← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 35111

سلسلة الآداب - المنجد

محمد صالح المنجد

Полный текст (576 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

آداب الاستئذان إن الله جل وعلا كما أنه حفظ الدماء وصانها من السفك والهدر والضياع، حفظ الأعراض وجعل لها حرمة وصيانة، وقد ذكر الله في كتابه آداباً وأخلاقاً تحفظ الناس من النظر إلى أعراض المؤمنين، ولذلك ذكرها الشيخ حفظه الله في هذه المحاضرة، فبدأ بأهمية الاستئذان وثماره المترتبة عليه، ثم ذكر غالب آداب الاستئذان، ومتى يجب الاستئذان، ومتى يسقط؛ مستدلاً بآيات من كتاب الله، وأحاديث من سنة رسول الله ﷺ .

стр. 2

الاستئذان وأهميته في الشرع الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الأمين صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين. وبعد: فحديثنا في هذه الليلة عن أدبٍ آخر من الآداب، وهو أدب الاستئذان، هذا الأدب العظيم الذي جاءت به هذه الشريعة المباركة، وكلها خيرٌ وبرٌ وإحسان ونفعٌ للمسلمين في كل أحوالهم، العلم والإعلام، وأذان من الله ورسوله، أي: إعلام، وأذن للشخص أي: أباح له ذلك، واستأذن: طلب الإذن، والسين والتاء تفيد الطلب، فالعلم والإعلام والإباحة والأنس والنداء معانٍ للاستئذان تتضمنه. وأما بالنسبة للاصطلاح فإن الاستئذان: هو التماس الإذن تأدباً خشية الاطلاع على العورة، وهو أيضاً: استباحة المحظور على وجه مشروع، وهو أيضاً: طلب في الدخول لمحلٍ لا يملكه المستأذن، هذا كله استئذان. ولا شك أن هذه الشريعة التي تريد سعادة المجتمع، وأن يكون مجتمع إيمان وبرٍ وتقوى، ويتبين فيه خصائص هذه الأمة التي قال الله فيها: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران:١١٠] لا شك أن هذا الأدب يبين رغبة الشريعة في هذه الرفعة والمكانة، والإنسان صاحب غرائز وشهوات وميول ورغبات، والله يعلم ذلك، وحينما حرم الزنا حرم دواعيه من النظر والخلوة والتبرج وكل ما يؤدي إليه، ومن المعلوم خطورة النظر في المجتمع الإسلامي، وإنه إذا أطلق يؤدي إلى الوقوع في المحرمات، ولذلك كان شأنه خطيراً، فنزلت أحكام الاستئذان لمعالجة قضايا البصر، وهو -أي الاستئذان- أدبٌ رفيع يحمي حرمة البيوت ويحافظ عليها وأي حرمة أعظم من أن جعل المصطفى ﷺ العين التي تنظر بغير استئذانٍ عيناً مهدرةً لا دية لها، فقال ﷺ : (لو أن امرءاً اطلع عليك بغير إذن؛ فحذفته بحصاة ففقأت عينه، لم يكن عليك جناح) رواه البخاري. فلما أخبر النبي ﵊ أن رجلاً ينظر بفتحة الباب، وكان في يده مدراة يصلح بها شعره لها حد، فأخبر الرجل أنه لو علم أنه ينظر إليه لأدخلها من الباب ففقأ عينه، ولذلك نص العلماء على أن الذي ينظر من شق الباب على شخصٍ في بيته وملكه بغير إذنٍ فأدخل صاحب البيت شيئاً في الثقب ففقأ عين الناظر أنها عينٌ مهدرة لا دية فيها. كل ذلك من أجل حرمة البيوت، والشريعة تريد حماية حرمة البيوت، وتريد أن يكون المجتمع نظيفاً والناس يعيشون في عفة، وتمنع الاطلاع على العورات، فهذه العورات محفوظة في الشريعة، وليست فقط عورة البدن، بل كل ما يمكن أن يكون عورة، فللطعام عورة، وللأثاث عورة، وللباس عورة، وللبدن عورة، والإنسان يحب أن يطلع عليه الناس وهو في حالة تجمل متهيئاً لنظرهم، ولذلك فإن الناس لا يريدون أن يطلع شخصٌ على بيوتهم وهي على غير ترتيب، ولذلك إذا استأذن شخصٌ على إنسان في بيته وفي غرفته وهي ليست مرتبة سارع إلى ترتيبها، ففي الاستئذان مراعاة لمشاعر الناس الذين لا يريدون إظهار أشياء ليس من المناسب أن يطلع عليه الآخرون، وربما يكون في البيت بقايا طعام، ربما يكون إنسان فرغ لتوه من طعامه، ولا يريد من الشخص الغريب أن يدخل عليه وفي بيته بقايا طعام مثلاً، فالاستئذان يفيد؛ فيرفع بقايا الطعام قبل أن يدخل الضيف، إذ ليس من المستحسن عنده أن يدخل عليه ضيفٌ فيرى البقايا أو أوساخ أو أشياء غير مرتبة، أو يرى في ثوب نوم أو بقميص داخلي ولو كان ساتراً للعورة، لكن الإنسان لا يحب أن يراه غيره في هذه الحالة، ولذلك الاستئذان فيه مراعاة لمشاعر الناس، بالإضافة إلى قضية ألا يطلع أحد على العورة وألا تثار الشهوة، وألا تقوم الفتنة، وألا يقع الزنا. ولذلك نلاحظ أن آية الاستئذان جاءت بعد الزجر عن الزنا والقذف، فلما ذكر الزجر عن الزنا والقذف في سورة النور ذكر الاستئذان والزجر عن دخول البيت بغير استئذان؛ لأنه ربما أدى إلى وقوع أحد المحظورين، ولذلك فإن أدب الاستئذان يؤدي إلى قطع ألسنة السوء من مظنة الريبة، وربما يصادف الإنسان حال خروجه رب الدار، وليس فيها إلا امرأته فتذهب به الظنون كل مذهب، وربما أدى ذلك إلى خراب البيت وإلحاق الأطفال بحال اليتم والضياع. وقد أباح الله للمماليك والصغار الطواف في البيوت بغير استئذان لحاجة أهليهم وأسيادهم إلا في الأوقات الثلاثة التي جاء النص عليها وهي: ما قبل الفجر ووقت الظهر، وبعد العشاء، فلا يجوز لأي إنسان الدخول في هذه الأوقات إلا بإذن حتى لو كانوا داخل البيوت من الخدم أو الإماء والعبيد أو الأطفال الصغار، وذلك لأن هذه الأوقات الثلاثة يأوي فيها الرجال إلى نسائهم وأزواجهم وتنزع فيها الثياب، ولذلك جعل الدخول محظوراً لكي لا تقع الأنظار على عورات الأهل من الأبوين، وهذا أدب يغفل عنه الناس، ويتساهلون في دخول الخدم عليهم ودخول الأطفال الصغار، وربما أدى ذلك إلى أن يرى الطفل أشياء تبقى في مخيلته أو في ذهنه وهو في صغره، وربما أدى ذلك إلى أضرار في كبره.

стр. 3

تفسير آية الاستئذان العام أما بالنسبة للاستئذان العام فقد قال الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ * فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيهَا أَحَداً فَلا تَدْخُلُوهَا حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ * لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيهَا مَتَاعٌ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ﴾ [النور:٢٧ - ٢٩]. فهذه أول آية من آيات الاستئذان، وهي آية الاستئذان العام التي أدب الله بها عباده المؤمنين، كان الرجل في الجاهلية إذا لقي أخاه لا يسلم عليه، بل يقول له: حييت صباحاً، وحييت مساءً ونحو ذلك، فأبدلهم الله خيراً من ذلك تحية أهل الإسلام، أنفع الخير والثناء وهي دعاء صالح وطيب، وهذا النهي في الآية وهو قوله: (لا تدخلوا) للتحريم، فمعنى ذلك: أن الدخول لا يجوز إلا بإذن؛ لما في ذلك من الاطلاع على العورات والتصرف في ملك الغير بغير إذن، وهذا نوعٌ من الغصب.

стр. 4

قوله تعالى: (لا تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا) وقوله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا﴾ [النور:٢٧] معنى ذلك: أن الإنسان يدخل بيته متى ما شاء، وقد يسكن ملكه ويسكن في غير ملكه، فليست الإضافة هنا اختصاص الملك، فلو أنك استأجرت بيتاً، فهل يدخل في قوله تعالى: ((بيوتكم))؟ نعم. فهو بيت لك سواء استأجرته أو كان ملكاً لك، فتدخل فيها في أي وقتٍ ما دام بيتك، وقوله سبحانه: ((تَسْتَأْنِسُوا)) الاستئناس: من آنس شيئاً إذا أبصره ظاهراً أو مكشوفاً أو إذا علمه، وهذا الاستكشاف: هو العلم يكون بالاستئذان، وقد يكون الاستئناس ضد الاستيحاش، لأن الذي يقرع باب غيره لا يدري أيؤذن له أم لا؟ فهو كالمستوحش من خفاء الحال عليه، فإذا أذن له زالت الوحشة، وكذلك فإن الاستئناس يفيد الاستئذان وزيادة: (تستأنسوا) ليس فقط معناها: تستأذنوا، فهي أعلى من الاستئذان، حتى تستشعروا أنس أهل البيت بكم، ففيها إشارة لطيفة إلى أن الزائر لا ينبغي أن يدخل إذا تبين له من حال صاحب البيت أنه لا يرغب في دخوله ولو صرح لك بالإذن، فإن بعض الناس يأذنون لكن على كره ومضض، فلما قال الله: ﴿حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا﴾ [النور:٢٧] عرفنا أن المسألة لابد أن يكون فيها أنس وليس مجرد الإذن؛ لأنه قد يحرج، فبعض الناس إذا استأذنت عليه يتردد يقول: تفضل ولكن لم تخرج من نفسٍ طيبة، فإذا كان كذلك لا تدخل لأن الله قال: (حتى تستأنسوا) فيحصل الأنس، فإذا أحسست أنه لم يحصل أنسٌ فلا تدخل. وحتى في مسألة أخذ المال، ما أخذ على وجه الحياء فهو حرام وإن كان أعطاك وسلمك بيده، لَكنْ فيه إحراج، وقع عليه الأمر وقعاً شديداً لا يملك إلا أن يأذن مرغماً، فهذا لا يدل على أنه خرج بطيب نفسٍ منه: ﴿ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [النور:٢٧]-أي: الاستئناس- أو التسليم خير من أن تدخلوا بغتةً.

стр. 5

قوله تعالى: (فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيهَا أَحَداً فَلا تَدْخُلُوهَا) قوله تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيهَا أَحَداً فَلا تَدْخُلُوهَا حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ﴾ [النور:٢٨] أي: إذا لم تجدوا أحداً من الآذنين يأذن لكم فاصبروا ولا تدخلوا إن لم تجدوا أحداً من أهلها ولكم فيها حاجة فلا تدخلوا إلا بإذن أهلها؛ لأن الاستئذان من أجل البيت وساكنه: ﴿وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا﴾ [النور:٢٨] أي: لم يجيبوكم في الدخول، بل ردوكم أو قال: ارجع الآن أو ليس الوقت مناسباً، لو طرق باب واحد وقال لك: يا أخي ليس الوقت مناسباً، أنا غير متهيئ لاستقبالك، أي عبارة من العبارات التي تعني (ارجعوا): ﴿وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ﴾ [النور:٢٨] وبعض الناس الآن لو قيل لهم: ارجعوا لثارت ثائرتهم، ووقعت الخصومة بينه وبين صاحب البيت، وهاجوا وماجوا وقالوا: لا نأتيك ولا نكلمك، كيف تقول ارجع؟ بعض الناس يكبر عليه أن يقال له: ارجع، يكبر عليه جداً، والله يقول: ﴿وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا﴾ [النور:٢٨] فلماذا تستكبر عن شيءٍ ذكره الله وأرشد إليه؟ والذي يقال له: ارجع فيغضب ويزبد ويرغي ويقاطع صاحب البيت فلا يرجع، هذا إنسان متكبر يرى أن مقامه فوق الآية: ﴿وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ﴾ [النور:٢٨] وأطهر من إلحاحكم وأحسن من الوقوف في الباب، وخيرٌ من الإصرار على الدخول، إن قيل لك ارجع فارجع ولا تلح ولا تصر، فتضمنت الآية الرجوع في حالتين: في حالة عدم الإذن الصريح كأن يقال: لا تدخل لا أسمح لك بالدخول، ارجع. وكذلك في حالة عدم الإذن الظني كأن لا يكون في البيت أحد أو سكتوا، افرض أنك طرقت الباب فسكتوا، أنت سمعت أصواتاً وصياحاً داخل البيت، طرقت الباب سكتوا، واصلت الطرق لم يتكلم أحد، هذه معناها: ارجع؛ لأنه لم يأذن. قال الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ [النور:٢٨] فيدخل في علمه ، أنه يعلم من يدخل بإذن ومن يدخل بغير إذن، فيجازي كلاً بعمله. كان بعض السلف يفرح إذا قيل له: ارجع من دينه وتقواه؛ لأنه تحقق شيء في الآية فينصرف مستبشراً بالخيرية التي ذكرها الله، يريد أن يقال: ارجع؛ لأن الله يقول: ((خيرٌ لكم)) فصار من أهل الخير والخيرية في هذه الآية، وهذا الحكم في البيوت المسكونة سواء فيها متاع للإنسان أو لا، وفي البيوت غير المسكونة التي لا متاع فيها للإنسان.

стр. 6

قوله تعالى: (لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ) وأما البيوت التي ليس فيها أهل وفيها متاع للإنسان المحتاج للدخول فقد قال الله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيهَا مَتَاعٌ لَكُمْ﴾ [النور:٢٩] فليس عليكم إثم ولا حرج أن تدخلوا بغير استئذان في هذه النوعية من البيوت، وهذه البيوت الغير مسكونة التي فيها متاع لكم للعلماء فيها أقوال. فلعل ما يتضح به المقصود إن شاء الله أن نضرب مثالاً: بيوت على الطريق يأوي إليها الناس لابن السبيل، فنادق وفيها غرف ودكاكين وحوانيت في الشارع، كل هذه تدخل في قوله: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيهَا مَتَاعٌ لَكُمْ﴾ [النور:٢٩] فمثلاً: استأجرت غرفة في فندق أو تريد أن تدخل محلاً في الشارع، كدكان، أو بيت في الطريق مبني لابن السبيل يدخل يستظل فيه وينام، وهو مفتوح لأي واحد يدخل، فهذه لا تحتاج إلى استئذان فقد يكون المتاع: الاستظلال، وقد يكون المتاع: أن تشتري حاجة، وقد يكون المتاع أغراضاً وضعتها في غرفة الفندق، فلا يحتاج أن تستأذن عند الدخول في غرفتك في الفندق، ولا يحتاج أن تستأذن عند دخول دكان في الشارع يبيع، ولا يحتاج أن تستأذن في مبنى في الطريق مهيأ لاستقبال المسافرين أو جعل لابن السبيل يأوي إليه، فإن بعض الناس يقيمون على طرق السفر أو أماكن مظللة مثلاً لاستراحة المسافرين بدون أجرة باباً مفتوحاً بالمجان، فليس هناك من حرج في دخولها، وليس من الضرورة أن يكون فيها متاع يعني: فيها جهاز أو فيها عفش وما شابه ذلك، بل يدخل فيها ما سوى ذلك من الحاجات، بل لو أن إنساناً يريد أن يدخل خربة ليقضي حاجته من بولٍ أو غائط فلا يحتاج أن يستأذن في دخول هذه الخربة، فإن ذلك من المتاع الذي يقصده بالدخول. فإذاً: مثل هذه الأشياء لا حرج من الدخول فيها. وهذا الاستئذان العام.

стр. 7

آية الاستئذان الخاص أما الاستئذان الخاص فهو الاستئذان داخل البيت، ذاك استئذان لدخول البيت، وهذا استئذان داخل البيت وهو المذكور في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلاثَ مَرَّاتٍ مِنْ قَبْلِ صَلاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ وَمِنْ بَعْدِ صَلاةِ الْعِشَاءِ ثَلاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ * وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [النور:٥٨ - ٥٩] هذه الآية عامة للرجال وللنساء وإن كانت بصيغة المذكر، لكن يدخل فيها النساء؛ لأن صيغة التذكير هنا من باب التغليب ليس إلا، وإلا فالنساء يدخلن في ذلك؛ لأن النساء من باب حفظ العورة أشد من الرجال، فإذا ثبت الحكم في الرجال فالنساء من باب أولى، وقوله: ﴿الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النور:٥٨] سواءً كانوا بالغين أو غير بالغين. ﴿وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ﴾ [النور:٥٨] هؤلاء الأحرار، وليس المراد الذين لم يظهروا على عورات النساء؛ لأن الذي لم يبلغ الحلم قد يعرف أحوال النساء فيميز المرأة الجميلة من المرأة القبيحة، وله التفات إلى النساء وإلى ملابس النساء وزينتهن ويصف النساء، فقوله: ﴿وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ﴾ [النور:٥٨] أي: الأحرار غير البالغين، وليس خاصاً بالذين لم يظهروا على عورات النساء، بل المراد الذين عرفوا أمر النساء لكن ما بلغوا الحلم، أما ابن السنتين ونحوها ليس من الذين يظهرون على عورات النساء، ولا يميز المرأة الجميلة من المرأة القبيحة أو يصف ويهتم بشئون النساء وله ميلٌ إلى ذلك. وهذه الأوقات الثلاثة التي ذكرها الله هي أوقات الخلوة والتصرف التي يمكن أن يأتي فيها الإنسان أهله في العادة، فالله يعلم أن الاستئذان الخاص مثلاً: استئذان الخدم أو الإماء أو الأطفال على الأبوين مثلاً، كل وقت يشق فجعله واجباً في هذه الأوقات الثلاثة؛ لأنه يوجد مشقة، لأجل الطواف بالخدمة، وقضاء الأشغال والحوائج، فإذا كانت كلما تريد أن تتحرك من مكان إلى مكان تستأذن سيكون هناك مشقة، لكن جعل هناك أوقات معينة ليس فيها دخول إلا باستئذان، وهي مظنة خلع الثياب ومظنة إتيان الرجل أهله واستراحته وقيلولته ونومه، وكانوا في الحر يخلع الرجل إزاره ورداءه، فربما تعرى فينكشف فيطلع غير المستأذن على شيء غير مناسبٍ على الإطلاق. وقوله : (ليستأذنكم) يدل على أنه ينبغي أن نربي أولادنا على هذا الأدب، يجب أن يربى الأطفال على عدم اقتحام غرفة نوم الأبوين إلا بإذن، ويربى الأولاد ألا يدخل الواحد على غرفة الآخر إلا بإذن، فقد يغير ثيابه بعد استحمام أو لأجل الخروج من البيت ونحو ذلك، ولما استغرب أحد الناس قال لـ ابن عمر: [أستأذن على أمي؟ قال: أتريد أن تراها عارية؟] فربما أنها تبدل ثيابها، فلابد أن يستأذن استئذاناً خاصاً حتى في الدخول على الأم، وبالذات غرف البنات، ينبغي تعليم من يدخل الاستئذان قبل أن يدخل، هذا أدب إسلامي حصل فيه تفريط أو إخلال يؤدي إلى كوارث.

стр. 8

الاستئذان عند الانصراف إذا كان في اجتماع وهناك استئذان آخر عند الانصراف، يكون الإنسان في بيته شخص زائر مثلاً أو في مكان اجتماع، أما إذا كان في مكان اجتماع فيه الخليفة أو إمام المسلمين فإنه لا ينصرف إلا باستئذان لقوله : ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولَئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النور:٦٢] فهذا نوعٌ من الأدب أرشد إليه ربنا عباده المؤمنين، وهو الاستئذان عند الانصراف، كما أمرهم بالاستئذان عند الدخول، ومدح الله من تأدب بهذا الأدب الرفيع، فكل من كان قائماً على أمر، أو أميراً على جماعة مثل أمير السفر مثلاً، فأراد إنسان أن ينصرف أو يغادر فيستأذن منه؛ لئلا ينفرط عقد الجماعة أو يكون هناك اختلال في الإمرة أو الواجبات ونحوها، وأما بالنسبة للزيارة العادية فإن النبي ﵊ أرشد إلى أن الإنسان إذا زار أخاه فلا يقومن حتى يستأذنه. فإذا كنت عند شخص في زيارة، فالأدب إذا أردت الانصراف أن تستأذن قبل أن تقوم وليس أن تقوم وتمشي، فهذا احترام لصاحب الدار ولأخيك المسلم، ويكون هذا الاستئذان مصحوباً بالسلام؛ لأنه ﵊ قال: (إذا انتهى أحدكم إلى مجلسٍ فليسلم، فإن بدا له أن يجلس فليجلس، ثم إذا قام فليسلم، فليست الأولى بأحق من الآخرة). ولذلك روى البخاري ﵀ في الأدب المفرد: باب إذا جلس الرجل إلى الرجل يستأذنه في القيام، وعن أبي بردة بن أبي موسى قال: جلست إلى عبد الله بن سلام فقال: إنك جلست إلينا وقد حان منا القيام، فقلت: فإذا شئت، فقام، فتبعته حتى بلغ الباب. فإذاً: عرفنا الآن التحية عند دخول البيوت، والتحية عند الانصراف، ولنعلم كذلك بأن هذا الأدب وهو أدب الاستئذان بنوعيه العام والخاص، أدب كريم، أجمع العلماء على أن الاستئذان مشروع، وتظافرت في ذلك دلائل الكتاب والسنة وإجماع الأمة، فقال بعض العلماء: إنه مستحب، وقال بعضهم: إنه واجب بنوعيه الخاص والعام، قال ابن مفلح: فيجب في الجملة، وأدلة الوجوب كثيرة مثل: الأمر أو النهي، والأصل في الأمر الوجوب، والأصل في النهي التحريم، والنبي ﷺ قال: (الاستئذان ثلاثاً، فإن أذن لك وإلا فارجع) وهذه اللام في قوله: (ليستأذنكم) هي لام الأمر، هذا ظاهره يدل على الوجوب ثم ستر العورة واجب، والنبي ﵊ قال: (إنما جعل الاستئذان من أجل البصر) والاطلاع على العورة محرم، فالمسألة كبيرة.

стр. 9

صيغ الاستئذان وأما صيغ الاستئذان فإن الصيغة المشهورة (السلام عليكم أأدخل؟) فإن أذن له دخل وإلا رجع، ودل على هذه الصيغة (أن رجلاً من بني عامر استأذن على النبي ﷺ وهو في بيته فقال: أألج - أي أأدخل؟ - فقال النبي ﷺ : اخرج إلى هذا فعلمه الاستئذان فقال له: قل: السلام عليكم أأدخل؟ فسمع النبي ﷺ فقال: السلام عليكم أأدخل؟ فأذن له النبي ﷺ فدخل) رواه أبو داود في كتاب الأدب، باب كيفية الاستئذان، وصححه الألباني. وجاء عن ابن عمر ﵄ أنه كان إذا استأذن فقيل له: ادخل بسلام، رجع وقال: لا أدري أدخل بسلامٍ أو بغير سلام، فهذا امتناع ابن عمر ﵄ الدخول لما قيل له: بسلام، احتمال أن يكون المراد ادخل بسلامك لا بشخصك، ولأنهم اشترطوا عليه شرطاً لا يدري أيفي به أم لا، فمن ورعه كان يرجع. فالمهم الصيغة: السلام عليكم أأدخل، وقد جاء عن عمر ﵁ أنه استأذن فقال: السلام على رسول الله السلام عليكم أيدخل عمر؟ ولكل قومٍ عرفٌ في الاستئذان، ولذلك لو استأذن بأي كلمة: ممكن أدخل؟ لا بأس، أأدخل؟ لا بأس، لكن الصيغة الأتم والأكمل (السلام عليكم أأدخل؟). فهذه الصيغة الأفضل، وقد جاء عن عبد الملك مولى أم مسكين قال: أرسلتني مولاتي إلى أبي هريرة فجاء معي فلما بلغ الباب قال: أندر؟ قالت: أندرون، وهذه العبارة معناها بالفارسية استئذان، فإذاً يمكن أن تدخل على شخص لا يعرف العربية، فتستأذن عليه بلسانه بالإنجليزية أو بغيرها، المهم أن يفهم أنك تريد الدخول وتسمع إذناً صريحاً.

стр. 10

بعض آداب الاستئذان

стр. 11

أن يستأذن ثلاثاً ورد في الحديث: (كان إذا سلَّم سلَّم ثلاثاً، وإذا تكلم بكلمة أعادها ثلاثاً) عنون عليه البخاري ﵀: باب التسليم والاستئذان ثلاثاً، أما قضية التسليم ثلاثاً ستأتي إن شاء الله تعالى في آداب السلام، وأما مسألة الاستئذان ثلاثاً فإن الاستئذان ثلاثاً لا يزيد عليها الإنسان، وإذا لم يؤذن له فليرجع، وجاء عن أبي سعيد ﵁ قال: (كنت في مجلس من مجالس الأنصار إذ جاء أبو موسى الأشعري كأنه مذعور فقال: استأذنت على عمر ثلاثاً فلم يأذن لي فرجعت، فقال: ما منعك؟ قلت: استأذنت ثلاثاً فلم يؤذن لي فرجعت، وقال رسول الله ﷺ : إذا استأذن أحدكم ثلاثاً فليرجع، فقال عمر لـ أبي موسى: والله لتقيمن عليه بينة، أمنكم أحدٌ سمعه من رسول الله ﷺ ؟ فقال أبي بن كعب لـ أبي موسى: والله لا يقوم معك إلا أصغر القوم، فكنت أصغر القوم، فقمت معه فأخبرت عمر أن النبي ﷺ قال ذلك) عمر أراد أن يستثبت، وأراد المزيد من التأكد، فطلب من أبي موسى شاهداً معه أن النبي ﷺ حدد الاستئذان بثلاث مرات، وأن الإنسان لا يزيد عليها، وأنه إذا لم يؤذن له يرجع، وهذا هدي النبي ﵊، طبقه أبو موسى الأشعري مع عمر، وشهد مع أبي موسى أبو سعيد الخدري ﵁.

стр. 12

إذا لم يؤذن له فليرجع الآن عرفنا إذا استأذن ثلاثاً فلم يؤذن له يرجع، لكن هل يجوز الزيادة على الثلاث؟ منع من ذلك جمهور العلماء؛ لأن ظاهر الحديث الاكتفاء بالثلاث والزيادة عن الثلاث إزعاج، يعني يمكن تقول: ما سمع من أول مرة، كان ساهياً أو لاهياً، نستأذن إذن مرة ثانية، وهكذا، فقد يكون سمع، ولو كان يريد أن يأذن لأذن، وقال ابن عبد البر ﵀: السنة في الاستئذان ثلاث مرات لا يزاد عليها. وبعض العلماء قال: يجوز الزيادة إذا لم يكن فيها إزعاج وإحراج لصاحب البيت، أي لو أن إنساناً مثلاً خاصم شخصاً أو بينه وبينه خصومة، فأراد أن يتصالحا فذهب إلى مكانه، وأراد من الزيادة على ثلاث استرضاء الشخص الذي بينه وبينه خصومة، فلم يقصد بالزيادة على الثلاث الإحراج أو الإزعاج، قصد أن يسترضيه ويلح عليه ويقبل منه الدخول، ويقبل منه الاعتذار، فلا بأس فلها معنى ولها وجه. وقد جاء في حديث قيس بن سعد بن عبادة قال: (زارنا رسول الله ﷺ في منزلنا فقال: السلام عليكم ورحمة الله، قال: فرد سعد رداً خفيفاً يعني: أباه قلت: ألا تأذن لرسول الله ﷺ قال: ذره يكثر علينا السلام، فقال: السلام عليكم ورحمة الله، فرد سعد رداً خفيفاً، ثم قال: السلام عليكم ورحمة الله، ثم رجع رسول الله ﷺ وأتبعه سعد فقال: يا رسول الله! إني كنت أسمع تسليمك وأرد رداً خفيفاً لتكثر علينا من السلام، فانصرف معه ﷺ رواه أبو داود في الاستئذان، باب كم مرة يسلم الرجل. فالنبي ﵊ اكتفى بالثلاث ورجع، قالها في قوله وعملها بفعله ﷺ ، وإذا تحقق المستأذن أن أهل البيت سمعوه لزمه الانصراف بعد الثلاث؛ لأنهم لما سمعوه ولم يأذنوا دل ذلك على أنهم لا يريدون الإذن، وعدم الزيادة على الثلاث ثابت في السنة.

стр. 13

عدم متابعة الاستئذان ورفع الصوت ومما ينبغي للمستأذن ألا يجعل استئذانه متواصلاً، أأدخل، أأدخل، أأدخل، ثم ينصرف فهذه صارت مثل واحد يريد ألا يدخل، أعط فرصة لصاحب البيت، ويكون بين كل استئذان والآخر وقتٌ يسير، أما قرع الباب بعنف ويضغط الجرس عشرين مرة كما يفعل بعض الناس، والصياح لصاحب الدار فهذا فيه إيذاء وإيحاش، والله عاتب الأعراب فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ * وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْراً لَهُمْ﴾ [الحجرات:٤ - ٥] فهؤلاء كانوا يأتون عند بابه ويصوتون ولا يصبرون، والأولى للإسماع، والثانية ليأخذ الحذر والأهبة أهل البيت، والثالثة ليأذنوا وإن شاءوا ردوه، الأولى استعلام، والثانية تأكيد، والثالثة إعذار، الثلاث وردت في أشياء كثيرة أنها منتهى الأمر، وكذلك فإن الخضر بعد الثلاث امتنع عن مرافقة موسى؛ المرة الأولى قد يكون الإنسان جاهلاً، المرة الثانية قد يكون ناسياً، المرة الثالثة أقيمت عليه الحجة، ما بقي بعد ذلك سبب. الطلاق ثلاث مرات: المرة الثالثة ليس فيها رجعة، فنجد أن الثلاث في الشريعة جاءت في أمورٍ كثيرة أنها منتهى الأجل ونهاية المطاف.

стр. 14

إذا أحرج صاحب البيت فلينصرف ولا يدخل وكذلك فإن الإنسان إذا لاحظ أن صاحب البيت قد أحرج وخرج إليه في حال غير مناسبة فلا يدخل، بل إنه ينصرف ((فالنبي ﷺ جاء إلى عتبان ﵁ واستأذنه فخرج إليه ورأسه يقطر ماءً، فقال: لعلنا أعجلناك؟ قال: نعم يا رسول الله!) والنبي ﷺ لما جاء إلى سعد بن عبادة ولم يسمع رداً انصرف ولم يلح، فإذاً إذا تبين إنسان أنه قد أحرج صاحب البيت فلينصرف ويعتذر عن حضوره في وقتٍ غير مناسب، إلا إذا لاحظ أن صاحب البيت يريده فعلاً أن يدخل فإنه يدخل. ولذلك الآن من الأمور التي أهلكتنا قضية المجاملات الفارغة، يعني: مثلاً واحد أوصل الثاني إلى بيته بعد العمل بعد تعبه وإرهاقه وعرقه وجوعه، الذي حصل وصله إلى البيت، فهذا الذي ينزل بيته يقول: تفضل معنا، هل هو يقصد فعلاً حقيقة هذه الكلمة؟ لا يقصدها، بدليل أنه لو تفضل معه لصارت نكبةً عليه، هذه تفضل معنا يعني: مع السلامة، لكنهم يقولونها بعبارةٍ أخرى، فلذلك ينبغي عدم الوقوف عند هذه الألفاظ المجردة، بل ننظر إلى ما وراء ذلك من المعاني والأحوال.

стр. 15

الاستئذان على المحارم وينبغي التأكيد على قضية الاستئذان على المحارم لئلا يكون في ذلك انكشاف للعورة واطلاع عليها، وقد سأل رجلٌ حذيفة فقال: أستأذن على أمي؟ فقال: [إن لم تستأذن عليها رأيت ما تكره] وكذلك قال ابن مسعود ﵁: [عليكم بالإذن على أمهاتكم وأخواتكم] وجاء عن موسى بن طلحة قال: [دخلت أنا وأبي على أمي، فدخل فاتبعته، فالتفت إليَّ فدفع بصدري وقال: أتدخل بغير إذن؟] فهذا الأب عاتب ابنه على الدخول على أمه بدون استئذان، يعني: هو زوجها يدخل عليها؟ وسأل عطاء ابن عباس، فقال: [أستأذن على أختي؟ قال: نعم، قال: إنها في حجري أنا الذي أربيها -قد تكون يتيمة- قال: أتحب أن تراها عريانة؟]. فإذاً: هذه الآثار الصحيحة كما بين ابن حجر ﵀ تدل على الاستئذان حتى على المحارم، ويستأذن الرجل على أمه ولو كانت عجوزاً، وأن هذا الاستئذان أمرٌ مفروض لعموم البلوى التي تحصل داخل البيوت، وربما يكون الخطر من الداخل أعظم من الخطر من الخارج.

стр. 16

حكم الاستئذان على الزوجة لكن الاستئذان على الزوجة ليس بواجب، إنما هو من كمال الأدب، قال ابن جرير لـ عطاء: أيستأذن رجل على امرأته؟ قال: لا. لكن قالت زينب زوجة ابن مسعود: [كان عبد الله -يعني زوجها- إذا جاء من حاجة فانتهى إلى الباب تنحنح كراهة أن يهجم منا على أمرٍ يكرهه] إسناده صحيح، صححه ابن كثير ﵀ في تفسيره، فإذا من كمال الأدب أن يستأذن الإنسان على زوجته، لكن من ناحية الوجوب لا يجب، وهناك فرقٌ بين إعلامها بالدخول وبين الاستئذان عليها، فالزوجة تعلم بالدخول لئلا تكون على حالٍ تكره أن يراها زوجها عليها، وإلا فالزوجة لا يجب الاستئذان عليها، لكن لا يفاجئها فتقع في شيءٍ من الحرج. ولماذا أمرنا ألا ندخل على أهالينا ليلاً من السفر؟ لا يطرق الرجل أهله طروقاً لئلا يقع منها على أمرٍ يكرهه، ينتظر حتى تستحد المغيبة وتمتشط الشعثة، وبعد ذلك إذا أراد أن يدخل فليدخل. طبعاً الآن لو أن إنساناً أخبر زوجته بالهاتف أنا سآتي هذه الليلة، فقد حصل المقصود فيجوز أن يأتي ليلاً، لكن النبي ﵊ في أسفاره ينتظر قرب المدينة، يعني: أهل المدينة يكون عندهم خبر أنه سيدخل قريباً، إذا وصل في الليل لا يدخل في الليل، ينتظر لئلا يدخل الرجل على زوجته في حال يكرهها، يعني: هو جاء من السفر مشتاقاً إلى زوجته، وزوجته غير ممتشطة وغير مستعدة، فعند ذلك كان ﵊ يبيت خارج المدينة ثم يدخل في الصباح، إذا جاء في النهار دخل، ويمهل، لماذا يمهل؟ قال: (حتى تستحد المغيبة) التي غاب زوجها تستحد يعني: تحلق العانة بالموس، ونحو ذلك من لوازم التهيئ للزوج، فالمقصود التهيئ للزوج لأنه إذا رآها متفرقة الشعر في حالة العرق والمهنة وهو آتٍ من سفر مشتاق إليها نفر منها، وقد تحدث وحشة بينهما، ولذلك أمرت المرأة بالتهيئ لزوجها إذا جاء من سفر ولا يطرقها طروقاً في الليل إلا إذا أخبرها قبل أن يأتي، كما إذا اتصل عليها قال: سآتي أنا في الليل، الطائرة ستصل في الليل ونحو ذلك.

стр. 17

تقديم السلام على الاستئذان لما تكلمنا عن قضية الاستئذان وقلنا: إنه يرفق بالسلام، السلام قد يكون استئذاناً، وقد يكون الاستئذان بغير سلام، فلو قال الإنسان: أأدخل؟ يكفي للاستئذان، لكن الأفضل أن يكون السلام مرافقاً للاستئذان، فيقول: السلام عليكم أأدخل؟ ويتضح من هنا أن السلام قبل الاستئذان. بالنسبة لموضوع تقديم الاستئذان كنا نتكلم عن موضوع الاستئذان والسلام أيهما قبل؟ يقول ابن القيم ﵀: وفي هذه السنن رد على من قال بتقديم الاستئذان على السلام، ورد على من قال: إن وقعت عينه على صاحب الدار قبل دخوله قدم السلام وإلا قدم الاستئذان، وهذان القولان مخالفان للسنة، لأن السنة أن يقدم السلام، فيقول: السلام عليكم أأدخل (ولا تأذنوا لمن لم يبدأ بالسلام) حديث رواه البيهقي، وصححه الألباني: [إذا دخل ولم يقل: السلام عليكم فقل: لا. حتى تأتي بالمفتاح " السلام] رواه البخاري في الأدب المفرد عن أبي هريرة من كلام أبي هريرة، كان إذا دخل ولم يقل: السلام عليكم يقول: لا. حتى تأتي بالمفتاح، ويقصد بالمفتاح السلام، فإذاً يقدم السلام على الاستئذان.

стр. 18

إرسال الخادم إلى المدعو إذن له ماذا بالنسبة لموضوع الرسول الذي يرسل من شخصٍ إلى آخر، واحد أرسل خادمه إلى شخصٍ يقول: فلان يدعوك، هل هذا الخادم يغني عن الاستئذان؟ يقول البخاري ﵀ في صحيحه: باب إذا دعي الرجل فجاء هل يستأذن، وساق حديث أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: (هو إذنه) وجاء في حديث أبي هريرة أنه قال: ادع أهل الصفة قال: فجاءوا فاستأذنوا، فإذاً كيف نجمع بين الحديثين، قال: ابن القيم ﵀: إن جاء الداعي على الفور من غير تراخٍ لم يحتج إلى استئذان، وإن تراخ في المجيء عن الدعوة وطال الوقت احتاج إلى استئذان، فلو إنك قلت لشخص: ادع لي فلاناً فذهب وكلمه، فجاء هذا مباشرةً، يدخل عليك مباشرة ولو بغير استئذان، لكن لو دعاه فجاء بعد فترة من الزمن فيحتاج إلى استئذان، وقيل: إذا حضر مع الرسول فلا يستأذن، وإن تأخر عن الرسول لزمه الاستئذان، فـ أبو هريرة ما كان معهم، ولذلك لما جاءوا استأذنوا، وأما قوله: رسول الرجل إلى الرجل إذنه فذلك إن جاء معه، ولذلك جاء في رواية (إذا دعي أحدكم إلى طعام فجاء مع الرسول فإن ذلك له إذنٌ) رواه أبو داود، وصححه الألباني. ففي هذا دلالة على أن الدعاء إلى الوليمة إذنٌ بالدخول والأكل، وهذه مسألة واسعة تختلف فيها الأعراف، يعني مثلاً: بعض الناس يقول: الليلة العشاء عندي، يأتي الناس يجدون باب البيت مفتوحاً، ما معنى فتح باب البيت؟ معناه الإذن فلا يحتاج إلى قرع باب ولا استئذان، تدخل مباشرة إلى المجلس، هذه واضحة من أعراف الناس، وإبراهيم ﵇ كان بابه مفتوحاً للضيوف، ولذلك قال الله تعالى: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ * إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلاماً قَالَ سَلامٌ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ﴾ [الذاريات:٢٤ - ٢٥] دخلوا عليه معناه: أن بيته مفتوح للضيوف، وقد اشتهر بذلك ﵇.

стр. 19

اختيار الأوقات المناسبة المجيء لابد له من اختيار الأوقات المناسبة، على كل حال فالإنسان لا يأتي مثلاً في نصف الليل أو بعد نصفه، أنا أطرق الجرس ثلاث مرات إن أذنوا لي وإلا رجعت، ولكن هذا الوقت غير مناسب، فاستئذانك مزعج، لو ما جئت لكان أحسن.

стр. 20

أن يقف بجانب الباب أين يقف المستأذن من الباب؟ (كان النبي ﷺ إذا جاء الباب يستأذن لم يستقبله، يقول: يمشي مع الحائط حتى يستأذن فيؤذن له أو ينصرف) رواه أبو داود، ورواه الإمام أحمد، والبخاري في الأدب المفرد، وصححه الألباني. فإذاً: لا يقوم مواجه الباب بحيث إذا فتح الباب رأى كل شيءٍ وراء الباب، وقد جاء رجل إلى باب النبي ﷺ فقام على الباب، فقال: هكذا عنك -تنح يميناً أو شمالاً والآن الإنسان يتنحى في أي جهة؟ يعني: لا يستقبل الباب بل يذهب يميناً أو شمالاً، يذهب عكس اتجاه فتحة الباب، أي في الجانب الذي لا يرى منه إلى الداخل؛ وإنما يكون في الجانب الآخر، فإذا كان الباب يُفتح يميناً وقف إلى الشمال، وإذا كان الباب يفتح شمالاً فيقف يميناً، والمهم أنه يجلس في المكان الذي إذا افتح الباب لا يرى ولا يطلع، وإذا جعل ظهره للباب أو جنبه بحيث أنه لا يرى وتأخر عن الباب فهذا من الأدب، وبعض الناس بل قلة منهم من يراعي هذه الأشياء، مع أنه من الدين والشريعة ومن السنة وفيها أجر؛ ولكن يوجد تهاون في الحقيقة وإهمال في هذه الأمور.

стр. 21

أن يخبر باسمه حتى يعرف ومن ملأ عينه من قاع بيتٍ -يعني بعض الناس تراه ينفتح الباب فقط، وهو يحاول أن يرى أكبر قدر ممكن، فهذا مخالف للأدب وشيء شنيع- فإذا ضرب الباب، الآن الجرس يقوم بالاستئذان فهو مفيد، فالبيوت قديماً لو قلت: السلام عليكم أدخل؟ يسمعوا، لأنه قد لا يكون على الباب إلا ستارة، أو يكون باباً بسيطاً، والبيت ليس فيه طبقات وأشياء عميقة، بيوت بسيطة وصغيرة، حجرات النبي ﵊ ماذا كانت؟ الآن البيوت أدوار وطابق ثانٍ وثالث، ويكون الإنسان في بابٍ وراء بابٍ وراء بابٍ (أبواب مغلقة) فلو قلت: السلام عليكم، بأعلى صوتك والمكيفات شغالة لا يمكن أن يسمعك، فيقوم الآن الجرس مكان الكلام، فأنت تطرق الجرس أول مرة وثاني مرة وثالث مرة، فإن رد عليك تقول: السلام عليكم فلان، تقديم الاسم أحسن، لكن إن سأل أهل البيت تأكد الجواب؛ لأنه قد ورد في الصحيحين عن جابر قال: (أتيت النبي ﷺ في دينٍ كان على أبي فدققت الباب فقال: من ذا؟ فقلت: أنا، فقال: أنا أنا كأنه كرهها) فأنا: هذه ليست تغني بالتعريف، فعندما يقال: من؟ لا تقل: أنا؛ وقل: فلان، وإذا كان في أكثر من شخص بهذا الاسم فيقول: فلان الفلاني، لأنه لو طرق الباب وقالوا: من؟ قال: عبد الله، مَن عبد الله؟ فيقول: فلان بن فلان، أو أبو فلان المقصود أن يعرفه صاحب البيت بشخصيته، بكنية معروفة مشهورة أو باسم العائلة الأول والأخير، المهم أن يأتي له بالاسم الذي يتميز به، لأن صاحب البيت لو أذن لك على أنك فلان وأنت لست بفلان فإذنه لا يغني، وليس المقصود مخادعة صاحب البيت حتى يظن أنك فلان فيأذن ثم يتضح أنه شيءٌ آخر، فهذا ليس استئذان.

стр. 22

ألا يكون الاستئذان مزعجاً وهذه الأجراس والقرع الموجود ينبغي أن يكون بدون إزعاج، فإن أبواب النبي ﵊ كانت تقرع بالأظافر من الرقة، ومن المبالغة في الأدب والتوقير والإجلال. وبعض الناس يضع يده على الجرس ولا يرفعها، والجرس يواصل الطرق، بعض الأجراس تواصل التصويت بالضغط على الزر، وهذا من قلة الأدب، وجبريل لما صعد بالنبي ﵊ للسماء جعل يستأذن فيقال: من؟ فيقول: جبريل، فيقال: ومن معه؟ فيقول: محمد ﷺ ، إذاً كان يوجد تعريف بجبريل وبمن معه، هذه قد تكون من الإحراجات أن يأتي واحد معه ثلاثة يطرق الباب فيقال: من؟ فلان تفضل! ويدخل معه ثلاثة، عرِّف وقل: معي فلان وفلان وفلان، المشكلة أن عدم التعريف يسبب إحراجاً لصاحب البيت، فلابد من الإفصاح وتقديم المعلومات، فإذا دخل الإنسان إلى البيت فإن هناك آداباً للمجلس قد سبق بيانها في غير هذا الموضع.

стр. 23

حالات يسقط فيها الاستئذان وفي الختام فإن هناك حالات يسقط فيها الاستئذان، كمن أراد الدخول لإنقاذ إنسان من حريق أو إسعاف شخص في هجوم سارق، أو اقتحام لإنكار منكر في بيت دعارة أو مصنع خمر، ولا يجوز الاستئذان هنا (دور أهل الحسبة) فلا مجال للاستئذان في مثل هذه الحالات، والأمر بالرجوع أدب شرعي، وإذا استأذن فيقال له: ارجع فيجب أن يرجع دون أن يحمل في نفسه شيئاً. وكذلك فإن الإنسان إذا جاء إلى منزل ليس فيه أحد فلا يسقط الإذن؛ لأن داخل البيت قد يكون فيه أشياء لا يراد منه أن يطلع عليها.

стр. 24

الإذن المعتبر وكذلك لا عبرة بمن إذنه غير معتبر، فلو طلع واحد صغير عمره ثلاث سنوات أأدخل؟ وقال: ادخل فهذا إذنه غير معتبر، وقد يدخلك على أمه، فبعض الناس قد يتساءل، فلذلك يتأكد يقول: اذهب إلى أبيك وقل له: فلان، أو يطرق الجرس مرة ثانية ومرة ثالثة ولا يكتفى بإذن الصغار، وبعض الناس عنده سائق أو خادمة أو شخص أعجمي تقول: أأدخل؟ يقول: هاه، أو يقول: إيه، يظنها إذناً وهو ليس بشيء. ويقول ابن القيم ﵀: يقبل قول الصبي والكافر والمرأة في الهدية والاستئذان؛ إذا صارت القرائن قائمة على أنه إذن، أو أنه نقل إذن من صاحب البيت، وقد يكون الإذن بغير الكلام كأن يجعل علامة تدل على الإذن، مثلاً طرقت الجرس قلت: السلام عليكم أأدخل، فتحوا الباب بالزر الكهربائي، هذا الفتح معناه إذن بالدخول، وقد يحصل هذا في بعض البيوت إذن بالدخول، لكن يجب أن يتأكد الإنسان لأن أحياناً تطرق البيت تقول: السلام عليكم يظنون أنه ولدهم الذي خرج إلى البقالة، فيفتح الباب تلقائياً بالزر الكهربائي، هذا ليس معناه إذن لك بالدخول، فينبغي أن تتأكد أن الفتح لك أنت يا أيها المستأذن. وكذلك يمكن أن بعض الناس قد يكون بينه وبين شخص علاقة خاصة فيقول: أنت ما يحتاج أن تستأذن إذا أردت أن تدخل البيت، يعني هذا ما يحتاج استئذان أبداً تجيء على المجلس مباشرةً، النبي ﷺ قال لـ ابن مسعود: (إذنك عليَّ أن يرفع الحجاب وأن تسمع سوادي -يعني السر- حتى أنهاك). وكذلك فإن الاستئذان قد يكون على إنسان يصلي، فماذا يفعل؟ لو أنه سبح يوحي لك بالإذن فادخل، أو الانتظار قد يسبح يعني: بالانتظار حتى يفتح لك الباب، أو يتقدم المصلي فيفتح لك الباب ونحو ذلك. فهذه بعض الأشياء المتعلقة بالاستئذان. نسأل الله أن يؤدبنا بأدب كتابه، وأن يعلمنا سنة نبيه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

стр. 25

آداب البشارة إن التبشير بالخير والأمور السارة من آداب الإسلام العظيمة، وقد كان النبي ﷺ كثيراً ما يبشر في أمور الدين البشارة العامة، وكذلك البشارة الخاصة، وقد تعرض الشيخ في هذا الدرس إلى مواطن البشارة وآدابها.

стр. 26

الفرق بين البِشارة والبُشارة الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. وبعد: أما موضوع البشارة: فإن البِشارة يعرفها العلماء بأنها ما يُبِشِر به الإنسان غيره من أمر، وهي بكسر الباء (البِشارة) والبُشارة بضم الباء ما يُعطاه المُبشِّر بالأمر, أي: إذا بشرك إنسان فأعطيته شيئاً فهذه العطية تسمى: بُشارة, والأمر الذي بشرك به يسمى: بِشارة. قال ابن الأثير ﵀: البُشارة بالضم ما يعطى البشير, وبالكسر الاسم، وسميت بذلك من البشر وهو السرور؛ لأنها تظهر طلاقة وجه الإنسان، وهم يتباشرون بذلك الأمر، أي: يبشر بعضهم بعضاً, والبِشارة إذا أطلقت فهي للبشارة بخير, هذا هو الأصل, ويجوز استعمالها مقيدة في الشر, كقوله تعالى: ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [آل عمران:٢١] وقد جاء في الحديث الصحيح في صحيح البخاري قول النبي ﷺ : (ولكن المؤمن إذا حضره الموت بُشر برضوان الله وكرامته، فليس شيء أحب إليه مما أمامه، فأحب لقاء الله وأحب الله لقاءه, وإن الكافر إذا حضره الموت بُشر بعذاب الله وعقوبته، فليس شيء أكره إليه مما أمامه). فالآيات التي فيها التبشير أو البشارة بالعذاب الأليم للكفار كثيرة, واستعمال البشارة في الخير هو الأصل, وقد ورد في القرآن في مواضع كثيرة، كقوله تعالى: ﴿فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ﴾ [الصافات:١٠١] وقال سبحانه: ﴿فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ﴾ [هود:٧١] وبشرت مريم بكلمة من الله, والبشارات التي ذكرت في القرآن كثيرة. إذاً: إذا استعملت البِشارة في الشر فلا بد من استعمالها مقيدة، مثلاً: بشر بعذاب ونحو ذلك, ولا يقال: بشر فقط بدون أن يذكر المبشر به. والبشارة تكون من المخبر الأول بخلاف الخبر, فإنه قد يكون من الأول والثاني والثالث وكلهم مخبرون, أما البشارة فهي من المخبر الأول, فإذا جاء واحد وكررها فلا تكون بشارة, وكذلك الخبر قد يكون صادقاً أو كاذباً، أما البشارة فإنها تختص بالخبر الصادق السار غالباً. والبُشارة ما يعطى المبشر، وهي تشبه الجعل الذي يعطى على عمل معين, لكن الجعل قبل العمل, فهو يقول: من فعل لي كذا أعطيته كذا والبُشارة تعطى بعد الإخبار بالأمر السار ولو لم يقل: من بشّرني بكذا أعطيته.

стр. 27

التبشير بالخير من الآداب الإسلامية العظيمة والتبشير بالخير والشيء الطيب السار والأمر المفرح من السنة, وهو من الآداب الإسلامية العظيمة, فأما أعظم ما نبشر به المؤمن فهو البِشارة بما أعد الله له، قال الله تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقاً قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهاً وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة:٢٥] وكذلك فإن الله سبحانه قد بشر المؤمنين بالملائكة، قال سبحانه: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ * وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ﴾ [الأنفال:٩ - ١٠]. والنبي ﷺ كان يبشر بالأمور الدينية كثيراً، فليس فقط لمن جاءه ولد أو مال أو هدايا أو نحو ذلك, بل كان ﷺ كثيراً ما يبشر بالأمور الدينية, وقد جاءه أعرابي كما في صحيح البخاري في كتاب المغازي فقال: (ألا تنجز لي ما وعدتني؟ -قيل: إنه وعده وعداً خاصاً، أو إنه وعده أن يعجل له نصيبه من الغنيمة- فقال له: أبشر، فقال: قد أكثرت من أبشر -الأعرابي لم يقبل أبشر أبشر كلما جاء إلى النبي ﷺ فأقبل الرسول ﷺ على أبي موسى وبلال كهيئة الغضبان فقال: رد البشرى فاقبلا أنتما، قالا: قبلنا, ثم دعا بقدح فيه ماء فغسل يديه ووجهه فيه ومجّ فيه ثم قال: اشربا منه وأفرغا على وجوهكما ونحوركما وأبشرا، فأخذا القدح ففعلا, فنادت أم سلمة من وراء ستر: أن أفضلا لأمكما -لأنها: أم المؤمنين- فأفضلا لها منه طائفة) ولا شك أن هذا كان خيراً لهما من كل مال وغنيمة، ولكن الأعرابي لا يفقه. والنبي ﷺ لما جاءه بنو تميم قال: (يا بني تميم! أبشروا، قالوا: بشرتنا فأعطنا) هؤلاء أيضاً أعراب لا يفهمون البشرى إلا في الأمور المادية, والنبي ﷺ يقول: (اقبلوا البشرى) يريد أن يعلمهم شيئاً ينفعهم في معادهم وآخرتهم: (فتغير وجه النبي ﷺ , فجاءه أهل اليمن فقال: يا أهل اليمن! اقبلوا البشرى إذ لم يقبلها بنو تميم, قالوا: قبلنا، فأخذ النبي ﷺ يحدثهم عن بدء الخلق والعرش) إلى آخر الحديث. وكذلك النبي ﷺ بشر أصحابه بأن صلاة العشاء عند نصف الليل خير عظيم، قال: (أبشروا أن من نعمة الله عليكم أنه ليس أحد من الناس يصلي هذه الساعة غيركم). فهذه كلها بشارات دينية عامة، وهناك بشارات دينية خاصة لبعض الصحابة, مثل قصة ثابت بن قيس لما غاب عن النبي ﷺ فقال رجل: (يا رسول الله! أنا أعلم لك علمه, فأتاه فوجده جالساً في بيته منكساً رأسه فقال: ما شأنك؟ فقال: شر, كنت أرفع صوتي فوق صوت النبي ﷺ فقد حبط عملي، فأتى الرجل إلى النبي ﷺ فأخبره أنه قال: كذا وكذا -فقال موسى بن أنس الراوي: فرجع المرة الآخرة ببشارة عظيمة- فقال: اذهب إليه فقل له: إنك لست من أهل النار ولكن من أهل الجنة) فهذه بشارة عظيمة جداً، ولا أعظم من أن يبشر الإنسان بأنه من أهل الجنة.

стр. 28

الرؤيا الصالحة من البشارات كذلك من البشائر الدينية الشرعية الرؤيا الصالحة, فإن النبي ﷺ أخبر أن النبوة تذهب، ولكن تبقى المبشرات بعده ﵊، وهي الرؤيا الصالحة يراها الرجل أو ترى له, وقال في الحديث الصحيح الذي رواه مسلم: (الرؤيا الصالحة من الله) ثم قال في آخر الحديث: (فإن رأى رؤيا حسنة فليبشر، ولا يخبر إلا من يحب).

стр. 29

المدح على العمل الصالح من البشارات ومن البشائر الدينية التي بشر بها المسلم أنه إذا عمل عملاً صالحاً ثم تكلم الناس عن هذا العمل وتحدثوا به ونشروه وحمدوه عليه, وهو لا يقصد إلا وجه الله, لكن اطلع عليه الناس أو أن الناس تناقلوا ذلك الخبر فهذا الحمد لا ينقص من أجره ولا يجعله عرضة للعذاب أبداً, وقد جاء في صحيح مسلم من حديث أبي عمران الجوني عن عبد الله بن الصامت عن أبي ذر قال: قيل لرسول الله ﷺ : (أرأيت الرجل يعمل العمل بالخير ويحمده الناس عليه؟ قال: تلك عاجل بشرى المؤمن) بوب عليه النووي ﵀ "باب إذا أثني على الصالح فهي بشرى ولا تضره". والبشرى تكون في مناسبات كثيرة منها: المريض, فقد عاد النبي ﷺ أم العلاء , قالت: (عادني رسول الله ﷺ وأنا مريضة، فقال: أبشري يا أم العلاء! فإن مرض المسلم يذهب الله به خطاياه كما تذهب النار خبث الذهب والفضة) رواه أبو داود، وهو حديث صحيح, والبشارة للمريض وردت في أكثر من حديث.

стр. 30

تبشير طالب العلم ومن الناس الذين يبشرون أيضاً: طالب العلم، كما جاء عند الدارمي رحمه الله تعالى, عن عاصم بن زر بن حبيش قال: (غدوت على صفوان بن عسال المرادي وأنا أريد أن أسأله عن المسح على الخفين, فقال: ما جاء بك؟ قلت: ابتغاء العلم, قال: ألا أبشرك؟ قلت: بلى. قال -ورفع الحديث إلى النبي ﷺ : إن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضاً بما يصنع). إذاً يبشر طالب العلم بالأجر إذا رئي أنه يطلب به وجه الله تعالى.

стр. 31

تبشير أهل المصائب بالأجر العظيم كذلك من الناس الذين يبشرون بالأجر: أهل المصائب، مثل من مات له ولد, كما جاء عند الترمذي وهو حديث حسن قال: حدثنا سويد بن نصر حدثنا عبد الله بن المبارك عن حماد بن سلمة عن أبي سنان قال: (دفنت ابني سناناً وأبو طلحة الخولاني جالس على شفير القبر, فلما أردت الخروج أخذ بيدي فقال: ألا أبشرك يا أبا سنان؟ قلت: بلى. قال: حدثني الضحاك بن عبد الرحمن بن عرزب عن أبي موسى الأشعري أن رسول الله ﷺ قال: إذا مات ولد العبد قال الله لملائكته: قبضتم ولد عبدي؟ فيقولون: نعم. فيقول: قبضتم ثمرة فؤاده؟ فيقولون: نعم, فيقول: ماذا قال عبدي؟ فيقولون: حمدك واسترجع. فيقول الله: ابنوا لعبدي بيتاً في الجنة وسموه بيت الحمد). وينبغي أن تكون نفسية التبشير للآخرين والفأل الحسن وانشراح الصدر والوجه الطلق هي سمة المؤمن, فإن النبي ﷺ لما بعث معاذاً وأبا موسى إلى اليمن قال: (يسرا ولا تعسرا، وبشرا ولا تنفرا). ولذلك يجب على الخطيب ألا يكون حديثه ووعظه للناس في صفة النار وحال أهلها فقط دون أن يخبرهم بصفة الجنة, وما أعد الله لأهلها وما فيها من النعيم المقيم وأنواعه, بل عليه أن يجمع بين الترغيب والترهيب، وينبغي أن نراعي حديث النبي ﷺ عن ربه: (إن رحمتي سبقت غضبي).

стр. 32

البشارة في الفتوح أيضاً من مواطن البشارة التي وردت في السنة، البشارة في الفتوح، كما بوب البخاري في كتاب الجهاد والسير: باب البشارة في الفتوح, إذا فتح بلد وانتصر المسلمون فلا بد أن ينقل الخبر على أنه بشارة لعموم المسلمين, ويخبر المسلمون بذلك وينشر. وهذا من البشائر السارة كما جاء في حديث جرير بن عبد الله في البخاري قال: (قال لي رسول الله ﷺ : ألا تريحني من ذي الخلصة؟ -وكان بيتاً في خثعم يسمى: كعبة اليمانية, وهو من أوثان المشركين- قال: فانطلقت في خمسين ومائة من أحمس وكانوا أصحاب خيل, فأخبرت النبي ﷺ أني لا أثبت على الخيل فضرب على صدري حتى رأيت أثر أصابعه في صدري فقال: اللهم ثبته واجعله هادياً مهدياً) فانطلق إليها فكسرها وحرقها، فأرسل إلى النبي ﷺ يبشره، أي: عند الفتح. وكان المسلمون يرسلون البشائر إلى أبي بكر وعمر وعثمان بالفتوح.

стр. 33

البشارة عند الموت كذلك من المواطن التي يبشر فيها الشخص عند الموت, إذا كان من أهل الصلاح والخير، فإنه عند نزول الموت به ينبغي أن يبشر بثواب الله إذا كان حاله حال أهل الصلاح، حتى يموت وهو يحسن الظن بربه, ولذلك لما طعن عمر ﵁ دخل عليه شاب من الأنصار فقال: [أبشر -يا أمير المؤمنين- ببشرى الله، كان لك من القدم في الإسلام ما قد علمت, ثم استخلفت فعدلت، ثم الشهادة بعد هذا كله, فقال عمر: ليتني -يا بن أخي- أنجو كفافاً] الحديث. وكذلك ولد عمرو بن العاص عند وفاة عمرو بن العاص قال له: ألم يقل لك النبي ﷺ كذا وكذا؟ ألم يبشرك بكذا وكذا؟

стр. 34

البشارة بموت الطاغية ومن البشائر المتعلقة بالدين البشرى بموت الطاغية, فإذا مات طاغية أو إنسان مجرم جبار ظالم أو قتل فالبشرى بموته وقتله أيضاً مما ورد في هذه الشريعة, والدليل على ذلك ما رواه البخاري ﵀ في صحيحه في قصة ذلك الصحابي الذي أرسله النبي ﷺ لقتل أبي رافع الذي كان يهجو النبي ﵊ ويؤذي المسلمين, فلما ضربه بالسيف ووضعه في بطنه وسمع صوت العظم خرج دهشاً قال: [حتى أتيت السلم أريد أن أنزل فسقطت منه فانخلعت رجلي فعصبتها ثم أتيت أصحابي أحجل فقلت: انطلقوا فبشروا رسول الله ﷺ ، فإني لا أبرح حتى أسمع الناعية, فلما كان الصبح صعد الناعية فقال: أنعى أبا رافع , فقال: فقمت أمشي ما بي قلبة, فأدركت أصحابي قبل أن يأتوا] أي: كانت رجله مكسورة, لكنه لحق أصحابه، وكان انتظر طوال الليل إلى الصباح ليسمع الناعي قبل أن يأتوا النبي ﷺ فيبشروه. إذاً: فالبشرى بموت طاغوت أو طاغية من آداب هذه الشريعة.

стр. 35

استحباب إعطاء البشارة للمبشر ويستحب لمن جاءته البشرى كمن بشر بغلام أو بنعمة جاءته أن يعطي المبشر شيئاً, قال ابن القيم ﵀ في زاد المعاد في التعليق على قصة كعب ﵁، ولا بأس أن نذكر طرفاً من هذه القصة العظيمة: قصة كعب ﵁ وردت في عدد من كتب ودواوين السنة, ففي كتاب الجهاد في صحيح البخاري عن عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك أن عبد الله بن كعب قال: سمعت كعب بن مالك قال: (كان النبي ﷺ إذا قدم من سفر بدأ بالمسجد فركع فيه ركعتين ثم جلس للناس) وقص الحديث, قال: (ونهى رسول الله ﷺ المسلمين عن كلامنا -أي الثلاثة- حتى إذا طال عليّ تسورت حائط أبي قتادة وهو ابن عمي, فسلمت عليه، فوالله ما رد علي السلام, ثم صليت الصبح -صباح خمسين ليلة- على ظهر بيت من بيوتنا فسمعت صارخاً: يا كعب بن مالك! أبشر, فلما جاء الذي سمعت صوته يبشرني نزعت له ثوبي فكسوتهما إياه، فانطلقت حتى إذا دخلت المسجد، فإذا رسول الله ﷺ جالس, فقام إلي طلحة بن عبيد الله يهرول حتى صافحني وهنأني). وقد عنون له أبو داود: باب في إعطاء البشير. وكذلك وردت رواية أخرى في صحيح البخاري , في كتاب تفسير القرآن، يقول كعب ﵁: أنه في هذه الواقعة لم يكن من شيء أهم إليّ من أن أموت فلا يصلي علي النبي ﷺ , يعني كان همه الذي أهمه وقت هجره ومنع النبي ﷺ الناس من كلامه, يقول: كان الهم الذي أهمني وأقلقني أن أموت في هذه الليالي التي أنا مهجور فيها، فلا يصلي علي النبي ﷺ ، أو يموت رسول الله ﷺ فأكون من الناس بتلك المنزلة، فلا يكلمني أحد منهم ولا يصلي ولا يسلم علي, فكلاهما بالنسبة له مزعج جداً, فأنزل الله توبته على نبيه ﷺ حين بقي الثلث الآخر من الليل، ورسول الله ﷺ عند أم سلمة، وكانت أم سلمة محسنة في شأني معنية في أمري, فقال رسول الله ﷺ : (يا أم سلمة! تيب على كعب , قالت: أفلا أرسل إليه فأبشره؟ قال: إذاً يحطمكم الناس، فيمنعونكم النوم سائر الليل) حتى إذا صلى رسول الله ﷺ صلاة الفجر آذن بتوبة الله علينا، وكان إذا استبشر استنار وجهه حتى كأنه قطعة من القمر. إذاً: الصحابة كانوا مهتمين بتبشير كعب. وفي القصة المعروفة المشهورة لما جاء البشير كعباً أعطاه ثوبيه, قال ابن القيم ﵀: "وفي نزع كعب لثوبيه وإعطائهما للبشير دليل على أن إعطاء المبشرين من مكارم الأخلاق والشيم, وعادات الأشراف, وقد أعتق العباس غلامه لما بشره أن عند الحجاج بن علاط من الخبر عن رسول الله ﷺ ما يسره, قال: وفيه دليل على جواز إعطاء البشير جميع ثيابه" طبعاً بدون كشف عورته أمام الناس، لكن يجوز أن يعطيه جميع ثيابه, وكذلك قول بعض الناس: هات البشارة, فهذا له إشارة في كلام أهل العلم أنه يعطى. والبشارة سواء كانت في الأمر الطيب الديني أو الأمر الطيب الدنيوي مثل الولد أو المال فلا شك أنها مما يثاب عليها, ويعطى فيها, والحديث يدل على التسابق في تبشير المسلم بالخبر السار, وأن المسلم إذا صار له شيء طيب من باب المشاركة الشعورية له أن يتسابق إخوانه في تبليغه, لذلك لما أرسل عمر ابنه عبد الله إلى عائشة يستأذنها أن يدخل مع صاحبيه، ثم أقبل عبد الله قال عمر: ما لديك؟ قال: الذي تحب يا أمير المؤمنين! أذنت, فقال: الحمد لله، ما كان شيء أهم إلي من ذلك. وذكر البشارة للناس أو تبشير من يريد من الناس, لو جاء أحد وقال: أعطني كذا أو أريد منك خدمة فتقول له: أبشر، فهذا لا شك أنه من الأمور الطيبة التي جاءت بها السنة, فإن الناس لما سمعوا في المدينة أن مالاً جاء به أبو عبيدة من البحرين، جاءوا النبي ﵊ بعد صلاة الفجر, فقال: (أظنكم سمعتم أن أبا عبيدة قدم بشيء من البحرين؟ قالوا: أجل يا رسول الله! قال: فأبشروا وأملوا ما يسركم, فوالله ما الفقر أخشى عليكم، ولكني أخشى أن تبسط عليكم الدنيا) الحديث. إذا أتى إليك شخص يريد شيئاً بمقدورك أن تعمله له فقل له: أبشر, كأن يريد منك مالاً أو مساعدة أو يريد أن تعينه بأمر من الأمور فتقول له: أبشر, فهذا مما ورد في السنة.

стр. 36

من آداب البشارة وأحكامها كذلك من آداب البشارة الشرعية أن الإنسان إذا بشر بشيء يسره يخر ساجداً لله, وهو سجود الشكر, كما روى أبو داود في كتاب الجهاد عن النبي ﷺ (أنه كان إذا جاءه أمر سرور أو بشر به خرّ ساجداً شاكراً لله) فالشاهد من الحديث قوله: أو بشر به خر ساجداً شاكراً لله. إذاً: من آداب المبشر أنه يسجد شاكراً لله, وأنه يعطي من بشره. كذلك المرأة إذا جاء من يخطبها من أهل الصلاح فإنه يقال لها: أبشري, كما جاء عند أبي داود والحديث صحيح أن زينب لما انقضت عدتها أرسل النبي ﵊ زيداً ليذكره عندها, فقال زيد: (يا زينب أبشري أرسلني إليك رسول الله ﷺ يذكرك). وكذلك من الأحكام الشرعية المتعلقة بلفظة البشارة: أن المرأة التي توفي عنها زوجها لا يجوز أن تخطب في العدة إلا تعريضاً, ولا تخطب تصريحاً بل تلميحاً, ومن الكلمات التي أوردها العلماء في التلميح للمرأة إذا مات زوجها وهي في العدة لمن أراد أن يخطبها أن يقال لها: أبشري, كما جاء في صحيح البخاري في كتاب النكاح, عن منصور عن مجاهد عن ابن عباس في تفسير قوله تعالى: ﴿فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ﴾ [البقرة:٢٣٥] قال: يقول: إني أريد التزوج، ولوددت أنه تيسر لي امرأة صالحة, وقال القاسم: يقول: إنك علي كريمة، وإني فيك لراغب, وإن الله لسائق إليك خيراً أو نحو هذا, وقال عطاء: يعرِّض ولا يبوح، يقول: إن لي حاجة وأبشري وأنت بحمد الله نافقة, وتقول هي: قد أسمع ما تقول، ولا تعد شيئاً ولا يواعد وليها إلخ. إذاً: كلمة أبشري من الكلمات التي يجوز لمن يخطب امرأة في عدة الوفاة أن يقولها فتكون من التلميح لا من التصريح, وبعض الفقهاء قال: عبارة: لا تسبقيني بنفسك, يجوز أن يقولها لها، ومن الطرائق قالوا: إن رجلاً مات فخرجت امرأته -طبعاً المرأة لا تتبع الجنازة- في جنازة، فاقترب منها رجل فقال لها: لا تسبقيني بنفسك, فقالت: قد سبقت, أي: في واحد جاء قبلك وخطب. فهذا بعض ما يتعلق بآداب البشارة، وهي من الأخلاق الإسلامية الجميلة التي ينبغي المحافظة عليها ونشرها وإشاعتها في مجتمع المسلمين. نسأل الله أن يجعلنا ممن يبشرون عند موتهم بجنات النعيم، وأن يختم أعمالنا بالصالحات, والله تعالى أعلم، وصلى الله على نبينا محمد.

стр. 37

آداب التهنئة إن التهنئة والتبريك من آداب الإسلام العظيمة، وخصاله الجميلة، وقد وردت الآثار والأحاديث في التهنئة والتبريكات، وهنا ذكر لبعض ما يتعلق بالتهنئة وكثير من آدابها.

стр. 38

تعريف التهنئة الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله. بالنسبة لموضوع التهنئة فإن التهنئة في اللغة هي بخلاف التعزية, فيقال: هنأه بالأمر والولاية تهنئة وتهنيئاً، إذا قال له: ليهنك أو ليهنأك أو هنيئاً, فإذا قال له أي عبارة من هذه العبارات فهذه تهنئة. والهنيء والمهنأ ما أتاك بلا مشقة ولا تنغيص ولا كدر, والهنيء من الطعام السائغ, واستهنأت الطعام أي: استمرأته. وقد تدخل التهنئة في التبشير، ولها مرادفات أخرى تشترك معها في بعض المعنى مثل: التبريك, والترفئة, ونحو ذلك.

стр. 39

التبريك المتعلق بالتهنئة أما بالنسبة للتبريك فهو مصدر برك، هو أن يقول الشخص لآخر: بارك الله عليك أو بارك الله لك, ومعنى هذا: الدعاء للإنسان بالبركة, والبركة هي النماء والزيادة, والتبريك خير من عند الله , يصدر من حيث لا يحس الشخص، والبركة شيء لا يحصى ولا يحصر, ولذلك يقال لكل ما يشاهد منه زيادة غير محسوسة: أن فيه بركة, والنبي ﷺ ترك لـ عائشة طعاماً من شعير كانت تأكل منه بعد وفاة النبي ﷺ مدة طويلة ولم ينته, ثم لما كالته فني. إذاً: قد يكون الطعام الذي يبقى كثيراً دون أن ينتهي أو أنه لا ينتهي إلا بعد مدة طويلة فيه بركة. والمال يبقى عنده وهو ينفق منه ولا ينتهي بسرعة فيحس أن فيه بركة, ولا شك أن المال الذي فيه بركة يختلف عن المال الذي ليس فيه بركة, فمن آثار البركة في المال أنه لا ينفد بسرعة, ومن آثار عدم بركة المال نفاده بسرعة. ومن آثار البركة في المال أن له نتائج محسوسة ينتفع بها الإنسان, ومن آثار عدم البركة في المال أنه لا ينتفع به. وموضوع البركة موضوع طويل ربما يحتاج إلى درس خاص، ولعله يكون في خطبة, فنتكلم عن موضوع البركة وأسبابها وما يتعلق بذلك إن شاء الله تعالى, لكن الدعاء بالبركة يدخل في التهنئة, وهي أن تدعو للشخص بالبركة.

стр. 40

بعبض الآثار والأحاديث الواردة في البركة لنأخذ بعض الآثار والأحاديث في ذلك: فهذا أبو الأنبياء إبراهيم ﵇، وقد سمي بذلك؛ لأنه ما من نبي جاء بعده إلا كان من نسله, كما دلت عليه الآيات الواردة: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ﴾ [الأنعام:٨٤] ثم ذكر بعد ذلك أنبياء كثيرين، فكل نبي أتى بعد إبراهيم فهو من ذرية إبراهيم، فلذلك سمي إبراهيم بأبي الأنبياء, وإبراهيم ﵇ لما ترك هاجر وابنها في مكة كبر إسماعيل وتزوج وجاء إبراهيم بعد ذلك ليتفقده, فجاء إلى الزوجة الأولى وحصل ما حصل من الكلام الذي لم يعجبه، وبعد ذلك جاء إلى الزوجة الثانية ولم يجد ولده إسماعيل، فسألها عن عيشهم وهيئتهم فقالتهذه الزوجة المبرورة غير الكفورة: نحن بخير وسعة، وأثنت على الله, فقال: ما طعامكم؟ قالت: اللحم, قال: فما شرابكم؟ قالت: الماء, قال: اللهم بارك لهم في اللحم والماء؛ فلذلك يقول أهل العلم: إن اللحم والماء تناولهما والإكثار منهما يضر إلا في مكة , فإن تناول اللحم والماء لا يضر بسبب دعوة إبراهيم ﵇، فهو دعا لهما فقال: اللهم بارك لهما في اللحم والماء. والنبي ﷺ كان يدعو بالبركة لمن يزورهم، فلما أُتي بشراب شربه ثم ناوله الذي عن يمينه، قال: فقام أبي وأخذ بلجام دابته بعدما طعم عندهم وأراد أن ينصرف وقال: (ادع الله لنا, فقال: اللهم بارك لهم فيما رزقتهم واغفر لهم وارحمهم). كذلك النبي ﷺ لما طلب من الملكين أن يدخلاه بيته الذي في الجنة دعا لهما بالبركة, فإذا أردت أي طلب من شخص ما تقول: أعطني هذا بارك الله فيك, وهذه الصيغة لها دليل، فقد جاء في صحيح البخاري في كتاب التعبير لما ذهب النبي ﷺ مع الملكين: (قالا لي: هذه جنة عدن -طبعاً في الرؤيا- وهذاك منزلك, قال: فسما بصري صعداً فإذا قصر مثل الربابة البيضاء, قال: فقلت لهما: بارك الله فيكما ذراني فأدخله, قالا: أما الآن فلا) حتى يكون دخوله ﷺ قصره في الجنة يوم القيامة. فالشاهد أنه لما طلب شيئاً قال: (بارك الله فيكما ذراني) الحديث. فلو طلبت شيئاً فقلت مثلاً: بارك الله فيك افعل لي كذا ونحوه فله شاهد. والنبي ﷺ في قصة أبي طلحة لما مات ولده فأخفت امرأته الخبر وغسلت الولد وكفنته ووضعته في ناحية البيت وتزينت لزوجها حتى وقع عليها ولما علم غضب فأتى النبي ﷺ , فالنبي ﵊ قال: (أعرستم الليلة؟ -أي: أتيتها- قال: نعم. قال: بارك الله لكما) فولدت غلاماً مات شهيداً، واسمه عبد الله وهو أخو أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه. وكذلك الملك لما جاء إلى الثلاثة الأقرع والأبرص والأعمى من بني إسرائيل ابتلاء من الله ، وأعطى هذا قطيعاً من الإبل وهذا قطيعاً من البقر، كان يقول للشخص بعدما يعطيه: (بارك الله لك فيها, ثم أتى الأقرع وقال: أي شيء أحب إليك؟ قال: أن يذهب عني هذا الذي قد قذرني الناس, قال: فمسحه فذهب عنه وأعطي شعراً حسناً، فقال: فأي المال أحب إليك؟ قال: البقر، فأعطي بقرة حاملاً وقال: بارك الله لك فيها) ولذلك توالدت وتكاثرت حتى صارت وادياً عظيماً. فإذا جاء الإنسان نعمة أو مال يدعى له بالبركة. كذلك من معنى التبريك المتعلق بالتهنئة ما جاء في حديث البخاري رحمه الله تعالى في زواج النبي ﷺ بـ زينب بنت جحش، فإنه لما تزوج بها دعا الناس إلى الخبز واللحم فأكلوا ولم يبق أحد يدعى إلا دعي, حتى قال أنس: (فقلت: يا رسول الله! ما أجد أحداً أدعوه, فانطلق النبي ﷺ إلى حجرة عائشة فقال: السلام عليكم أهل البيت ورحمة الله، فقالت: وعليك السلام ورحمة الله، كيف وجدت أهلك؟ بارك الله لك, فطرق حجر نسائه كلهن يقول لهن كما قال لـ عائشة ويقلن له كما قالت عائشة). إذاً من تهنئة المتزوج أن يدعى له بالبركة بعد الدخول أيضاً؛ لأن عائشة قالت له بعد الدخول: (كيف وجدت أهلك؟ بارك الله لك). وأيضاً الإنسان إذا عرض عليه شيء من المال وهو لا يريد أخذه فإنه يدعو بالبركة حتى لو أخذه, لكن الشاهد على الأول حديث عبد الرحمن بن عوف ﵁, لما آخى النبي ﷺ بينه وبين سعد بن الربيع الأنصاري , فقال سعد الأنصاري لـ عبد الرحمن المهاجري: [أقاسمك مالي نصفين وأزوجك، قال: بارك الله لك في أهلك ومالك، دلوني على السوق] فهو تاجر يعرف التجارة, كأنه يقول: لا أريد أن آخذ منك شيئاً، دلوني على السوق وأنا أعرف طريقي, وفعلاً تاجر حتى صار له مال كثير.
следующие страницы →