يساير الخلق خطوة خطوة، وأن ولادة الأحياء بأسرها جريمة كبرى عقابها الموت؛ فالهندي الذي تعذبه آلاف العوامل من عثرة الحظ والآلام، يرى في تلك الألوان من التعذيب أثراً ينم عن قوة نشيطة يمتعها- فيما يظهر- أن تحطم كل ما أنتجه براهما، وهو القوة الخالقة في الطبيعة؛ إن "شيفا" ليطرب راقصاً إذا ما سمع نغمة العالم فأدرك منها عالماً لا يني يتكون وينحل ويعود إلى التكون من جديد.
ولكن كما أن الموت عقوبة الولادة، فكذلك الولادة تخييب لرجاء الموت؛ فالإله نفسه الذي يرمز للتدمير، يمثل كذلك للعقل الهندي تلك الدفعة الجارفة نحو التناسل الذي يتغلب على موت الفرد باستمرار الجنس؛ وهذه الحيوية الخلاقة الناسلة (شاكتي) التي يبديها شيفا- أو الطبيعة- تتمثل في بعض جهات الهند، وخصوصاً في البنغال، في صورة زوجة شيفا، واسمها "كالي" (بارفاتي، أو أوما أو درجا) وهي موضع عبادة في عقيدة من العقائد الكثيرة التي تأخذ بمذهب "الشاكتي" هذا؛ ولقد كانت هذه العبادة- حتى القرن الماضي- وحشية الطقوس كثيراً ما تتضمن في شعائرها تضحية بشرية، لكن الآلهة اكتفت بعدئذ بضحايا الماعز (١٧)؛ وهذه الآلهة صورتها عند عامة الناس شبح أسود بفم مفغور ولسان متدل، تزدان بالأفاعي وترقص على جثة ميتة؛ وأقراطها رجال موتى، وعقدها سلسلة من جماجم، ووجهها وثدياها تلطخها الدماء (١٨) ومن أيديها الأربعة يدان تحملان سيفاً ورأساً مبتوراً، وأما اليدان الأخريان فممدودتان رحمة وحماية؛ لأن "كالي- بارفالي" هي كذلك الإله الأمومة كما أنها عروس الدمار والموت؛ وفي وسعها أن تكون رقيقة الحاشية كما في وسعها أن تكون قاسية، وفي مقدورها أن تبتسم كما في مقدورها أن تقتل؛ ولعلها كانت ذات يوم إلهة أماً في سومر، ومن ثم جاءت إلى الهند قبل أن تتخذ هذا الجانب البشع من جانبيها (١٩) ولاشك أنها هي وزوجها قد اتخذا أبشع صورة ممكنة لكي يلقيا الرعب في نفوس الرعاديد من
стр. 842
عبادها فيحتشموا، أو قد تكون هذه البشاعة كلها قد أريد بها أن يلقي الرعب في نفوس العباد فيجودوا بالعطاء للكهنة (١).
تلك هي أعظم آلهة الهندوسيين، لكنا لم نذكر إلا خمسة من ثلاثين مليوناً من الآلهة تزدحم بها مقبرة العظماء في الهند؛ ولو أحصينا أسماء هاتيك الآلهة لاقتضى ذلك مائة مجلد؛ وبعضها أقرب في طبيعته إلى الملائكة، وبعضها هو ما قد نسميه نحن بالشياطين، وطائفة منها أجرام سماوية مثل الشمس، وطائفة منها تمائم مثل "لاكشمي" (إلهة الحظ الحسن)، وكثير منها هي حيوانات الحقل أو طيور السماء؛ فالهندي لا يرى فارقاً بعيداً بين الحيوان والإنسان، فالحيوان روح كما للإنسان، والأرواح تمضي دواماً متنقلة من بني الإنسان إلى بني الحيوان، ثم تعود إلى بني الإنسان مرة أخرى؛ وكل هذه الصنوف الإلهية قد نسجت خيوطها في شبكة واحدة لا نهاية لحدودها، هي "كارما" وتناسخ الأرواح؛ فالفيل مثلاً قد أصبح الإله "جانيشا" واعتبروه ابن شيفا (٢١)، وفيه تتجسد طبيعة الإنسان الحيوانية، وكانت صورته في الوقت نفسه تتخذ طلسماً يقي حامله من الحظ السيئ؛ كذلك كانت القردة والأفاعي مصدر رعب، فكانت لذلك من طبيعة الآلهة؛ فالأفعى التي تؤدي عضة واحدة منها إلى موت سريع، واسمها "ناجا" كان لها عندهم قدسية خاصة؛ وترى الناس في كثير من أجزاء الهند يقيمون كل عام حفلاً دينياً تكريماً للأفاعي، ويقدمون العطايا من اللبن والموز لأفاعي "الناجا" عند مداخل جحورها (٢٢)؛ كذلك أقيمت المعابد تمجيداً للأفاعي كما هي الحال في شرقي ميسور، وهناك في هذه المعابد تسكن جموع زاخرة من الزواحف، ويقوم
стр. 843
الكهنة على إطعامها والعناية بها (٢٣)؛ وللتماسيح والنمور والطواويس والببغاوات، بل والفئران حقها من العبادة (٢٤).
وأكثر الحيوان قدسية عند الهندي هي البقرة، فنرى تماثيل الثيرة مصنوعة من كل مادة وفي شتى الأحجام تراها في المعابد والمنازل وميادين المدن؛ وأما البقرة نفسها فأحب الكائنات الحية جميعاً إلى الهنود، ولها مطلق الحرية في ارتياد الطرقات كيف شاءت، وروثها يستخدم وقوداً أو مادة مقدسة يتبركون بها، وبولها خمر مقدس يطهر كل ما في الجسم من نجاسة في الظاهر والباطن؛ ولا يجوز للهندي تحت أي ظرف أن يأكل لحمها أو أن يصطنع من جلدها لباساً يرتديه- فلا يصنع منه غطاء للرأس ولا قفازاً ولا حذاء؛ وإذا ماتت البقرة وجب دفنها بجلال الطقوس الدينية (٢٥)، ولعل السياسة الحكيمة هي التي رسمت فيما مضى هذا التحريم احتفاظاً للزراعة بحيوان الجر حتى يسد حاجة السكان الذين يتكاثرون (٢٦)، وقد بلغ عدد البقر اليوم ربع عدد السكان (٢٧) ووجهة نظر الهندي في ذلك هي أنه ليس أبعد عن المعقول أن تشعر بالحب العميق للبقرة والمقت الشديد لفكرة أكلها، من أن تكن أمثال هذه المشاعر للحيوانات المستأنسة من قطط وكلاب، لكن الذي يبعث على السخرية المرة في الأمر هو عقيدة البراهمة بأن الأبقار لا يجوز ذبحها قط، وأن الحشرات لا يحل إيذاؤها قط، وأن الأرامل من النساء ينبغي أن يحرقن أحياء؛ فحقيقة الأمر هي أن عبادة الحيوان قد ظهرت في تاريخ الشعوب كلها، فإن جاز للإنسان أن يؤلمه الحيوان اطلاقاً، فالبقرة الرحيمة الهادئة حقها في هذا التقديس؛ ولا يجوز لنا أن نغلو في كبريائنا حين تأخذنا الدهشة لهذه المعارض الحيوانية من آلهة الهنود، فلنا كذلك إبليس عدن في صورة حية، والثور الذهبي في العهد القديم من الإنجيل، والسمك المقدس في سراديب الموتى، وحمل الله الوديع.
إن سر تعدد الآلهة هو عجز العقل الساذج عن التفكير فيما ليس
стр. 844
مشخصاً؛ فأيسر عليه أن يفهم الأشخاص من أن يعقل القوى، وأن يفهم الإرادات من أن يتصور القوانين (٢٨)، والظن عند الهندي هو أن حواسنا البشرية لا ترى من الحوادث التي تدركها سوى ظاهرها، ويعتقد أن وراء هذه الظواهر كائنات روحية لا حصر لعددها، يمكن إدراكها بالعقل لا بالحواس- على حد تعبير "كانت"؛ ولقد أدى تسامح البراهمة ذو المسحة الفلسفية، إلى الزيادة من ذخيرة آلهتهم حتى ازدادت كثرة على كثرة، وذلك أن الآلهة المحليين وآلهة القبائل المختلفة قد صادفت عند الهندي سهلاً ومرحباً، فقبلها وفسرها بأنها جميعاً تصور جوانب من آلهته الأصلية؛ فكل عقيدة يسمح لها بالدخول عندهم إن كان في مستطاعها أن تدفع الضريبة على ذلك؛ حتى كاد كل إله آخر الأمر أن يكون صورة أو صفة أو تجسيداً لإله آخر، ثم تناول العقل الهندي الرشيد كل هذه الآلهة فدمجها في إله واحد؛ هكذا تحول تعدد الآلهة إلى عقيدة بوحدة الوجود، أوشكت عندهم أن تكون توحيداً، والتوحيد بدوره أوشك أن يكون عندهم واحدية فلسفية؛ فكما يتوجه المسيحي الورع بالدعاء إلى العذراء، أو إلى قديس من آلاف القديسين ومع ذلك لا يتحول عن توحيده لله، بمعنى أنه لا يعترف إلا بإله واحد على أنه ذو الجلال الأسمى، فكذلك الهندي يتوجه بالدعاء إلى "كالي" أو "راما" أو "كرشنا" أو "جانيشا" دون أن يتطرق إلى ذهنه لحظة واحدة أن هذه آلهة لها السيادة العليا (١) فترى بعض الهنود يتخذ من "فشنو" إلهاً أعلى، وبعضهم يتخذ من "شيفا" إلهاً أعلى، ويجعل فشنو أحد ملائكته؛ وإذا وجدت بين الهنود أقلية تعبد "براهما" فما ذلك إلا لأنه مجرد عن التشخص، ممتنع على الحواس، بعيد عن البشر، ولهذا السبب عينه ترى معظم الكنائس في البلاد المسيحية قد أقيمت تكريماً لمارية أو لأحد القديسين، وكان على المسيحية أن تنتظر حتى يجيئها فولتير فيقيم معبداً لله.
стр. 845
الفصل الثالث
العقائد
كتب "بيورانا" - عودة الكون بالتناسخ مرة بعد مرة
تقمص الروح في عدة أجساد - "كارما" - جوانبها
الفلسفية - الحياة باعتبارها شراً - الخلاص
ويمتزج بهذا اللاهوت المعقد، مجموعة معقدة من الأساطير فيها التخريب وفيها عمق الفكرة في آن معاً؛ فلما كانت كتب الفيدا قد دفنت في اللغة التي كتبت بها، ثم لما كانت فلسفة البراهمة الميتافيزيقية تجاوز حدود أفهام الناس، فقد نهض "فياسا" وآخرون في مدة تطاولت إلى ألف عام (من ٥٠٠ ق. م إلى ٥٠٠ م) وأنشئوا كتب "بيورانا"- ومعناها القصص القديمة- أنشئوها شعراً في أربعمائة ألف دوبيت (الدوبيت بيتان من الشعر) يعرضون فيها لعامة الناس حقيقة خلق العالم بصورتها الدقيقة، وما يطرأ عليه من مراحل الكون والفساد المتعاقبة على فترات دورية، ونسب الآلهة، وتاريخ عصر البطولة؛ وليست تدعي هذه الكتب لنفسها قالباً أدبياً ولا نظاماً منطقياً، ولا اعتدالاً في تقدير الأشياء بالأعداد، من ذلك مثلاً أنها تذكر عن الحبيبين "إرفاشي" و "بورورافاس" أنهما قضيا واحداً وستين ألف عام في سرور وغبطة (٣٠)؛ لكنها مع ذلك أصبحت للديانة الهندية إنجيلاً ثانياً لوضوح لغتها وروعة قصصها وسلامة العقيدة التي تشرحها، كما أصبحت تلك الكتب للديانة الهندية مستودعاً عظيماً لخرافاتها وأساطيرها، بل وفلسفتها؛ فهناك على سبيل المثال قطعة من "فشنوبورانا" تعبر عن أقدم فكرة جالت برأس الهندي وما فتئت تعاوده على طول الزمن- وأعني بها الفكرة القائلة بأن استقلال الأفراد في ذوات منفصل بعضها عن بعض، وهم، وأن الحياة كلها حقيقة واحدة:
стр. 846
"جاء "ربهو" بعد ألف عام.
إلى "نداغا" في مدينته ليزيده علماً.
فرآه خارج المدينة.
في نفس اللحظة التي كان الملك فيها على وشك الدخول بحشد كبير من الأتباع،
رآه واقفاً على معبده، معتزلاً بنفسه عن الزحام،
ذاوي العنق من أثر الصيام، وكان في طريقه عائداً من الغابة ومعه بعض الوقود والكلأ
لما رآه "ربهو" قصد إليه وحياه قائلاً:
"أيها البرهمي! فيم وقوفك هاهنا وحيداً؟ "
فقال "نداغا": "انظر إلى الحشد محيطاً بالملك
الذي يوشك أن يدخل المدينة؛ هذا هو علة وقوفي وحيداً"
فقال "ربهو": "أي هؤلاء يكون الملك؟
ومن عسى أن يكون الآخرون؟
أنبئني فيبدو عليك أنك بالأمر عليم"
فقال "نداغا": "إن من يركب الفيل الأحمر، عالياً برأسه كأنه قمة الجبل
هذا هو الملك، والآخرون هم تابعوه".
فقال "ربهو": "إنك تشير إلى هذين، إلى الملك والفيل
دون أن تميز بينهما بفاصل
قل لي أين أجد الفاصل بين هذا وذاك؟
أريد أن أعلم أي هذين هو الملك، وأيهما يكون الفيل؟ "
فقال "نداغا": "الفيل أسفل، والملك من فوقه،
стр. 847
من ذا الذي لا يعلم علاقة الحامل بالمحمول؟ "
فقال "ربهو": "علمني ذلك فقد أستطيع تعلمه"،
ما هذا الذي تشير إليه بقولك "أسفل" وبقولك "فوقه"؟
فوثب نداغا من فوره على المعلم وخاطبه قائلاً:
"هاأنذا أعلمك ما أردت أن تتعلمه مني،
أنا "أعلى" مثل الملك وأنت "أسفل" مثل الفيل،
وإنما أسوق لك هذا المثل لأعلمك"
فقال ربهو: "إذا كنت في موضع الملك، وأنا في موضع الفيل
فما أزال أطلب منك أن تنبئني: أينُّا أنت أينُّا أنا؟ "
فما لبث نداغ أن جثا أمامه وأمسك بقدميه وقال:
"حقاً إنك "ربهو" أستاذي …
بجوابك هذا عرفت أنك أنت شيخي قد أتى "
فقال "ربهو": "نعم، جئت لأعلمك
لأنك فيما سبق أبديت استعداداً لخدمتي،
أنا هو "ربهو" قد جئت إليك
وهذا الذي علمتك إياه اختصاراً-
وهو صميم الحقيقة العليا- يتلخص في نفي الثنائية من الوجود" (١)
وبعد أن فرغ الشيخ "ربهو" من حديثه هذا مع نداغا، مضى لسبيله
ومن ثم أدار نداغا فكره- مهتدياً بهذا الدرس الرمزي الذي تعلمه- فركزه كله في اللاثنائية
стр. 848
ومن ذلك الحين أخذ ينظر في الكائنات كلها فلا يجد فيها ما يفرق شيئاً منها عن نفسه
وبهذا شاهد براهما، وحقق الخلاص الأعظم.
في كتب "بيورانا" هذه، وفي أمثالها من آثار الهند في عصورها الوسطى، تقرأ نظرية عن الكون بعينها النظرية التي يقول بها العصر الحديث؛ فليس هناك خلق بمعنى التكوين بعد العدم، إنما هو كون يعقبه فساد أبد الدهر، هو نماء يعقبه ذبول، دورة بعد دورة؛ كهذا الذي تراه متمثلاً في كل نبات في العالم وكل حيوان؛ والذي يحفظ مراحل هذه السيرة فلا تقف دورتها، هو براهما- أو إن شئت فقل براجاباتي كما يسمى الخالق في هذه الكتب التي نحن الآن بصددها- براهما هو القوة الروحية التي تفعل ذلك، ولسنا ندري كيف بدأ العالم، إن كانت للعالم بداية؛ يجوز أن يكون براهما- كما تذهب كتب بيورانا- قد جعل بداية العالم بيضة ثم احتضنها حتى أفرخت؛ ويجوز أن يكون هذا العالم غلطة عابرة من الصانع، أو فكاهة رأى فيها قليلاً من تسلية (٣٢)؛ وكل دورة- أو كالبا كما يسمونها- في تاريخ الكون منقسمة إلى عصور كبرى- ويسمون كل عصر منها ماهايوجا- طول الواحد منها ٠٠٠ ر ٣٢٠ ر ٤ عام؛ ثم ينقسم كل "ماهايوجا" إلى أربعة "يوجات"- أي عصور "يطرأ على الجنس البشري خلالها تدهور تدريجي؛ ولقد مضت ثلاثة أعصر من "الماهايوجا"- أي العصر الأعظم- الحاضر، بلغ مداها ٨٨٨ ر ٨٨٨ ر ٣ عام، ونحن الآن نعيش في العصر الرابع- ويسمونه "اليوجا الكالي" ومعناها عصر الشقاء؛ ومن هذه المرحلة الرابعة انسلخ ٠٣٥ ر ٥ عام، وبقى منها ٩٦٥ ر ٤٢٦ عام، وعندئذ يصيب العالم موت من ميتاته الدورية، بعدها يبدأ براهما يوماً آخر من "أيام براهما" وما يومه إلا "كالبا" أي دورة طولها ٠٠٠ ر ٠٠٠ ر ٣٢٠ ر ٤ عام؛ وفي كل دورة "كالبية" من هذه الدورات يتطور الكون بفعل العوامل الطبيعية ماراً بالخطوات الطبيعية، وبفعل العوامل
стр. 849
الطبيعية ماراً بالخطوات الطبيعية يعود إلى الانحلال، وفناء العالم كله لا يقل في يقينه عن موت فأر؛ وليس هناك غاية نهائية يتحرك كله في نظر الفيلسوف بأخطر من موت الفأر؛ وليس هناك غاية نهائية يتحرك نحوها الكون، أي ليس هناك "تقدم" بل كل ما هناك تكرار لا ينتهي (٣٣).
وحدث إبان هذه العصور صغراها أن تحولت بلايين الأنفس من نوع إلى نوع ومن جسم إلى جسم ومن حياة إلى حياة في دورات من التناسخ تبعث الملل لتكرارها؛ فليس الفرد فرداً في حقيقة أمره، وإنما هو حلقة في سلسلة الحياة، وصفحة واحدة من تاريخ نفس من الأنفس؛ والنوع من الأحياء ليس في حقيقة أمره نوعاً قائماً بذاته، لأن الأنفس الحالّة في هذه الزهور أو هذه البراغيث ربما كانت أمس، أو ربما تكون غداً، أرواحاً من أرواح البشر؛ فالحياة كلها واحدة؛ وإذن فالإنسان إن هو إلا إنسان إلى حد ما؛ لأنه كذلك حيوان، ولا تزال عالقة به نتف وأصداء من حيواته الدنيا الماضية، مما يجعله أقرب صلة بالحيوان منه إلى الحكيم من الناس؛ إن الإنسان جزء من طبيعة لا أكثر، فليس هو من هذه الطبيعة مركزها ولا سيدها (٣٤)، والحياة الواحدة في الفرد ليست إلا فصلاً واحداً من سيرة نفس واحدة، وليست هي كل ما تتألف منه هذه النفس؛ فكل صورة من صور الأحياء مصيرها التغير، وأما الحقيقة فدائمة وواحدة؛ والأبدان الكثيرة التي تحل فيها النفس واحداً بعد واحد، شبيه بالأعوام أو بالأيام في حياة الفرد الواحد، وقد تعلو بالنفس نحو النماء حيناً أو قد تهبط بها نحو الذبول حيناً آخر؛ فكيف يمكن لحياة الفرد الواحد، وهي على هذه الحالة من القصر في تيار الأجيال المتعاقبة العنيف الجارف، فكيف يمكن أن تشتمل على كل ما للنفس الفردة من تاريخ، أو أن تهيئ لها ما هي جديرة به من
стр. 850
عقاب أو ثواب على شرها أو خيرها؟ وإذا فرضنا للنفس خلوداً، فكيف يجوز لحياة واحدة قصيرة أن تقرر مصيرها إلى الأبد؟ (١)
يقول الهندي إن الحياة لا يمكن فهمها إلا على افتراض أن كل مرحلة من مراحل وجود النفس تعاني العذاب أو تتمتع بالثواب، جزاء وفاقاً لما وقع من النفس في حياة ماضية من رذيلة أو فضيلة؛ إذ يستحيل على فعل صغير أو كبير، خير أو شرير، أن يمضى بغير أثر؛ إن كل شئ لا بد له من أثر يظهر ذات يوم، ذلك هو قانون "كارما"- ومعناه قانون الفعل- أو قانون السببية في دنيا الروح، وهو أسمى قوانين العالم وأبشعها؛ فإذا أقام إنسان العدل، وكان رحيماً دون أن يقترف خطيئة، فيستحيل أن يجيء جزاؤه في مرحلة واحدة فانية من مراحل الحياة، بل يمتد نطاقه إلى حيوات أخرى يولد فيها ليكون ذا مكانة أعلى وحظ أوفر، لو ظل على فضيلته الأولى؛ أما إن عاش حياته عيش الرذيلة، أعيدت ولادته في حياة تالية منبوذاً أو ابن عِرْس أو كلباً (٢)، وقانون "كارما" هذا- مثل قانون القَدَر عند اليونان- هو فوق الآلهة والبشر معاً لأن الآلهة أنفسهم لا يستطيعون تغيير سننه التي يطّرد فعلها؛ أو إن شئت فقل ما قاله رجال اللاهوت، وهو أن "كارما" وإرادة الآلهة أو فعلها، شيء واحد بذاته (٣٨)، لكن ليس "كارما" و "القدر" بشيء واحد، لأن "القدر" يتضمن عجز الإنسان عن تقرير مصير نفسه، أما "كارما" فتجعل الإنسان (إذا أخذنا كل حيواته جملة واحدة) خالق مصير نفسه؛ وليست الجنة والجحيم بخاتمة ينتهي عندها فعل "كارما"، وهو سلسلة الولادات والميتات؛ نعم إن الروح بعد موت جسدها، يجوز
стр. 851
أن ترسل إلى الجحيم لتلقى عذابها على جرم بعينه، أو أن ترسل إلى الجنة لتنعم بجزاء سريع على فشيلة بذاتها لكن يستحيل على روح أن تقيم في الجحيم، وقليل من الأرواح هي التي يسمح لها بالإقامة في الجنة إلى الأبد؛ ذلك لأن الروح لا بد لها بعد فترة تقضيها في الجنة أو الجحيم، أن تعود إلى الأرض من جديد، لتنفذ بحياة جديدة ما يقضي به عليها "كارما" (١)
كان هذا المذهب صادقاً من الوجهة البيولوجية إلى حد كبير، فلا ريب في أننا حقاً تجسيد جديد لأسلافنا، وسنعود بدورنا فنتجسد من جديد في أبنائنا، وعيوب الآباء تهبط على الأبناء إلى حد ما (ولو أنها لا تهبط بالمقدار الذي يفرضه الجامدون الخيرون) حتى ولو بعد أجيال كثيرة؛ فقد كان "كارما" أسطورة بارعة في صرف الحيوان البشري عن القتل والسرقة والمماطلة والتقتير في العطايا، فضلاً عن أنها وسعت من نطاق الوحدة الخلقية والشعور بالواجب حتى شمل ذلك النطاق مراحل الحياة كلها، ومهدت أمام التشريع الخلقي سبيل التطبيق على نطاق أوسع رقعة وأكثر منطقاً مما وجده في أية حضارة
стр. 852
أخرى، فالهنود الأخيار لا يقتلون الحشرات إذ وسعهم ذلك، " وحتى أولئك الذين يتواضعون منهم في طموحهم الخلقي يعاملون الحيوان معاملتهم لأخوة لهم أدنى شأناً، لا معاملتهم لكائنات أحط نوعاً سلطهم الله عليهم" (٤١)، وقد فسرت "كارما" للهنود- من الوجهة الفلسفية- كثيراً من الحقائق التي كانت تكون بغيرها غامضة المعنى أو مجحفة إجحافاً يوغر الصدور؛ فهذه الفوارق الأزلية التي تفرق بين أقدار الناس والتي تخيب آمال الناس منذ الأزل في المساواة والعدل؛ وهذه الشرور في صورها المختلفات التي تسود وجه الأرض وتصبغ بحمرة الدماء مجرى للتاريخ؛ وهذه الآلام التي تدخل حياة الإنسان مع ولادته ثم يصاحبه حتى وفاته؛ كل هذه وهذه وتلك بدت معقولة للهندي إذا ما انعقد في "كارما"؛ ذلك لأن هذه الشرور وهذا الظلم وهذه الفوارق المتدرجة من الخبل العقلي إلى النبوغ، وهذه الدرجات من الفقر والغني، كل هذه نتيجة للحيوات الماضية وهي نتيجة لازمة تترتب على فعل قانون، إن رأيته ظالماً مدى حياة واحدة أو لحظة واحدة، فستراه أعدل ما تكون القوانين في نهاية الأمر كله (١)، فكارما إحدى الوسائل الكثيرة التي ابتكرها الإنسان لنفسه لتعينه على تحمل الشر صابراً، وعلى مواجهة الحياة متفائلاً؛ فالمهمة التي اضطلعت بها معظم الديانات وحاولت أداءها هي أن تفسر الشر وأن تشرح للناس نظاماً كونياً يبرر لهم أن يقبلوا الشر جزءاً منه، قبولاً إلا يكن مليئاً بالبِشْر، فحسبه أن يكون مصحوباً بسكينة الفؤاد، ولما كانت مشكلة الحياة الحقيقية ليست هي آلامها، لكنها الآلام التي تصادف من لا يستحقونها، فإن ديانة الهند تخفف من هذه المأساة البشرية بأن تخلع
стр. 853
على الحزن والألم شيئاً من المعنى وقدراً من القيمة؛ فللروح- بناء على اللاهوت الهندي- هذا العزاء على الأقل، وهو أنها لا بد لها أن تتحمل نتائج فعلها وحدها دون أفعال سواها؛ فما لم تضجر الروح من الوجود كله جملة واحدة، فستجد نفسها راضية عن الشر باعتباره عقاباً عابراً مؤقتاً، وسترقب تحقيق آمالها في ثوابها على ما أتت من فضيلة.
لكن الهنود في حقيقة الأمر يرتابون في قيمة الوجود كله جملة واحدة؛ ذلك أنه لما كانت البيئة ترهق قواهم إرهاقا، ولما كان الحاكم يذل قوميتهم إذلالاً، ويستغل مواردهم استغلالاً، فقد مالوا إلى النظر إلى الحياة على أنها عقوبة مُرة أكثر منها فرصة سانحة أو ثواباً يرتجى؛ فكتب الفيدا التي كتبها القوم وهم أشداء عند قومهم من الشمال، كانت في تفاؤلها لا تقل عما يكتبه اليوم أديبنا "وتمن"؛ ومضت خمسمائة عام، وظهر بوذا من هؤلاء القوم أنفسهم، لكنه أنكر قيمة الحياة؛ ثم مضت خمسة قرون أخرى، وظهرت كتب " بيورانا " فعبرت عن نظرة بلغت في تشاؤمهما حداً لم يبلغه متشائم في الغرب، إذا استثنينا لحظات شرودا من الشك الفلسفي (١)؛ لقد تعذر على الشرق- حتى تناوله أطراف الثورة الصناعية- أن يفهم هذه الحماسة التي يقبل بها الغرب على الحياة، ولم يجد إلا سذاجة وطفولة في مشاغلنا التي لا تعرف الرحمة، ومطامعنا التي لا تقنع، ورسائلنا التي تحطم الأعصاب وتوفر العمل،
стр. 854
وتقدمنا وسرعة سيرنا؛ لم يفهم الشرق من الغرب هذا الانغماس العميق في سطوح دون لبابها، ولا هذا الرفض الماكر منه أن يواجه حقائق الوجود مواجهة صريحة؛ لكن الغرب في الوقت نفسه لم يستطع أن يسبر في الشرق التقليدي أغوار هذا السكون الهامد، ولا هذا "الركود" و "اليأس"؛ إلا أن الحرارة لا تفهم البرودة.
"ياما" يوجه السؤال إلى "يودشتيرا" قائلاً: "ما أعجب شئ في العالم؟ " فيجيبه "يودشتيرا": "أن يموت الإنسان في أثر الإنسان، وأن يرى الناس ذلك ثم ينطلق في سعيهم كأنهم من الخالدين" (٤٤) وجاء في "الماهابهاراتا": "العالم مصاب بكارثة الموت، ومقيد في نشاطه بالشيخوخة، والليالي متتابعات، تأتي ثم تمضي، لا تتخلف أبداً؛ فإذا ما أيقنت أن الموت يستحيل عليه الوقوف، فماذا أرتجي من السير تحت غطاء من الحكمة" (٤٥)؛ وتدعو "سيتا" في "رامايانا" لما رأت أن ثوابها على وفائها رغم ما يصادفها من إغراء ومحنة هو الموت ولا شئ غير الموت، تدعو قائلة:
لو كنت بوفائي لزوجي قد برهنت على أني زوجة أمينة.
فيا أمنا الأرض أريحي ابنتك "سيتا" من أعباء هذه الحياة (٤٦).
وهكذا ترى الكلمة الأخيرة في التفكير الديني عند الهنود هي ما يسمونه "فكشا" ومعناها الخلاص- الخلاص أولاً من الشهوة، ثم الخلاص من الحياة؛ والنرفانا هي هذا الخلاص أو ذاك، لكنها لا تبلغ غاية أمدها إلا إذا تحقق الخلاصان معاً؛ ولقد عبر الحكيم "بهارتري- هاري" عن الخلاص الأول فقال:
"إن كل شئ على الأرض يبرر الخوف، والطريق الوحيدة للخلاص من الخوف هي في إنكار الشهوات إنكاراً تاماً … لقد مضى على عهد كانت تطول فيه أيامي حين كان سؤال الحسنة من الأغنياء يثخن في قلبي أليم الجراح؛ ثم بدت أيامي قصيرة كل القصر حين جعلت أسعى نحو تحقيق كل رغباتي وغاياتي
стр. 855
الدنيوية؛ أما الآن فقد تفلسفت وجلست على حجر صلب في كهف على سفح الجبل، وتراني لا أنفك عن الضحك كلما فكرت في حياتي الماضية" (٤٧).
ويعبر غاندي عن الصورة الثانية من صورتي الخلاص فيقول:
"لست أريد عودة إلى ولادة جديدة" (٤٨) إن أسمي وآخر ما يتمانه الهندي هو أن ينجو من العودة إلى الحياة في جسد آخر، وأن تزول عنه هذه الحمى التي تلتهب بها الذات كلما عاودتها الحياة في بدن جديد وولادة جديدة؛ وليس طريق الخلاص إيماناً، كلا ولا نتاجاً، إنما طريق الخلاص إنكار للذات إنكاراً متصلاً، ونفاذ بالبصيرة إلى الكل الذي يبتلع في جوفه الأجزاء، حتى ينتهي الأمر بالنفس إلى الموت الذي يفنيها ولا يبقي منها ما يولد مرة أخرى؛ وهكذا يتحول جحيم الفردية إلى سكينة الاتحاد مع سائر الوجود وفردوسه المقيم؛ هكذا تتحول الفردية إلى فناء تام في "براهما" الذي هو من العالم روحه أو قوته.
стр. 856
الفصل الرابع
غرائب الدين
الخرافات - التنجيم - عبادة العلاقة الجنسية -
الطقوس - الضحية - التطهير - المياه المقدسة
في هذا الجو اللاهوتي المفعم بالخوف والألم، ازدهرت الخرافة- وهي أول معونة ترسلها القوة الكامنة فوق الطبيعة لتعالج بها الأدواء الصغرى في الحياة- ازدهاراً خصيباً، حتى أصبحت القرابين، والتمائم، وإخراج الشياطين الحالّة في الأبدان، والتنجيم، والنبوءة بالغيب، والتعزيم، والنذور، وقراءة الكف، والعرافة، وطائفة الكهان التي بلغت ٨١٢ ر ٧٢٨ ر ٢، و "فاتحو البخت" الذين يبلغون المليون، ومروضو الثعابين بالسحر وعددهم مائة ألف، و "الفقراء" وهم مليون، ومن يمارسون "اليوجا" وغيرهم من الأولياء- أصبح ذلك كله جانباً واحداً من الصورة التاريخية التي تمثل الهند؛ فقد كان للهنود منذ ألف ومائتي عام عدد كبير من الكتب التي تشرح أصول التصوف والسحر والعرافة وتذكر الصيغ السحرية التي تهيئ السبيل لتحقيق أية غاية شئت؛ وأما البراهمة فقد نظروا نظرة ازدراء صامت إلى هذه الديانة التي يملؤها السحر، واحتملوا وجودها لأنهم من جهة خشوا أن تكون الخرافة بين عامة الناس عاملاً ضرورياً لصيانة قوة البراهمة أنفسهم، لأنهم من جهة أخرى ربما ظنوا أن لا خرافة يستحيل فناؤها، فإن ماتت في إحدى صورها، فما ذاك إلا لكي تعود إلى الوجود في صورة أخرى، وأحس البراهمة أن أقل الحكمة يقتضي ألا تقاوم مثل هذه القوة التي في وسعها أن تجسد نفسها في كل هذه الصور.
اعتقد الهندي الساذج- كما يعتقد كثيرون من الأمريكان المثقفين- في
стр. 857
التنجيم، وسلموا تسليماً بأن كل نجمة لها تأثير خاص على أولئك الذين ولدوا وهي في أوجها (٥٠)؛ فالنساء إبان الحيض كن- مثل أوفيليا- يتقين ضوء الشمس، فذلك قد يسبب لهن الحمل (٥١)؛ وجاء في كتاب "كاوشيتاكي يوبانشاد" أن سر النجاح المادي هو تقديس الهلال كما ظهر؛ وكان العرافون والسحرة والمنبئون بالغيب، إذا ما أجريتهم أجراً زهيداً، يعلنون لك ماضي الحوادث ومستقبلها بدراستهم للأكف أو للبراز، أو للأحلام، أو لعلامات في السماء، أو للخروق التي أحدثتها الفئران في الثياب؛ ويزعمون بترتيلهم لعبارات السحر التي لم يكن ترتيلها في مقدور أحد سواهم، أنهم يخدمون الشياطين ويسحرون الثعابين، ويستعبدون الطيور، ويلزمون الآلهة أنفسهم بمعاونة من دفع لهم أجر ما يصنعون؛ كذلك كان السحرة نظير أجر معلوم يسلطون الشيطان على العدو، أو يطردونه من هذا الذي يؤجرهم، كانوا ينزلون الموت المفاجئ على العدو أو يلحقون به علة ليس لها شفاء؛ حتى البرهمي إذا ما تثاءب، جعل يفرقع بأصابعه ذات اليمين وذات الشمال حتى يطرد الأرواح الشريرة فلا يسمح لها بالدخول من فمه المفتوح (١)؛ وكان الهندي في شتى عصوره- مثل كثيرين من الفلاحين الأوربيين- يتحوط من عين الحسد؛ فأعداؤه قد يستخدمون السحر في أية لحظة شاءوا لينزلوا به تعاسة الحظ أو ليقضوا على حياته؛ ويستطيع الساحر فوق هذا كله أن يجدد الحيوية الجنسية أو أن يخلق الحب في أي إنسان لأي إنسان، أو أن يهيئ سبيل الولادة للعاقرات من النساء (٥٣).
لم يكن يعدل رغبة الهنود في الأطفال شيء حتى النرفانا، ومن ثم إلى حد ما كانت رغبة الهندي الشديدة في القوة الجنسية، وكان تقديسه الديني للرموز التي تشير إلى النسل والخصوبة؛ فعبادة العلاقة الجنسية التي سادت
стр. 858
معظم الأقطار في هذا العصر أو ذاك، قد لبثت قائمة في الهند من العصور القديمة إلى القرن العشرين؛ وكان إلههاً هو شيفا، ورمزها هو عضو التذكير، وكتابها المقدس هو "أجزاء من التانترا" (ومعناها كتب للنصوص)؛ و "شاكتي" (ومعناها القوة التي تبعث النشاط) بالنسبة إلى شيفا هي- كما كانوا يتصورونها أحياناً- زوجته كالي، وأحيانا أخرى يتصورون تلك القوة الباعثة شيفا على نشاطه الجنسي، عنصراً نسوياً في طبيعة شيفا نفسه، وبهذا تكون طبيعته مشتملة على قوتي الذكورة والأنوثة في آن معاً؛ وهاتان القوتان يمثلها الهنود بأوثان يطلقون عليها اسم "لنجا" أو "يوني"، وهي تصور عضوي التناسل عند الرجل والمرأة (٥٣) وأينما سرت في الهند ألفيت آثاراً لهذه العبادة للعلاقة الجنسية: تراها في التماثيل الرمزية لأعضاء التناسل في معبد نياليز، وغيره من المعابد في بنارس، وتراها في أوثان "اللنجا" الهائلة التي تزين أو تحيط بمعابد شيفا في الجنوب، وتراها في المواكب والاحتفالات التي يرمزون بها إلى العملية الجنسية، ثم تراها قي تمائم ترمز إلى تلك العلاقة الجنسية أيضا، ويلبسونها على الذراع أو حول العنق؛ بل قد تصادف أحجار " اللنجا " ملقاة في عرض الطريق، ومن عادة الهنود أن يكسروا على هاتيك الأحجار جوز الهند الذي ينوون تقديمه في قرابينهم (٥٤)، وهم يغسلون حجر "اللنجا" في معبد "رامشفرام" كل يوم بماء الكنج، ثم يباع ذلك الماء فيما بعد للمتدينين (٥٥) كما كان يباع الماء المقدس في أوربا؛ وطقوس هذه العبادة الجنسية في العادة تكون بسيطة وملتزمة حدود الاحتشام، فقوامها أن يصب على الحجر ماء مقدس أو زيت مقدس ويزين بأوراق الشجر (٥٦).
ولا ريب في أن الطبقات الدنيا من الهنود تستمد بعض المتعة الداعرة من مواكب العلاقة الجنسية (٥٧)، لكن الكثرة الغالبة من الناس- فيما يظهر- لا يجدون حافزاً إلى الفاحشة في "اللنجا" أو "اليوري" أكثر مما يجد المسيحيون
стр. 859
من هذا الحافز في تأملهم للعذراء وهي ترضع طفلها؛ إن العادة تزيل الفحش عن أي شيء، والزمن يخلع القداسة على أي شئ؛ ويظهر أن الناس قد نسوا الرمزية الجنسية في هذه الأشياء منذ زمن طويل، ولم تعد هذه الأوثان الآن إلا وسائل تقليدية مقدسة تمثل لهم قوة شيفا (٥٨)؛ ولعل الفرق بين تصور الأوربي وتصور الهندي للأمر منشؤه الفارق بين سن الزواج في أوربا وسن الزواج في الهند؛ فالزواج المبكر ينفس عن تلك الدوافع الطبيعية التي إن طال أمد كبحها، دارت على نفسها وأنتجت إما دعارة وأما حباً عذرياً؛ وعلى وجه الجملة تجد الأخلاق والعادات الخاصة بالعلاقات الجنسية في الهند أعلى منها في أوربا وأمريكا، وهي هناك أكثر منها هنا احتشاماً وعفة بدرجة كبيرة، وعبادة شيفا هي من أكثر العبادات في الهند تزمتاً وتقشفاً، وأخلص عُبَّاد "اللنجا" عقيدةٌ هم "اللنجايات"، وهم يمثلون أشد مذاهب الهند تزمتاً وطهراً (٥٩)، يقول غاندي: "جاءنا أضيافنا الغربيون آخر الأمر يفتحون أعيننا لجوانب الفحش التي في طقوسنا، بعد أن كنا نمارسها حتى عهدهم ممارسة بريئة؛ لقد عرفت لأول مرة أن "شيفا لنجام" ترمز إلى فاحشة، من كتاب لمبشر مسيحي" (٦٠).
إن استخدام الهنود "للنجا" و "اليوني" ليس إلا صورة واحدة من ألوف الصور في طقوسهم التي تبدو للعين العابرة الغربية عن البلاد، لا مجرد صورة للديانة الهندية، بل جزءاً أساسياً من صميم لبابها؛ ذلك لأن كل فعل من أفعال الحياة، حتى الغسل ولبس الثياب، له عندهم طقوسه الدينية؛ وفي كل دار يسكنها متدينون ترى آلهة خاصة بأهل تلك الدار، تمثل لهم أشياء معينة، كما ترى أسلافاً يضعونها موضع التكريم كل يوم؛ والواقع أن الديانة للهندي واجب يؤدى في الدار أكثر مما يؤدى في مراسم المعابد التي يحتفظون بها لأيام الأعياد؛ ومع ذلك فالناس يمرحون مرحاً عظيماً في الأعياد الدينية الكثيرة التي تملأ السنة الكهنوتية، فكانوا يسيرون مواكب عظيمة أو أفواجاً من
стр. 860
الحجاج، قاصدين إلى الأضرحة القديمة؛ ولم يكونوا ليفهموا ما يقال من عبارات الصلاة في تلك المعابد، لأنها كانت تقال بالسنسكريتية، لكنهم كانوا يفهمون الأوثان، فيزينونها بالحلي ويطلونها بالطلاء ويرصعونها بكريم الأحجار؛ وكانوا أحياناً يعاملونها كأنها كائنات بشرية فيقضونها ويغسلونها ويلبسونها الثياب، ويطعمونها ويؤنبونها وينيمونها في مخادعها عند خاتمة النهار (٦١).
وأعظم الطقوس الجماعية هي تقديم القرابين، وأعظم الطقوس الخاصة الفردية هي التطهير؛ فالقربان عند الهندي ليس مجرد صورة خاوية، لأنه يعتقد أنه إذا لم يعقد الآلهة طعاماً فإنها تموت جوعاً (٦٢) ولما كان الإنسان في مرحلة أكل اللحوم البشرية، كانت القرابين في الهند كما في غيرها من بلاد العالم ضحية بشرية؛ وكانت "كالي" تحب أن يكون قربانها رجالاً، ثم فسر البراهمة هذا بأنها إنما تحب أن تأكل رجالاً من أهل طبقات الدنيا وحدها (١) فلما تقدمت الأخلاق، أخذ الآلهة يكتفون بالحيوان قرباناً؛ فكان الناس يضحون لهم بكثير منه؛ على أن الماعز كان ذا منزلة خاصة في هذه الاحتفالات؛ ثم جاءت البوذية والجانتية و "أهمسا" فحرمت التضحية بالحيوان في بلاد الهندستان (٦٧) ثم عادت العادة إلى مجراها القديم حين حلت الديانة الهندية محل البوذية؛ ولبثت قائمة على نطاق يثير الدهشة باتساعه، حتى يومنا هذا؛ وإنه لمن حسنات البراهمة أنهم رفضوا أن يسهموا بنصيب في أية تضحية فيها إراقة للدماء (٦٨).
وأما طقوس التطهير فقد كانت تستغرق من حياة الهندي ساعات كثيرة، لأن مخاوف النجاسة كانت من الكثرة في الديانة الهندية كما هي في قواعد
стр. 861
الصحة الحديثة؛ فما أكثر ما قد يصاب الهندي بما يرده نجساً- إن أكل طعاماً حراماً، وإن لمس قمامة أو مس إنساناً من طبقة الشودرا، أو منبوذاً أو جثة أو امرأة في فترة حيضها، وغير ذلك مئات الحالات؛ وبالطبع كانت المرأة نفسها ينجسها حيضها أو وضعها وليداً؛ ولذا تطلب القانون البرهمي عزل المرأة في مثل هذه الحالات، واشترط تحوطات صحية معقدة (٦٩)؛ وبعد كل هذه النجاسات- أو احتمال العدوى على حد تعبيرنا الحديث- كان من واجب الهندي أن يؤدي طقوساً تطهيرية معينة؛ فأما الحالات الصغرى فتكفيها طقوس بسيطة كأن يرش من إصابته النجاسة بالماء المقدس (٧٠) وأما الحالات الكبرى فلا بد لهما من طرائق معقدة تبلغ أقصى مداها في بشاعة ما يسمونه "بانشاجافيا" وهو ضرب من التطهير كان يحكم به عقاباً لمن انتهك قوانين الطبقات على خطورتها (مثال ذلك أن يغادر الهند) ويتألف ذلك التطهير من شرب مزيج فيه "خمسة عناصر" من البقرة المقدسة: اللبن، والخثارة، والسمن، والبول، والروث (١).
وأقرب من ذلك قليلاً إلى ذوقنا ما يوجبه عليهم دينهم من استحمام كل يوم؛ فهاهنا كذلك ترى تدبيراً صحياً تمس إليه الحاجة مساً شديداً في مناخ شبه استوائي؛ وترى هذا التدبير الصحي مصبوباً في قالب من الدين حتى يكون أقوى تأثيراً في النفوس؛ ولهذا بنيت برك وأحواض "مقدسة"، وجعلت أنهار كثيرة أنهاراً مقدسة وقيل للقوم إنهم إذا استحموا في هذه الأماكن تطهروا جسماً وروحاً؛ وقد كان ملايين الناس في أيام الرحالة "يوان شوانج" يستحمون في نهر الكنج كل صباح (٧٣)؛ ومنذ ذلك العهد إلى يومنا لم تشهد تلك الأمواج شروقاً للشمس دون أن تسمع صلوات المستحمين الذين جاءوها
стр. 862
سعياً وراء الطهر والخلاص، يرفعون أذرعهم نحو السماء المقدسة، ويصيحون في نغمة الصابرين: "أوم، أوم، أوم" وأصبحت بنارس هي المدينة المقدسة للهند، إذ باتت كعبة لملايين الحجاج، يؤمها الشيوخ من الرجال والعجائز من النساء، جاءوا من كل أرجاء البلاد ليستحموا في النهر. حتى يستقبلوا الموتى برآء من كل إثم أطهاراً من كل رجس؛ إن الإنسان ليأخذه الخشوع، بل يأخذه الفزع، حين يتذكر أن أمثال هؤلاء الناس قد حجموا إلى بنارس مدى ألفي عام، وغمسوا أنفسهم في مياهها وهم يرتعشون من لذعة البرد في فجر الشتاء؛ وشموا بنفس متقززة لحم الموتى وهو يحترق، فعلوا كل ذلك وهم يفوهون بنفس الدعوات التي كان يقينهم أن تجاب، فعلوا كل ذلك قرناً بعد قرن، توجهوا بالدعاء إلى نفس الآلهة التي لبثت على صمتها؛ لكن عد استجابة إله من الآلهة لا يحول دون تعلق القلوب به، فلا تزال الهند تعتقد اليوم بنفس القوة التي كانت تعتقد بها في أي عصر مضى، في الآلهة الذي لبثوا كل هذا الزمن ينظرون إلى فقرها وبؤسها فلا تأخذهم من أجلها الرحمة.
стр. 863
الفصل الخامس
القديسون والزاهدون
أساليب التقديس - الزنادقة - السامح - نظرة عامة في ديانة الهنود
يظهر أن القديسين في الهند أكثر منهم في أي بلد آخر، حتى ليشعر الزائر في تلك البلاد أنهم نتاج طبيعي لها كالخشخاش والثعبان، وللقداسة في رأي المتدين الهندي ثلاث وسائل: الأولى طريق "جنانا- يوجا" أي طريق التأمل، والثانية "كارما- يوجا" أي طريق العمل؛ الثالثة "بهاكتي- يوجا" أي طريق الحب؛ ولا يمانع البرهمي في أي من هذه الطرق الثلاث، بما يقضي به قانون " الأَشْرامات " الأربع، أي مراحل القداسة، فعلى البرهمي الناشئ أن يبدأ الطريق بأن يكون "براهما شاري" يقسم على صيانته لعفته قبل زواجه، وعلى أن يلتزم التقوى ويواصل الدرس، وأن يكون صادقاً، خدوماً "لشيخه" أي لأستاذه الذي يعلمه؛ فإذا ما تزوج- ولا ينبغي أن يتأخر زواجه عن الثامنة عشرة من عمرة- كان عليه أن يدخل المرحلة الثانية من الحياة البرهمية، وهي مرحلة "جريها ستا" أي رب الأسرة، التي ينسل فيها الأبناء ليعبدوه ويعنوا به وبأسلافه؛ وفي المرحلة الثالثة (وقلما يمارسها الآن واحد) ينسحب الطامع في القداسة مع زوجته ليعيش كـ "فانا براستا" أي ساكن الغابات، فيتقبل عسر الحياة مطمئناً راضياً، ويحصر العلاقة الزوجية في نسل الأطفال، وأخيراً إن أراد فيصبح "ساناياسي" أي "الهاجر" للعالم، مستغنياً عن كل أملاكه وكل أمواله وكل ما يربطه بغيره من علاقات، فلا يحتفظ إلا بجلد وعل يغطي به جسده، وعكازة يتوكأ عليها، وقرعة ماء لظمئه؛ ويجب عليه أن يلطخ جسده بالرماد كله يوم، وأن يشرب "العناصر
стр. 864
الخمسة" مراراً متقاربة، وأن يعيش معتمداً على صدقات المحسنين؛ وتنص القاعدة البرهمية على أنه "لا بد أن ينظر إلى الناس على أنهم سواسية، فلا يتأثر بأي شيء مما يحدث، وأن تكون له القدرة على النظر إلى الأشياء نظرة هادئة لا يعرف هدوءها معنى الاضطراب، حتى إن بلغ الأمر حد الثورات التي تثل العروش؛ وغايته الوحيدة ينبغي أن تكون حصوله على ذلك القدر من الحكمة ومن الروحانية الذي يمكّنه في نهاية الأمر من الاتحاد بالربوبية العليا، تلك الربوبية التي تفصلنا عنها شهواتنا العاطفية وبيئاتنا المادية" (١).
وإنك لتصادف أحياناً وسط هذا التدين صوتاً شكاكاً يرتفع كصرير النشاز في نغمات الحياة الهندية التي تسودها استكانة التسليم؛ لا شك أن الشُكّاك كانوا كثيرين حينما كانت الهند غنية، لأن الإنسانية تزداد تشككاً في آلهتها ازدياداً يبلغ أقصاه في حالات ازدهارها المادي، وتزداد لها تعبداً ازدياداً يبلغ غاية مداه حين يعمها البؤس؛ ولقد أسلفنا القول في فئة "شارفاكا" وغيرهم من زنادقة العصر البوذي؛ وهنالك مؤلف يكاد يساوي في قدمه ذلك العصر، وهو يسمى - على طريقة الهنود في تطويل الأسماء- "شواسا مْفِديُوبانشاد" الذي يبسّط اللاهوت في أربع قضايا:
(١) أن ليس هناك عودة للروح إلى تجسيد جديد، ولا إله ولا جنة ولا نار ولا عالم.
(٢) وأن كل الكتب الدينية التقليدية من تأليف جماعة من الحمقى المغرورين.
стр. 865
(٣) وأن ما يحكم الأشياء كلها هو "الطبيعة" التي تبدع، و "الزمان" الذي يهدم؛ وهما لا يأبهان بفضيلة أو برذيلة حين يقسمون بين الناس أنصبتهم من السعادة والشقاء.
(٤) وأن الناس تخدعهم حلاوة الكلام فيعتنقون الاعتقاد في الآلهة والمعابد والكهنة، مع أنه من الواقع لا فرق بين فشنو وكلب (٧٦).
وهناك قانون بوذي مكتوب باللغة الباليّة، تراه يضم المتناقضات، شأنه في ذلك شأن أي كتاب مقدس يحمي مصالح الكهنوت، وفي هذا القانون رسالة تستوقف النظر لعلها قديمة قدم المسيحية، وتسمى "أسئلة الملك مِلِنْدا" وفيها المعلم البوذي "نجاسينا" يجيب إجابات جد مثيرة للأسئلة الدينية التي يوجهها إليه "الملك مناندر" الإغريقي الباكتريّ الذي حكم شمالي الهند في مستهل القرن الأول قبل المسيح؛ يقول "نجاسينا" إن الدين لا ينبغي أن يتخذ مجرد وسيلة فرار يلوذ بها المعذبون، بل يجب أن يكون سعي الزاهد حتى يبلغ مرحلة القداسة والحكمة دون أن يزعم وجود جنة أو إله، لأن هذا القديس يؤكد لنا أنه لا وجود لجنة أو إله (٧٧).
وتهاجم ملحمة "الماهابهاراتا" هؤلاء الشكاك والملاحدة الذين- كما تزعم لنا- ينكرون حقيقة الأرواح ويحتقرون الخلود، وهي تقول أن أمثال هؤلاء الناس "يضربون في فجاج الأرض كلها"؛ وهي تنذرهم بعقابهم المقبل، ضاربة لهم مثلاً ابن آوى الذي يعلل وجوده ووجود نوعه بقوله إنه كان في حياته الماضية "باحثاً عقلياً، وناقداً لكتب فيدا … مهيناً للكهنة معارضاً لهم … كافراً بكل شيء شكاكاً في كل شئ" (٧٨)؛ ويشير "بهاجافاد- جيتا" إلى الزنادقة الذين ينكرون وجود الله ويصفون الدنيا بأنها "لا تزيد عن كونها منزلاً للشهوات" (٧٩) وكثيراً ما كان البراهمة أنفسهم شكاكين لكنهم كانوا يذهبون في الشك إلى غاية مداه بحيث لا يسمحون لأنفسهم أن يهاجموا عقيدة الناس؛ وعلى الرغم من أن شعراء الهند بصفة عامة يتميزون بالورع الشديد
стр. 866
ترى بعضهم، مثل "كابر" و "فيمانا" يدافعون عن نوع من العقيدة في الله متحلل من كثير جداً من القيود، فقد كتب "فيمانا"- وهو شاعر ظهر في جنوبي الهند في القرن السابع عشر- بروح السخرية من الرهبان الزاهدين ومن حجاج المعابد، ونظام الطبقات؛ يقول:
"عزلة الكلب، تأمل الكركيّ، ترتيل الحمار، استحمام الضفدعة" … كيف تكون أحسن حالاً إذا لطخت جسمك بالرماد؟ إنه ينبغي أن تركز فكرك في الله وحده، أما عن بقية ما تصنعه، فالحمار في وسعه أن يتمرغ في الوسخ كما تفعل … إن كتب "الفيدا" أشبه ما تكون بالفاجرات اللائي يخدعن الرجال وليس لهن أغوار تسبر؛ وأما علم الله الخبئ فهو شبيه بالزوجة الشريفة … أيمكن لتلطيخ الجسم بالرماد الأبيض أن يذهب برائحة وعاء الخمر؟ أيمكن؟ لحبل تلفه حول عنقك أن يجعل منك إنساناً آخر؟ … لماذا نرى واجباً علينا أن نسيء إلى طبقة الباريا إساءة لا تنقطع؟ أليس المنبوذ مثلنا في لحمه ودمه؟ ومن أي طبقة عسى أن يكون الإله الذي يحل جسد البراريا؟ … إن من يقول "إني لا أعلم شيئاً" هو أبلغ الناس حكمه (٨٠).
وإنه لمما يجدر ملاحظته في هذا الصدد أن تذاع أقوال كهذه بغير مؤاخذة قائليها، في مجتمع تتحكم في عقوله طبقة من الكهان؛ فلوا استثنينا كبح الحكم الأجنبي للهنود (بل ربما جاز أن نقول أنه بسبب وجود الحكام الأجانب الذين لم يكونوا يأبهون للعقائد الدينية الأهلية) فقد تمتعت الهند بقدر من حرية الفكر أعظم جداً مما تمتعت به أوربا في عصورها الوسطى، وهي الفترة التي تقابلها مدنية الهند؛ ولقد باشر البراهمة نفوذهم في تدبر ورفق؛ وكان اعتمادهم في صيانة العقيدة الأصلية على الفقراء وما يتصفون به من جمود على القديم؛ وكان هؤلاء الفقراء في ذلك عند حسن ظن البراهمة بهم؛ فإذا ما شاعت في الناس ضروب في الزندقة أو الآلهة الغريبة شيوعاً يعد خطراً على العقيدة، تسامح البراهمة إزاءها حتى يمتصوها امتصاصاً في ذلك الغور
стр. 867
الفسيح الأبعاد الذي منه تتكون العقيدة الهندية، فإذا أضفت إلى تلك العقيدة إلهاً أو حذفت منها إلهاً، فلا يكون لهذا أثر كبير؛ ومن ثم قلت الحزازات المذهبية قلة نسبية في المجتمع الهندي، ولم تشتد إلا بين الهندوس والمسلمين؛ كذلك لم تسفح على أرض الهند دماء من أجل الدين، اللهم إلا دماء سفحها الفاتحون (٨١)؛ وجاء التعصب الديني إلى البلاد مع الإسلام والمسيحية، أما المسلمون فقد كانوا يبغون شراء الجنة بدم "الكفار" وأما البرتغاليون حين استولوا على "جوا" فقد أدخلوا فيها محاكم التفتيش (٨٢).
وإذا بحثنا في هذا الخليط من العقائد عن عناصر مشتركة تعرف بها ديانة الهنود فسنجدها فيما يوشك أن يكون إجماعاً بين الهندوس على عبادة فشنو وشيفا معاً، وعلى تبجيل الفيدات والبراهمة والبقرة، وعلى اعتبار ملحمتي "ماهابهاراتا" و "رامايانا" لا مجرد ملحمتين أدبيتين، بل اعتبارها آيات مُنَزَّلة تأتي في التقديس بعد الفيدات (٨٣) وإنه لمما ينم عن مغزى: أن نرى آلهة الهند وتقاليدها الدينية اليوم مختلفة عما قررته كتب الفيدا؛ فإلى حد ما يمكن القول بأن الديانة الهندية تمثل انتصار الهند الدرافيدية الأصلية على آريي العصر الفيدي؛ فقد كان من نتائج الغزو والنهب والفقر، أن أوذيت الهند جسماً وروحاً، والتمست ملاذاً من الهزيمة الأرضية النكراء، في انتصارات سهلة ظفرت بها الأساطير والخيال؛ فالبوذية رغم ما فيها من عناصر الشمم، هي- كالرواقية- فلسفة للعبيد، ولا يغير الموقف أن ينطق بها أمير؛ لأنها ترمي إلى وجوب الزهد في كل شهوة وفي كل كفاح حتى لو كانت الشهوة وكان الكفاح من أجل الحرية الفردية أو الحرية القومية؛ ومثلها الأعلى هو حالة جمود لا يعرف الرغبات؛ وواضح أن حرارة الهند التي تنهك الأجسام، هي التي نطقت بهذا اللسان الذي يعبر عن التعب تعبيراً يلتمس سنداً من العقل؛ إن الديانة الهندية ما انفكت تفت في عضد الهند، بأن غلّت نفسها عن طريق
стр. 868
نظام الطبقات بأغلال العبودية الدائمة للكهنوت؛ وتصورت آلهتها تصوراً لا تراعي فيه حدود الأخلاق، واحتفظت خلال القرون بعادات وحشية مثل التضحية بأفراد من الإنسان وإحراق الأرملة عند وفاة زوجها؛ تلك العادات التي كان كثير من الأمم قد نبذها منذ زمن طويل؛ وصورت الحياة على أنها شر لا مفر منه، وعملت على تثبيط الهمة عند اتباعها وإشاعة الكآبة في نفوسهم؛ واستحالت الظواهر الدنيوية على يديها أوهاماً، فمحت بذلك الفوارق بين الحرية والعبودية، بين الخير والشر، بين الإفساد والإصلاح؛ ولقد قال في ذلك هندي جرئ "إن الديانة الهندية … قد استحالت الآن إلى عبادة أوثان وطقوس تقليدية، تعتبر الظواهر الشكلية كل يء، واللباب لا شيء" (٨٤) ولما كانت الأمة يمسك الكهنة بزمامها، وينخر القديسون عظامها، فإن الهند لترقب في شغف لم يجد اللسان المعبر به: " ترقب النهوض والإصلاح الديني وحركة التنوير.
ومع ذلك فلا ينبغي أن نفكر في الهند بغير أن تكون صورتنا التاريخية ماثلة أمام أعيننا؛ فقد كان لنا كذلك فترة كانت لنا عصورنا الوسطى، حيث آثرنا التصوف على العلم وحكومة الكهنة على حكومة الأغنياء- ولعلنا نعود إلى ذلك مرة أخرى، إننا لا نستطيع أن نحكم على هؤلاء المتصوفة، لان أحكامنا في الغرب مبنية على خبرة جسدية ونتائج مادية، وهي فيما يظهر أمور لا تمس الموضوع الذي تحكم عليه ولا تتعمق الأشياء في رأي القديس الهندي؛ فماذا لو تبين أن الثروة والقوة والحرب والفتح كلها أوهام تجري على السطح لا أكثر، وليست جديرة بالتفكير عند العقل الناضج؟ ماذا لو كان هذا العلم الذي يقيم نفسه على ذرات وعوامل وراثة كلها فروض، وعلى كهارب وخلايا، وغازات يتولد منها عباقرة مثل شكسبير، وعناصر كيماوية يتمخض عنها المسيح، ماذا لو كان كل هذا لا يزيد على عقيدة لا أكثر، سبقتها عقائد، بل إنها لعقيدة من أغرب العقائد، وأبعدها عن التصديق
стр. 869
وأكثرها ميلاً نحو التغير والزوال؟ إن الشرق في مقاومته لما هو فيه من ذل ومرض، قد يغمس نفسه في العلم والصناعة في نفس اللحظة التي ينظر فيها أبناء الغرب إلى آلاتهم التي أفقرتهم وإلى علومهم التي أزالت عن أعينهم غلالة الخيال، فينزلوا بمدائنهم وآلاتهم الخراب بما يثيرونه من ثورات فوضوية أو حروب؛ ثم هم قد يعودون بعد ذلك مهزومين مكدودين جائعين، إلى الزراعة حيث يصوغون لأنفسهم إيماناً صوفياً جديداً يبث فيهم الشجاعة في وجه الجوع والقسوة والظلم والموت؛ فإنك لن تجد بين المتفكهين من يتفكه كما يتفكه التاريخ.
стр. 870
الباب التاسع عشر
الحياة العقلية
الفصل الأول
العلم الهندي
أصوله الدينية - الفلكيون - التفكير الرياضي - الأعداد "العربية" -
النظام العشري - الجبر - الهندسة - الطبيعة - الكيمياء -علم وظائف
الأعضاء - الطب الفيدي - الأطباء الجراحون - البنج - التطعيم - التنويم
جهود الهند في العلم قديمة جداً وحديثة جداً في آن معاً؛ فهي حديثة إذا نظرنا إلى العلم باعتباره بحثاً مستقلاً دنيوياً، وهي قديمة إذا نظرنا إليه باعتباره مشغلة فرعية من مشاغل الكهنة؛ ولما كان الدين هو لب الحياة الهندية وصميمها، فإن العلوم التي كان من شأنها أن تعاون الدين هي التي سبقت غيرها بالرعاية والنمو: فالفلك قد نشأ من عبادة الأجرام السماوية ومشاهدة حركاتها لتحديد أيام الأعياد والقرابين؛ ونشأ النحو وعلم اللغة عن الرغبة الملحة بأن تكون كل صلاة وكل صيغة دينية، صحيحة في تركيبها وفي مخارج أصواتها، على الرغم من أنها تقال أو تكتب بلغة ميتة (١) فقد كان علماء الهند - كما كانت الحال في عصورنا الوسطى - هم كهنتها، بكل ما في ذلك من خير ومن شر.
نشأ علم الفلك عن التنجيم نشأة غير مقصودة، ثم أخذ رويداً رويداً ينفض عن نفسه الأغلال في ظل اليونان؛ وأقدم الرسائل الفلكية - وهي السِدْ ذانتا حوالي ٤٢٥ ق. م - كانت قائمة على أساس العلم اليوناني (٢) حتى لقد اعترف "فارهاميرا" الذي أطلق على مؤلفه الموسوعي اسماً له مغزاه إذ أطلق
стр. 871
عليه "مجموعة كاملة للتنجيم الطبيعي" - اعترف صراحة باعتماده على اليونان، وحث "آريا بهاتا"- وهو أعظم الفلكيين والرياضيين الهنود - في قصائد منظومة موضوعات مثل المعادلات الرباعية والجيب (في حساب المثلثات) وقيمة النسبة التقريبية المستعملة في استخراج مساحة الدائرة. كما علل الكسوف والخسوف والاعتدالين والانقلابين (في حركة الأرض حول الشمس) وأعلن عن كروية الأرض ودورتها اليومية حول محورها، وجاء ما يأتي فيما كتبه سابقاً لعلم النهضة الأوربية سبقاً جريئاً: "إن عالم النجوم ثابت، والأرض في دورانها هي التي تحدث كل يوم ظهور الكواكب والنجوم من الشرق واختفاءها في الغرب" (٤) وجاء بعده خلفه المشهور "براهما جوبتا" فنسق المعلومات الفلكية في الهند، ولو أنه أعاق تقدم الفلك هناك برفضه لنظرية "آريا بهاتا" الخاصة بدوران الأرض، هؤلاء الرجال وأتباعهم هم الذين لاءموا بين حاجات الهنود والتقسيم البابلي للسماء إلى أبراج، وهم الذين قسموا العام اثني عشر شهراً، كل شهر منها ثلاثون يوماً، وكل يوم ثلاثون ساعة، وكانوا يضيفون شهراً زائداً كل خمسة أعوام، وحسبوا بدقة تستوقف النظر قطر القمر وخسوف الشمس، وموضع القطبين ومواضع النجوم الرئيسية ودورانها (٥)، وشرحوا نظرية الجاذبية- ولو أنهم لم يصلوا إلى قانونها- عندما كتبوا في "سِدْ ذانت": "إن الأرض تجذب إليها كل شيء بما لها من قوة جاذبة" (٦)
ولكي يحسبوا هذه العمليات المعقدة، فكر الهنود في حساب رياضي يفوق ما كان لليونان في كل شيء إلا الهندسة (٧)، ولذا فان من أهم ما ورثناه عن الشرق الأعداد "العربية" والنظام العشري، وقد جاءنا كلاهما من الهند على أيدي العرب؛ فإن ما يسمى خطأ بالأعداد "العربية" نراها منقوشة على "صخرة المراسيم" التي خلفها "أشوكا" (٢٥٦ ق. م)، أي قبل استخدامها
стр. 872
في الكتابات العربية بألف عام؛ يقول "لابلاس" العظيم النابغ:
"إنها الهندية هي التي علمتنا الطريقة العبقرية في التعبير عن كافة الأعداد برموز عشرة، لكل منها قيمة تستمد من مكانة في العدد فضلاً عن قيمته الذاتية المطلقة، وإنها لفكرة عميقة هامة تبدو لنا اليوم من البساطة بحيث ننسى ما هي جديرة به من خطر؛ لكن بساطتها هذه، والسهولة العظيمة التي أدخلتها في العمليات الحسابية كلها، قد جعلتا من علم الحساب عندنا مخترعاً لعظمة هذا الابتكار إذا ما تذكرنا أنه غاب عن عبقرية أرشميديس وأبولونيوس، وهما من أعظم من أنجبت العصور القديمة من رجال" (٨).
وعرف "آريا بهاتا" و "براهما جوبتا" النظام العشري قبل ظهوره في كتابات العرب والسوريين بزمن طويل؛ وأخذته الصين عن المبشرين البوذيين ويظهر أن محمداً بن موسى الخوارزمي- وهو أعظم رياضي في عصره (مات حوالي ٨٥٠ م) - قد أدخله في بغداد؛ أما الصفر فأقدم استخدام له معروف لنا في آسيا وأوربا (١) هو في وثيقة عربية تاريخها ٨٧٣ م. أي قبل أول ظهور له- فيما نعلم- في الهند بثلاثة أعوام؛ لكن الرأي مجمع على أن العرب قد استعاروا الصفر أيضاً من الهند (٩)؛ هكذا ترى أكثر الأعداد تواضعاً وأكبرها نفعاً كان هدية من الهدايا الرقيقة التي قدمتها الهند لسائر البشر.
وتقدم الجبر عند الهنود وعند اليونان دون أن يأخذ فريق عن فريق فيما يظهر (٢) لكن احتفاظنا باسمه العربي (الجبر كلمة عربية معناها ملاءمة
стр. 873
التركيب) يدل على أن العلم به قد أتى إلى أوربا الغربية من العرب- وهذا معناه أنه جاء إليها من الهند لا من اليونان (١١)، وأبطال هذا الميدان من الهنود هم- كما في علم الفلك- آريا بهاتا وبراهما جوبتا وبهاسكارا؛ ويظهر أن أخيرهم (ولد سنة ١١١٤ م) قد ابتكر العلامة الجذرية وكثيراً غيرها من الرموز الجبرية (١٢)، وهؤلاء الرجال هم الذين ابتكروا فكرة الكمية السلبية التي كان يستحيل الجبر بغيرها (١٣)، وصاغوا القواعد التي يمكن بها إيجاد التباديل والتوافيق، وحسبوا الجذر التربيعي للعدد ٢، وحلوا في القرن الثامن الميلادي معادلات غير متعينة من الدرجة الثانية، كانت تجهلها أوربا حتى أيام "يولر" بعد ذلك بألف عام (١٤)، ولقد صاغوا علمهم هذا في قالب شعري، وخلعوا على مسائل الرياضة رشاقة تميز العصر الذهبي في تاريخ الهند، وهناك مثلين يوضحان الجبر في صوره البسيطة عند الهنود:
"هناك خلية من النحل، استقر خمسها على زهرة كادامبا، وهبط ثلثها على زهرة سلنذرة، وطار ثلاثة أمثال الفرق بين هذين العددين إلى زهر الكوتاجا، وظلت نحلة واحدة- وهي كل ما تبقى- حائمة في الهواء فأنبئيني أيتها المرأة الفاتنة عدد النحل كله … لقد اشتريت لك يا حبيبتي هذه الياقوتات الثماني، والزمردات العشر، واللؤلؤات المائة، التي ترينها في قرطك، واشتريتها بأثمان متساوية، وكان مجموع أثمان الأنواع الثلاثة من الأحجار الكريمة أقل من نصف المائة بثلاثة، فأنبئيني ثمن كل منها أيتها المرأة المجدودة" (١٥).
غير أن الهنود لم يكونوا على هذه الدرجة من التوفيق في الهندسة؛ ولو أن الكهنة استطاعوا في قياس مذابح القرابين وبنائها أن يصوغوا النظرية الفيثاغورسية (التي مؤداها أن المربع المنشأ على وتر المثلث القائم الزاوية يساوي مجموع المربعين المنشأين على الضلعين الآخرين) قبل ميلاد المسيح ببضع مئات من السنين (١٦) وكذلك استطاع "آريا بهاتا"- وقد يكون متأثراً باليونان في ذلك-
стр. 874
أن يحسب مساحة المثلث والمعَّين والدائرة وأن يقدر قيمة النسبة التقريبية (في حساب النسبة بين طول قطر الدائرة ومحيطها) بـ ١٤١٦ ر ٣ - وهو رقم لم يعادله في دقة الحساب رقم آخر حتى عهد "بير باخ" (١٤٢٣ - ٦١) في أوربا (١٧)؛ وكان "بهاسكارا" سباقاً إلى حساب التفاضل، إذ فكر فيه على نحو تقريبي، وأعد "آريا بهاتا" قائمة بحساب الجيب، وجاء في كتاب "سوريا سِدْ ذانتا" مجموعة منسقة في حساب المثلثات، كانت أرفع مستوى من كل ما عرفه اليونان في هذا الباب (١٨).
ولدى الهنود مدرستان فكريتان لكل منهما نظرية فيزيائية شبيهة بما كان لليونان في ذلك شبهاً يوحي بما كان بين البلدين من اتصال؛ مذهب "كانادا" مؤسس الفلسفة الفايشيشيكية، إلى أن العالم مؤلف من ذرات يبلغ عدد أنواعها عدد العناصر المختلفة؛ وأما الجانتيون فقد ازدادوا شبهاً بديمقريطس في مذهبهم بأن كافة الذرات من نوع واحد، تحدث آثاراً مختلفة بسبب الاختلاف في طريقة تركيبها (١٩)؛ ويرى "كانادا" أن الضوء والحرارة ظاهرتان مختلفتان لعنصر واحد؛ ويذهب "يودايانا" إلى أن جميع الحرارة مصدرها الشمس؛ ويفسر "فاشاسباتي"- مثل نيوتن- الضوء بأنه مؤلف من ذرات صغيرة تنبعث من الأشياء وتطرق العين (٢٠)؛ وتجد في رسائل الهنود التي ألفوها في الموسيقى تحليلاً وحساباً رياضياً للنغمات الموسيقية وأطوال موجاتها، وكذلك ارتفاع النغمة، يتناسب عكسياً مع طول الوتر فيما بين نقطة اتصاله ونقطة لمسه؛ وهنالك ما يدل على أن البحارة الهنود في القرون الأولى
стр. 875
بعد الميلاد، قد استعملوا بوصلة صنعوها من سمكة جديدة تسبح في إناء من الزيت وتشير إلى الشمال (٢١).
وتقدمت الكيمياء بادئة طريقها من مصدرين: الطب والصناعة؛ فقد أسلفنا بعض القول في براعتهم الكيماوية في صب الحديد في الهند القديمة، وفي الرقي الصناعي العظيم في عصور "جوبتا"، حينما كان ُينظر إلى الهند- حتى من روما القيصرية- على أنها أمهر الأمم جميعاً في صناعات كيماوية مثل الصباغة والدبغ وصناعة الصابون والزجاج والأسمنت؛ وفي تاريخ بلغ من القدم القرن الثاني قبل الميلاد، خصص "ناجارجونا" كتاباً بأكمله للبحث في الزئبق؛ فلما أن كان القرن السادس كان الهنود أسبق بشوط طويل من أوربا في الكيمياء الصناعية، فكانوا أساتذة في التكليس والتقطير والتصفية والتبخير واللحام وإنتاج الضوء بغير حرارة، وخلط المساحيق المنومة والمخدرة، وتحضير الأملاح المعدنية، والمركبات والمخلوطات من مختلف المعادن؛ وبلغ طرق الصلب في الهند القديمة حداً من الكمال لم تعرفه أوربا إلا في أيامنا هذه، ويقال أن الملك يورس، قد اختار هدية نفسية نادرة يقدمها للإسكندر ثلاثين رطلاً من الصلب (٢٢)، إذا آثرها على هدية من الذهب أو الفضة؛ ونقل المسلمون كثيراً مما كان للهنود من علم الكيمياء والصناعة الكيماوية إلى الشرق الأدنى وأوربا؛ فمثلاً نقل العرب عن الفرس، وكان الفرس قد نقلوا بدروهم عن الهند سر صناعة السيوف "الدمشقية" (٢٢ أ).
وكان التشريح وعلم الوظائف الأعضاء- مثل بعض الجوانب الكيمياء- نتيجتين عرضيتين للطب الهندي؛ ففي القرن السادس قبل الميلاد- رغم أنه عهد يغوص في القدم، كان الأطباء الهنود يعرفون خصائص الأربطة العضلية ورتق العظام والجهاز اللمفاوي، والضفائر العصبية واللفائف والأنسجة
стр. 876
الدهنية والأوعية الدموية والأغشية المخاطية والمفصلية وأنواع من العضلات أكثر مما نستطيع أن نتبينه من جثة حديثة (٢٣).
وقد زلَّ أطباء الهند في العصر السابق لميلاد المسيح في نفس الخطأ الذي وقع فيه أرسطو حين تصور القلب مركز الشعور وأداته، وظنوا أن الأعصاب تصعد من القلب وتهبط إليه، لكنهم فهموا عمليات الهضم فهماً يستوقف النظر بدقته- أعني الوظائف المختلفة للعصارات المعدية، وتحول الكيموس إلى كيلوس، ثم تحول الكيلوس إلى دم (٢٤)، وسبق "أتريا"، "وايزمان" بألفين وأربعمائة عام حين ذهب (حوالي ٥٠٠ ق. م) إلى أن نطفة الوالد مستقلة وكانوا يحبذون فحص الرجال للتحقق من توافر عناصر الرجولة فيهم قبل إقدامهم على الزواج؛ وجاء في تشريع "مانو" تحذير من عقد الزواج بين أشخاص مصابين بالسل أو الصرع أو سوء الهضم المزمن أو البواسير أو شقشقة اللسان (٢٦) وكان مما فكرت فيه مدارس الطب الهندية سنة ٥٠٠ ق. م، ضبط النسل على آخر طراز يأخذ به رجال اللاهوت، وهو يقوم على نظرية هي أن الحمل مستحيل في مدى اثني عشر يوماً من موعد الحيض (٢٧)؛ ووصفوا تطور الجنين وصفاً فيه كثيراً جداً من الدقة، وكان مما لوحظ في هذا الصدد أن جنس الجنين لا يتعين إلا بعد مدة، وزعموا أن جنس الجنين في بعض الحالات يمكن التأثير فيه بفعل الطعام أو العقاقير (٢٨).
وتبدأ مدونات الطب الهندي بكتاب "أترافا- فيدا"، ففي هذا الكتاب تجد قائمة بأمراض مقرونة بأعراضها، لكنك تجدها محاطة بكثير جداً من السحر والتعزيم؛ فقد نشأ الطب ذيلاً للسحر؛ فالقائم بالعلاج كان يدرس ويستخدم وسائل جثمانية لشفاء المريض، على أساس أن هذه تساعد على نجاح ما يكتبه له من صيغ روحانية؛ ثم أخذ على مر الزمن يزيد من اعتماده على
стр. 877
الوسائل الدنيوية، ماضياً إلى جواز ذلك في تعاويذه السحرية لتكون هذه معينة لتلك من الوجهة النفسية، كما نفعل اليوم بتشجيعنا للمريض.
وفي ذيل كتاب "أترافا- فيدا" ملحق يسمى "أجو- فيدا" (ومعناها علم إطالة العمر)؛ ويذهب هذا الطب الهندي القديم إلى أن المرض يسببه اضطراب في وحد من العناصر الأربعة (الهواء والماء والبلغم والدم) وطرائق العلاج هي الأعشاب والتمائم السحرية؛ ولا يزال كثير من طرائق الطب القديم في وصف الأمراض وعلاجها مأخوذاً به في الهند اليوم، وإن ذلك ليصيب من النجاح أحياناً ما يثير الغيرة في صدور الأطباء الغربيين؛ وتجد في كتاب "رجْ- فيدا" نحو ألف اسم من أسماء هذه الأعشاب، وهو يحبذ الماء على أنه خير علاج لمعظم الأمراض؛ على أن الأطباء والجراحين حتى في العهد الفيدي كانوا يتميزون بما يفرق بينهم وبين المعالجين بالسحر؛ وكانوا يسكنون منازل تحيط بها حدائق يستنبتون فيها الأعشاب الطبية (٢٩).
وأعظم اسمين في الطب الهندي هما "سوشروتا" في القرن الخامس قبل الميلاد و "شاراكا" في القرن الثاني بعد الميلاد؛ فقد كتب "سوشروتا"- وكان أستاذا للطب في جامعة بنارس، باللغة السنسكريتية مجموعة من أوصاف الأمراض وطرائق علاجها، وكان قد ورث العلم بها من معمله "ذانوانتاري"؛ فبحث في كتابه بإطناب في الجراحة والتوليد والطعام الصحي والاستحمام والعقاقير وتغذية الرضع والعناية بهم والتربية الطبية (٣٠)، وأما "شاركا" فقد أنشأ "سامهيتا" (ومعناها موسوعة) تشمل علم الطب، وهي لا تزال مأخوذاً بها في الهند (٣١)؛ وبث في أتباعه فكرة عن مهنتهم كادت تقرب من فكرة أبقراط: "لا ينبغي أن تعالجوا مرضاكم ابتغاء منفعة لأنفسكم، ولا إشباعاً لشهوة كافة ما كانت من شهوات الكسب الدنيوية، بل عالجوهم من أجل غاية واحدة هي التخفيف عن الإنسانية المعذبة، بهذا تفقدون سائر الناس" (٣٢) ويتلو هذين الاسمين التماعاً في تاريخ الطب الهندي اسم "فاجبهاتا"
стр. 878
(٦٢٥ م) الذي أعد موسوعة طبية نثراً ونظماً، ثم اسم "بهافامِسْراً" (١٥٥٠ م) الذي جاء في كتابة الضخم عن التشريح ووظائف الأعضاء والطب، ذكر الدورة الدموية قبل أن يذكرها "هارفي" بمائة عام، ووصف الزئبق علاجاً لذلك المرض الجديد- مرض الزهري- الذي كان من عهد قريب مع البرتغاليين، جزءاً من التراث الذي خلّفته أوربا للهند (٣٣).
وصف "سوشوترا" كثيراً من العمليات الجراحية- الماء في العين، والفتق وإخراج الحصاة من المثانة، وبقْر الأمهات عن الأجنة وغير ذلك، كما ذكر إحدى وعشرين ومائة أداة من أدوات الجراحة منها المشارط والمسابير والملاقط والقثاطير ومناظير القُبُل والدُّبرُ (٣٤)، وعلى الرغم من تحريم البراهمة لتشريح جثث الموتى، جعل يدافع عن ضرورة ذلك في تدريب الجراحين؛ وكان أول من رقع أذناً جريحة بقطع من الجلد اقتطعها من أجزاء أخرى من الجسم، وعنه وعن أتباعه من الهنود أخذ الطب الحديث عملية تقويم الأنف (٣٥)؛ ويقول "جارِسُنْ": "لقد أجرى قدماء الهنود كل العمليات الجراحية الكبرى تقريباً، ما عدا عملية ربط الشرايين" (٣٦)؛ فقد بتروا الأطراف، وأجروا الجراحات في البطن، وجبروا كسور العظام، وأزالوا البواسير؛ وقَعَّد "سوشوترا" القواعد الدقيقة لإجراء الجراحة، ويعد اقتراحه بتعقيم الجرح بالتبخير أول ما نعرفه من جهود في وسائل التطهير أثناء الجراحة (٣٧)؛ ويذكر لنا "سوشوترا" و "شاراكا" كلاهما فوائد أنواع من الشراب الطبي في تخدير الجسم عند الألم، وحدث في سنة ٩٢٧ م أن قام جراحان بتربنة الجمجمة لملك هندي، فخدره عن الجراحة بفعل عقار يسمى "ساموهيني" (١).
стр. 879
وأوصى "سوشوترا" بأن تتبع في تشخيص الأمراض التي أحصى منها ألفاً ومائة وعشرين، طريقة النظر بالمنظار وطريقتا جس النظر والتسمع بالأذن (٤٠) وقد جاء وصف لجسّ النبض في رسالة تاريخها ١٣٠٠ م (٤١)؛ وكان تحليل البول طريقة مستحسنة في تشخيص الأمراض؛ حتى لقد اشتهر أطباء التبت بقدرتهم على شفاء أي مريض دون النظر في أي شئ يتعلق به ما عدا بوله (٤٢)؛ وكان العلاج الطبي في الهند في عهد يوان شوانج، يبدأ بصيام مداه سبعة أيام، وكثيراً ما كان يشفى المريض في هذه الفترة، فإذا بقى المريض لجئوا بعدئذ إلى استخدام العقاقير (٤٣) لكنهم لم يكونوا يسرفون في استخدام العقاقير حتى في أمثال هذه الحالات، إذ كان معظم اعتمادهم على تدبير الطعام الملائم والاستحمام والحقن الشرجية والاستنشاق والحقن في مجاري البول وإخراج الدم بدود العلق أو بالكؤوس (٤٤)، وكان لأطباء الهنود شهرة خاصة في تكوين ترياقات السموم، ويزالون يفوقون الأطباء الأوربيين في علاج عضة الثعبان (٤٥)؛ ولقد عرفت الهند التطعيم منذ سنة ٥٥٠ م، مع أن أوربا لم تعرفه إلا في القرن الثامن عشر، ذلك لو حكمنا من نص يعزى إلى "ذانوانتاري" وهو طبيب من أقدم أطباء الهنود، وهذا هو: "خذ السائل من البثور التي تراها على ضرع البقرة … خذه على سنان المشرط، ثم طعم به الأذرعة بين الأكتاف والمرافق، حتى يظهر الدم؛ عندئذ يختلط السائل بالدم فتنشأ عن اختلاطه حمى الجدري" (٤٦) ويعتقد الأطباء الأوربيون المحدثون أن التفرقة بين الطبقات تفرقه تعزل بعضها عن بعض، منشؤها إيمان عند البراهمة بوجود عوامل خفية في نقل الأمراض؛ وكثير من قوانين الصحة التي أوصى بها "سوشوترا" و "مانو" تسلم تسليماً- فيما يظهر- بما نسميه نحن المحدثون الذين نحب الأسماء الجديدة نطلقها على ما هو قديم، أقول إنها تسلم بما نسميه نحن المحدثون بنظرية المرض عن طريق الجراثيم (٤٧)؛ ويبدو لنا أن التنويم كوسيلة للعلاج قد نشأ عند
стр. 880
الهنود الذين كثيراً ما كونا ينقلون مرضاهم إلى المعابد لمعالجتهم بالإيحاء التنويمي أو "نعاس المعبد" كما كان يحدث في مصر واليونان (٤٨) والأطباء الإنجليز الذين أدخلوا طريقة العلاج بالتنويم في إنجلترا- وهم "بريد" و"ازديل" و"إِليوتسُن" "ولاشك في أن ما أوحى لهم بآرائهم تلك، وببعض خبرتهم، هو اتصالهم بالهند" (٤٩).
فالطب الهندي بصفة عامة قد تطور تطوراً سريعاً في العهدين الفيدي والبوذي، ثم أعقب ذلك قرون سار فيه التقدم بخطوات الوئيد الحذر؛ ولسنا ندري كم يدين "أتريا" و "ذانوانتاري" و "سوشوترا" لليونان، وكم تدين اليونان لهم؛ يقول "جارسن" إنه في أيام الإسكندر "كان لأطباء الهنود وجراحيهم شهرة- هم جديرون بها- بما يتميزون به من تفوق في العلم والمهارة في العمل"، وحتى أرسطو نفسه- في رأي طائفة من الباحثين- مدين لهم (٥٠) وكذلك قل في الفرس والعرب، فمن العسير أن تقطع برأي في مدى ما أخذه الطب الهندي من بغداد، ومن الطب البابلي في الشرق الأدنى عن طريق بغداد؛ فمن جهة ترى بعض طرائق العلاج مثل الأفيون والزئبق، وبعض وسائل الكشف عن حقيقة المرض مثل جس النبض، قد جاءت إلى الهند من فارس فيما يظهر؛ لكنك من جهة أخرى ترى الفرس والعرب قد ترجموا إلى لغتيهما في القرن الثامن الميلادي موسوعتي "سوشوترا" و "شراكا" اللتين كانتا قد مضى عليهما ألف عام (٥١) ولقد اعترف الخليفة هارون الرشيد بالتفوق العلمي والطبي للهنود، واستدعى الأطباء الهنود لتنظيم المستشفيات ومدارس الطب في بغداد (٥٢)؛ وينتهي "لورد آمِتهِل" إلى نتيجة هي أن أوربا الوسيطة والحديثة مدينة بعلمها الطبي للعرب بطريق مباشر، وللهند عن طريق العرب (٥٣)؛ ولعل هذا العلم الذي هو أشرف العلوم وأبعدها عن اليقين، قد نشأ في بلاد مختلفة في وقت واحد تقريباً، ثم جعل يتطور بما كان بين الأمم المتعاصرة في سومر ومصر والهند من صلات وتبادل فكري.