الفصل الثالث
الأخلاق والزواج
"ذارما" - الأطفال - زواج الأطفال - فن الحب - الزنا - الحب
الشعري - الزواج - الأسرة - المرأة - حياتها العقلية - حقوقها -
"البردة" - السوتي (أي موت الزوجة لموت زوجها) - الأرملة
إذا ما انقرض من الهند نظام الطبقات، تحتم أن يطرأ على الحياة الخلقية فيها طور طويل الأمد تسوده الفوضى، لأن التشريع الخلقي في هذه البلاد قد ارتبط بنظام الطبقات ارتباطاً يكاد لا يكون له انفصام، والأخلاق عندهم هي "ذارما"- أي أنها هي قواعد السلوك في الحياة لكل إنسان كما تحددها له طبقته؛ فلأن تكون هندوسي المذهب، فليس معنى ذلك اعتناقك لعقيدة بقدر ما هو اتخاذك مكاناً معيناً في نظام الطبقات، وقبولك "الذارما" أي الواجبات التي تترتب على مكانك ذاك، وفق ما تقضي به التقاليد والقوانين؛ ولكل مكان من ذلك النظام التزاماته وقيوده وحقوقه، ولا مندوحة للهندوسي الورع أن يسلك حياته ملتزماً تلك الالتزامات والقيود والحقوق، واجداً فيها قناعة الراضي بالطريق الذي مهد له لكي يسير فيه، ولا يطوف بباله قط أن يجاوز حدود طبقته إلى طبقة أخرى؛ جاء في كتاب "بهاجافادجيتا" (٩٨): "خير لك أن تؤدي عملك المقسوم لك أداء سيئاً من أن تؤدي عملاً مقسوماً لغيرك أداء حسناً"؛ إن "ذارما" للفرد من الناس هي بمثابة النمو الطبيعي للبذرة- تحقيق مرسوم الطريق لطبيعة كامنة فيها وقضاء مكتوب عليها (٩٩)، ولقد بلغ هذا التصور للأخلاق من الرسوخ في القدم مبلغاً جعل من المتعذر على الهندوس جميعاً ومن المستحيل على الكثرة الغالبة منهم أن ينظروا إلى أنفسهم نظرة لا تجعلهم أعضاء طبقة معينة، تهديهم وتقيدهم وقوانينها؛ وفي ذلك يقول
стр. 807
مؤرخ إنجليزي: "يستحيل تصور المجتمع الهندي بغير نظام الطبقات" (١٠٠).
وإلى جانب "ذارما" الخاصة بكل طبقة على حدة؛ نرى الهندوسيين يعترفون "بذارما" عامة، أي التزامات تلتزم بها جميع الطبقات، وتتضمن قبل كل شئ احتراماً للبراهمة وتقديساً للبقر (١٠١)؛ ويأتي بعد ذلك في الأهمية واجب النسل، ففي تشريع "مانو" ما يلي (١٠٢): "النسل وحده يكمل الرجل، فهو يكمل إذا ما أصبح ثلاثة- شخصه وزوجه وابنه"؛ فليس الأبناء حسنة اقتصادية لآبائهم فحسب، يعولونهم في شيخوختهم بغير أدنى تردد في هذا الواجب؛ بل هم إلى جانب ذلك سيمضون في عبادة الأسرة لأسلافها، ويقدمون لأرواح هؤلاء الأسلاف طعاماً آناً بعد آن، حتى لا تفنى أرواحهم إذا امتنع عنها الطعام (١٠٣)، وبناء على ذلك لم يعرف الهنود ضبط النسل، وعد الإجهاض جريمة تساوي في فداحتها جريمة قتل برهمي (١٠٤)، نعم كان يحدث أحيانا أن تقضي الأمهات على الأجنة (١٠٥)، لكن ذلك كان نادر الوقوع، لأن الوالد كان يسره أن ينسل الأبناء، ويفخر إذا كان له منهم عدد كبير؛ وإن حنان الشيوخ على الصغار بين الهنود لمن أجمل ظواهر المدنية الهندية (١٠٦).
ولم يكد الطفل عندهم يشهد النور حتى كان يأخذ أبواه في التفكير في زواجه، لأن الزواج- في النظام الهندي- إجباري للجميع، والرجل الأعزب طريد الطبقات، ليس له في المجتمع مكانه ولا اعتبار، وكذلك بالنسبة للفتاة إن طال بها الأمد عذراء بغير زواج، فذلك عار أي عار (١٠٧) على أن الزواج لم يكن يترك لأهواء الفرد يختار من يشاء، أو لدفعة الحب تدفع العاشق إلى زواج من يهوى، بل كان الزواج عندهم أمراً حيوياً تهتم له الجماعة كلها والجنس كله، فيستحيل أن يوكل أمره إلى العاطفة بما لها من قصر بعواقب الأمور، أو إلى المصادفة تجمع من شاءت بمن شاءت (١٠٨) فلا بد أن يتولى الوالدان أمر زواج الوليد قبل أن تستولي عليه حمى الرغبة
стр. 808
الجنسية فتقذف به إلى زواج مصيره في نظر الهنود- إلى خيبة الرجاء واليأس المرير: ولقد أطلق "مانو" اسم "زواج الجانذارفا" على الزيجات التي تتم باتفاق الزوجين، ووصف أمثال هؤلاء وصفاً شائناً إذ وصفهم بأنهم وليدو الشهوة؛ نعم إن التشريع يبيح مثل هذا الزواج، لكن الزوجين عندئذ يوشكان ألا يجدا عند الناس شيئاً من الاحترام.
ولقد أدى النضوج المبكر بين الهنود، الذي يجعل البنت في سن الثانية عشرة مساوية لزميلتها في أمريكا في سن الرابعة عشرة أو الخامسة عشرة، إلى خلق مشكلة عويصة في النظام الاجتماعي والخلقي (١) فهل الأفضل أن يدبر الزواج بحيث يطابق سن النضوج الجنسي، أم الأفضل أن يرجأ- كما في أمريكا- حتى يبلغ الرجل نضوجه الاقتصادي؟ والظاهر أن الحل الأول للمشكلة يؤدي إلى ضعف البنية في أبناء الأمة (١١٠) ويزيد من عدد السكان زيادة سريعة لا تتمشى مع مقتضيات الظروف، ويضحي بالمرأة تضحية تكاد تكون تامة في سبيل النسل؛ وأما الحل الثاني فيؤدي إلى مشكلة أخرى وهي التأخير الذي تأباه الطبيعة، وإلى كبح الرغبة الجنسية كبحاً يؤدي إلى حبوطها، كما يؤدي إلى الدعارة والأمراض السرية؛ ولقد آثر الهنود لأنفسهم زواج الأطفال على اعتبار أنه أهون الشرين، وحاولوا أن يخففوا من أخطاره بأن يجعلوا بين الزواج وبين إثماره فترة تبقى فيها العروس مع والديها حتى يتم نضجها (١١١)؛ هذا عندهم نظام اجتماعي قديم، ومن قدمه جاءت قداسته، وإنما نبتت جذوره بادئ ذي بدء في رغبة الناس في منع التزاوج بين الطبقات تزاوجاً قد تسببه مجرد الجاذبية الجنسية العابرة (١١٢) ثم ازداد في نفوس الناس
стр. 809
قوة فيما بعد، بسبب أن المسلمين الغزاة، الذين لا تعرف الرحمة إلى قلوبهم سبيلاً حتى لو لم يكونوا غزاة فاتحين، كانت ديانتهم لا تحرم عليهم أن يسبوا النساء المتزوجات ليكن لهم إماء (١١٣)؛ وأخيراً اتخذ النظام شكله الجامد الذي جعله تصميماً عند الأبوين على وقاية ابنتهما من استثارة الذكور لحساسيتها الجنسية.
والدليل على أن هذه الحساسية عند البنت كانت مرهفة إلى حد ما، وعلى أن الذكر قد يعهد إليه أداء وظيفته البيولوجية لأقل مثير يثير شهوته، ظاهر في أدب العشق عن الهنود؛ فكتاب "كاما سوترا" ومعناها "مذهب الشهوة" هو أشهر كتاب من بين مجموعة كبرى كلها تعبر عن اشتغال عقولهم إلى حد ملحوظ بفنون العلاقة الجنسية في صورتيها الجسدية والعقلية؛ ويؤكد لنا مؤلف الكتاب أنه كتبه "وفق المبادئ التي جاءت في الكتاب المقدس لفائدة العالم؛ وكاتبه هو فاتسيابانا، كتبه عندما كان يحيا حياة طالب ديني في بنارس، ولا يعينه شئ في الدنيا سوى التأمل في ذات الله" (١١٤) ويقول هذا الناسك: "إن من يهمل فتاة، ظناً منه أنها أكثر حياء من أن تكون موضع صلة جنسية، تزدريه هذه الفتاة نفسها وتعده حيواناً يجهل طبيعة ما يدور في عقل المرأة" (١١٥) ويصور لنا "فاتسيابانا" صورة جميلة لفتاة عاشقة (١١٦) لكنه يتجه بمعظم حكمته إلى تصوير فن الأبوين في التخلص منها بالزواج، وفن الزواج في إشباع رغبات جسدها.
ولا يجوز لنا أن نفرض بأن الحساسية الجنسية عند الهنود وقد انتهت بهم إلى إباحية أكثر من الحد المألوف عند غيرهم؛ فقد أقام زواج الأطفال سداً في وجه العلاقات الجنسية السابقة للزواج؛ والعقوبات الدينية الصارمة التي كانوا ينذرون بوقوعها ليحملوا الزوجة على الوفاء لزوجها، جعلت الزنا أصعب جداً وأندر جداً مما هو عليه في أوربا أو أمريكا؛ وكان الزنا في الأعم الأغلب مقصوراً على المعابد؛ ففي الأصقاع الجنوبية كانت رغبات الرجل الشهواني
стр. 810
تشبعها له من كن يطلق عليهن "خادمات الله" طائعات في ذلك أوامر السماء، وما خادمات الله- أو "دفاداس" كما يسمونهن- إلا العاهرات؛ وفي كل معبد في "تامل" مجموعة من "النساء المقدسات" اللائي يستخدمن المعبد أول الأمر في الرقص والغناء أمام الأوثان، ثم من الجائز أن يستخدمن بعد ذلك في إمتاع الكهنة البراهمة؛ وبعض هؤلاء النسوة- فيما يظهر- قد قصرن حياتهن على عزلة المعابد وكهانها، وبعضهن الآخر قد وسع من نطاق خدماته بحيث يشمل كل من يدفع أجراً لمتعته، على شريطة أن يدفعن لرجال الدين جزءاً من كسبهن عن هذا الطريق، وكان كثير من زانيات المعابد- أو فتيات الرقص- يقمن بالرقص والغناء في الحفلات العامة والاجتماعات الخاصة، على نحو ما يفعل فتيات "الجيشا" في اليابان؛ وكان بعضهن يتعلمن القراءة، فيكن وسيلة أحاديث ثقافة في المنازل حيث لا تجد الزوجة ما يشجعها على القراءة، ولا يسمح لها بمخالطة الأضياف، وهؤلاء الفتيات القارئات شبيهات بمن كن يسمين hetairai عند اليونان؛ ويحدثنا نص مقدس أنه في سنة ١٠٠٤ م كان في معبد الملك الكولي "راجا راجا" في تانجور أربعمائة امرأة من "خادمات الله"؛ وأكسب الزمان هذه العادة صبغة الجلال، فلم ير فيها أحد ما يتنافى مع الأخلاق؛ حتى إن السيدات المحترمات كن آناً بعد آن يهبن ابنة إلى مهنة العهر في المعابد، بنفس الروح التي يوهب بها الابن إلى الكهنوت (١١٧)، ويصف "ديبوا"- في أول القرن التاسع عشر- معابد الجنوب بأنها في بعض الحالات كانت "تتحول إلى بيوت للدعارة ولا شئ غير هذا"، وكانت عامة الناس تطلق على "خادمات الله"- بغض النظر عن مهمتهن في بداية الأمر- اسم الزانيات، ويستخدمونهن على هذا الأساس؛ ولو أخذنا بقول هذا "الأب" الكهل، الذي لم يكن أمامه ما يبرر أن يتعصب للهند فيما يكتب، علمنا أن:
стр. 811
"واجباتهن الرسمية تتألف من الرقص والغناء داخل المعابد مرتين كل يوم … وكذلك في الاحتفالات العامة كلها؛ وهن يؤدين الرقص أداء رشيقاً إلى درجة مرضية، على الرغم من أن طريقة الرقص تثير الشهوة وليس في إشارتهن شئ من الوقار؛ وأما غناؤهن فيكاد كله يتألف من أشعار فاحشة تصف ما مر في تاريخ آلهتهم من حوادث الإباحية الجنسية" (١١٨).
في هذه الظروف التي يسودها عهر المعابد وزواج الأطفال، لم يبق أمام ما نسميه "بالحب الشعري" إلا أضيق الفرص؛ نعم إن التفاني المثالي الذي يبديه أحد الجنسين تجاه الآخر، له آثاره الظاهرة في الأدب الهندي- مثال ذلك ما نراه في أشعار "شاندي داس" و "جاياديفا"- لكنه في الأغلب يتخذ رمزاً للروح تسلم زمامها لله؛ أما في الحياة الواقعة، فأكثر ما تظهر فيه هذه الروح هو تفاني الزوجة في زواجها تفانياً كاملاً؛ وأحيانا ترى شعرهم الغزلي من الطراز الخيالي السامي كالذي يصوره شعراؤنا المحافظون على تقاليد الأخلاق المتزمتة من أمثال "تنسن" و "لنجلفو"، وأحياناً أخرى تراه من الطراز الجسدي الحسي كالذي نعرفه في عصر اليصابات (١١٩)؛ فهذا أديب منهم يوحد بين الدين والحب، ويرى الجانبين معاً متمثلين في نشوة الدين ونشوة الحب؛ وهذا أديب آخر يذكر قائمة من ثلاثمائة وستين عاطفة مختلفة تملأ قلب المحب، ويعد الأشكال المختلفة التي رسمتها أسنانه على جسد حبيبته، أو يصف كيف أخذ يزين نهدي حبيبته برسوم أزهار من معجون الصندل العبق؛ وكذلك يصف لنا مؤلف قصتي "نالا" و "داما يانتي" في ملحمة "ماهابهاراتا" آهات المحبين الحزينة وشحوبهم كأحسن ما تراه عند الشعراء الجوالين في فرنسا (١٢٠).
لكن أمثال هذه الأهواء المتقلبة لم يركن إليها نادراً في تقرير الزواج في الهند؛ ولقد أباح "مانو" ثمانية صنوف من الزواج، كان أدناها في القيمة الخلقية هو الزواج بالاغتصاب والزواج "بالحب"؛ وأما الزواج بالشراء فهو
стр. 812
الصورة المقبولة على أنها الطريقة المعقولة لتدبير الزواج بين رجل وامرأة؛ فالمشرع الهندي من رأيه أن صور الزواج التي تنبني على أسس اقتصادية هي في نهاية الأمر أسلم الصنوف عاقبة (١٢١)، وفي أيام "دبوا" كانت العبارة الهندية التي تعنى "يتزوج"، والعبارة التي تعني "يشتري زوجة" "عبارتين مترادفتين" (١).
وأحكم الزواج زواج يدبره الوالدين مراعين فيه كل قواعد الزواج من داخل أو من خارج، فالشاب ينبغي أن يتزوج داخل طبقته الاجتماعية، لكنه يختار زوجته من خارج مجموعته العائلية (١٢٣)؛ وله أن يتزوج من زوجات كثيرات لكن واحدة منهن فقط يكون لها السيادة على الأخريات، ويشترط فيها أن تكون من طبقته الاجتماعية؛ على أن الأفضل- في رأي مانو- أن يقتصر الزوج على زوجة واحدة (٢) وكان على الزوجة أن تحب زوجها في تفان ُيصبّره على المكاره، وأما الزوج فلم يكن ينتظر منه أن يبدي لزوجته حباً شعرياً، بل حماية أبوية (١٢٦).
كانت الأسرة الهندية من الطراز الأبوي الصميم، فالوالد هو السيد الكامل السيادة على الزوجة والأبناء والعبيد (١٢٧) وكانت المرأة مخلوقاً جميلاً يحب،
стр. 813
لكنها أحط منزلة من الرجل؛ تقول أسطورة هندية: أن "تواشتري" المبدع الإلهي، حين أراد في البداية أن يخلق المرأة وجد أن مواد الخلق قد نفذت كلها في صياغة الرجل، ولم يبق لديه من العناصر الصلبة بقية، فإزاء هذه المشكلة طفق يصوغ المرأة من القصاصات والجذاذات التي تناثرت من عمليات الخلق السابقة، يختار قصاصة من هنا وجذاذة من هناك:
"فأخذ استدارة القمر، وتثنى الزواحف وتعلق المحلاق وارتعاش الكلأ ودقة قصبة الغاب وازدهار الزهور وخفة أوراق الشجر وانخراط خرطوم الفيل ونظرات الغزال وتجمع النخل وخلاياه، وبهجة أشعة الشمس المرحة وبكاء السحاب وتقلب الريح وجبن الأرنب وزهو الطاووس وطراوة صدر الببغاء، وصلابة جلمود الصخر، وحلاوة العسل، وقسوة النمر، ووهج النار الدافئ وبرودة الثلج وثرثرة أبي زريق، وهديل الحمام، ونفاق الكركي ووفاء الشكرافاكا، ومزج كل هذه العناصر مزجاً صنع منه المرأة ثم وهبها للرجل" (١٢٩) لكن على الرغم من هذه العدة كلها، لم يكن للمرأة في الهند ألا أسوأ الحظوظ؛ فمكانتها العالية التي بلغتها في العصور الفيدية، زالت عنها بتأثير نفوذ الكهنة وبفعل المثل الذي رسمه المسلمون؛ فترى الروح العامة في "تشريع مانو" موجهة ضدها في عبارات تذكرنا بمرحلة أولى من مراحل اللاهوت المسيحي: "إن مصدر العار هو المرأة، ومصدر العناء في الجهاد هو المرأة، ومصدر الوجود الدنيوي هو المرأة، وإذاً فإياك والمرأة " (١٣٠) وفي فقرة أخرى تقرأ: "إن المرأة لا تقتصر قدرتها على تضليل الأحمق عن جادة السبيل في هذه الحياة، بل هي كذلك قادرة على تضليل الحكيم؛ فهي تستطيع أن تمسك بزمامه وأن تخضعه لشهوته أو لغضبته" (١٣١) ولقد نص التشريع على أن المرأة طوال حياتها ينبغي أن تكون تحت إشراف الرجل، فأبوها أولاً وزوجها ثانياً وابنها ثالثاً (١٣٢)، وكانت الزوجة تخاطب زوجها في خشوع قائلة له: "يا مولاي" و "يا سيدي" بل "يا إلهي" وهي تمشي خلفه
стр. 814
بمسافة إن مشيا على مرأى من الناس، وقلما يوجه إليها هو كلمة واحدة (١٣٣) وينتظر من المرأة أن تبدي إخلاصها بخدماتها في كل المواقف، بإعدادها للطعام، وبأكلها لما يتبقى بعد أكل زوجها وأولادها، وبضمها لقدمي زوجها إذا حانت ساعة النوم (١٢٤) يقول مانو: "إن الزوجة الوفية ينبغي أن تخدم … سيدها كما لو كان إلهاً، وألا تأتي شيئاً من شأنه أن يؤلمه، مهما تكن حالته، حتى إن خلا من كل الفضائل" (١٣٥) أما الزوجة التي تعصي زوجها فمآلها أن تتقمص روحها جسد ابن آوى في خلقها التالي (١٣٦).
ولم يكن نساء الهند يتلقين تعليماً -كأخواتهن في أوربا وأمريكا قبل عصرنا هذا الحديث- إلا إن كن من سيدات الطبقة الراقية أو من زانيات المعبد (١٣٧)، ففن القراءة كان في عرفهم لا يليق بامرأة؛ ذلك لأن سلطانها على الرجال لا يقوى به، ثم هو يؤدي إلى نقص فتنتها؛ فيقول "طاغور" على لسان "شترا" في إحدى مسرحياته: "إن المرأة يسعدها أن تكون امرأة فقط- أن تلف نفسها حول قلوب الرجال بابتسامتها وتنهداتها وخدماتها وملاطفاتها؛ فماذا يجدي عليها العلم وجليل الأعمال؟ " (١٣٨) وليس من حقها أن تلم بكتب الفيدا (١٣٩)، ففي الماهابهاراتا: "إذا درست المرأة كتب الفيدا كانت هذه علامة الفساد في المملكة" (١)، ويروي المجسطي عن أيام "تشاندرا جوبتا": "إن البراهمة يحولون بين زوجاتهم- ولهم زوجات كثيرات- وبين دراسة الفلسفة، لأن النساء إن عرفن كيف ينظرن إلى اللذة والألم، والحياة والموت نظرة فلسفية، أصابهن مس من جنون، أو أبين بعد ذلك أن يظللن على خضوعهن" (١٤١).
стр. 815
ثلاثة أشخاص في تشريع مانو لا يجوز لهم أن يملكوا شيئاً: الزوجة والابن والعبد، فكل ما يكسبه هؤلاء يصبح ملكاً لسيد الأسرة (١٤٢)؛ على أنه يجوز للزوجة أن تحتفظ بملكية المهر والهدايا التي جاءتها عند زواجها، وكذلك يجوز لأم الأمير أن تحكم البلاد في مكان ابنها حتى يبلغ الرشد (١٤٣)؛ ومن حق الرجل أن يطلق الزوجة لخيانتها الزوجية، لكن الزوجة لا تستطيع أن تطلق زوجها لأي سبب من الأسباب (١٤٤)، وفي مقدور الزوج إذا ما شربت زوجته الخمر أو إذا مرضت أو إذا شقت عليه عصا الطاعة أو كانت مسرفة أو شكسة، أن يتزوج من غيرها في أي وقت شاء (لا أن يطلقها)؛ على أن في "التشريع" فقرات توحي بالرفق المستنير في معاملة المرأة: فلا يجوز ضربهن "حتى بزهرة" ولا يجوز مراقبتهن مراقبة تجاوز الحدود في صرامتها، لأن دهاء مكرهن عندئذ يجد سبيلاً للشر، وإذا أحببن جميل الثياب فمن الحكمة أن تشبع فيهن ما أحببن "لأن الزوجة إذا حرمت أنيق الثياب فلن تثير في صدر زوجها ميلاً إليها" على حين أنه "إذا زينت الزوجة زينة بهيجة، اكتسب المنزل كله مسحة الجمال" (١٤٥)، ويجب أن تخلى الطريق للمرأة كما تخليه للكهول والكهنة، والواجب أن يطعم "الحاملات والعرائس والكواعب قبل سائر الأضياف" (١٤٦) ولئن فات المرأة عندهم أن تحكم باعتبارها زوجة، فلها أن تحكم بوصفها أما، وإن كانت المرأة أما لأطفال كثيرين، استحقت عند الناس أعظم العطف والتقدير؛ فحتى تشريع مانو الذي يؤيد سيطرة الوالد في الأسرة، ينص على أن "الأم أولى بالتوقير من ألف والد" (١٤٧).
ولاشك أن دخول الأفكار الإسلامية كان عاملاً على تدهور مكانة المرأة في الهند بعد العصر الفيدي، فقد جاءت إليها عادة "البردة" (أي الستار) - وهي عزل النساء المتزوجات- مع الفرس والمسلمين، ولذلك فهي أقوى جذوراً في شمال البلاد منها في الجنوب؛ ولكي يحمي الأزواج الهنود
стр. 816
زوجاتهم من المسلمين- وهذا عامل من عدة عوامل- فقد اصطنعوا نظام "البردة" وتمسكوا به في تزمت بلغ من شدته أن المرأة المحترمة لا تستطيع أن تبدي نفسها لغير زوجها وأبنائها، ولا يمكنها الانتقال خارج دارها إلا مستورة بقناع سميك؛ حتى الطبيب الذي يعالجها ويجس نبضها، لا مندوحة له عن أداء واجبه خلال ستار (١٤٨)؛ وإنه لمن الخروج على القواعد الخلقية في بعض الأوساط أن تسأل عن زوجة غيرك أو أن تتحدث وأنت ضيف إلى سيدات البيت الذي يضيفك (١٤٩).
كذلك عادة إحراق الأرامل على الكومة التي احترق فيها أزواجهن جاءت إلى الهند من خارج، ويقول عنها "هيرودوت" أنها كانت عادة جارية بين السُّكَّيت القدماء وأهل تراقيا؛ ولو كان لنا أن نصدقه في روايته، إذن لعلمنا أن زوجات الرجل من أهل تراقيا كن يقتتلن تسابقاً على امتياز القتل على قبر الزوج (١٥٠)، ولعل هذه الشعيرة قد هبطت إلى الهنود من عادة قديمة كادت تشمل شعوب العالم البدائية كلها، وهي التضحية بواحدة أو اكثر من زوجات الأمير أو الغني، أو من خليلاته، والتضحية معها بطائفة من عبيده، وغير ذلك مما لابد من تقديمه قرباناً إثر وفاته، وذلك ليعنى هؤلاء بالميت في الحياة الآخرة (١٥١)؛ ويذكرها كتاب "إتارفا فيدا" على أنها عادة قديمة؛ أما "رج فيدا" فيذكر لنا أن هذه العادة في العصر الفيدي كانت قد خف شأنها حتى أصبحت محصورة في مطالبة الأرملة بالرقاد على كومة الحطب التي أعدت لزوجها لحظة قبل إحراق جثته (١٥٢).
ثم تعود قصيدة "ماهابهاراتا" فتصف هذه العادة الاجتماعية وصفاً يدل على عودتها كاملة بغير شعور من الناس بفداحة ما يفعلون، وهي تذكر أمثلة
стр. 817
كثيرة لهذه العادة (١) ثم تضع للناس قاعدة عامة مؤداها أن الأرملة الطاهرة لا تحب أن تحيى بعد زوجها، بل تراها تدخل النار فخورة بصنيعها (١٥٣)، وكانوا في هذه المناسبات يحرقون جسد الزوجة في حفرة من الأرض، أو يدفنونها حية، كما كان يحدث بين قبيلة "تلوج" في الجنوب (١٥٤)؛ ويروي لنا سترابو أن عادة قتل الزوجة بعد موت زوجها كانت شائعة في الهند أيام الإسكندر، وأن قبيلة "كاثي"- وهي قبيلة تسكن البنجاب- اتخذت من هذه العادة قانوناً حتى لا تدس زوجة لزوجها السم فتقتله (١٥٥) ولا يذكر "مانو" عن هذه العادة شيئاً؛ ولقد عارضها البراهمة أول الأمر، لكنهم عادوا فقبلوها، وأخيراً خلعوا عليها قداسة دينية تحميها من العبث، وذلك بأن جعلوها مرتبطة بأبدية الرابطة الزوجية: فالمرأة إذا ما تزوجت رجلا كان عليها أن تظل زوجته إلى الأبد، وستعود إلى الارتباط الزوجي به في حياته المقبلة (١٥٦)؛ وهذه الملكية المطلقة من الزوج لزوجته، اتخذت في "راجستان" صورة ما يسمونه "جوهور" وهي عادة تقضي على الرجل من أهل راجبوت، إذا ما أصابه نوع معين من الهزيمة، أن يضحي بزوجاته قبل أن يتقدم هو إلى الموت في ساحة القتال (١٥٧)؛ وانتشرت العادة في حكم المغول انتشارا واسعاً على الرغم من كراهية المسلمين لها، ولقد فشل ملوك المسلمين، حتى "أكبر" بكل نفوذه، في زحزحة هذه العادة من النفوس، وحاول "أكبر" ذات مرة أن يثني عروساً هندية عن تقديم نفسها طعاماً للنار على كومة الحطب التي أحرقت خطيبها الميت، وتوسل إليها البراهمة بما يؤيد رجاء الملك، لكن العروس أصرت على التضحية فلما دنت منها السنة اللهب، وكان "دانيال"- ابن "أكبر"- عندئذ ماضيا في إقناعها بالعدول، إجابته قائلة: "كفى، كفى"؛ وحدث كذلك لأرملة أخرى أن رفضت مثل هذه التوسلات بالإقلاع عن التضحية بنفسها، ووضعت إصبعها في شعلة مصباح حتى التهمتها النار،
стр. 818
ولكونها أمسكت عن إظهار ألمها بأية علامة من علاماته، فقد عبرت عن ازدرائها لأولئك الذين نصحوها بالإقلاع عن إحراق نفسها جرياً مع الطقوس (١٥٨)؛ وفي "فيجاياناجار" كان قتل الزوجة هذا يتخذ صورة جمعية، فلا يكتفي فيه بقتل زوجة واحدة أو عدد قليل من زوجات الأمير أو القائد بعد موته، بل كان لابد لكل زوجاته أن يتبعنه إلى الموت؛ ويروى لنا "كونتي" أن "الرايا" أو الملك قد اختار ثلاثة آلاف من زوجاته البالغ عددهن اثني عشر ألفاً، ليكن مقربات له "على شرط أن يحرقن أنفسهن مختارات عند موته، وأن ذلك ليعد شرفاً عظيماً لهن"١٥٩) وأنه من العسير علينا أن نحكم إلى أي حد كانت الأرملة الهندية في عصور الهند الوسطى راضية النفس عن هذه العادة بقوة التأثير الديني والعقيدة، وبقوة الرجاء في أن تعود إلى الاتحاد بزوجها في الحياة الآخرة.
وأخذت "السوتي"- قتل الزوجة بعد موت زوجها- تقل شيئاً فشيئاً كلما ازدادت الهند اتصالاً بأوربا، ولو أن الأرملة لم تزل تعاني صعاباً كثيرة، فما دام الزواج قد ربط المرأة بزوجها رباطاً أبدياً، فإن زواجها مرة ثانية بعد موت زوجها كان يعد جريمة فادحة، ومن نتائجه المحتومة أن يحدث للزواج اضطراباً في حياته المقبلة، وعلى ذلك كان لابد للأرملة وفق قانون البرهمي أن تظل بغير زواج وأن تحلق شعرها وتحيى حياتها (إذا لم تؤثر لنفسها القتل في نار زوجها) معنية بأطفالها ومشتغلة بأعمال البر والإحسان (١٦٠) ولم يكن يحكم على الأرملة بالفقر، بل الأمر على عكس ذلك، إذ كان لها الحق الأول في أملاك زوجها (١٦١) غير أن هذه القواعد لم تجد قبولاً إلا عند النساء المحافظات على التقاليد من نساء الطبقتين العليا والوسطى- وهؤلاء نسبتهن ثلاثون في المائة من مجموع السكان- وأما المسلمون والسيخ والطبقات الدنيا فقد أهملوا تلك القواعد إهمالاً تاماً (١٦٢) والرأي عند الهنود هو أن هذه العذرية الثانية التي تصطنعها الأرملة عندهم شبيهة بامتناع الراهبات في المسيحية عن الزواج
стр. 819
ففي كلتا الحالين ترى طائفة من النساء يرفضن الزواج ويكرسن حياتهن لأعمال الإحسان (١)
стр. 820
الفصل الرابع
آداب السلوك والعادات والأخلاق
الاحتشام الجنسي - الصحة - الملبس - المظهر - رقة الفن
عند الهنود- سيئات وحسنات - الألعاب - الأعياد - الموت
إن العقل الساذج قد يصعب عليه التصوير بأن هؤلاء الناس الذين قبلوا نظماً اجتماعية مثل زواج الأطفال وعهر المعابد وقتل الزوجة بعد موت زوجها، هم كذلك غاية في رقة الحاشية والاحتشام والمجاملة؛ فلو غضضت النظر عن عدد قليل هن زانيات المعابد، لوجدت البغاء نادراً في الهند، وألفيت العفة الجنسية مصونة إلى حد يستوقف النظر؛ يقول "دبوا" الذي لا يعطف على الهنود في كتابته: "لابد من الاعتراف بأن آداب السلوك واحترام المعاملة الاجتماعية أوضح في قواعدها وأكثر اتباعاً لدى طبقات الهنود كلها، حتى أدنى هذه الطبقات منزلة، منها عند أي شعب أوربي له ما للهنود من مكانة اجتماعية" (١٦٤)؛ فالدور الرئيسي الذي يلعبه الجنس في الحديث وفي النكات عند الغربيين، لا تعرفه آداب السلوك بين الهنود، فهذه الآداب تحرم تحريماً قاطعاً كل علاقة علنية بين الرجال والنساء من شأنها أن تعبر عما بينهم من ارتفاع الكلفة، وهي تعتبر التلاصق البدني بين الجنسين في الرقص شيئاً مرذولاً قبيحاً (١٦٥)؛ وتستطيع المرأة الهندية أن تذهب خارج دارها أنى شاءت دون أن تخشى من أحد اعتداء أو إساءة (١٦٦)؛ بل إن الوضع في عين الشرقي على عكس ذلك؛ إذ يرى الخطر في ذلك واقعا كله على الجنس الآخر، فترى "مانو" يحذر الرجال: "إن المرأة نزاعة بطبعها دائماً أن تغري الرجل، ومن ثم كان واجباً على الرجل ألا يجلس في عزلة مع امرأة حتى إن كانت من أقرب ذوات قرباه" ولا ينبغي لرجل أن ينظر إلى أعلى من عقبي فتاة عابرة (١٦٧).
стр. 821
وتأتي النظافة في منزلة بعد العبادة مباشرة؛ فليست القواعد الصحية "بالخلق الأوحد" كما ظن أناتول فرانس، بل هي عندهم جزء حيوي من العبادة؛ ولقد سن "مانو" من عدة قرون تشريعاً يستلزم تهذيب البدن، ففي تعليماته مثلاً: "يجب على البرهمي أن يستحم في الصباح الباكر وأن يزن جسده وينظف أسنانه، ويغسل عينيه ويعبد الآلهة" (١٦٨) والمدارس الأهلية تجعل أولى المواد في برامجها آداب السلوك الطيب والنظافة الشخصية؛ فعلى الهندي ذي المكانة المحترمة أن يغسل جسده كل يوم وأن يغسل ثوبه الذي سيرتديه، وإنه ليقشعر تقززاً إذا ما لبس الثوب- بغير غسل- أكثر من يوم واحد (١٦٩) ويقول "سير وليم هيوبر": "إن الهنود يضربون المثل لنظافة الأجسام بين القبائل الأسيوية كلها، بل لعلهم يضربونه بين أجناس العالم بأسره ولقد أصبح وضوء الهنود يجري مجرى الأمثال"%=?@قال هندي كبير- هو لاجبات راي- مخاطباً أوربا: "قبل أن تعرف الشعوب الأوربية شيئاً من قواعد الصحة بزمن طويل، وقبل أن تتبين فوائد فرجون الأسنان والاستحمام اليومي بزمن طويل، كان الهنود بصفة عامة يتبعون العادتين، فلم يكن في منازل لندن أحواض الاستحمام حتى عشرين سنة مضت، وكان فرجون الأسنان من أسباب الترف الكمالي" (١٧١). @
وفيما يلي وصف عادات الأكل عند الهنود كما وصفها يوان شوانج منذ ألف وثلاثمائة عام:
"إنهم يندفعون إلى التطهر بدافع من أنفسهم، لا يجبرهم عليه أحد، فحتم عندهم أن يغتسل الآكل قبل وجبته، ويستحيل أن تقدم الفتات والبقايا لوجبة أخرى؛ ولا تستعمل أوعية الطعام لأكثر من أكلة واحدة، فما كان منها مصنوعاً من الخزف أو من الخشب يجب رميه بعد استعماله، وأما ما كان منها مصنوعاً من ذهب أو فضة أو نحاس أو حديد، وجب إعادة صقله؛ ولا يلبث الهنود بعد فراغهم من طعامهم أن يلوكوا مساويكهم لتنظيف أسنانهم، ولا يلمس أحد منهم أحداً إلا إذا اغتسلوا متوضئين" (١٧٢).
стр. 822
فمن عادة البرهمي أن يغسل يديه وقدميه وأسنانه قبل كل وجبة وبعدها؛ وهو يأكل بأصابعه من الطعام الذي يقدم على ورقة من أوراق الشجر، اعتقاداً منه مما يتنافى وقواعد النظافة أن يأكل مرتين من طبق واحد، بسكين واحدة أو شوكة واحدة، حتى إذا ما فرغ من طعامه، غسل أسنانه سبع مرات (١٧٣) وفرجون أسنانه دائماً، لأنها غصن شجرة يقطعه لتوه لأن الهندي يعتقد أنه مما يسئ إلى سمعته أن ينظف أسنانه بفرجون من شعر الحيوان، أو أن يستعمل الفرجون الواحد مرتين (١٧٤)، فما أكثر السبل التي يستطيع بها الناس أن يحتقروا بعضهم بعضاً؛ ولا ينفك الهندي يمضغ ورقة من أوراق نبات الفلفل التي تصبغ الأسنان صبغة قاتمة لا يرضاها لنفسه الأوربي؛ بل لا يرضاها الهندي لنفسه، لكن هذه المضغة مضافة إلى الأفيون الذي يأكله حيناً بعد حين، يعوضانه عن امتناعه المألوف عن تدخين التبغ واحتساء المسكرات.
في كتب القانون الهندي نصوص صريحة على ما ينبغي اتباعه من القواعد الصحية في حيض المرأة (١٧٥)، وفي تلبية نداء الطبيعة؛ فلن تجد من القوانين ما هو أدق في ذكر التفصيلات وأرصن في طريقة التعبير، من تلك التي تذكر طقوس التبرز عند البراهمة (١٧٦) فالبرهمي إذا ما انخرط في سلك الكهنوت وجب ألا يستعمل في هذه الطقوس إلا يده اليسرى، ويجب أن يستخدم الماء في تنظيف هذه الأجزاء، وإنه ليعد بيته نجساً إذا دخله الأوربيون، لأنهم يكتفون في هذه العملية بالورق (١٧٧)؛ وأما المنبوذون وكثيرون من طبقة الشودرا فهم أقل من ذلك مراعاة للدقة، وقد يزيلون هذه الضرورة الطبيعية في أي مكان من جانب الطريق (١٧٨)، ولذا فإن الأحياء التي تسكنها هذه الطوائف يكتفي فيها من أجل الصحة العامة "بمجرور" مفتوح يشق في وسط الطريق (١٧٩).
وفي مناخ حار كمناخ تلك البلاد، تكون الثياب نافلة، فكنت ترى السائلين والأولياء الصالحين عراة الأجسام، وبذلك العرى أكملوا درجات
стр. 823
السلم الاجتماعي؛ ولقد تهددت إحدى طوائف الجنوب- كما فعلت قبيلة دوخوبور في كندا- بالهجرة إلى مكان آخر لو اضطر أفرادها إلى لبس الثياب (١٨٠)، وكانت العادة حتى أواخر القرن الثامن عشر- على الأرجح- أن يسير الجنسان في الهند الجنوبية (ولا يزال الناس على هذه الحال في بالي) عراة فيما يعلو أوساطهم (١٨١)، وكان الأطفال يكتسون في الأغلب بخرزات وحلقات؛ ومعظم الناس يمشون حفاة الأقدام؛ وإن لبس الهندي الأصيل حذاء اتخذه من القماش، لأنه لا يجوز تحت أي ظرف أن ينتعل حذاء من الجلد؛ وعدد كبير من الرجال كان يكفيه من الثياب خرقة على ردفيه، فإذا أرادوا الزيادة من الغطاء لفوا أوساطهم بثوب، وطرحوا طرفه المرسل على الكتف اليسرى؛ وأما أهل راجبوت فكانوا يلبسون السراويل من كل لون وشكل، وصداراً مخروماً بمنطقة في أسفله، ولفاعاً حول الرقبة، وخفاً أو حذاء في القدم، وعمامة على الرأس؛ جاءتهم هذه العمامة مع المسلمين، ثم أخذها الهنود، وجعلوا من عاداتهم أن يلفوها لفاً متقناً حول رءوسهم في أشكال مختلفة تدل على طبقة لابسيها، لكنها في جميع الحالات تتألف من قماش حريري لا ينتهي طوله، تظل تفكه بغير نهاية كأنه مسحور، فقد يبلغ طول القماش في العمامة الواحدة إذا ما نشرته- سبعين قدماً (١٨٢)؛ ونساؤهم يلبسن أثواباً فضفاضة من حرير يسمونها "ساري" أو يلبسن "خداراً" من نسيج البلاد، يتلفعن به على أكتافهن، ويربطنه عند الوسط ربطاً وثيقاً، ثم يرسلنه على القدمين، وهن يتركن أحيانا جزءاً من أجسادهن البرونزية عارياً تحت الثديين؛ ومن عاداتهم كذلك أن يطلوا شعورهم بالزيت فيقيهم حرارة الشمس اللافحة؛ أما الرجال فيفرقون شعورهم في الوسط، ثم يجمعون أطرافه في حزمة خلف الأذن اليسرى، وأما النساء فيضفرن بعض شعرهن حوية فوق الرأس، ثم يرسلن بقية الشعر إرسالاً، وكثيراً ما يزينه بالزهور، أو يغطينه بلفاع؛ فكان لرجالهم هندام لطيف، ولفتياتهم جمال، وجميعهم
стр. 824
ذوو قوام رائع (١٨٣)، وكثيراً ما يكون الهندي من عامة الناس بقماشة ثوبه على ردفيه أكثر في طلعته جلالا من دبلوماسي أوربي كامل الثياب الرسمية.
ومن رأى "بييرلوتي": "أنه مما لا يحتمل جدالا أن جمال الجنس الآري يبلغ ذروة كماله ورقته في الطبقة العليا في الهند" (١٨٤) وكلا الجنسين ماهر في استخدام الدهون للتجمل. ونساؤهم يشعرن كأنما هن عراة إذا كن بغير حلى، وعندهم أن خاتماً يوضع في جانب الأنف الأيسر يدل على الزواج، وفي معظم الحالات، تراهم يرسمون على الجبهة رمزاً يدل على العقيدة الدينية.
وإنه لمن العسير أن تنفذ خلال هذه الظواهر الخارجية لتصف أخلاق الهنود، لأن كل شعب فيه خليط من فضائل ورذائل، وترى الزائرين يختارون من هذه ما يروقهم بحيث يؤيدون وجهة نظرهم أو يزينون روايتهم بما يمتع. يقول "الأب دبو": "أظن أن أبشع رذائلهم هي الخيانة والخداع والغش … وهي صفات شائعة بين الهنود جميعاً … ويقيناً إنك لن تجد على الأرض شعباً يستخف بحلف اليمين أو شهادة الزور كما يستخفون (١٨٥). ويقول "وستر مارك": "لقد قيل أن الكذب هو الرذيلة القومية عند الهنود" (١٨٦). ويقول ماكولي: "الهنود مخادعون متلونون" (١٨٧) فالكذب إذا اقترف بنية حسنة كان مغتفراً في رأي "مانو" وفي مواضعات الحياة العملية؛ فمثلاً إن كان قول الصدق سيؤدي إلى موت كاهن، فالكذب عندئذ له ما يبرره (١٨٨) لكن "يوان شوانج" يروى لنا فيقول: "إنهم لا يعرفون الخدع ويرعون التزاماتهم التي أقسموا عليها … وهم لا يعتدون على ما ليس لهم متعمدين، ويتنازلون عن حقوقهم أكثر مما تقتضي العدالة" (١٨٩). ويقول "أبو الفضل" الذي لا يذهب بهواه من الهنود، يقول عن هنود القرن السادس عشر: "إنهم متدينون، محببون إلى النفوس، مرحون، محبون للعدل، زاهدون في الحياة، قادرون في التجارة، يدعون للصدق، ويعترفون بالجميل، ويتصفون بالوفاء
стр. 825
الذي لا حد له" (١٩٠). ويقول عنهم "كير هاردي" الأمين: "إن أمانتهم مضرب الأمثال، فهم يقترضون ويقرضون، لا تلزمهم في ذلك إلا كلمة غير مكتوبة، ويكادون لا يعرفون عدم الوفاء للدين" (١٩١). ويقول قاض بريطاني في الهند: "لقد عرضت أمامي مئات القضايا التي كانت أملاك الفرد منهم وحريته وحياته متوقفة كلها على كذبة يقولها، ومع ذلك يأبى على نفسه الكذب" (١٩٢). فكيف لنا أن نوفق بين هذه الشهادات المتضاربة؟ يجوز أن يكون التوفيق بينها غاية في البساطة، وهو أن بعض الهنود أمين وبعضهم خائن.
وكذلك قل إن الهنود غاية في القسوة وغاية في الرقة في آن معاً؛ فلقد استحدثت اللغة الإنجليزية لفظة قصيرة قبيحة، استعارتها من تلك الجمعية السرية العجيبة- التي تكاد تكون طبقة اجتماعية- جمعية "الغادرين" التي ارتكبت في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر آلاف الجرائم الشنيعة، وذلك- كما قالوا- بغية تقديم هؤلاء الضحايا قرابين للإلهة "كالي" (١٩٣)، وأما الكلمة التي استحدثتها اللغة الإنجليزية لتدل على هؤلاء الغادرين فهي Jhugs وقد كتب عنهم "فنسنت سمث" بلغة ليست غربية عن عصرنا هذا، فقال:
"هذه العصابات توشك ألا تخشى أحداً، وتكاد تتمتع بحصانة تامة … فلها دائماً حماة أقوياء؛ ولقد هبط الشعور الخلقي عند الناس هبوطاً بحيث لا تشهد فيهم أثراً للجزع من هذه الجرائم المدبرة التي يقترفها هؤلاء "الغادرون"، وذلك أن هذه الفئة المجرمة قد انخرطت في مجرى أمور الحياة جزءاً منها لا يتجزأ؛ وقبل أن يفتضح سر هذه الجمعية، … كان يستحيل عادة أن تظفر بدليل يثبت الجريمة على هؤلاء الغادرين، حتى الذين اشتهروا منهم بين الناس" (١٩٣ أ).
ورغم ذلك فالجرائم في الهند قليلة نسبياً، وحوادث الاعتداء نادرة، فالعالم كله مجمع على أن الهنود من الوداعة بما أوشك أن يكون جبناً وضعفاً (١٩٤)
стр. 826
فهم يجاوزون الحدود في التزلف وحسن الطوية، وقد طحنتهم رحى الغزو والحكومات المستبدة الأجنبية زمناً امتد وطال إلى حد افقدهم القدرة على أن يكونوا من المقاتلين الأشداء، إلا إذا فهمنا القتال بمعنى احتمال الألم، عندئذ ترى لديهم من الشجاعة ما لا يشق لهم فيه غيار (١٩٥) ولعل أبشع سيئاتهم عدم المبالاة والكسل، ولو أن هاتين الصفتين في أعين الهنود ليستا من السيئات، بل هما ضرورتان للمناخ ومواءمة أنفسهم لجو بلادهم، مثل حلاوة الطبع، التي تتصف بها الشعوب اللاتينية؛ والحمى الاقتصادية التي جن بها الأمريكيون؛ والهنود حساسون، عاطفيون، ذوو أهواء وأصحاب خيال؛ ولذلك تراهم أبرع في الفن والشعر منهم في الحكم والتنفيذ، فلئن وجدتهم يستغلون بعضهم بعضاً استغلالاً فيه من الشدة والعنف ما تلمسه في المستغلين بسواهم في أي بلد من بلاد العالم، فقد كانوا كذلك يتصفون بسخاء لا يقف عند حد، وهم أكرم أهل الأرض للضيف، إذا ما غضضت النظر عن الشعوب الهمجية الأولى (١٩٦) فحتى أعداؤهم لا يسعهم إلا الاعتراف بحسن مجاملتهم (١٩٧)؛ وهذا هو إنجليزي سمح الأخلاق يلخص لنا تجاربه الطويلة فيعزو للطبقات العليا من أهل كلكتا "آداب السلوك المهذبة ووضوح التفكير وكماله وشعور التسامح والتمسك بالمبدأ، مما يطبعهم بطابع السادة المهذبين في أي بلد من بلاد العالم" (١٩٨).
والعبقرية الهندية في عين الغريب عن البلاد تبدو حزينة سوداء، ولاشك في أن الهنود لم يصادفهم في الحياة كثير مما يبرر لهم المرح؛ وتشير محاورات بوذا إلى أنواع كثيرة مختلفة من اللعب، بينها لعبة شديدة الشبه جداً بلعبة الشطرنج%=@الشطرنج من القدم بحيث ترى نصف الشعوب القديمة تدعيه لنفسها، لكن الرأي السائد بين الباحثين في منشأ هذه اللعبة هو أنها نشأت في الهند، ويقيناً أننا نجد هناك أقدم شبيه لها مما لا يحتمل الجدل (حوالي سنة ٧٥٠ م)، وكلمة شطرنج بالإنجليزية chess جاءت اشتقاقاً من الكلمة الفارسية شاه ومعناها ملك، وكلمة "كش الملك" بالإنجليزية Checkmate هي في الأصل "شاه مات" أي "مات الملك" ويسميه الفرس "شطرنج" ولقد أخذوا الكلمة واللعبة كليهما من الهند عن طريق العرب، وكانت اللعبة في الهند يطلق عليها اسم "شاطورنجا" ومعناها "الزوايا الأربع"- الفيلة والجياد والعربات الحربية والمشاة؛ ولا يزال العرب يسمون القطعة التي هي بالإنجليزية " Bishop" بالفيل (٢٠٠).
ويروى لنا الهنود أسطورة ممتعة يعللون بها نشأة اللعبة، فتقول هذه الأسطورة أنه في بداية القرن الخامس من التاريخ الميلادي، أساء ملك هندي إلى أعوانه المعجبين به من طبقتي البراهمة والكشاترية، وذلك بأن أهمل مشورتهم ناسيا أن حب الشعب له هو أرسخ دعامة لعرشه، فأخذ برهمي- يدعى سيسا- على نفسه أن يفتح عيني الملك الشاب باختراعه لعبة تكون فيها القطعة التي تمثل الملك- رغم سموها عما عداها في الجلال والقيمة (كما هي الحال في حروب الشرق) - إن تركت وحدها تكاد تتجرد من كل حول وقوة، ومن ثم جاءت لعبة الشطرنج؛ ولقد أعجب الملك باللعبة إعجابا دعاه إلى أن يطلب إلى سيسا أن يحدد لنفسه ما شاء من جزاء، فطلب سيسا في تواضع حفنة من أرز، وإنما يحدد مقدارها بأن توضع حبة واحدة من الأرز في المربع الأول من مربعات رقعة الشطرنج، وعددها أربعة وستون، ثم يضاعف في كل مربع لاحق عدد حبات الأرز في المربع السابق، فوافق الملك من فوره، لكنه سرعان ما دهش إذ رأى أن وعده ذاك يقتضي أن يدفع كل ما في ملكه، فانتهز "سيسا" هذه الفرصة السانحة، وأشار إلى مولاه كيف يمكن الملك أن يضل عن جادة السبيل إذا ازدرى رأي مستشاريه. @، لكن لا هذه الألعاب التي أعقبتها تدل على فرح
стр. 827
ومرح كاللذين تراهما في ألعاب الغربيين؛ وأدخل "أكبر" لعبة "البولو" (١) في الهند في القرن السادس عشر، التي جاءت على الأرجح من بلاد فارس ثم شقت طريقها عبر التبت إلى الصين واليابان (٢٠٢) وكان يمتعه أن يلعب بلعبة "باشيسي" (وهي التي تسمى اليوم بارشيسي) في مربعات تحفر في أرض فناء القصر في "أجرا" وكان يتخذ اللعبة قطعاً حية من الإماء الجميلات (٢٠٣).
وكانت الأعياد الدينية الكثيرة تخلع لوناً زاهياً على حياة الشعب، وأعظم هذه الأعياد "دورجا- بوجا" الذي يقام تكريماً للإلهة الكبرى أم الإلهات "كالي"، فيأخذ الهنود في الاحتفال والغناء عدة أسابيع قبل قدوم ذلك العيد؛ ثم يأتي يوم الحفل العظيم، فيسير موكب تحمل فيه كل أسرة تمثالاً للإلهة، ويتجه صوب الكنج حيث يلقون في النهر بتلك التماثيل الصغيرة، ثم يعود الجميع إلى ديارهم ليس على وجوههم شئ من علائم المسرح السابق (٢٠٤).
стр. 828
وأما الاحتفال "المقدس" الذي كانوا يقيمونه تكريماً للإلهة "فاسانتي" فقد كان يصطبغ بشيء من المجون، إذ يحملون- وهم مشاة في صف- رموزاً للعلاقة الجنسية يهزونها هزات تمثل حركات العملية الجنسية (٢٠٥) وكان وقت الحصاد في "شوتاناجبور" إيذاناً بإباحية خلقية "حيث يطّرح الرجال جانباً كل أوضاع التقاليد، ويخلع النساء عن أنفسهن كل حياء، ويترك للفتيات الحبل على الغارب يفعلن ما شئن بغير قيود"؛ وهناك قبيلة تدعى "بارجاني"- وهي طبقة من الفلاحين تسكن تلال "راج محل"- تقيم احتفالاً زراعياً كل عام، يباح فيه لغير المتزوجات أن ينغمسن في علاقات جنسية حرة من كل ضابط أو نظام (٢٠٦).
ولاشك أن في هذه الحفلات آثاراً من السحر الزراعي القديم، الذي كان مراده أن يزيد الأسر والحقول خصوبة؛ وأما حفلات الزواج التي تتمثل فيها أكبر حادثة في حياة الهندي، فقد كانت أكثر احتشاماً؛ وكم من أب جلب على نفسه الخراب في إعداد وليمة فاخرة بمناسبة زواج ابنته أو ابنه (٢٠٧).
وفي ختام الحياة يقام حفل ختامي- هو الاحتفال بإحراق جثمان الميت، فقد كانت الطريقة المألوفة في أيام بوذا هي الطريقة الزرادشتية في تعريض الجثة لسباع الطير؛ إلا إن كان الميت علماً من الأعلام البارزين، فعندئذ تحرق جثته بعد موته، على كومة من الحطب، ثم يدفن رماده في ضريح يحفظ ذكراه (٢٠٨) لكن هذه الطريقة في إحراق الجثة عمت الناس جميعاً فيما بعد، حتى لترى كل ليلة حطباً يجمع ويكوم لإحراق الموتى؛ وفي عصر "يوان شوانج" لم يكن من الحوادث النادرة أن يقبل الكهول المتقدمون في السن على الموت راضين، فيطلبوا إلى أبنائهم أن يسبحوا بهم في زورق على نهر الكنج إلى منتصفه حيث يقذفون بأنفسهم في نهر الخلاص (٢٠٩) ومثل هذا الانتحار في ظروف معينة قد صادف في الشرق قبولاً أكثر مما صادف في الغرب؛ فكان مباحاً في عهد "أكبر" للكهول وللمرضى الذين لا رجاء
стр. 829
في شفائهم، ولأولئك الذين ابتغوا تقديم أنفسهم قرباناً للإلهة؛ وأن بين الهنود آلافاً كان آخر عبادتهم أن يجيعوا أنفسهم حتى الفناء، أو أن يدفنوا أنفسهم في الثلج، أو يهيلوا على أنفسهم روث البقر ثم يشعلوا فيه النار، أو أن يتركوا أنفسهم للتماسيح تلتهمهم عند مصب الكنج؛ ولقد نشأ بين البراهمة نوع من "الهاراكيري" (وهو اسم للانتحار عند اليابانيين يأتونه تخلصاً من عار) فينتحر المنتحر ليرد عن نفسه أذى أو يحتج على إهانة؛ وحدث أن فرض أحد ملوك راجبوت ضريبة على طبقة الكهنة، فطعن عدد كبير من أغنى البراهمة أنفسهم انتحاراً بين يديه، وهم يستنزلون عليه لعنة هي في زعمهم أبشع اللعنات وأشدها أثراً- ألا وهي لعنة يستنزلها كاهن وهو يلفظ الأنفاس الأخيرة؛ وتنص كتب التشريع البرهمي على أن من أراد أن ينتزع روحه بيده، عليه صيام ثلاثة أيام، وأما من حاول الانتحار وفشل في إنجازه فعليه أن يؤدي أقسى ما عرفوه من كفارة وتوبة (٢١٠)، إلا أن الحياة مسرح له مدخل واحد ومخارج عدة.
стр. 830
الباب الثامن عشر
فردوس الآلهة
لم تبلغ العقيدة الدينية من القوة أو الأهمية في أي قطر من أقطار الأرض ما بلغته في الهند؛ فلئن أباح الهنود لحكومات أجنبية أن تقوم عليهم مرة بعد مرة، فبعض السبب في ذلك هو أنهم لم يأبهوا كثيراً من ذا عسى أن يحكمهم أو أن يستغلهم- فسواء أكان هؤلاء من بني وطنهم أم من الأجانب- ذلك لأن الأمر الخطير في رأيهم هو الدين، لا السياسة؛ الروح لا البدن، هو الحيوات الآتية التي لا نهاية لعددها، لا هذه الحياة العابرة؛ وأن قوة الدين وتمكنها من أقوى الرجال بأساً لتظهر جلية في اصطناع "أشوكا" حياة القديسين، وفي إقبال " أكبر" على الديانة الهندية إقبالاً كاد يكون تاماً؛ وهانحن أولاء في عصرنا هذا نرى أن من وحد أجزاء الهند أمة واحدة رجل أقرب إلى القديسين منه إلى رجال السياسة.
стр. 831
الفصل الأول
الشطر الثاني من تاريخ البوذية
البوذية في أوجها- البلاغان - "ماهايانا" - البوذية
والرواقية والمسيحية - تدهور البوذية - انتشارها في
سيلان، وبورما، وتركستان، وتبت، وكمبوديا، والصين، واليابان
بلغت البوذية أوج رفعتها في الهند بعد موت "أشوكا" بمائتي عام؛ وقد كانت الفترة التي ارتفعت فيها البوذية من "أشوكا" إلى "هارشا" فترة صعود بمعان كثيرة، صعود في الدين والتعليم والفن؛ غير أن البوذية التي سادت لم تكن بوذية بوذا؛ والأقرب إلى الصواب أن نقول في وصفها أنها بوذية تلميذه الثائر "صَجاذا" الذي قال للرهبان عند سماعه بموت أستاذه: "كفى يا سادة! كفوا عن البكاء وعن الرثاء! فلقد تخلصنا من "سامانا" العظيم، لقد أسأمنا أن يقال لنا: هذا يجدر بكم وهذا لا يجدر، أما الآن ففي مقدورنا أن نصنع ما شاء لنا هوانا، وأما ما لا يصادف من نفوسنا هوى، فلن يلزمنا أحد على أدائه" (١).
وأول ما أوحت لهم حريتهم أن يصنعوه هو أن ينشقوا أحزاباً؛ فلم يمض على موت بوذا قرنان من الزمان، حتى انقسم تراثه ثمانية عشر مذهباً متبايناً فأما أتباع البوذية في جنوب الهند وجزيرة سيلان، فقد استمسكوا حيناً بمذهب صاحب العقيدة في بساطته وصفائه؛ وقد أطلق على هذه الشعبة من مذهبه فيما بعد اسم "هنايانا" ومعناها "البلاغ الأصغر"؛ فقد عبدوا بوذا باعتباره معلماً عظيماً، لا إلهاً؛ وكان كتابهم المقدس هو النصوص المكتوبة باللغة "الباليّة" التي تبسط العقيدة في صورتها القديمة؛ وأما في الأرجاء الشمالية من الهند والتبت ومنغوليا والصين واليابان، فالبوذية التي سادت هي التي يطلق عليها اسم "ماهايانا" ومعناها "البلاغ الأكبر" الذي رسم حدوده ونشر
стр. 832
دعوته "مجلس كانِشْكا"؛ فأعضاء هذا المجلس، وهم من اللاهوتيون الموهوبين (من الوجهة السياسية) قد أعلنوا ألوهية بوذا وأحاطوه بالملائكة والقديسين، واصطنعوا تقشف "اليوجا" الذي عرف في "باتانجالي" وأصدروا باللغة السنسكريتية مجموعة جديدة من المراسيم المقدسة التي على الرغم من قبولها بعد حين قصير للشقشقة الميتافيزيقية والاسكولاتية إلا أنها قد أعلنت وأيدت عقيدة دينية أقرب إلى نفوس الناس من الصورة السوداء المتشائمة المتزمتة التي عرفت في "شاكيا موني".
كان مذهب "ماهايانا" بوذية خففت من حدتها آلهة وطقوس وأساطير برهمية، ولاءمت بين نفسها وبين حاجات قبائل التتار في "كوش" والمنغول في التبت، الذين بسط عليهم "كاتشكا" سلطانه؛ فقد صور ذلك المذهب جنة فيها بوذيون كثيرون، كان أحبهم إلى عامة الناس "أميدا بوذا" المخلص؛ وهذه الجنة وجهنم التي تقابلها كانتا ثواباً أو عقاباً لما يأتيه الناس على هذه الأرض من خير أو شر؛ وهذان العاملان الرادعان كان لهما أثر في تحويل بعض جنود الملك من رقابة سلوك الناس إلى خدمات أخرى؛ وأعظم القديسين في هذا اللاهوت الجديد هم فئة "بوذا بساتوا" ومعناها "بوذا المستقبل" الذين امتنعوا باختيارهم عن القيام بالنرفانا (ومعناها هنا التخلص من العودة إلى ولادة جديدة) التي كانت من حقهم وفي مقدورهم، وذلك لكي يولدوا في حياة بعد حياة، فيساعدوا غيرهم من الناس في هذه الدنيا والاهتداء إلى سواء السبيل (١) وهؤلاء القديسون (مثلهم مثل نظائرهم في مسيحية البحر الأبيض المتوسط- سرعان ما ظفروا بحب الناس لهم حتى كاد عبادهم والمعجبون بهم من رجال الفن يزحمون بهم وبتماثيلهم مدافن العظماء؛ وازدهرت في البوذية كما ازدهرت في مسيحية العصور الوسطى- بل لعلها ظهرت في
стр. 833
البوذية في تاريخ أسبق (١) - قدسية الآثار الباقية من السلف، واستخدم الماء المقدس، والشموع، والبخور، والمسبحة، والثياب الكهنوتية، ولغة الكهنوت الميتة، والرهبان والراهبات وقص الشعر والفردية مما تقتضيه حياة الأديرة والاعتراف والصيام أياماً معينة، وتدشين القديسين والتطهير والصلاة والدعاء للموتى؛ ولقد أصبح كتاب "ماهايانا" بالقياس إلى "هنايانا" أي البوذية الأولى ما كانت الكاثوليكية بالنسبة إلى الرواقية والمسيحية الأولى؛ فقد أخطأ بوذا- كما أخطأ لوثر- في ظنه أن شعائر الطقوس الدينية العلمية يمكن أن تحل محلها المواعظ والدروس الأخلاقية؛ وما أقرب الشبه بين نجاح البوذية حين امتلأت بالأساطير والمعجزات والاحتفالات والقديسين الذين يتوسطون بين الأرض والسماء بالنجاح الذي لقيته الكاثوليكية قديماً وحاضراً، لما فيها من زخرف وتمثيل، وانتصارها على المسيحية الأولى والبروتستنتية الحديثة في بساطتها الخالية من كل زخرف.
وإيثار عامة الناس لتعدد الآلهة والمعجزات والأساطير، هذا الإيثار نفسه الذي قضى على بوذية بوذا، قضى كذلك في نهاية الأمر على بوذية " البلاغ الأكبر " نفسها في الهند؛ ذلك لأن البوذية- ودعنا هاهنا نتحدث بحكمة المؤرخ التي تشرق بعد فوات الحوادث- إذا كانت لا تأخذ كل هذا الذي أخذته من الديانة الهندية ومن أساطيرها وطقوسها وآلهتها، فما كان ليمضى وقت طويل قبل أن تنمحي الفوارق بين الديانتين ولا يبقى من مميزات الواحدة من الأخرى إلا قليل جد قليل؛ وإذن تمتص إحداهما الأخرى شيئاً فشيئاً، والتي يتاح لها أن تطغي على الأخرى هي التي تكون أعمق الديانتين جذوراً
стр. 834
وأقربها إلى نفوس الناس وأكثرها مالاً وأعزها سنداً سياسياً؛ لهذا أخذت الخرافة- ولعلها أن تكون من جنسنا البشري بمثابة دماء الحياة- أخذت تتدفق من العقيدة الأقدم إلى العقيدة الأحدث تدفقاً سريعاً، حتى رأينا الظواهر الجنسية الانفعالية نفسها التي كانت من طقوس العقائد "الشاكتية" تلتمس لنفسها مكاناً في طقوس البوذية واستعاد البراهمة في صبر ودأب نفوذهم ورعاية السلطان لهم شيئاً فشيئاً؛ وأخيراً جاء نجاح الفيلسوف الشاب "شانكارا" في استعادة الكلمة العليا لكتب الفيدا، وجعلها أساسا للتفكير الهندي، بمثابة الخاتمة لزعامة البوذيين العقلية في الهند.
وجاءت الضربة القاضية من الخارج، وكانت البوذية نفسها هي التي هيأت لهذه الضربة سبيلها، على وجه من الوجوه؛ ذلك أن حسن السمعة التي كان يتمتع بها أتباع بوذا، واسمهم "سانفا" قد اجتذب إلى تلك الفئة- بعد عهد أشوكا- صفوة أهل "مجازا" وبهذا قضى على خير دماء القوم أن تفنى في طائفة من رجال الدين لا تتزوج ولا تجاهد في الحياة، فشكا بعض المحبين لوطنهم، حتى في أيام بوذا نفسه، من أن الراهب "جوتاما" لا يسمح للآباء أن ينسلوا الأبناء، ويؤدي بالأسر إلى الانقراض (٥)؛ وكان من نتائج انتشار البوذية ونظام الأديرة في السنة الأولى من التاريخ المسيحي، أن امتصت من الهند عصارة الرجولة، وتآمر ذلك العامل مع عامل الانقسام السياسي، فأدى العاملان إلى فتح أبواب الهند للغزو الخارجي بغير عناء؛ ولما جاء العرب وأخذوا على أنفسهم أن ينشروا وحدانية بسيطة رواقية النزعة، نظروا في ازدراء إلى الرهبان البوذيين الكسالى الذي يفتحون أيديهم للرشوة ويتجرون بالمعجزات؛ وحطموا الأديرة وقتلوا ألوف الرهبان، ونفروا كل حريص على حياته من نظام الرهبنة في الدير، فأما من أفلتوا من يد القتل من هؤلاء الرهبان، فقد عادوا واندمجوا في الديانة الهندية التي كانت الأرومة الأولى
стр. 835
لهم؛ وفتحت هذه الديانة القديمة الأصلية صدرها تستقبل هؤلاء الزنادقة التائبين، وهكذا "قتلت البرهمية البوذية بضمة أخوية" (٦).
ولا عجب فقد كانت البرهمية دائماً متسامحة، تجادل البوذية وغيرها من مئات المذاهب إبان ارتفاعها وسقوطها، بل قد تطيل معها الجدال، لكنك لن تجد في تاريخها كله مثلاً واحداً للاضطهاد، بل الأمر على نقيض ذلك، إذ ترى البرهمية قد يسرت سبيل العودة لهؤلاء الخارجين عليها أن اعترفت ببوذا إلهاً (اعتبرته مجسداً للإله فشنو) وأقلعت عن التضحية بالحيوان، وقبلت في صميم طقوسها مذهب البوذيين في تقديس حياة الحيوان بأسره؛ وهكذا أخذت البوذية تختفي في هدوء وسلام من الهند، إبان خمسة قرون كانت خلالها نهباً لعوامل التدهور البطيء (١).
لكنها في ذلك الوقت نفسه كانت تكسب لنفسها كل ماعدا الهند من العالم الآسيوي تقريباً؛ فانتشرت أفكارها وأدبها وفنها في سيلان وشبه جزيرة الملايو في الجنوب، وفي التبت وتركستان في الشمال، وفي بورما وسيام وكمبوديا والصين وكوريا واليابان في الشرق؛ وعلى هذا النحو امتصت كل هذه الأصقاع- ماعدا الشرق الأقصى- ما استطاعت امتصاصه وهضمه من المدنية؛ بنفس الطريقة التي امتصت بها أوربا وروسيا الحضارة من الرهبان الرومانيين والبيزنطيين في العصور الوسطى؛ فمعظم هذه الأمم قد بلغ ذروة ثقافته بحافز من البوذية؛ ولقد لبثت "أنورا ذابورا" في سيلان من منذ عهد أشوكا حتى انحلال البوذية في القرن التاسع، إحدى المدن الكبرى في العالم الشرقي، وظل الناس هناك ألفي عام يعبدون شجرة التين المقدسة عند
стр. 836
البوذيين، وكان المعبد القائم على قمة جبال كاندي كعبة يحج إليها مائة وخمسون مليوناً من البوذيين في آسيا (١).
ولعل البوذية في بورما أخلص ما بقي من ألوان البوذية من الشوائب الدخيلة، وكثيراً ما يدنوا رهبانها من المثل الأعلى الذي ضربه بوذا؛ واستطاع أهل بورما البالغ عددهم ثلاثة عشر مليوناً من الأنفس أن يبلغوا بفضل تعاليم أولئك الرهبان مستوى من العيش أعلى مما في الهند بدرجة ملحوظة (٧)؛ وكشف "سفن هيدن" و "أورل شتاين" و "بليوت" من جوف الرمال في بلاد التركستان مئات من المحفوظات البوذية وغيرها من شواهد الثقافة التي ازدهرت هناك منذ عهد "كانشكا" حتى القرن الثالث عشر الميلادي.
وحدث في القرن السابع من تاريخنا المسيحي أن أقام المحارب المتنور "سترونج- تسانجامبو" حكومة قادرة في التبت وضم إليها ينبال، وبنى مدينة "لهاسا" لتكون عاصمة لها، وهيأ لها طريق الغنى بجعلها محطاً وسطاً في التجارة بين الصين والهند، ودعا طائفة من الرهبان البوذيين من الهند لينشروا البوذية والتعليم في شعبه، وعندئذ ترك الحكم أربعة أعوام أنفقها في تعلم القراءة والكتابة؛ فكأنما كان فاتحة عهد ذهبي في بلاد التبت؛ فأقيمت آلاف الأديرة في الجبال وعلى النجد الفسيح، ونشر كتاب تشريعي يضم الكتب البوذية، ويقع في ثلاثة وثلاثين وثمانمائة مجلد، حفظت للعلم الحديث كثيراً من أحوال هذه الكتب التي كانت قد ضاعت أصولها الهندية منذ زمن طويل (٨)، وهاهنا، في هذه الصومعة التي أغلقت أبوابها دون العالم بأسره، راحت البوذية تتطور في شبكة معقدة من الخرافات والرهبنة والكهنوت، لا ينافسها في ذلك سوى
стр. 837
أوربا في أوائل عصورها الوسطى؛ ولا يزال "دالاي لاما" (أي الكاهن الشامل لكل شيء) الذي اختفى في دير بوتالا العظيم الذي يطل على مدينة لهاسا، موضع عقيدة عند أهل التبت، بما تنطوي عليه نفوسهم من السذاجة الطيبة، بأنه تجسيد حي "لبوذا المستقبل" (بوذا المنتظر) (٩)؛ وفي كمبوديا والهند الصينية تعاونت البوذية مع الديانة الهندية في تخطيط الإطار الذي قامت عليه روائع الفن في عصر هو من أغنى العصور في تاريخ الفن الشرقي؛ وهكذا ترى البوذية- مثل المسيحية- قد ظفرت بأعظم انتصاراتها خارج الأرض التي أنبتتها، وإنما ظفرت بتلك الانتصارات دون أن تريق نقطة واحدة من دماء.
стр. 838
الفصل الثاني
الآلهة الجديدة
الديانة الهندية - براهما، فشنو، شيفا - كرشنا - كالي
الآلهة الحيوانية - البقرة المقدسة - تعدد الآلهة والوحدانية
لم تكن الديانة الهندية التي حلت محل البوذية ديانة واحدة، كلا ولا كانت مقتصرة على كونها عقيدة دينية؛ بل كانت خليطاً من عقائد وطقوس لا يشترك القائمون بها في أكثر من أربع صفات؛ فهم يعترفون بنظام الطبقات وبزعامة البراهمة، وهم يقدسون البقرة باعتبارها تمثل الألوهية على نحو تمتاز به من سواها، وهم يقبلون قانون "كارما" وتناسخ الأرواح، وهم يضيفون إلى آلهتهم الجديدة آلهة الفيدات؛ ولقد كان بعض هذه العقائد أسبق من عبادة الطبيعة التي جاءت بها الفيدا، كما ظلت قائمة بعد زوال تلك العبادة، وأما بعضها الآخر فقد نشأ من أن البراهمة كانوا يغضون أبصارهم عن ضروب من الطقوس والآلهة والعقائد لم ينص عليها كتابهم المقدس، بل تناقضه روح الفيدا مناقضة ليست باليسيرة؛ فأتيحت الفرصة لتلك العقائد أن تنضج في وعاء الفكر الديني عند الهنود، ومضت في نضجها ذاك حتى في الفترة العابرة التي ارتفعت فيها البوذية إلى مكان السيادة العقلية في البلاد.
كان آلهة العقيدة الهندية يتميزون بكثرة أعضائهم الجسدية التي يمثلون بها على نحو غامض قدرتهم الخارقة في العلم والنشاط والقوة؛ "فبراهما" الجديد كان له أربعة وجوه، وكان لـ "كارتكيا" ستة وجوه، ولـ "شيفا" ثلاثة أعين، ولـ "هندرا" ألف عين؛ وكل إله عندهم تقريباً كان له أربع أذرعة (١٠) وعلى رأس هذه المجموعة الجديدة من الآلهة "براهما" الذي كان له من الشهامة ما أبعده عن الميل مع الهوى، وهو سيد الآلهة المعترف له بتلك السيادة، على الرغم
стр. 839
من أنه مهمل في شعائر العبادة الفعلية إهمال الملك الدستوري في أوربا الحديثة؛ و"براهما" و"شيفا" و"فشنو" هم الثلاثة الآلهة (لا الثالوث) الذي يسيطرون على الكون، وأما "فشنو" فهو إله الحب الذي كثيراً ما انقلب إنسانا ليتقدم بالعون إلى بني الإنسان؛ وأعظم من يتجسد فيه "فشنو" هو "كرشنا"، وهو في صورته "الكرشنية" هذه، قد ولد في سجن وأتى بكثير من أعاجيب البطولة والغرام، وشفى الصم والعمي، وعاون المصابين بداء البرص، وذاد عن الفقراء، وبعث الموتى من قبورهم؛ وكان له تلميذ محبب إلى نفسه، وهو "أرجونا"، وأمام "أرجونا" تبدلت خلقة "فشنو" حالاً بعد حال؛ ويزعم بعض الرواة أنه مات مطعوناً بسهم، ويزعم آخرون أنه قتل مصلوباً على شجرة؛ وهبط إلى جهنم ثم صعد إلى السماء، على أن يعود في اليوم الآخر ليحاسب الناس أحياءهم وأمواتهم (١١).
الحياة، بل الكون كله، لها في رأي الهندي ثلاثة وجوه رئيسية: الخلق، والاحتفاظ بالمخلوق، ثم الفناء؛ ومن ثم كان للألوهية عنده ثلاث صور: براهما الخالق، وفشنو الحافظ، وشيفا المدمر؛ تلك هي "الأشكال الثلاثة" التي يقدسها الهنود أجمعين ماعدا الجانتيين منهم (١)؛ والناس منقسمون بحبهم طائفتين: إحداهما تميل إلى ديانة فشنو، والأخرى إلى ديانة شيفا؛ وكلتا العقيدتين بمثابة الجارتين المسالمتين، بل قد تتقدم كلتاهما بالقرابين في معبد واحد (١٣)، والحكماء من البراهمة- تتبعهم الأكثرية العظمى من سواد الناس- تكرم الإلهين معاً بغير تمييز لأحدهما؛ أما الفشنيون الأتقياء فيرسمون
стр. 840
على جباههم كل صباح بالطين الأحمر علامة فشنو، وهي شوكة ذات أسنان ثلاث؛ وأما الشيفيون المخلصون لعقيدتهم فيرسمون ثلاثة خطوط أفقية على جباههم برماد من روث البقر، أو يلبسون "اللنجا"- رمز عضو الذكورة- ويربطونه على أذرعتهم أو يعلقونه حول أعناقهم (١٤).
وعبادة "شيفا" هي من أقدم وأعمق وأبشع العناصر التي منها تتألف الديانة الهندية؛ فيقدم لنا "سير جون مارشل" "دليلاً لا يأتيه الباطل" على أن عقيدة "شيفا" كانت موجودة في "موهنجو- دارو"، متخذة أحياناً صورة شيفا ذي الرءوس الثلاثة، وأحياناً أخرى صورة أعمدة حجرية صغيرة، يزعم لنا أنها ترمز لعضو الذكورة على نحو ما ترمز له عندهم بدائلها في العصر الحديث؛ وهو يخلص من ذلك إلى نتيجة هي أن "العقيدة الشيفية أقدم عقيدة حية في العالم كله" (١).
واسم الإله- أعني كلمة شيفا- لفظة أريد بها التخفيف من بشاعة هذا الإله، فالكلمة شيفا معناها الحرفي "العطوف" مع أن شيفا في حقيقة الأمر إله القسوة والتدمير قبل كل شئ آخر؛ هو تجسيد لتلك القوة الكونية التي تعمل واحدة بعد أخرى، على تخريب جميع الصور التي تتبدى فيها حقيقة الكون- جميع الخلايا الحية وجميع الكائنات العضوية، وكل الأنواع، وكل الأفكار وكل ما أبدعته يد الإنسان، وكل الكواكب، وكل شيء؛ ولم يسبق الهنود شعب قط في شجاعتهم في مواجهة الحقيقة التي هي عدم ثبات الأشياء على صورها ووقوف الطبيعة من كل شئ موقف الحياد، مواجهة صريحة؛ ولم يسبقهم شعب قط في اعترافهم اعترافاً واضحاً بأن الشر يتوازن مع الخير، والهدم
стр. 841
يساير الخلق خطوة خطوة، وأن ولادة الأحياء بأسرها جريمة كبرى عقابها الموت؛ فالهندي الذي تعذبه آلاف العوامل من عثرة الحظ والآلام، يرى في تلك الألوان من التعذيب أثراً ينم عن قوة نشيطة يمتعها- فيما يظهر- أن تحطم كل ما أنتجه براهما، وهو القوة الخالقة في الطبيعة؛ إن "شيفا" ليطرب راقصاً إذا ما سمع نغمة العالم فأدرك منها عالماً لا يني يتكون وينحل ويعود إلى التكون من جديد.
ولكن كما أن الموت عقوبة الولادة، فكذلك الولادة تخييب لرجاء الموت؛ فالإله نفسه الذي يرمز للتدمير، يمثل كذلك للعقل الهندي تلك الدفعة الجارفة نحو التناسل الذي يتغلب على موت الفرد باستمرار الجنس؛ وهذه الحيوية الخلاقة الناسلة (شاكتي) التي يبديها شيفا- أو الطبيعة- تتمثل في بعض جهات الهند، وخصوصاً في البنغال، في صورة زوجة شيفا، واسمها "كالي" (بارفاتي، أو أوما أو درجا) وهي موضع عبادة في عقيدة من العقائد الكثيرة التي تأخذ بمذهب "الشاكتي" هذا؛ ولقد كانت هذه العبادة- حتى القرن الماضي- وحشية الطقوس كثيراً ما تتضمن في شعائرها تضحية بشرية، لكن الآلهة اكتفت بعدئذ بضحايا الماعز (١٧)؛ وهذه الآلهة صورتها عند عامة الناس شبح أسود بفم مفغور ولسان متدل، تزدان بالأفاعي وترقص على جثة ميتة؛ وأقراطها رجال موتى، وعقدها سلسلة من جماجم، ووجهها وثدياها تلطخها الدماء (١٨) ومن أيديها الأربعة يدان تحملان سيفاً ورأساً مبتوراً، وأما اليدان الأخريان فممدودتان رحمة وحماية؛ لأن "كالي- بارفالي" هي كذلك الإله الأمومة كما أنها عروس الدمار والموت؛ وفي وسعها أن تكون رقيقة الحاشية كما في وسعها أن تكون قاسية، وفي مقدورها أن تبتسم كما في مقدورها أن تقتل؛ ولعلها كانت ذات يوم إلهة أماً في سومر، ومن ثم جاءت إلى الهند قبل أن تتخذ هذا الجانب البشع من جانبيها (١٩) ولاشك أنها هي وزوجها قد اتخذا أبشع صورة ممكنة لكي يلقيا الرعب في نفوس الرعاديد من
стр. 842
عبادها فيحتشموا، أو قد تكون هذه البشاعة كلها قد أريد بها أن يلقي الرعب في نفوس العباد فيجودوا بالعطاء للكهنة (١).
تلك هي أعظم آلهة الهندوسيين، لكنا لم نذكر إلا خمسة من ثلاثين مليوناً من الآلهة تزدحم بها مقبرة العظماء في الهند؛ ولو أحصينا أسماء هاتيك الآلهة لاقتضى ذلك مائة مجلد؛ وبعضها أقرب في طبيعته إلى الملائكة، وبعضها هو ما قد نسميه نحن بالشياطين، وطائفة منها أجرام سماوية مثل الشمس، وطائفة منها تمائم مثل "لاكشمي" (إلهة الحظ الحسن)، وكثير منها هي حيوانات الحقل أو طيور السماء؛ فالهندي لا يرى فارقاً بعيداً بين الحيوان والإنسان، فالحيوان روح كما للإنسان، والأرواح تمضي دواماً متنقلة من بني الإنسان إلى بني الحيوان، ثم تعود إلى بني الإنسان مرة أخرى؛ وكل هذه الصنوف الإلهية قد نسجت خيوطها في شبكة واحدة لا نهاية لحدودها، هي "كارما" وتناسخ الأرواح؛ فالفيل مثلاً قد أصبح الإله "جانيشا" واعتبروه ابن شيفا (٢١)، وفيه تتجسد طبيعة الإنسان الحيوانية، وكانت صورته في الوقت نفسه تتخذ طلسماً يقي حامله من الحظ السيئ؛ كذلك كانت القردة والأفاعي مصدر رعب، فكانت لذلك من طبيعة الآلهة؛ فالأفعى التي تؤدي عضة واحدة منها إلى موت سريع، واسمها "ناجا" كان لها عندهم قدسية خاصة؛ وترى الناس في كثير من أجزاء الهند يقيمون كل عام حفلاً دينياً تكريماً للأفاعي، ويقدمون العطايا من اللبن والموز لأفاعي "الناجا" عند مداخل جحورها (٢٢)؛ كذلك أقيمت المعابد تمجيداً للأفاعي كما هي الحال في شرقي ميسور، وهناك في هذه المعابد تسكن جموع زاخرة من الزواحف، ويقوم
стр. 843
الكهنة على إطعامها والعناية بها (٢٣)؛ وللتماسيح والنمور والطواويس والببغاوات، بل والفئران حقها من العبادة (٢٤).
وأكثر الحيوان قدسية عند الهندي هي البقرة، فنرى تماثيل الثيرة مصنوعة من كل مادة وفي شتى الأحجام تراها في المعابد والمنازل وميادين المدن؛ وأما البقرة نفسها فأحب الكائنات الحية جميعاً إلى الهنود، ولها مطلق الحرية في ارتياد الطرقات كيف شاءت، وروثها يستخدم وقوداً أو مادة مقدسة يتبركون بها، وبولها خمر مقدس يطهر كل ما في الجسم من نجاسة في الظاهر والباطن؛ ولا يجوز للهندي تحت أي ظرف أن يأكل لحمها أو أن يصطنع من جلدها لباساً يرتديه- فلا يصنع منه غطاء للرأس ولا قفازاً ولا حذاء؛ وإذا ماتت البقرة وجب دفنها بجلال الطقوس الدينية (٢٥)، ولعل السياسة الحكيمة هي التي رسمت فيما مضى هذا التحريم احتفاظاً للزراعة بحيوان الجر حتى يسد حاجة السكان الذين يتكاثرون (٢٦)، وقد بلغ عدد البقر اليوم ربع عدد السكان (٢٧) ووجهة نظر الهندي في ذلك هي أنه ليس أبعد عن المعقول أن تشعر بالحب العميق للبقرة والمقت الشديد لفكرة أكلها، من أن تكن أمثال هذه المشاعر للحيوانات المستأنسة من قطط وكلاب، لكن الذي يبعث على السخرية المرة في الأمر هو عقيدة البراهمة بأن الأبقار لا يجوز ذبحها قط، وأن الحشرات لا يحل إيذاؤها قط، وأن الأرامل من النساء ينبغي أن يحرقن أحياء؛ فحقيقة الأمر هي أن عبادة الحيوان قد ظهرت في تاريخ الشعوب كلها، فإن جاز للإنسان أن يؤلمه الحيوان اطلاقاً، فالبقرة الرحيمة الهادئة حقها في هذا التقديس؛ ولا يجوز لنا أن نغلو في كبريائنا حين تأخذنا الدهشة لهذه المعارض الحيوانية من آلهة الهنود، فلنا كذلك إبليس عدن في صورة حية، والثور الذهبي في العهد القديم من الإنجيل، والسمك المقدس في سراديب الموتى، وحمل الله الوديع.
إن سر تعدد الآلهة هو عجز العقل الساذج عن التفكير فيما ليس
стр. 844
مشخصاً؛ فأيسر عليه أن يفهم الأشخاص من أن يعقل القوى، وأن يفهم الإرادات من أن يتصور القوانين (٢٨)، والظن عند الهندي هو أن حواسنا البشرية لا ترى من الحوادث التي تدركها سوى ظاهرها، ويعتقد أن وراء هذه الظواهر كائنات روحية لا حصر لعددها، يمكن إدراكها بالعقل لا بالحواس- على حد تعبير "كانت"؛ ولقد أدى تسامح البراهمة ذو المسحة الفلسفية، إلى الزيادة من ذخيرة آلهتهم حتى ازدادت كثرة على كثرة، وذلك أن الآلهة المحليين وآلهة القبائل المختلفة قد صادفت عند الهندي سهلاً ومرحباً، فقبلها وفسرها بأنها جميعاً تصور جوانب من آلهته الأصلية؛ فكل عقيدة يسمح لها بالدخول عندهم إن كان في مستطاعها أن تدفع الضريبة على ذلك؛ حتى كاد كل إله آخر الأمر أن يكون صورة أو صفة أو تجسيداً لإله آخر، ثم تناول العقل الهندي الرشيد كل هذه الآلهة فدمجها في إله واحد؛ هكذا تحول تعدد الآلهة إلى عقيدة بوحدة الوجود، أوشكت عندهم أن تكون توحيداً، والتوحيد بدوره أوشك أن يكون عندهم واحدية فلسفية؛ فكما يتوجه المسيحي الورع بالدعاء إلى العذراء، أو إلى قديس من آلاف القديسين ومع ذلك لا يتحول عن توحيده لله، بمعنى أنه لا يعترف إلا بإله واحد على أنه ذو الجلال الأسمى، فكذلك الهندي يتوجه بالدعاء إلى "كالي" أو "راما" أو "كرشنا" أو "جانيشا" دون أن يتطرق إلى ذهنه لحظة واحدة أن هذه آلهة لها السيادة العليا (١) فترى بعض الهنود يتخذ من "فشنو" إلهاً أعلى، وبعضهم يتخذ من "شيفا" إلهاً أعلى، ويجعل فشنو أحد ملائكته؛ وإذا وجدت بين الهنود أقلية تعبد "براهما" فما ذلك إلا لأنه مجرد عن التشخص، ممتنع على الحواس، بعيد عن البشر، ولهذا السبب عينه ترى معظم الكنائس في البلاد المسيحية قد أقيمت تكريماً لمارية أو لأحد القديسين، وكان على المسيحية أن تنتظر حتى يجيئها فولتير فيقيم معبداً لله.
стр. 845
الفصل الثالث
العقائد
كتب "بيورانا" - عودة الكون بالتناسخ مرة بعد مرة
تقمص الروح في عدة أجساد - "كارما" - جوانبها
الفلسفية - الحياة باعتبارها شراً - الخلاص
ويمتزج بهذا اللاهوت المعقد، مجموعة معقدة من الأساطير فيها التخريب وفيها عمق الفكرة في آن معاً؛ فلما كانت كتب الفيدا قد دفنت في اللغة التي كتبت بها، ثم لما كانت فلسفة البراهمة الميتافيزيقية تجاوز حدود أفهام الناس، فقد نهض "فياسا" وآخرون في مدة تطاولت إلى ألف عام (من ٥٠٠ ق. م إلى ٥٠٠ م) وأنشئوا كتب "بيورانا"- ومعناها القصص القديمة- أنشئوها شعراً في أربعمائة ألف دوبيت (الدوبيت بيتان من الشعر) يعرضون فيها لعامة الناس حقيقة خلق العالم بصورتها الدقيقة، وما يطرأ عليه من مراحل الكون والفساد المتعاقبة على فترات دورية، ونسب الآلهة، وتاريخ عصر البطولة؛ وليست تدعي هذه الكتب لنفسها قالباً أدبياً ولا نظاماً منطقياً، ولا اعتدالاً في تقدير الأشياء بالأعداد، من ذلك مثلاً أنها تذكر عن الحبيبين "إرفاشي" و "بورورافاس" أنهما قضيا واحداً وستين ألف عام في سرور وغبطة (٣٠)؛ لكنها مع ذلك أصبحت للديانة الهندية إنجيلاً ثانياً لوضوح لغتها وروعة قصصها وسلامة العقيدة التي تشرحها، كما أصبحت تلك الكتب للديانة الهندية مستودعاً عظيماً لخرافاتها وأساطيرها، بل وفلسفتها؛ فهناك على سبيل المثال قطعة من "فشنوبورانا" تعبر عن أقدم فكرة جالت برأس الهندي وما فتئت تعاوده على طول الزمن- وأعني بها الفكرة القائلة بأن استقلال الأفراد في ذوات منفصل بعضها عن بعض، وهم، وأن الحياة كلها حقيقة واحدة: