وسوء حظه؛ ويلعب صديقه "مايتريا"- وهو برهميّ فدْم- دور المضحك في المسرحية؛ ويطلب "شارو" من "مايتريا" أن يهب الآلهة قرباناً، ولكن البرهمي يرفض الطلب قائلاً: "ما غناء القربان للآلهة التي عبدتها ما دامت لم تصنع لك شيئاً؟ " وفجأة دخلت امرأة هندية شابة، من أسرة رفيعة ولها ثراء عريض، دخلت مندفعة في فناء دار "شارو" تلتمس فيه ملاذاً من رجل يتعقبها؛ وإذا بهذا المتعقب أخو الملك، واسمه "سامزثاناكا" وهو شرير إلى درجة بلغت غاية لم تدع فيه أدنى مجال للخير، حتى ليتعذر على الإنسان أن يصدق وجود مثل هذا الشر الخالص، على نحو ما كان" "شارو" خيّراً خالصاً لا سبيل إلى دخول الشر في نفسه؛ فيحمي "شارو" الفتاة اللائذة بداره، ويطرد " سامزثاناكا " الذي يتوعده بالانتقام، فيزدري منه هذا الوعيد وتطلب الفتاة- واسمها "فاسانتا- سينا"- من "شارو" أن يحفظ لها وعاء فيه جواهر كريمة تحت حراسته الآمنة، خشية أن يسرقه منها الأعداء، وخشية ألا تجد عذراً تتذرع به للعودة إلى زيارة منقذها؛ فيجيبها إلى ما طلبت، ويحفظ لها الوعاء، ويحرسها حتى يبلغ بها دارها الفخمة.
ويأتي الفصل الثاني بمثابة فاصل هزلي، فهذا مقامر هارب من مقامرين آخرين، يلوذ بأحد المعابد، فلما دخل هذان، وتخلص منهما بأن وقف وقفة التمثال كأنه وثن الضريح، ويقرصه المتعقبان ليريا إن كان حقيقة وثناً من الحجر، فلا يتحرك؛ فيتخليان عن البحث، ويتسليان بلعبة يلعبانها بالزهر "زهر القمار" بجوار المذبح؛ ويبلغ اللعب من إثارته للنفس مبلغاً تعذر معه على التمثال أن يضبط زمام نفسه، فوثب من على قاعدته، واستأذن ليشترك في اللعب؛ ويهزمه اللاعبان الآخران، فيجد في ساقيه السريعتين وسيلة للفرار مرة أخرى، وتنجيه "فاسانتا- سينا" التي عرفت فيه رجلاً كان فيما مضى خادماً عند "شارو- داتا".
ونرى في الفصل الثالث "شارو" و "مايتريا" عائدين من حفلة موسيقية
стр. 947
ويسطو على الدار لص فيسرق وعاء الجواهر الكريمة، فلما كشف "شارو" عن السرقة، أحسّ بالعار، وبعث إلى "فاسانتا- سينا" آخر ما يملكه من عقود اللؤلؤ، عوضاً لها.
ونرى في الفصل الرابع "شارفيلاكا" يقدم الوعاء المسروق إلى خادمة "فاسنتا- سينا" ابتغاء حبها؛ فلما عرفت أنه وعاء سيدتها، ازدرت "شارفيلاكا" لأنه لص، فيجيبها في مرارة نعرفها في شوبنهور، قائلاً:
إن المرأة- إذا ما بذلتَ لها المال- ابتسمت أو بكتْ
ما أردتَ لها الابتسام أو البكاء؛ إنها تحمل الرجل
على الثقة فيها، لكنها هي لا تثق فيه،
إن النساء متقلبات الأهواء كموج
المحيط؛ إنّ حبهن مفلات هروب
كأنه شعاع من ضوء الشمس الغاربة فوق السحاب،
إنهن يرتمين بميل شديد على الرجل
الذي يعطيهن مالاً، وما زلن يعتصرن ماله
اعتصارهن لعصارة النبات المليء، ثم ينبذونه نبذاً
لكن الخادمة تدحض كلامه هذا بعفوها عنه كما تدحضه "فاسانتا- سينا" بالإذن لهما بالزواج.
وفي فاتحة الفصل الخامس تأتي "فاسانتا- سينا" إلى بيت "شارو" لكي تعيد له جواهره، وتعيد كذلك وعاءها؛ وبينما هي هناك، عصفت عاصفة تصفها بالسنسكريتية وصفا رائعاً (١)؛ وتتفضّل عليها العاصفة بالزيادة من ثورة غضبها، إذ اضطرتها بذلك- اضطراراً جاء وفق ما تشاء وتهوى- أن تبيت ليلتها تحت سقف شارو.
стр. 948
ونرى في الفصل السادس "فاسانتا" وهي تغادر بيت "شارو" في الصباح التالي؛ وبدل أن تدخل العربة التي أعدها لها، أخطأت فدخلت عربة يملكها "سامزثاناكا" الشرير؛ وفي الفصل السابع حبكة فرعية ليست بذات أثر كبير على موضوع المسرحية؛ ونرى "فاسانتا" في الفصل الثامن ملقاة- لا في قصرها كما توقعت- بل في بيت عدوها، بل توشك أن تكون في أحضان ذلك العدو؛ فلما عاودته بازدراء حبّه إياها، خنقها ودفنها؛ ثم ذهب إلى المحكمة واتهم شارو بقتل "فاسانتا" بغية الوصول على أحجارها الكريمة.
وفي الفصل التاسع وصف للمحاكمة، حيث يخون "مايتريا" سيده خيانة غير مقصودة، وذلك بأن أسقط من جيبه جواهر "فاسانتا"؛ فحكم على "شارو" بالموت؛ ونراه في الفصل العاشر في طريقه إلى حيث ينفذ فيه الإعدام؛ ويلتمس ابنه من الجلادين أن يضعوه مكان أبيه، لكنهم يرفضون؛ ثم تظهر "فاسانتا" في اللحظة الأخيرة؛ فقد شاهد "شارفيلاكا" "سامزثاناكا" وهو يدفنها، فأسرع إلى إخراج جسدها قبل فوات الأوان، وأعادها إلى الحياة؛ وانقلب الوضع، فقد أنقذت "فاسانتا" "شارو" من الموت؛ واتهم "شارفيلاكا" أخا الملك بتهمة القتل؛ لكن "شارو" أبى أن يؤيد الاتهام، فأطلق سراح "سامزثاناكا" وعاش الجميع عيشاً سعيداً (٥٠).
لما كان الوقت في الشرق، حيث يكاد العمل كله يتم أداؤه بأيد بشرية، أوسع منه في الغرب، حيث وسائل توفير الوقت كثيرة جداً، كانت المسرحيات الهندية ضعف المسرحيات الأوروبية في عصرنا هذا؛ فيتراوح عدد الفصول من خمسة إلى عشرة، وكل فصل منها ينقسم في غير إزعاج للنظارة إلى مناظر، بحيث يكون أساس الانقسام خروج شخصية ودخول أخرى؛ وليس في المسرحية الهندية وحدة للمكان ووحدة للزمان، وليس فيها ما يحد سرحات الخيال؛ والمناظر على المسرح قليلة، لكن الثياب زاهية الألوان، وأحياناً
стр. 949
يدخلون على المسرح حيوانات حية فتزيد من حركة المسرحية نشاطاً (٥١) وتبث روحاً فيما هو صناعي بما هو طبيعي فترة من الزمن؛ ويبدأ التمثيل بمقدمة يناقش فيها أحد الممثلين أو مدير المسرح موضوع الرواية، والظاهر أن "جيته" أخذ عن "كاليداسا" فكرة المقدمة لرواية "فاوست"؛ ثم تخدم المقدمة بتقديم أول شخصية من الممثلين، فيأتي هذا ويخوض في قلب الموضوع؛ والمصادفات لا عدد لها، وكثيراً ما ترسم العوامل الخارقة للطبيعة خط السير للحوادث؛ ولا تخلو مسرحية من قصة غرامية، كما لابد لها من "مضحك"؛ وليس في الأدب المسرحي الهندي مأساة، إذ لا مندوحة لهم عن اختتام الحوادث بخاتمة سعيدة؛ وحتم في المسرحية أن ينتصر الحب الوفيّ دائماً، وأن تكافأ الفضيلة دائماً، وأقل ما يدعوهم إلى فعل ذلك أن يجئ بمثابة الموازنة مع الواقع؛ وتخلو المسرحية الهندية من المناقشات الفلسفية التي كثيراً جداً ما تعترض مجرى الشعر الهندي؛ فالمسرحية مثل الحياة، لا بد أن تعلّم بالفعل وحده، وألا تلجأ أبداً في ذلك إلى مجرد الكلام (١)، ويتعاقب في سياق المسرحية الشعر الغنائي والنثر، حسب جلال الموضوع والشخصية والفعل؛ والسنسكريتية هي لغة الحديث لأفراد الطبقات العالية في الرواية، والبراكريتية هي لغة النساء والطبقات الدنيا؛ والفقرات الوصفية في تلك المسرحيات بارعة، وأما تصوير الشخصيات فضعيف؛ والممثلون- وفيهم نساء- يجيدون أداء التمثيل، فلا هم يتسرعون كما هي الحال في الغرب، ولا هم يسرفون في البطء كما يفعل أهل الشرق الأقصى؛ وتنتهي الرواية بخاتمة يتوجّه فيها بالدعاء إلى الإله المحبب عند المؤلف أو عند أهل الإقليم المحلي، ليهيئ أسباب السعادة للبلاد.
стр. 950
وأشهر المسرحيات الهندية هي "شاكونتالا" لـ "كاليداسا" لم يزاحمها في ذلك مزاحم منذ ترجمها "سير وليم جونز" وامتدحها "جيته"؛ ومع ذلك فكل ما تعرفه لكاليداسا ثلاث مسرحيات، مضافاً إليها الأساطير التي أدارتها حول اسمه ذاكرات المعجبين؛ والظاهر أن قد كان أحد "الجواهر التسع"- من الشعراء والفنانين والفلاسفة- الذين قرّبهم الملك "فكراماديتيا" إليه (٣٨٠ - ٤١٣ م) في عاصمة جوبتا، وهي "يوجين".
تقع "شاكونتالا" في سبعة فصول، بعضها نثر، وبعضها شعر ينبض بالحياة؛ فبعد مقدمة يدعو فيها مدير المسرح النظارة أن يتأملوا روائع الطبيعة، تبدأ الرواية بمنظر طريق في غابة، حيث يقيم راهب مع ابنة تبنّاها، تسمى "شاكونتالا" وما هو إلا أن يضطرب سكون المكان بصوت عربة حربية، يخرج منها راكبها وهو الملك "دشيانتا" فيغرم "بشاكونتالا" في سرعة نعهدها في خيال الأدباء، ويتزوج منها في الفصل الأول، لكنه يستدعى فجأة للعودة إلى عاصمته؛ فيتركها واعداً إياها أن يعود إليها في أقرب فرصة ممكنة، كما هو مألوف في مثل هذا الموقف؛ وينبئ رجل زاهد فتاتنا الحزينة بأن الملك سيظل يذكرها ما دامت محتفظة بالخاتم الذي أعطاه لها، لكنها تفقد الخاتم وهي تستحم؛ ولما كانت على وشك أن تكون أماً، فقد ارتحلت إلى قصر الملك، لتعلم هناك أن الملك قد نسيها على غرار ما هو معهود في الرجال الذين تسخو معهم النساء، وتحاول أن تذكّره بنفسها.
شاكونتالا: ألا تذكر في عريشة الياسمين
ذات يوم حين صَبَبْتُ ماء المطر
الذي تجمع في كأس زهرة اللوتس
في تجويفة راحتك؟
الملك: امضي في قصتك إني أسمع.
стр. 951
شاكونتالا: وعندئذ في تلك اللحظة عينها،
جاء نحونا يعدو طفلي الذي تبنيته، أعني الغزال الصغير،
جاء بعينيه الطويلتين الناعستين؛ فقبل أن تطفئ ظمأك.
مددت يدك بالماء لذلك المخلوق الصغير، قائلاً:
"اشرب أنت أولاً أيها الغزال الوديع"
لكن الغزال لم يشرب من أيد لم يألفها
وأسرعت أنا فمددت إليه ماء في راحتي فشرب
في ثقة لا يشوبها فزع، فقلت أنت مبتسماً:
"إن كل مخلوق يثق في بني جنسه
كلاكما وليد غابة حوشية واحدة
وكلاكما يثق في زميله، ويعرف أين يجد أمانة"
الملك: ما أحلاك وما ألطفك وما أكذبك!
أمثال هؤلاء النساء يخدعن الحمقى …
إنك لتلحظ دهاء الإناث
في شتّى أنواع المخلوقات، لكنها في النساء أكثر منها في غيرهن
إن أنثى الوقوق تترك بيضها للأقدام تفقسها لها
وتطير هي آمنة ظافرة (٥٣)
هكذا لقيت "شاكونتالا" الهون، وتحطم رجاؤها، فرفعتها معجزة إلى أجواز الفضاء حيث طارت إلى غابة أخرى فولدت هناك طفلها، وهو "بهاراتا" العظيم الذي كتب على أبنائه من بعده أن يخوضوا معارك "الماهابهاراتا"؛ وفي ذلك الحين، وجد سمّاك خاتمها المفقود، ورأى عليه اسم الملك، فأحضره إلى "دشيانتا" (الملك)، وعندئذ عادت إليه ذاكرته "بشاكونتالا"، وأخذ يبحث عنها في كل مكان، وطار بطائرة فوق قمم الهمالايا، وهبط بتوفيق من
стр. 952
السماء عجيب على الصومعة التي كانت "شاكونتالا" تذوي في جوفها، ورأى الصبيّ "بهاراتا" يلعب أمام الكوخ، فحسد والديه قائلاً:
"آه، ما أسعده من أب وما أسعدها من أم
يحملان وليدهما، فيصيبهما القذر
من جسده المعفّر؛ إنه يكنّ آمناً مطمئناً
في حجريهما، وهو الملاذ الذي يرنو إليه-
إن براعم أسنانه البيضاء تتبدّى صغيرة
حين يفتح فمه باسماً لغير ما سبب؛
وهو يلغو بأصوات حلوة لم تتشكل بعد كلاماً …
لكنها تذيب الفؤاد أكثر مما تذيبه الألفاظ كائنة ما كانت" (٥٤)
وتخرج "شاكونتالا" من كوخها، فيلتمس الملك عفوها، وتعفو عنه، فيتخذها ملكة له، وتنتهي المسرحية بدعاء غريب لكنه يمثل النمط الهندي المألوف:
"ألا فليعش الملوك لسعادة رعاياهم دون سواها،
اللهم أكرم "سارسفاتي" المقدسة- منبع
الكلام وإلهة الفن المسرحي،
أكرمها دوماً بما هو عظيم وحكيم!
اللهم يا إلهنا الأرجواني الموجود بذاتك
يا من يملأ المكان كله بنشاط حيويته،
أنقذ روحي من عودة مقبلة إلى جسد! " (٥٥)
لم تتدهور المسرحية بعد "كاليداسا" لكنها لم تستطع بعدئذ أن تنتج رواية في قوة "شاكونتالا" أو "عربة الطين"؛ فقد كتب الملك "هارشا" ثلاث مسرحيات شغلت المسرح قروناً- ذلك لو أخذنا رواية تقليدية ربما
стр. 953
أوحى بها أول أمرها إيحاء؛ وبعده بمائة عام، كتب "بهافابهوتي"- وهو برهميٌّ من برار- ثلاث مسرحيات غرامية، لا يفوقها جودة إلا مسرحيات "كاليداسا" في تاريخ المسرح الهندي؛ وكان أسلوبه- رغم ذلك- مزخرفاً غامضاً، فكان لزاماً عليه أن يقنع بنظّارة محدودة العدد، وبالطبع قد ادّعى أن تلك النظارة القليلة ترضيه؛ وقد كتب يقول:
"ألا ما أقل ما يدريه أولئك الذين يقرعوننا باللوم؛ إن مسرحياتي لم تكتب لتسليتهم، فليس بعيداً أن يكون بين الناس شخص، أو ربما يوجد شخص في مقبل الأيام، له ذوق شبيه بذوقي، لأن الزمان مديد والعالم فسيح الأرجاء" (٥٦).
يستحيل علينا أن نضع الأدب المسرحي في الهند، في منزلة واحدة مع مثيله في اليونان أو في إنجلترا أيام اليصابات؛ لكنه يقارن مع المسرح في الصين أو اليابان فيكون له التفوق؛ كلا لا يجوز لنا أن نبحث في أدب الهند عما يطبع المسرح الحديث من ألوان الفن الدقيق، فهذه الألوان عرض من أعراض الزمن، أكثر منها حقيقة أبدية، وربما زالت، بل ربما تحولت إلى ضدها؛ إن الكائنات الخوارق للطبيعة، في المسرحية الهندية غريبة على أذواقنا، مثل "القدر" في أدب "يوربيديز" المتنور؛ لكن هذا الجانب أيضاً عرض من أعراض التاريخ؛ أما أوجه الضعف في المسرحية الهندية (إذا جاز لأجنبي أن يذكرها في تردد) فهي التكلف في الصيغة اللفظية التي يشوهها تكرار الحرف الواحد ليمثل الصوت المعبَّر عنه وتفسدها الألاعيب اللفظية، وتصوير الأشخاص بلون واحد للشخص الواحد، فإما أن يكون الشخص خيراً صرفاً، أو أن يكون شراً صرفاً، وحبكة الحوادث حبكة لا يقبلها العقل، مستندة إلى مصادفات لا يمكن تصديقها؛ وإسراف في الوصف وفي النقاش حول الفعل الذي يكاد يكون بحكم التعريف الوسيلة الفريدة التي تتميز بها المسرحية في نقل ما تريد أن تنقله؛ وأما حسنات المسرحية الهندية فما فيها من خيال
стр. 954
بديع، وعاطفة رقيقة، وشعر مرهف، ونداء عاطفي لما في الطبيعة من ألوان الجمال والفزع؛ إنه لا سبيل إلى النزاع حول صور الفن القومية، ذلك لأننا لا نستطيع أن نحكم عليها إلا من وجهة نظرنا بما لها من لون خاص، ثم لا نستطيع أن نراها غالباً إلا خلال منظار الترجمة؛ ويكفينا أن نقول إن " جيته " وهو أقدر الأوربيين على التسامي فوق حدود الإقليم وحواجز القومية، قد عَدَّ قراءة "شاكونتالا" بين ما صادفه في حياته من عميق التجارب، وكتب عنها معترفاً بفضلها:
"أتريدني أن أجمع لك في اسم واحد زهرات العام وهو في ربيعه ناشئ،
وثماره وهو في خريفه ينحدر إلى فناء
وأن أجمع كل ما عساه أن يسحر الروح ويهزها ويغذوها ويطعمها
بل أن أجمع الأرض والسماء نفسيهما في اسم واحد؟
إذن لذكرت اسمك يا "شاكونتالا" وبذكره أذكر كل شئ دفعة واحدة" (٥٧).
стр. 955
الفصل الخامس
النثر والشعر
اتحادهما في الهند - الحكايات الخرافية - التاريخ - الحكايات - صغار الشعراء - نهضة
الأدب بالغة الدارجة في الحديث - شاندي داس - تولسي داس - شعراء الجنوب - كابر
النثر ظاهرة مستحدثة في الأدب الهندي إلى حد كبير، ويمكن اعتباره ضرباً من الفساد جاءه من الخارج بفعل الاتصال مع الأوربيين؛ فروح الهندي الشاعرة بطبعها ترى أنه لابد لكل شئ جدير بالكتابة عنه أن يكون شعري المضمون، يستثير في الكاتب رغبة في أن يخلع عليه صورة شعرية؛ فمادام الهندي قد احس بأن الأدب تنبغي قراءته بصوت مرتفع، وأدرك أن نتاجه الأدبي سينتشر في الناس ويدوم بقاؤه - ذلك إن انتشر ودام - بالرواية الشفوية لا بالكتابة فقد آثر أن يصب إنشاءه في قالب موزون أو مضغوط في صورة الحكمة، بحيث تسهل تلاوته ويسهل حفظه في الذاكرة؛ ولهذا كان الأدب في الهند كله تقريبا أدبا منظوماً؛ فالبحوث العلمية والطبية والقانونية والفنية أغلبها مكتوب بالوزن والقافية أو بكليهما، حتى قواعد النحو ومعاني القاموس قد صيغت في قالب الشعر، والحكايات الخرافية والتاريخ، وهما في الغرب يكتفيان بالنثر، تراهما في الهند قد اتخذا قالباً شعرياً منغماً.
الأدب الهندي خصيب بالحكايات الخرافية بصفة خاصة؛ والأرجح أن تكون الهند مصدراً لمعظم الحكايات الخرافية التي عبرت الحدود بين أقطار العالم كأنها عملة دولية (١) فالبوذية لقيت أوسع انتشار لها حين كانت أساطير
стр. 956
"جاتاكا" عن مولد بوذا ونشأته شائعة في الناس؛ وأشهر كتاب في الهند هو المعروف باسم "بان كاتانترا" أي "العنوانات الخمسة") حوالي ٥٠٠ ميلادية (وهو مصدر كثير من الحكايات الخرافية التي أمتعت أوروبا كما أمتعت آسيا؛ وكتاب "هيتو باديشا" أو "النصيحة الطيبة" فيه مختارات ومقتبسات من الحكايات الموجودة في "بان كاتانترا"، والعجيب أن كلا الكتابين ينزلان عند الهنود- إذا ما صنّفوا كتبهم- في قسم "نيتي شاسترا" ومعناها إرشادات في السياسة والأخلاق، فكل حكاية تروى لكي تبرز عبرة خلقية، ومبدأ من مبادئ السلوك أو الحكم، وفي معظم الحالات يقال في هذه القصص إنها من إنشاء برهمي ابتكرها ليعلم بها أبناء ملك من الملوك، وكثيراً ما تستخدم هذه الحكايات أحط الحيوانات للتعبير عن ألطف معاني الفلسفة؛ فحكايات القرد الذي حاول أن يدفئ نفسه بيراعة) وهي حشرة تضئ بالليل (وقتل الطائر الذي بصره بخطئه في ذلك، تصوير بديع رقيق لما يصيب العالم الذي يتصدى لإرشادات الناس إلى مواضع الخطأ في عقائدهم (١).
ولم تنجح كتابة التاريخ هناك في أن ترتفع عن مستوى سرد الحقائق عارية، أو مستوى الخيال المزخرف، ويجوز أن يكون الهنود قد أهملوا العناية بكتابة التاريخ بحيث ينافسون بها هيرودوت، أو ثيوسيديد، أو فلوطرخس، أو تاسِتَسْ أو جُبن، أو فولتير، إما لازدرائهم لحوادث المكان والزمان المتغيرة) وهو ما يسمونه مايا (وإما لإيثارهم النقل بالرواية الشفوية على المدوّنات المكتوبة، فالتفصيلات الخاصة بتحديد الزمان أو المكان قليلة
стр. 957
جداً في وثائقهم، حتى في حالة كتابهم عن رجالهم المشهورين، لدرجة أن علماء الهنود قد تفاوتوا في تحديد تاريخ أعظم شعرائهم "كاليداسا" تفاوتا تراوح بين طرفي فترة طولها ألف عام؛ إن الهنود يعيشون- ومازالوا كذلك إلى يومنا هذا- في عالم لا يكاد يتغير فيه شئ من عادات وأخلاق وعقائد، حتى ليوشك الهندي ألا يفكر قط في تقدم، ويستحيل عليه أن يعنى بالآثار القديمة؛ فقد كانت تكفيه الملاحم تاريخاً صحيح الرواية، كما تكفيه الأساطير في تراجم الأسلاف؛ فلما كتب "أشفاغوشا" كتابه عن حياة بوذا "بوذا- شارِتا" كان أقرب إلى الأساطير منه إلى التاريخ، وكذلك لما كتب "بانا" بعد ذلك بخمسمائة عام كتابه من حياة "هارشا") هارشا- شارِتا (كان أقرب إلى رسم صورة مثالية للملك العظيم منه إلى تقديم صورة يعتمد على صدقها وتواريخ "راجيوتانا" القومية ليست فيما يظهر إلا تمرينات في الوطنية والظاهر أنه لم يكن بين الهنود إلا كاتب واحد هو الذي أدرك عمل المؤرخ بمعناه الصحيح وهو "كالهانا" مؤلف كتاب "راجات آرانجيني" ومعناه "تيار الملوك" ولقد عبر عن نفسه بقوله: "ليس جديرً بالاحترام إلا الشاعر الشريف العقل الذي يجعل الكلمة منه كحكم القاضي- خالية من الحب والكراهية في تسجيل الماضي" ويسميه "وِنْتَرْنِتْز": "المؤرخ العظيم الوحيد الذي أنتجته الهند".
أما المسلمون فقد كانوا أدق شعوراً بكتابة التاريخ، وخلَّفوا لنا مدوَّنات نثرية تدعو إلى الإعجاب لما صنعوه في الهند، وقد أسلفنا ذكر "البيروني" ودراسته البشرية وذكْر "مذكرات" "بابور"، وكان يعاصر "أكبر" مؤرخ ممتاز هو "محمد قاسم فِرِشْتا" وكتابه "تاريخ الهند" هو أصح دليل تستدل به على حوادث الفترة الإسلامية؛ وأقل منه حياداً "أبو الفضل" كبير وزراء "أكبر" أو الرجل الذي كان يؤدي كل شئون السياسة في البلاد؛ وقد خَلَّف
стр. 958
لأجيال المستقبل وصفاً لأساليب مولاه في إدارة البلاد، وذلك في كتابه "عين أكبر" أو "مؤسسات أكبر الاجتماعية". وروى لنا حياة مولاه رواية تدل على حبه له حباً نغفر له، وأطلق على كتابه هذا أسم "أكبر ناما" وقد رد له الإمبراطور حبَّه هذا حبّا مثله، ولما جاءت الأخبار بأن "جهان كير" قد قتل الوزير، أخذ "أكبر" حزنٌ عميق وصاح قائلا:
"إذا أراد سالم (جهان كير) أن يكون حاكماً، فقد كان يجوز له أن يقتلني ويُبقي على أبي الفضل".
وبين الحكايات الخرافية والتاريخ تقع مجموعة كبيرة في منتصف الطريق من حكايات شعرية جمعها ناظمون دءوبون، وأرادوا بها أن تكون متاعاً للروح الهندية المحبة للخيال؛ ففي القرن الأول الميلادي، نظم ناظم يدعى "جناذيا" مائة ألف زوج من الشعر أطلق عليه "برهاتكاذا" أي "مسرح الخيال العظيم" ثم أنشأ "سوماديفا" بعد ذلك بألف عام "كاذا سارتزا جارا" أي "المحيط الجامع لأنهار القصص"، وهي قصيدة تتدفق حتى يبلغ طولها ٢١. ٥٠٠ زوج من الشعر؛ وفي هذا القرن الحادي عشر نفسه ظهر قصاص بارع مجهول الإسم، وأبتكر هيكلا يبنى على أعواده قصيدته "فتالا بانكا فنكاتيكا" ومعناها "القصص الخمس والعشرون عن الخفاش الجارح"، وذلك بأن صور الملك "فكرا ماديتيا" يتلقى كل عام ثمرة من أحد الزاهدين في جوفها حجر نفيس، ويسأل الملك كيف يمكنه أن يعبّر عن عرفانه بالجميل فيُطلب إليه أن يحضر "لليوجيّ" "الزاهد" جثة رجل يتدلى من المشنقة، مع إنذاره بألا يتكلم إذا ما توجهت إليه الجثة بالخطاب؛ لكن الجثة كان يسكنها خفاشٌ جارح أخذ يقص على الملك قصة ذهبت بلبِّ الملك فلم يشعر بنفسه وهو يتعثر في طريقه. وفي نهاية القصة توجه الخفاش بسؤال، فأجابه الملك ناسيا ما أُنذر به من التزام الصمت؛ وحاول الملك خمساً وعشرين مرة أن يحضر الجثة للزاهد مع التزامه
стр. 959
الصمت إزاء ما يصدر له منها من حديث، ومن هذه المرات أربع وعشرون مرة كان الملك فيها مأخوذاً بالقصة التي يرويها له الخفاش الجارح حتى ليسهو ويجيب عن السؤال الذي يوجَّه إليه في الختام؛ فيالها من مشنقة بارعة أنزل منها الماتب أكثر من عشرين قصة.
لكنا في الوقت نفسه لا نقول لأن الهند قد عَدِمَتْ الشعراء الذين يقرضون الشعر بمعنى الكلمة التي نفهمها نحن؛ فأبو الفضل يصف لنا "آلاف الشعراء" في بلاط "أكبر"؛ وكان منهم مئات في صغرى العواصم، ولا شك أن كل بيت كان يحتوي منهم على عشرات (١). ومن أقدم الشعراء وأعظمهم "بهارتريهاري" وهو راهب ونحويٌّ وعاشق، غذَّى نفسه بألوان الغزل قبل أن يرتمي في أحضان الدين، ولقد خلَّف لنا مُدوَّناً بها من كتابه المسمى "قرن من الحب"- وهو سلسلة من مائة قصيدة تتابع على نحو ما تتابع القصائد عند "هيني"، ومما كتبه لإحدى معشوقاته: "ظنَنَّا معاً قبل اليوم أنكِ كنتِ إياي، وكنتُ أنا إياكِ؛ فكيف حدث الآن أن أصبحت أنتِ، هو أنتِ وأنا هو أنا"؛ ولم يكن يأبه لرجال النقد قائلاً لهم: "إنه من العسير أن تُقْنع خبيراً، لكن "الخالق نفسه" لا يستطيع أن يرضي رجلاً ليس له من المعرفة إلا نزر يسير"؛ وفي كتاب "جيتا- جوفندا" لصاحبه "جاياديفا"، - وعنوان الكتاب معناه "أنشودة قطيع البقر المقدس"- يتحول غَزَل الهندي إلى دين، ويصبغ ذلك الغزل بصبغته الحب الجسدي
стр. 960
لـ "راذا" و "كرِشْنا" وهي قصيدة مليئة بالعاطفة الحية الجسدية، لكن الهند تؤوِّلهل تأويلا مدفوعة فيه بالشعور الديني: إذ تفسرها بأنها قصيدة صوفية رمزية تعبر عن عشق الروح لله- وهو تأويل يفهمه أولئك القديسون الذين لا يهتزون للعواطف البشرية، والذين أنشأوا من عندهم مثل هذه العنوانات التقية لـ "نشيد الأنشاد".
وفي القرن الحادي عشر تسللت لهجات الحديث حتى احتلَّتْ مكانها بدل اللغة الميتة، لتكون أداة للتعبير الأدبي، كما فعلت في اوروبا بعد ذلك بقرن؛ وأول شاعر عظيم استخدم اللغة الحية التي يتحدث بها الناس في نظمه هو "شاند بارداي" الذي نظم بالغة الهندية) الجارية في الحديث (قصيدة تاريخية طويلة تتألف من ستين جزءاً" ولم يمنعه من متابعة عمله هذا إلا نداء الموت، ونظم "سور داس" شاعر "أجرا" الضرير، ٦٠. ٠٠٠ بيت من الشعر في حياة "كرِشنا" ومغامراته، وقد قيل إن هذا الإله نفسه قد عاونه على نظمها. بل أصبح له كاتباً يكتب ما يمليه عليه الشاعر، لكنه كان اسرع في كتابته من الشاعر في إملائه، وفي ذلك الوقت عينه كا "شاندي داس"- وهو كائن فقير- يهز البنغال هزّاً بما ينشد لها من أغان شبيهة بما أنشده دانتي. يخاطب بها معشوقة ريفية على نحو ما خاطب دانتي فتاته "بياترس" يصورها تصويرا مثاليا بعاطفه خياليه، ويعلو بها حتى يجعلها رمزا للالوهيه. ويجعل حبه تمثيلا لرغبته في الاندماج في الله؛ وهو في الوقت نفسه كان الشاعر الذي شق الطريق لاول مره للغه البنغاليه فكانت بعدئذ اداه التعبير الادبي "لقد لذت بمامن عند قدميك يا حبيبتي، واذا لم أرك، ظل عقلي في قلق … وليس في وسعي نسيان رشاقتك وفتنتك- ومع ذلك ليس في نفسي شهوة إليك"؛ ولقد حكم عليه زملاؤه البراهمه بالطرد من طائفة الكهنوت على أساس انه كان يجلب العار لعامه الناس. فقبل ان ينكر حبه لـ "رامي"
стр. 961
في احتفال علني؛ لكنه وهو يباشر الطقوس الخاصة بذلك الإنكار، رأى "رامي" بين الحشد المجتمع فعاد إلى نقض إنكاره ذاك وسار نحوهما وركع أمامها مشبك اليدين إعجاباً.
وأنبغ شعراء الأدب المكتوب باللهجة الهندية) المتداولة في الحديث (هو "تولسي" الذي يوشك ان يكون معاصراً لشكسبير وقد ألقاه أبواه في العراء لأنه ولد لهم تحت نجمة منحوسة؛ فتبناه متصوف في الغابة وعلمه أغاني "راما" الأسطورية، وتزوج، ومات ابنه، فأنسحب إلى الغابات حيث عاش عيش التوبة والتأمل، وهناك وكذلك في بنارس كتب ملحمته الدينية "راما شارتا - ماناسا" ومعناه) بحيرة من أعمال "راما" أخذ فيها يقص قصة "راما" مرة أخرى، وقدمه للهند باعتباره الإله الاسمى الذي لا إله إلا هو، يقول "تولسي داس": "ثمت إله واحد وهو راما خالق السماء والأرض ومخلص الإنسانية … - ومن أجل عباده المخلصين جسد الله نفسه في إنسان فبعد إن كان "راما" إلهاً صار ملكاً من البشر، ثم من أجل تطهيرنا عاش بيننا عيش رجل من عامة الناس".
ولم يستطع إلا قليل من الأوربيين قراءة ملحمته في أصلها الهندي) المقصود هو الهندية التي كانت جاريه في الحديث (لأنه بات اليوم قديما مهجوراً، ولكن أحد هؤلاء القليلين الذين استطاعوا قراءة الأصل، من رأيه إن تلك الملحمة تجعل "تولسي داس") أهم شخصيه في الأدب الهندي كله؛ (وهذه القصيدة لأهل الهندستان بمثابة إنجيل شعبي فيه ما يرجع اليه الناس من لاهوت وأخلاق؛ ويقول غاندي: "إنني أعد "راما يانا" التي نظمها "تولسي داس" اعظم كتاب في الأدب الديني كله"؛
وكانت بلاد الدكن في ذلك الوقت نفسه تنتج كذلك شعرا فنظم "توكارام"
стр. 962
باللغة الماهراثيه ٦٠٠ نشيد ديني تراها متداوله على الالسن في الهند اليوم تداول مزامير "داود" في اليهوديه أو المسيحية؛ ولما ماتت زوجته الأولى تزوج ثانيه من امرأة سليطة فاصبح فيلسوفا، وكتب يقول:
"ليس من العسير أن تظفر بالخلاص، لأنك تجد الخلاص قريبا منك في الحزمة التي تحملها على ظهرك"؛ وفي القرن الثاني الميلادي أصبحت "مادورا" عاصمة الأدب "التأملية" وأقيمت بها "سانجام" أي جمعية قوامها الشعراء والنقاد تحت رعاية ملوك "بانديا" فاستطاعت - مثل المجمع العلمي الفرنسي - أن تضبط تطور اللغة، وأن تخلع الألقاب وتمنح الهدايا.
وأنشأ "تيروفا لافار"- وهو نساج من المنبوذين- أثراً أدبيا أفكاره دينية وفلسفية، أنشأه في بحر من اعسر البحور "التأملية" وأطلق عليه اسم "كورال" فضمنه مُثُلا عليا أخلاقية وسياسية، ويؤكد لنا الرواة أنه لما رأى أعضاء مجلس "سانجام"- وكلهم من البراهمة- مدى توفيق هذا المنبوذ في قرض الشعر أغرقوا أنفسهم عن آخرهم، لكنا لا نصدق هذه الرواية إن قيلت من أي مجمع علمي مهما يكن أمره.
وقد أرجأنا الحديث عن "كابر" - أعظم شاعر غنائي في الهند الوسيطة، أرجأناه لنختم به الحديث، ولو أن مكانه الزمني يأتي قبل ذلك، و "كابر" نساج ساذج من بنارس، أعدته الطبيعة للمهمة التي أراد القيام بها، وهي توحيد الإسلام والهندوسية، وذلك لأنه كما يقال من أب مسلم وأم من عذارى البراهمة؛ فلما أخذ عليه لبه "راماناندا" الواعظ؛ أخلص العبادة لـ "راما" ووسع من نطاق "راما") كما كان تولسي داس ليفعل (حتى جعله إلها عالمياً، وطفق يقرض شعراً بلغة الحديث الهندية، بلغ غاية في الجمال، ليشرح به عقيدة دينية لا يكون فيها معابد، ولا مساجد، ولا أوثان،
стр. 963
ولا طبقات، ولا ختان، ثم لا يكون فيها من الآلهة إلا إله واحد (١)، يقول عن نفسه إن كابر:
"ابن "رام" و "الله" ويقبل ما يقوله الشيوخ جميعاً … يا إلهي، سواء كنت "رام" أو "الله") المقصود إله المسلمين (فأنا أحيا بقوة اسمك … إن أوثان الآلهة كلها لا خير فيها، أنها لا تنطق، لست في ذلك على شك، لأني ناديتها بصوت عال … ماذا يجدي عليك أن تمضمض فاك، أو أن تسبح بمسبحتك، أو أن تستحم في مجاري المياه المقدسة، وأن تركع في المعابد، إذا كنت تملأ قلبك بنية الخداع وأنت تتمتم بصلاتك، أو تسير في طريقك إلى أماكن الحج".
جاء هذا القول منه صدمة قوية للبراهمة، فلكي يدحضوه) هكذا تقول الرواية (أرسلوا إليه زانية تغويه، لكنها حولها إلى عقيدته، ولم يكن ذلك عسيرا عليه، لأن عقيدته لم تكن مجموعة من قواعد جامدة، بل كانت شعوراً دينياً عميقاً فحسب:
هنالك يا أخي عالم لا تحده الحدود
وهنالك "كائن" لا أسم له ولا يوصف بوصف،
ولا يعلم عنه شيئا إلا من استطاع أن يصل إلى سمائه؛
وإنه لعلم يختلف عن كل ما يسمع وما يقال؛
هنالك لا ترى صورة، ولا جسداً، ولا طولاً، ولا عرضاً
فكيف لي أن أنبئك من هو؟
إن كابر يقول:
) يستحيل أن نعبر عنه بألفاظ الشفاه،
ويستحيل أن يكتب وصفه على الورق
стр. 964
إن الأمر هنا كالأخرس الذي يذوق طعماً حلواً- كيف يصف لك حلاوته.
واعتنق "كابر" نظرية التناسخ الذي ملأت الجو من حوله، ولذلك أخذ يدعو إلى الله- كما يفعل الهندوسي- ليخلصه من أغلال العودة إلى الولادة والعودة إلى الموت، وكانت مبادئه الخلقية أبسط ما يمكن أن تصادف في هذه الدنيا من مبادئ:
عش عيشة العدل وابحث عن السعادة عند مرفقك
إني ليضحكني أن أسمع أن السمك في الماء ظمآن
إنكم لا ترون "الحق" في دياركم فتضربون من غابة إلى غابة هائمين على وجوهكم!
هاكم الحقيقة! اذهبوا أين شئتم، إلى بنارس أو إلى مأثورة
فإذا لم تجدوا أرواحكم، فالعالم زائف في أعينكم …
إلى أي الشطئان أنت سابح يا قلبي؟ ليس قبلك مسافر، كلا بل ليس أمامك طريق …
ليس هنالك جسم ولا عقل، فاين المكان الذي سيطفئ غله روحك؟
انك لن تجد شيئا في الخلاء
تذرع بالقوة وادخل إلى باطن جسدك أنت،
فقدمك هناك تكون على موطئ ثابت
فكر في الأمر مليا يا قلبي! لا تغادر هذا الجسد إلى مكان آخر
إن "كابر" يقول:
اطرد كل صنوف الخيال من نفسك،
وثبت قدميك فيما هو أنت.
ويقول الرواة انه بعد موته اعترك الهندوس والمسلمون على جسده، وتنازعوا الرأي، أيدفن ذلك الجسد أم يحرق؛ وبينما هم في تنازعهم ذاك، رفع أحد الحاضرين الغطاء عن الجثة، فإذا بهم لا يرون تحته إلا كومه من
стр. 965
الزهر، فاحرق الهندوس بعض ذلك الزهر في بنارس، ودفن المسلمون بقيته، وأخذت أناشيده تتناقلها الأفواه بين عامه الناس بعد موته، ولقد أوحت تلك الأناشيد إلى "ناناك" - وهو من طبقة السيخ - فأنشأ مذهبه القوي، ورفع آخرون "كابر" إلى مصاف الآلهة، وانك لتجد اليوم طائفتين صغيرتين متنافستين تتبعان مذهب هذا الشاعر وتعبد اسمه؛ هذا الشاعر الذي حاول ان يوحد المسلمين والهندوس، والطائفتان إحداهما من الهندوس والأخرى من المسلمين.
стр. 966
الباب الحادي والعشرون
الفن الهندي
الفصل الأول
الفنون الصغرى
الفن الهندي في عصره الزاهر - مميزاته الفذة -
اتصاله بالصناعة - صناعه الخزف - المعادن -
الخشب - العاج - الأحجار الكريمة - النسيج
إنا نقف إزاء الفن الهندي، كما نقف إزاء كل جانب من جوانب المدنية الهندية، وقفة الدهشة المتواضعة لما نرى من رسوخ في القِدَم واستمرار بين المراحل المتعاقبة؛ فليست كل الآثار التي وجدناها في "موهنجو - دارو" مما ينفع في الحياة العملية، فبينها تماثيل من حجر الجير لرجال ذوي لُحىَ (تشبه التماثيل السومرية شبهاً له دلالته) وتماثيل من الطين لنساء وحيوان، وكذلك بينها خرزات وغيرها من أدوات الزينة المصنوعة من عقيق، وحُليّ من ذهب رقيق الصناعة مصقولها (١)؛ وبين تلك الآثار أيضا ختم (٢) نقش فيه بالبارز ثور، رسم رسماً قوياً ثابت الحفر؛ على نحو يغري الرائي بالوثوب إلى نتيجة يؤمن بها، وهي أن الفن لا يتقدم، لكنه يُغير صورته وكفى.
ومنذ ذلك الحين إلى يومنا هذا، جعلت الهند خلال الخمسة آلاف عام التي توسطت العهدين بما فيها من تغيرات، جعلت تبرز مثلها الأعلى في الجَمال كما تتصوره تصوراً يطبعها بميسم خاص، في عشرات الفنون المختلفة؛ لكن ما خلّفته لنا من تلك الفنون، لا يقدم لنا صورة كاملة، إذ ترى فيها جانباً
стр. 967
منقوصاً، لا لأن الهند قد تراخت عن الإبداع الفني في أي عهد من عهودها، بل لأن الحروب ونزوات المسلمين في تحطيم الأوثان، قد عملت على تحطيم ما ليس يقع تحت الحصر من آيات الفن في العمارة والنحت؛ ثم عمل الفقر على إهمال البقية الباقية من تلك الآيات؛ وسنجد الأمر عسيراً علينا بادئ ذي بدء، إذا ما أردنا أن نقدر هذا الفن، فموسيقاهم غريبة على أسماعنا، وسيبدو تصويرهم لأعيننا غامضاً وفنهم في العمارة مضطرباً، ونحتهم للتماثيل خشناً غليظاً؛ فعلينا في كل خطوه نخطوها أن نُذكّر أنفسنا بأن أذواقنا معرضة للخطأ في أحكامها، إذ هي نتيجة لتقاليدنا وبيئتنا المحلية المحدودة؛ وإنا لنظلم أنفسنا ونظلم الأمم الأخرى، إذا ما حكمنا عليهم أو على فنونهم بمعايير وغايات تتفق وطبيعة حياتنا، لكنها غريبة بالقياس إلى الحياة عندهم.
فالفنان في الهند لم يكن بعد قد تميز من الصانع، إذا كان الفن صناعة والعمل اليدوي مهانة؛ فكما كان الحال في عصورنا الوسطى، كذلك كانت في الهند التي انقضى عهدها في موقعة "بلاسي"، وهي أن كل صانع مهر في صناعته كان فناناً في تلك الصناعة، يخلع على نتاج مهارته وذوقه قالباً خاصاً وشخصية متميزة؛ وحتى اليوم، حيث حلّت المصانع محل الصناعات اليدويه، وانحدر الصنّاع اليدويون إلى "أيدٍ عاملة"، لا تزال ترى في المتاجر والدكاكين في كل مدينة هندية، صناعاً متربعين في جلستهم على الأرض، يطرقون المعادن أو يصوغون الحُليّ، أو يرسمون الرسوم الزخرفية، أو ينسجون الشيلان الدقيقة أو يوّشون الوشي الرقيق، أو ينحتون في العاج أو الخشب، ومن الراجح ألا تكون بين الأمم كلها أمة أخرى كان لها ما للهند من تنّوع خصيب في ألوان الفنون (٣).
ومن العجب أن صناعة الخزف لم تستطع أن ترتفع من مستوى الصناعة إلى مستوى الفنون في الهند؛ فقد فرضت قواعد الطبقات كثيراً من القيود على
стр. 968
إمكان استخدام الطبق الواحد عدة مرات (١) حتى لقد ضعف الحافز إلى تجميل هذه الآنية الفخارية الهزيلة المؤقتة، التي كانت يد الخزّاف تسرع إلى إنتاجها (٤)؛ أما إن كان الإناء لُيصنع من معدن نفيس، عندئذ ينصرف إليه الفن بمجهوده بغير ندم على ذلك المجهود مهما بلغ، فانظر إلى الإناء الفضي الذي يُنسب إلى "تانجور" في معهد فكتوريا في مِدْرَاس، أو انظر إلى صفحة "بِتلْ" الذهبية التي تنسب إلى "كاندي" (٥)؛ أما النحاس الأصفر فقد صنعوا منه مجموعة منوعة لا تنتهي أصنافها من المصابيح والأوعية والأواني؛ وكانوا يحصلون على مزيج أسود من الزنك (يسمونه بدري) ويستخدمونه عادة في صناعة الصناديق والأحواض و "الصواني"؛ كذلك كانوا يطعّمون معدناً بمعدن آخر، تطعيماً بارزاً أو محفوراً، أو كانوا يطلون معدناً ما بطلاء من الفضة والذهب (٦).
وكان الخشب ينقش بحفر صور كثيرة جداً من النبات والحيوان، وأما العاج فيصوغونه ليمثل أي شيء بادئين بالآلهة فهابطين إلى زهرات اللعب، كما كانوا يطعّمون به الأبواب وغيرها من مصنوعات الخشب، ويصنعون منه آنية صغيرة لطيفة لحفظ الدهون والعطور؛ وكثرت عندهم أدوات الزينة، يلبسها الأغنياء والفقراء إما للتزين أو للادخار؛ وامتازت "جايبور" في طلي مسطحات الذهب بألوان الميناء؛ وعرف صائغوها بحسن الذوق في صناعة المشابك والخرزات والعقود والمدى والأمشاط، فكانوا يزخرفونها بصور الأزهار أو الحيوان أو موضوعات الدين؛ فهنالك عقد برهمي نقشت في واسطته الصغيرة خمسون صورة من صور الآلهة (٧)؛ ونسجوا الأقمشة ببراعة فنية لم يبزهم فيها أحد من اللاحقين؛ فمنذ عهد قيصر إلى يومنا هذا، امتدح العالم كله دقة الصناعة في المنسوجات الهندية (٢) فقد كانوا أحياناً يصبغون
стр. 969
كل خيط من خيوط اللُّحمة أو السُّدى قبل وضعها في المنسج، فكان يقتضيهم ذلك مقاييس دقيقة متعبة قبل البدء في العمل؛ وكان الزخرف المرسوم يتبدَّى شيئاً فشيئاً كلما مضى النسَّاج في نسجه، بحيث يكون هذا الزخرف واحداً في جانبي القماشة المنسوجة (٩)؛ إن كل ثوب تم نسجه في الهند- من "الخدَّار" المنسوج من الغزل البلدي إلى الوشي المعقد الذي يتلألأ بالذهب، ومن السراويل (١) الآخذة بالعين إلى الشيلان (٢) الكشميرية التي تخاط أجزاؤها على نحو يخفي مواضع الحياكة- أقول إن كل ثوب نسجته الهند له جمال لا يصدر إلا عن فن بالغ في القِدم، وكاد اليوم أن يكون غريزة في فطرتهم.
стр. 970
الفصل الثاني
الموسيقى
حفله موسيقية في الهند - الموسيقى والرقص- الموسيقيون -
السلم والصور الموسيقية - الموضوعات - الموسيقى والفلسفة
أتيح لسائح أمريكي أن يحضر حفلة موسيقية في "مدراس" فوجد حشد السامعين يبلغ نحو مائتي هندوسي، يظهر أن قد كانوا جميعاً من البراهمة، يجلس بعضهم على مقاعد خشبية، ويجلس بعضهم الآخر على الأرض المفروشة بالبُسط، وكانوا يسمعون في إصغاء شديد لجوقة صغيرة لو قيست إليها حشود جوقاتنا لخيّل إليك أن جوقاتنا هذه المعربدة إنما أريد بها أن تُسْمع سكان القمر؛ ولم تكن الآلات الموسيقية مألوفة لذلك السائح الأمريكي، بحيث أشبهت في عينه التي تنظر إلى الأشياء من وجهة نظر إقليمية، نباتاً غريباً شاذاً في حديقة مهجورة؛ فقد كان لديهم طبول كثيرة ذات أشكال وأحجام مختلفة؛ ومزامير مزخرفة وأبواق ملتوية كأنها الثعابين، ومجموعة منوعة من ذوات الأوتار؛ وكانت علامات الإتقان في الصناعة بادية في معظم تلك الآلات، كما كان بعضها مرصعاً بالجواهر؛ وكانت إحدى الطبول- وهي ما تسمى مريدانجا- شبيهة ببرميل صغير، في كل من طرفيها غشاء جلدي رقيق يمكن تغيير درجة صوته المبعوث بجذبه أو بإرخائه بواسطة مفاتيح صغيرة من الجلد؛ وبين غشاوات الطبول أضافوا إليه شيئاً من مسحوق المنغنيز ومرق الأرز وعصير التمر الهندي لكي يحدث نغمة فذة غريبة في نوعها؛ ولم يستعمل الطبال إلا يديه- فأحياناً يخبط براحته، وأحياناً بأصابعه، وأحياناً ينقر بأطراف أنامله؛ وكان عازف آخر يحمل "تمبورة" أو قيثارة لها أوتار أربعة طويلة جعلت تبعث نغماتها موصولة بغير انقطاع، فكانت بمثابة البطانة
стр. 971
العميقة الهادئة لموضوع القطعة الموسيقية؛ وبين الآلات آلة- اسمها فينا- كانت مرهفة الحساسية لدرجه تميزها من سواها في ذلك، كما كانت محددة الأصوات تحديداً واضحاً؛ وكانت أوتارها مشدودة فوق عارضة رقيقة من المعدن، في إحدى طرفيها طبلة خشبية يغطيها غشاء من الذبذبة بواسطة مضراب في يمين العازف، بينما جعلت يسراه تغير في النغمات بأصابع تتحرك في براعة من وَتر إلى وَتر؛ ولبث زائرنا ينصت في خشوع، ولم يفهم من كل ذلك شيئاً.
للموسيقى في الهند تاريخ يمتد ثلاثة آلات عام على أقل تقدير؛ فالترانيم الفيدية- مثلها مثل الشعر الهندي كله- إنما نظمت لتنشد؛ ولم يكن في الطقوس القديمة فرق بين الشعر والغناء، والموسيقى والرقص، فكل هذه عندها فن واحد؛ وإن الرقص الهندي ليبدو لعين الغربيّ اللامعة بالشهوة، شهوانياً فاجراً، كما يبدو الرقص الغربي للهنود شهوانياً فاجراً؛ كان هذا الرقص الهندي خلال الشطر الأعظم من التاريخ الهندي، لوناً من ألوان العبادة، وعرضاً لجمال الحركة والتوقيع تكريماً وإجلالاً للآلهة؛ ولم يحدث لراقصات المعبد أن يغادرن معابدهن زرافات ليمتعن أصحاب الدنيا وطلاب الشهوة الجسدية إلا في العصور الحديثة؛ لم تكن هذه الراقصات مجرد عرض للجسد، بل كانت في وجه من وجوهها محاكاة للكون في دوراته التوقيعية ومجرى التغير في ظواهره، وقد كان "شيفا" نفسه إله الرقص، ورقصة "شيفا" كانت ترمز لحركه العالم نفسها (١).
стр. 972
وينتمي الموسيقيون والمنشدون والراقصون- كسائر أصحاب الفن في الهند- إلى أحط الطبقات؛ فقد يحلو للبرهمي أن يغني في خلوته، وأن يسّري عن نفسه بنغمات يعزفها على "الفينا" أو غيرها من ذوات الأوتار؛ بل قد يعلّم غيره التمثيل أو الغناء أو الرقص، لكنه يستحيل أن يفكر في التمثيل مأجوراً، أو في النفخ في آلة موسيقية، وكانت الحفلات الموسيقية العلنية - إلى عهد قريب- نادرة في الهند فكانت الموسيقى العلمانية إما غناء تلقائياً أو نشيداً جمعياً يقوم به الناس، وإما عزفاً أمام جماعات صغيرة في بيوت العِلْية، كما هي الحال فيما يعرف في أوروبا بموسيقى الحجرات؛ وكان لـ "أكبر"- الذي كان هو نفسه ماهراً في العزف الموسيقي- عدد كبير من الموسيقيين في بلاطه، وأصاب أحد مُغنيه- واسمه تانسِنْ- شهرة وثروة، ومات بالشراب وسنّه أربعة وثلاثون عاماً (١١)؛ ولم يكن ثمة هواة، بل كان كل المشتغلين بالعزف محترفين لفنهم، ولم تكن الموسيقى تُعلّم على أنها لون من ألوان التهذيب الاجتماعي، كلا ولا أرغم الأطفال على عزف بيتهوفن، فمهمة الشعب لم تكن أن يعزف الناس عزفاً رديئاً، بل أن يعرفوا كيف ينصتون إنصاتاً جيداً (١٢).
ذلك لأن الاستماع للموسيقى في الهند فن في ذاته ويتطلب تدريباً طويلاً للأذن والروح؛ وقد لا تكون الألفاظ نفسها مفهومة المعنى للغربي أكثر من ألفاظ المسرحيات الغنائية التي يشعر أن من واجبه الذي تمليه عليه طبقته الاجتماعية، أن يستمتع بها؛ وهي تدور - كشأنها في سائر أنحاء العالم - حول موضوعيّ الدين والحب؛ لكن الألفاظ قليلة الأهمية في الموسيقى الهندية، وكثيراً ما يستبدل بها المنشد - كما يفعل الأديب عندنا في أرقى ألوان الأدب- مقاطع لا تعني شيئاً؛ والسّلم الموسيقي عندهم ألطف مما هو عندنا وأدق، إذ يضيف إلى سُلّمنا ذي الاثنتي عشرة نغمة، عشر نغمات أخرى غاية في الدقة، وبذلك يصبح سُلّمهم مؤلفاً من اثنتين وعشرين "من أرباع النغمات"؛ وعلى
стр. 973
الرغم من أن الموسيقى الهندية يمكن كتابتها بترقيم مأخوذ من الأحرف السنسكريتية إلا أن الأغلب ألا تُكتب ولا تُقرأ، بل تنتقل من جيل إلى جيل أو من المنشئ الموسيقي إلى من يأخذ عنه "بالأذن" وحدها؛ وليست موسيقاهم مقسمة إلى أجزاء توقيعية تفصل الضربات بينها، بل ترى النغم فيها ينساب انسياباً متصلاً يؤذى أذن السامع الذي تعود سماع ضربات دورية في الموسيقى وليس لموسيقاهم إيقاع ولا تناغم بل كل ما تُعنى به هو النغم الواحد وربما جعلوا وراءه بطانة من نغمات صغيرة ولذا كانت في هذه الناحية أبسط وأقل في رقيها من الموسيقى الأوربية، ولو أنها أكثر منها تركيباً في السلم والدورات التوقيعية؛ وأنغامها محدودة في آن واحد، فهي من جهة مضطرة اضطراراً أن تستمد من هذا اللون أو ذاك في معين تقليدي قوامه ستة وثلاثون لوناً، لكن العازفين- في الوقت نفسه- يستطيعون أن ينسجوا حول هذا الهيكل التقليدي نسيجاً لا نهاية لخيوطه ولا صلات تصل أجزاءه المنوعة تنوعاً شديداً، وفي كل موضوع موسيقي- أو "راجا" (١) موسيقية كما يسمونه- خمس نغمات أو ست أو سبع، يرجع الموسيقِي إلى إحداها- يختارها ولا يغيرها- من حين إلى حين؛ ولكل "راجا" اسم مشتق من الحالة النفسية التي تريد الإيحاء بها- "الفجر"، "الربيع"، "جمال المساء"، "السُّكر" الخ- وكل "راجا" مرتبطة بزمن معين من اليوم أو من العام وتذهب الأساطير الهندية إلى أن لهذه الراجات قوة روحانية حتى ليقال إن راقصة بنغالية أزالت قحطاً بغنائها إحدى الراجات وهي المسماة "منع مالار"- أي نغمة استنزال المطر (١٣).
ولقد خلع الأسلاف على "الراجات" صبغة مقدسة فمن يعزفها وجب عليه أن يراعي حُرُماتِها، لأنها صور من الغناء أداها "شيفا" نفسه، ويحكى أن
стр. 974
عازفاً اسمه "نارادا" أنشد تلك الراجات في إهمال لشأنها، فزجّ به "فشنو" في نار الجحيم حيث شاهد رجالاً ونساء يبكون على ما تكسر من جوارحهم وقال له الإله إن هؤلاء الرجال والنساء هم الراجات والراجينات التي شوهها ومزقها عزفه المستهتر فلما شاهد "نارادا" ذلك- هكذا تروى الأسطورة- حاول أن يكون في فنه أكثر إتقاناً إذ أخذته بعدئذ خشية الخاشع (١٤).
والعازف الهندي لا يلتزم "الراجا" التي اختارها لبرنامجه الموسيقي التزاماً يضيّق من حريته تضييقاً خطيراً، أكثر مما يلتزم المنشئ الموسيقي في الغرب، إذا ما أنشأ "سوناتا" أو "سيمفونية"، موضوعَه الموسيقيَّ التزاماً يعرقله؛ ففي كلتا الحالتين، ما يفقده العازف من حرية، يعوضه بما يتاح له من تماسك البناء واتزان الصورة؛ فالموسيقي الهندي شبيه بالفيلسوف الهندي، كلاهما يبدأ بالجزئي المحدود "ويرسل روحه إلى اللامحدود"؛ إنه يظل يمعن في وَشْي موضوعه وشياً دقيق الأجزاء، حتى يتمكن في نهاية المر بفعل تيار متموج من دورات التوقيع وتكرار النغمة، بل بفعل اطراد الأنغام اطراداً رتيباً مملاً، أن يخلق نوعاً من "اليوجا" الموسيقية، أعني ضرباً من الذهول الذي يشل الإرادة ويطمس الفردية اللتين ننسبهما للمادة والمكان والزمان، وبهذا ترتفع الروح إلى ما يوشك أن يكون اتحاداً صوفياً بشيء "عميق الاتصال في نفوسنا بجذوره" أو قُلْ "بكائن" عميق عظيم ساكن، أو بحقيقة سابقة لهذا العالم ومنبثة في كل أجزائه، تبتسم ساخرة من كافة الإرادات المكافحة ومن التغير والموت بشتى ما لهما من صور.
والأرجح أننا لن نستسيغ الموسيقى الهندية، ولن نفهمها، إلا إذا استبدلنا بالكفاح كينونة ساكنة، وبالترقي ثباتاً، وبالشهوة استسلاماً، وبالحركة استقراراً؛ وربما اصطنعنا لأنفسنا هذه الحالة إذا عادت من جديد خاضعة، وعادت آسيا مرة أخرى للسيادة، لكن آسيا عندئذ ستمل السكينة والثبات والاستسلام والقرار.
стр. 975
الفصل الثالث
التصوير
ما قبل التاريخ - نقوش أجانتا - مصغرات راجبوت
مدرسة المغول - المصورون - أصحاب النظريات
إننا نسمي الرجل إقليمياً، إذا حكم على العالم على أساس الأنظمة السائدة في الإقليم الذي يعيش فيه، واعتبر كل ما لم يألفه من أوضاع ضرباً من الجاهلية، فيقال عن الإمبراطور "جهان كير" وهو رجل ذوّاقة علاّمة في الفنون - إنه حين أطْلِع على صورة أوربية امتعض لها من فوره، و "لم يستسغها لأنها مرسومة بالزيت" (١٥)، وإنه ليسرنا أن نعلم أنه حتى الإمبراطور يجوز عليه أن يكون إقليمي النظرة، وأنه كان من العسير على "جهان كير" أن يستمتع بالتصوير الزيتي الذي ترسمه أوربا كما أنه من العسير علينا أن نتذوّق دقائق التحف في الهند.
ويتبين من الرسوم الحمراء التي نراها لبعض الحيوان ولمطاردة وحيد القرن، على جدران الكهوف في "سنجانبور" و "مرزابور" أن قد كان للتصوير الهندي تاريخ طال أمده على عدة آلاف من السنين، وتكثر لوحات المصورين (التي يضعون عليها ألوانهم) بين آثار العهد الحجري الجديد في الهند، مستعدة للاستعمال بما لا يزال عليها من بقايا الألوان (١٦)؛ وإننا نلحظ فجوات واسعة في تسلسل تاريخ الفن في الهند، لأن معظم الآثار الفنية الأولى قد أتت عليها عوامل المناخ، ثم فسد كثير مما تبقى بعد ذلك على أيدي المسلمين "محطمي الأوثان" من محمود إلى أورنجزيب (١٧)، ويشير الـ "فنايابتاكا" (حوالي ٣٠٠ ق. م) إلى قصر الملك "بازنادا" فيقول عنه إنه كان يحتوي على أبهاء للصور الفنية؛ وكذلك يصف "فا - هين" و "يوان شوانج" أبنية
стр. 976
كثيرة فيقولان عنها بأنها اشتهرت بروعة ما عرض على جدرانها (١٨)، لكنه لم يبق لنا أثر واحد من هذه الأبنية وتبين صورة من أقدم الصور في التبت فناناً وهو يصور بوذا (١٩) فلم يشك المصورون فيما بعد ذلك التاريخ في أن فن التصوير كان ثابت الأساس في عهد بوذا.
وأقدم صورة هندية يمكن تحقيق تاريخها، مجموعة من الزخارف الجدارية البوذية (حوالي ١٠٠ ق. م) وجدت على جدران كهف في "سرجيا" في المقاطعات الوسطى، ومنذ ذلك الحين، جعل فن التصوير الجداري- وأعني به تصويراً يرسم على معجون طري قبل أن يجف - يتقدم خطوة فخطوة، حتى بلغ على جدار كهف "أجانتا" (١) درجة من الكمال لم يجاوزها أحد بعد، حتى "جيوتو" و "ليوناردو"؛ وكانت تلك المعابد تنحت في واجهة صخرية من سفح الجبل؛ وحدث ذلك في فترات مختلفة تقع بين القرن الأول الميلادي والقرن السابع؛ ولبثت قروناً لا يعرفها التاريخ ولا تعيها ذاكرة الإنسان بعد انهيار البوذية، فاكتنفتها أشجار الغابة حتى كادت تخفيها، وسكنتها الخفافيش والأفاعي وغيرهما من صنوف الحيوان، وأتلفت صنوف الطير والحشرات التي تعد بالمئات، تلك التصاوير بفضلاتها؛ ثم حدث سنة ١٨١٩ م أن عثر الأوربيون على الآثار، وأدهشهم أن يروا على الجدران تلك الصور التي تعد الآن بين آيات الفن في العالم كله (٢٠).
وأطلق على المعابد اسم الكهوف؛ لأنها في معظم الحالات منحوتة في الجبال فمثلاً كهف نمرة ١٦ عبارة عن حفرة طول كل جهة من جهاتها خمس وستون قدماً، يدعمها عشرون عموداً، وترى على طول القاعة الوسطى ستة عشرة مقصورة من مقاصير الدير، ولها شرفة ذات فتحة للباب تزخرف واجهتها، وفي مؤخرتها جلود مقدسة، وكل الحيطان مزدانة بالتصاوير الجدارية؛ ومن
стр. 977
المعابد التسعة والعشرين، ستة عشر كانت في سنة ١٨٧٩ م تحتوي على تصاوير، فلما أن كانت سنة ١٩١٠ م أتلف التعرض للجو تصاوير عشرة معابد منها، ثم أصيبت الستة الباقية بخدوش بفعل محاولات غشوم في سبيل تجديدها (٢١)، وقد
стр. 978
كانت هذه التصاوير يوماً متلألئة بالأحمر والأخضر والأزرق والأرجواني؛ ولم يبق اليوم من هذه الألوان شيء ما عدا الأجزاء ذات الألوان الخافتة أو القاتمة؛ وإن بعض الصور التي أفسدها الزمن والجهل ليبدو غليظاً خشناً في أعيننا، نحن الذين لا يستطيعون قراءة الأساطير البوذية بقلوب بوذية، وبعضها الآخر فيه قوة ورشاقة في آن معاً، تنبئان عن مهارة الصناع الذين ضاعت أسماؤهم قبل أن تفنى آثارهم بزمن طويل.
وعلى الرغم من كل هذه النائبات، لا يزال كهف رقم (١) غنياً بآياته الفنية فهاهنا ترى على أحد الجدران (ما يرجح أن يكون) صورة "بوذيساتاوا"، أي قديس بوذي يستحق النرفانا، لكنه آثر على النرفانا التي هو جدير بها أن يعاد إلى الحياة في ولادات جديدة لكي يصلح الناس؛ ولن تجد صورة تصور حزن التفكير البصير أعمق مما تصوره هذه الصورة (٢٢)، وإن الإنسان لتأخذه الحيرة أي الصورتين ألطف وأعمق - هذه الصورة أو صورة ليوناردو التي رسمها يدرس بها موضوعاً شبيهاً بموضوع هذه الصورة، وهو رأس المسيح (١) وعلى جدار آخر من نفس المعبد صوره لـ "شيفا" وزوجته "بارفاتي" وقد ازَّينت بالحليّ (٢٣)، وعلى مقربة منها صورة لأربعة غزلان، أشاع فيها الحساسية الرقيقة ذلك العطف البوذيُّ على الحيوان؛ وعلى السقف زخرف لا يزال ناصع الألوان بما فيه من زهور وطيور دقيقة الرسم (٢٤) وعلى أحد جدران الكهف رقم (١٧) تصوير رشيق - قد تلف الآن بعض التلف - للإله فشنو مصحوباً بحاشيته، وهو هابط من السماء إلى الأرض ليتعهد شيئاً ما مما وقع في حياة بوذا (٢٥)؛ وعلى جدار آخر صورة تخطيطية، لكنها زاهية الألوان، لأميرة مع وصيفتها (٢٦)؛ وترى مختلطاً بهذه الآيات الفنية حشداً متداخلاً من التصاوير الجدارية يظهر فيها ضعف الصناعة وفيها وصف لنشأة بوذا وفراره وإغرائه (٢٧).
стр. 979
لكننا لا نستطيع أن نحكم على هذه الآثار الفنية في صورتها الأصلية بما بقى منها اليوم، ولاشك أن هناك مفاتيح طرائق تقدير قيمتها الفنية، لا يمكن الكشف عنها لمن لا يحمل بين جنبيه روحاً بوذية؛ ومع ذلك فحتى الغربي في مستطاعه أن يعجب بفخامة الموضوع، وعظمة المدى الذي صممت الصورة على أساسه، ووحدة التأليف، ووضح الخطوط وبساطتها وثباتها، وبتفصيلات كثيرة بينها هذا الكمال العجيب الذي بلغوه في رسم الأيدي التي هي آفة المصورين جميعاً؛ وإن الخيال ليصور لنا هؤلاء الفنانين الكهنة (١) الذين كانوا يؤدون الصلاة في هذه المقصورات وربما زينوا هذه الجدران والسقوف بفن التقيّ والورع، بينما أوربا دفينة في ظلام أوائل عصورها الوسطى؛ فهاهنا في " أجانتا " أدمج الدين مختلف الفنون: فن العمارة والنحت والتصوير، في وحدة منسقة، فأنتج أثراً من أعظم آثار الفن الهندي.
فلما أغلقت معابدهم أو خربت على أيدي الهون والمسلمين، أدار الهنود مهارتهم التصويرية تجاه الفنون الصغرى؛ فنشأت بين "الراجبوت" مدرسة من المصورين سجلوا في تماثيل صغيرة قصص "الماهابهاراتا" و "رامايانا" وأعمال البطولة التي قام بها رؤساء "الراجبوتانا"؛ وكثيراً ما كانت تكتفي تلك الآثار الفنية بمجرد تخطيط أولي للموضوع، لكنها كانت دائماً تنبض بالحياة وتبلغ من جمال الزخرف حد الكمال؛ وإنك لترى في متحف الفنون الجميلة في "بوستن"، مثلاً جميلاً لهذا الأسلوب الفني، إذ تراه يرمز إلى إحدى "راجات" الموسيقى بنساء رشيقات وبرج شامخ وسماء دانية (٢٩)، وكذلك ترى مثلاً آخر في معهد الفنون في "دِترْوا" يمثل برشاقة فريدة في بابها منظراً مأخوذا من "جيتا جوفندا" (٣٠)، وصور النساء في هذه التصاوير الهندية وغيرها لم تكن ترسم من نماذج بشرية إلا نادراً، فكان على الفنان أن يتصورها بخياله ويستمدها من ذاكرته، والأغلب أن يصور المصور بألوان
стр. 980
زاهية على سطح من ورق ويستخدم في الرسم فراجين مصنوعة من أرق
стр. 981
الشعر، يأخذونه من السنجاب أو الحجل أو الماعز أو النمس (٣١)، واستطاع رسّامهم أن يبلغ من رقة خطوطه وزخارفه حداً يمتع العين، حتى إن كان المشاهد أجنبياً لم يمهر في تقدير الفنون.
وقد أبدعت أجزاء أخرى من الهند آثار فنية شبيهة بهذه الآثار، وبخاصة في دولة "كانجرا" (٣٢)، وتطوّر فرع من فروع هذه الدوحة الفنية عينها في ظل المغول بمدينة دلهي، ولما كان هذا الفن المتفرع ناشئاً عن فن الخط الفارسي وفن زخرفة المخطوطات، فقد آل أمره إلى أن يكون تصويراً أرستقراطياً يقابل من حيث رقته وانحصاره في دائرة ضيقة، موسيقى الحجرات التي ازدهرت في قصور الملوك؛ ولقد جاهدت هذه المدرسة المغولية - كما جاهدت مدرسة راجبوت - لتحقق لنفسها رشاقة التخطيط، كان المصورون أحياناً يستخدمون فرجوناً مؤلفاً من شعرة واحدة، وتنافس مصورو هذه المدرسة أيضاً في إجادة تصوير اليدين، لكنهم بالقياس إلى المدرسة الفنية السالفة أكثروا من الألوان وقللوا من جوّ الألغاز والغموض، وقلما مَسُّوا بفنهم الدين أو الأساطير بل حصروا أنفسهم في حدود هذه الدنيا، فكانوا واقعيين بمقدار ما سمح لهم الحذر به من الواقعية؛ وقد اتخذوا موضوعات لرسومهم رجالاً ونساء من الأحياء ذوي المنزلة الرفيعة والمزاج الشامخ بأنفه، فلم يكن أشخاصهم ممن يُعرفون في الناس بضِعة نفوسهم، وأخذ هؤلاء الأشراف يجلسون واحداً في إثر واحد أمام المصور، حتى امتلأت أبهاء الصور عند "جهان كير" - ذلك الملك الأنيق - بصور أعلام الحكام ورجال البلاط جميعاً منذ اعتلاء "أكبر" عرش البلاد، وكان "أكبر" أول حاكم من أفراد أسرته المالكة شجع التصوير، ولو أخذنا بما يقوله "أبو الفضل" فقد كان في دلهي في أواخر حكمه، مائة أستاذ من محترفي هذا الفن، وألف من هواته (٣٣).
стр. 982
وكان من أثر رعاية "جهان كير" لفن التصوير أن تطور هذا الفن واتسع نطاقه من تصوير الأشخاص فحسب إلى تمثيل مناظر الصيد وغيرها من البطانات التي تؤخذ من الطبيعة لتكون مجالاً لتصوير أشخاص من الناس على أساسها - على أن هذه الأشخاص مازالت لها السيادة في الصورة؛ فهنالك صورة صغيرة تمثل الإمبراطور نفسه وقد أوشك أن تنال منه مخالب أسد واثب على مؤخرة الفيل الذي كان يركبه، محاولاً أن يمسك بجسده، بينما ترى تابعاً من الأتباع يفر هارباً كما تقتضي النظرة الواقعية لحقيقة ما يحدث في الحياة (٣٤)، وبلغ الفن في حكم " جهان " أعلى ذروته؛ ثم أخذ بعدئذ في التدهور؛ وكما حدث في التصوير الياباني حدث في الهند، وهو أن شيوع القالب الفني في دائرة واسعة من الناس، كان له نتيجتان في وقت واحد، فقد زاد من عدد المهتمين بالفن من جهة، وقلل من دقة الذوق من جهة أخرى (٣٥)، وأخيراً تمت مراحل التدهور حين جاء " أورنجزيب " فأعاد حكم الإسلام في مقاومة التصوير بغير هوادة.
وقد لقي المصورون في دلهي من الازدهار ما لم يعرفوا له مثيلاًً خلال عدة قرون، وذلك بفضل الرعاية الكريمة التي أسداها إليهم ملوك المغول؛ فجددت طائفة المصورين عندئذ شبابها، وهي تلك الطائفة التي احتفظت بنفسها حية منذ العصر البوذي؛ ونفض بعض أعضائها عن نفسه ذلك التخفي الذي كان يدعوهم إلى نكران أسمائهم، والذي يسود الكثرة الغالبة من آثار الفن الهندي، بفعل الزمان الذي يبتلع الأسماء في جوف النسيان من جهة، وإنكار الهنود لذاتيات الأفراد من جهة أخرى، وكان من السبعة عشر فناناً الذين يعدون أعلاماً في حكم "أكبر" ثلاثة عشر هندوسياً (٣٦)، وكان أقرب المصورين إلى الحظوة في بلاد المغولي العظيم هو "دازفانت" الذي لم يؤثر أصله الوضيع - إذ كان ابن حامل المحفَّات التي تنقل الراكبين - في نظرة الإمبراطور إليه أقل تأثير؛ وكان هذا الشاب شاذ الأطوار، فكنت تراه
стр. 983
مصراً أينما حل على رسم صورة يرسمها على أية مادة أتيحت له؛ واعترف "أكبر" بعبقريته، وطلب إلى الأستاذ الذي يتلقى عنه هو نفسه فن الرسم، أن يتعهد تعليمه، حتى إذا ما شبّ الغلام، أصبح أعظم رجال الفن في عصره، لكنه وهو في أوج شهرته طعن نفسه طعنة قاضية (٣٧).
إنه حيثما وجدت ناساً يصنعون هذا الشيء أو ذاك، وجدت إلى جانبهم ناساً آخرين يأخذون أنفسهم بشرح الطريقة التي يجب أن يتبعها أولئك في صناعة ما يصنعون؛ فالهنود الذين لم تكن فلسفتهم تعلي من شأن المنطق، قد أحبوا المنطق مع ذلك، وأغرموا بصياغة قواعد دقيقة لكل فن من الفنون، كأدق ما تكون القواعد دقة، وأشد ما تكون انطباقاً على حكم العقل؛ ومن ثم وضعوا في أوائل تاريخنا المسيحي "الساندانجا" أي "الأطراف الستة للتصوير الهندي" وهي شبيهة بما وضعه صينيّ (١) بعد ذلك، وربما كان الصينيّ في ذلك مقلداً، وهو ستة قوانين لإتقان فن التصوير: ((١ معرفة ظواهر الأشياء ((٢ صحة الإدراك الحسي والقياس البنّاء ((٣ فعل المشاعل في القوالب الفنية ((٤ إدخال عنصر الرشاقة، أو التمثيل الفني ((٥ مشابهة الطبيعة ((٦ استخدام الفرجون والألوان استخداماً فنيا؛ وظهر بعد ذلك تشريع جمالي مفصل، واسمه "شلبا- شاسترا"؛ صيغت فيه قواعد كل فن وتقاليده صياغة تصلح مع مرّ الزمان، وهم يزعمون لنا أن الفنان لا بد له من دراسة الفيدات دراسة متقنة "وأن يغتبط بعبادة الله، ويخلص لزوجته ويجتنب غيرها من النساء ويحصّل معرفة بمختلف العلوم تحصيلاً تحدوه التقوى" (٣٨).
ويسهل علينا بعض الشيء فهم التصوير الشرقي؛ لو وضعنا نصب أعيننا
стр. 984
أولاً، أنه لا يحاول تصوير الأشياء بل تصوير العواطف، وأنه لا يحاول مطابقة الأصل بل يكتفي بالإيحاء به، وأنه لا يعتمد على اللون بل على التخطيط، وأن غايته أقرب إلى أن تكون إثارة عاطفة جمالية ودينية منها إلى أن تكون محاكاة للواقع، وأنه مهتم بما في الناس والأشياء من "أنفس" أو "أرواح" أكثر من اهتمامه بصورتها المادية، ومع ذلك فمهما حاولنا، فنوشك ألا نجد في التصوير الهندي ذلك الرقي الفني، أو ذلك البعد في المدى والعمق في المعنى، الذي يميز فن التصوير في الصين أو في اليابان، وترى بعض الهنود يعللون ذلك تعليلاً مغالياً في شطحته مع الخيال، فيزعمون أن التصوير قد تدهور عندهم لأنه أيسر من أن يتقدم به المتقرب إلى الآلهة، إذ ليس في إخراجه من العناء ما يشرف ذلك المتقرب (٣٩)؛ ويجوز ألا تكون الصور بما تتصف به من سرعة التعرض للزوال والفناء مما يشبع في نفس الهندي ذلك التعطش الذي يحسه نحو تجسيد إلهه المختار تجسيداً يبقى على وجه الزمان؛ فلما لاءمت البوذية بين نفسها وبين التصوير الفني للأشياء، ولما كثرت وازدادت الأضرحة البرهمية، أخذ النحت يحل محل التصوير شيئاً فشيئاً ليأخذ الحجر الدائم مكان اللون والتخطيط.
стр. 985
الفصل الرابع
النحت
النحت البدائي - النحت البوذي - جاندهارا -
جوبتا - تأثره بالمستعمرين - تقدير
ليس في مقدورنا أن نتعقب مراحل النحت التاريخية في الهند بادئين بالتماثيل الصغرى التي وجدت في "موهنجو- دارو" ومنتهين بعصر "أشوكا" لكن يجوز لنا أن نشك في أن هذه الفجوة التي تعترض تطور تلك المراحل، ليست فجوة في تقدم الفن نفسه بمقدار ما هي فجوة في علمنا به؛ وربما أفقرت الغزوات الآرية الهند حيناً من الدهر، فانتكست بفعل الفقر من الحجر إلى الخشب في صناعة تماثيلها؛ أو ربما كان الآريون أكثر انصرافاً إلى الحروب من أن يجدوا الفرصة للعناية بالفنون، فأقدم التماثيل الحجرية التي بقيت لنا في الهند لا يرجع إلى عهد أقدم من "أشوكا" لكن هذه التماثيل تدل على مهارة بلغت من الرقي حداً رفيعاً لا يدع لنا مجالاً للشك في أن الفن كان قبل ذلك آخذاً في نموه عدة قرون (٤٠)؛ وجاءت البوذية فوضعت حوائل معروفة تقوم في وجه التصوير والنحت معاً، وذلك بمقتها للأوثان وللتصاوير الدنيوية: إن بوذا يحرم "تصاوير الخيال في رسم أشخاص الرجال والنساء" (٤١) وبحكم هذا التحريم الذي يوشك أن يكون صادراً من موسى لقى التصوير والنحت من الحوائل في الهند مثل ما لقياه في عهد اليهود، ومثل ما سيلقيانه بعدئذ في ظل الإسلام، لكن هذا "التزمت"- فيما يظهر- أخذ يتراخى شيئاً فشيئاً كلما تهاونت البوذية في تشددها وازدادت مشاطرة للروح الدرافيدية التي تميل إلى الرمز والأساطير، فلما عاد فن النحت إلى الظهور من جديد (حوالي سنة ٢٥٠ ق. م) في التماثيل الحجرية البارزة القائمة على "السور" الذي يحيط بأكمات