Полный текст (576 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
من آداب البشارة وأحكامها
كذلك من آداب البشارة الشرعية أن الإنسان إذا بشر بشيء يسره يخر ساجداً لله, وهو سجود الشكر, كما روى أبو داود في كتاب الجهاد عن النبي ﷺ (أنه كان إذا جاءه أمر سرور أو بشر به خرّ ساجداً شاكراً لله) فالشاهد من الحديث قوله: أو بشر به خر ساجداً شاكراً لله.
إذاً: من آداب المبشر أنه يسجد شاكراً لله, وأنه يعطي من بشره.
كذلك المرأة إذا جاء من يخطبها من أهل الصلاح فإنه يقال لها: أبشري, كما جاء عند أبي داود والحديث صحيح أن زينب لما انقضت عدتها أرسل النبي ﵊ زيداً ليذكره عندها, فقال زيد: (يا زينب أبشري أرسلني إليك رسول الله ﷺ يذكرك).
وكذلك من الأحكام الشرعية المتعلقة بلفظة البشارة: أن المرأة التي توفي عنها زوجها لا يجوز أن تخطب في العدة إلا تعريضاً, ولا تخطب تصريحاً بل تلميحاً, ومن الكلمات التي أوردها العلماء في التلميح للمرأة إذا مات زوجها وهي في العدة لمن أراد أن يخطبها أن يقال لها: أبشري, كما جاء في صحيح البخاري في كتاب النكاح, عن منصور عن مجاهد عن ابن عباس في تفسير قوله تعالى: ﴿فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ﴾ [البقرة:٢٣٥] قال: يقول: إني أريد التزوج، ولوددت أنه تيسر لي امرأة صالحة, وقال القاسم: يقول: إنك علي كريمة، وإني فيك لراغب, وإن الله لسائق إليك خيراً أو نحو هذا, وقال عطاء: يعرِّض ولا يبوح، يقول: إن لي حاجة وأبشري وأنت بحمد الله نافقة, وتقول هي: قد أسمع ما تقول، ولا تعد شيئاً ولا يواعد وليها إلخ.
إذاً: كلمة أبشري من الكلمات التي يجوز لمن يخطب امرأة في عدة الوفاة أن يقولها فتكون من التلميح لا من التصريح, وبعض الفقهاء قال: عبارة: لا تسبقيني بنفسك, يجوز أن يقولها لها، ومن الطرائق قالوا: إن رجلاً مات فخرجت امرأته -طبعاً المرأة لا تتبع الجنازة- في جنازة، فاقترب منها رجل فقال لها: لا تسبقيني بنفسك, فقالت: قد سبقت, أي: في واحد جاء قبلك وخطب.
فهذا بعض ما يتعلق بآداب البشارة، وهي من الأخلاق الإسلامية الجميلة التي ينبغي المحافظة عليها ونشرها وإشاعتها في مجتمع المسلمين.
نسأل الله أن يجعلنا ممن يبشرون عند موتهم بجنات النعيم، وأن يختم أعمالنا بالصالحات, والله تعالى أعلم، وصلى الله على نبينا محمد.
стр. 37
آداب التهنئة
إن التهنئة والتبريك من آداب الإسلام العظيمة، وخصاله الجميلة، وقد وردت الآثار والأحاديث في التهنئة والتبريكات، وهنا ذكر لبعض ما يتعلق بالتهنئة وكثير من آدابها.
стр. 38
تعريف التهنئة
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله.
بالنسبة لموضوع التهنئة فإن التهنئة في اللغة هي بخلاف التعزية, فيقال: هنأه بالأمر والولاية تهنئة وتهنيئاً، إذا قال له: ليهنك أو ليهنأك أو هنيئاً, فإذا قال له أي عبارة من هذه العبارات فهذه تهنئة.
والهنيء والمهنأ ما أتاك بلا مشقة ولا تنغيص ولا كدر, والهنيء من الطعام السائغ, واستهنأت الطعام أي: استمرأته.
وقد تدخل التهنئة في التبشير، ولها مرادفات أخرى تشترك معها في بعض المعنى مثل: التبريك, والترفئة, ونحو ذلك.
стр. 39
التبريك المتعلق بالتهنئة
أما بالنسبة للتبريك فهو مصدر برك، هو أن يقول الشخص لآخر: بارك الله عليك أو بارك الله لك, ومعنى هذا: الدعاء للإنسان بالبركة, والبركة هي النماء والزيادة, والتبريك خير من عند الله , يصدر من حيث لا يحس الشخص، والبركة شيء لا يحصى ولا يحصر, ولذلك يقال لكل ما يشاهد منه زيادة غير محسوسة: أن فيه بركة, والنبي ﷺ ترك لـ عائشة طعاماً من شعير كانت تأكل منه بعد وفاة النبي ﷺ مدة طويلة ولم ينته, ثم لما كالته فني.
إذاً: قد يكون الطعام الذي يبقى كثيراً دون أن ينتهي أو أنه لا ينتهي إلا بعد مدة طويلة فيه بركة.
والمال يبقى عنده وهو ينفق منه ولا ينتهي بسرعة فيحس أن فيه بركة, ولا شك أن المال الذي فيه بركة يختلف عن المال الذي ليس فيه بركة, فمن آثار البركة في المال أنه لا ينفد بسرعة, ومن آثار عدم بركة المال نفاده بسرعة.
ومن آثار البركة في المال أن له نتائج محسوسة ينتفع بها الإنسان, ومن آثار عدم البركة في المال أنه لا ينتفع به.
وموضوع البركة موضوع طويل ربما يحتاج إلى درس خاص، ولعله يكون في خطبة, فنتكلم عن موضوع البركة وأسبابها وما يتعلق بذلك إن شاء الله تعالى, لكن الدعاء بالبركة يدخل في التهنئة, وهي أن تدعو للشخص بالبركة.
стр. 40
بعبض الآثار والأحاديث الواردة في البركة
لنأخذ بعض الآثار والأحاديث في ذلك: فهذا أبو الأنبياء إبراهيم ﵇، وقد سمي بذلك؛ لأنه ما من نبي جاء بعده إلا كان من نسله, كما دلت عليه الآيات الواردة: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ﴾ [الأنعام:٨٤] ثم ذكر بعد ذلك أنبياء كثيرين، فكل نبي أتى بعد إبراهيم فهو من ذرية إبراهيم، فلذلك سمي إبراهيم بأبي الأنبياء, وإبراهيم ﵇ لما ترك هاجر وابنها في مكة كبر إسماعيل وتزوج وجاء إبراهيم بعد ذلك ليتفقده, فجاء إلى الزوجة الأولى وحصل ما حصل من الكلام الذي لم يعجبه، وبعد ذلك جاء إلى الزوجة الثانية ولم يجد ولده إسماعيل، فسألها عن عيشهم وهيئتهم فقالتهذه الزوجة المبرورة غير الكفورة: نحن بخير وسعة، وأثنت على الله, فقال: ما طعامكم؟ قالت: اللحم, قال: فما شرابكم؟ قالت: الماء, قال: اللهم بارك لهم في اللحم والماء؛ فلذلك يقول أهل العلم: إن اللحم والماء تناولهما والإكثار منهما يضر إلا في مكة , فإن تناول اللحم والماء لا يضر بسبب دعوة إبراهيم ﵇، فهو دعا لهما فقال: اللهم بارك لهما في اللحم والماء.
والنبي ﷺ كان يدعو بالبركة لمن يزورهم، فلما أُتي بشراب شربه ثم ناوله الذي عن يمينه، قال: فقام أبي وأخذ بلجام دابته بعدما طعم عندهم وأراد أن ينصرف وقال: (ادع الله لنا, فقال: اللهم بارك لهم فيما رزقتهم واغفر لهم وارحمهم).
كذلك النبي ﷺ لما طلب من الملكين أن يدخلاه بيته الذي في الجنة دعا لهما بالبركة, فإذا أردت أي طلب من شخص ما تقول: أعطني هذا بارك الله فيك, وهذه الصيغة لها دليل، فقد جاء في صحيح البخاري في كتاب التعبير لما ذهب النبي ﷺ مع الملكين: (قالا لي: هذه جنة عدن -طبعاً في الرؤيا- وهذاك منزلك, قال: فسما بصري صعداً فإذا قصر مثل الربابة البيضاء, قال: فقلت لهما: بارك الله فيكما ذراني فأدخله, قالا: أما الآن فلا) حتى يكون دخوله ﷺ قصره في الجنة يوم القيامة.
فالشاهد أنه لما طلب شيئاً قال: (بارك الله فيكما ذراني) الحديث.
فلو طلبت شيئاً فقلت مثلاً: بارك الله فيك افعل لي كذا ونحوه فله شاهد.
والنبي ﷺ في قصة أبي طلحة لما مات ولده فأخفت امرأته الخبر وغسلت الولد وكفنته ووضعته في ناحية البيت وتزينت لزوجها حتى وقع عليها ولما علم غضب فأتى النبي ﷺ , فالنبي ﵊ قال: (أعرستم الليلة؟ -أي: أتيتها- قال: نعم.
قال: بارك الله لكما) فولدت غلاماً مات شهيداً، واسمه عبد الله وهو أخو أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه.
وكذلك الملك لما جاء إلى الثلاثة الأقرع والأبرص والأعمى من بني إسرائيل ابتلاء من الله ، وأعطى هذا قطيعاً من الإبل وهذا قطيعاً من البقر، كان يقول للشخص بعدما يعطيه: (بارك الله لك فيها, ثم أتى الأقرع وقال: أي شيء أحب إليك؟ قال: أن يذهب عني هذا الذي قد قذرني الناس, قال: فمسحه فذهب عنه وأعطي شعراً حسناً، فقال: فأي المال أحب إليك؟ قال: البقر، فأعطي بقرة حاملاً وقال: بارك الله لك فيها) ولذلك توالدت وتكاثرت حتى صارت وادياً عظيماً.
فإذا جاء الإنسان نعمة أو مال يدعى له بالبركة.
كذلك من معنى التبريك المتعلق بالتهنئة ما جاء في حديث البخاري رحمه الله تعالى في زواج النبي ﷺ بـ زينب بنت جحش، فإنه لما تزوج بها دعا الناس إلى الخبز واللحم فأكلوا ولم يبق أحد يدعى إلا دعي, حتى قال أنس: (فقلت: يا رسول الله! ما أجد أحداً أدعوه, فانطلق النبي ﷺ إلى حجرة عائشة فقال: السلام عليكم أهل البيت ورحمة الله، فقالت: وعليك السلام ورحمة الله، كيف وجدت أهلك؟ بارك الله لك, فطرق حجر نسائه كلهن يقول لهن كما قال لـ عائشة ويقلن له كما قالت عائشة).
إذاً من تهنئة المتزوج أن يدعى له بالبركة بعد الدخول أيضاً؛ لأن عائشة قالت له بعد الدخول: (كيف وجدت أهلك؟ بارك الله لك).
وأيضاً الإنسان إذا عرض عليه شيء من المال وهو لا يريد أخذه فإنه يدعو بالبركة حتى لو أخذه, لكن الشاهد على الأول حديث عبد الرحمن بن عوف ﵁, لما آخى النبي ﷺ بينه وبين سعد بن الربيع الأنصاري , فقال سعد الأنصاري لـ عبد الرحمن المهاجري: [أقاسمك مالي نصفين وأزوجك، قال: بارك الله لك في أهلك ومالك، دلوني على السوق] فهو تاجر يعرف التجارة, كأنه يقول: لا أريد أن آخذ منك شيئاً، دلوني على السوق وأنا أعرف طريقي, وفعلاً تاجر حتى صار له مال كثير.
стр. 41
الترفئة
ومما يتعلق بالتهنئة -أيضاً- الترفئة، وهي نوع خاص من التهنئة، وهو التهنئة بالزواج، أي لا يقال: رفاه ترفئة وترفياً وترفيئاً وترفئة إلا لمن هنأه بالزواج, ولذلك عرف أن تقول: بالرفاء والبنين، ومعنى الرفاء: الالتئام والاتفاق والالتحام وجمع السند.
هذا بالنسبة لما يتعلق بالتهنئة والأشياء القريبة منها.
стр. 42
الأحاديث الواردة في التهنئة
ولنأخذ بعض الأحاديث التي وردت في التهنئة.
من أشهر الأحاديث التي وردت حديث كعب بن مالك الذي أشار إليه النووي ﵀ وغيره في هذا الباب, قال البخاري ﵀ في كتاب الاستئذان: باب المصافحة, وقال ابن مسعود: [علمني النبي ﷺ التشهد وكفي بين كفيه] وقال كعب بن مالك: (دخلت المسجد وإذا برسول الله ﷺ فقام طلحة بن عبيد الله يهرول حتى صافحني وهنأني) والبخاري ﵀ أتى بها معلقة لكن وصلها في الصحيح، ووردت كذلك في صحيح مسلم , وجاء في الحديث الطويل: (والله ما قام إليّ رجل من المهاجرين غيره، ولا أنساها لـ طلحة) , فالشاهد منه أنه قال: هنأني, هنأه بأي شيء؟ بتوبة الله عليه, إذاً هذه تهنئة تتعلق بأمر ديني.
كذلك -مثلاً- أن يهنئه بما عنده من العلم أو إذا أصاب الحق, مثلاً: سئل سؤالاً فأفتى بفتيا فأصاب الحق، فيهنأ كما هنأ النبي ﷺ أبي بن كعب , فقد روى مسلم ﵀ في كتاب صلاة المسافرين وقصرها عن أبي بن كعب قال: قال النبي ﷺ : (يا أبا المنذر أتدري أي آية من كتاب الله معك أعظم؟ قال: قلت: الله ورسوله أعلم, قال: يا أبا المنذر أتدري أي آية من كتاب الله معك أعظم؟ قلت: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة:٢٥٥]-يعني في الأول ما أراد أن يجيب، أدباً، ينتظر الجواب من النبي ﷺ ، فلما كرر النبي ﷺ
السؤال
أجاب بما يعرف- قال: فضرب على صدري وقال: ليهنك العلم أبا المنذر) فهذا من التهنئة.
والتهنئة على أي حال مستحبة في الجملة؛ لأنها مشاركة من المسلم لأخيه المسلم فيما يسره ويرضيه, وكثيراً ما يكون فيها دعاء بالبركة كما سبق في بعض الأحاديث, ولا شك أن التهنئة مما يبعث التواد والتراحم والتعاطف بين المسلمين.
والمؤمنون يهنئون في الجنة بما عندهم من النعيم، كما قال الله تعالى: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الطور:١٩].
والتهنئة تكون بكل ما يسر ويسعد مما يوافق شرع الله تعالى, فعلى سبيل المثال التهنئة بالنكاح، وقد عقد ابن ماجة ﵀ في سننه باباً في كتاب النكاح، باب تهنئة النكاح, وكذلك التهنئة بالقدوم من السفر أو الحج.
أما التهنئة بالنكاح فإنه قد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال مهنئاً بالنكاح: (بارك الله عليك) وثبت أنه كذلك قال: (بارك الله لك) وتكون التهنئة في حق من حضر النكاح ومن جاء بعد ذلك، وتكون بعد العقد وبعد الدخول أيضاً, ويطول وقتها بطول الزمن المتعارف عليه بين الناس.
والتهنئة التي وردت في النكاح هي الدعاء بالبركة كما ورد, وتسمى: ترفئة.
ويدل على ذلك حديث النبي ﷺ الوارد: (كان إذا رفأ إنساناً -تزوج- قال: بارك الله لك وبارك عليك وجمع بينكما في خير).
وتهنئة أهل الجاهلية في النكاح مرفوضة وهي قولهم: بالرفاء والبنين, وقد جاء عن عقيل بن أبي طالب ﵁ أنه تزوج امرأة من بني جشم فقالوا: بالرفاء والبنين, فقال: لا تقولوا هكذا ولكن قولوا كما قال رسول الله ﷺ : (اللهم بارك لهم وبارك عليهم) وليس العيب في كلمة الرفاء، فإن معناها: الارتفاق والائتلاف والالتئام وهذا ليس بمكروه, لكن العيب في قولهم: بالبنين, فإنهم في الجاهلية كانوا يكرهون البنات, ولذلك يهنئون بالبنين؛ لأنهم لا يريدون البنات, ولذلك يئدون البنات, وطريقة وأدهم للبنات مختلفة فبعضهم كان يجعل امرأته عند حفرة إذا صارت ولادتها فإن خرج المولود أنثى ألقي في الحفرة وردم عليها, وإن كان ذكراً أخذوه, وكان بعضهم يأخذها بعد ولادتها فيدفنها بنفسه كما روي عن عمر أنها كانت تلعب بلحيته وهو يحفر لها, فبكى عندما تذكر ذلك, وكان بعضهم يذبحها ذبحاً, فجاء الله بإبطال هذه العادة الذميمة وبيان أن الذي يعيل البنات يكون له أجر، وأن الذي يطعمهن مما أعطاه الله ويكسوهن مما أعطاه الله ويؤدبهن ربما يكن سبباً في دخوله الجنة، ولما كانت النفوس ربما يحصل فيها شيء من الكراهية للبنات جاءت الشريعة بأشياء تعوض هذا النقص, وما كانت ذرية النبي ﷺ إلا من بنته.
فإذاً تهنئة أهل الجاهلية مرفوضة لهذا السبب, وكذلك قيل: إنه ليس فيها ذكر لله, فقولهم: بالرفاء والبنين ليس فيها ذكر لله ولا دعاء, وإنما هو يقال من باب التفاؤل, فهذا سبب آخر لكراهيتها.
стр. 43
التهنئة بالمولود
وأما بالنسبة لمواضع أخرى من التهنئة أيضاً: التهنئة بالمولود, لكن لم يرد في هذا -والله أعلم- شيء مرفوع إلى النبي ﷺ , ولكن ورد أن الحسن رحمه الله تعالى قد هنأ بذلك، فقد روى ابن عساكر أنه جاء رجل عند الحسن وقد ولد له مولود، فقيل له: يهنيك الفارس, فقال الحسن: [وما يدريك أفارس هو أم بغَّال؟ -أي: الذي يركب البغل، أي: لعله يكون بغالاً- ولكن قل: شكرت الواهب وبورك لك في الموهوب وبلغ أشده ورزقت بره] , وهذا على فرض ثبوته عن الحسن -فإن السند يحتاج إلى معرفة صحته- لا يعدو أن يكون دعاء وارداً عن بعض السلف , فلا يرقى إلى سنة تحفظ وتقال وتعتبر كذكر من الأذكار بهذه المناسبة, لكن إن دعا بها اتباعاً أو اقتداءً بـ الحسن ﵁ إذا ثبت عنه ذلك, فهو أمر حسن ما دام أنه لا يعتقد أنها سنة ولا يعتقد أنها حديث مرفوع ولا أنها من كلام النبي ﷺ ، فهو دعاء طيب, فقد دلت الأحاديث المتقدمة في مسألة الدعاء بالبركة على أن الدعاء بالبركة للشخص إذا جاءه أمر يسره من مال أو مولود أو توبة أو علم.
فمن عموم هذه الأشياء يؤخذ أنه إذا حصل له مولود -مثلاً- فإنه يدعى له بالبركة فيه, كما قال الحسن: [شكرت الواهب بورك لك في الموهوب وبلغ أشده ورزقت بره].
ولو رد عليه الآخر وقال -مثلاً-: وبارك الله لك أو بارك فيك، أو جزاك الله خيراً وأجزل ثوابك ونحو ذلك من الردود الطيبة فهو أمر حسن, وليس في هذا نص مرفوع إلى النبي ﷺ .
والله أعلم.
стр. 44
التهنئة بيوم العيد
أما بالنسبة للتهنئة بيوم العيد فإن التهنئة بالعيد قد جاء ما يدل على مشروعيتها عند الصحابة رضوان الله تعالى عليهم, فقد جاء عن محمد بن زياد قال: [كنت مع أبي أمامة الباهلي وغيره من أصحاب النبي ﷺ فكانوا إذا رجعوا من العيد يقول بعضهم لبعض: تقبل الله منا ومنكم] قال أحمد ﵀: إسناد حديث أبي أمامة جيد, وكذلك ذكره ابن حجر رحمه الله تعالى, واحتج على مشروعية ذلك بهذه الرواية التي رواها البيهقي ﵀, وقال البيهقي: باب ما روي في قول الناس بعضهم لبعض في يوم العيد: تقبل الله منا ومنك, وساق ما ذكره من أخبار وآثار بمجموعها ترتقي إلى درجة الحسن, ولو قال لفظاً آخر من الألفاظ في التهنئة بالعيد فلا بأس, كما قال ابن عابدين ﵀: والمتعامل في بلاد الشامية والمصرية: عيد مبارك عليك ونحوه, فإذاً لو دعا له بالبركة في العيد أو أن يكون مباركاً عليه فلا بأس بذلك.
وسئل الإمام مالك ﵀ عن قول الرجل لأخيه يوم العيد: [تقبل الله منا ومنك] يريد الصيام، يعني تقبل الله منك الصيام, فقال: [لا أعرفه ولا أنكره] معنى: لا أعرفه ولا أنكره أي: لا أعرف أنه مرفوع إلى النبي ﷺ فيكون سنة ولا يكون بدعة فأنكره.
فإذاً لو قال المسلم لأخيه في العيد أي كلمة طيبة فلا بأس بذلك.
وبالنسبة للتهنئة بسائر الأعوام والشهور كأن يقول إذا دخل العام الهجري الجديد: عام مبارك, أو بارك الله لك في هذا العام, فقد قال الحافظ المنذري نقلاً عن الحافظ المقدسي أنه أجاب عن ذلك بأن الناس لم يزالوا مختلفين فيه, والذي أراه أنه مباح لا سنة فيه ولا بدعة, فإذا قال: عام جديد مبارك بارك الله لك في هذه السنة شهر مبارك ونحو ذلك يدعو الله أن يكون هذا الشهر شهراً مباركاً عليه, فلا بأس بذلك, وكذلك نقل القليوبي ﵀ عن ابن حجر أن التهنئة بالأعياد والشهور والأيام مندوبة, أي: على وجه العموم, وهذه قد لا يكون فيها حديث مرفوع ولا سنة معلومة معينة لكن من عموم التهنئة أنه إذا دخل العام الجديد فلا بأس.
وهذا ملخص ما ذكره الشيخ: عبد العزيز بن عبد الله بن باز لما سئل عن هذه المسألة.
стр. 45
التهنئة بالقدوم من السفر
أما بالنسبة للتهنئة بالقدوم من السفر فإنه قد ثبت في القدوم من السفر المعانقة والسلام، والقيام والاستقبال وصنع الوليمة وهي تسمى: النقيعة, وقد ثبت في السنة أنه (لما جاء زيد إلى النبي ﷺ فقرع الباب قام إليه النبي ﷺ يجر ثوبه فاعتنقه وقبله) , وكذلك استقبل جعفراً عند عودته من الحبشة، فماذا يقال للمسافر إذا قدم من السفر؟ الناس يقولون مثلاً: الحمد لله على سلامتك أو سلامة الأسفار ومثل هذه الكلمات الطيبة تدخل في عموم الكلام الحسن الذي يقوله الإنسان لأخيه عند حدوث مناسبة سارة كسلامة وصوله من السفر, فلو لم يثبت في ذلك سنة معينة فقال الناس لبعضهم بعضاً: الحمد لله على السلامة أو على سلامتك, أو الحمد لله الذي جمع الشمل بك, ونحو ذلك من الألفاظ الدالة على الاستبشار بقدوم الغائب وقدوم المسافر فهذا أمر حسن لا بأس به, ولا يدخل في البدعة, لكن إذا قال مثل هذه الألفاظ فعليه ألا يعتقد أنها سنة أو أنه يتقرب إلى الله بشيء ثبت عن النبي ﷺ .
وكذلك لو رجع مجاهد من غزو منتصراً فقال له شخص: الحمد لله على النصر الذي كتبه, الحمد لله على ما قدر على أيديكم من إعزاز دينه ونحو ذلك فهذا أيضاً لا بأس به.
كذلك القدوم من الحج والعمرة فإذا قيل له: الحمد لله على سلامتك، تقبل الله عمرتك تقبل الله حجك, ونحو ذلك وهو لا يعتقد أنها سنة ولا يلتزم فيها بلفظ معين, فلا بأس بها, لكن لو أنهم جعلوها ذكراً مطرداً له صيغة معينة, كقول الناس لبعضهم البعض دائماً بعد الصلاة: تقبل الله, أو يقول بعد الوضوء: زمزم، دائماً وباستمرار بحيث يجعلونه كأنه ذكر من الأذكار, فهنا يكون بدعة, ولكن الألفاظ التي فيها دعاء للشخص القادم لا بصيغة معينة ولا يقصد بها أنها سنة ولا يحافظ عليها محافظته على السنة والأذكار الشرعية, فهذه لا بأس بها.
وبعضهم إذا شربت يقول لك: هنيئاً -مثلاً- فيدعو بأن يكون شراباً هنيئاًَ, فهذا إذا لم يواظب عليه مواظبته على الأذكار الشرعية ولم يفعله على أنه سنة أو كأنه سنة أو يحاكي به السنة أو ينافس به الشريعة فلا بأس به.
وكذلك التهنئة باندفاع النقمة أو قدوم النعمة لعموم حديث كعب , والإنسان -مثلاً- إذا بشر بوظيفة أو مال أتاه فهنئ بذلك ودعي له بالبركة فإن هذا أمر حسن ولا بأس به.
стр. 46
التهنئة بالثوب الجديد
وبالنسبة لما ورد في هذا، فقد عنون السيوطي في كتابه بلوغ الأماني لأصول التهاني باباً بعنوان: التهنئة بالثوب الجديد, وقال: أخرج البخاري عن أم خالد بنت خالد: (أن رسول الله ﷺ كساها خميصة فألبسها بيده وقال: أبلي وأخلقي) وقد كررها مرتين، كأنه يدعو لها بأن تعيش وتلبس حتى تبلى عليها, وأن النبي ﷺ رأى على عمر قميصاً فقال: (البس جديداً وعش حميداً ومت شهيداً) وكان قد سأله: (هل ثوبك جديد أم غسيل؟ قال: بل غسيل يا رسول الله! قال: البس جديداً وعش حميداً ومت شهيداً) فإذا كان جديداً فيقول: (أبلي وأخلقي) أو كما ورد أن أبي نضرة قال: [كان أصحاب النبي ﷺ إذا لبس أحدهم ثوباً جديداً قيل له: تبلي ويخلف الله ].
стр. 47
كلام الأدباء في التهاني
وبالنسبة لما ورد في كلام بعض الأدباء أو ما نقل في التهاني فقد ذكر ابن قتيبة ﵀ في عود الأخبار فصلاً في التهاني، ذكر فيه بعض الأشياء, فمما ذكره أثر الحسن المتقدم، وكذلك الدعاء للمتزوج باليُمن والبركة, وقد ورد في التهنئة بالنكاح باليمن والبركة وعلى خير طائر, يعني: دعاء بأن يكون المنقلب في هذا الزواج منقلباً حسناً.
وكذلك قال: كتب بعض الكتاب إلى رجل يهنئه بدار انتقل إليها: بخير منتقل وعلى أيمن طائر ولأحسن إبان، أنزلك الله عاجلاً وآجلاً خير منازل المشركين.
هذا مما ورد في كتابات بعضهم.
وكتب رجل من الكتّاب إلى نصراني قد أسلم يهنئه: الحمد لله الذي أرشد أمرك، وخص بالتوفيق عزمك, وأوضح فضيلة عقلك, ورجاحة رأيك, فما كانت الآداب التي حويتها والمعرفة التي أوتيتها لتدوم بك على غواية وديانة شائنة لا تليق بلبك.
قال: حمد لله الذي هداه للإسلام، والدين الذي لا يقبل غيره، وأن الله قال: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْأِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ [آل عمران:٨٥].
قال: والحمد لله الذي جعلك في سابق علمه ممن هداه لدينه, وجعله من أهل ولايته, وشرفه بولاء خليفته, وهنأك الله نعمته, وأعانك على شكره, فقد أصبحت لنا أخاً ندين بمودته وموالاته بعد التأثم من خلطتك -كنا نتأثم من مخالطتك ونعتبرها إثماً، كما قال النبي ﷺ : (لا تصحب إلا مؤمنا ولا يأكل طعامك إلا تقي) - ومخالفة الحق بمشايعتك، فإن الله يقول: ﴿لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ﴾ [المجادلة:٢٢].
وكتب رجل إلى آخر يهنئه بفطام مولود فقال مما كتبه له في التهنئة: وكل ما نقَّل الله الفتى وبلغه من أحوال البلوغ ورقّاه فيه من درجات النمو فنعمة من الله حادثة تلزم الشكر, وحق يجب قضاؤه بالتهنئة.
وكتبت مهنئاً بتجدد النعمة عندكم فيه، فالحمد لله المتطول علينا قبله بما هو أهله, والمجري لنا فيما يوليك على حسن عادته, وهنأك الله النعم, وصانها عندك من الغير -أي: التغير والتبدل- وحرسها بالشكر، وبلغ بالفتى أقصى مبالغ الشرف, وجعلك من الأمل فيه والرجاء له على العيان واليقين بمنه وفضله.
وكتب بعضهم مهنئاً آخر بالحج: وأنا أسأل الله الذي أوفدك إلى بيته الحرام وأوردك حرمه سالماً وأصدرك عنه غانماً، ومنّ بك على أوليائك وخدمك أن يهنئك بما أنعم به عليك في بدأتك ورجعتك بتقبل السعي ونجح الطلبة.
أي: المطلوب أن يستجيب الله له وتعريف الإجابة.
وكذلك كتب بعضهم إلى آخر يهنئه بولاية -حصل على وظيفة عالية- فكتب له وقال: وبلغني خبر الولاية التي وليتها فكنت شريكك في السرور، وعديلك في الارتياح، فسألت الله أن يعرفك يمنها وبركتها، ويرزقك خيرها وعادتها إلخ.
وعلى أية حال فإن التهنئة في مثل هذا أمر طيب, وهناك مناسبات لم ترد في السنة، لكن يكتب الإنسان رسالة أو يهنئ باللفظ أو يأتي الشخص أو يرسل له, فهذه كلها تدخل في عموم ما ورد من التهنئة بالمناسبات السارة, كما لو نجح نجاحاً فهنأه: مبارك عليك هذا النجاح، أو جعله الله لك عوناً على طاعته، أو جعل الله هذه الشهادة مما يعمل بها في سبيله أو لخدمة دينه ونحو ذلك, هذه كلها من التهاني وتدخل في عموم التهنئة.
إذاً: أصل التهنئة مشروع وما ثبت منه يلتزمه الإنسان ويواظب عليه، مثل التهنئة بالنكاح، فهي ثابتة بألفاظ معينة, وإذا لم يثبت فيه شيء فالأمر فيه سعة، ويهنئ الإنسان بما شاء من الألفاظ ما دام أنه لا يعتقد أنها سنة، ولا يواظب عليه مواظبته على الأذكار الشرعية, هذا بالنسبة للبشارة والتهنئة، وبذلك نكون قد أنهينا هذا الموضوع.
طبعاً بالنسبة للتهنئة بأعياد الكفار: لا شك أنه يحرم التهنئة بأعياد الكفار، وهذا مما يخل بعقيدة الولاء والبراء, فإنه لا يجوز تهنئة الكفار بحال في أعيادهم؛ لأن في تهنئتهم إقراراً لهم على باطلهم, فإذا هنأهم بعيدهم فكأنه يقرهم عليه، وأنه قد فرح وسر به، مع أن أعيادهم شيء ديني, فالأعياد مناسبات دينية وليست مناسبات دنيوية، ولهذا ما تتأمل في أعياد أمم الأرض إلا وتجد أنها مرتبطة بمناسبة دينية, فمثلاً: إذا قالوا: عيد الميلاد، هم يحتفلون بميلاد من؟ المسيح الذي هو ربهم أو ابن الله عندهم, كذلك إذا قالوا: عيد الفصح أو عيد الشكر ونحوه, هذه الأعياد عندهم في عقائدهم -اليهود والنصارى- أعياد دينية، فلما يهنئهم معنى ذلك أنهم يقرهم ويشاركهم فيها ويقرهم عليها ولا شك أن هذا حرام.
стр. 48
الأسئلة
.
стр. 49
حكم تهنئة الكافر بعيده
السؤال
ما حكم من هنأ الكافر بعيده على نيته؟
الجواب
إن قصد إيماناً بما هم عليه فهو كافر, وإن قصد المجاملة فهو عاصٍ فيه نفاق لأهل الكفر.
стр. 50
حكم التهنئة بقول: (من العائدين)
السؤال
ما حكم قول الشخص: "من العائدين", ورد المقابل: "من الفائزين"؟
الجواب
أيضاً لا بأس بهذه الكلمة؛ لأنه يقصد بقوله: (من العائدين) أي: الذين يعود عليهم العيد, وذلك يقول: (من الفائزين) أي: في الدنيا والآخرة, فلا بأس بذلك, ولكن ليست كمثل: تقبل الله منا ومنك لورودها عن الصحابة.
стр. 51
حكم تهنئة من يقص شعر رأسه بقول: نعيماً
السؤال
ما رأيك في تهنئة من يقص شعر رأسه بقوله: نعيماً؟
الجواب
من حلق مثل من شرب وقيل له: هنيئاً، فينطبق عليه ما تقدم, لكن المشكلة أن مواظبة بعض الناس على الكلمة حتى لا تكاد تفوتهم, فهم يعلمونها أولادهم الصغار كأنها سنة, حتى يعاتب الولد إذا لم يقلها, فإن تعليمهم بهذا الشكل قد يخشى من الوقوع في محظور إقرار هذه الكلمة كأنها سنة, وأن تعتبر ذكراً من الأذكار الذي لا ينبغي التخلف عنها ولا عن مقولتها، وأيضاً لا تقال لمن حلق لحيته، وبعضهم يقترح أن يقال له: جحيماً.
فهذه مثل ما تقدم في مسألة الشراب.
стр. 52
الرد على شبهة أن الدين لم يشمل جميع جوانب الحياة
السؤال
لو قال قائل: إن الدين لم يشمل جميع جوانب الحياة؛ لأنه لم يأت فيه دليل التهنئة.
الجواب
طبعاً هذه الشبهة ممكن أن ترد بعدة أشياء: أولاً: أن التفصيل في جميع القضايا لا يمكن؛ لأن الأشياء متجددة, فلنفرض أنه حصلت نعمة في هذا الزمان ولم تكن موجودة من قبل, فما الذي ستأتي به الشريعة لأجل هذه المستجدات؟ فإذاً قاعدة الشريعة أنها تأتي بشيء عام, وقاعدة عامة، ثم إذا حصلت أشياء تدخل في عموم القاعدة, إذا حصلت جزئيات ومسائل مستجدة تدخل في عموم القاعدة, فتكون الشريعة قد جاءت بشيء عام يدخل فيه أفراد ومسائل مستحدثة، ولذلك لا يمكن أن نقول: إن الشريعة لم تأت بشيء في هذا الموضوع أبداً, لأنها جاءت بشيء عام يمكن أن نأخذ منه عموم التهنئة في المناسبات السارة بالكلام الطيب والدعاء بالبركة على ضوء ما تقدم من الأحاديث والآثار والأدلة.
وأما بعض الأشياء -مثلاً- التي تحصل باستمرار مثل النكاح ولها وزن عظيم في النفس, وليست كالقدوم من السفر بل أعظم وأعلى, فالإنسان قد يسافر كثيراً، قد يسافر في الأسبوع الواحد مرات, وقد تكون حياته متنقلة في الأسفار كسائقي الحافلات والشاحنات, فنجد أن بعض المناسبات وردت فيها أذكار معينة، وبعضها لم ترد، بعض المناسبات التي قد يكون فيها وقع عظيم أو مناسبة كبيرة لها أثرها في النفس قد وردت فيها أذكار معينة في التهنئة, وبعضها لم ترد، فبقيت لعموم الكلام الطيب الذي يقال فيه, ولذلك كلام الفقهاء الذي سبق نقله يعبر عن فقه دقيق: [لا أعرفه ولا أنكره] لا أعرف أنها سنة ولا أنكر على أنها بدعة, والشريعة أوجدت مجالاً للكلام الطيب الذي يقوله الناس؛ لأن المستجدات كثيرة.
стр. 53
حكم تهنئة الكافر بالأمور الدنيوية
السؤال
ما حكم تهنئة الكفار بالأمور الدنيوية؟
الجواب
إذا كان محارباً فلا يجوز تهنئته قطعاً؛ لأن المحارب ليس له منا إلا السيف، فكيف نهنئه؟! لكن إذا كان كافراً غير محارب فإن كانت التهنئة بمناسبة دينية كالأعياد فإنها لا تجوز, وإن كانت التهنئة بمناسبة مثل ولادة ولد -مثلاً- فلا بأس بها خصوصاً إذا صارت وسيلة للدعوة إلى الله, كأن يتقرب بها إلى قلبه حتى يحب هذا المتكلم فيتقبل منه.
стр. 54
مقولة: كل ما جاء به الرسول حق
السؤال
بالنسبة للشبهة السابقة هنا قول لـ ابن القيم ﵀: "كل ما جاء به الرسول حق" وليس كل حق جاء به الرسول.
الجواب
طبعاً عبارة: "كل ما جاء به الرسول حق" واضحة أما عبارة "وليس كل حق جاء به الرسول" فإن قصد بها التفصيلات الجزئية فنعم, لكن إن قصد الشيء الإجمالي فلا؛ لأن النبي ﷺ قد جاء لنا بالقواعد الإجمالية التي يعرف بها الحق, وهذا متفرع من هذا، فبما أنه وجد من أثره إذاً هو منه.
стр. 55
من أسباب تحريم بعض الألعاب
السؤال
ما حكم ممارسة بعض ألعاب القوى كالكاراتيه مع اجتناب اللطم على الوجه أو الضرب في الأماكن المؤذية ولبس الملابس الواقية, مع العلم أن هذه الألعاب إحدى فنون القتال؟
الجواب
سبق الكلام على بعض الأحكام المتعلقة بالألعاب, فمن أسباب تحريم الألعاب ما يلي: أولاً: أن تكون اللعبة مما يصد عن ذكر الله وعن الصلاة, فقد تكون مباحة لكن لأنها تصد عن الذكر وعن الصلاة حيث إنهم يطيلون بها تصبح محرمة, فمنها ما يكون محرماً لذاته ومنها ما يكون محرماً لغيره.
ثانياً: أن تكون مما فيه قمار, مثل المراهنات, والآن بعض ألعاب الكرة ومسابقات الأندية فيها مراهنات، وهذا لا شك أنه حرام.
ثالثا: أن يكون فيها نرد, لأجل الحديث الوارد في ذلك, كلعبة الطاولة وغيرها, والنرد هو حجر الزهر.
رابعاً: أن يكون فيها ما يشبه القمار أو فكرة القمار مثل لعبة الورقة, فهي قائمة على فكرة مشابهة للميسر, والحظ في توزيع الأوراق.
خامساً: أن يكون فيها صلبان مثل لعبة الشطرنج.
سادساً: أن يكون فيها صور ذوات الأرواح، سواء كانت تماثيل مثل الشطرنج أو صوراً كلعبة الورق التي فيها صور الولد والبنت والشايب.
سابعاً: أن تكون مما فيه إيذاء بكسر أو إسالة دماء, كألعاب العنف التي فيها استخدام الضربات الشديد وقد تصيب الإنسان بمقتله, ولا شك أن بعضهم قد قتل فيها وهذا معلوم, وأي لعبة فيها تكسير فهي محرمة، حتى ولو لعبوا بملابس طويلة إلخ, ولكن فيها خشونة متعمدة فهي حرام؛ لأن هذا إيذاء للمسلم فهو لا يجوز, وهذا من الأدلة التي استدل بها الشيخ عبد الرحيم ﵀ على تحريم لعبة الكرة حيث قال: الدليل على ذلك أنهم يجعلون عربة الإسعاف في الملعب في كل مباراة.
ثامناً: أن يكون فيها كشف عن العورات كالفخذ, مثل لعبة الكرة وغيرها، ومثل لعبة الجمباز حيث أنه يلبس لباساً ضيقاً جداً مجسماً للعورة ومبيناً تقاطيعها وتفاصيلها، فهي حرام.
تاسعاً: أن تكون هذه اللعبة مما فيه جعل ولم ترد الشريعة بجواز الجعل فيه, فمثلاً: المسابقات على الخيل والرمي يجوز أن يكون فيها جعل, وما شابه ذلك كما قاس ابن تيمية ﵀ وتبعه ابن القيم في كتاب الفروسية مسابقات حفظ القرآن، مسابقات العلم الشرعي وغير ذلك من المسابقات، لا يجوز جعل الجعل على ظاهر الحديث: (لا سبق إلا في نص أو خف أو حافر) فلو عملوا مسابقة فيها جوائز غير هذه فإن الجمهور على عدم جوازه, فلو قالوا مثلاً: الذي يأكل هذه التفاحة المعلقة نعطيه كذا هذه جائزة؛ لأنه يعتبر هذا جعل سبق على هذا, أو من أكل أولاً نعطيه كذا وليست في الرماية ولا علاقة لها بالجهاد ولا بالعلم الشرعي, فعلى قول جمهور أهل العلم لا يجوز جعل الجائزة فيها.
عاشراً: من أسباب تحريم الألعاب كذلك: أن تكون هذه الألعاب مما يؤدي إلى التناحر والتباغض بين الذين يلعبون بها, يعني تعتبر اللعبة فيها إثارة أحقاد, واللعبة فيها ضغائن مثل تشجيع الأندية فإنه يفرق الأمة إلى شيع وأحزاب.
ما حكم التشجيع؟ أفتى الشيخ: محمد بن إبراهيم بتحريمه, ومن أدلته على التحريم قال: أنها تفرق الأمة شيعاً وأحزاباً وأنها تغرس العداوة والبغضاء لفريق معين ضد الفريق الآخر أو مشجعيه فتكون حراماً لأجل هذا.
حادي عشر: من أسباب تحريمها: أن يكون فيها ضرب للوجه, فكل ما كان فيه ضرب للوجه فهو حرام كالملاكمة.
ثاني عشر: كل لعبة فيها تحريش بين البهائم فهي حرام, كمناقرة الديكة, مثلاً: اثنان من الديكة يناقران أو نطاح الأكباش, فهذه محرمة.
ثالث عشر: ما كان فيه أصوات موسيقى، وكثير من الألعاب كالكمبيوتر وغيرها لا تخلو من هذا الأمر المحرم.
فهذه بعض الأسباب أو بعض المحرمات الموجودة في بعض الألعاب.
стр. 56
التهنئة بالشفاء من المرض
السؤال
ما حكم قول: هنيئاً لك العافية بعد الشفاء من المرض؟
الجواب
أيضاً لا بأس به, دعاؤه طيب.
أو: الحمد لله على سلامتك, فقد ورد حديث عند الحاكم وهو حديث خوات بن جبير -وأظن أن السيوطي ذكره أيضاً في مسألة التهنئة في العافية من المرض- قال: أخرج الحاكم عن خوات بن جبير قال: (مرضت فعادني النبي ﷺ فلما برئت قال: صح جسمك يا خوات) وأخرجه عبد الله بن أحمد في زوائد المسند عن مسلم بن يسار , لكن أظن في هذا الحديث علة.
стр. 57
حكم التهنئة بعيد الميلاد الشخصي
السؤال
ما حكم التهنئة بعيد ميلاد شخص؟
الجواب
طبعاً لا يجوز؛ لأنها مناسبة محرمة, فأعياد الميلاد فيها تشبه بالكفار, وهم الذين ابتكروها وأدخلوها على المسلمين, ونحن المسلمين ليس عندنا إلا عيدان، الفطر والأضحى، وعيد الأسبوع الجمعة، ومن أدخل عيداً آخر فإنه يكون آثماً؛ لأن الشريعة حصرت أعياد الأمة بهذه, فإذاً عيد الأم، وعيد رأس السنة، وأعياد الميلاد كلها من الأمور المحرمة, هذا بالنسبة لهذا الموضوع.
ونتابع الكلام إن شاء الله في الدرس القادم عن أدب جديد آخر والله أعلم.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد.
стр. 58
آداب الجوار
آداب الجوار في الإسلام عظيمة، وحقوق الجار كثيرة، وفي كتاب الله وسنة رسوله ﷺ الكثير من الأحكام المتعلقة بآداب الجار وحقوقه، وفي هذه المادة شرح مفصل لتلك الآداب والحقوق.
стр. 59
تعريف الجار عند أهل اللغة والاصطلاح
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
وبعد: سنتحدث في هذه المجموعة الثانية من الآداب عن "أدب الجوار".
والجِوار بكسر الجيم مصدر جاور، يقال: جاور جواراً ومجاورة، ومن معاني الجوار المساكنة والملاصقة، وأيضاً تطلق على الاعتكاف في المسجد والمجاورة في الحرمين، ويطلق الجوار أيضاً على العهد والأمان، ومن الجوار الجار، ويطلق على معان، منها: المجاور في المسكن، والشريك في العقار أو التجارة، والزوج أو الزوجة، والضرة يطلق عليها جارة، كما جاء في حديث: (لا يغرنكِ إن كانت جارتك أوضع).
وكذلك يطلق على الحليف والناصر، وقال الشافعي ﵀: كل من قارب بدنه بدن صاحبه قيل له: جار، وبناءً على ذلك فإن المجاور على مقاعد الدراسة في فصل المدرسة وصفوف الجامعة يعتبر جاراً، ويدخل في حقوق الجوار.
وقال الراغب ﵀: الجار من يقرب مسكنه منك، وهو من الأسماء المتضايفة، فإن الجار لا يكون جاراً لغيره إلا وذلك الغير جار له، كالأخ والصديق.
والمعنى الاصطلاحي للجوار هو: الملاصقة في السكن أو نحوه، وعندما أقول: ونحوه، يدخل فيها الدكاكين والمحلات والمكاتب والشركات والمؤسسات، فصاحب المكتب جار لصاحب المكتب الذي بجانبه وهكذا.
стр. 60
حد الجار والجوار
وحد الجار كما ذهب الشافعية والحنابلة أربعون داراً من كل جانب، من الأمام والخلف واليمين والشمال، والدليل على ذلك حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (حق الجار أربعون داراً هكذا وهكذا وهكذا) وبعضهم ضيق فقال: الجار هو الملاصق من جميع الجهات، أو المقابل له، بينهما شارع ضيق، فلا يفصل بينهما نهر متسع أو سوق كبير ونحو ذلك، وبعضهم عرفه بأنه: ما يجمعهما مسجد أو مسجدان متقاربان، وبعضهم قال: إن العرف هو الذي يضبط قضية الجوار، وحملوا حديث الأربعين على التكرمة والاحترام، ككف الأذى ودفع الضرر، والبشر في الوجه والإهداء، وإلى غير ذلك.
ولاشك أن الملاصق أولى الناس بأن يطلق عليه اسم الجار، ويقال حتى للساكن معك في المدينة: جاوره فيها، كما قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ لا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلاً﴾ [الأحزاب:٦٠] ولما استعظم حق الجار عقلاً وشرعاً عبر عن كل من يعظم حقه بالجار، كما قال تعالى: ﴿وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى﴾ [النساء:٣٦] وقد تُصور من الجار معنى القرب، فقيل لمن يقرب من غيره: جاره وجاوره وتجاور معه.
ثم إن جمع جار جيران، والاسم هو الجوار، ويقال للمشارك في العقار والمقاسم: جار أيضاً.
وأما بالنسبة لحقه فإن حقه عظيم جداً، وقد قال الله : ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالاً فَخُوراً﴾ [النساء:٣٦].
وإذا أردنا أن نضبط الجار بالعدد؛ فإن أقرب التعريفات التي مرت معنا والتي يسندها الدليل: أربعون جاراً من كل جانب من الجوانب.
стр. 61
أنواع الجار
وفي الآية التي قرأناها قبل قليل: ﴿وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ﴾ [النساء:٣٦] ما هو الفرق بين هذا وهذا؟ أما صاحب القربى فالقربى معروفة، وأما بالنسبة للجار الجُنُب، أي: البعيد الذي لا قرابة له، فلما ذكر جار القربى ذكر النوع الآخر من الجيران وهو الجار الذي ليس له قرابة.
والجيران عموماً ثلاثة: جار له ثلاثة حقوق، وجار له حقان، وجار له حق واحد.
فأما الجار الذي له ثلاثة حقوق فهو الجار صاحب القربى، فله حق القرابة وحق الجوار وحق الإسلام.
وأما الجار الذي له حقان، فجارك المسلم غير القريب، فله حقان حق الإسلام وحق الجوار.
وإذا كان لك جار كافر فله حق واحد وهو حق الجوار.
وبعض من فسر الآية أدخل في قوله تعالى: ﴿وَالْجَارِ الْجُنُبِ﴾ [النساء:٣٦] كل من جاورك في صناعة أو دراسة أو سفر، فالذي يجلس بجوارك في مقعد الطائرة -مثلاً- أو السيارة يعتبر جاراً، والمرأة جار للرجل الزوج، والزوج جار؛ لأجل الاشتراك الحاصل والقرب الشديد الذي يكون بينهما.
стр. 62
الأحاديث الواردة في الجار
وأما بالنسبة للأحاديث الواردة في الجار فإنها كثيرة جداً.
стр. 63
وصية جبريل للرسول ﷺ بالجار
من ذلك قوله ﷺ : (ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه) متفق عليه، ومعنى يوصيني به أي: بالاعتناء به والاحتفاء بشأنه، وأن تكون دائماً مهتماً بشأنه، وقوله: (حتى ظننت) أي: من شدة الإيصاء (أنه سيورثه) حتى يكون من أسباب الإرث الجوار، فأسباب الميراث ثلاثة:
أسباب ميراث الورى ثلاثه كل يفيد ربه الوراثه
وهي نكاح وولاء ونسب ما بعدهن للمواريث سبب
فكاد أن يكون أسباب الميراث في الورى أربعة: نكاح وولاء ونسب وجوار: (ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه).
وقد كان الجوار في بداية الإسلام من أسباب الميراث والتعاهد والتناصر، أي: الإخوة في الدين لها دخل بالميراث، ثم نسخت بآية المواريث للقربى: ﴿وَأُولُوا الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ [الأنفال:٧٥].
стр. 64
وصية الرسول لأبي ذر
قال ﵊ موصياً أبا ذر: (يا أبا ذر! إذا طبخت مرقة فأكثر ماءها وتعاهد جيرانك) رواه مسلم، وهذه الوصية من النبي ﷺ لـ أبي ذر رضي الله تعالى عنه في مسألة طبخ المرقة -أي: طبخ اللحم- والمرق قد يحوي لحماً وقد يحوي أشياء أخرى، فالنبي ﷺ أوصى أبا ذر رضي الله تعالى عنه أن يكثر المرق إذا طبخ شيئاً بإدام، أو بمرقة أن يكثر منها ويرسل إلى جاره.
وقوله: (فأكثر ماءها)، ليكثر الإدام، وهو ما يؤتدم به حتى يلين الخبز ويسيغه.
(وتعاهد جيرانك)، وهذا أمر من النبي ﷺ وأكد عليه، أي: بالإحسان إليهم، وفعل البر معهم، بإشراكهم في الطعام الذي طبخته، وقد جاء عند ابن أبي شيبة هذا الحديث بلفظ: (إذا طبختم لحماً؛ فأكثروا المرق؛ فإنه أوسع وأبلغ للجيران) فهذا حث على مكارم الأخلاق، وإرشاد إلى محاسنها، وقد يتأذى الجار بقتار قدر جار، وقتار القدر: ريح الطبخ، فقد يتأذى الجيران منه، فلا أقل من أن يعطوا مما شموا رائحته أو تأذوا منه، أو وصل إليهم دخانه مثلاً، وقد تتهيج عند صغارهم الشهوة إلى الطعام مما شموا من الجار، وتشتد الحسرة والألم عند الفقير الذي لا يجد مثلما عند جاره عندما يشتم رائحة طعامه، وربما يكون المجاور يتيماً أو أرملة، فتكون المشقة أعظم وتشتد الحسرة عند الصغير.
ولذلك جعل تشريكه في شيء من الطبخ نوعاً من المواساة لما اشتموا من هذه الرائحة، فلا أقبح من منع الشيء اليسير للمحتاج، أما إذا كان إرسال مرقة دون شيء يفهمه الجار على أنه استهانة به مثلاً، فلا يفعل الإنسان ما يؤدي إلى استياء جاره منه، أو شعوره بعدم التقدير له.
قال أبو ذر: (إن خليلي ﷺ أوصاني وقال: إذا طبخت مرقة؛ فأكثر ماءها ثم انظر أهل بيت من جيرانك؛ فأصبهم منها بمعروف) طبعاً (منها) يعود على المرق، و (بمعروف) هذه اللفظة: إيماء إلى أن المرسَل إلى الجيران ينبغي أن يكون شيئاً نافعاً، ولو كان قليلاً، والنبي ﵊ قال: (لا تحقرن من المعروف شيئاً) و (لا تحقرن جارة لجارتها ولو فرسن شاة) متفق عليه.
والنبي ﷺ قد قال أيضاً: (والله لا يؤمن، والله لا يؤمن، والله لا يؤمن، قيل: من يا رسول الله؟! قال: الذي لا يأمن جاره بوائقه) (لا يدخل الجنة من لا يأمن جاره بوائقه) هذه رواية مسلم، والبوائق هي الغوائل والشرور، ومعنى (لا يدخل الجنة) أي: لا يدخل الجنة ناجياً، إلا يصيبه شيء من العذاب، أو لا يكون أول الداخلين، فهذا المسيء إلى جاره لا تتوقع أن يكون أول الداخلين، أو من أوائل الداخلين، أو أنه يدخل دون حساب ولا عذاب، فلابد أن يصيبه شيء من جراء ما آذى جيرانه.
ونظراً لأن النساء كثيرات المكث في المنزل أكثر من الرجال، واحتكاك الجارة بجارتها أكثر من احتكاك الجار بجاره، حيث أن الرجال خروجهم من البيت أكثر من النساء، كان لابد من وصية خاصة إلى الجارات لبعضهن البعض، وهذا حديث النبي ﷺ : (لا تحقرن جارة لجارتها ولو فرسن شاة) متفق عليه.
لما قال: (يا نساء المسلمات!) أي: يا نساء الجماعة المسلمات (لا تحقرن جارة لجارتها شيئاً من المعروف ولو فرسن شاة) وهو الشيء اليسير جداً.
стр. 65
الوصية بالسماح للجار بالاستفادة من جاره
إن بين الجيران مرافق مشتركة كالجدران والأسوار ونحوها، وربما احتاج الجار أن يضع خشبة على الجدار المشترك، أو على جدار الجار ليستفيد منه، وقد يمنعه، ويقول: هذا حائطي -مثلاً- ونحو ذلك، فقال ﵊: (لا يمنع جار جاره أن يغرز خشبة في جداره) ثم يقول أبو هريرة: [مالي أراكم عنها معرضين؟! والله لأرمين بها بين أكتافكم] متفق عليه.
فقوله: (لا يمنع) نهي أن يمنع جاره أن يغرز ولو كان في ملكه، وقوله: (أن يغرز خشبة في جداره) يعود على جدار المانع الذي يمنع، فإذا كان المقصود جداره هو فهذا لا يحتاج إلى وصية، لكن قال: (لا يمنع جار جاره أن يغرز خشبة في جداره) أي: جدار الجار الآخر؛ لأن ذلك شيء يسير، وينبغي أن يتسامح به ويتساهل فيه، ثم قال أبو هريرة ﵁ راوي الحديث: [مالي أراكم عنها] أي: عن هذه الخصلة من السماح للجار أن يغرز خشبة عندك [مالي أراكم عنها معرضين؟!] هل استغربتم الكلام، أو أعرضتم عنه بقلوبكم، أو نفرتم منه، أو لا تفعلونه في الواقع؟ [والله لأرمين بها]، أي: بهذه السنة التي جاءت في الحديث [بين أكتافكم]، أي: سأبلغكم إياها، وألقيها على مسامعكم، وأوجعكم تقريعاً مما فيها، كما يضرب الإنسان الآخر ويرميه بالشيء بين كتفيه.
والرسول ﷺ لما أوصى بهذه الوصية أراد أن يكون هناك اشتراك في المرافق، أو الشيء الذي بينك وبينه لا تمنعه الاستفادة منه، إذا أراد أن يضرب مسماراً، أو يشد حبلاً مثلاً، أو يضع جزءاً من خشب أو ساتر، ونحو ذلك من هذه الأشياء المفيدة التي تفيده ولا تضرك، فلا تمنعه من الارتفاق بها والاستفادة منها.
وهذا الحديث يمكن أن يفهم منه الوجوب، ولذلك اختلف العلماء في حكم تمكين الجار من وضع الخشب على جدار جاره، هل يجب أن يمكنه، ويأثم إذا منعه؟ قال بذلك بعض العلماء، وهما قولان للشافعي، والإيجاب قال به أحمد وأبو ثور رحمهما الله من أصحاب الحديث، وهو ظاهر الحديث، والمعظم للسنة يقتضي أن يأخذ بهذا، وكلام أبي هريرة: [ما لي أراكم عنها معرضين؟!] ربما يدل على شيء من هذا، وكأن أبا هريرة لاحظ أنهم استغربوا الكلام، أو أنهم توقفوا عن العمل مثلاً، فقال: [مالي أراكم عنها معرضين؟!] أي: لا تريدون هذا.
стр. 66
حرمة إيذاء الجار والأمر بالإحسان إليه
وقال ﷺ : (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذ جاره) والإيذاء أنواعه كثيرة، وإيذاء الجار حرام، وسنأتي على بعض أنواع الإيذاء، وقال ﷺ أيضاً: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليحسن إلى جاره) فذكر الإحسان وعدم الإيذاء حتى تكتمل القضية من طرفين: إحسان وعدم إيذاء؛ لأن عدم الإيذاء لا يتضمن الإحسان، أي: أنت ممكن لا تؤذي لكن لا تحسن، فليس المطلوب فقط أنك لا تؤذي، ولكن أن تحسن أيضاً.
أما الإحسان فهو ينافي الإيذاء، أي: إذا قال أحسن، فواضح أنه لا تؤذي، لكن عندما قال: لا تؤذي، فقد أكد على هذا الجانب؛ لأنه يحصل أذية من الجيران لبعضهم، ولذلك أكد عليه من جهتين: الإحسان وعدم الإيذاء، لكن عدم الإيذاء لا يعني وجوب الإحسان.
والرسول ﷺ لما سألته عائشة ﵂ وقالت له: (يا رسول الله! إن لي جارين فإلى أيهما أهدي؟ قال: إلى أقربهما منك باباً) رواه البخاري.
فالرسول ﷺ لما أمر بإكرام الجار عملت عائشة ﵂، وقد كان الزاد عندهم قليلاً، ولم يكونوا على سعة من العيش، وكانت تمر أيام كثيرة لا يوقد في بيت النبي ﵊ نار ولا هناك شيء يطبخ، وأرسل مرة في طلب طعام لضيفه فلم يجد إلا الماء، وأحياناً يأتي لبن من هنا أو شيء من هنا، مما يهدى إلى النبي ﵊، فهم كانوا من جهة العيش ليسوا في سعة، فلما كان هذا، وربما يحضر عند عائشة القليل، والجيران كثر، قلنا: أربعون من كل جانب، فما الذي يسع هؤلاء الجيران الكثر؟ فلذلك سألته قالت: (إن لي جارين فإلى أيهما أهدي؟ قال: إلى أقربهما منك باباً) وهذا أحد الأقوال في تفسير (والجار الجنب والجار ذي القربى) على أحد الأقوال، ولكن القول الأشهر: القربى صاحب القرابة النسبية.
وقال ﵊: (خير الجيران عند الله خيرهم لجاره) رواه الترمذي وهو حديث حسن.
و (خيرهم لجاره) أي: في النفع والدفع، فهو ينفعه ويدفع عنه ما يؤذيه، فهذا خير الناس وأكثرهم ثواباً، وأكرمهم منزلة عند الله .
стр. 67
تعوذ الرسول ﷺ من جار السوء
وقد ذكر ﷺ أحاديث متعددة في مسألة الجار، ومن ذلك أنه ﷺ كان يستعيذ من الجار السيء، يقول: (اللهم إني أعوذ بك من جار السوء في دار المقامة، فإن جار البادية يتحول) حديث صحيح، رواه ابن حبان، والحاكم وصححه الذهبي والألباني، فجار البادية -مثلاً- أنت ذاهب إلى البحر فجاء عندك جار سوء، هذا مهما مكث لا يطيل، لكن في البلد وبالذات إذا كان بيتك بيت ملك، وحتى إن كنت مستأجراً، فالنقل من البيت عذاب ﴿وَلَوْلا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلاءَ لَعَذَّبَهُمْ﴾ [الحشر:٣] الجلاء عن البيت والديار عذاب، ولولا أن كتب الله عليهم هذا النوع من العذاب لعذبهم بعذاب آخر، هذا معنى الآية.
فجار السوء في دار المقامة مصيبة؛ خصوصاً إذا كان بيتاً لا تجد له بديلاً، فهذا من أكبر المصائب، ولذلك الرسول ﷺ استعاذ منه، قال: (اللهم إني أعوذ بك من جار السوء في دار المقامة، فإن جار البادية يتحول).
стр. 68
إعانة الجار من علامات الإيمان الكامل
ولا يمكن أن يكون الإنسان مؤمناً إذا بات شبعان وجاره جائع، كما جاء ذلك في الحديث الصحيح الذي رواه الطبراني وأبو يعلى ورجاله ثقات: (ما آمن بي من بات شبعان وجاره جائع إلى جنبه، وهو يعلم به) رواه البزار وإسناده حسن؛ لأن بعض الجيران قد لا يعلم بحقيقة جاره، ولذلك إذا وصل إليك علم عن جارك، فقد قامت عليك الحجة في مساعدته.
стр. 69
من سعادة الإنسان الجار الصالح
ومن سعادة الإنسان في المقابل الجار الصالح، كما جاء ذلك عن النبي ﷺ في قوله: (من سعادة المرء: الجار الصالح والمركب الهنيء والمسكن الواسع) وقال: (أربع من السعادة: وذكر الجار الصالح، وأربع من الشقاء: وذكر الجار السوء) فإذا كان للإنسان جار صالح كان هذا من أسباب سعادته في الدنيا وهناء عيشه.
стр. 70
وصية الرسول ﷺ لأبي هريرة
والرسول ﵊ أوصى وصية لـ أبي هريرة ﵁ فقال: (من يأخذ عني هؤلاء الكلمات فيعمل بهن، أو يعلِّم من يعمل بهن؟ قال أبو هريرة: قلت: أنا يا رسول الله! فأخذ بيدي فعد خمساً، قال: اتق المحارم تكن أعبد الناس، وارض بما قسم الله تكن أغنى الناس، وأحسن إلى جارك تكن مؤمناً، وأحب للناس ما تحبه لنفسك تكن مسلماً، ولا تكثر الضحك؛ فإن كثرة الضحك تميت القلب) أخرجه الترمذي وأحمد وابن ماجة، وقال محقق جامع الأصول: حديث حسن.
إذاً: أحسن إلى جارك تكن مؤمناً.
стр. 71
أذية الجار من أسباب دخول النار
وكذلك فإنه ﵊ قد أخبر عن امرأة أنها من أهل النار مع صلاتها وصدقتها وصيامها، لماذا؟ لأنها كانت تؤذي جيرانها، والحديث رواه أحمد والبزار وابن حبان والحاكم وقال: صحيح الإسناد، ورواه ابن أبي شيبة، قال رجل: (يا رسول الله! إن فلانة تكثر من صلاتها وصدقتها وصيامها غير أنها تؤذي جيرانها بلسانها -باللسان- قال: هي في النار، قال: يا رسول الله! فإن فلانة يذكر من قلة صيامها وصلاتها وأنها تتصدق بالأثوار من الإقط -الإقط هو اللبن المجفف، وهو من الشيء الزهيد- ولا تؤذي جيرانها، قال: هي في الجنة) فما نفع تلك كثرة صلاتها وصيامها وصدقتها؛ لأنها تؤذي جيرانها، وهذه نفعها الإحسان وعدم إيذاء الجار، فأخبر ﵊ أنها في الجنة، فهذه من الأدلة على خطورة هذا الموضوع، وأنه لابد من الاهتمام به.
стр. 72
حال جيران الرسول ﷺ والصحابة
كان النبي ﷺ وأصحابه يطبقون ذلك عملياً، فكان جيرانه ﵊ يهدون إليه، ولذلك لما جاع أبو هريرة ﵁؛ أرسل له ﷺ قدحاً من لبن، فأشرك أهل الصفة فيه، وقد كانت أسماء امرأة الزبير رضي الله تعالى عنهما عندما جاءوا من مكة إلى المدينة في حالة هجرة وحالتهم صعبة، وعليهم إنشاء بيت جديد وأسرة في مكان غريب، فليس الأمر سهلاً، مع قلة ما في أيديهم، فقد خرجوا بلا مال مهاجرين إلى الله ورسوله، فتقول أسماء موضحة أن مما سهل عليها المعيشة أنه كان لها جارات صدق يخبزن لها، يساعدنها في الخبز والعجن، فقالت: [جيران من الأنصار نسوة صدق] كن يساعدنها.
стр. 73
حاجة الجيران إلى بعضهم بعضاً
الإنسان لا يزال محتاجاً إلى جاره؛ لأن هناك طوارئ كثيرة لا يعينه فيها إلا الجار، ولذلك رأى أبو بكر الصديق ﵁ ولده عبد الرحمن وهو يناصي جاراً له، فقال: [لا تناص جارك، فإن هذا يبقى والناس يذهبون] ناصى جاره أي: أخذ بناصيته، وصار بينهما أمر فيه شدة، وكذلك فإن رجلاً جاء إلى ابن مسعود ﵁، فقال: [إن لي جاراً يؤذيني ويشتمني ويضيق علي، قال: اذهب فإن هو عصى الله فيك، فأطع الله فيه].
وكذلك فإن الحسن البصري ﵀ من شدة حق الجار كان لا يرى بأساً أن يطعم الإنسان جاره اليهودي أو النصراني من أضحيته.
وجاء الحسن بن عيسى النيسابوري إلى عبد الله بن المبارك، فقال: الجار المجاور يأتيني، فيشكو غلامي أنه أتى إليه أمراً، والغلام ينكره، فأكره أن أضربه ولعله بريء.
أي: فإن ضربت غلامي قد يكون الغلام بريئاً، وإن سكت فقد يكون الجار صادقاً وغلامي مخطئاً مخطئ، فكيف أصنع؟ قال: إن غلامك لعله يحدث حدثاً يستوجب فيه الأدب فاحفظ عليه -الآن هذا يحتاج إلى مراقبة وأن تحسب عليه تصرفاته- فإذا شكاه جارك فأدبه على ذلك الحدث، فتكون قد أرضيت جارك وأدبته على ذلك الحدث.
أي يقول: هذا الغلام الذي عندك لا يخلو أن يخطئ، وليس ضرورياً في حق الجار، بل يخطئ أي خطأ آخر، يهمل فيكسر شيئاً مثلاً؛ فأنت الآن جارك يشتكي من الغلام والغلام ينكر، وأنت لا تعلم أهذا الغلام صادق أم الجار، فماذا تعمل؟ قال: عدَّ على هذا الغلام مواقفه، فإذا جاء أمر أخطأ فيه؛ فعاقبه بعلم جارك، فيظن الجار أنك عاقبته من أجله، والغلام يعلم أن العقوبة من أجل خطئه، فما ظلمت وأرضيت الجار، وهذا تلطف في الجمع بين الحقين.
стр. 74
حقوق الجار في الإسلام
إن حقوق الجار متعددة وكثيرة، ومما ذكره العلماء في حقوق الجار: إذا استعانك فأعنه، وإذا استقرضك فأقرضه، وإذا افتقر عد إليه، وإذا مرض فعده، وإذا أصابه خير فهنئه، وإذا أصابته مصيبة فعزه، وإذا مات فاتبع جنازته، ولا تستطل عليه بالبنيان فتحجب عنه الريح إلا بإذنه، ولا تؤذه بقتار قدرك إلا أن تغرف له منها، وإن اشتريت فاكهة فأهد له، فإن لم تفعل فأدخلها سراً؛ لأن ذلك من الإيذاء النفسي، فهذا يرى جاره يدخل الكراتين، وهو ليس عنده شيء، لا كيلو ولا حبة من الفواكه، فإذا لم ترد أن تعطيه منها فأدخلها سراً، ولا يخرج بها ولدك ليغيظ بها ولده، فهذا ولده يخرج وفي يده الحبة الكبيرة من الفواكه وولد ذاك مسكين ليس عنده شيء، فلا تجعل ولدك يغيظ ولد جارك، بأن يخرج إليه بشيء لا يملك مثله، فيتألم الغلام الآخر.
وكذلك من الحقوق: إيصال الخير إليه بكل الطرق، مثل كف الضرر عنه بكل طريقة، ثم البدء بالسلام؛ لأنك لا بد أن تلقاه على باب البيت كثيراً، هو يدخل ويخرج، وأنت تدخل وتخرج، فابدأه بالسلام، ولا تطل معه الكلام بحيث تضايقه، ولا تجمع له الزلات ثم تحاسبه عليها كما تحاسب موظفاً أو سائقاً أو خادماً عندك، وأظهر السرور بما أسره، واصفح عن زلاته، ولا تطلع على عوراته، ولا تضايقه بوضع الجذع على جداره، ولا تطرح القمامة أمام بابه، ولا تضيق عليه الطريق، ولا تقف بسيارتك أمام باب (الكراج) -كما في هذه الأيام- أو تأخذ مكان سيارته المظلل الذي أمام بيته؛ لأنه -الآن- هناك مواقف قد تكون مخصصة، كل عمارة مثلاً تخصص لكل شقة موقفاً للسيارة، أو يأخذ المكان الذي أمام البيت بالضبط، أو يسد عليه مكان الخروج، واستر ما انكشف من عوراته.
стр. 75
حفظ دار الجار في غيبته
ولا تغفل عن ملاحظة داره عند غيبته، فقد يسافر ويرجع ويجد البيت كله مسروقاً، قال: والله رأينا سيارة شركة جاءت وحملت، فقلنا: يمكن أنك نقلت! والمشكلة الآن أنهم لا يدرون عن أحوال بعضهم، فهذا ينقل من المنطقة ولا تدري عنه أنه سينتقل من البيت، ثم بعد ذلك يقول: فكرنا أنك نقلت من البيت، وما هو إلا لص محترف، أتى بسيارة شركة وقال: عندي بيت، ومن الشركة التي تتأكد أن هذا بيت ملك فلان؟ بمجرد أنه عرف أن هذا البيت قد غاب صاحبه، فتح الباب وأتى بشركة، وقال: انقلوا الأثاث، وهو من بعيد لو وقع شيء لهرب، وإذا لم يقع شيء أخذ الأثاث، وهذا جاره يقول: أنا لا أدري، ظننتك نقلت، الجار نقل، خبر كبير كيف لا يدرى عنه؟! فلذلك إذا سافر الجار؛ من حق الجار عليه أن يلاحظ داره في غيبته، ولو رأى شيئاً أمام بيت الجار كأناس غرباء واقفين، فإنه يسألهم: ماذا عندكم؟ ماذا تريدون؟ لا بد أن تعتبر بيته مثل بيتك.
ولا تسمع كلاماً فيه بدون دليل، ولا تسمح لأحد أن يوغر صدرك عليه.
следующие страницы →