيرة كانت تتوق إلى زيادة عددها، لأنها تشعر كما تشعر اليوم في فلسطين بما يتهددها من الخطر وسط الأقوام المحيطين بها. ومن أجل هذا كانت ُتعلي من شأن الأمومة، وترى العزوبة خطيئة وجريمة، وتجعل الزواج إجبارياً بعد سن العشرين، لا تستثني من ذلك الكهنة أنفسهم، وتزدري العذارى اللاتي في سن الزواج، والنساء العاقرات، وتنظر إلى الإجهاض وقتل الأطفال وغيرهما من وسائل تحديد النسل على أنها من أعمال الكفرة البغيضة التي تؤذي خياشيم الرب (١٧٤): "فلما رأت راحيل أنها لم تلد ليعقوب غارت راحيل من أختها وقالت ليعقوب هب لي بنين وإلا فأنا أموت" (١٧٥). وكانت الزوجة الكاملة هي التي لا تنقطع عن الكد في بيتها وحوله، ولا تفكر إلا في زوجها وأطفالها. وفي الأصحاح الأخير من سفر الأمثال وصف للمرأة المثالية كما يراها الرجل: "امرأة فاضلة من يجدها لأن ثمنها يفوق اللآلئ، بها يثق قلب زوجها قلا يحتاج إلى غنيمة، تصنع له خيراً لا شراً كل أيام حياتها، تطلب صوفاً وكتاناً، وتشتغل بيدين راضيتين، هي كسفن التاجر تجلب طعامها من بعيد،

стр. 560

وتقوم إذ الليل بعد، وتعطي أكلاً لأهل بيتها وفريضة لفتياتها، تتأمل حقلاً فتأخذه وبثمر يديها تغرس كرماً؛ تنطق حقويها بالقوة وتشدد ذراعيها، تشعر أن تجارتها جيدة، سراجها لا ينطفئ في الليل، تمد يديها إلى المغزل وتمسك كفاها بالفلكة، تبسط كفيها للفقير وتمد يديها إلى المسكين. لا تخشى على بيتها من الثلج لأن كل أهل بيتها لابسون حللاً، تعمل لنفسها موشيات، لبسها البز وأرجوان، زوجها معروف في الأبواب حين يجلس بين مشايخ الأرض، تصنع قمصاناً وتبيعها، وتعرض مناطق على الكنعاني، العز والبهاء لباسها، وتضحك على الزمن الآتي، تفتح فمها بالحكمة وفي لسانها سنة المعروف، تراقب طرق أهل بيتها ولا تأكل خبز الكسل، يقوم أولادها ويطربونها، ويقوم زوجها أيضاً فيمدحها، بنات كثيرات عملن فضلاً، أما أنتِ ففقتِ عليهن جميعاً، الحسن غش والجمال باطل؛ أما المرأة المتقية الرب فهي تمدح، أعطوها من ثمر يديها، ولتمدحها أعمالها في الأبواب" (١). والوصية السادسة مبدأ مثالي صعب المنال. ذلك أننا لا نرى في كتاب ما نراه في أسفار العهد القديم من حديث عن التقتيل والتدمير، ففصوله كلها ما بين وصف لمذابح وتناسل لتعويض آثارها. لقد كان النزاع بين الأسباط، والانقسامات الحزبية، وعادة الأخذ بالثأر المتوارثة، كل هذه كانت لا تبقي على فترات السلم المنقطعة المملة إلا قليلاً. ولم يكن أنبياء إسرائيل من دعاة السلم رغم ما جاء في بعض أقوالهم من تمجيد للمحاريث ومناجل التشذيب. وكان الكهنة أنفسهم- إذا جاز لنا أن نحكم عليهم من خطبهم التي يُنطقون بها يهوه-

стр. 561

مولعين بالحروب ولعهم بالمواعظ. ولقد قتل ثمانية من ملوك إسرائيل التسعة عشر (١٧٧). وكانت العادة المتبعة أن تدمر المدن التي يستولون عليها في حروبهم، وأن تقطع بحد السيف رقاب جميع الذكور من سكانها، وأن تتلف الأرض حتى لا تصلح للزرع إلا بعد زمن طويل، شأنهم في هذا شأن الناس في تلك الأيام (١٧٨). ولعل أعداد القتلى الواردة في أقوالهم كان يبالغ فيها كثيراً. فليس من المعقول مثلا أن "يقتل بنو إسرائيل من الآراميين (١) مائة ألف رجل في يوم واحد" (١٧٩) بغير آلات الحرب الحديثة. وكان اعتقادهم أنهم شعب الله المختار (١٨٠) سبباً في ازدياد الكبرياء الطبيعي في أمة تشعر بما لها من مواهب متفوقة، كما كان سبباً في تقوية ما لديهم من نزعة إلى اعتزال غيرهم من الشعوب من الوجهتين العقلية والروحية، وفي حرمانهم من أن ينظروا إلى الأمور نظرة أممية كان أبناؤهم جديرين بأن يصلوا إليها. لكنهم مع ذلك بلغوا درجة عظيمة من الفضائل المتصلة بصفاتهم هم أنفسهم، وكان منشأ عنفهم هو ما كانوا يتصفون به من حيوية عارمة جامحة؛ وكانت عزلتهم ناشئة من تقواهم، كما كان ميلهم إلى الخصام والتذمر ناشئاً من حساسيتهم القوية التي أمكنتهم من إنتاج أعظم آداب الشرق الأدنى؛ وكان كبرياؤهم العنصري أقوى سند لشجاعتهم في خلال قرون التعذيب الطوال. ذلك أن الناس يكونون كما تضطرهم الظروف أن يكونوا. والوصية السابعة تعترف بأن الزواج هو الأساس الذي تقوم عليه الأسرة، كما تعترف الخامسة بأن الأسرة هي أساس المجتمع، وهي تضفي على الزواج كل ما يستطيع الدين أن يضفي عليه من عون. ولا تذكر شيئاً عن العلاقات الجنسية قبل الزواج، ولكن ثمة أنظمة أخري تحتم على الفتاة أن تثبت أنها عذراء

стр. 562

في يوم زواجها وإلا رجمت حتى تموت (١٨١). ولكن الزنا كان رغم هذا منتشراً بين اليهود، ويلوح أن اللواط لم ينقطع بعد تدمير سدوم وعمورة (١٨٢). ولما كان القانون فيما يلوح لم يحرم الاتصال بالعاهرات الأجنبيات، فإن السوريات، والموآبيات والمَدْينيات وغيرهن من "النساء العازبات" انتشرن في الطرق العامة، حيث كن يعشن في مواخير وخيام، ويجمعن بين الدعارة وبيع مختلف السلع الصغيرة. ولما كان سليمان لا يتشدد كثيراً في هذه الأمور، فإنه قد تساهل في تطبيق القانون الذي كان يحرم على تلك النساء السكنى في أورشليم؛ وسرعان ما تضاعف عددهن حتى كان الهيكل نفسه في أيام المكابيين ماخوراً للزنا والفجور كما وصفه مصلح غضوب (١٨٣). ويلوح أن الحب كان له عندهم نصيب، فقد "خدم يعقوب براحيل سبع سنين، وكانت في عينيه كأيام قليلة بسبب محبته لها" (١٨٣)، ولكن الحب لم يكن له إلا شأن قليل في اختيار الأزواج. وكان هذا الزواج قبل نفي بني إسرائيل من الأمور المدنية المحضة، يعقده أبوا الزوجين أو يعقده الخطيب وأبو العروس. وفي أسفار العهد القديم شواهد على زواج السبايا؛ ويجيز يهوه الزواج من سبايا الحروب (١٨٥)، ولما نقص عدد النساء أوصى الكبار "بني بنيامين قائلين امضوا واكمنوا في الكروم، وانظروا فإذا خرجت بنات شيلوه ليدرن في الرقص فاخرجوا أنتم من الكروم واخطفوا لأنفسكم كل واحد امرأته من بنات شيلوه واذهبوا إلى أرض بنيامين" (١٨٦). ولكن هذه الخطة كانت من الخطط النادرة، أما السنة المألوفة فكانت سنة الزواج بطريق الشراء، فقد ابتاع يعقوب ليئة وراحيل بعمله. واشترى بوعز راعوثَ اللطيفة شراء سافراً. وكان ممن أشد ما ندم عليه النبي هوشع أنه ابتاع زوجته بخمسين شاقلاً (١٨٧). وكان الاسم الذي يطلقه العبرانيون على الزوجة وهو "بولة" (١) يعني "المملوكة" (١٨٨). وكان

стр. 563

والد الزوجة يعطيها في مقابل ما يتقاضاه ثمناً لها بائنة- وهو نظام يفيد أعظم فائدة في تضييق الثغرة الفاصلة بين نضج الأبناء الجنسي ونضجهم الاقتصادي في حضارة المدن، وهي ثغرة مفككة للمجتمع. وإذا كان الرجل ثرياً أبيح له أن يتزوج بأكثر من واحدة؛ وإذا كانت الزوجة عاقراً، مثل سارة، أشارت على زوجها بأن يتخذ له خليلة. وكان الهدف الذي ترمي إليه هذه السنن هو تكثير النسل. وكان طبيعياً لديهم أن تقدم راحيل وليئة خادماتهما إلى يعقوب بعد أن ولدتا له كل ما تستطيعان أن تلدا من الأبناء، لكي يلدن له هن أيضاً أبناء (١٨٨). ولم يكن يسمح للمرأة بأن تظل عقيماً؛ ومن أجل ذلك فإن الأخ إذا مات أخوه كان يحتم عليه أن يتزوج أرملته مهما كان عدد زوجاته؛ فإذا لم يكن للميت أخ فرض هذا الواجب على أقرب الأحياء من أسرته (١٨٩). ولما كانت الملكية الفردية أساس النظام الاقتصادي اليهودي فقد كان لكل من الرجل والمرأة معيار خلقي خاص. فللرجل أن يتزوج بأكثر من واحدة، أما المرأة فكانت تختص برجل واحد. وكان معنى الزنى عندهم اتصال رجل بامرأة ابتاعها رجل آخر بماله؛ ومن أجل ذلك كان اتصاله بها اعتداء على قانون الملكية تعاقب عليه المرأة والرجل بالإعدام (١٩٠). وكان الفسق محرماً على المرأة غير المتزوجة، أما الرجل غير المتزوج فقد كان عمله هذا ذنباً يغتفر له (١٩١). وكان الطلاق مباحاً للرجل، ولكنه كان قبل أيام التلمود من أشق الأمور على المرأة (١٩٢). ويلوح أن الزوج لم يسرف في إساءة استعمال ماله من ميزة على المرأة في هذه الناحية، فهو يصور لنا على أنه في الجملة إنسان مخلص لزوجته وأبنائه، غيور عليهم، وكثيرا ما كان الزواج يثمر حبَّاً وإن لم يكن الحب هو الذي يقرر الزواج. "وأخذ إسحق رفقة فصارت له زوجة وأحبها، فتعزى إسحق بعد موت أمه" (١٩٣). ولعل الحياة في الأسرة لم تصل في أي شعب آخر- إذا استثنينا شعوب الشرق الأدنى- إلى ذلك المستوى الراقي الذي وصلت إليه عند اليهود.

стр. 564

والوصية العاشرة تقدس الملكية الفردية (١)، وكانت هي والدين والأسرة الأسس الثلاثة التي قام عليها المجتمع العبري. وتكاد الملكية كلها تنحصر في ملكية الأرض، ذلك أن اليهود قبل أيام سليمان قلما كان لديهم شيء من الصناعات غير صناعتي الخزف والحديد. وحتى الزراعة نفسها لم ترق رقياً كبيراً، وكانت الكثرة العظمى من الشعب منصرفة إلى تربية الضأن والماشية، وزراعة الكروم والزيتون والتين. وكانت أغلب معيشتهم في الخيام لا في البيوت المبنية، حتى لا يجدوا صعوبة في انتجاع مراعي جديدة. ولما نمت ثروتهم وزاد ما ينتجونه على حاجتهم بدءوا يتجرون، وأخذت السلع اليهودية تروج في دمشق وصور وصيدا وحول الهيكل نفسه بفضل ما اتصف به التجار اليهود من مهارة وصبر على المشاق. وظلوا إلى ما قبل أيام الأسر لا يستخدمون نقوداً، وكان الذهب والفضة أساس التبادل عندهم وكانا يوزنان في كل عملية تجارية. وقامت بينهم مصارف كثيرة العدد لتمويل التجارة والمشروعات الاقتصادية. ولم يكن غريبا أن يتخذ هؤلاء "المقرضون" ساحات الهيكل موضعاً لعملهم، فقد كانت هذه عادة شائعة في الشرق الأدنى، ولا تزال باقية في كثير من أقطاره إلى هذا اليوم (١٩٦). وكان يهوه يطل من عليائه مغتبطا بسلطان رجال المال المتزائد، ومن أقواله في هذا المعنى: " فتقرض أمماً كثيرة وأنت لا تقترض" (١٩٧) وهي فلسفة كريمة جمعت لليهود ثروة طائلة، وإن لم يبد في هذا القرن أنها من وحي الدين. وكان اليهود يتخذون أسرى الحروب والمذنبين عبيداً لهم، وشأنهم في هذا شأن غيرهم من أمم الشرق الأدنى: ويستخدمون مئات الآلاف منهم في قطع الأخشاب ونقل مواد البناء للمنشآت العامة كهيكل سليمان وقصره. ولكن السيد

стр. 565

لم يكن له على عبيده حق الحياة والموت، كما كان من حق العبد أن يمتلك المال ويبتاع به حريته (١٩٨). وكان يباح بيع الرجال المدينين ليكونوا خدماً أرقّاء إذا عجزوا عن أداء ديونهم، وكان في وسعهم أن يبيعوا أبناءهم بدلا منهم. وقد بقيت هذه العادة إلى أيام المسيح (١٩٩)، غير أن الصدقات السخية وما كان يقوم به الكهنة والأنبياء من حملات عنيفة على استغلال هؤلاء الأرقاء قد خففت في بلاد اليهود من آثار هذه النظم التي كانت منتشرة في بلاد الشرق الأدنى. وكان من القواعد الواردة في شريعة موسى: "ألا يغبن أحدكم أخاه" (٢٠٠)، كما أنها كانت تطلب إليهم أن يطلقوا سراح الأرقاء من العبرانيين وأن يلغوا ما عليهم من الديون كل سبع سنين (٢١١). ولما تبين أن هذا الأمر أكثر مما يطيقه سادة هؤلاء الأرقاء جاء القانون بسنة العيد الخمسيني، فكان كل العبيد والمدينين يعتقون كل خمسين سنة: "وتقدسون السنة الخمسين وتنادون بالعتق في الأرض لجميع سكانها. تكون لهم يوبيلاً وترجعون كل إلى مالكه وتعودون كلّ إلى عشيرته (٢٠٢). وليس لدينا ما يدل على أن هذه الوصية الجميلة قد أطيعت، وسواء كان ذلك أو لم يكن فإننا يجب أن نقر بالفضل للكهنة الذين لم يتركوا درساً في الإحسان إلا علموه: "إن كان فيك فقير أحد من أخوتك .. فلا تقس قلبك ولا تقبض يدك عن أخيك الفقير، بل افتح يدك له، واقرضه مقدار ما يحتاج إليه"، "لا تأخذ منه ربا ولا مرابحة" (٢٠٣). ويجب أن تشمل عطلة السبت كل العاملين، بل يجب أن تشمل الحيوانات نفسها فتترك ما عساه أن يكون على الأرض من النبات المقطوع والفاكهة الساقطة من الأشجار في الحقول والبساتين يجمعها الفقراء لأنفسهم (٢٠٤). ومع أن اليهود هم الذين كانوا مقصودين بهذه الصدقات فإن الفقير الذي عند الأبواب يجب أن يعامل هو
следующие страницы →