لقد كانت هذه الفلسفة أدق وأعمق مما ينتظر من صبي في العقد الثالث من عمره؛ ولم يكْف شانكارا أن يفصل أجزاءها فيما كتب، وأن يوفق في الدفاع عنها في نقاشه مع الناس، لكنه كذلك عبّر عن أجزاء منها في شعر هو من أرهف الشعر الهندي الديني إحساساً؛ ولما أن فرغ شانكارا من رد كل اعتراض وُجّه إليه، انتبذ صومعة في الهمالايا، وتقول الرواية الهندية إنه مات في سن الثانية والثلاثين (١٢٤)، ونشأت عشر جماعات دينية تحمل اسمه، واعتنق فلسفته كثير من الأتباع، ثم ارتقوا بها؛ وقد كتب أحد هؤلاء الأتباع- وبعضهم يقول: إن شانكارا نفسه هو الذي كتب- عرضاً شعبياً للفيدانتا، واسماه "موهامودجارا" ومعناها "مطرقة الحماقة"- عرض أسس المذهب عرضاً موجزاً في وضوح وقوة:
"أيها الأحمق! امح من نفسك هذا الظمأ للمال، واقتلع من قلبك كل الشهوات، واقنع نفساً بما تكسبه لك من "كارما" … لا يأخذنك زهو بمال أو أصدقاء أو شباب؛ إن الزمن يقضي عليها جميعاً في لحظة واحدة؛ فإذا ما أسرعت وتركت كل هذا- وإنه لملئ بالأوهام- فادخل حيث براهما … إن الحياة رجراجة مثل قطرة الماء على ورقة اللوتس … إن الزمن لاه والحياة زائلة- ومع ذلك فأنفاس الأمل لا تنقطع؛ إن الجسد قد أصابه التجعيد والشعر قد شاب، والفم قد خلا من أسنانه، والعصا ترتعش في قبضة اليد، ومع ذلك فالإنسان لا يني متشبثاً بمواضع الرجاء … احتفظ باتزانك دائماً … إن فشنو وحده يسكن فيك وفيّ الآخرين؛ ومن العبث أن تغضب أو تثور؛ انظر إلى نفس جزئية في النفس الكلية الشاملة، ولا تعد تفكر فيما بيننا من فوارق (١٢٥).
стр. 912
الفصل الثالث
نتائج الفلسفة الهندية
الانهيار - ملخص - نقد - أثرها
جاءت الفتوح الإسلامية فختمت على عصر الفلسفة الهندية؛ وأدت هجمات المسلمين- ثم هجمات المسيحيين فيما بعد- على الديانة القومية إلى انكماش هذه العقيدة القومية نفسها دفاعاً عن نفسها، فوحّدت أجزاءها، وحرّمت كل جدل في الدين، وألجمت حركة الزندقة مع أنها مصدر التجديد، بحيث لم يبق إلا اطراداً راكداً في التفكير؛ ولما جاء القرن الثاني عشر، وجد مذهب "الفيدانتا"- الذي حاول على يدي شانكارا أن يكون ديناً للفلاسفة- من يفسره من القديسين، مثل "رامانوجا" (حوالي ١٠٥٠ م) - تفسيراً لا يجعل فرقاً بينه وبين العبادة الأصلية القديمة لفشنو، وراما، وكرشْنا؛ ولما حرم على الفلسفة أن تفكر فكراً جديداً، لم يكفْها أن تنحدر إلى اسكولائية، بل باتت عقيماً، وجعلت تتلقى العقائد من الكهنوت، وراحت تتعب نفسها في البرهنة عليها، بحيث تبين ما بينها من مميزات للواحدة عن الأخرى دون أن تدل تلك المميزات على فروق حقيقية، مصطنعة في ذلك منطقاً بغير عقل (١٢٦).
ومع ذلك فالبراهمة قد استطاعوا في عزلتهم التي أووا إليها وتحت درع واقية اتخذوها من إلغاز عباراتهم إلغازاً لا يفهمه أحد سواهم، استطاعوا أن يصونوا المذاهب القديمة من العبث، بأن صبوها في (سُوترات) (أي حِكَم أو عبارات موجزة) غامضة، وتعليقات ملغزة؛ وبهذا نقلوا نتائج الفلسفة الهندية عبر الأجيال والقرون؛ وقد كانت كل هاتيك المذاهب، برهمية كانت أو غير برهمية، تعتبر ملكات العقل ضعيفة لا حول لها، أو خادعة إزاء
стр. 913
حقيقة الكون التي يراها الإنسان أو يحسها رؤية وإحساساً مباشرين (١).
وكل اتجاهاتنا العقلية التي ظهرت في القرن الثامن عشر، إن هي في رأي الميتافيزيقي الهندي إلا محاولة سطحية عابثة لإخضاع الكون الذي يستحيل حساب دقائقه، لتصورات سيدة رقيقة ممن يرتدن "الصالونات الأدبية"؛ "في ظلام دامس يمضي أولئك الذين يعبدون الجهل، وفي ظلام أشد دماسة يتخبط أولئك الذين يطمئنون نفساً بما لهم من علم" (١٢٩)؛ إن الفلسفة الهندية تبدأ حيث تنتهي الفلسفة الأوربية- وهو البحث في طبيعة المعرفة وفي حدود العقل؛ فهي لا تبدأ بمثل فيزيقياً "طاليس" و "ديمقريطس" ولكن بمثل نظرية المعرفة عن "لُكْ" و "كانْت"؛ والعقل عندها هو ذلك الذي ندركه إدراكا مباشراً، ولذا فهي تأبى أن تحلله إلى معلوم عرفناه بطريق غير مباشر، أي عرفناه بالعقل، وهي تسلّم بالعالم الخارجي، لأنها لا تؤمن بأن حواسنا في مقدورها أن تعرفه على حقيقته الواقعة؛ إن العلوم كلها جهل "رسميٌّ" وهو ينتمي إلى دنيا الظواهر "مايا" فهي تصوغ في ألفاظ وعبارات لا تنفك متغيرة، الجانب العقلي من عالم ليس العقل فيه إلا جزءًا يسيراً- إن العقل في هذا العالم تيار واحد متنقل في بحر ليس له حدود؛ بل إن الشخص نفسه الذي يقوم بالتدليل العقلي لا يزيد على ظاهرة "مايا" أي أنه وهم من الأوهام؛ فماذا عسى أن يكون سوى التقاء مؤقت لطائفة من حوادث، أو سوى عُقدة عابرة في مسارات المادة والعقل خلال المكان والزمان؟ - وماذا عسى أن تكون أفعاله وأفكاره سوى نتيجة لطائفة من القُوى التي سبقت بوجودها وجوده بعهد بعيد؟ ليس ثمة من حقيقة إلا براهما، ذلك المحيط الكوني الفسيح الذي
стр. 914
لا تكون صورة أي شئ إلا بمثابة موجة عابرة فيه، أو إن شئت فقل لا تكون صورة الشيء إلا نقطة زَبَدِ على موجة من موجاته؛ فليست الفضيلة هي ما في أعمال الخير من بطولة صامتة، كلا ولا هي نشوة من التقوى ينتشيها من يوصف بها؛ بل هي مجرد الاعتراف بوحدة النفي مع كل نفس أخرى في حقيقة واحدة هي براهما؛ والحياة الخلقية إن هي إلا ضرب من الحياة يكون أساسه الشعور بما بين الأشياء كلها من اتحاد (١)، "إن من يدرك كل الكائنات في نفسه، ويدرك نفسه في كل الكائنات، لن يصيبه شئ من القلق بعدئذ، إذ كيف يمكن أن يصاحبه بعد ذلك وهم أو أسى؟ " (١٣٠).
إن ما حال دون أن توسع هذه الفلسفة نطاقها بحيث تؤثر في المدنيات الأخرى، هو بعض الخصائص المميزة لها، التي لا يرى الهندي من وجهة نظرة شيئاً يعاب؛ فمنهجها، واصطلاحاتها الاسكولائية ومزاعمها الفيدية تحول بينها وبين أن تجد إقبالاً في أمم لها مزاعم أخرى، أو تثقفت بثقافات أكثر اتصالاً بهذا العالم الذي تعيش فيه؛ فمذهبها الخاص "بالمايا"- أي الظواهر- لا يبعث إلا قليلاً على الحياة الخلقية وفعل الفضيلة، وتشاؤمها هو بمثابة الاعتراف منها بأنها لم تفسر الشر، على الرغم من نظرية "الكارما" التي تحتوي عليها؛ وقد كان بعض تأثير هذه المذاهب الفلسفية، أن تزيد في حمل الناس على السكينة الهامدة في وجه الشرور التي كان يمكن عقلاً أن تصحح، أو إزاء عمل كان كأنما يصيح منادياً لعله يجد من يؤديه؛ ومع ذلك ففي هذه التأملات عمق، إذا ما قارنته بالفلسفات التي تحض على النشاط، والتي نشأت في مناطق أبعث على الفاعلية، أقول إن في هذه الفلسفات عمقاً يصبغ الفلسفات الأخرى الباعثة على النشاط، بلون التفاهة؛ فيجوز أن تكون
стр. 915
مذاهبنا الغربية التي وثقت وثوقاً شديداً بأن "المعرفة قوة" بمثابة أصوات شباب مضى، كان فيه شهوة تضخم له الطبيعة قدرة الإنسان ومستطاعه حتى إذا ما أنهكت قوانا في كفاحنا اليومي ضد الطبيعة التي لا تعبأ بنا، والزمن الذي يناصبنا العداء، ازددنا عندئذ رحابة صدر حين ننظر إلى الفلسفات الشرقية التي توصي بالاستسلام والسلام؛ ومن ثم كان أثر الفكر الهندي على الثقافات الأخرى أشد ما يكون، في العهود التي تتعرض فيها تلك الثقافات لعوامل الضعف والانهيار؛ فلما كانت اليونان تحرز نصراً بعد نصر، لم تصرف إلا قليلاً من سمعها لما يقوله فيثاغورس أو بارمنيدس؛ ثم لما أخذت اليونان في التدهور، ذهب أفلاطون وذهب معه الكهنة الأورفيون مذهب تناسخ الأرواح، وطفق زينون الشرقي يبشر بما أوشك أن يكون استسلاماً للقضاء والقدر، وتسليماً للدهر وصروفه؛ ولما كانت اليونان تحتضر، ارتاد أنصار الأفلاطونية الجديدة والغنوسطيون (الذين يأخذون بإمكان معرفة الله) حياض الهند يعبون من أعماقها؛ والظاهر أن ما أصاب أوروبا من فقر بسقوط روما وفتوح المسلمين للطرق الموصلة بين أوروبا والهند، قد كان حجر عثرة مدى ألف عام، يعرقل تبادل الأفكار بين الشرق والغرب تبادلاً مباشراً؛ لكن لم يكد البريطانيون يثبتون أقدامهم في الهند حتى جعلت كتب اليوبانشاد تحرك الفكر الغربي بإعادة نشرها، أو بترجمتها؛ فتصور فخته مذهباً مثالياً على شبه شديد بمثالية شانكارا (١٣٢) وأوشك شوبنهور أن يدخل في فلسفته مذاهب البوذية واليوبانشاد والفيدانتا، إدخالاً يجعلها جزءاً من فلسفته لا يتجزأ؛ وكانت اليوبانشاد في رأي شلنج وهو في شيخوخته أنضج ما وصل إليه الإنسان من حكمة؛ أما نيتشه فقد خالط بسمارك واليونان أمداً أطول من أن يتيح له الفرصة للعناية بثقافة الهند، ومع ذلك فقد اعتنق آخر الأمر فكرة آثرها على كل فكرة سواها، وهي فكرة ظلت متشبثة بعقله لا تبرحه إلا وهي فكرة دورة الحياة دورة أبدية تظل فيها تعيد ما مضى من مراحل- وما تلك
стр. 916
الفكرة إلا صورة من مذهب عودة الروح إلى التقمص في أجساد كثيرة.
إن أوروبا في عصرنا هذا تزداد أخذاً من فلسفة الشرق (١) كما يزداد الشرق أخذاً من علوم الغرب؛ ويجوز أن تنشأ حرب عالمية أخرى فتفتح أبواب أوروبا (كما انفتحت اليونان عند تحطم إمبراطورية الإسكندر، وكما انفتحت روما عند سقوط الجمهورية الرومانية) بحيث تتدفق فيها فلسفات الشرق وعقائده؛ فثورة الشرق على الغرب ثورة متزايدة، وفقدان الأسواق الآسيوية التي كان من شأنها أن تقيم صناعة الغرب وازدهاره، وضعف أوروبا لما يصيبها من فقر وانقسام وثورة، كل ذلك قد يجعل من هذه القارة المنقسمة على بعضها غنيمة سهلة لديانة جديدة تجعل الناس يعقدون رجاءهم في السماء، ويفقدون الأمل في الأرض؛ ويجوز جداً أن يكون الهوى وحده هو الذي يجعل مثل هذا المصير مستحيلاً في رأي الناس في أمريكا، لأن السكينة والاستسلام لا تتلاءم مع الجو الكهربائي الذي نعيش فيه، أو مع الحيوية التي تنشئ عن مصادر الثروة الغزيرة والأرض الفسيحة الأرجاء؛ ولا شك في أن مناخنا سيكون لنا في نهاية الأمر درعاً واقية.
стр. 917
الباب العشرون
أدب الهند
الفصل الأول
لغات الهند
السنسكريتية - اللهجات القومية - النحو
كما أن الفلسفة وكثيراً من الأدب في أوربا الوسيطة كانا يكتبان بلغة ميتة لا يفهمها الشعب، فكذلك كانت الفلسفة والأدب الكلاسيكي في الهند يكتبان بسنسكريتية كانت قد أهملت بين الناس كأداة للتفاهم منذ زمن طويل، لكنها عاشت لتكون لغة للعلماء الذين لا تربطهم لغة مشتركة أخرى، كأنها في ذلك لغة "الإسبرنتو" (التي يحاولون صناعتها لتكون أداة تفاهم بين الشعوب المختلفة الآن).
ولما كانت هذه اللغة الأدبية بعيدة عن الاتصال بحياة الأمة؛ فقد أصبحت نموذجاً يحتذيه من أراد أن يكون اسكولائيَّ التفكير أو مهذب اللسان؛ وكانت الكلمات الجديدة تصاغ - لا بخلق تلقائي يصدر من عامة الناس - بل تبعاً لحاجة المدارس في بحوثها الفنية؛ حتى انتهى الأمر بالسنسكريتية التي كتبت بها الفلسفة إلى فقدانها للبساطة القوية التي تلمسها في الترانيم الفيدية، وأصبحت أفعواناً صناعياً تزحف كلماتها على الصفحات زحفاً كأنها شرائط الدود (١).
стр. 918
ولكن عامة الناس في الوقت نفسه كانوا - في شمال الهند حول القرن الخامس قبل الميلاد - قد حوروا السنسكريتية إلى براكريتية، وما أشبه ذلك بإيطاليا حين غيرت اللاتينية إلى الإيطالية فأصبحت اللغة البراكريتية حيناً من الدهر لغة البوذية والجانتية، ولبثت كذلك حتى تطورت بدورها إلى الباليّة - وهي اللغة التي كتب بها أقدم ما هبط إلينا من الأدب البوذي (٢)؛ فلما أن كان ختام القرن العاشر من تاريخنا المسيحي، كان قد تولد عن هذه اللغات التي شهدتها "الهند الوسيطة" لهجات مختلفة كان أهمها اللغة "الهندية" ثم ولّدت هذه بدورها في القرن الثاني عشر اللغة الهندستانية التي باتت لغة النصف الشمالي من الهند؛ وأخيراً جاء الغزاة المسلمون وملئوا الهندستانية بألفاظ فارسية فكوّنوا بذلك لهجة جديدة هي الأردية؛ وهذه كلها لغات "هندية جرمانية" انحصرت في الهندستان؛ أما الدكن فقد احتفظت بلغتها الدرافيدية القديمة وهي: لغات "تامِلْ" و "تلوجو" و "كاناريس" و "وملايالام" وأصبحت لغة "تامِل" من بينها هي الأداة الأدبية الرئيسية في الجنوب؛ ولما كان القرن التاسع عشر حلّت الباليّة محل السنسكريتية لغة أدبية في البنغال، وكان الكاتب القصصي ("شاترجي" لهذه اللغة بمثابة "بوكاتشو" للإيطالية الحديثة) كما كان لها الشاعر طاغور بمثابة "بترارك"؛ وإنك لترى مائة لغة في الهند حتى في يومنا هذا على أن أدب الحركة الاستقلالية يستخدم لغة الفاتحين أداة للتعبير.
ولقد أخذت الهند منذ تاريخ عريق في القدم تتعقب جذور الألفاظ وتاريخها وعلاقاتها وتركيبها، ولم يظللها القرن الرابع قبل الميلاد حتى كانت قد اصطنعت لنفسها (١) علم النحو، وأنجبت من يجوز أن يكون أعظم النحاة جميعاً ممن نعرف وهو بانيني؛ وكانت دراسات بانيني، وباتايخالي (حوالي ١٥٠ م) وبهارْتريهاري (حوالي ٦٥٠ م) هي الأسس التي قام عليها علم اللغات؛
стр. 919
كما أن هذا العلم الشائق الذي يبحث في ولادة الألفاظ اللغوية، مدين بكل حياته تقريباً في العصور الحديثة لإعادة كشف الغطاء عن السنسكريتية.
ولم تكن الكتابة - كما رأينا - شائعة في الهند الفيدية، فحوالي القرن الخامس قبل الميلاد، اقتبست الكتابة الخاروسثية من أصول سامية، وبدأنا نسمع عن كاتبين في أدب الملاحم وفي الأدب البوذي (٣)، وكانت أوراق النخيل ولحاء الشجر يستخدمان أداة للكتابة كما كان القلم شبيه بمسمار من الحديد؛ وكانوا يدبغون لحاء الشجر دبغاً يجعله أصلب ديباجه، ثم يحفرون عليه الأحرف بالقلم، ويلطخون اللحاء بالحبر فيبقى في فجوات الحروف المحفورة ثم تمحى بقيته (٤) ولما جاء المسلمون أدخلوا معهم الورق (حوالي ١٠٠٠ م) لكن الورق لم يحل محل اللحاء تماماً إلا في القرن السابع عشر، وكانوا ينفذون خيطاً سميكاً في صفحات اللحاء لتربطها معاً على الترتيب المطلوب، على أن تجمع الكتب المكونة من أمثال هذه الصفحات في مكتبات أطلق الهنود عليها اسم "خزائن إلهة الكلام" وقد بقيت لنا مجموعات ضخمة من هذا الأدب الخشبي على الرغم مما تعاورها من تدميرات الزمن والحروب (١).
стр. 920
الفصل الثاني
التعليم
المدارس - الطرق - الجامعات - التعليم
الإسلامي - إمبراطور يتحكم في التعليم
لبثت الكتابة ضئيلة القدر جداً في التعليم الهندي حتى القرن التاسع عشر ويجوز أن يكون مرجع ذلك إلى أن الكهنة لم يكن في صالحهم أن يجعلوا النصوص المقدسة أو الاسكولائية سرًّا مكشوفاً للجميع (٦)؛ أما التعليم فقد كان له نظام قائم تراه في تاريخهم مهما أوغلت في ماضيه (٧)، وكان يتولاه رجال الدين ويفسحون مجاله في أول الأمر لأبناء البراهمة وحدهم، ثم أخذوا على مرّ الزمن يوسّعون من نطاقه بحيث يشمل طبقة بعد طبقة، حتى نراه اليوم لا يستثني من الناس أحداً فيما عدا طبقة المنبوذين؛ ولكل قرية هندية معلمها يُنْفَق عليه من الرصيد العام وكان في البنغال وحدها - قبل مجيء البريطانيين - حوالي ثمانين ألفاً من المدارس الأهلية - مدرسة لكل أربعمائة نفس من السكان (٨) وربما كانت نسبة التعليم في ظل "أشوكا" أعلى منه اليوم في الهند (٩).
كان الأطفال يذهبون إلى مدرسة القرية من سبتمبر إلى فبراير، ويدخلونها في سن الخامسة ليتمُّوها في سن الثامنة (١٠) وكان التعليم ذا صبغة دينية غالبة كائناً ما كان موضوع الدراسة، وكانت الطريقة المألوفة هي الحفظ على ظهر القلب، ولم يكن لأحد مفرٌّ من حفظ نصوص الفيدات، ويشتمل منهج التعليم على القراءة والكتابة والحساب، لكنها لم تكن الهدف الأساسي للتعليم؛ وكان الخلق أجدر عندهم بالاعتبار من الذكاء، والنظام هو جوهر التعليم في المدارس؛ نعم إننا لا نسمع في تاريخهم شيئاً عن ضرب التلاميذ أو ما شابه ذلك من صارم الوسائل التأديبية، لكننا نجد أكثر اهتمامهم منصباً قبل كل
стр. 921
شئ على تكوين عادات للسلوك في الحياة بحيث تكون سليمة من المآخذ والشوائب (١١)، وفي سن الثامنة ينتقل التلميذ إلى "شيخ" يتولاه بعناية أكثر مراعاة للقواعد، و "الشيخ" هو معلم خاص أو رائد يعيش معه التلميذ، ويحسن أن يظل في صحبته تلك حتى سن العشرين؛ وكان يطلب إلى التلميذ أن يؤدي له بعض الخدمات، منها أحياناً ما كان حقيراً؛ كما يطالب بالتزام العفة والتواضع والنظافة والامتناع عن أكل اللحم في وجباته (١٢)، وقوام التعليم "الشاسْترات الخمس" أي العلوم الخمسة وهي: النحو، والفنون والصناعات، والطب، والمنطق، والفلسفة؛ وبعدئذ يطلق في الحياة مزوداً بنصح حكيم هو أن التعليم يأتي ربعه فقط من المعلم، وربعه من الدراسة الخاصة، وربعه من الزملاء، وربعه من الحياة (١٣).
وللطالب في نحو السادسة عشرة أن ينتقل من "شيخ" إلى إحدى الجامعات الكبرى التي كانت مفخرة الهند القديمة والوسيطة: بنارس وتاكسيلا وفداربها وأجانتا ويوجين ونالاندا؛ وكانت جامعة بنارس حصناً حصيناً للتعاليم البرهمية الأصيلة في أيام بوذا، كما لا تزال كذلك إلى يومنا هذا؛ وكانت جامعة تاكسيلا في عهد غزوة الإسكندر معروفة في آسيا كلها على أنها مقر الزعامة في البحث العلمي في الهند، وأشهر ما اشتهرت به مدرسة الطب فيها؛ واحتلت جامعة "يوجين" مكانة عالية في أسماع الناس بما فيها من علماء الفلك، كما اشتهرت جامعة أجانتا بتعليم الفنون؛ وإن واجهة أحد المباني المخربة في أجانتا لتدل بعض الدلالة على فخامة هذه الجامعات القديمة (١٤) وأنشئت جامعة "نالاندا" - وهي أشهر الجامعات بالمعاهد البوذية العالية - بعد موت منشئ العقيدة البوذية بزمن قصير وخصصت لها الدولة دخل مائة قرية لينفق عليها منه، وكان بها عشرة آلاف طالب، ومائة قاعة للمحاضرات، ومكتبات ضخمة، وست بناءات كبيرة للسكنى، وارتفاعها أربعة طوابق
стр. 922
يقول يوان شوانج أن مراصدها "كانت تنبهم معالمها في ضباب الصباح، وتعلو غرفاتها العليا على السحاب" (١٥)، وقد أحب هذا الحاج الصيني الكهل رهبان "نالاندا" العلماء وأحراشها الظليلة حباً جعله يقيم هناك خمسة أعوام؛ وهو يروي لنا أن الكثرة الغالبة من أولئك الذين أرادوا الدخول في حلقات المناقشة من النزلاء الأجانب " في نالادا " كانت تنسحب أمام ما تلاقيه من صعوبة المشكلات؛ وكان يسمح بالدخول لأولئك الذين تعمقوا العلوم القديمة والحديثة، لكن لم ينجح من كل عشرة أكثر من اثنين أو ثلاثة " (١٦).
وكان الطلاب الذين يساعدهم الحظ في الدخول يتعلمون مجاناً بما في ذلك أيضاً المسكن والغذاء، لكنهم لقاء ذلك كانوا يخضعون لنظام أوشك أن يكون كنظام الأديرة؛ ولم يكن الطالب يسمح له بالتحدث إلى امرأة، أو برؤية امرأة بل إن مجرد الرغبة في النظر إلى امرأة كان يعد عندهم خطيئة كبرى، على نحو ما جاء في العهد الجديد من قول هو أشد ما فيه من أقوال؛ وإذا اقترف طالب إثماً جنسياً، كان عليه أن يلبس جلد حمار مدة عام كامل، على أن يظل الذيل مرفوعاً إلى أعلى، وأن يجوب الآثم الطرقات، يطلب الصدقات ويعلن عن خطيئته؛ وكان الطلبة جميعاً يطالبون كل صباح بالاستحمام في أحواض السباحة العشرة الكبرى التابعة للجامعة؛ ومدة الدراسة اثنا عشر عاماً، ولو أن بعض الطلبة كان يقيم بالجامعة ثلاثين عاماً، وبعضهم يقيم بها حتى الممات (١٧).
وجاء المسلمون فهدموا الأديرة (في شمال الهند) كلها تقريباً، بوذيّها وبرهميّها على السواء، وأحرقت جامعة "نالاندا" إحراقاً أتى عليها سنة ١١٩٧ م وقتل كل رهبانها، وإنه ليستحيل علينا أبد الدهر أن نقدر ما كان في حياة الهند القديمة من خصوبة مسترشدين بما أبقى عليه هؤلاء المسلمون المتعصبون؛ ومع ذلك فلم يكن هؤلاء المخربون من الهمج، بل كان لهم ذوق في الجمال كما كان لهم براعة تشبه براعة العصر الحديث في استخدام التقوى لتحقيق ما يشاءون من
стр. 923
نهب وسلب؛ فلما اعتلى المغول عرش الحكم، جاءوا معهم بمستوى عال - ولو أنه ضيق الأفق - من الثقافة، فقد أحبوا الأدب حبهم للسيف، وعرفوا كيف يمزجون حصاراً ظافراً بقصائد الشعر؛ وكان التعليم عند المسلمين فردياً في أغلبه، فيستخدم أغنياء الآباء لأبنائهم المعلمين الخواصّ؛ وكانت نظرتهم إلى التعليم نظرة أرستقراطية تجعله شيئاً للزينة - وقليلاً ما اتخذوا التعليم وسيلة لغاية - يزدان به رجل الأعمال أو صاحب السلطان، كما تجعله عنصراً من عناصر الثورة والخطر العام إذا ما لُقّن لرجل قضي عليه بالفقر وضعة المنزلة؛ ويمكننا أن نتبين طرائق المعلمين من خطاب هو من رسائل التاريخ العظمى - وهو ما أجاب به أورنجزيب - وهو ملك - على معلمه السابق، وقد طلب إليه ذلك المعلم أن يخلع عليه منصباً وراتباً:
"ماذا تريد مني أيها المعلم؟ أيمكن في حدود العقل أن تطلب مني أن أجعلك أحد كبراء الأمراء في حاشيتي؟ دعني أقلها لك قولة صريحة، لو أنك علمتني كما كان أن ينبغي لك أن تفعل، لما كان ثمة أعدل من مثل هذا الطلب؛ لأنني أعتقد بأن الناشئ الذي أحسنت تربيته وتعليمه، مدين لأستاذه على الأقل بمقدار ما هو مدين لأبيه؛ ولكن أين عساي أن أجد مثل هذا التعليم الجيد مما لقّنتني؛ فقد علمتني أولاً أن الفرنجة جميعاً (هكذا يسمون الأوربيين فيما يظهر) لم يكونوا إلا جزيرة صغيرة، الله أعلم بضآلة قدرها، وأن ملك البرتغال هو أعظم ملوكها ثم يتلوه ملك هولندة، فملك إنجلترا، أما عن الملوك الآخرين كملك فرنسا وملك الأندلس، فقد صورتهم لي مثل صغار الراجات عندنا، قائلاً لي إن ملوك الهندستان يبزونهم جميعاً، وأنهم (ملوك الهندستان) … هم الأعلون بين الملوك وهم غزاة العالم وحاكموه؛ وأن ملوك فارس وأزبك وكشغر والتتر وكاني وبيجو والصين وماشينا يرتعشون خوفاً عند ذكر أسماء ملوك الهندستان؛ ألا ما أجمل ذلك من علم بأقطار العالمين! لقد كان واجب عليك أن تعلمني علماً دقيقاً بهذه الدول كلها، بحيث أميز
стр. 924
بعضها من بعض، وأفهم جيد الفهم ما هي عليه من قوة وأساليب حرب وعادات وديانات وحكومات ومصالح؛ وكان أوجب عليك أن تطلعني على صحيح التاريخ حتى أعلم نشأة تلك الدول وتقدمها وانهيارها، ومن ثم كنت أعلم كيف وبأي سبب من الأحداث والأخطاء حدثت تلك التطورات الكبرى والثورات العظمى في الإمبراطوريات والممالك؛ لقد كدت لا أعلم منك أسماء أجدادي، بناة هذه الإمبراطورية الأعلام، بَلْهَ أن تعلمني تاريخ حياتهم وما صنعوه حتى تم لهم مثل هذا الفتح العظيم؛ كنت منكباً على تعليمي اللغة العربية قراءة وكتابة؛ والحق أني شاكر لك ما سببته لي من مضيعة لوقتي في لغة تتطلب عشرة أعوام أو اثني عشر عاماً لكي يجيدها الطالب، كأنما ابن الملك يرى شرفاً له أن يكون عالماً نحوياً أو متضلعاً في القانون وأن يتعلم لغات غير لغات جيرانه، مع أنه يستطيع أن يحيا بغيرها خير حياة، ذلك الذي يحرص على وقته الثمين لكثير من مهام الأمور، هذه الأمور هي التي كان ينبغي أن يتعلمها؛ ودع عنك ابن الملك، وقل لي أين تلك الروح التي تستعبد نفسها - بغير شئ من النفور، بل بغير شئ من الشعور بالمهانة - في دراسة كئيبة جافة طويلة مملة، مثل هذه الدراسة لألفاظ اللغة" (١٨).
ويقول "بيرْنيَر" المعاصر: "هكذا كان أورنجزيب يمقت التحذلق في التعليم الذي كان يصطنعه معلموه؛ وبعض الدلائل في بلاطه تدل على أنه … أضاف إلى قوله ذاك قولاً آخر (١) وهو:
"ألا تعلم أن الطفولة إذا أُحْكِمَ الإشراف عليها، وهي كما نعلم حالة مصحوبة عادة بالذاكرة الجيدة، في مستطاعها أن تتلقى آلاف المبادئ السليمة
стр. 925
والتعاليم بحيث تنقش فيها نقشاً عميقاً ما بقي الإنسان حياً، وتحفز عقل الإنسان دائماً إلى جليل الأعمال؟ أليس يمكن تعلم القانون والصلاة والعلوم بلغتنا القومية كما نتعلمها بالعربية؟ لقد أنبأت أبي "شاه جهان" أنك ستعلمني الفلسفة؛ نعم إني أذكر جيداً أنك لبثت أعواماً طوالاً تسليني بمشكلات فارغة عن أشياء لا ترضي العقل في شيء على الإطلاق، وليست هي بذات نفع في المجتمع الإنساني، وهي أفكار خاوية ومجرد سبحات في الخيال، وليس فيها ما يميزها سوى أنها شديدة الصعوبة على الفهم، شديدة السهولة في النسيان … إني لا أزال أذكر أنك بعد أن أمتعتني - ولست أذكر كم طال أمد تلك المتعة - بفلسفتك الدقيقة، كان كل ما وعيته منها طائفة كبيرة من ألفاظ حوشية معقدة، تصلح لإيقاع الربكة والحيرة والملل في أحسن العقول؛ ولعلها لم توجد إلا لتستر غرور أمثالك من الرجال وجهلهم، هؤلاء الذين يحاولون إيهامنا بأنهم يعلمون كل شيء، وأن وراء هذه الألفاظ الغامضة المبهمة تختفي أسرار عظيمة لا يستطيع فهمها سواهم؛ فلو أنك أنضجتني بتلك الفلسفة التي تهيئ العقل للاستدلال المنطقي، وتعدّه شيئاً فشيئاً، الإعداد الذي يجعله لا يرضى بشيء إلا الحجج القوية؛ لو أنك زودتني بتلك المبادئ السامية والمذاهب الرفيعة التي تعلو بالروح على نكبات الزمن، وتركّزها في حالة نفسية لا يزعزعها شيء ولا يثيرها مثير، وتجنّبها الغرور بالنجاح في الحياة والانهيار أمام المحن؛ لو أنك حرصت على أن تمدني بمعرفة أنفسنا ومعرفة المبادئ الأولى للأشياء، وساعدتني على تكوين فكرة طيبة في عقلي عن عظمة الكون، وعما فيه من نظام عجيب وحركة في أجزائه؛ أقول لو أنك غرست في نفسي هذا الضرب من الفلسفة، لرأيت نفسي مديناً لك أكثر مما كان الإسكندر مديناً لأرسطو كثرة لا تدع مجالاً للمقارنة بين الحالتين، ولأيقنت أن من واجبي أن أعوضك على نحو يختلف عما جزاه هو به؛ ألم يكن واجباً عليك - بدل ريائك لي - أن تعلمني شيئاً
стр. 926
عن ذلك الموضوع البالغ الأهمية لملك، ألا وهو الواجبات المتبادلة بين الملك وشعبه، ماذا يجب على الملك إزاء الرعية، وماذا يجب على الرعية إزاء الملك؟ ألم يكن ينبغي عليك أن تذكر أنني لا بد يوماً مضطر إلى استخدام السيف في نزاعي مع أخوتي على حياتي وتاجي؟ … هل عنيت قط بأن تعلمني كيف أحاصر مدينة أو أن أُجَيَّش جيشاً؟ إنني مدين بهذه الأشياء لغيرك لا لك، اذهب وعد إلى القرية التي منها أتيت ولا تدع أحداً يعلم من أنت، ولا ماذا صار من أمرك" (١٩).
стр. 927
الفصل الثالث
الملاحم
"الماهابهاراتا" - قصتها - قالبها - "البهاجافاد - جيتا" -
ميتافيزيقا الحرب - ثمن الحرية - "الرامايانا" ترنيمة الغابة-
اغتصاب سيتا - الملاحم الهندية والملاحم اليونانية
لم تكن المدارس والجامعات إلا جزءاً من النظام التعليمي في الهند؛ فلما كانت الكتابة أقل قيمة هناك منها في سائر المدنيات، وكان التعليم الشفوي هو وسيلة الاحتفاظ بتاريخ الأمة وشعرها، ووسيلة نشرها في الناس، فقد نشرت الرواية الشفوية العلنية بين الناس أنفَس ما في تراثهم الثقافي من أجزاء؛ فكما قام رواة مجهولون بين اليونان بنقل الإلياذة والأوذيسية، وتوسيعها على مر الأجيال، كذلك فعل الرواة والخطباء في الهند بنقل الملاحم من جيل إلى جيل، ومن بلاط السلطان إلى عامة الشعب، تلك الملاحم التي ركز فيها البراهمة أساطيرهم الشعبية.
وفي رأي عالم هندي أن "الماهابهاراتا" هي (أعظم آية من آيات الخيال التي أنتجتها آسيا) (٢٠) وقال عنها سير تشارلز إلْيَتْ إنها: (قصيدة أعظم من الإلياذة) (٢١) ولا ارتياب في صدق هذا الحكم الأخير بمعنى من معانيه؛ بدأت الماهابهاراتا (حوالي سنة ٥٠٠ ق. م) قصيدة قصصية قصيرة، لا يتجاوز طولها حداً معقول، ثم أخذت تضيف إلى نفسها في كل قرن من القرون المتعاقبة حكايات ومقطوعات، وامتصت في جسمها قصيدة (بهاجافادجيتا) كما ضمت بعض أجزاء من قصة راما، حتى بلغ طولها في نهاية الأمر ٠٠٠ ر ١٠٧ زوج من أبيات الشعر الثمانية المقاطع - أي ما يساوي الإلياذة والأوذيسية مجتمعين سبع مرات واسم مؤلفها أسطوري، إذ ينسبها الرواة
стр. 928
لمن يسمونه (فياسا) وهي كلمة معناها "المنظم" (٢٢) فقد كتبها مائة شاعر، وصاغها ألف منشد، ثم جاء البراهمة في عهد ملوك جوبتا (حوالي ٤٠٠ م) فصبوا أفكارهم الدينية والخلقية في هذا المؤلف الذي بدأ على أيدي أفراد من طبقة الكشاترية؛ وبهذا خلعوا على القصيدة تلك الصورة الجبارة التي نراها عليها اليوم.
لم يكن موضوع القصيدة الأساسي مقصوداً به الإرشاد الديني بمعنى الكلمة الدقيق، لأنها تقص قصة عنف ومقامرة وحروب، فيقدم الجزء الأول من القصيدة "شاكونتالا" الجميلة (التي أريد لها أن تكون بطلة في أشهر مسرحية هندية) وابنها القوي (بهارفا)؛ الذي من أصلابه جاءت قبائل (بهاراتا العظيم) (أي الماهابهاراتا) وقبائل كورو وباندافا التي تتألف من حروبها الدموية سلسلة الحكاية ولو أنه كثيراً ما تخرج الحكاية عن موضوعها لتعرج على موضوعات أخرى؛ فالملك "يوذسشيرا" - ملك البندافيين - يقامر بثروته حتى تضيع كلها، ثم بجيشه وبمملكته وبإخوته وأخيراً بزوجته "دراوبادي" وكان في هذه المقامرة يلاعب عدواً له من قبيلة كورو، كان يلعب بزهرات مغشوشة، وتم الاتفاق على أن يسترد الباندافيون مملكتهم بعد اثني عشر عاماً يتحملون فيها النفي من أرض وطنهم وتمضي الاثنا عشر عاماً، ويطالب الباندافيون أعداءهم الكوريين برد أرضهم، لكن لا جواب، فتعلن الحرب بين الفريقين ويضيف كل فريق إلى نفسه حلفاء حتى تشتبك الهند الشمالية كلها تقريباً في القتال (١) وتظل الحرب ناشبة ثمانية عشر يوماً، وتملأ من الملحمة خمسة أجزاء، وفيها يلاقي الكوريون جميعا مناياهم، كما يقتل معظم الباندافيين فالبطل (بهشما) وحده يقتل مائة ألف رجل في عشرة أيام، ويروي لنا الشاعر الإحصائي أن عدد من سقط في القتال قد بلغ عدة مئات من ملايين الرجال (٢٣)؛ وتسمع "جانذاري"-
стр. 929
الملكة زوجة ملك كورو الأعمى واسمه "ذريتا راشترا" - تسمعها وسط هذا المشهد الدامي المترع بمناظر الموت، تصرخ جازعة عندما تبصر العقبان محومة في لهفة الشره فوق جثة ابنها الأمير "درْيوذان":
ملكة طاهرة وامرأةٌ طاهرة، فاضلة أبداً خيِّرةٌ أبداً
هي "جانذارا" التي وقفت وسط الميدان شامخة في حزنها العميق
والميدان مليء بالجماجم، وجدائل الشعر انعقدت عليها الدماء،
وقد اسود وجهه بأنهار من دم متجمد؛
والميدان الأحمر مليء بأطراف من لا يحصيهم العد من المقاتلين …
وعواء أبناء آوي الطويل المديد يرن فوق منبطح الأشلاء
والعُقاب والغراب الأسحم يرفرفان أجنحة كريهة سوداء
وسباع الطير تملأ السماء طاعمة من دماء المحاربين
وجماعات الوحش البغيضة تمزق الأجساد الملقاة شلوا شلوا
سيق الملك الكهل في هذه الساحة، ساحة الأشلاء والموت
ونساء كورو بخطوات مرتعشة خطون وسط أكداس القتلى
فدوت في أرجاء المكان صرخات عالية من جزع
عندما رأين القتلى أبنائهن وآبائهن وأخوتهن وأزواجهن
عندما رأين ذئاب الغابة تطعم بما هيأ لها القدر من فرائس
عندما رأين جوَّابات الليل السود ساعيات في ضوء النهار
ورنت أرجاء الميدان المخيف بصرخات الألم وولولة الجزع
فخارت منهن الأقدام الضعيفة، وسقطن على الأرض
وفقد أولئك الراثيات كلَّ حسٍّ وكل حياة، إذ هن في إغماءة من حزن مشترك.
стр. 930
ألا إن الإغماءة الشبيهة بالموت، التي تعقب الحزن، فيها لحظة قصيرة من راحة للمحزون.
ثم انبعثت من صدر "جانذاري" آهةٌ عميقة من قلب مكروب ونظرت إلى بناتها المحزونات،
وخاطبت كرِشنا قائلة:
"انظري إلى بناتي اللائي ليس لهن عزاء، انظري إليهن وهن ملكاتٌ أرامل لبيت كورو.
انظري إليهن باكيات على أعزائهن الراحلين، كما تبكي إناث النسور ما فقدت من نسور
انظري كيف يثير في قلوبهن حب المرأة كلُّ قَسْمة من هاتيك القسمات الباردة الذاوية
انظري كيف يجبن بخطوات قلقة وسط أحساد المقاتلين وقد أخمدها الموت
وكيف تضم الأمهات قتلى أبنائهن إذ هم في نومهم لا يشعرون
وكيف تنثني الأرامل على أزواجهن فيبكين في حزن لا ينقطع …
هكذا جاءت الملكة "جانذاري" لتبلّغ "كرِشْنا" حزين أفكارها؛
وعندئذ - واحسرتاه - وقع بصرها الحائر على ابنها "درْيوذان"
فأكل صدرها غمٌّ مفاجئ، وكما زاغت حواسُّها عن مقاصدها
كأنها شجرة هزتها العاصفة، فسقطت لا تحس الأرض التي سقطت عليها؛
ثم صحت في أساها من جديد، وأرسلت بصرها من جديد
إلى حيث رقد ابنها مخضباً بدمائه يلتحف السماء
стр. 931
وضمت عزيزها درْيوذان، ضمته قريباً من صدرها
وإذ هي تضم جثمانه الهامد اهتز صدرها بنهنهة البكاء
وانهمرت دموعها كأنها مطر الصيف، فغسلت به رأس النبيل
الذي لم يزل مزدانا بأكاليله، لم يزل تكلله أزاهير المشكا ناصعة حمراء
"لقد قال لي ابني العزيز درْيوذان حين ذهب إلى القتال، قال:
"أماه ادْعي لي بالغبطة وبالنصر إذا ما اعتليت عجلة المعمعة"
فأجبت: عزيزي درْيوذان: "اللهم - يا بني - اصرف عنه الأذى ألا إن النصر آت دائماً في ذيل الفضيلة"
ثم انصرف بقلبه كله إلى المعركة، ومحا بشجاعته كلَّ خطاياه
وهو الآن يسكن أقطار السماء حيث ينتصر المحارب الأمين
ولست الآن أبكي دريوذان، فقد حارب أميراً ومات أميراً
إنما أبكي زوجي الذي هده الحزن، فمن يدري ماذا هو ملاقيه من نكبات؟
"اسمع الصيحة الكريهة يبعثها أبناء آوي، وأنظر كيف يرقب الذئاب الفريسة -
وأرادت العذارى الفاتنات بما لهن من غِناء وجمال أن يحرسنه في رقدته،
اسمع هاتيك العقبان البغيضة المخضبة مناقيرها بالدماء، تصفق بأجنحتها على أجسام الموتى -
والعذارى يلوحن بمراوح الريش حول درْيوذان في مخدعه الملكي
انظر إلى أرملة درْيوذان النبيلة، الأم الفخورة بابنها الباسل لاكشمان
إنها في جلال الملكة شباباً وجمالاً، كأنها قُدّتْ من ذهب خالص
انتزعوها من أحضان زوجها الحلوة، ومن ذراعي ابنها يطوقانها
كتب عليها أن تقضي حياتها كاسفة حزينة، رغم شبابها وفتنتها
стр. 932
ألا مزق اللهم قلبي الصلب المتحجر، واسحقه بهذا الألم المرير
هل تعيش "جانذاري" لتشهد ابنها وحفيدها النبيلين مقتولين؟
وانظر مرة أخرى إلى أرملة درْيوذان، كيف تحتضن رأسه الملطخ بدمه الخاثر
انظر كيف تمسك به على سريره في رفق بيدين رقيقتين رحيمتين
انظر كيف تدير بصرها من زوجها العزيز الراحل إلى ابنها الحبيب
فتختنق عبرات الأم فيها أنّةَ الأرملة وهي أنَّةٌ مريرة
وإن جسدها لذهبي رقيق كأنه من زهرة اللوتس
أواه يا زهرتي، أواه يا ابنتي، يا فخر "بهارات" ويا عز "كورو"
ألا إن صدقتْ كتب الفيدا، "فدريوذان" الباسل حي في السماء
ففيم بقاؤنا على هذا الحزن، لا ننعم بحبه العزيز؟
إن صدقت آيات "الشاسترا" فابني البطل مقيم في السماء
ففيم بقاؤنا في حزن مادام واجبهما الأرضي قد تأدَّى.
فالموضوع موضوع حب وحرب، لكن آلاف الإضافات زيدت عليه في شتى مواضعه؛ فالإله "كرشنا" يوقف مجرى القتال حيناً بقصيدة منه يتحدث فيها عن شرف الحرب و "كرِشنا" و "بهشْما" وهو يحتضر، يؤجل موته قليلاً حتى يدافع عن قوانين الطبقات والميراث والزواج والمِنَح وطقوس الجنائز، ويشرح فلسفة كتب "السانخيا" و "يوبانشاد" ويروي طائفة من الأساطير والأحاديث المنقولة والخرافات، ويلقي درساً مفصلاً على "يودشثيرا" في واجبات الملك؛ كذلك ترى أجزاء مُعْفَرَّة جدباء في سياق الملحمة تقص شيئاً عن الأنساب وعن جغرافية البلاد وعن اللاهوت والميتافيزيقا، فتفصل بين ما في الملحمة من رياض نضرة فيها أدب مسرحيٌّ وحركة، وفي ملحمة
стр. 933
"الماهابهاراتا" حكاية جامحة الخيال، وقصص خرافية، وغرامية، وتراجم للقديسين، فيتعاون كل هذا على جعل الملحمة أقل قيمة في صورتها الفنية، وأخصب فكراً، من الإلياذة أو الأوذيسية؛ فهذه القصيدة التي كانت في بادئ أمرها معبرة عن طبقة الكشاترية (المحاربين) من حيث تبجيلها للحركة والنشاط والبطولة والقتال، قد أصبحت على أيدي البراهمة أداة لتعليم الناس قوانين "مانو" ومبادئ "اليوجا" وقواعد الأخلاق وجمال النرفانا؛ وترى "القاعدة الذهبية" معبَّراً عنها في صور كثيرة (١) وتكثر في القصيدة الحِكَم الخلقية ذات الجمال وصدق النظر (٢) وفيها قصص جميلة عن الوفاء الزوجي ("نالا" و "دامايانتي" و "سافترْي") تصور للنساء اللائي يستمعن لها، المثل العليا البرهمية للزوجة الوفية الصابرة.
وفي غضون الرواية عن هذه المعركة الكبرى، بُثت قصيدة هي أسمى قصيدة فلسفية يعرفها الشعر العالمي جميعاً، وهي المسماة "بهاجافاد - جيتا" ومعناها (أنشودة المولى)، وهي بمثابة "العهد الجديد" في الهند، يبجلونها بعد كتب الفيدا نفسها، ثم يستعملونها لحلف الأيمان في المحاكم كما يستعمل الإنجيل أو القرآن (٢٨)؛ ويقرر "ولهلم فون همبولت" أنها "أجمل أنشودة فلسفية موجودة في أي لغة من اللغات المعروفة، وربما كانت الأنشودة الوحيدة الصادقة في معناها … ويجوز أن تكون أعمق وأسمى ما يستطيع العالم كله أن يبديه من آيات" (٢٩)؛ وقد هبطت إلينا "الجيتا" بغير اسم ناظمها أو تاريخ
стр. 934
نظمها، وهي في ذلك تشاطر سائر ما للهند من آيات الإبداع في الجهل بأصحابها، وعلة ذلك أن الهند لا تعنى بما هو فرديّ أو جزئيّ؛ وربما يرجع تاريخها إلى سنة ٤٠٠ ق. م (٣٠) أو ربما كانت أحدث من ذلك بحيث ترجع إلى سنة ٢٠٠ م (٣١).
ومشهد القصيدة هو المعركة التي نشبت بين الكوريين والباندافيين؛ والموقف الذي قيلت فيه هو ما أبداه "أرجونا" المحارب الباندافي من رغبة عن قتال ذوي قرباه في صفوف الأعداء قتالاً مميتاً؛ فاسمع "أرجونا" وهو يوجّه الخطاب إلى "المولى كرشنا" الذي كان يحارب إلى جواره كأنه إله من آلهة هومر، لترى كيف يعبر بخطابه عن فلسفة غاندي والمسيح:
"إن الأمر كما أراه هو أن هذا الحشد من ذوي قربانا
قد تجمع هاهنا ليسفك دماً مشتركاً بيننا؛
ألا إن جسدي ليخور وَهَناً، ولساني يجف في فمي …
ليس هذا من الخير يا "كِشاف"! يستحيل أن ينشأ خير
من فريقين يفتك كل منهما بالآخر! انظر،
إنني أمقت النصر والسيادة، وأكره الثروة والترف
إن كان كسبهما عن هذا الطريق المحزن! وا أسفاه،
أي نصر يسرّ يا "جوفندا" وأي الغنائم النفيسة ينفع،
وأي سيادة تعوض، وأي أمد من الحياة نفسها يحلو،
إن كان شيء من هذا كله قد اشتريناه بمثل هذه الدماء؟ …
فإذا ما قتلنا
أقرباءنا وأصدقاءنا حباً في قوة دنيوية
فيالها من غلطة تنضح شراً!
إنه لخير في رأيي، إذا ما ضرب أهلي ضربتهم،
أن أواجههم أعزل من السلاح، وأن أعَرّي لهم صدري،
стр. 935
فيتلقى منهم الرماح والسهام، ذلك في رأي خير من مبادلتهم ضربة بضربة).
وهاهنا يأخذ "كرشنا"- الذي تحمل ربوبيته على الحد من نشوته بالمعركة- في بسط وجهة نظره واثقاً من صحة ما يقول ثقة استمدها من كونه ابن فشنو، وهي أن الكتب المنزلة، والرأي عند خيرة الراسخين في العلم، هو أنه من الخير والعدل أن يقتل الإنسان ذوي قرباه في الحرب؛ وأن واجب "أرجونا" هو أن يتبع قواعد طبقته الكشاترية، وأن يقاتل ويقتل أعداءه بضمير خالص وإرادة طيبة، لأنه على كل حال لا يقتل إلا الجسد، وأما الروح فباقية؛ وهنا تراه يشرح ما جاء في "سانخيا" عن "بوروشا" التي لا يأتيها العطب، وما جاء في "يوبانشاد " عن "أتمان" التي لا تفنى:
"اعلم أن الحياة لا تفنى، فتظل تبثّ حياةً في الكون كله؛
يستحيل على الحياة في أي مكان، وبأية وسيلة،
أن يصيبها نقص بأي وجه من الوجوه، ولا أن يصيبها خمود أو تغير
أما هذه الهياكل الجسدية العابرة، التي تبث فيها الحياة
روحاً لا تموت ولا تنتهي ولا تحدها الحدود -
ففانية؛ فدعها- أيها الأمير- تَفْنَ، وامض في قتالك!
إن من يقول: "انظر، لقد قتلت إنساناً! "
وإن من يظن لنفسه: "هاأنذا قد قُتِلْت! "
فكلا هذين لا يعلم شيئاً؛ إن الحياة لا تَقْتل
وإن الحياة لا تُقْتل! إن الروح لم تولد قط، ولن تفنى
إن الزمان لم يشهد لحظة خلت من الروح، إن النهاية والبداية أحلام!
إن الروح باقية إلى الأبد بغير مولد وبغير موت وبلا تغير
стр. 936
إن الموت لم يمسسها قط، وإن خيل لنا أن وعائها الجسدي قد مات"
ويمضي "كرشنا" في إرشاد "أرجونا" في الميتافيزيقا، مازجاً في تعليمه كتاب "سانخيا" بكتاب "فيدانتا" بحيث يحصل منهما على مركب فريد يقبله أنصار مذهب "فايشنافيت"؛ فهو يقول عن الأشياء كلها، موحداً بين ذاته والكائن الأسمى، يقول عن الأشياء كلها إنها:
"تتعلق بي
كما تتعلق مجموعة من الخرزات على الخيط؛
أنا من الماء طعمه العذب
وأنا من القمر فضته ومن الشمس ذهبها؛
أنا موضع العبادة في الفيدا، والهزة التي
تشق أجواز الأثير، والقوة
التي تكمن في نطفة الرجل؛ أنا الرائحة الطيبة الحلوة
التي تعبق من الأرض البليلة؟ وأنا من النار وهجها الأحمر
وأنا الهواء باعث الحياة، يتحرك في كل ما هو متحرك
أنا القدسية فيما هو مقدس من الأرواح، أنا الجذر
الذي لا يذوي، والذي انبثق منه كل ما هو كائن،
أنا حكمة الحكيم، وذكاء
العليم، وعظمة العظيم،
وفخامة الفخيم …
إن من يرى الأشياء رؤية الحكيم،
يرى أن براهما بما له من كتب وقداسة،
والبقرة، والفيل، والكلب النجس،
стр. 937
والمنبوذ وهو يلتهم لحم الكلب، كلها كائن واحد"
هذه قصيدة زاخرة بألوانها المتباينة ومتناقضاتها الميتافيزيقية والخلقية التي تصور أضداد الحياة وتعقيدها؛ وإنه ليأخذنا شئ من الدهشة أن نرى الإنسان متمسكاً بما يبدو لنا موقفاً أسمى من الوجهة الخلقية، بينما الإله يدافع عن الحرب والقتل، معتمدا على أساس متهافت وهو أن الحياة غير قابلة للقتل، والفردية وَهْم لا حقيقة فيه؛ ولعل ما أراد المؤلف أن يحققه بقصيدته هو أن ينقذ الروح الهندية من الهمود المميت الذي فرضته العقيدة البوذية، وأن يوقظها لتحارب من أجل الهند؛ فهي بمثابة ثورة رجل من الكشاترية أحسّ أن الدين يوهن أمته، وارتأى في زهو أن هنالك أشياء كثيرة أنفَس من السلام؛ وقبل كل شئ كانت هذه القصيدة درساً لو حفظته الهند لجاز أن يصون لها حريتها.
وأما ثانية الملاحم الهندية فهي أشهر الأسفار الهندية وأحبها إلى النفوس (٣٥) وهي أقرب إلى أفهام الغربيين من "الماهابهاراتا"؛ وأعني بها "رامايانا"، وهي أقصر من زميلتها الأولى، إذ لا يزيد طولها على ألف صفحة قوام الصفحة منها ثمانية وأربعون سطراً؛ وعلى الرغم من أنها كذلك أخذت تزداد بالإضافات من القرن الثالث قبل الميلاد إلى القرن الثاني بعد الميلاد، فإن تلك الإضافات فيها أقل عدداً مما في زميلتها، ولا تهوش الموضوع الأصلي كثيراً؛ ويعزو الرواة هذه القصيدة إلى رجل يسمى "فالميكي"، وهو كنظيره المؤلف المزعوم للملحمة الأخرى الأكبر منها، يظهر في الحكاية شخصية من شخصياتها ولكن الأرجح أن القصيدة من إنشاء عدد كبير من المنشدين العابرين، أمثال أولئك الذين لا يزالون ينشدون هاتين الملحمتين، وقد يظلون يتابعون إنشادهما تسعين ليلة متعاقبة، على مستمعين مأخوذين بما فيها من سحر (٣٦).
وكما أن "الماهابهاراتا" تشبه "الإلياذة" في كونها قصة حرب عظيمة
стр. 938
أنشبتها الآلهة والناس، وكان بعض أسبابها استلاب أمة لامرأة جميلة من أمة أخرى؛ فكذلك تشبه "رامايانا" "الأوذيسية" وتقصّ عما لاقاه أحد الأبطال من صعاب وأسفار، وعن انتظار زوجته صابرة حتى يعود إليها فيلتئم شملها من جديد (٣٧)، وترى في فاتحة الملحمة صورة لعصر ذهبي، كان فيه "دازا- راذا" يحكم مملكته "كوسالا" (وهي ما يسمى الآن أوذا) من عاصمته "أيوذيا":
مزداناً بما تزدان به الملوك من كرامة وبسالة، وزاخراً بترانيم الفيدا المقدسة
أخذ (دازا- راذا) يحكم ملكه في أيام الماضي السعيد …
إذ عاش الشعب التقيُّ مسالماً، كثير المال رفيع المقام
لا يأكل الحسد قلوبهم؛ ولا يعرفون الكذب فيما ينطقون؛
فالآباء بأسْراتهم السعيدة يملكون ما لديهم من ماشية وغلة وذهب
ولم يكن للفقر المدقع والمجاعة في (أيوذيا) مقام.
وكان على مقربة من تلك البلاد مملكة أخرى سعيدة هي "فيديها" التي كان يحكمها الملك "جاناك"، وقد كان هذا الملك "يسوق المحراث ويحرث الأرض" بنفسه، فهو في ذلك شبيه ببطل اسمه "سِنْسِناتَسْ"؛ وحدث ذات يوم أنه لم يكد يلمس المحراث بيده، حتى انبثقت من مجرى المحراث في الأرض ابنة جميلة، هي " سيتا "، وما أسرع ما حان حين زواجها، فعقد "جاناك" مباراة بين خطّابها، فمن استطاع منهم أن يقوم اعوجاج قوس "جاناك" الذي يقاتل به، كانت العروس نصيبه؛ وجاء إلى المباراة أكبر أبناء "دازا- راذا" وهو "راما": "صدره كصدر الليث، وذراعاه قويتان، وعيناه ذهبيتان، مهيب كفيل الغابة، وقد عقد على ناصيته من شَعْره تاجاً" (٣٩) ولم يستطع أن يلوي القوس إلا "راما" فقدم إليه "جاناك" ابنته بالصيغة المعروفة في مراسم الزواج في الهند:
стр. 939
هذه سيتا ابنة جاناك وهي أعز عليه من الحياة
فلتقاسمك منذ الآن فضيلتك، ولتكن أيها الأمير زوجتك الوفية
هي لك في كل بلد، تشاركك عزاً وبؤساً
فأعِزَّها في سرّائك وضرّائك، واقبض على يدها بيدك
والزوجة الوفية لمولاها كالظل يتبع الجسد
وابنتي سيتا- زين النساء- تابعتك في الموت والحياة
وهكذا يعود "راما" إلى بلده "أيوذيا" بعروسه الأميرة-: "جبين من عاج، وشفة من المرجان، وأسنان تسطع بلمعة اللآلئ"- وقد كسب حب أهل كوسالا بتقواه ووداعته وسخائه؛ وما هو إلا أن دخل الشر هذه الفردوس حين دخلتها الزوجة الثانية "لدازا- راذا" وهي "كايكيي"؛ وقد وعدها "دازا- راذا" أن يجيبها إلى طلبها كائناً ما كان؛ فحملتها الغيرة من الزوجة الأولى التي أنجبت "راما" ولياً للعهد، أن تطلب من "دازا- راذا" نفي "راما" من المملكة أربعة عشر عاماً؛ فلم يسع "دازا- راذا" إلا أن يكون عند وعده، مدفوعاً إلى ذلك بشرف لا يفهم معناه إلا شاعر لم يعرف شيئاً من السياسة؛ ونفى ابنه الحبيب، بقلب كسير؛ ويعفو "راما" عن أبيه عفو الكريم، ويأخذ الأهبة للرحيل إلى الغابة حيث يقيم وحيداً؛ لكن "سيتا" تصر على الذهاب معه، وكلامها في هذا الموقف تكاد تحفظه عن ظهر قلب كل عروس هندية، إذ قالت:
"العربة والخيل المطهمة والقصر المذهّب، كلها عبث في حياة المرأة
فالزوجة الحبيبة المحبة تؤثر على كل هذا ظلّ زوجها …
إن "سيتا" ستهيم في الغابة، فذلك عندها أسعدُ مقاماً من قصور أبيها
إنها لن تفكر لحظة في بيتها أو في أهلها، ما دامت ناعمة في حب زوجها …
стр. 940
وستجمع الثمار الحوشية من الغابة اليانعة العبقة
فطعام (يذوقه "راما" هو أحب طعام عند "سيتا")
حتى أخوه "لاكشمان" يستأذن في الرحيل ليصحب "راما" فيقول:
"ستسلك طريقك المظلم وحيداً مع "سيتا" الوديعة،
هلاّ أذنت لأخيك الوفيّ "لاكشمان" بحمايتها ليلاً ونهاراً،
هلاّ أذنت "للاكشمان" بقوسه ورمحه أن يجوب الغابات جميعاً
فيسقط بفأسه أشجارها، ويبني لك الدار بيديه؟ ".
وعند هذا الموضع تصبح الملحمة نشيداً من أنشاد الغابات، إذ تقصّ كيف ارتحل "راما" و "سيتا" و "لاكشمان" إلى الغابات، وكيف سافر معهم عامر "أيوذيا" جميعاً طوال اليوم الأول، حزناً عليهم؛ وكيف يتسلل المنفيّون من أصحابهم الودودين خلسة في ظلمة الليل، مخلّفين وراءهم كل نفائسهم وثيابهم الفاخرة، وارتدوا لحاء الشجر ونسيجاً من كلأ، وأخذوا يشقوا لأنفسهم طريقاً في أشجار الغابة بسيوفهم، ويقتاتون بثمار الشجر وبندقها
"وطالما التفتت إلى "راما" حليلته، في غبطة وتساؤل تزدادان على مرّ الأيام
وتسأل ما اسم هذه الشجرة وهذا الزاحف وتلك الزهرة وهاتيك الثمرة مما لم تره من قبل …
والطواويس ترفّ حولهم مرحة، والقردة تقفز على محنيّ الغصون …
كان "راما" يثب في النهر تظلله أشعة الصبح القرمزية
وأما "سيتا" فكانت تسعى إلى النهر في رفق كما تسعى السوسنة إلى الجدول)
ويبنون كوخاً إلى جانب النهر، ويروضون أنفسهم على حب حياتهم في
стр. 941
الغابة لكن حدث أن كانت أميرة من الجنوب، وهي "سوربا- ناخا" تجوب الغابة، فتلتقي "براما" وتغرم به، وتضيق صدراً بالفضيلة التي يبديها لها، وتستثير أخاها "رافان" على المجيء ليختطف "سيتا"، وينجح أخوها في خطفها والفرار بها إلى قلعته البعيدة، ويحاول عبثاً أن يغويها بالضلال، ولما لم يكن ثمة مستحيل على الآلهة والمؤلفين، فقد حشد جيشاً جراراً، فتح به مملكة "رافان" وهزمه في القتال، وأنقذ "سيتا" وبعدئذ (وكانت أعوام نفيه قد كملت) فرّ معه قافلاّ بها إلى بلده "أريوذا" حيث وجد أخاً آخر له وفياً، فتنازل له عن عرش كوسالا.
وللملحمة ذيل يرجح أنه أضيف إليها متأخراً، وفيه يروى أن "راما" آمن آخر الأمر بأقوال المتشككين الذين لم يصدقوا أن تكون "سيتا" قد أقامت تلك المدة كلها في قصر رافان بغير أن تقع في أحضانه آنا بعد آن؛ وعلى الرغم من أنها اجتازت "محنة النار" لتدل على براءتها، فقد بعث بها إلى غاية بعيدة حيث تقيم في صومعة هناك، مزوّدة بألعوبة الوراثة المرّة التي تقضي على كل جيل من الناس أن يورّث خلفه تلك الخطايا والأغلاط التي ورثها هو من شيوخه في شبابه؛ وتلتقي "سيتا" في الغابة بفالميكي، وتلد طفلين "لراما"؛ وتمضي السنون، ويصبح الولدان منشدين جوّالين، يغنيان أمام "راما" المنكود الملحمة التي أنشأها عليه "فالميكي" مستمداً إيّاها من ذكريات "سيتا"، فيدرك أن الولدين ابناه، ويبعث برسالة إلى "سيتا" يرجوها الرجوع؛ لكن "سيتا" كانت قد تحطم قلبها بما أثير حولها من ريب، فغاصت في الأرض التي كانت في بادئ الأمر أمها؛ ويظل "راما" يحكم أعوام طوالاً في وحشة وأسى، وتبلغ "أريوذا" في عهده الرحيم عصرها الذهبي من جديد، ذلك الذي ذاقت طعمه في عهد "دازا- راذا":
يروي شيوخ الحكماء إبان عهد راما السعيد
стр. 942
أن رعيته لم تعرف الموت قبل أوانه ولا الأمراض الفاتكة.
ولم تبك الأرامل حزناً على أزواجهن لأن هؤلاء لم يموتوا عن زوجاتهم قبل اكتمال العمر
ولم تبك الأمهات هلعاً على الرضّع ففقدنهم في نعومة الأظفار.
ولم يحاول اللصوص والغشاشون والخادعون المرحون بالكذب سرقة أو غشاً أو خداعاً
وكل جار أحب جاره التقيّ، وأحب الشعب مولاه
وآتت الأشجار أكلها كاملة كلما حانت فصولها
ولم تتوان الأرض عاماً عن إخراج غلّتها في غبطة المعترف بالجميل
وأمطرت السماء في أوان المطر، ولم تعصف قط بالبلاد عاصفة تأتي على زرعها.
فكان كل واد يانع باسمٍ غنياً بمحصوله غنياً بمرعاه
وأخرج المِنْسَجُ السّندان صناعتهما، كما أخرجت الأرض الخصيبة المحروثة نبتها
وعاشت الأمة فرحة بعمل أجدادها الأولين
ألا ما أمتعها من قصة، يستطيع حتى المتشائم في عصرنا الحديث أن يستمتع بها، إذا كان من الحكمة بحيث يترك زمام نفسه آنا بعد آن لروعة الخيال ونغمة الغناء؛ فهذه الأشعار التي ربما كانت أحط قدراً من ملحمتي هومر من الوجهة الأدبية- في بنائها المنطقي وفخامة اللغة وعمق التصوير، والصدق في وصف الأشياء على حقائقها- تمتاز بدقة الشعور، وبإعلائها من شأن المرأة والرجل إعلاء مثالياً، وبتصوير الحياة تصويراً قوياً- وهو تصوير واقعي أحياناً؛ فلئن كان "راما" و "سيتا" أسمى خلقاً من أن يكونا شخصين حقيقيين، فغيرهما من الأشخاص مثل "دروبادي" و "يوذشثيرا" و "ذريتا- راشترا" و "جانذاري" يكادون يكونون في قوة الحياة التي تراها
стр. 943
في "أخيل" و "هيلانة" و "يوليسيز" و "بنلوب"؛ ويستطيع الهندي أن يحتج في حق قائلاً إن الأجنبي لا يمكنه قط أن يحكم على هاتين الملحمتين، بل لا يمكنه قط أن يفهمهما؛ فهما للهندي ليستا مجرد قصتين بل هما في رأيه بهو من أبهاء الصور، يشاهد فيه أشخاصاً مثاليين يمكنه أن ينسج في سلوكه على غرارهم، هما مستودع تستقر فيه التقاليد، كما تستقر فلسفة أمته ولاهوتها، فهما- بوجه من الوجوه- كتب مقدسة يقرأها الهندي على نحو ما يقرأ المسيحي "محاكاة المسيح" أو "تراجم القديسين"؛ إذ يعتقد الهندي الورع أن "كرِشْنا" و "راما" صورتان مجسدتان للألوهية، ولا يزال يتوجه إليهما بالصلاة،؛ وهو حين يقرأ أخبارهما في هاتين الملحمتين، يشعر بأنه يستمد من قراءته سمواً دينياً، كما يستمد متعة أدبية وارتفاعاً خلقياً؛ وهو يؤمن أن قراءته "لرامايانا" يطهره من أوزاره جميعاً ويجعله ينجب ولداً (٤٥)، كما أنه يقبل النتيجة المزهوَّة التي تنتهي إليها "الماهابهاراتا" قبول الإيمان الساذج، وهي:
"إذا قرأ المرء "الماهابهاراتا" وآمن بتعاليمها، تطهر من كل خطاياه، وصعد إلى السماء بعد موته … فالبراهمة بالقياس إلى سائر الناس، والزبد بالقياس إلى سائر ألوان الطعام … والمحيط بالقياس إلى بركة الماء، والبقرة بالقياس إلى سائر ذوات الأربع- كل ذلك يصور "الماهابهاراتا" بالقياس إلى سائر كتب التاريخ … إن من يصغي في انتباه إلى أشعار "الماهابهاراتا" المزدوجة الأبيات ويؤمن بما فيها، يتمتع بحياة طويلة وسمعة طيبة في هذه الحياة الدنيا، كما يتمتع في الآخرة بمقام أبدي في السماء" (٤٦).
стр. 944
الفصل الرابع
المسرحية
الأصول - "عربة الطين" - خصائص المسرحية الهندية -
كاليداسا - قصة "شاكنتالا" - تقدير المسرحية الهندية
المسرحية في الهند قديمة قدم الفيدات، بوجه من الوجوه، ذلك لأن بذورها الأولى على الأقل موجودة في كتب "يوبانشاد" ولا شك في أن للمسرحية بداية أقدم من هذه الكتب المقدسة، بداية أكثر فاعلية من تلك- وأعني بها الاحتفالات والمواكب الدينية التي كانت تقام للقرابين وأعياد الطقوس؛ وكان للمسرحية مصدر ثالث غير هذين، وهو الرقص- فلم يكن الرقص مجرد وسيلة لإخراج الطاقة المدخرة، وأبعد من ذلك عن الحقيقي أن نقول أنه كان بديلاً للعملية الجنسية، لكنه كان شعيرة جدية يقصد بها أن يحاكي ويوحي بالأعمال والحوادث الحيوية بالنسبة للقبيلة؛ وربما التمسنا مصدراً رابعاً للمسرحية، وهو تلاوة شعر الملاحم تلاوة علنية تدبّ فيها الحياة؛ فهذه العوامل كلها تعاونت على تكوين المسرح الهندي، وطبعته بطابع ديني ظل عالقاً به خلال العصر القديم كله (١) من حيث بناء المسرحية ذاتها، ومصادر موضوعاتها الفيدية والملحمية، والمقدمة التي كانت تتلى دائماً قبل البدء في التمثيل استنزالاً للبركة.
وربما كان آخر البواعث التي حفزتهم على إنشاء المسرحية، هو اتصال الهند باليونان اتصالاً جاء نتيجة لغزو الإسكندر فليس لدينا شاهد يدل على وجود المسرحية قبل "أشوكا"، كما أنه ليس بين أيدينا إلا دليل مشكوك في قوته، على أنها وجدت في عهده؛ وأقدم ما بقي لنا من المسرحيات الهندية
стр. 945
مخطوطات أوراق النخيل التي كشف عنها حديثاً في التركستان الصينية، وبينها ثلاث مسرحيات، تذكر إحداها أن اسم مؤلفها هو "أشفاغوشا" العالم اللاهوتي في بلاط "كانِشْكا"؛ لكن القالب الفني لهذه المسرحية، والشبه الذي بين شخصية "المضحك" فيها وبين النمط الذي عرفناه لمثل هذه الشخصيات في المسرح الهندي على مر العصور، قد يدلان على أن المسرحية كانت قائمة بالفعل في الهند قبل مولد "أشفاغوشا" (٤٧)، وحدث في سنة ١٩١٠ م أن وجدت في "ترافانكور" ثلاث عشرة مسرحية سنسكريتية، تُنسَبْ في شئ من الشك إلى "بهازا" (حوالي سنة ٣٥٠ م) وهو في الأدب المسرحي سلفٌ ظفر بكثير من التكريم من "كاليداسا" ففي مقدمة روايته "مالافيكا" توضيح جيد لنسبية الزمن والصفات، أثبته (أي كاليداسا) في تلك المقدمة عن غير وعي منه، فتراه يسأل: هل يليق بنا أن نهمل مؤلفات رجال مشهورين مثل "بهازا" و "ساوميلا" و "كافيبوترا"؟ هل يمكن للنظارة أن يحسُّوا بأقل احترام لما ينشئه شاعر حديث يسمى كاليداسا؟ " (٤٨).
وإلى عهد قريب كانت أقدم مسرحية هندية معروفة للباحثين العلميين هي "عربة الطين"، وفي النص- الذي ليس تصديقه حتماً علينا- ذكر لاسم مؤلفها، وهو رجل مغمور يعرف باسم "الملك شودراكا" يوصف بأنه خبير بكتب الفيدا وبالرياضة وترويض الفيلة وفن الحب (٤٩) ومهما يكن من أمر فقد كان خبيراً بالمسرح، ومسرحيته هذه أمتع ما جاءنا من الهند، وليس في ذلك سبيل إلى الشك- فهي مزيج- يدل على براعة- من الغناء والفكاهة، وفيها فقرات رائعة لها ما للشعر من حرارة وخصائص.
ولعل خلاصة موجزة لحوادثها أنفع في توضيح مميزات المسرحية الهندية من مجلد بأسره يكتب في شرحها والتعليق عليها؛ ففي الفصل الأول نلتقي بـ "شارو- داتا" الذي كان ذات يوم من الأغنياء، ثم أصابه الفقر لجوده
стр. 946
وسوء حظه؛ ويلعب صديقه "مايتريا"- وهو برهميّ فدْم- دور المضحك في المسرحية؛ ويطلب "شارو" من "مايتريا" أن يهب الآلهة قرباناً، ولكن البرهمي يرفض الطلب قائلاً: "ما غناء القربان للآلهة التي عبدتها ما دامت لم تصنع لك شيئاً؟ " وفجأة دخلت امرأة هندية شابة، من أسرة رفيعة ولها ثراء عريض، دخلت مندفعة في فناء دار "شارو" تلتمس فيه ملاذاً من رجل يتعقبها؛ وإذا بهذا المتعقب أخو الملك، واسمه "سامزثاناكا" وهو شرير إلى درجة بلغت غاية لم تدع فيه أدنى مجال للخير، حتى ليتعذر على الإنسان أن يصدق وجود مثل هذا الشر الخالص، على نحو ما كان" "شارو" خيّراً خالصاً لا سبيل إلى دخول الشر في نفسه؛ فيحمي "شارو" الفتاة اللائذة بداره، ويطرد " سامزثاناكا " الذي يتوعده بالانتقام، فيزدري منه هذا الوعيد وتطلب الفتاة- واسمها "فاسانتا- سينا"- من "شارو" أن يحفظ لها وعاء فيه جواهر كريمة تحت حراسته الآمنة، خشية أن يسرقه منها الأعداء، وخشية ألا تجد عذراً تتذرع به للعودة إلى زيارة منقذها؛ فيجيبها إلى ما طلبت، ويحفظ لها الوعاء، ويحرسها حتى يبلغ بها دارها الفخمة.
ويأتي الفصل الثاني بمثابة فاصل هزلي، فهذا مقامر هارب من مقامرين آخرين، يلوذ بأحد المعابد، فلما دخل هذان، وتخلص منهما بأن وقف وقفة التمثال كأنه وثن الضريح، ويقرصه المتعقبان ليريا إن كان حقيقة وثناً من الحجر، فلا يتحرك؛ فيتخليان عن البحث، ويتسليان بلعبة يلعبانها بالزهر "زهر القمار" بجوار المذبح؛ ويبلغ اللعب من إثارته للنفس مبلغاً تعذر معه على التمثال أن يضبط زمام نفسه، فوثب من على قاعدته، واستأذن ليشترك في اللعب؛ ويهزمه اللاعبان الآخران، فيجد في ساقيه السريعتين وسيلة للفرار مرة أخرى، وتنجيه "فاسانتا- سينا" التي عرفت فيه رجلاً كان فيما مضى خادماً عند "شارو- داتا".
ونرى في الفصل الثالث "شارو" و "مايتريا" عائدين من حفلة موسيقية
стр. 947
ويسطو على الدار لص فيسرق وعاء الجواهر الكريمة، فلما كشف "شارو" عن السرقة، أحسّ بالعار، وبعث إلى "فاسانتا- سينا" آخر ما يملكه من عقود اللؤلؤ، عوضاً لها.
ونرى في الفصل الرابع "شارفيلاكا" يقدم الوعاء المسروق إلى خادمة "فاسنتا- سينا" ابتغاء حبها؛ فلما عرفت أنه وعاء سيدتها، ازدرت "شارفيلاكا" لأنه لص، فيجيبها في مرارة نعرفها في شوبنهور، قائلاً:
إن المرأة- إذا ما بذلتَ لها المال- ابتسمت أو بكتْ
ما أردتَ لها الابتسام أو البكاء؛ إنها تحمل الرجل
على الثقة فيها، لكنها هي لا تثق فيه،
إن النساء متقلبات الأهواء كموج
المحيط؛ إنّ حبهن مفلات هروب
كأنه شعاع من ضوء الشمس الغاربة فوق السحاب،
إنهن يرتمين بميل شديد على الرجل
الذي يعطيهن مالاً، وما زلن يعتصرن ماله
اعتصارهن لعصارة النبات المليء، ثم ينبذونه نبذاً
لكن الخادمة تدحض كلامه هذا بعفوها عنه كما تدحضه "فاسانتا- سينا" بالإذن لهما بالزواج.
وفي فاتحة الفصل الخامس تأتي "فاسانتا- سينا" إلى بيت "شارو" لكي تعيد له جواهره، وتعيد كذلك وعاءها؛ وبينما هي هناك، عصفت عاصفة تصفها بالسنسكريتية وصفا رائعاً (١)؛ وتتفضّل عليها العاصفة بالزيادة من ثورة غضبها، إذ اضطرتها بذلك- اضطراراً جاء وفق ما تشاء وتهوى- أن تبيت ليلتها تحت سقف شارو.
стр. 948
ونرى في الفصل السادس "فاسانتا" وهي تغادر بيت "شارو" في الصباح التالي؛ وبدل أن تدخل العربة التي أعدها لها، أخطأت فدخلت عربة يملكها "سامزثاناكا" الشرير؛ وفي الفصل السابع حبكة فرعية ليست بذات أثر كبير على موضوع المسرحية؛ ونرى "فاسانتا" في الفصل الثامن ملقاة- لا في قصرها كما توقعت- بل في بيت عدوها، بل توشك أن تكون في أحضان ذلك العدو؛ فلما عاودته بازدراء حبّه إياها، خنقها ودفنها؛ ثم ذهب إلى المحكمة واتهم شارو بقتل "فاسانتا" بغية الوصول على أحجارها الكريمة.
وفي الفصل التاسع وصف للمحاكمة، حيث يخون "مايتريا" سيده خيانة غير مقصودة، وذلك بأن أسقط من جيبه جواهر "فاسانتا"؛ فحكم على "شارو" بالموت؛ ونراه في الفصل العاشر في طريقه إلى حيث ينفذ فيه الإعدام؛ ويلتمس ابنه من الجلادين أن يضعوه مكان أبيه، لكنهم يرفضون؛ ثم تظهر "فاسانتا" في اللحظة الأخيرة؛ فقد شاهد "شارفيلاكا" "سامزثاناكا" وهو يدفنها، فأسرع إلى إخراج جسدها قبل فوات الأوان، وأعادها إلى الحياة؛ وانقلب الوضع، فقد أنقذت "فاسانتا" "شارو" من الموت؛ واتهم "شارفيلاكا" أخا الملك بتهمة القتل؛ لكن "شارو" أبى أن يؤيد الاتهام، فأطلق سراح "سامزثاناكا" وعاش الجميع عيشاً سعيداً (٥٠).
لما كان الوقت في الشرق، حيث يكاد العمل كله يتم أداؤه بأيد بشرية، أوسع منه في الغرب، حيث وسائل توفير الوقت كثيرة جداً، كانت المسرحيات الهندية ضعف المسرحيات الأوروبية في عصرنا هذا؛ فيتراوح عدد الفصول من خمسة إلى عشرة، وكل فصل منها ينقسم في غير إزعاج للنظارة إلى مناظر، بحيث يكون أساس الانقسام خروج شخصية ودخول أخرى؛ وليس في المسرحية الهندية وحدة للمكان ووحدة للزمان، وليس فيها ما يحد سرحات الخيال؛ والمناظر على المسرح قليلة، لكن الثياب زاهية الألوان، وأحياناً
стр. 949
يدخلون على المسرح حيوانات حية فتزيد من حركة المسرحية نشاطاً (٥١) وتبث روحاً فيما هو صناعي بما هو طبيعي فترة من الزمن؛ ويبدأ التمثيل بمقدمة يناقش فيها أحد الممثلين أو مدير المسرح موضوع الرواية، والظاهر أن "جيته" أخذ عن "كاليداسا" فكرة المقدمة لرواية "فاوست"؛ ثم تخدم المقدمة بتقديم أول شخصية من الممثلين، فيأتي هذا ويخوض في قلب الموضوع؛ والمصادفات لا عدد لها، وكثيراً ما ترسم العوامل الخارقة للطبيعة خط السير للحوادث؛ ولا تخلو مسرحية من قصة غرامية، كما لابد لها من "مضحك"؛ وليس في الأدب المسرحي الهندي مأساة، إذ لا مندوحة لهم عن اختتام الحوادث بخاتمة سعيدة؛ وحتم في المسرحية أن ينتصر الحب الوفيّ دائماً، وأن تكافأ الفضيلة دائماً، وأقل ما يدعوهم إلى فعل ذلك أن يجئ بمثابة الموازنة مع الواقع؛ وتخلو المسرحية الهندية من المناقشات الفلسفية التي كثيراً جداً ما تعترض مجرى الشعر الهندي؛ فالمسرحية مثل الحياة، لا بد أن تعلّم بالفعل وحده، وألا تلجأ أبداً في ذلك إلى مجرد الكلام (١)، ويتعاقب في سياق المسرحية الشعر الغنائي والنثر، حسب جلال الموضوع والشخصية والفعل؛ والسنسكريتية هي لغة الحديث لأفراد الطبقات العالية في الرواية، والبراكريتية هي لغة النساء والطبقات الدنيا؛ والفقرات الوصفية في تلك المسرحيات بارعة، وأما تصوير الشخصيات فضعيف؛ والممثلون- وفيهم نساء- يجيدون أداء التمثيل، فلا هم يتسرعون كما هي الحال في الغرب، ولا هم يسرفون في البطء كما يفعل أهل الشرق الأقصى؛ وتنتهي الرواية بخاتمة يتوجّه فيها بالدعاء إلى الإله المحبب عند المؤلف أو عند أهل الإقليم المحلي، ليهيئ أسباب السعادة للبلاد.
стр. 950
وأشهر المسرحيات الهندية هي "شاكونتالا" لـ "كاليداسا" لم يزاحمها في ذلك مزاحم منذ ترجمها "سير وليم جونز" وامتدحها "جيته"؛ ومع ذلك فكل ما تعرفه لكاليداسا ثلاث مسرحيات، مضافاً إليها الأساطير التي أدارتها حول اسمه ذاكرات المعجبين؛ والظاهر أن قد كان أحد "الجواهر التسع"- من الشعراء والفنانين والفلاسفة- الذين قرّبهم الملك "فكراماديتيا" إليه (٣٨٠ - ٤١٣ م) في عاصمة جوبتا، وهي "يوجين".
تقع "شاكونتالا" في سبعة فصول، بعضها نثر، وبعضها شعر ينبض بالحياة؛ فبعد مقدمة يدعو فيها مدير المسرح النظارة أن يتأملوا روائع الطبيعة، تبدأ الرواية بمنظر طريق في غابة، حيث يقيم راهب مع ابنة تبنّاها، تسمى "شاكونتالا" وما هو إلا أن يضطرب سكون المكان بصوت عربة حربية، يخرج منها راكبها وهو الملك "دشيانتا" فيغرم "بشاكونتالا" في سرعة نعهدها في خيال الأدباء، ويتزوج منها في الفصل الأول، لكنه يستدعى فجأة للعودة إلى عاصمته؛ فيتركها واعداً إياها أن يعود إليها في أقرب فرصة ممكنة، كما هو مألوف في مثل هذا الموقف؛ وينبئ رجل زاهد فتاتنا الحزينة بأن الملك سيظل يذكرها ما دامت محتفظة بالخاتم الذي أعطاه لها، لكنها تفقد الخاتم وهي تستحم؛ ولما كانت على وشك أن تكون أماً، فقد ارتحلت إلى قصر الملك، لتعلم هناك أن الملك قد نسيها على غرار ما هو معهود في الرجال الذين تسخو معهم النساء، وتحاول أن تذكّره بنفسها.
شاكونتالا: ألا تذكر في عريشة الياسمين
ذات يوم حين صَبَبْتُ ماء المطر
الذي تجمع في كأس زهرة اللوتس
في تجويفة راحتك؟
الملك: امضي في قصتك إني أسمع.